النص المفهرس

صفحات 61-80

ومنها : اختصاص الأنبياء بأنهم الذين قامت بهم حجة الله على خلقه ،
وبأن آدم منهم سجد له الملائكة ، والمسجودُ له أفضل من الساجد .
ومنها : أن للبشر طاعات لم يثبت مثلها للملائكة كالجهاد والغزو ،
ومخالفة الهوى ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والصبر على البلايا
والمحن .
ومنها : أن طاعات البشر أكمل ؛ لأن الله تعالى كلفهم بها مع وجود
صوارفَ عنها قائمة بهم وخارجة عنهم ، ولا شك أن فعل الشيء مع مشقته
ووجود الصارف عنه .. أبلغُ في الطاعة والإِذعان من فعله مع عدم ذلك ؛ إذ
لا امتحان فیه بوجه .
لا يقال : جُعلت صلواتهم كالتشريف له صلى الله عليه وسلم ، وذلك يدل
على أفضليتهم عليه ؛ لأنا نقول : يُبطل ذلك أمر المؤمنين بالصلاة عليه أيضاً ؛
بل ربما يعكس ذلك ، ويقال : جعلت صلواتهم قربة منهم إليه ، وهذا صريح
في أفضليته عليهم .
واحتج كثيرون لأفضليتهم بقوله تعالى: ﴿ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾ لأن
اشتغالهم بالاستغفار لغيرهم دالٌّ على استغنائهم عن الاستغفار لأنفسهم ، وإلا
لبدؤوا بأنفسهم لخبر: (( ابدأ بنفسك)) (١) ، والأنبياء محتاجون للاستغفار ،
قال تعالى: ﴿وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ﴾.
ولكَ ردُّه بمنع دلالته على ذلك الاستغناء ؛ لأن عدم الإِخبار عنهم به
لأنفسهم لا يدل على عدم وقوعه منهم ، ولو سلمناه .. فالاشتغال به يحتمل
أنه لإِيثارهم المرتبة العليا ، وهي النفع المتعدي الأفضل غالباً من النفع القاصر ،
فدعاؤهم لغيرهم متعدّ ، ولأنفسهم نفع قاصر ، وليس لعصمتهم ؛ فإن الأنبياء
معصومون مع أنهم مأمورون به ؛ لأنه لا يستلزم ذنباً ، بل قد يكون في حقهم
للترقي في درجات القرب، والمراد بالذنب في ﴿ وَأُسْتَغْفِرْ لِذَنْكَ﴾: مخالفةُ
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٣٣) عن ابن عمر رضي الله عنهما موقوفاً.
٦١

الأَوْلى والأفضل الصادرة منه صلى الله عليه وسلم في نادر من الأحيان لاجتهاد
ظهر له ، فأُمِرَ بتدارك ذلك بالاستغفار منه ؛ حتى يترقى إلى ما لا يصل إليه
غيره من درجات الكمال ، ونهايات الإجلال .
على أنه قيل : إن استغفارهم للبشر كالعذر لَمَّا طعنوا فيهم بقولهم :
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الذِّمَآءَ وَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدَِ وَنُقَدِسُ لَكُ﴾ أي:
فبان خلاف ما ظنوه ، ولا سيّما(١) لما تميز عليهم آدم بمرتبة الخلافة الكبرى ،
والعلم المحيط بسائر الأسماء ومسمياتها ، المقتضي لخضوعهم له ،
ودخولهم تحت تلمذته وتبعيَّته ، حتى علَّمهم وأنبأهم من تلك العلوم بما
بهرهم واستصغرهم ، حتى أُمِروا بالسجود له ، وهذه شواهد لأفضليته وتميُّزِه
عنهم .
وقيّد الإِمام الخلاف في الملائكة بالسماوية ، وظاهر كلام غيره أنه
لا فرق .
نعم ؛ قال ابن عبد السلام : ( محل الخلاف في أرواح الأنبياء والملائكة ،
أما أجساد الملائكة .. فهي لكونها خلقت من نور أفضل )(٢) ، ويؤيده قول ابن
المُنَيِّر (٣): ( مذهب أهل السنة : أن الرسول أفضل من المَلَك باعتبار الرسالة ،
لا باعتبار عموم الأوصاف البشرية ، ولو كانت البشرية بمجردها أفضل من
الملائكة .. لكان كل بشر أفضل من الملائكة ، معاذ الله تعالى ) اهـ
(١) فائدة: قال ابن هشام في ((مغني اللبيب)) [١٨٦/١]: (ولا سيّما: تشديدُ يائه، ودخول
((لا)) عليه، ودخول الواو على ((لا)) .. واجب، قال ثعلب: من استعمله على خلاف
ذلك .. فهو مخطىء). قال الرضي في ((شرح الكافية)) (١٣٦/٢): (وتُصُرِّفَ في هذه
اللفظة تصرفات كثيرة لكثرة استعمالها، فقيل: ((سيَّما)) و((لا سِيَمَا)) بتخفيف الياء مع
وجود ((لا)) وحذفها) وبقول الرضي رحمه الله تعالى يخرَّجُ استعمال الفقهاء رحمهم الله
تعالى لـ (سيَّما) غير مقترنة بـ(الواو) ولا بـ ( لا).
(٢) القواعد الكبرى (٣٧٧/٢).
(٣) في (أ): ( ابن المنذر).
٦٢

نعم ؛ ما اقتضاه كلامه من قصر المفاضلة على الرسول دون النبي .. غير
مراد .
وقال الشيخ عز الدين : ( لا يفضِّل الملائكة إلا هجَّام بنى التفضيل على
حالات توهمها ، ولا شك أن القليل من أعمال الأعرَفِ خير من الكثير من
أعمال العارف ، قال : وليس لأحد أن يفضِّل أحداً على أحد ، ولا أن يسوِّيَ
أحداً بأحد حتى يقف على أوصاف التفضيل والتساوي) اهـ(١)
هذا ، وبقي في المسألة أقوال أُخَر ، أحدها مذهب المعتزلة : أن
الملائكة أفضل مطلقاً ، ووافقهم أئمة من أهل السنة كالباقلاني ، والأستاذ أبي
إسحاق ، وأبي عبد الله الحَاكم ، والحَليمي ، والرازي في (( المعالم)) ، وأبي
شامة، ولمَّا روى البيهقي في (( الشعب)) أحاديث المفاضلة .. قال: (ولكلِّ
دليل ووجه ، والأمر فيه سهل ، وليس فيه من الفائدة إلا معرفة الشيء على
ما هو عليه ) اهـ(٢)
واستفيد منه : أن ذلك لا يجب اعتقاده ، لكن قضيّة كلام التاج السبكي
وجوبه، ويؤيد الأول قول صاحب ((التعريف)): ( مذهبهم السكوت عن
التفاضل ، وقالوا : الفضل لمن فضَّله الله تعالى ، ليس بجوهر ولا عمل ، ولم
يرَوا أحد الأمرين أوجب من الآخر بخبر ولا عقل ، وليست المسألة مما
كلفنا الله تعالى بمعرفة الحكم فيها ، فلنفوّض إلى الله تعالى ، ونعتقد أن
الفضل لمن فضَّله الله تعالی ) اهـ
وقال الإِمام أبو المظفر الإسفراييني : ( اتفقوا على أن عصاة المؤمنين دون
الأنبياء والملائكة ، واختلفوا في المفاضلة بين المطيعين والملائكة على
قولين)، قال ابن يونس في (( مختصر الأصول)) بعد ذكر القولين : ( وقال
الأكثرون منا : المؤمنُ الطائع أفضل من الملائكة ) ، والمعتمد من هذا
(١) القواعد الكبرى (٣٧٩/٢).
(٢) شعب الإيمان (١/ ١٨٢).
٦٣

الخلاف ما قدمته أولاً عن محققي أهل السنة من التفصيل .
وناداهم بـ( يا ) إشارة إلى تنزيل القريب الغافل منهم منزلة البعيد ، وأما
قول العبد : ( يا أَلله ) مع أنه أقرب إليه من حبل الوريد .. فهو لاستصغاره
نفسه ، استبعاداً لها عن مظان القرب ؛ لما سبق من التفريط في جنب الله
تعالى .
و ( أي ) وُصلَةٌ لنداء ما فيه ( أل)، والاسم التابع له صفة دائماً ؛ لأن
( أيا ) لا يستقل بنفسه ، وفيه تدريج من الإِبهام إلى التوضيح لضرب من
التأكيد ، ولأنه أوقع في النفس .
وفُصِل بينهما بـ(ها) التي للتنبيه ؛ معاضدة لحرف النداء ، وتأكيداً
لمعناه ، وعوضاً عما تستحقه ( أي ) من الإِضافة ، ولاستقلال هذه الصيغة
بأوجه من التوكيد كما تقرر كثرت في القرآن ؛ لأن كل ما نادى الله سبحانه
وتعالى به عباده من نحو أمر أو نهي أو وعد أو وعيد .. أمور عظام ، وخطوب
جسام ، ويبعد الميلُ والتفطن إليها مع غفلتهم عنها ، فاقتضى الحال نداءهم
على الوجه الأبلغ ، ليحملهم على الانقياد لما قُصِدَ منهم .
واعلم : أن للأصوليين في دخوله صلى الله عليه وسلم في نحو هذه
الصيغة أقوالاً :
عدمُه مطلقاً ، وهو شاذ .
ودخوله مطلقاً ، وهو الأصح .
والدخول إلا فيما صدِّر بأمره بالتبليغ نحو ﴿قُلّ يَأَيُّهَا النَّاسُ﴾، وتوقف
بعضهم في دخوله هنا من حيث إن قرينة سياق: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا نَدْ خُلُواْ
بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى هنا ظاهرة في اختصاص هذا الحكم بالمؤمنين دونه ، وفيه
نظر ؛ لأن ما قبل هذه الآية صريح في اختصاصه بالمؤمنين ، وأما هي .. فلا
قرينة فيها على الاختصاص ، مع صحة تناول الأمر له صلى الله عليه وسلم ،
لما يأتي أنه كغيره في وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة .
٦٤

واختلفوا أيضاً في تناول هذه الصيغة للإناث ، وجمهور الأصوليين على
عدم دخولهن ، ونص عليه الشافعي رضي الله تعالى عنه ، ومن انتقد بأنه يلزم
عليه ألا يشاركن الذكور في ذلك الحكم .. فقد أبعد ؛ لأنا نلتزم ذلك ،
ونقول : لم تُستفد المشاركة إلا من خارج كإجماع أو قياس جَلِيٍّ ؛ أي : أنه
لا فارق إلا الذكورة والأنوثة ، ولا معنى لها في نحو ما نحن فيه ، بخلاف
الجهاد ونحوه .
السادسة :
استُفيد من قوله تعالى: ﴿صَلُّواْ عَلَيْهِ﴾ أنَّا مأمورون بالصلاة عليه ، وقد
اختلف العلماء في ذلك على عشرة أقوال :
١ - مستحبة، وَزَعْمُ ابن جرير الإِجماع عليه .. مردودٌ ، ويتعين حمل هذا
القول على ما زاد على المرة ؛ لقول القرطبي المفسر : ( لا خلاف في وجوبها
في العمر مرة )(١) .
٢- واجبة في الجملة بغير حصر ، وأقل ما يحصل به الإِجزاء مرة في
العمر ، وزعم بعض المالكية الإِجماع عليه ، ولا دليل له في قول ابن
عبد البر : ( أجمع العلماء على أنها فرض على كل مؤمن بهذه الآية ) .
٣- واجبة مرة في العمر ككلمة التوحيد ؛ لأن الأمر مطلقٌ لا يقتضي
تكراراً ، والماهية تحصل بمرة ، وعليه جمهور الأمة ، منهم أبو حنيفة ومالك
وغيرهما .
٤ - واجبة في التشهد .
٥ - واجبة في مطلق الصلاة ، وتفرد بعض الحنابلة بتعين دعاء الافتتاح لها .
٦ - يجب الإِكثار منها من غير تعيين بعدد .
٧ - تجب في كل مجلس مرة ، وإن تكرر ذِكْره مراراً .
(١) تفسير القرطبي (٢٣٢/١٤).
٦٥

٨- تجب في كل دعاء .
٩ - تجب كلما ذكر، وبه قال جمع من الحنفية ، منهم الطحاوي ،
وعبارته : ( تجب كلما سَمع ذِكْرَهُ من غيره ، أو ذَكَرَهُ بنفسه ) ، وجمع من
الشافعية ، رضي الله تعالى عنهم ، منهم الأئمة المجتهدون : الحَليمي ،
والأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، والشيخ أبو حامد الإسفراييني ، وجمع من
المالكية ، منهم : الطُّرْطُوشي(١) ، وابن العربي، والفاكهاني ، وبعض
الحنابلة ، وقيل : وهو مبني على القول الضعيف في الأصول : إن الأمر
المطلق يفيد التكرار ، وليس كذلك ، بل له أدلة أُخرى كالأحاديث الآتية التي
فيها الدعاء بالرغم والإِبعاد والشقاء ، والوصف بالبخل والجفاء (٢) ، وغير
ذلك مما يقتضي الوعيد ، وهو على الترك من علامات الوجوب .
واعترض هذا القول كثيرون بأنه مخالف للإِجماع المنعقد قَبْلَ قائله ؛ إذ
لم يعرف عن صحابي ولا تابعي .
وبأنه يلزم على عمومه ألا يتفرغ السامع لعبادة أُخرى .
وأنها تجب على المؤذن ، وسامعه ، والقارىء المارِّ بذِكْره ، والمتلفظ
بكلمتي الشهادة ، وفيه من الحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه .
وبأنَّ الثناء على الله تعالى كلما ذُكر أحق بالوجوب ، ولم يقولوا به .
وبأنه لا يحفظ عن صحابي أنه قال : يا رسول الله صلى الله عليك .
وبأن تلك الأحاديث المحتج بها للوجوب خرجت مخرج المبالغة في تأكيد
(١) في هامش (ج): ( بضم الطاءين وبالشين نسبة إلى طُرطُوشة مدينة بالأندلس ).
(٢)
في هامش (ج): ( معنى الحديث الوارد بلفظ ((رغم أنف من لم يصل عليَّ)»: ذل،
وبلفظ ((أبعده الله)): نخَاه عن الخير ولعنه، وبلفظ (( أشقاه)) : عالجه في حرب ونحوه من
الشدائد، وبلفظ ((شقي)): وقع في شدة وعسرة، وبلفظ ((جفاني)): لم يلزم مكاني ؛
أي: تخلف عن حقي وما أستحقه، وبلفظ (( بخيل)) أي : لئيم ؛ أي : موصوف بالمذمة ،
ومعنى ((رغم أنف)): لصق بالرَّغام، وهو التراب ، أي : أذله الله حتى يصير كالذي يلصق
أنفه بالتراب لذله وحقارته ) .
٦٦

ذلك وطلبه ، وفي حق من اعتاد ترك الصلاة دَيْدناً .
ويمكن الانتصال عن جميع ذلك(١) :
أما الأول : فلأن القائلين بالوجوب من أئمة النقل ، فكيف يسعهم خرق
الإِجماع ؟! على أنه لا يكفي في الرد عليهم كونه لم يحفظ عن صحابي أو
تابعي ، وإنما يتم الرد إن حُفظ إجماع مصرِّح بعدم الوجوب كذلك ، وأنَّى
بذلك ؟ ! .
وأما الثاني : فممنوع ، بل يمكن التفرغ لعبادات أُخَر .
وأما الثالث : فللقائلين بالوجوب التزامه ، وليس فيه كبير حرج .
وأما الرابع : فلأن جمعاً صرحوا بالوجوب في حقه تعالى أيضاً .
وأما الخامس : فلأنه ورد في عدة طرق عن عدة من الصحابة رضي الله
تعالى عنهم : أنهم لَمَّا قالوا : يا رسول الله .. قالوا صلى الله عليك .
وأما السادس : فلأن حمل الأحاديث على ما ذُكِر لا يكفي إلا مع بيان
سنده ، ولم يبينوه .
ثم القائلون بالوجوب كلما ذُكِر .. أكثرُهم على أن ذلك فرض عين على كل
فرد فرد ، وبعضهم على أنه فرض كفاية .
واختلفوا أيضاً هل يتكرّر الوجوب بتكرُّر ذِكْره صلى الله عليه وسلم في
المجلس الواحد؟ قال بعض شراح (( الهداية)) من الحنفية: ( يكفي مرةً على
الصحيح)، وقال صاحب ((المجتبى)) منهم: ( يتكرر ، وفي تكرر ذكر الله
تعالى لا يتكرر ) ، وفرَّق بينهما هو وغيره بما فيه نظَر ، ويمكن الفرق بأن
حقوق الله تعالى مبنيةٌ على المسامحة والتوسعة ، وحقوق العباد مبنية على
المُشَاخَّة والتضييق ما أمكن .
١٠ - وعاشرُ الأقوال : أنها تجب حتى عليه صلى الله عليه وسلم في القعود
(١) في هامش (ج): ( الانتصال : التخلص والتخلي ) .
-
٦٧

آخر الصلاة بين التشهد وسلام التحلُّل ، وهذا هو مذهب الشافعي رضي الله
تعالى عنه ، ومن نَسَبَ إليه قولاً بعدم الوجوب .. فقد أغرب ، ووافقه عليه
جماعة من الصحابة والتابعين ، ومَن بعدهم من فقهاء الأمصار .
فمن الصحابة رضوان الله عليهم : ابن مسعود ، فقد صح عنه أنه قال :
( يتشهد الرجل في الصلاة ، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم
يدعو لنفسه)(١)، وعنه أيضاً: ( لا صلاة لمن لم يصلّ فيها على النبي
صلى الله عليه وسلم )(٢) ، وأبو مسعود البدري ، وابن عمر ، فقد صح عنه :
( لا تكون صلاة إلا بقراءة وتشهُّد وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن
نسيتَ من ذلك شيئاً .. فاسجد سجدتين بعد السلام)(٣).
ومن التابعين : الشعبي ، فقد صح عنه : ( كنا نُعَلَّمُ التشهدَ ، فإذا قال :
((وأن محمداً عبده ورسوله)) .. يحمد ربه ويثني عليه ، ثم يصلي على النبي
صلى الله عليه وسلم ، ثم يسأل حاجته)(٤)، وأخرج البيهقي عنه : ( من لم
يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد .. فَلْيُعدْ صلاتَهُ) ، أو قال :
( لا تُجزِىءُ صلاته)(٥) ، والإِمام أبو جعفر محمد الباقر ، فقد روى البيهقيُّ
عنه نحوَ ما ذكر عن الشعبي ، وصوَّبه الدار قطني ، ومحمدُ بنُ كعب القُرَظيّ ،
ومقاتل بن حيَّان ، بل قال شيخ الإِسلام والحُفَّاظ الشهابُ ابن حجر: ( لم أر
عن أحد من الصحابة والتابعين التصريحَ بعدم الوجوب إلا ما نقل عن إبراهيم
(١) أخرجه الحاكم (٢٦٨/١)، والبيهقي في ((الصغرى)) (٤٧٩)، وابن أبي شيبة
(٣٣١/١) .
أخرجه ابن عبد البر في ((التمهيد)) (١٦ / ١٩٥) عن سهل بن سعد الساعدي مرفوعاً .
(٢)
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في ((فتح الباري)) (١٦٤/١١): ( أخرجه اليعمري
(٣)
في ((عمل اليوم والليلة )) عن ابن عمر بسند جيد) .
(٤) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (١٦٤/١١): (أخرج الطبري بسند صحيح عن
مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين قال : كنا نعلم التشهد ... ) وذكره .
(٥) السنن الكبرى (٣٧٩/٢).
٦٨

النَّخَعِي ، مع أنه يشعر بأن غيره كان قائلاً بالوجوب)(١).
ومن فقهاء الأمصار : أحمد ، فإنه جاء عنه روايتان ، والظاهر أن رواية
الوجوب هي الأخيرة ؛ فإنه قال : كنت أتهيَّبُ ذلك، ثم تبيَّنتُ ؛ فإذا الصلاةُ
على النبي صلى الله عليه وسلم واجبةٌ ، قال صاحب (( المغني)): ( فظاهر
هذا : أنه رجعَ عن قوله الأول إلى هذا)(٢) ، وإسحاق بن راهويه فقال في
آخر الروايتين عنه: ( إذا تركها عمداً .. بطلت صلاته، أو سهواً .. رجَوْت أن
تُجْزِئَهُ) ، وهو قول عند المالكية اختاره ابن العربي منهم ، وهو لازم للقائلين
بوجوبها كلما ذُكر صلى الله عليه وسلم ؛ لتقدم ذِكْره في التشهد ، وقد صرح به
من الحنفية أصحاب ((المحيط)) و(التحفة)) و((الغنية)) و((المفيد)).
نعم ؛ وجوبها بعد التشهد لتقدم ذِكْرِهِ آخرَهُ لا يستلزم كونه شرطاً لصحة
الصلاة ، إلا أنه يَرُدُّ على القائلين بأن الشافعي رضي الله عنه شذّ في قوله
بالوجوب .
إذا تقرر ذلك .. فالأدلة على الوجوب متظاهرة متكاثرة .
منها : أن رجلاً قال : يا رسول الله ؛ أما السلام عليك .. فقد عرفناه،
فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا صلى الله عليك ؟ فصمت
صلى الله عليه وسلم ، ثم قال: ((إذا أنتم صليتم .. فقولوا : اللهم صلِّ على
محمد النبي الأميّ وعلى آل محمد ... )) الحديث(٣)، رواه جماعات
وصححه الترمذي وابن خُزيمة والحاكم ، وقال الدارقطني : إسناده حسن
متصل ، والبيهقي : إسناده صحيح ، وابنُ إسحاق وإن كان فيه ، لكنَّه صرَّح
بالتحديث في روايةٍ ؛ فصار حديثه مقبولاً صحيحاً على شرط مسلم ، كما ذكره
الحاكم ، فتأمل قوله: ((إذا نحن صلينا في صلاتنا)) ، وجوابَه صلى الله عليه
(١) فتح الباري (١٦٥/١١).
(٢) المغني (٢٢٩/٢).
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٧١١)، وابن حبان (١٩٨٥)، والحاكم (٢٦٨/١)، والترمذي
(٣٢٢٠)، والبيهقي (٣٧٨/٢)، والدار قطني (٣٥٥/١).
٦٩

وسلم بقوله: ((إذا أنتم صليتم .. فقولوا اللهم صلِّ ... )) إلخ.
ونُوزِعَ فيه : ( بأنه إنما يفيد إيجابَ الإِتيان بههذه الألفاظ على من صلى
على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد ، وعلى تقدير أن يدل على إيجاب
الصلاة .. فلا يدل على هذا المحل المخصوص ) اهـ
ويُرَدُّ بأن الأحاديث الآتية ناصَّةٌ على الوجوب ، وعلى محله؛ بقوله: ((إذا
صليت فقعدت ... ))(١) إلخ، فعلى تسليم أن لا دلالة في هذا .. فالدلالةُ في
غيره الآتي ، بل ثَمَّ دليل آخر أبداه البيهقي ، وهو : أن الآية لَمَّا نزلت وكان
صلى الله عليه وسلم قد علَّمهم كيفية السلام عليه في التشهد - وهو داخل
الصلاة - فسألوا عن كيفية الصلاة فعلَّمهم .. فدل على أن المراد بذلك إيقاعُ
الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم ، واحتمالُ
كونه خارج الصلاة بعيد ، كما قاله عياض وغيره ، وقول ابن دقيق العيد :
( ليس فيه تنصيص على أن الأمر به مخصوص بالصلاة ) .. يجاب عنه بأن فيه
إيماء إلى ذلك كما تقرر ، وعلى التنزُّل فالدلالة في غيره كما مرّ ، وإنما لم
تجب الصلاة على الآل بهذا الحديث ؛ لما يأتي في مبحثها .
ومنها : حديث ابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا تشهد
أحدكم في الصلاة .. فليقل: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد)) (٢)
وصححه جماعة ، ووُهِّموا بأن فيه مجهولاً عن مبهم ، وله طريق أُخرى فيها
ضعيف ، وأُخرى فيها مختلط ، للكنه ثقة ، وقد يؤخذ مِن تعدد طرقه : أنه
حسَنٌ ، وبه مع ما هو مقرر : أن الحسن عند جمع مرادفٌ للصحيح .. يُرَدُّ على
من وهّم المصححین له .
ومنها : للشافعي رضي الله عنه عن كعب بن عُجْرة ، عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه كان يقول في الصلاة: ((اللهم صلِّ على محمد وآل
(١) أخرجه الترمذي (٣٤٧٦)، والطبراني في ((الكبير)) (١٨/ ٣٠٧).
(٢) أخرجه الحاكم (٢٦٩/١)، والبيهقي (٣٧٩/٢).
٧٠

محمد ... )) الحديث(١)، أخرجه البيهقي من طريقه، وزَعْم أنه يحتمل أن
المراد بقوله : ( في الصلاة ) أي : في صفة الصلاة عليه ؛ لأن أكثر الطرق تدل
على أن السؤال وقع عن صفة الصلاة ، لا عن محلها .. يُرَدُّ بأنه لا أثر لههذا
الاحتمال البعيد ، على أن الحديث الذي قبله والذي بعده يبطل هذا
الاحتمال ؛ للتصريح فيهما بالصلاة ذات الأركان .
وإذا ثبت أنه كان يقول ذلك في صلاته .. فيلزمنا التأسي به فيه ؛ لقوله في
الحديث الصحيح: (( صلوا كما رأيتموني أصلي))(٢)، ومن المقرر أن الأصل
وجوب مثل فعله إلا ما خصه الدليل .
ومنها : حديث فَضالة أنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يدعو في صلاته
لم يمجِّد الله ، ولم يصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه
وسلم: ((عَجِل هذا))، ثم دعاه فقال له - أو لغيره -: ((إذا صلى أحدكم ..
فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم
يدعو بعدُ بما شاء)) أخرجه أبو داوود والترمذي وصححه ، وكذا ابن خزيمة ،
وابن حِبَّان ، والحاكم وقال : هو على شرط مسلم ، وفي موضع آخر : على
شرطهما ، ولا أعرف له علة(٣).
وفي رواية للترمذي: (( ثم ليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم لِيَدْعُ
بَعْدُ بما شاء)) (٤) .
وفي أُخرى له أيضاً وللطبراني وابن بَشْكُوال - ورجالها ثقات إلا رِشْدِين بن
سعد ، للكن حديثه مقبول في الرقائق - : بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) أخرجه البيهقي (١٤٧/٢)، والشافعي في ((مسنده)) (١٤٢).
(٢) أخرجه البخاري (٦٣١)، وابن حبان ( ١٦٥٨)، والبيهقي (٣٤٥/٢)، والدار قطني
(٢٧٣/١) .
(٣) أخرجه ابن خزيمة (٧١٠)، وابن حبان (١٩٦٠)، والحاكم (٢٣٠/١)، وأبو داوود
( ١٤٨١ ) .
(٤) الترمذي ( ٣٤٧٧) .
٧١

قاعد ؛ إذ دخل رجل فصلّى ، فقال : اللهم اغفر لي وارحمني ، فقال صلى الله
عليه وسلم : ((عَجِلتَ أيُّها المصلِّي ، إذا صليتَ فقعدت .. فاحمَدِ الله بما هو
أهله ، ثم صلِّ عليّ، ثم ادعه))، ثم صلى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله
وصلّى على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال صلى الله عليه وسلم: ((أيها
المصلِّي، ادعُ تُجَبْ))، وفي رواية: (( سَلْ تُعْطَه))(١) ، ففي هذه الأحاديث
الصحيحة دلالة ظاهرة ، بل صريحة لِمَا ذهب إليه الشافعي من إيجابها وتعين
محلها .
وبقيت أحاديث أُخر منها ، للكنها لا تقوم بها الحجة وحدها ، وإنما تفيد
التقوية بانضمامها إلى الأولى ، كحديث: (( كان صلى الله عليه وسلم يعلمنا
التشهد : التحيات لله ... إلخ، ثم يصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم))
وفيه ضعيف(٢).
وحديثِ: (( يا بُريدة؛ إذا جلست في صلاتك .. فلا تتركنَّ الصلاة عليّ))
وسنده ضعيف أيضاً(٣).
وحديثٍ : ((لا صلاة إلا بطهور، وإلا بالصلاة عليَّ)) وفيه متروك
وضعيف(٤) .
وحديثٍ : (( لا صلاة لمن لم يصلِّ على نبيه صلى الله عليه وسلم )) وفيه من
ليس بالقوي(٥)، ولكن له طريق أُخرى صححها المجد الشيرازي(٦)، للكن
نُظِر فيه بأنه إنما يعرف من الأُولى .
(١) المعجم الكبير (٧٩٤)، القربة ( ٣١).
(٢) أخرجه الدار قطني (٣٥١/١).
(٣) أخرجه الدار قطني (٣٥٥/١)، والديلمي في ((الفردوس)) (٨٥٢٧).
(٤) أخرجه الدار قطني (٣٥٥/١).
(٥) أخرجه الدار قطني (٣٥٥/١)، والبيهقي في ((معرفة الآثار والسنن)) (٣٧٢٠).
(٦) الصِّلات والبُشَر (ص٦٢).
٧٢

وحديثِ: (( من صلَّى صلاة لم يصلِّ فيها عليّ وعلى أهل بيتي .. لم تُقبل
منه )) وفيه ضعيف(١) .
إذا علمت ما ذكرته من أن الشافعي لم يتفرَّد بالقول بوجوبها في الصلاة ،
بل وافقه جماعة من الصحابة ، وجماعة من التابعين ، وكثيرون ممن بعدهم ،
ومن أن الأحاديث الصحيحة الكثيرة مصرحة بما قاله .. ظهر لك بطلان قول
ابن جرير وابن المنذر والخطابي والطحاوي تشنيعاً عليه : ( لا سلف له في
هذا القول ، ولا سُنّة يتبعها ) ، وأن الشناعة والشذوذ بهم أحق وألصق ،
وأنهم تساهلوا في ذلك ولم ينصفوا .
وممن شذَّ وتساهل وتقوّل : ابن بطال المالكي ، حيث زعم : ( أن من
أوجبها .. فقد رد الآثار ، وما مضى عليه السلف ، وأجمع عليه الخلف ،
وروته الأمة عن نبيِّها ) اهـ
وكذلك ما وقع لِعِيَاض في (( الشفا)) من إنكاره على الشافعي رضي الله
تعالى عنه ، ونسبته إلى الشذوذ بنحو هذا التعصب والتساهل(٢)، ومن ثم
شنَّع عليه جماعة ، منهم: ابن القيِّم الحنبلي ، فقال: ( قوله: (( إن الناس
شنعوا على الشافعي رضي الله تعالى عنه)) .. لا معنى له ، فأيُّ شناعة في
ذلك ؛ وهو لم يخالف نصاً ولا إجماعاً ولا قياساً ولا مصلحة راجحة ؟! بل
القول بالوجوب من محاسن مذهبه ، وأما نقله للإِجماع .. فقد تقدم رده ، وأما
دعواه أن الشافعي رضي الله تعالى عنه اختار تَشهُدَ ابن مسعود .. فيدل على
عدم معرفته باختيارات الشافعي رضي الله تعالى عنه ؛ فإنه إنما اختار تشهُّدَ ابن
عباس ) اهـ(٣)
قال ابن الصلاح : ( قد نسبوا الشافعي رضي الله تعالى عنه للتفرد ، وليس
كذلك ، ولو تفرد بذلك .. لكفى بتفرده ) اهـ
(١) أخرجه الدار قطني (٣٥٥/١).
(٢) الشفا بتعريف حقوق المصطفى (ص ٥٤٧).
(٣) جلاء الأفهام (ص٢٥٦) .
٧٣

وزَعْمُ أنه لا دلالة في حديث فَضالة ؛ لأنها لو كانت واجبة لأُمِرَ تاركها
بالإِعادة ، كما أُمر المسيء صلاته .. مردودٌ باحتمال أن الصلاة هنا نافلة ، أو
أنه لَمَّا سمع ذلك الأمر .. بادر إلى الإِعادة من غير أن يؤمر بها ، أو أن الوجوب
وقع عند فراغه .
وبه رُدَّ على من زعم أيضاً : أنه يلزم من وجوبها تأخير البيان عن وقت
الحاجة؛ لأنه علَّمَهُمْ التشهد، وقال: (( ثم ليتخيَّر من الدعاء ما شاء))(١)،
ولم يذكر الصلاة عليه .
ووجه رده : احتمال أن فرضيته إنما طرأت بعد تعليمهم التشهد .
وقول الخطابي : إن في آخر حديث ابن مسعود : ((إذا قلت هذا - أي :
التشهد - فقد قضيت صلاتك)) (٢) .. مردود بأن هذه زيادة مدرجة ، وعلى
تقدير ثبوتها .. فتحمل على أن مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم
التشهد .
وأجاب بعضهم عما مرَّ من عدم الأمر بالإِعادة : ( بأن الترك نشأ عن اعتقاد
عدم الوجوب جهلاً ، والأمر إنما يفيد الوجوب عليه من حينئذ ؛ ففيه دليل على
عذر الجاهل بعدم الوجوب ، ومن ثم لم يأمر المسيء صلاته بإعادة ما مضى
من الصلوات ، مع إخباره له بأنه لا يحسن غير تلك الصلاة عذراً له
بالجهل ) اهـ
وفيه نظر ؛ لأن قضية كلام أئمتنا أن محل العذر بالجهل إنما هو في نحو
الكلام القليل وغيره مما لا يخلُّ بأجزاء ماهية الصلاة ، وأما ما يخلُّ بذلك ،
كترك ركن من أركانها .. فلا عذر بجهله مطلقاً ، سواء أعذر الجاهل لقرب
إسلامه ونشأته ببادية بعيدة أم لا ، والفرق : أن الأركان ونحوها يجب تعلُّم
(١) أخرجه البيهقي (١٥٣/٢)، وأحمد (٣٨٢/١).
(٢) أخرجه ابن حبان (١٩٦١)، وأبو داوود (٩٦٨)، والدارمي (١٣٨٠) والدارقطني
(٣٥٣/١)، والبيهقي (١٧٤/٢)، وأحمد (٤٢٢/١).
٧٤

جميعها على كل أحد ، فلا يعذر أحد بالجهل بها ، بخلاف ما عدا ذلك ؛ لأنه
يضايَقُ في نحو الركن لتوقف وجود الماهية عليه ما لا يضايَقُ في غيره ، فتأمل
ذلك ؛ فإنه مهمّ .
واستدل بعضهم لوجوبها في الصلاة بأنها واجبة عليه إجماعاً ، وليست
خارج الصلاة واجبة إجماعاً ، فتعين أن تجب في الصلاة ، وليس في محله ؛
إذ كلٌّ من إجماعَيْه ممنوعٍ ، كما عُلم مما قدمته .
ومن زعم أن الشافعي رضي الله تعالى عنه هو المستدل بذلك .. فقد وَهِمَ ،
والذي استدل به في ((الأُمّ )) قريب مما قدمته آنفاً عن البيهقي .
تتمة :
اختُلِف في وجوبها عليه صلى الله عليه وسلم في أماكن أُخرى وستأتي ،
وتجب أيضاً بالنذر ؛ لأنها من أَعظم القربات ، ولو خاطب صلى الله عليه
وسلم مصلِّياً .. لزمه أن يجيبه فوراً بالنطق ، وإن كان في فرض ؛ لقوله
تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أُسْتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَكُمْ لِمَا يُحِيكُمْ﴾،
وتخصيص بعض المالكية الوجوبَ بالنفل ، أو بلفظ الصلاة عليه ، أو بلفظ
القرآن .. لا دليل عليه ، ومرَّ وجوبها عليه صلى الله عليه وسلم في صلاته ،
وكان صلى الله عليه وسلم يصلِّي على نفسه خارجها ، كما هو ظاهر أحاديث ،
كقوله صلى الله عليه وسلم حين ضلت ناقته وتكلم منافق فيها : ((إن رجلاً من
المنافقين شَمِت أن ضلت ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم)) (١) ، وقولهِ حين
عرض على المسلمين رَدَّ ما أُخِذ من أبي العاصي زوج ابنته زينب قبل إسلامه :
(( وإن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألتني ... )) الحديث(٢) ،
واحتمالُ أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيهما من الراوي بعيد جداً .
(١) أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٥٩/٤)، وأبو نعيم في (( دلائل النبوة))
(٦٦٠/٢)، والنميري في ((تاريخ المدينة)) (٣٤٩/١).
(٢) أخرجه الحاكم (٤٥/٤)، والبيهقي (٩٥/٩).
٧٥

والسلام فيما ذُكر كالصلاة لوجوبه في التشهد ، وتصريحُ الحَليمي بوجوبه
كلما ذكر .. يوافق ما مرَّ عنه في الصلاة ، وسؤَّى ابن فارس اللغوي بينه وبين
الصلاة في الفرضية ؛ أي : لأن كلاً منهما مأمور به في الآية ، والأمر للوجوب
حقيقة ، إلا إذا ورد ما يصرفه عنه ، ويجب بالنذر كالصلاة .
وبما تقرر من تساويهما .. سقط ما قيل : ( هما متعاطفان في الآية ؛ فلِمَ
اختلف في وجوبها دون وجوبه ، وكان القياس العكس أو التشارك؟! ) اهـ
وسقط أيضاً جواب هذا بأن بينهما عموماً وخصوصاً مطلقاً ، كالإِنسان
والحيوان ؛ فالخاص وهو الصلاة هنا يستلزم العام الذي هو السلام هنا ، من
غير عكس .
السابعة :
إنما أكد التسليم بالمصدر دون الصلاة ؛ لأنها مؤكّدة بـ( إن ) ، وبإعلامه
تعالى أنه يصلِّي عليه وملائكته ، ولا كذلك السلام ، فحَسُنَ تأكيده بالمصدر ؛
إذ ليس ثَمَّ ما يقوم مقامه ، وإلى هذا يُؤول قول ابن القيِّم : ( التأكيد فيهما وإن
اختلفت جهته ؛ فإنه تعالى أخبر في الأول بصلاته وصلاة ملائكته عليه مؤكداً له
بـ(( إن))، وبالجمع المفيد للعموم في الملائكة ، وفي هذا من تعظيمه
صلى الله عليه وسلم ما يوجب المبادرة إلى الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم
من غير توقف على أمر ؛ موافقةً لله وملائكته في ذلك ، وبهذا استغني عن
تأكيد (( يُصلِّي)) بمصدرٍ ، ولَمَّا خلا السلام عن هذا المعنى ، وجاء في حيِّز
الأمر المجرد .. حَسُن تأكيده بالمصدر تحقيقاً للمعنى ؛ وإقامةً لتأكيد الفعل
مقام تقريره ، وحينئذ فكما حصل التكرير في الصلاة خبراً وطلباً .. كذلك
حصل التكرير في السلام فعلاً ومصدراً)(١).
وأيضاً : فهي مقدّمةٌ عليه لفظاً ، والتقديم يفيد الاهتمام ، فحَسُن تأكيد
السلام ؛ لئلا يُتَوَهم قلة الاهتمام به لتأخره ، وأضيفت إلى الله تعالى وملائكته
(١) بدائع الفوائد (١٨٨/٢).
٧٦

دونه ، وأُمِر المؤمنون بهما ؛ لأن له معنيين : التحية والانقياد ، فأُمِرنا بهما
لصحتهما منا ، ولم يُضَف هو لله تعالى ولا لملائكته ؛ حذراً من إيهام أنه فيهما
بمعنى الانقياد المستحيل في حقهما .
وقد يقال أيضاً : الصلاة منهما متضمنة للسلام بمعنى التحية الذي
لا يتصور منهما غيره ، فكان في إضافة الصلاة إليهما استلزام لوجود السلام
منهما بهذا المعنى ، وأما الصلاة منا .. فهي وإن استلزمت التحية أيضاً ، إلا
أنا مخاطبون بالانقياد ، وهي لا تستلزمه ، فاحتيج إلى التصريح به فينا ؛ لأن
الصلاة لا تغني عن معنييه المتصوَّرَين في حقنا المطلوبَين منا ، وهذا أولى مما
قبله ؛ لأن ذلك يَرِدُ عليه قوله تعالى: ﴿ سَلَمْ عَلَى إِزَهِيمَ﴾، وقولُه: ﴿وَالْمَلَئِكَةُ
يَدْخُلُونَ عَتِهِمْ مِن كُلِّ بَابٍ ** سَلَمُ عَلَيْكُمْ﴾ ولا يرد هذان على ما ذكرته ، فتأمله.
وبما تقرر من أن السلام يأتي بمعنى التحية - وهذا هو المراد من سلام الله
تعالى على أنبيائه -.. اندفع استشكال سلام الله تعالى عليهم بأنه دعاء ، وهو
لا يُتَصور من الله تعالى ؛ لأنه الطلب ، والله تعالى مدعو ومطلوب منه ، لا داع
وطالب .
وسقط أيضاً قول بعضهم : ( هذا إشكال له شأن ، فينبغي الاعتناء به ،
ولا يُهْمَل أمره، فقلَّ مَن يُدرك سرَّه ) ، وجوابه : أن الطلب يتضمن ثلاثة :
طالباً ، ومطلوباً ، ومطلوباً منه ؛ فهذه الثلاثة أركان ، وتغايرها ظاهر في
الطالب لشيء من غيره ، أما الطالب لشيء من نفسه .. فيتَّحد فيه الطالب
والمطلوب منه ، وهذا هو الموجب لغموض هذه المسألة ؛ لأن حقيقة
الطالب مغايرة لحقيقة المطلوب منه ، فيتعذر طلب الإِنسان من نفسه ،
وكشفُه : أن الطلب من باب الإِرادات ، والمريد كما يريد من غيره أن يفعل
شيئاً ، فكذلك يريد من نفسه هو أن يفعله ، والطلب النفسي وإن لم يكن
الإِرادة ، فهو أخص منها ، وهي كالجنس له ، فكما يعقل أن المريد يريد من
نفسه .. فكذلك يَطلب منها ؛ إذ لا فرق بين الطلب والإِرادة .

والحاصل : أن طلب الحيِّ من نفسه أمرٌ معقول يعلمه كل واحد من نفسه ،
بدليل أنه يأمرها وينهاها، قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوْءٍ﴾، ﴿وَأَمَّا مَنْ
خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْوَىُ﴾، والأمر والنهي طلبٌ، فتُصُوِّرا من الإِنسان
لنفسه بالنص ، فكذا بقية أنواع الطلب .
وحكمة مجيئه في حقه تعالى بلفظ التنكير ، مع كون التعريف في حق
العبد أفضل ، بل واجب في سلام التحلل من الصلاة .. أن في صدوره منه
تعالى على من مرَّ غاية التعظيم والتشريف لهم ، فلم يحتج إلى مؤكد بخلافه من
العبد ؛ فإنه لم يقترن به ما يغني عن طلب تأكيده بالتعريف ، فكان أولى في
حقه ، بل يلزمه فيما مرَّ للاتباع ، مع عدم قيام المُنَكَّر مقام المُعَرَّف .
ويأتي السلام أيضاً بمعنى : السلامة من النقائص ، وهو العصمة ، وبمعنى
السلام الذي هو اسم من أسمائه تعالى ؛ فمعنى السلام على محمد صلى الله
عليه وسلم على الأول : اللهمَّ سلِّمه من النقائص ، وعلى الثاني : حفظ
السلام - أي : الله - عليه ؛ أي : اللهمَّ احفظه ، فهو على حذف مضاف ،
ومعناه على أنه بمعنى الانقياد : اللهم صيِّر العباد منقادين مذعنين له صلى الله
عليه وسلم ولشريعته .
قال ابن دقيق العيد في (( شرح الإلمام)): ( قد يتمحض السلام لمعنى
التحية ولمعنى الانقياد، وقد يتردد بينهما كقوله تعالى: ﴿ وَلَا نَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَ
إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ أي: التحية أو السلامة، وكقوله: ﴿ وَلَهُم مَّا
يَدَّعُونَ * سَلَمٌ﴾، فإذا أبدل سلام من (( ما)) .. احتمل الأمرين أيضاً ؛ أي :
لهم سلامة أو تحية من الله تعالی أو ملائكته ) اهـ
وفي السلام من أسمائه تعالى ستة أقوال :
أي : ذو السلامة من كل آفة ونقيصة ؛ أي : من كل وجه ذاتاً وصفة
وفعلاً ، فيكون من أسماء التنزيه .
٧٨

أو مالك تسليم العباد من المهالك ؛ أي : فهو المعطي له ، فيرجع لصفة
القدرة .
أو ذو السلام على المؤمنين في الجنة ، فيرجع للكلام القديم .
أو الذي سلَّم خلقه من ظلمه .
أو سَلَّم المؤمنين من العذاب .
أو المسلِّم على المصطفين من عباده في الدنيا .
واختار ابن فورك وغيره الأول ، وعليه يفارق القدوسَ بأن السلام للتنزيه
عن أفعال النقص ، والقدوس للتنزيه عن صفاته ، كذا قيل ، وهو غفلة عما مرَّ
في معنى السلام على القول الأول ، فالوجه أن يفرق بأن السلام للمعنى الأعم
كما مرَّ(١)، والقدوس لأخصَّ من ذلك، وهو التنزيه عن صفات النقص.
تنبيه :
نقل ابن عرفة عن ابن عبد السلام : أنه يكفي أن يقال : صلى الله عليه
وسلم ، وعن غيره : أنه أنكر ذلك ، وقال : لا بد أن يزيد ( تسليماً ) ، وكأنه
أخذ بظاهر: ﴿ وَسَلِّمُوْ تَسْلِيمًا﴾، وليس أخذاً صحيحاً كما يظهر بأدنى تأمُّل .
وإذ انتهت المقدمة ، فلنشرع في فصول الكتاب بعون الملك الوهاب ،
فنقول وبالله التوفيق :
(١) أي: من أنه يدل على التنزيه عن النقص من كل وجه ذاتاً وصفةً وفعلاً.
٧٩

الفصل الأول
في الأمر بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم
في أي وقت كان وفي الأمر بتحسينها ، وأن علامة أهل السُّنة
الإِكثارُ منها ، وغير ذلك
قال تعالى ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾؛ مرَّ أن الآية
مدنية ، وذكر أبو ذر الهروي : أن الأمر بها كان في السنة الثانية من الهجرة ،
وقيل : في ليلة الإِسراء .
أخرج ابن عَدي في (( الكامل)) وغيره : أنه صلى الله عليه وسلم قال :
((صلوا عليَّ صلى الله عليكم)) (١) .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( صلوا عليَّ؛ فإن الصلاة عليَّ كفارة لكم
وزكاة، فمن صلى عليَّ صلاة .. صلى الله عليه عشراً))(٢) سنده صحيح على
ما قاله العراقي ، للكنه معترض بأن فيه انقطاعاً وعلَّة .
وقال صلى الله عليه وسلم: (( صلوا عليَّ ؛ فإنها لكم أضعاف مضاعفة ))
ذكره الديلمي بلا إسناد تبعاً لأبيه .
وقال أبو ذر رضي الله تعالى عنه : ( أوصاني رسول الله صلى الله عليه
وسلم أن أُصلِّيها - أي : الضحى - في السفر والحضر ، وألاَّ أنام إلاَّ على وتر ،
وبالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) وهو ضعيف(٣).
(١) الكامل (٤ / ٣١٢).
(٢) أخرجه ابن أبي عاصم في ((الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم)) (٤٠).
(٣) أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٨٨/٧)، وابن عساكر في ((تاريخه)) (٤١٦/٨).
٨٠