النص المفهرس

صفحات 101-120

الغائب ، وأما السلام الذي يقصد به الدعاء منّا بالتسليم من الله تعالى على
المدعو له ، سواء أكان بلفظ غيبة أو حضور .. فهذا هو الذي اختص به
صلى الله عليه وسلم عن الأُمة ، فلا يسلّم على غيره منهم إلا تبعاً ، كما أشار
إليه التقي السبكي في (( شفاء السَّقام))(١)، وحينئذ فقد أشبه قولُنا: ((عليه
السلام)) قولنا: ((عليه الصلاة)) من حيث إن المراد : عليه السلام من الله
تعالى ؛ ففيه إشعار بالتعظيم الذي في الصلاة من حيث الطلبُ لأَنَّ يكون
المُسَلِّمَ عليه اللهُ تعالى ، كما في الصلاة ، وهذا النوع من السلام هو الذي
جوز الحَليمي كونَ الصلاة بمعناه ) اهـ
الثانية :
استُدل بتعليمه صلى الله عليه وسلم لأصحابه كيفية الصلاة عليه بعد سؤالهم
عنها : أنها أفضل الكيفيات في الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه
صلى الله عليه وسلم لا يختار لنفسه إلا الأشرف والأفضل .
ومن ثمَّ صوَّب في (( الروضة)): ( أنه لو حلف ليصلين على النبي صلى الله
عليه وسلم أفضل الصلاة .. لم يبَرَّ إلا بتلك الكيفية)(٢).
ووجَّهه السبكي بأن من أتَى بها .. فقد صلى على النبي صلى الله عليه وسلم
بيقين ، وكان له الجزاء الوارد في أحاديث الصلاة بيقين ، وكل من جاء بلفظ
غيرها .. فهو من إتيانه بالصلاة المطلوبة في شك ؛ لأنهم قالوا : كيف نصلي
عليك؟ قال: ((قولوا ... )) فجعل الصلاة عليه منهم هي قول ذا. اهـ
ونقل الرافعي رحمه الله تعالى عن المروزي : أنه يَبَرُّ بـ(اللهم ؛ صلِّ على
محمد وآل محمد كلما ذَكَره(٣) الذاكرون ، وكلما سها عنه الغافلون ) ، وأخذ
(١) شفاء السقام (ص ٤٤).
(٢) روضة الطالبين (١١ /٦٥).
(٣) في النسخ : ( ذكرك ) ، وصوابه ما أثبت .
١٠١

ذلك من ذكر الشافعي رضي الله تعالى عنه لها في خطبة ((الرسالة))(١)، للكن
بلفظ ( غفل ) بدل ( سها) وأُوثرا على ( سَكَتَ ) ؛ لأن الساكت قد يكون
ذاكراً بقلبه ، والساهي والغافل من لم يذكر بقلبه ولا لسانه .
وظاهر سياق (( الرسالة)): أن ضمير (ذكره ) و(غفل عنه) راجع إلى الله
تعالى ، قال الأذرعي رحمه الله تعالى : وهو الوجه ، وبيَّنه غيره بأن الرب
سبحانه وتعالى هو الذي يوصف بكثرة الذكر عادة ، وبغفلة الذاكر عنه ، وإن
كان الكل صحيحاً والمعنى لا يختلف ، ولو استحضر المصلي الأمرين
جميعاً .. لكان حسناً .
وقول بعضهم : ذاكرُ النبي صلى الله عليه وسلم يعدُّ من ﴿الذَّكِرِينَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾، والغافلُ عن ذكره يعدُّ من الغافلين .. لا يُجْدِي
تَوجِيهاً ؛ لأن ذاكر الله تعالى كذلك .
قال النووي رضي الله تعالى عنه : ( ولعل الشافعي رضي الله تعالى عنه أول
من استعمل تلك الكيفية )(٢).
وقال القاضي حسين وغيره : طريق البرِّ : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد كما
هو أهله ومستحقه ) .
ونحوه قول بعضهم : أفضل الحمد والصلاة : ( اللهم ؛ لك الحمد كما
أنت أهله ، فصلِّ على محمد كما أنت أهله ، وافعل بنا ما أنت أهله ؛ فإنك
أهل التقوى وأهل المغفرة ) .
واختار البارزي أن الأفضل : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد وعلى آل محمد
أفضل صلواتك وعدد معلوماتك ) ؛ فإنه أبلغ .
وقيل : هو : ( اللهم ؛ صلِّ على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى كل نبي
وملَك وولي ، عدد الشفع والوتر ، وعدد كلمات ربنا التامات المباركات ) .
(١) الرسالة ( ص١٦).
(٢) روضة الطالبين (١١/ ٦٦) .
١٠٢

وقيل : هو : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي
الأُمي ، وعلى آله وأزواجه وذريته ، وسلَّم عدد خلقك ، ورضا نفسك ، وزِنَة
عرشك ، ومداد كلماتك ) ، قال بعض المحققين : وهذه أبلغ .
وقيل : هو : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد وعلى آل محمد وسلم ، عدد
خلقك ، ورضا نفسك ، وزنة عرشك ، ومداد كلماتك ) ، قال بعض
المحققين : وهذا مأخوذ من الحديث الصحيح في التسبيح ، وإنه أفضل من
غيره .
وقيل : هو : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد وعلى آل محمد صلاة دائمة
بدوامك ) .
وقيل : هو : ( اللهم ؛ يا رب محمد وآل محمد ؛ صلِّ على محمد ، وآل
محمد ، واجز محمداً صلى الله عليه وسلم ما هو أهله ) .
وقيل : هو : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد النبي ، وأزواجه أمهات
المؤمنين ... ) إلخ ما مر؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في حديثه: ((من سرَّه
أن يكتال بالمكيال الأوفى .. فليقل ذلك)) (١).
والذي أميل إليه وأفعله منذ سنين : أن الأفضل ما يجمع جميع ما مر
بزيادة ، وهو : ( اللهم ؛ صلِّ على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي ، وعلى
آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين ، وذريته وأهل بيته ، كما صليت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد ، وبارك على محمد
عبدك ورسولك النبي الأمي ، وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين ،
وذريته وأهل بيته ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين ،
إنك حميد مجيد ، وكما يليق بعظيم شرفه وكماله ورضاك عنه ، وما تحب
وترضى له ، دائماً أبداً ، عدد معلوماتك ، ومداد كلماتك ، ورضا نفسك ،
وزنة عرشك ، أفضل صلاة وأكملها وأتمها ، كلما ذكرك وذكره الذاكرون ،
(١) تقدم تخريجه (ص ٩١ ).
-
١٠٣

وغفل عن ذكرك وذكره الغافلون ، وسلم تسليماً كذلك ، وعلينا معهم ) .
فهذه الكيفية قد جمعت الواردَ في معظم كيفيات التشهد التي هي أفضل
الكيفيات كما مرّ ، وسائر ما استنبطه العلماء رضي الله تعالى عنهم من
الكيفيات ، وادَّعوا أنها أفضل ، وزادت عليهم زيادات بليغة ، تميزت بها ،
فلتكن هي الأفضل على الإطلاق .
ثم رأيت اليافعي رحمه الله تعالى قال : ( ينبغي أن يجمع بين الكيفيات
الثلاث فيقول ... )، وذكر بعض هذه الكيفية.
وبعض المحققين قال : ( لو جمع بين ما في الحديث ، وأثر الشافعي
رضي الله تعالى عنه، وما قاله القاضي حسين .. لكان أشمل ) اهـ
وهذه الثلاث مذكورة في هذه الكيفية التي استنبطتها ، مع ما فيها من
الزيادات .
وقال المحقق الكمال بن الهمام : ( كل ما ذُكر من الكيفيات موجود في :
(( اللهم ؛ صلِّ أبداً أفضل صلواتك على سيدنا عبدك ونبيك ورسولك محمد
وآله وسلم عليه تسليماً كثيراً ، وزده شرفاً وتكريماً ، وأنزله المنزل المقرب
عندك يوم القيامة )) ) اهـ
ولا شك أن الكيفية التي ذكرتها مشتملة على جميع ما في هذه وزيادة ،
فلتكن أولى منها وأفضل .
ونقل ابن مَسدي عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومَن
بعدهم : أن هذا لا يوقف فيه مع المنصوص ، وأن من رزقه الله تعالى بياناً ،
فأبان عن المعاني بالألفاظ الفصيحة المباني ، الصريحة المعاني ، مما يُعرب
عن كمال شرفه صلى الله عليه وسلم ، وعظيم حرمته .. كان ذلك واسعاً ،
واحتجوا بقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه : ( فأحسنوا الصلاة على نبيكم
صلى الله عليه وسلم ؛ فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه ) .
وحاول بعضهم كيفية تجمع جميع ما مر من الوارد ، وهي : ( اللهم ؛ صلِّ
١٠٤

وبارك وترحم على محمد عبدك ونبيك ورسولك النبي الأمي ، سيد
المرسلين ، وإمام المتقين ، وخاتم النبيين ، إمام الخير ، وقائد الخير ،
ورسول الرحمة ، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين ، وذريته وأهل بيته ، وآله
وأصهاره وأنصاره ، وأتباعه وأشياعه ومحبيه ، كما صليت وباركت وترحمت
على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين ، إنك حميد مجيد .
وصلِّ وبارك وترحم علينا معهم ، أفضل صلواتك ، وأزكى بركاتك ، كلما
ذكرك الذاكرون ، وغَفَلَ عن ذكرك الغافلون ، عدد الشفع والوتر ، وعدد
كلماتك التامات المباركات ، وعدد خلقك ، ورضا نفسك ، وزنة عرشك ،
ومداد كلماتك ، صلاة دائمة بدوامك .
اللهم ؛ ابعثه يوم القيامة مقاماً محموداً ، يغبطه به الأولون والآخرون ،
وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة ، وتقبّل شفاعته الكبرى ، وارفع
درجته العليا ، وأعطه سؤله في الدنيا والأُخرى ، كما آتيت إبراهيم وموسى .
اللهم ؛ اجعل في المصطفين محبته ، وفي المقربين مودته ، وفي الأعلين
ذِكْره ، واجزِه عنا ما هو أهله ، خير ما جزيت نبيّاً عن أُمته ، واجزِ الأنبياء
كلهم خيراً .
صلوات الله وصلوات المؤمنين على محمد النبي الأمي ، السلام عليك أيها
النبي ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه ، اللهم ؛ أبلغه منا السلام ، واردد
علينا منه السلام ، وأتبعه من أُمته وذريته ما تقرُّ به عينه ، يا رب العالمين ) .
وهذه وإن جمعت الألفاظ الواردة ، لكن الكيفية التي قدمتها أبلغ منها ؛
لاشتمالها على أصح الكيفيات ، مع زيادة أبلغيَّة متضمنة لمعاني جميع هذه
الألفاظ وزيادة .
واعلم أن صلاة التشهد التي مرَّت عن النووي رحمه الله تعالى أنها أفضل
الكيفيات .. لها كيفيات جاءت في الأحاديث الصحيحة وغيرها ، كما قدمتها
في ( الفصل الثاني ) ، فيحصل بكل منها المقصود ، لكن قال الشافعي
١٠٥

رضي الله تعالى عنه: الأفضل أن يقول - يعني في التشهد - : ( اللهم ؛ صلِّ
على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم ، وبارك
على محمد وآل محمد ، كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم ، إنك حميد
مجيد ) .
ونقله النووي في (( شرح المهذب)) عن الأصحاب أيضاً ، وقال : ( إنه
الأَوْلى، لكن بزيادة ((على)) قبل ((آل)) في الموضعين لثبوتها في روايات ،
قال : وينبغي أن يجمع ما في الأحاديث الصحيحة، فيقول: (( اللهم ؛ صلِّ
على محمد النبي الأمي ، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته ، كما صليت على
إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، وبارك على محمد النبي الأمي ، وعلى آل محمد
وأزواجه وذريته ، كما باركت على إبراهيم ، وعلى آل إبراهيم في العالمين ،
إنك حميد مجيد)))(١) .
زاد في (( الأذكار)) بعد ( محمد) في (صلِّ) فقط: ( عبدك
ورسولك)(٢)، وأسقط في ((الفتاوى)): ( النبي الأُمي) في (وبارك)(٣)،
واعترض بأنه فاته أشياء واردة تفضل ما زاده ، أو تزيد عليه كـ( أُمهات
المؤمنين ) بعد ( وأزواجه) ، ونحو ( وأهل بيته ) بعد ( وذريته ) ،
وكـ( عبدك ورسولك) في ( وبارك)، ونحو ( في العالمين) في الأُولى ،
ونحو ( إنك حميد مجيد) قبل (وبازك)، ونحو (وترحم على
محمد ) ... إلخ ( وصلِّ علينا معهم ) آخر التشهد ؛ لورودها عند الترمذي
وغيره .
ومنازعة ابن العربي فيها بأنها تكرار بلا فائدة ؛ لجريان قول في ( الآل )
بأنهم كل الأُمة ، وبالخلاف في الصلاة على غير الأنبياء ، وبأن راويها انفرد
بها .. مردودةٌ بأن راويها ثَبْتٌ ، فلا يضر انفراده على أنه لم ينفرد .
(١) المجموع (٤٣٠/٣).
(٢) الأذكار (١٧٠ ).
(٣) فتاوى الإمام النووي (ص٤٨).
١٠٦

والصلاة على غير الأنبياء تبعاً لا خلاف في جوازها ، وقد شرع الدعاء
للآحاد بما دعا به النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه في الحديث الصحيح :
(( اللهم ؛ إني أسألك من خير ما سألك منه محمد صلى الله عليه وسلم)) ،
والتكرار إنما يأتي عند القائل بأن ( الآل ) كل الأُمة ، على أنه لا محذور في
ذلك على هذا ؛ لأنه من عطف الخاص على العام ، ونكتته الاهتمام
بالخاص ، كما في: ﴿وَمَلَتَبِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَجِبْرِيلَ وَمِيكَلَ﴾.
واعترض الأذرعي ما مرَّ عن النووي رحمه الله تعالى أيضاً بأن التلفيق
يستلزم إحداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد ، فالأَوْلى أن
يأتي بأكمل الروايات ، ويقول كل ما ثبت مرة ، وسبقه لنحو ذلك بعض
الحنابلة .
وللعِزِّ بن جَمَاعة اعتراض عليه في قوله: ( ينبغي أن يأتي بـ(( إني ظلمت
نفسي ظلماً كبيراً كثيراً)) ليجمع بين الروايتين)، ورددته عليه في (( حاشية
الإِيضاح)) في ( مبحث الوقوف)(١)، فاستحضر نظيره هنا .. يظهر لك صحة.
(١) قال المؤلف رحمه الله تعالى في ((حاشيته على الإيضاح)) (ص ٣٣٠): ( قال المصنف -
يعني الإمام النووي -: (( ينبغي أن يجمع بينهما ، أي : لأنه حينئذ يتيقن النطق بما نطق به
صلى الله عليه وسلم ، وزيادة لفظة على الوارد لا تخرجه عن كونه نطق بالوارد ، وبذلك
يندفع قول ابن جماعة : ليس فيما ذكره إتيان بالسُّنَّةِ ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينطق
بهما ، وإنما الذي ينبغي : أن يدعو مرة بالمثلثة ، ومرة بالموحدة ؛ لنطقه حينئذ بالوارد
يقيناً )) اهـ
على أن ما قاله المصنف فيه إتيان بالوارد يقيناً في كل مرة بخلاف ما ذكره ابن جماعة ؛
فإنه ليس فيه إتيان به إلا في مرة من كل مرتين .
فإن قلت : لا يحتاج إلى ذلك - أي: إلى الجمع بين اللفظتين - ويحتمل اختلاف
الروايتين على أنه صلى الله عليه وسلم نطق بكل منهما ، فالنطق بكل سنة وإن لم ينطق
بالأخرى ؛ فلا يحتاج للجمع ، ولا أن يقول هذا مرة وهذا مرة .. قلت : هو محتمل ،
للكن ما ذكراه أحوط فقط ؛ لاحتمال أن أحد الروايتين بالمعنى وإن كان بعيداً ، كيف ؟!
وقد قال المصنف في ( شرح مسلم)) (١٧٨/١) في قول ابن الصلاح في رواية تقديم الحج
على الصوم في خبر (( بني الإسلام على خمس)): يحتمل أنها رواية بالمعنى: ((هذا =
١٠٧

اتجاه ما ذكره النووي رحمه الله تعالى .
واعترضه الإِسنوي بأنه يلزمه أن يجمع الأحاديث الواردة في التشهد ،
ورددته عليه في ((شرح العباب))، ويفرق بين ما هنا والقراءات؛ حيث لم يقل
أحد من الأئمة باستحباب التلاوة بجميع الألفاظ المختلفة في الحرف الواحد ،
وإن أجازه بعضهم عند التعلم للتمرن .. بأنا متعبَّدون بالإِتيان بألفاظ القرآن
على الكيفية الواردة ، فلم يُشرع لنا تغييرها بخلاف نحو ألفاظ الصلاة ؛ فإن
القصد بالذات معاني ألفاظها ، دون نفس ألفاظها ، فلم يتعين رعاية ذلك ،
وشُرع لنا الإِتيان بكل ما فيه زيادة في المعنى المطلوب من ذلك ، وهو زيادة
تعظيمه صلى الله عليه وسلم وتوقيره .
إذا تقرر ذلك .. فالذي يظهر : أنه متى كان بين لفظين واردين ترادف ..
تخيَّر بين أن يأتي بهذا أو بهذا ، وإلا: فإن أفاد كلٌّ ما لا يفيده الآخر .. أتى
بكل منهما ، وإن أفاد أحدهما معنى الآخر وزيادة .. أتى بما يفيد الزيادة ،
هذا كله إن استويا صحة ، وإلا آثر الصحيح .
واعلم أن مذهبنا أنه لا يتعين اللفظ الوارد في الصلاة عليه صلى الله عليه
وسلم في الصلاة ، وقيل : يتعين ؛ فعلى الأول : يكفي ( اللهم ؛ صلِّ على
محمد ) وكذا ( صلى الله على محمد ) على الأصح ؛ لأن الدعاء بلفظ الخبر
آكد ، بخلاف ( الصلاة على رسول الله ) صلى الله عليه وسلم لا يجزىء
اتفاقاً ؛ لأنه ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله سبحانه وتعالى ، فليس في معنى
الوارد .
=
ضعيف ؛ إذ باب احتمال التقديم والتأخير في مثل هذا قدح في الرواة والروايات ؛ فإنه لو
فتح ذلك .. لم يبق لنا وثوق بشيء من الروايات إلا القليل ، ولا يخفى بطلان هذا
وما يترتب عليه من المفاسد ، وتعلق من يتعلق به ممن في قلبه مرض ، ولأن الروايتين قد
ثبتتا في الصحيح ، هما صحيحتا المعنى ، لا تنافي بينهما )) اهـ ملخصاً .
وبتأمله يعلم قوة ما ذكرته من أن النطق بكل سنة ، وأنه لا يحتاج للجمع المذكور إلا
لمجرد الاحتياط ) .
١٠٨

ومن ثَمَّ قال النيسابوري : لا يكفي صليتُ على محمد ؛ لأن مرتبة
العبد تقصر عن ذلك ، بل يسأل ربه أن يصلِّي عليه ، وحينئذ فالمصلِّي حقيقة
هو الله تعالى ، وتسمية العبد مصلياً عليه مجاز عن سؤاله الصلاة من الله تعالى
عليه .
ويؤيده قول أبي اليُمن ابن عساكر : ( حَسَنٌ قول مَن قال: لَمَّا أمرنا الله
تعالى بالصلاة على رسوله صلى الله عليه وسلم .. لم نبلغ معرفة فضيلتها ،
ولم ندرك حقيقة مراد الله عزَّ وجل فيه ، فأَحَلْنا ذلك إلى الله سبحانه وتعالى ،
فقلنا : اللهم ؛ صل أنت على رسولك ؛ لأنك أعلم بما يليق به ، وبما أردته له
صلى الله عليه وسلم ) .
ويجوز إبدال لفظ ( محمد) بـ(النبي) و(رسول الله)، لا بـ(أحمد)،
ولا بالضمير ، وإن سبق ما يعود عليه ؛ لأن العَلَم يشبه المتعبد به ؛ فلم
يُجْزىء نظيره ، وأجزأ عنه الوصف ؛ لأنه أعلى منه ، وظاهر أنه لا يجزيء
( الرسول ) بدل ( النبي ) لقول الشافعي رضي الله عنه ، كما نقله البيهقي
والعبَّادي: ( يكره أن يقال: ((قال الرسول))، ولكن (( قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم)) تعظيماً له)(١) أي: لأن لفظ الرسول يشمل غير النبي ،
فلا تعظيم فيه ، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾ لأنه سبحانه وتعالى
يخاطب عبده بما شاء ، على أن فيه غاية التعظيم ؛ إذ معناه : يا أيها الرسول
عَنِّي ، بخلافه من غيره ؛ فإنه ليس نصّاً في ذلك ، وإن قال عقبه : صلى الله
عليه وسلم .
ولا تجزىء الصلاة إلا بعد فراغ جميع التشهد ، لأنها ركن مستقل ، فوجب
الترتيب بينهما ، ووقع لبعضهم هنا وَهَمٌّ ، فاحذره .
وإنما اكتفي في الوجوب بـ( اللهم ؛ صلِّ على محمد ) مثلاً، مع مخالفته
للكيفيات الواردة في تعليم الصلاة ؛ لأن الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله
(١) مناقب الشافعي (٢٢٤/١) .
١٠٩

تعالى: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ﴾ فلما سأل الصحابةُ عن الكيفية ، وعلَّمها النبيُّ صلى الله
عليه وسلم لهم ، واختلف النقل لتلك الألفاظ .. اقتُصر على ما اتفقت عليه
الروايات ، وتُرك الزائد عليه ، كما في التشهد ؛ إذ لو وجب المتروك .. لَما
سکت عنه .
وقيل : يجب ذكر إبراهيم ؛ لأن أقل ما وقع في الروايات: (( اللهم ؛ صلِّ
على محمد ، كما صليت على إبراهيم )) ، ورُدَّ بأنه ورد بدون ذِكْره في حديث
زيد بن خارجة عند النسائي بسند قويٍّ، ولفظه: (( صلوا عَلَيَّ ، وقولوا :
اللهم ؛ صلِّ على محمد، وعلى آل محمد ))(١) ، ونُظِر فيه بأنه من اختصار
بعض الرواة ؛ فإن النسائي أخرجه من هذا الوجه تامّاً ، ويُرَدُّ بأن إخراجه له
كذلك لا يعيّن الاختصار ؛ لجواز أن يكون سمعه مرتين ، مختصراً وتامّاً ،
فتمت الحجة به ؛ لأن الأصل عدم الاختصار .
والإِتيان خارج الصلاة بصيغة الطلب .. أفضل منه بصيغة الخبر ؛ لأنها
الواردة عقب التشهد ، وأُجيب عن إطباق المحدثين على الإِتيان بها خبراً بأنه
مما أمرنا به من تحديث الناس بما يعرفون ؛ إذ كُتُب الحديث يجتمع عند
قراءتها أكثر العوام ، فخِيفَ أن يفهموا من صيغة الطلب أن الصلاة عليه لم
توجد من الله سبحانه وتعالى بعدُ ، وإنما طلينا حصولها له ، فأُتي بصيغة يتبادر
إلى أفهامنا منها الحصولُ ، وهي مع إبعادهم من هذه الورطة متضمنة للطلب
الذي أمرنا به .
وحكمة اقتصاره صلى الله عليه وسلم في كثير من الروايات السابقة على
اسمه العَلَم بقوله: (( قولوا: اللهم ؛ صلِّ على محمد ))، مع أنه في مقام
تعليمهم ما هو اللائق به صلى الله عليه وسلم .. أنه آثر التواضع لربه سبحانه
وتعالى ، أو مع أبيه إبراهيم فإنه ذكره باسمه العَلَم ، ولم يأت له بوصفٍ ؛
إشارةً إلى أن شهرةَ عظيمٍ أوصافه تغني عن ذِكْرها ، وإتباعه في بعض الروايات
(١) أخرجه النسائي في ((الكبرى)) (١٢١٦).
١١٠

السابقة بـ(( عبدك ونبيك ورسولك ... )) إلخ ؛ لبيان ما يقتضيه حق مقام النبوة
من مزيد التأدب معه بذكر عظيم أوصافه .
والحاصل : أن شهوده صلى الله عليه وسلم كان يتفاوت ، فتارةً يؤثر مقام
التواضع وهو الأكثر في الروايات ، وتارةً يؤثر بيان ما هو الواقع ؛ مبالغةً في
نصح الأمة وإرشادهم إلى الأَوْلى والأكمل ، وقد يجب هذا كما في ( السلام
عليك أيها النبي ) في التشهد ؛ فإنه لا يُجزىء غير هذا اللفظ ، اقتصاراً على
الوارد لتطابق جميع روايات التشهد عليه ، بخلاف روايات تعليم كيفية
الصلاة ؛ فإنها اختلفت كما مرَّ .
وحكمة اتفاقها ثَمَّ واختلافها هنا : أنه هنا مقتضٍ للتواضع ، وهو مقابلة
اسمه باسم أبيه إبراهيم صلى الله عليهما وسلم ، فآثره في الأكثر كما مرَّ ، وفي
التشهد لا مقتضى له ، فآثر ما هو الأنفع للأمة ، وهو إتيانهم بما هو الأليق
بکماله صلی الله عليه وسلم .
واقتصر صلى الله عليه وسلم على اسمه محمد في حديث الترمذي الآتي في
( الخامس والثلاثين من الأحوال التي تستحب فيها الصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم) ، حيث علَّم الأعمى أن يقول: (( يا محمد ؛ إني متوجه بك إلى
ربي ... )) إلخ(١)؛ لأنه في مقام الدعاء والتوسل به صلى الله عليه وسلم ،
فكان التواضع أليق به ، على أنه بَيَّنَ حق المقام بقوله قبلَ ( يا محمد ) : ( نبيك
نبي الرحمة ) فتأمل ذلك ، وأعرض عمَّا سواه .
وحكمة قول عيسى في حديث الشفاعة: ((اذهبوا إلى محمد)) .. الإِعلامُ
بمقامه المحمود الذي اختص به ذلك اليوم ، ولهذا يقال له صلى الله عليه
وسلم لَمَّا يخر ساجداً لربه سبحانه وتعالى: (( يا محمد؛ ارفع رأسك))(٢)
إشعاراً بذلك ، وبقبول شفاعته صلى الله عليه وسلم ، ومن ثم قيل له عَقِبَهُ :
(١) سيأتي تخريجه (ص ٢٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤).
١١١

((قل .. يُسمع لك)) (١)، ولَمَّا خلا نداؤنا له صلى الله عليه وسلم في حياته
وبعد موته بـ( يا محمد ) عن التعظيم .. كان حراماً ، كما يأتي أواخر الكتاب .
الثالثة :
صرح النووي رحمه الله تعالى في ((أذكاره)) وغيره بكراهة إفراد الصلاة عن
السلام وعكسه ، واستدل بورود الأمر بهما معاً في الآية(٢)، واعتُرِض بما مرَّ
في الأحاديث من أن تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة ، فأفرد التسليم مدة
قبل الصلاة في التشهد ، ويردُّ بأن الإِفراد في ذلك الزمن لا حجة فيه ؛ لأنه لم
يقع منه صلى الله عليه وسلم قصداً ، كيف والآية ناصَّةٌ عليهما ؟! وإنما يحتمل
أنه علَّمهم السلام ، وظن أنهم يعلمون الصلاة ، فسكت عن تعليمهم إياها ،
فلما سألوه عن تعليمها .. أجابهم لذلك ، على أنه لا إفراد حقيقة ، لما يأتي
في معنى قولهم : ( كيف نصلي عليك ) ، والحق أن المراد بالكراهة خلاف
الأَوْلى؛ إذ لم يوجد هنا مقتضيها من النهي المخصوص ، وما وقع في (( الأُم))
وغيرِها من الإِفراد خطاً لا دليل فيه ؛ لاحتمال الجمع لفظاً .
فإن قلت : الإِفراد خطأً مكروه أيضاً على ما صرح به غير واحد .. قلت :
هو وإن صرح به الزين العراقي وغيره .. فيه نظر ؛ فقد وقع من الشافعي وغيره
كما تقرر ، وهو يرد على من ادعى الكراهة .
قيل : والمراد بالسلام في قولهم : ( أما السلام عليك فقد عرفناه ) ..
سلامٍ التحلل من الصلاة ، وهو بعيد جداً ، والأظهر - بل الصواب - : أنه
ما علَّمه لهم في التشهد ، وهو : ( السلام عليك أيها النبي ) .
ومما ورد في فضل السلام عليه صلى الله عليه وسلم حديثُ: (( لَمَّا كانت
ليلة بُعثت .. ما مررت بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله))(٣).
(١) أخرجه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم ( ١٩٣).
(٢) الأذكار (ص٢١٤) .
(٣) ذكره الإمام السخاوي في ((القول البديع)) (ص١٥٩)، وأخرجه البيهقي بنحوه في ((دلائل =
١١٢

وحديثُ: ((إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليَّ قبل أن أُبعث))(١)،
وفي لفظ: ((إن بمكة حجراً كان يسلم عليَّ ليالي بعثت ، إني لأعرفه إذا مررت
عليه))(٢)، وفيه إيماء إلى ما اشتهر على ألسنة الخلف عن السلف أنه الحجر
البارز الآن بزقاق المرفق ؛ لأنه كان على ممرِّه صلى الله عليه وسلم إلى بيت
خديجة .
وحديثُ: «عَلَّمَ جبريل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يتوضأ ،
فتوضأ ثم صلى ركعتين ثم انصرف ؛ فلم يمر على حجر ولا مَدَر .. إلا وهو
يسلم عليه يقول: سلام عليك)) (٣).
واختلف في معناه :
فقيل : ( السلام ) الذي هو من أسماء الله تعالى ( عليك ) أي : لا خلوت
من الخير والبركة ، وسلمت من كل مكروه ؛ لأن اسم الله تعالى المنقول من
معنى إذا ذكر على شيء .. أفاده ذلك.
وقيل : بمعنى السلامة من المذام والنقائص ؛ فمعنى ( اللهم سلم عليه ) :
اللهم اكتب له في دعوته وأُمته وذِكْرِه السلامةَ من كل نقص ؛ لتزداد دعوته على
ممر الأيام علواً ، وأُمته تكاثراً ، وذِكْره ارتفاعاً .
وقيل : من المسالمة والانقياد ، وعلى الأَخيرين إنما عُدِّيَ بـ( على ) لأنَّ
المعنى : قضى الله به عليك ، وقضاؤه تعالى إنما ينفذ في العبد من أجل مُلْكه
وسلطانه الذي عليه ؛ فلإفادة ( على ) ذلك كانت أبلغ من ( لك ) .
وخُوطِبَ بالحضور مع أن سياق التشهد يقتضي الغَيْبة ؛ لأن المصلي لَمَّا
(١) أخرجه مسلم (٢٢٧٧)، وابن حبان (٦٤٨٢)، وأحمد (٨٩/٥)، وغيرهم .
=
النبوة)) (٦٩/٦).
(٢) أخرجه الترمذي (٣٦٢٤)، والطبراني في «الكبير)) (٢٤٥/٢)، وأحمد (١٠٥/٥).
(٣) لم نجده بتمامه، وعزا الإمام الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٨/ ٢٦٢) شطره الثاني إلى
البزار .
١١٣

استفتح باب الملكوت بالتحيات .. أُذن له بالدخول في حرم الحي الذي
لا يموت ، فقرَّت عينه بالمناجاة ، فنُبِّه على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة وبركة
متابعته ، فالتفتَ فإذا الحبيب حاضر ثَمَّ ، فأقبل عليه قائلاً ( السلام
عليك ... ) إلخ .
ولا يعارِضُ وجوبَ الخطاب الخبرُ الدالُّ على اختصاص ذلك بحياته
صلى الله عليه وسلم ، وهو ما صح عن ابن مسعود : ( أنهم كانوا في حياته
صلى الله عليه وسلم يقولون في التشهد : السلام عليك أيها النبي ، فلما
قُبض .. قالوا السلام على النبي)(١) لِمَا بينته في ((شرح العباب))(٢).
وأيضاً : فلفظه ليس صريحاً في أن هذا إجماع ، وإنما هو حكاية عن
جمع ، وليس حجة على غيرهم ، على أنه يلزمهم أحد أمرين : إما أنهم في
بُعدهم عنه في حياته بنحو سفر كانوا لا يخاطبونه ، فينافي عموم قوله : ( كانوا
(١) أخرجه البخاري (٦٢٦٥)، والبيهقي (١٣٨/٢)، وأبو عوانة (٢٠٢٢)، وغيرهم .
(٢) في هامش (ج): ( قال شيخنا في (( شرحه على العباب)): وخوطب صلى الله عليه وسلم
كأنه إشارة إلى أنه تعالى يكشف له عن المصلين من أمته حتى يكون كالحاضر معهم بأفضل
أعمالهم ، وليكون بذلك حضوره سبباً لمزيد الخشوع والحضور ، ثم رأيت الغزالي قال في
((الإحياء)): ((وقبل قولك : السلام عليك أيها النبي .. أحضر شخصه الكريم في قلبك ،
وليصدق أملك في أنه يبلغه ويرد عليك بما هو أو فى )) اهـ
ولا ينافي ما تقرر قول ابن مسعود: (( كنا نقول في حياة رسول الله صلى الله عليه
وسلم : السلام عليك أيها النبي ، فلما قبض صلى الله عليه وسلم .. قلنا : السلام على
النبي)) وذلك ؛ لأن هذا اللفظ رواية أبي عوانة ، ورواية البخاري الأصح منها بينت أن ذلك
ليس في قول ابن مسعود ، بل من فهم الراوي عنه، ولفظها: ((فلما قبض .. قلنا : سلام))
يعني: على النبي، فقوله: ((قلنا : سلام)) يحتمل أنه أراد به استمررنا على ما كنا عليه في
حياته ، ويحتمل أنه أراد أعرضنا عن الخطاب ، وإذا احتمل اللفظ .. لم يبق فيه دلالة ،
وحيث لم يبق فيه دلالة .. لم يصح المعارضة وجوب الخطاب ؛ إذ وجوب الخطاب عرف
واستمر ، إذ لم يعارضه ما يستدل به على الإعراض .. الخطابُ في لفظ ابن مسعود على
رواية البخاري ، ولا ينظر إلى لفظ أبي عوانة ؛ إذ رواية البخاري أصح ، وقد بينت أن لفظ
ابن مسعود ليس فيه على النبي، وإنما هو: (( قلنا : سلام)) ففهم الراوي أن المراد : سلام
على النبي ، فقال : على النبي ) .
١١٤

في حياته يقولون : السلام عليك ) ، وإما أنهم يخاطبونه ، فهو في مماته كهو
حالَ بُعدهم عنه في حياته ؛ إذ هو حي في قبره يصلي كما يأتي(١).
ووصف أولاً بالنبوة هنا ، ثم بالرسالة آخر التشهد ؛ لأنهما كذلك وجدتا
في الخارج لتقدم نبوته على رسالته بنحو ثلاث سنين ، كما بينته في أول (( شرح
الشمائل ))(٢) .
وقدم السلام على الصلاة هنا عكس الآية ؛ لأن الغرض المقصود منها
التعليم والإِتيان بالمأمور به ، وذلك يُبدأ فيه بالأهم الأحق بالمعرفة والفعل ،
وهو الصلاة ؛ لأنها لعلوِّ مقامها اختصت بالله تعالى وملائكته ، ولأنها تستلزم
السلام بمعنى التحية بخلاف السلام ؛ فإن من معانيه ما لا يتأتى في حق الله
تعالى وملائكته ، وهو الانقياد والإِذعان كما مرَّ ، وأيضاً : فهو لا يستلزم
الصلاة ، فكان دونها في الرتبة .
ومبنى الصلاة ذات الأركان على أنه يُترقى فيها من الأدنى إلى الأعلى في
كل مقام من مقاماتها ، وتشهُّدُها الأخير هو غايتها ، فبُدىء فيه بالثناء على الله
تعالى بأكمل الأوصاف وأجمعها ، وهو إثبات التحيات وما بعدها لله تعالى
على الوجه الأكمل الأبلغ ، وهذا هو الغاية المطلوبة من الصلاة بالنسبة إلى
تعظيم الله سبحانه وتعالى والخضوع [له] .
(١) قول المصنف رحمه الله تعالى: ( كهو حال بعدهم) .. كثيراً ما يستعمله الفقهاء ، وهو
قليل ، فإن الكاف لا تجرُّ إلا الظاهر فقط ، وجرها ضمير الغائب المرفوع والمنصوب ..
شاذ من جهتين : كون مدخولها ضميراً ، وكون ذلك الضمير ضميرَ رفع أو نصب . انظر
((حاشية الصبان على الأشموني)) (٢٠٩/٢).
(٢) قال المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه ((أشرف الوسائل إلى فهم الشمائل)) (ص٤٦) بعد أن
ساق قصة نزول الوحي عليه صلى الله عليه وسلم في غار حراء ، وفتور الوحي بعد ذلك
ثلاث سنين ، ثم نزول ( يا أيها المدثر ) : ( وبان بما تقرر أن نبوته كانت متقدمة على
رسالته، وبه صرح أبو عمر وغيره، وعليه يحمل قول صاحب ((الأصول)): (( الصحيح
عند أهل العلم بالأثر أنه بعث على رأس ثلاث وأربعين سنة)) اهـ فكان في ( اقرأ) نبوته ،
وفي ( المدثر ) رسالته بالنذارة والبشارة والتشريع ؛ لأن هذا قطعاً متأخر عن الأول ) .
١١٥

ثم لَمَّا تمَّ هذا المقام .. انتقلنا لمقام من وصلت لنا تلك الهداية الباهرة
على يديه ، فابتدأناه بمخاطبته بالسلام عليه ؛ إشارةً إلى حضوره معنا
بالمعنى ، ثم بالسلام على خلفائه في الهداية والبلاغ ، وهم الصالحون ، ثم
ختمنا ذلك بمقام التوحيد الذي به ينتظم شمل تينك المرتبتين ؛ مرتبةِ الثناء
على الله تعالى ، والثناءِ على رسوله صلى الله عليه وسلم وخلفائه .
ثم لَمَّا تمَّ ذلك انتقلنا إلى أعلى ما يستحقه صلى الله عليه وسلم علينا من
الثناء ، وهو الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ، فختمنا به ، وجعلناه وصلة
إلى استجابة دعائنا الذي أُمِرنا به عَقِبَه، فتأمل ذلك وتدبره .. تعلم فُرقان
ما بينه وبين غيره مما أُطيل به في الجواب عن ذلك ، مع أنه لا يُجدي شيئاً ،
كما يعلمه من وقف عليه .
الرابعة :
اختلف في المراد بقولهم : كيف نصلّي عليك ؟ فقيل : هو سؤال عن
صفتها لا عن جنسها ؛ لأنهم فهموا أصلها ، فسألوا عن الصفة اللائقة به
صلى الله عليه وسلم ليستعملوها .
وقيل : عن معناها ، وبأي لفظ تؤذَّى ؛ لأن لفظها المأمور به في قوله
تعالى: ﴿صَلُواْ عَلَيْهِ﴾ يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم ، فسألوا : بأيِّ لفظ
يؤدّى ذلك ؟
والأرجح الأول ، كما قاله الباجي وغيره ، وجزم به القرطبي ؛ لأن لفظ
( كيف ) ظاهر في الصفة ، وأما الجنس فيسأل عنه بـ( ما ).
والحامل لهم على ذلك أن السلام لَمَّا ورد في التشهد بلفظ مخصوص ..
فهموا أن الصلاة أيضاً تقع بلفظ مخصوص ، ولم يفروا إلى القياس لتيسر
الوقوف على النص ، سيما والأذكار يُرَاعَى فيها اللفظ ما أمكن ، فوقع الأمر
كما فهموه ؛ فإنه لم يقل لهم : كالسلام ، بل علَّمهم صفة أخرى .
١١٦

الخامسة :
في بيان ألفاظ مرَّت في صلاة التشهد :
منها : ( اللهم ) كلمة كثر استعمالها في الدعاء ، وهي بمعنى : يا أَّه ،
فـ (الميم ) عوض عن ( يا)، ومن ثَمَّ لا يجمع بينهما إلا نادراً، ولا يقال :
اللهم عفوٌ ، بل اعف ، أو عفواً بالنصب ، وقيل : ميمها كـ(واو) الجمع ؛
أي : يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى ، وشُدِّدَت لتكون عوضاً عن علامة
الجمع ، ومن ثَمَّ جاء عن الحسن البصري : أنها مجتمع الدعاء ، وعن
النضر بن شميل : من قالها .. فقد سأل الله تعالى بجميع أسمائه ، وعن أبي
رجاء : أن في مادتها تسعة وتسعين اسماً من أسمائه تعالى .
و( محمَّد ): عَلَمٌ منقول من اسم مفعول المُضَعَّف ، لمن كثرت خصاله
المحمودة ، وقد كثرت محامده صلى الله عليه وسلم حتى صار هو صاحبَ
المقام المحمود ، الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، ويحمده فيه أهل
الموقف كلُّهم ، فجمعت له معاني الحمد وأنواعه ، وجعل لواؤُه صلى الله عليه
وسلم لواءَ الحمد ، وهو اللواءُ الجامع الذي دخل تحته آدم ومَن دونه ، ومما
يدل على عظم موقعه : أنه تعالى يلهمه نبيّه صلى الله عليه وسلم حين يخر
ساجداً .
ولم يسمَّ بـ( أحمد ) أحد قبله صلى الله عليه وسلم ولا بـ( محمد ) ، للكن
لما شاع قبيل ولادته صلى الله عليه وسلم أن نبياً يبعث اسمه محمد .. سمّى
قوم من العرب أبناءهم بذلك ؛ رجاء أن يكون أحدهم هو ، والله أعلم حيث
يجعل رسالته، وعدتهم خمسة عشر، خلافاً لما في ((الشفا))
و((الروض))(١)، وفيه كبقية أسمائه صلى الله عليه وسلم أبحاث بينتُ المهم
(١) قال الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي في ((سبل الهدى والرشاد)) (١/ ٥٠٣):
( والذين سمُّوا محمداً في الجاهلية دون العشرين، وحمى الله تعالى هؤلاء أن يدَّعي أحدٌ
منهم النبوة ، أو يدعيها أحد له ، أو يظهر عليه شيء من سماتها ، حتى تحققت لنبينا
صلى الله عليه وسلم ) وذكرهم ستة عشر :
١١٧
=

منها في ((شرح الشمائل)) (١).
=
مُحمَّد بنُ أُحَيْحَةَ بنِ الجُلاَحِ بن الحَرِيشِ ، ومُحمَّد بنُ أُسَامة بنِ مَالكِ بنِ حُبيب بن
العَنْبَرِ ، ومُحمَّد بن البَرّ بن طريفَ بن عُنْوَارة، ومُحمَّد بنُ الحارث بنِ حُدَيْجِ بْنِ حُوَيْص ،
ومُحمَّد بن حِرْماز، ومُحمَّد بن حمران بن أبي حمران، ومُحمَّد بن خُزَاعِي، ومُحمَّد بن
خَوْلي الهمداني ، ومُحمَّد بن سفيان بن مُجَاشع جدُّ جدِّ الفرزدق ، ومُحمَّد بن عدِيّ بن
ربيعة بن سَوَاد بن جُشَم ، ومُخَمد بن عمر بن مُغْفِل، ومُحمَّد بن اليُحْمِد ، ومُحمَّد بن
يزيد بن عمرو بن ربيعة، ومُحمَّد الأُسَدِيِّ، ومُحمَّد الفُقَيْمي ، ومحمَّد بن عقبة بن
◌ُحَيْحَة بن الجُلاَح الأوسي، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في (( فتح الباري)»
(٥٥٦/٦) في الأخير والأول: ( لا أدري أهما واحد نسب مرة إلى جده ، أم هما اثنان ).
وذكرهم القاضي عياض ستة لا سابع لهم فقال في (( الشفا)) (ص ٢٨٧): (هم :
محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي ، ومحمد بن مسلمة الأنصاري ، ومحمد بن براء
البكري ، ومحمد بن سفيان بن مجاشع ، ومحمد بن حمران الجعفي ، ومحمد بن خزاعيّ
السُّلَمي ) .
وذكرهم السهيلي في (( الروض الأنف)) (٩٥/٢) ثلاثة: ( هم : محمد بن سفيان بن
مجاشع جد الفرزدق الشاعر ، والآخر محمد بن أحيحة بن الحريش ، والآخر محمد بن
حمران بن ربيعة ) .
(١) في هامش (ج): ( قال شيخنا المؤلف في ((شرحه على الشمائل)): إذ صيغة التفعيل في
محمد منبئة على التضعيف والتكثير إلى ما لا نهاية له ، وصيغة أفعل في أحمد منبئة عن
الوصول لغاية ليس وراءها منتهىّ ؛ إذ معنى أحمد : أحمد الحامدين لربه بما يفتح عليه يوم
القيامة بمحامد لم يفتح بها على أحد قبله ، فيحمد ربه بها ؛ ولذا يعقد له لواء الحمد ثَمَّ ،
ولم يكن محمداً حتى كان أحمد ، حمد ربه فكناه وشرفه ؛ ولذلك تقدم في قول موسى :
((اللهم؛ اجعلني من أمة أحمد))، وقول عيسى: ﴿أَسْمُهُ أَحَدٌ﴾ [الصف: ٦] على محمد ؛
لأن حمده لربه كان قبل خلق حمد الناس له ، فلما وجد وبعث .. كان محمداً بالفعل ،
فَبِأحمد ذكر قبل أن يذكر بمحمد ، وكذلك في الشفاعة يحمد ربه بتلك المحامد التي لم يفتح
بها على أحد قبله ، فيكون أحمد الحامدين لربه ، ثم يشفع فيُحمد على شفاعته ، فتقدم
أحمد ذكراً ووجوداً ودنيا وأُخرى. هذا حاصل كلام السهيلي [الروض (٩٦/٢ )] ،
وجرى عليه القاضي في ((الشفا)) [ص٢٨٦] وغيره ، وهو أظهر من دعوى ابن القيم في
أحمد : أنه قيل فيه : إنه بمعنى مفعول ؛ أي : إنه أولى الناس بأن يحمد ، فهو بمعنى :
محمد وإن تفارقا : أن محمداً كثير خصال يحمد عليها ، وأحمد : هو الذي يحمد أفضل مما
يحمد غيره، ولو أريد أكثر حمداً لربه .. لكان أولى به الحمّاد، ومن مزاياهما مساواتهما
الحروف الجلالة ، ومن مزايا محمد موافقته لمحمود من أسمائه تعالى ، ومن ثَمَّ =
١١٨

و( الأُميُّ) - بالتشديد - : منسوب إلى الأُم ، وهو الذي لا يكتب ولا يقرأ
المكتوبَ ، كأنه على أصل ولادة أُمه أو مثلها ؛ إذ الغالب في النساء عدم
الكتابة ، وقيل : نسبة لِأُم القرى ، وقيل : للأُمة التي لا تقرأ ولا تكتب في
الأغلب ، وهم العرب ، وقيل : للأُمة لكثرة اهتمامه بها ، وقيل : لِأُم الكتاب
لنزولها عليه ، أو لدعائه إلى التصديق بها ، وقد كان عدمُ الكتابة معجزة لنبينا
صلى الله عليه وسلم مع ما أوتيه من العلوم التي لا حدَّ لها ولا غاية ، ووقوعُ
الكتابة منه في قصة الحديبية على الخلاف فيه .. معجزة له أيضاً .
و( أزواجه ) صلى الله عليه وسلم :
- أولهن : خديجة رضي الله تعالى عنها ، تزوجها وهي بنت أربعين ، وهو
ابن خمس وعشرين سنة ، وبقيت معه إلى أن أكرمه الله تعالى برسالته ، فآمنت
به ونصرته ، وكلُّ أولاده عليه الصلاة والسلام منها إلا إبراهيم ؛ فإنه من سُرِّيَّته
مارية القبطية ، وماتت قبل الهجرة بثلاث سنين في الأصح .
- ثم سَوْدة بنت زَمْعة ، تزوجها قبل أن تُفرض الصلاة على الجنازة بعد
موت خديجة بأيام ، وماتت سنة ثلاث وعشرين .
- ثم عائشة رضي الله تعالى عنها ، ولم يتزوج صلى الله عليه وسلم بكراً
غيرها ، وبنى بها في شوالٍ - ثامن شهور الهجرة - وهي بنت تسع ، ماتت في
رمضان سنة ثمان وخمسين .
- ثم حفصة بنت عمر رضي الله تعالى عنهما ، تزوجها في شعبان بعد ثلاثين
شهراً من الهجرة ، توفيت رضي الله تعالى عنها في شعبان سنة خمس
وأربعين .
قال حسان [في ((ديوانه)) (٣٠٦/١) من الطويل] :
=
وشقَّ له من إِسمه ليُجلَّه
فذو العرش محمود وهذا محمد
قيل عن كعب : إن اسم محمد مكتوب على ساق العرش في السماوات السبع ، وفي
قصور الجنة ، وورق طوبى ، وسدرة المنتهى ، وأطراف الحجب ، وبين أعين الملائكة ،
وعلى ورد الدنيا بالهند ، وعلى جنب سمكة ، وأذن أُخرى ).
١١٩

- ثم زينب بنت خزيمة الهلالية ، وتُكْنى: أُمَّ المساكين ؛ لكثرة نفقتها
عليهم ، تزوجها في رمضان من السنة الثالثة ، ثم ماتت بعد ثمانية أشهر ، ولم
يمت منهن بعد الهجرة بالإِجماع في حياته غيرها .
- ثم أُمُ سلمة ، تزوجها أواخر شوالٍ سنة أربع ، وماتت سنة اثنتين
وستين .
- ثم زينب بنت جحش تزوجها لهلال ذي القعدة سنة أربع على الأصح ،
وماتت سنة عشرين .
- ثم جُوَيْرِيَة بنت الحارث المُصْطَلقِيَّة تزوجها سنة ست ، وماتت سنة ست
وخمسين .
- ثم ريحانة بنت شمعون من بني النضير إخوة قريظة ، وقعت في سَبْي بني
قريظة ، فأعتقها صلى الله عليه وسلم وتزوجها بصَدَاق خمس مئة درهم كبقية
نسائه ، وقيل : كانت سُرِّيَّة ، وماتت في حياته ، وقيل : بعده .
- ثم أُم حبيبة بنت أبي سفيان الأُموية ، تزوجها صلى الله عليه وسلم وهي
عند النجاشي سنة سبع ، وأصدقها عنه أربع مئة دينار ، وماتت بالمدينة بعد
الأربعين .
- ثم صفية الإِسرائيلية ، من ولد هارون أخي موسى صلى الله على نبينا
وعليهما وسلم ، تزوجها سنة سبع ، وماتت سنة خمس - وقيل : اثنتين -
وخمسين .
- ثم ميمونة بنت الحارث الهلالية ، تزوجها بسَرِف ، وماتت سنة إحدى
وخمسين ، ودفنت به .
فهؤلاء الاثنتا عشرة جملةٌ من دخل بهن ، وعقد على سبع ولم يدخل
بهن(١) .
(١) لتمام الفائدة انظر ((سبل الهدى والرشاد)) (١٤٠/١٢_١٥٥).
١٢٠