النص المفهرس
صفحات 361-380
٣٦١ وفيات سنة ٩٦ هـ ـ أحداث سنة ٩٧ هـ ثم قال ابن جرير (١): وفي هذه السنة توفي : قرَّة بن شريك العبسي(٢) أمير مصر وحاكمها . قلت : هو قرة بن شريك أمير مصر من جهة الوليد [ وهو الذي بنى جامع الفيوم ]٣). وفيها حج بالناس أبو بكر محمد بن عمرو بن حَزْم ، وكان هو الأمير على المدينة . وكان على مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد . وعلى حرب العراق وصلاتها يزيد بن المهلّب ، وعلى خراجها صالح بن عبد الرحمن . وعلى نيابة البصرة ليزيد بن المهلّب سفيان بن عبد الله الكندي ، وعلى قضائها عبد الرحمن بن أُذينة. وعلى قضاء الكوفة أبو بكر بن أبي موسى . وعلى حرب خراسان وكيعُ بن أبي سود ، والله سبحانه وتعالى أعلم . ثم دخلت سنة سبع وتسعين وفيها جَهَّز سليمان بن عبد الملك الجيوش إلى القسطنطينية ، وفيها أمَّر ابنه داود على الصائفة ، ففتح حصن المرأة . قال الواقدي : وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك أرض الوضاحية ، ففتح الحصن الذي [ بناه ]٤) الوضاح صاحب الوضاحية . (١) تاريخ الطبري (٦/ ٥٢٢). (٢) ترجمة - قرة بن شريك - في تاريخ خليفة (٣١١) والمعرفة والتاريخ (٦٠٩/١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٥٦) وسير أعلام النبلاء (٤٠٩/٤ - ٤١٠) والنجوم الزاهرة (٢١٧/١) وشذرات الذهب (٣٨٨/١) . وفي ب : القيسي ، وكذلك في سير أعلام النبلاء . (٣) ما بينهما زيادة من ط ، وفي تاريخ الإسلام والسير : وهو الذي بنى جامع الفسطاط والزيادة فيه. (٤) في ب والطبري (٦/ ٥٢٣) وابن الأثير (٢٦/٥) فتحه . قال ياقوت : والوضاحية : قرية منسوبة إلى بني وضاح مولى لبني أمية وكان بربرياً ؛ قال ذلك السكري في قول جرير : لقد جاهد الوضاح بالحق معلناً فأورث مجداً باقياً آل بربرا معجم البلدان (٣٧٨/٥ - ٣٧٩). ٣٦٢ أحداث سنة ٩٧ هـ وفيها غزا مسلمة أيضاً برجمة(١) ففتح حصوناً: برجمة وحصن الحديد وسررا٢ً) ، وشتا بأرض الروم . وفيها غزا عمر بن هُبيرة الفزاري في البحر أرض الروم وشتا بها . وفيها قتل عبد العزيز بن موسى بن نصير ، وقدم برأسه على سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين . مع حبيب بن أبي عبيد الفهري . وفيها ولى سليمان نيابة خراسان ليزيد بن المهلَّب مضافاً إلى ما بيده من إمرة العراق ، وكان سبب ذلك أن وكيع بن أبي سود لما قتل قتيبة بن مسلم وذريته ، بعث برأس قتيبة إلى سليمان فحظي عنده وكتب له بإمرة خراسان ، فبعث يزيد بن المهلَّب عبد الرحمن(٣) بن الأهتم إلى سليمان بن عبد الملك ليحسن عنده أمر يزيد بن المهلَّب في إمرة خراسان ، وينتقص عنده وكيع بن أبي سود ، فسار ابن الأهتم - وكان ذا دهاءٍ ومكر - إلى سليمان بن عبد الملك ، فلم يزل به حتى عزل وكيعاً عن خراسان وولى عليها يزيد مع إمرة العراق ، وبعث بعهده مع ابن الأهتم ، فسار في سبع حتى جاء يزيد ، فأعطاه عهد خراسان مع العراق ، وكان يزيد وعده بمئة ألف فلم يف له بها ، وبعث يزيد ابنه مخلداً بين يديه إلى خراسان ، ومعه كتاب أمير المؤمنين مضمونه أن قيساً زعموا أن قتيبة بن مسلم لم يكن خلع الطاعة ، فإن كان وكيع قد تعرض له وثار عليه بسبب أنه خلع ولم يكن خلع فقيّده وابعث به إليّ ، فتقدّم مخلد فأخذ وكيعاً فعاقبه وحبسه قبل أن يجيء أبوه ، وكانت إمرة وكيع بن أبي سود على خراسان تسعة أشهر ، أو عشرة أشهر ، ثم قدم يزيد بن المهلّب فتسلم خراسان وأقام بها ، واستناب في البلاد نواباً ذكرهم ابن جرير(1) [ قال : ثم سار يزيد بن المهلّب ، فغزا جرجان ولم تكن يومئذ مدينة بأبواب وسور ، وإنما هي جبال وأودية ، وكان ملكها يقال له : صول ، فتحولوا عنها إلى قلعة هناك ، وقيل إلى جزيرة في بحيرة هناك ، ثم أخذوه من البحيرة ، وقتلوا من أهلها خلقاً كثيراً وأسروا وغنموا (٥) قال : وفيها حج بالناس سليمان بن عبد الملك ، ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها ، غير أن خراسان عزل عنها وكيع بن أبي سود ، ووليها يزيد بن المهلَّب بن أبي صفرة مع العراق . (١) برجمة : حصن للروم في شعر جرير. معجم البلدان (١/ ٣٧٤). وحصن الحديد وسرر حصون تقع على الطريق إلى القسطنطينية التي قصدها مسلمة في هذا العام . (٢) في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٦) : سرد وسل . (٣) في الطبري (٥٢٥/٦) وابن الأثير (٢٤/٤): عبد الله. (٤) تاريخ الطبري (٥٢٦/٦_٥٢٧) . ما بین معکوفین زیادة من ط ، والخبر في تاریخ خلیفة ( ٣١٤ ) وتاریخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٥ (٥) -٢٦٦ ) . ٣٦٣ وفيات سنة ٩٧ هـ وممن توفي فيها من الأعيان : الحسن بن الحسن(١) بن علي بن أبي طالب ، أبو محمد القرشي الهاشمي ، روى عن أبيه عن جده مرفوعاً: (( من عال أهل بيت من المسلمين يومهم وليلتهم غفر الله له ذنوبه )(٢) وعن عبيد الله بن جعفر عن علي في دعاء الكرب (٣) ، وعن زوجته فاطمة بنت الحسين . وعنه : ابنه عبد الله وجماعة . وفد على عبد الملك بن مروان فأكرمه ونصره على الحجاج ، وأقرّه وحده على ولاية صدقة علي ، وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر فأحسن ، وذكر عنه آثاراً تدل على سيادته وعمله وتسننه رحمه الله [ قيل إن الوليد بن عبد الملك(٤) كتب إلى عامله بالمدينة : إن الحسن بن الحسن كاتب أهل العراق ، فإذا جاءك كتابي هذا فاجلده مئة ضربة ، وقفه للناس ، ولا تراني إلا قاتله . فأرسل خلفه فعلَّمه علي بن الحسين كلمات الكرب فقالها حين دخل عليه فنجاه الله منهم : وهي : لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله العلي العظيم ، لا إله إلا الله رب السموات السبع ورب الأرض رب العرش العظيم(٥) توفي بالمدينة ، وكانت أمه خولة بنت منظور الفزاري ]٢٦ وقال يوماً لرجل من الرافضة : والله إن قتلك لقربة إلى الله عزَّ وجلَّ ، فقال له رجل : إنك تمزح ، فقال : والله ما هذا مني بمزح ولكنه الجد(٧). وقال له آخر منهم: ألم يقل رسول الله وَ ل: (( من كنت مولاه فعلي مولاه))؟. فقال: بلى ، ولو أراد الخلافة لخطب الناس فقال : أيها الناس اعلموا أن هذا ولي أمركم من بعدي ، وهو القائم عليكم ، (١) ترجمة - الحسن بن الحسن - في طبقات ابن سعد (٣١٩/٥ - ٣٢٠) وطبقات خليفة (٢٤٠) وتاريخ البخاري (٢٨٩/٢) والمعارف (٢١٢) وتاريخ بغداد (٢٩٣/٧) وتاريخ دمشق (٦١/١٣ - ٧١) وتهذيبه (١٦٥/٤ - ١٦٩) وتهذيب الكمال (٨٩/٦ -٩٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٨ - ٣٣٠). وسير أعلام النبلاء (٤٨٣/٤-٤٨٧) والوافي بالوفيات (٤١٦/١١ -٤١٨) وتهذيب التهذيب (٢٦٣/٢). (٢) الحديث فى تاريخ دمشق لابن عساكر ( ٦١/١٣) وهو حديث ضعيف جداً، فيه المنذر بن زياد الطائي، وهو متروك كما في ميزان الذهبي (٤/ ١٨١) . سيرد هذا الدعاء بعد قليل . (٣) (٤) في تاريخ الإسلام والسير : عبد الملك بن مروان . الحديث أخرجه أحمد (٢٥٤/١) و(٢٨٠/١) ومواضع أخرى ، والبخاري في صحيحه رقم (٦٣٤٥ - ٦٣٤٦) (٥) في الدعوات ومسلم في صحيحه رقم (٢٧٣٠ و٢٧٣١ ) في الذكر والدعاء . · ما بين معكوفين زيادة من ط توافق الأصول . (٦) تاريخ دمشق ( ١٣/ ٦٧ ). (٧) ٣٦٤ وفيات سنة ٩٧ هـ فاسمعوا له وأطيعوا ، والله لئن كان الله ورسوله اختار علياً لهذا الأمر ثم تركه علي لكان أول من ترك أمر الله ورسوله(١) . وقال لهم أيضاً : والله لئن ولينا من الأمر شيئاً لنقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ، ثم لا نقبل لكم توبة ، ويلكم غررتمونا من أنفسنا، ويلكم لو كانت القرابة تنفع بلا عمل لنفعت أباه وأمه(٢) ، لو كان ما تقولون فينا حقاً لكان آباؤنا قد غشونا إذ لم يعلمونا بذلك [ قد ظلمونا وكتموا عنّا أفضل الأمور ] والله إني لأخشى أن يضاعف العذاب للعاصي منا ضعفين ، كما أني لأرجو للمحسن منا أن يكون له الأجر مرتين ، ويلكم أحبونا إن أطعنا الله على طاعته ، وأبغضونا إن عصينا الله على معصيته . موسى بن نصير(٣) ، أبو عبد الرحمن اللّخمي ، مولاهم كانت مولاته امرأة منهم ، وقيل كان مولى لبني أمية ، افتتح بلاد المغرب [ وغنم منها أموالًا لا تعد ولا توصف، وله بها مقامات مشهورة هائلة ] ويقال إنه كان أعرج ، ويقال إنه ولد سنة تسع عشرة ، وأصله من عين التمر ، وقيل إنه من أراشة من بليّ ، سُبي أبوه من جبل الخليل من الشام في أيام الصديق ، وكان اسم أبيه نصراً فصغر . روى عن تميم الداري ، وروى عنه ابنه عبد العزيز ، ويزيد بن مسروق اليحصبي . وولي غزو البحر لمعاوية ، فغزا قبرص ، وبنى هنالك حصوناً كالماغوصة وحصن بانس وغير ذلك من الحصون بقبرص ، وكان نائب معاوية عليها بعد أن فتحها معاوية في سنة سبع وعشرين ، وشهد مرج راهط مع الضحاك بن قيس ، فلما قتل الضحاك لجأ موسى بن نصير لعبد العزيز بن مروان ، ثم لما دخل مروان بلاد مصر كان معه فتركه عند ابنه عبد العزيز ، ثم لما أخذ عبد الملك بلاد العراق جعله وزيراً عند أخيه بشر بن مروان . وكان موسى بن نصير هذا ذا رأي وتدبير وحزم وخبرة بالحرب ، قال الفسوي(٤) : ولي موسى بن نصير إمرة بلاد إفريقية سنة تسع وسبعين فافتتح بلاداً كثيرة جداً مدناً وأقاليم . وقد ذكرنا أنه افتتح بلاد الأندلس ، وهي بلاد ذات مدن وقرى وريف ، فسبى منها ومن غيرها خلقاً كثيراً ، وغنم أموالًا كثيرة جزيلة ، ومن الذهب والجواهر النفيسة شيئاً لا يحصى ولا يعد ، وأما الآلات والمتاع والدواب فشيء لا يدرى ما هو ، وسبى من الغلمان الحسان والنساء الحسان شيئاً كثيراً ، حتى قيل (١) المصدر نفسه ( ١٣ / ٦٩). (٢) يقصد أبا رسول الله وَّلر وأمه. والخبر بأطول مما هنا في تاريخ دمشق (١٣/ ٧٠). (٣) ترجمة - موسى بن نصير - في تاريخ علماء الأندلس (١٤٦/٢) وجذوة المقتبس (٣١٧) والمعرفة والتاريخ (٣٣٢/٣) وتاريخ دمشق (٢١١/٦١ - ٢٢٤) والبيان المغرب (٣٩/١ -٤٩) ووفيات الأعيان (٣١٨/٥ - ٣٢٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٤٨٥ - ٤٩٠). (٤) في ط: البغوي؛ تحريف والخبر في المعرفة والتاريخ (٣٣٢/٣). ٣٦٥ وفيات سنة ٩٧ هـ إنه لم يسلب أحد مثله من الأعداء (١)، وأسلم أهل المغرب على يديه ، وبث فيهم الدين والقرآن ، وكان إذا سار إلى مكان تحمل الأموال معه على العَجَل لكثرتها وعجز الدواب عنها . [ وقد كان موسى بن نصير هذا يفتح في بلاد المغرب ، وقتيبة يفتح في بلاد المشرق ، فجزاهما الله خيراً ، فكلاهما فتح من الأقاليم والبلدان شيئاً كثيراً ، ولكن موسى بن نصير حظي بأشياء لم يحظ بها قتيبة ، حتى قيل إنه لما فتح الأندلس جاءه رجل فقال له : ابعث معي رجالاً حتى أدلك على كنز عظيم ، فبعث معه رجالًا فأتى بهم إلى مكان فقال : احفروا ، فحفروا فأفضى بهم الحفر إلى قاعة عظيمة ذات الواوين حسنة ، فوجدوا هناك من اليواقيت والجواهر والزبرجد ما أبهتهم ، وأما الذهب فشيء لا يعبّر عنه ، ووجدوا في ذلك الموضع الطنافس ، الطنفسة منها منسوجة بقضبان الذهب ، منظومة باللؤلؤ الغالي المفتخر ، والطنفسة منظومة بالجوهر المثمن ، واليواقيت التي ليس لها نظير في شكلها وحسنها وصفاتها ، ولقد سمع يومئذ منادٍ ينادي لا يرون شخصه : أيها الناس ، إنه قد فتح عليكم باب من أبواب جهنم فخذوا حذركم . وقيل إنهم وجدوا في هذا الكنز مائدة سليمان بن داود التي كان يأكل عليها ]٢) وقد جمع أخباره وما جرى له في الحروب والغزوات رجل من ذريته يقال له أبو معاوية معارك بن مروان بن عبد الملك بن مروان بن موسى بن نصير النصيري . وروى الحافظ ابن عساكر(٣) : أن عمر بن عبد العزيز سأل موسى بن نصير حين قدم دمشق أيام الوليد عن أعجب شيء رآه في البحر ، فقال : انتهينا مرة إلى جزيرة فيها ست عشرة جرة خضراء مختومة بخاتم سليمان بن داود عليهما السلام ، قال : فأمرت بأربعة منها فأخرجت ، وأمرتُ بواحدة منها فنقبت ، فإذا قد خرج منها شيطان ينفض رأسه ويقول : والذي أكرمك بالنبوة لا أعود بعدها أفسد في الأرض ، قال : ثم إن ذلك الشيطان نظر فقال : إني لا أرى بهاء سليمان وملكه ، فانساخ في الأرض فذهب . قال : فأمرت بالثلاث البواقي فردت إلى مكانها . [ وقد ذكر السمعاني وغيره عنه أنه سار إلى مدينة النحاس التي بقرب البحر المحيط الأخضر ، في أقصى بلاد المغرب ، وأنهم لما أشرفوا عليها رأوا بريق شرفاتها وحيطانها من مسافة بعيدة ، وأنهم لما أتوها نزلوا عندها ، ثم أرسل رجلاً من أصحابه ومعه مئة فارس من الأبطال ، وأمره أن يدور حول سورها لينظر هل لها باب أو منفذ إلى داخلها ، فقيل : إنه سار يوماً وليلة حول سورها ، ثم رجع إليه فأخبره أنه لم يجد باباً ولا منفذاً إلى داخلها ، فأمرهم فجمعوا ما معهم من المتاع بعضه على بعض ، فلم يبلغوا أعلى (١) قال ابن عذاري في البيان المغرب (٤٣/١): لم يسمع قط بمثل سبايا موسى بن نصير في الإسلام ، وثمة بعض الخلافات اللفظية بين النسخ آثرنا عدم ذكرها لتوافق المعنى ، وبالله المستعان . (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط ، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٨٦) وسير أعلام النبلاء (٤ / ٤٩٧) عن الليث بن سعد . (٣) تاريخ دمشق (٦١/ ٢٢٢). ٣٦٦ وفيات سنة ٩٧ هـ سورها ، فأمر فعمل سلالم فصعدوا عليها ، وقيل إنه أمر رجلاً فصعد على سورها ، فلما رأى ما في داخلها لم يملك نفسه أن ألقاها في داخلها فكان آخر العهد به ، ثم آخر فكذلك ، ثم امتنع الناس من الصعود إليها ، فلم يحط أحد منهم بما في داخلها علماً ، ثم ساروا عنها فقطعوها إلى بحيرة قريبة منها ، فقيل : إن تلك الجرار المذكورة وجدها فيها ، ووجد عليها رجلاً قائماً ، فقال له : ما أنت ؟ قال : رجل من الجن وأبي محبوس في هذه البحيرة حبسه سليمان ، فأنا أجيء إليه في كل سنة مرة أزوره . فقال له : هل رأيت أحداً خارجاً من هذه المدينة أو داخلاً إليها ؟ قال : لا ، إلا أن رجلاً يأتي في كل سنة إلى هذه البحيرة يتعبد عليها أياماً ثم يذهب فلا يعود إلى مثلها ، والله أعلم ما هو . ثم رجع إلى إفريقية ، والله أعلم بصحة ذلك ، والعهدة على من ذكر ذلك أولاً (١) وقد استسقى موسى بن نصير بالناس في سنة ثلاث وتسعين حين أقحطوا بإفريقية ، فأمرهم بصيام ثلاثة أيام قبل الاستسقاء ، ثم خرج بالناس وميَّز أهل الذمة عن المسلمين ، وفرق بين البهائم وأولادها ، ثم أمر بارتفاع الضجيج والبكاء ، وهو يدعو الله تعالى حتى انتصف النهار ، ثم نزل فقيل له : ألا دعوت لأمير المؤمنين ؟ فقال : هذا موطن لا يذكر فيه إلا الله عزَّ وجلَّ، فسقاهم الله عزَّ وجلٍ(٢) وقد وفد موسى بن نصير على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه ، فدخل دمشق في يوم جمعة والوليد على المنبر ، وقد لبس موسى ثياباً حسنة وهيئة حسنة ، فدخل ومعه ثلاثون غلاماً [ من أبناء الملوك الذين أسرهم ] والأسبال(٣) ، وقد ألبسهم تيجان الملوك مع ما معهم من الخدم والحشم والأَتَّهة العظيمة ، فلما نظر إليهم الوليد وهو يخطب الناس على منبر جامع دمشق بهت إليهم لما رأى عليهم من الحرير والجواهر والزينة البالغة ، وجاء موسى بن نصير فسلم على الوليد وهو على المنبر ، وأمر أولئك فوقفوا عن يمين المنبر وشماله ، فحمد الله الوليد وشكره على ما أيده به ووسّع ملكه ، وأطال الدعاء والتحميد والشكر حتى خرج وقت الجمعة ، ثم نزل فصلى بالناس ، ثم استدعى بموسى بن نصير فأحسن جائزته وأعطاه شيئاً كثيرا٤ً) . وكان موسى بن نصير قدم بمائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، التي كان يأكل عليها [ وكانت من خليطين ذهب وفضة ، وعليها ثلاثة أطواق لؤلؤ وجوهر لم ير مثله ، وجدها في مدينة طليطلة من بلاد الأندلس مع أموال كثيرة . وقيل إنه بعث ابنه مروان على جيش فأصاب من السبي مئة ألف رأس ، وبعث ابن أخيه في جيش فأصاب من السبي مئة ألف رأس أيضاً من البربر ، فلما جاء كتابه إلى الوليد وذكر فيه أن خمس الغنائم (١) ما بين معكوفين زيادة من ط . الخبر في وفيات الأعيان (٣١٩/٥ _٣٢٠) وتاريخ دمشق (٢٢٢/٦١) وتاريخ الإسلام وسير أعلام النبلاء . (٢) (٣) في تاريخ الإسلام : وقد ألبس ثلاثين رجلا التيجان على كل واحد تاج الملك وثيابه . تاريخ دمشق ( ٢٢٣/٦١) . (٤) ٣٦٧ أحداث سنة ٩٨ هـ أربعون ألف رأس ، قال الناس : إن هذا أحمق ، من أين له أربعون ألف رأس خمس الغنائم ؟ فبلغه ذلك فأرسل أربعين ألف رأس وهي خمس ما غنم ، ولم يُسمع في الإسلام بمثل سبايا موسى بن نصير أمير المغرب(١). وقد جرت له عجائب في فتحه بلاد الأندلس وقال : ولو انقاد الناس لي لقُدتهم حتى أفتح بهم مدينة رومية (٢) - وهي المدينة العظمى في بلاد الفرنج - ثم ليفتحها الله على يدي إن شاء الله تعالى ، ولما قدم على الوليد قدم معه بثلاثين ألفاً من السبي ، وذلك خمس ما كان أصابه في آخر غزاة غزاها ببلاد المغرب ، وقدم معه من الأموال والتحف واللآلىء والجواهر ما لا يحد ولا يوصف ، ولم يزل مقيماً بدمشق حتى مات الوليد وتولى سليمان ، وكان سليمان عاتباً على موسى فحبسه عنده وطالبه بأموال عظيمة . ولم يزل في يده حتى حج بالناس سليمان في هذه السنة وأخذه معه فمات بالمدينة ، وقيل بوادي القرى (٣) ، وقد قارب (٤) الثمانين، وقيل توفي في سنة تسع وتسعين(٥) ، فالله أعلم، ورحمه الله وعفا عنه بمنه وفضله آمين. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ففي هذه السنة جَهَّز سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين أخاه مسلمة بن عبد الملك لغزو القسطنطينية وراء الجيش الذين هم بها ، فسار إليها ومعه جيش عظيم ، وقد أمر كل رجل من الجيش أن يحمل معه على ظهر فرسه مدّين من طعام ، فلما وصل إليها جمعوا ذلك فإذا هو أمثال الجبال ، فقال لهم مسلمة : اتركوا هذا الطعام وكلوا مما تجدونه في بلادهم ، وازرعوا في أماكن الزرع واستغلّوه ، وابنوا لكم بيوتاً من خشب ، فإنا لا نرجع عن هذا البلد إلا أن نفتحها إن شاء الله . وقد داخل مسلمة رجل من النصارى يقال له إليون ، وواطأه في الباطن ليأخذ له بلاد الروم ، فظهر منه نصح في بادىء الأمر ، ثم إنه توفي ملك القسطنطينية ، فدخل إليون في رسالة من مسلمة وقد خافته الروم خوفاً شديداً ، فلما دخل إليهم إليون قالوا له : رده عنا ونحن نملكك علينا فخرج فأعمل الحيلة في الغدر والمكر ، ولم يزل قبحه الله حتى أحرق ذلك الطعام الذي للمسلمين ، وذلك أنه قال لمسلمة : إنهم ما داموا يرون هذا الطعام يظنون أنك تطاولهم في القتال ، فلو أحرقته لتحققوا منك العزم ، وسلَّموا إليك البلد سريعاً ، فأمر مسلمة بالطعام فأحرق ، ثم انشمر إليون في السفن وأخذ ما أمكنه من أمتعة الجيش في اللّيل ، وأصبح وهو في البلد محارباً للمسلمين ، وأظهر العداوة الأكيدة ، وتحصن بالبلد واجتمعت عليه الروم ، وضاق الحال على المسلمين (١) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٨٦) عن الليث بن سعد . (٢) في تاريخ الإسلام والسير : القسطنطينية . (٣) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٨٩) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٤٩٨). وقال الذهبي في السير : حج موسى مع سليمان ومات بالمدينة . (٤) في أوحدها : جاوز . (٥) في تاريخ دمشق (٢٢٤/٦١) : توفي موسى بن نصير بوادي القرى في سنة سبع وتسعين . ٣٦٨ أحداث سنة ٩٨ هـ حتى أكلوا كل شيء إلا التراب ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى جاءتهم وفاة سليمان بن عبد الملك وتولية عمر بن عبد العزيز ، فكروا راجعين إلى الشام، وقد جهدوا جهداً شديداً(١) ، لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى مسجداً بالمدينة (٢) شديد البناء محكماً ، رحب الفناء شاهقاً في السماء . [ وقال الواقدي: لما ولي سليمان بن عبد الملك أراد الإقامة ببيت المقدس ، ثم يرسل العساكر إلى القسطنطينية ، فأشار عليه موسى بن نصير بأن يفتح ما دونها من المدن والرساتيق والحصون ، حتى يبلغ المدينة ، فلا يأتيها إلا وقد هدمت حصونها ووهنت قوتها ، فإذا فعلت ذلك لم يبق بينك وبينها مانع ، فيعطوا بأيديهم ويسلموا لك البلد ، ثم استشار أخاه مسلمة فأشار عليه بأن يدع ما دونها من البلاد ويفتحها عنوة ، فمتى ما فتحت فإن باقي ما دونها من البلاد والحصون بيدك ، فقال سليمان : هذا هو الرأي ، ثم أخذ في تجهيز الجيوش من الشام والجزيرة فجهز في البر مئة وعشرين ألفاً ، وفي البحر مئة وعشرين ألفاً من المقاتلة ، وأخرج لهم الأعطية ، وأنفق فيهم الأموال الكثيرة ، وأعلمهم بغزو القسطنطينية والإقامة إلى أن يفتحوها ، ثم سار سليمان من بيت المقدس فدخل دمشق وقد اجتمعت له العساكر فأمّر عليهم أخاه مسلمة ، ثم قال : سيروا على بركة الله ، وعليكم بتقوى الله والصبر والتناصح والتناصف . ثم سار سليمان حتى نزل مرج دابق ، فاجتمع إليه الناس أيضاً من المتطوعة المحتسبين أجورهم على الله ، فاجتمع له جند عظيم لم ير مثله ، ثم أمر مسلمة أن يرحل بالجيوش وأخذ معه إليون الرومي المرعشي ، ثم ساروا حتى نزلوا على القسطنطينية فحاصرها إلى أن برح بهم وعرض أهلها الجزية على مسلمة فأبى إلا أن يفتحها عنوة ، قالوا : فابعث إلينا إليون نشاوره ، فأرسله إليهم ، فقالوا له : رد هذه العساكر عنا ونحن نعطيك ونملكك علينا ، فرجع إلى مسلمة : فقال : قد أجابوا إلى فتحها غير أنهم لا يفتحونها حتى تتنخَّى عنهم ؛ فقال مسلمة : إني أخشى غدرك ، فحلف له أنه يدفع إليه مفاتيحها وما فيها ، فلما تنحّى عنهم أخذوا في ترميم ما تهدم من أسوارها واستعدوا للحصار . وغدر إليون بالمسلمين قبحه الله ]٣) . قال ابن جرير(٤) : وفي هذه السنة أخذ سليمان بن عبد الملك العهد لولده أيوب أنه الخليفة من بعده ، وذلك بعد موت أخيه مروان بن عبد الملك بن مروان ، فعدل عن ولاية أخيه يزيد إلى ولاية ولده (١) الخبر في تاريخ الطبري (٥٣٠/١ - ٥٣١) وابن الأثير (٢٧/٥ - ٢٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٧١) . (٢) في ط : بالقسطنطينية، والصحيح أن مسلمة كان قد بنى مدينة حذاء القسطنطينية سماها مدينة القهر ، وبنى بها مسجداً عظيماً حيث إن القسطنطينية لم تفتح بعد ، ولم يذكر الطبري ولا ابن الأثير خبر المسجد هذا في هذه السنة ، إنما ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٧١) في ترجمة سليمان بن عبد الملك نقلاً عن ابن عساكر في مختصر تاريخ دمشق ( ١٠/ ١٧٣ - ١٧٤ ). (٣) ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص٢٦٩ - ٢٧٠) وسير أعلام النبلاء (٥٠١/٤ - ٥٠٢) ولكن الرواية ليست عن الواقدي ؛ وإنما عن سعيد بن عبد العزيز . (٤) تاريخ الطبري (٥٣١/٦ - ٥٣٢) والخبر أيضاً في ابن الأثير (٢٨/٥). ٣٦٩ أحداث سنة ٩٨ هـ أيوب ، وتربص بأخيه الدوائر ، فمات أيوب في حياة أبيه ، فبايع سليمان إلى ابن عمه عمر بن عبد العزيز أن يكون الخليفة من بعده، ولنعمًا فعلُ(١). وفيه فتحت مدينة الصقالبة . قال الواقدي : وقد أغارت البرجان على جيش مسلمة وهو في قلة من الناس في هذه السنة . فبعث إليه سليمان جيشاً فتقاتل البرجان حتى هزمهم الله عزَّ وجلَّ . وفي هذه السنة غزا يزيد بن المهلّب قهستال(٢) من أرض الصين فحاصرها وقاتل عندها قتالاً شديداً ، ولم يزل حتى تسلمها ، وقتل من الترك الذين بها أربعة آلاف صبرا٣ً) ، وأخذ منها الأموال والأثاث والأمتعة ما لا يحد ولا يوصف كثرة وقيمة وحسناً ، ثم سار منها إلى جرجان فاستجاش صاحبها بالدّيلم ، فقدموا لنجدته فقاتلهم يزيد بن المهلّب وقاتلوه ، فحمل محمد بن عبد الرحمن بن أبي سبرة الجعفي - وكان فارساً شجاعاً باهراً - على ملك الديلم فقتله وهزمهم الله ، ولقد بارز ابن أبي سبرة هذا يوماً بعض فرسان الترك ، فضربه التركي بالسيف على البيضة فنشب فيها ، وضربه ابن أبي سبرة فقتله ، ثم أقبل إلى المسلمين وسيفه يقطر دماً وسيف التركي ناشب في خوذته ، فنظر إليه يزيد بن المهلّب فقال : ما رأيت منظراً أحسن من هذا ، من هذا الرجل ؟ قالوا : ابن أبي سبرة . فقال : نعم الرجل لولا انهماكه في الشراب(٤) . ثم صمم يزيد بن المهلّب في محاصرة جرجان وما زال يضيِّق على صاحبها حتى صالحه على سبعمئة ألف درهم وأربعمئة ألف دينار ، ومئتي ألف ثوب ، وأربعمئة حمار موقرة زعفراناً ؛ وأربعمئة رجل على رأس كل رجل ترس : على الترس طيلسان وجام من فضة وسرقة من حرير ، وقد كان سعيد بن العاص حين فتحها صلحاً على أن يؤدوا الخراج فكانوا يحملون في كل سنة مئة ألف ، وفي سنة مئتي ألف ، وفي بعض السنين ثلاثمئة ألف ، ويمنعون ذلك في بعض السنين ، ثم امتنعوا جملة وكفروا ، فغزاهم يزيد بن المهلّب وردّها صلحاً على ما كانت عليه في زمن سعيد بن العاص . قالوا : وأصاب يزيد بن المهلّب من غيرها أموالاً كثيرة جداً ، فكان من جملتها تاج فيه جواهر نفيسة ، فقال : أترون أحداً يزهد في هذا؟ قالوا : لا نعلمه ، فقال: والله إني لأعلم رجلاً لو عرض عليه هذا وأمثاله لزهد فيه ، ثم دعا بمحمد بن واسع - وكان في الجيش مغازياً - فعرض عليه أخذ التاج فقال : لا حاجة لي فيه ، فقال : أقسمت عليك لتأخذنه ، فأخذه وخرج به من عنده ، فأمر يزيد رجلاً أن يتبعه فينظر ماذا يصنع بالتاج ، فمر بسائل فطلب منه شيئاً فأعطاه التاج بكماله وانصرف ، فبعث يزيد إلى ذلك السائل فأخذ منه التاج وعوضه عنه مالاً كثيراً . (١) فى الأخبار الطوال (٣٢٩) قال: لما ثقل سليمان كتب كتاباً وختمه ثم قال لصاحب شرطته : إن هشام ويزيد لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة ، فجعلتها للرجل الصالح ، عمر بن عبد العزيز ؛ فإذا توفي عمر رجع الأمر إليهما . (٢) في تاريخ الطبري (٥٣٦/٦): دهستان. في الطبري (٥٣٨/٦) وابن الأثير (٣٠/٥): وقتل أربعة عشر ألف تركي صبراً. (٣) (٤) في الطبري (٥٣٣/٦) فقال : لله أبوه ! أي رجل هو لولا إسرافه على نفسه . ٣٧٠ وفيات سنة ٩٨ هـ وقال علي بن محمد المدائني : قال أبو بكر الهذلي : كان شهر بن حوشب على خزائن يزيد بن المهلب فرفعوا إليه أنه أخذ خريطة فيها مئة دينار ، فسأله عنها فقال : نعم وأحضرها ؛ فقال له يزيد : هي لك، واستدعى بالذي وشى به فشتمه ، فقال في ذلك القُطامي الكلبي ، ويقال إنها لسنان بن مكمّل النميري : فمنْ يأمنُ القرَّاءُ بعدك يا شَهْرُ لقدْ باعَ شهرٌ دينهُ بخريطةٍ من ابنِ جونبوذ إنَّ هذا هو الغدرُ أخذت بهِ شيئاً طفيفاً وبِعْتَهُ وقال مرة بن النخعي(١): يابنَ المهلبِ ما أردتَ إلى امرىءٍ لولاكَ كان كصالح القراء(٢) قال ابن جرير(٣) : ويقال إن يزيد بن المهلب كان في غزوة جرجان في مئة ألف وعشرين ألفاً ، منهم ستون ألفاً من جيش الشام أثابهم الله ، وقد تمهدت تلك البلاد بفتح جرجان وسلكت الطرق ، وكانت قبل ذلك مخوفة جداً ، ثم عزم يزيد على المسير إلى طبرستان(٤) ، وقدَّم بين يديه سرية في أربعة آلاف من سراة الناس ، فلما التقوا اقتتلوا قتالاً شديداً ، وقتل من المسلمين في المعركة أربعة آلاف ثم عزم يزيد على فتح البلاد لا محالة ، وما زال حتى صالحه صاحبها - وهو الأصبهبذ - بمال كثير ، سبعمئة ألف في كل عام ، وغير ذلك من المتاع والرقيق . وممن توفي فيها من الأعيان : عبيد الله بن عبد الله بن عتبة(٥) ، كان إماماً حجة ، وكان مؤدب عمر بن عبد العزيز ، وله روايات كثيرة عن جماعات من الصحابة . أبو الحفص النخعي(٦) (١) في أوابن الأثير (٣٣/٥): الحنفي ، وما أثبت موافق للطبري . (٢) الخبر مع الشعر في تاريخ الطبري (٥٣٨/٦ - ٥٣٩) وابن الأثير (٣٣/٥). (٣) تاريخ الطبري ( ٥٣٩/٦ ). في ط : خوزستان ، وما أثبت من أ ، ب ومصادر المؤلف . (٤) (٥) ترجمة - عبيد الله بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (٢٥٠/٥) وتاريخ خليفة (٣٢٠) وطبقاته (٢٤٣) وتاريخ البخاري (٣٨٥/٥ - ٣٨٦) والمعرفة والتاريخ (٥٦٠/١ - ٥٦٣) وحلية الأولياء (١٨٨/٢ - ١٨٩) ووفيات الأعيان (١١٥/٣ - ١١٦) وصفة الصفوة (١٠٢/٢ - ١٠٣) وتهذيب الكمال (٧٣/١٩ - ٧٧) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٢١ - ٤٢٣) وسير أعلام النبلاء (٤٧٥/٤ - ٤٧٩) ونكت الهميان للصفدي (ص١٩٧) وتهذيب التهذيب (٢٣/٧ - ٢٤) وشذرات الذهب (٣٩٤/١). وقد تحرف اسمه في ط : إلى عبد الله . (٦) ترجمة - أبي الحفص النخعي، واسمه (عبد الرحمن بن الأسود) - في طبقات ابن سعد (٢٨٩/٦) وتاريخ خليفة = ٣٧١ أحداث سنة ٩٩هـ عبد الله بن محمد ابن الحنفية (١) (٢) . وقد ذكرنا تراجمهم فى ((التكميل)» والله سبحانه وتعالى أعلم ثم دخلت سنة تسع وتسعين فيها كانت وفاة سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين يوم الجمعة لعشر مضين ، وقيل بقين من صفر منها ، عن خمس وأربعين سنة ، وقيل عن ثلاث وأربعين ، وقيل إنه لم يجاوز الأربعين . وكانت خلافته سنتين وثمانية أشهر . وزعم أبو أحمد الحاكم : أنه توفي يوم الجمعة لثلاث عشرة بقيت من رمضان منها ، وأنه استكمل في خلافته ثلاث سنين وثلاثة أشهر وخمسة أيام ، وله من العمر تسع وثلاثون سنة ، والصحيح قول الجمهور وهو الأول ، والله أعلم . وهو سليمان بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي ، أبو أيوب . كان مولده بالمدينة في بني جديلة ، ونشأ بالشام عند أبيه . وروى الحديث عن أبيه عن جده عن عائشة أم المؤمنين في قصة الإفك ، رواه ابن عساكر من طريق ابنه عبد الواحد بن سليمان عنه . وروى عن عبد الرحمن بن هنيدة أنه صحب عبد الله بن عمر إلى الغابة قال فسكت فقال لي ابن عمر : مالك ؟ فقلت : كنت أتمنى . فقال ابن عمر: فما تتمنى يا أبا عبد الرحمن ؟ فقال لي: لو أن لي أُحُداً هذا ذهباً أعلم عدده وأخرج زكاته ما كرهت ذلك ، أو قال : ما خشيت أن يضرّني . رواه محمد بن (٣٢٠) وطبقاته (١٥٧) وتاريخ البخاري (٢٥٢/٥ -٢٥٣) وتهذيب الكمال (٥٣٠/١٦-٥٣٣) وتاريخ الإسلام = ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤١٢ - ٤١٣) وسير أعلام النبلاء (١١/٥ - ١٢) وتهذيب التهذيب (٦/ ١٤٠ - ١٤١) وشذرات الذهب (٣٩٣/١). (١) ترجمة - عبد الله بن محمد - في طبقات ابن سعد (٣٢٧/٥ - ٣٢٨) وتاريخ خليفة (٣١٦ - ٣٢٠) وطبقاته (٢٣٩) وتاريخ البخاري (١٨٧/٥) وتهذيب الكمال (٨٥/١٦ -٨٧) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص ٤٠٥ - ٤٠٧) وسير أعلام النبلاء (١٢٩/٤) والوافي بالوفيات (٤٢٤/١٧ - ٤٢٥) وتهذيب التهذيب (١٦٦/٥) وشذرات الذهب (٣٩٣/١). من قوله : وممن توفي فيها .. إلى هنا ساقط من أ . (٢) (٣) ترجمة - سليمان بن عبد الملك ـ في تاريخ خليفة (٣١٦ - ٣١٩) وأنساب الأشراف (ق٣٠٨/٣ - ٣٠٩) وتاريخ البخاري (٢٥/٤) ووفيات الأعيان (٤٢٠/٢ - ٤٢٧) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٣٧٧ - ٣٨٢) وسير أعلام النبلاء (١١١/٥ - ١١٣) والوافي بالوفيات (١٥/ ٤٠٠-٤٠٤) وتاريخ الخلفاء للسيوطي (٢٢٥ -٢٢٨) وغيرها كثير. مختصر تاريخ دمشق ( ١٠ / ١٧٠ ) . (٤) المصدر نفسه . (٥) ٣٧٢ أحداث سنة ٩٩ هـ يحيى الذُّهلي ، عن أبي صالح عن اللّيث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر ، عن الزُّهري عنه . قال الحافظ ابن عساكر١): وكانت داره بدمشق موضع ميضأة جيرون(٢) الآن [ في تلك المساحة جميعها ] وبنى داراً كبيرة ممايلي باب الصغير ، موضع الدرب المعروف بدرب محرز ، وجعلها دار الإمارة ، وعمل فيها قبة صفراء تشبيهاً بالقبة الخضراء ، قال : وكان فصيحاً مؤثراً للعدل محباً للغزو ، وقد أنفذ الجيش لحصار القسطنطينية حتى صالحوهم على بناء الجامع بها . وقد روى أبو بكر الصولي : أن عبد الملك جمع بنيه ، الوليد وسليمان ومسلمة ، بين يديه فاستقرأهم القرآن فأجادوا القراءة ، ثم استنشدهم الشعر فأجادوا ، غير أنهم لم [ يكملوا أو ] يحكموا شعر الأعشى ، فلامهم على ذلك ، ثم قال : لينشدني كل رجل منكم أرق بيت قالته العرب ولا يفحش ، هات يا وليد ، فقال الوليد : [ من البسيط ] ما مركبٌ وركوبُ الخيلِ يعجبني كمركبٍ بينَ دملوجٍ وخلخالٍ فقال عبد الملك : وهل يكون من الشعر أرفث من هذا ؟ هات يا سليمان ، فقال : [ من الخفيف ] حبَّذا رجعُها يديها إليها في يدي درعها تحلُّ الإزارا فقال : لم تصب ، هات يا مسلمة ، فأنشده قول امرىء القيس : وما ذرفتْ عيناكِ إلا لتضربي بسهمَيكِ في أعشارِ قلبٍ مُقْتَّلٍ فقال : كذب امرؤ القيس ولم يُصب ، إذا ذرفت عيناها بالوجد فما بقي إلا اللقاء ، وإنما ينبغي للعاشق أن يغتضي منها الجفاء ويكسوها المودة ، ثم قال : أنا مؤجلكم في هذا البيت ثلاثة أيام فمن أتاني به فله حكمه ، أي : مهما طلب أعطيته ، فنهضوا من عنده فبينما سليمان في موكب إذا هو بأعرابي يسوق إيله وهو يقول : لو ضربوا٢) بالسَّيفِ رأسي في مودَّتها لمالَ يهوي سريعاً نحوَها رأسي فأمر سليمان بالأعرابي فاعتقل ، ثم جاء إلى أبيه فقال : قد جئتك بما سألت ، فقال : هات ، فأنشده البيت فقال : أحسنت ، وأنى لك هذا ؟ فأخبره خبر الأعرابي ، فقال : سل حاجتك ولا تنس صاحبك . فقال : يا أمير المؤمنين إنك عهدت بالأمر من بعدك للوليد ، وإني أحب أن أكون ولّي العهد من بعده ، فأجابه إلى ذلك ، وبعثه على الحج في إحدى وثمانين ، وأطلق له مئة ألف درهم ، فأعطاها سليمان لذلك الأعرابي [ الذي قال ذلك البيت من الشعر (1) مختصر تاريخ دمشق ( ١٠ / ١٧٠) . (١) جَيرون - بالفتح - الباب الشرقي للجامع الأموي بدمشق. معجم البلدان (١٩٩/٢). (٢) (٣) في مختصر تاريخ دمشق : لو حزَّ . القصة بكاملها في مختصر تاريخ دمشق (١٧١/١٠ - ١٧٢). (٤) ٣٧٣ أحداث سنة ٩٩ هـ فلما مات أبوه سنة ست وثمانين وصارت الخلافة إلى أخيه الوليد ، كان بين يديه كالوزير والمشير ، وكان هو المستحث على عمارة جامع دمشق ، فلما توفي أخوه الوليد يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وتسعين ، كان سليمان بالرملة ، فلما أقبل تلقاه الأمراء ووجوه الناس ، وقيل إنهم ساروا إليه إلى بيت المقدس فبايعوه هنالك ، وعزم على الإقامة بها ، وأتته الوفود إلى بيت المقدس فلم يروا وفادة كانت أهيأ من الوفادة إليه (١) ، وكان يجلس في قبة في صحن المسجد ممايلي الصخرة من جهة الشمال ، وتجلس أكابر الناس على الكراسي ، وتقسم فيهم الأموال ، ثم عزم على المجيء إلى دمشق . فدخلها وكمل عمارة الجامع . وفي أيامه جددت المقصورة واتخذ ابن عمه عمر بن عبد العزيز مشاوراً ووزيراً ، وقال له : إنا قد ولينا ما ترى وليس لنا علم بتدبيره ، فما رأيت من مصلحة العامة فمر به فليكتب ، وكان من ذلك عزل نواب الحجاج وإخراج أهل السجون منها ، وإطلاق الأسرى ، وبذل الأعطية بالعراق ، ورد الصلاة إلى ميقاتها الأول ، بعد أن كانوا يؤخرونها إلى آخر وقتها ، مع أمور حسنة كان يسمعها من عمر بن عبد العزيز رحمهما الله(٢) ، وأمر بغزو القسطنطينية فبعث إليها من أهل الشام والجزيرة والموصل في البر نحواً من مئة ألف وعشرين ألف مقاتل ، وبعث من أهل مصر وإفريقية ألف مركب في البحر عليهم عمر بن هبيرة ، وعلى جماعة الناس كلهم أخوه مسلمة ، ومعه ابنه داود بن سليمان بن عبد الملك في جماعة من أهل بيته ، وذلك كله عن مشورة موسى بن نصير ، حين قدم من بلاد المغرب ، والصحيح أنه قدم في أيام أخيه الوليد كما قدمنا ، والله أعلم . قال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدَّثني محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الكوفي ، عن جابر بن عون الأسدي . قال : أول كلام تكلّم به سليمان بن عبد الملك [ حين ولي الخلافة ] أن قال: الحمد لله الذي ما شاء صنع وما شاء رفع وما شاء وضع ، ومن شاء أعطى ومن شاء منع . إن الدنيا دار غرور ، ومنزل باطل ، وزينة تقلب ، تضحك باكياً ، وتبكي ضاحكاً ، وتخيف آمناً ، وتؤمن خائفاً ، تفقر مثريها ، وتثري فقيرها ، ميّالة لاعبة بأهلها . يا عباد الله اتخذوا كتاب الله إماماً ، وارضوا به حكماً ، واجعلوه لكم قائداً ، فإنه ناسخ لما قبله ولن ينسخه كتاب بعده . اعلموا عباد الله أن هذا القرآن يجلو كيد الشيطان وضغائنه كما يجلو ضوء الصبح إذا تنفس إدبار الليل إذا عسعس (٣). وقال يحيى بن معين : عن حجّاج بن محمد ، عن أبي معشر ، عن محمد بن قيس قال : سمعت سليمان بن عبد الملك يقول في خطبته : فضل القرآن على سائر الكلام كفضل الله على خلقه . (١) مكانها في الأصول: فلم يرو وفادة هناك ... ، ولا يكتمل المعنى بها وأثبتنا عبارة الذهبي في تاريخ الإسلام، ومختصر تاريخ دمشق . (٢) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٣٧٨). (٣) نص الخطبة مع خلافات يسيرة في مروج الذهب (٢١٣/٣) والعقد الفريد (١٤٣/٢). ٣٧٤ أحداث سنة ٩٩ هـ وقال حماد بن زيد عن يزيد بن حازم . قال : كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة لا يدع أن يقول في خطبته : وإنما أهل الدنيا على رحيل ، لم تمض لهم نية ولم تطمئن بهم حتى يأتي أمر الله ووعده وهم على ذلك، كذلك لا يدوم نعيمها ، ولا تؤمن فجائعها ولا تبقي من شر أهلها ثم يتلو ﴿ أَفَرَءَيْتَ إِن مَتَّعْنَهُمْ سِنِينَ ﴿َ ثُرَجَآءَ هُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ الَْمَآ أَغْنَى عَنْهُم مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٠٥ - ٢٠٧](١) وروى الأصمعي أن نقش خاتم سليمان كان : آمنت بالله مخلصاً . وقال أبو مسهر : عن أبي مسلم سلمة بن العَيّار الفزاري . قال : كان محمد بن سيرين يترحم على سليمان بن عبد الملك ، ويقول : افتتح خلافته بخير وختمها بخير ، افتتحها بإحيائه الصلاة لمواقيتها ، وختمها باستخلافه عمر بن عبد العزيز(٢). قد أجمع علماء السير والتواريخ أنه حجّ بالناس في سنة سبع وتسعين وهو خليفة(٣) . قال الهيثم بن عدي : قال الشعبي : حجّ سليمان بن عبد الملك فلما رأى الناس بالموسم قال لعمر بن عبد العزيز : ألا ترى هذا الخلق الذي لا يُحصي عددهم إلا الله ، ولا يسع رزقهم غيره ، فقال : يا أمير المؤمين هؤلاء رعيتك اليوم ، وهم غداً خصماؤك عند الله، فبكى سليمان بكاءً شديداً ثم قال : بالله أستعين (٤) . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدّثنا جرير ، عن عطاء بن السائب . قال : كان عمر بن عبد العزيز في سفر مع سليمان بن عبد الملك فأصابتهم السماء برعد وبرق وظلمة وريح شديدة ، حتى فزعوا لذلك، وجعل عمر بن عبد العزيز(٥) يضحك ، فقال له سليمان : ما يضحكك يا عمر ؟ أما ترى ما نحن فيه ؟ فقال له : يا أمير المؤمنين هذه آثار رحمته فيها شدائد ما نرى ، فكيف بآثار سخطه وغضبه ؟ ومن كلامه الحسن رحمه الله قوله : الصمت منام العقل والنطق يقظته ، ولا يتم هذا إلا بهذا . ودخل عليه رجل فكلمه فأعجبه منطقه ثم فتشه فلم يحمد عقله ، فقال : فضل منطق الرجل على عقله خدعة ، وفضل عقله على منطقه هجنة ، وخير ذلك ما أشبه بعضه بعضاً . وقال : العاقل أحرص على إقامة لسانه منه على طلب معاشه . تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٧٩). (١) (٢) المصدر نفسه . (٣) كذلك قال الذهبي في تاريخ الإسلام . تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٧٩). (٤) من قوله : في سفر مع سليمان .. إلى هنا ساقط من أ . (٥) ٣٧٥ أحداث سنة ٩٩ هـ وقال أيضاً : إن من تكلّم فأحسن قادر على أن يسكت فيحسن ، وليس كل من سكت فأحسن قادراً على أن يتكلم فيحسن (١) ومن شعره يتسلى عن صديق له مات فقال(٢): [ من الطويل ] وهوَّن وجدي في شراحيل أَنَّني متى شئتُ لاقيتُ امرءاً مات صاحبهُ ومن شعره أيضاً : [ من الطويل ] وإنْ ملَّني إلا سألتُ لهُ رُشْداً ومن شِيمتي ألّا أفارقَ صاحبي كآخرَ لا يرعَى ذِماماً ولا عهداً وإنْ دامَ لي بالودِّ دمتُ ولم أكُنْ وسمع سليمان ليلة صوت غناءٍ في معسكره فلم يزل يفحص حتى أتى بهم ، فقال سليمان : الفرس ليصهل فتستودق له الرَّمَكة ، وإن الجمل ليهدر فتضبَع له الناقة ، وإن التيس لينبّ فتستخرم له العنز ، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق له المرأة، ثم أمر بهم ليخصوهم، فيقال إن عمر بن عبد العزيز قال: يا أمير المؤمنين إنها مثلة ، فتركهم . وفي رواية أنه خصى أحدهم ثم سأل عن أصل الغناء فقيل إنه بالمدينة ، فكتب إلى عامله بها وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره أن يخصي من عنده من المغنين المخنثين(٣) . وقال الشافعي : دخل أعرابي على سليمان فدعاه إلى أكل الفالوذج وقال له : إن أكلها يزيد في الدماغ فقال : لو كان هذا صحيحاً لكان ينبغي أن يكون رأس أمير المؤمنين مثل رأس البغل(٤). وذكروا أن سليمان كان نهماً في الأكل ، وقد نقلوا عنه أشياء في ذلك غريبة ، فمن ذلك أنه اصطبح في بعض الأيام بأربعين دجاجة مشوية ، وأربع وثمانين كلوة بشحمها ، وثمانين جردقة ، ثم أكل مع الناس على العادة في السِّماط العامُ(٥) . ودخل ذات يوم بستاناً له وكان قد أمر قيِّمه أن يجني ثماره ، فدخل ومعه أصحابه فأكل القوم حتى ملوا ، واستمرّ هو يأكل أكلاً ذريعاً من تلك الفواكه ، ثم استدعى بشاة مشوية فأكلها ثم أقبل على الفاكهة ، ثم أتي بدجاجتين فأكلهما ، ثم عاد إلى الفاكهة فأكل منها ثم أَتي بقعب يقعد فيه الرجل مملوءاً بسويق وسمن وسكر فأكله ثم صار إلى دار الخلافة ، وأتي بالسماط فما فَقَد من أكله شيء . وقد رُوي أنه عرضت له حمى عقب هذا الأكل أدته إلى الموت(٦) . (١) مختصر تاريخ دمشق ( ١٠ / ١٧٥). (٢) الأبيات في مختصر تاريخ دمشق ( ١٠/ ١٧٥ - ١٧٦ ). (٣) مختصر تاريخ دمشق ( ١٠/ ١٧٦ - ١٧٧ ) . (٤) المصدر نفسه ( ١٠ / ١٧٧ ) . (٥) الخبر فى تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٣٧٩) والجردقة : الرغيف ( فارسي ) وجمعها جرادق. القاموس ( جردق ) . (٦) الخبر بأطول مما هنا في مختصر تاريخ دمشق (١٠ / ١٧٧ - ١٧٨). ٣٧٦ أحداث سنة ٩٩ هـ وقد قيل إن سبب مرضه كان من أكل أربعمئة بيضة وسلتين من تين ، فالله أعلم . وذكر المفضّل(١) بن المهلّب أنه لبس في يوم جمعة حلّة صفراء، ثم نزعها ولبس بدلها حلّة خضراء، واعتم بعمامة خضراء ، وجلس على فراش أخضر ، وقد بسط ما حوله بالخضرة ، ثم نظر في المرآة فأعجبه حسنه ، وشمَّر عن ذراعيه وقال : أنا الخليفة الشاب(٢). [ وقيل : إنه كان ينظر في المرآة من فرقه إلى قدمه ويقول: أنا الملك الشاب }٣). وفي رواية أنه قال : كان محمد نبياً ، وكان أبو بكر صدّيقاً ، وكان عمر فاروقاً ، كان عثمان حيياً ، وكان علي شجاعاً ، وكان معاوية حليماً ، وكان يزيد صبوراً ، وكان عبد الملك سائساً ، وكان الوليد جَبّاراً ، وأنا الملك الشاب . قالوا : فما حال عليه بعد ذلك شهر ، وفي رواية جمعة ، حتى مات(٤). قالوا : ولما حم شرع يتوضأ فدعا بجارية فصبت عليه ماء الوضوء ثم أنشدته : غيرَ أنْ لا بقاءَ للإنسانِ أنتَ نعمَ المتاعُ لو كنتَ تبقى يكره الناسُ غيرَ أنك فانٍ(٥) أنتَ خلوٌ من العيوبِ ومما قالوا : صاح بها وقال : عزيتني في نفسي وصرفها ، ثم أمر خاله الوليد بن القعقاع العبسي(٦) أن يصب عليه وقال : [ من الكامل ] دنياكَ هذي بلغة (٧) ومتاع قرِّبْ وضوءكَ يا وليدُ فإنما [ فقال الوليد ]٨): فاعمل لنفسك في حياتكَ صالحاً فالدهرُ فيهِ فرقةٌ وجماعُ (١) في ط : الفضل؛ تحريف، وما أثبت موافق للطبري، والخبر فيه (٥٤٦/٦). (٢) في الطبري : أنا الملك الفتي . (٣) ما بين معكوفين زيادة من ط. (٤) الرواية الأخيرة في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٣٨٠) ومختصر تاريخ دمشق (١٠/ ١٧٩). (٥) الأبيات في تاريخ الطبري (٥٤٧/٦) وليس فيه بقية القصة، وابن الأثير (٣٧/٥) مع اختصار في القصة، والبيت الثاني فيهما : كان في الناس غير أنك فان ليس فيما علمته فيك عيب وفي الوفيات لابن خلكان (٢/ ٤٢١) ومختصر تاريخ دمشق (١٠ /١٧٥): عابه الناس غير أنك فان ليس فيما بدالنا منك عيب (٦) في ط : العنسي ؛ وما أثبت هو الصحيح لأن أخواله بنو عبس . (٧) في تاريخ الإسلام : تَعِلَةٌ. (٨) ما بينهما زيادة من مختصر تاريخ دمشق (١٧٩/١٠) حيث إن البيت الثاني قاله الوليد خال سليمان ، وكذلك في تاريخ الإسلام . ٣٧٧ أحداث سنة ٩٩ هـ ويروى أن الجارية لما جاءته بالطست جعلت تضطرب من الحمى ، فقال : أين فلانة ؟ فقالت : محمومة ، قال : ففلانة ؟ قالت : محمومة ، وكان بمرج دابق من أرض قنسرين ، فأمر خاله فوضأه ثم خرج يصلي بالناس فأخذته بحة في الخطبة ، ثم نزل وقد أصابته حمى فاستمر بها حتى مات في الجمعة المقبلة(١) . ويقال : إنه أصابه ذات الجنب(٢) فمات بها رحمه الله وأكرم مثواه . [ وكان قد أقسم أنه لا يبرح بمرج دابق حتى يرجع إليه الخبر بفتح القسطنطينية ، أو يموت قبل ذلك فمات قبل ذلك رحمه الله وأكرم مثواه (٣) . قالوا وجعل يلهج في مرضه ويقول : إنَّ بنيَّ صبيةٌ صغارُ أفلحَ مِنْ كانَ لهُ كبارُ فيقول له عمر بن عبد العزيز : قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين ، ثم يقول : إن بنيَّ صبيةٌ صيفيون قدْ أفلحَ منْ كانَ لهُ شتويون(٤) ويروى أن هذا آخر ما تكلّم به ، والصحيح أن آخر ما تكلم به أن قال : أسألك منقلباً كريماً ، ثم قضى . وروى ابن جرير(٥) عن رجاء بن حيوة - وكان وزير صدق لبني أمية - قال : استشارني سليمان بن عبد الملك وهو مريض أن يولي له ابناً صغيراً لم يبلغ الخُلُم ، فقلت : إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يولي على المسلمين الرجل الصالح ، ثم شاورني في ولاية ابنه داود ، فقلت : إنه غائب عنك بالقسطنطينية ولا تدري أحي هو أو ميت ، فقال : من ترى ؟ فقلت : رأيك يا أمير المؤمنين قال : فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز ؟ فقلت : أعلمه والله خيراً فاضلاً مسلماً يحب الخير وأهله ، ولكن أتخوف عليه إخوتك أن لا يرضوا بذلك ، فأشار رجاء(٦) أن يجعل يزيد بن عبد الملك ولي العهد من بعد عمر بن عبد العزيز ليُرضي بذلك بني مروان ، فكتب : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا كتاب من عبد الله سليمان أمير المؤمنين لعمر بن عبد العزيز ، إني قد (١) مختصر تاريخ دمشق (١٠ /١٧٨). (٢) المصدر نفسه (١٠ / ١٨١). (٣) ما بين معكوفين زيادة من ط . في مختصر تاريخ دمشق (١٠ / ١٨١): أفلح من كان له شتويون - بحذف قد - وفي ط : ربيعيون. (٤) (٥) تاريخ الطبري (٦/ ٥٥٠ - ٥٥٣) . (٦) في ط : لا يرضوا بذلك ، فقال: هو والله على ذلك، وأشار رجال أن .. وما أثبت من أ ، ب وهي توافق المصادر . ٣٧٨ أحداث سنة ٩٩ هـ وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك ، فاسمعوا له وأطيعوا ، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكمُ(١) . وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسي صاحب الشرطة ، فقال له : اجمع أهل بيتي [ فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوماً ، فمن أبى منهم فاضرب عنقه ]٢) فاجتمعوا ودخل رجال منهم فسلّموا على أمير المؤمنين ، فقال لهم : هذا الكتاب عهدي إليكم ، فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا من وليت فيه ، فبايعوا لذلك رجلاً رجلاً . قال رجاء : فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال : أنشدك الله وحرمتي ومودتي إلّا أعلمتني إن كان كتب لي ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتي حال لا أقدر عليه الساعة ، فقلت : والله لا أخبرك حرفاً واحداً . قال : ولقيه هشام بن عبد الملك فقال : يا رجاء إن لي بك حرمةً ومودةً قديمةً ، فأخبرني هذا الأمر إن كان إليّ علمت ، وإن كان لغيري فما مثلي قصّر به عن هذا . فقلت : والله لا أخبرك حرفاً واحداً مما أُسِرَّ إليَّ . قال رجاء : دخلت على سليمان فإذا هو يموت ، فجعلت إذا أخذته السَّكْرة من سكرات الموت أحرفه إلى القبلة ، فإذا أفاق يقول : لم يأن لذلك بعد يا رجاء ، فلما كانت الثالثة قال : من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئاً ، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، قال : فحرفته إلى القبلة فمات رحمه الله . قال : فغطيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب عليه وأرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق ، فقلت : بايعوا لمن في هذا الكتاب ، فقالوا : قد بايعنا ، فقلت : بايعوا ثانية ، ففعلوا ، ثم قلت : قوموا إلى صاحبكم فقد مات ، وقرأت الكتاب عليهم ، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز تغيرت وجوه بني مروان ، فلما قرأت وإن يزيد(٣) بن عبد الملك بعده ، تراجعوا بعض الشيء . ونادى هشام لا نبايعه أبداً ، فقلت : أضرب عنقك والله ، قم فبايع ، ونهض الناس إلى عمر بن عبد العزيز وهو في مؤخر المسجد ، فلما تحقق ذلك قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ولم تحمله رجلاه حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه على المنبر ، فسكت حيناً ، فقال رجاء بن حيوة : ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعوه ، فنهض القوم فبايعوه ، ثم أتى هشام فصعد المنبر ليبايع وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال عمر : نعم! إنا لله وإنا إليه راجعون الذي صرت أنا وأنت نتنازع هذا الأمر . ثم قام فخطب الناس خطبة بليغة وبايعوه [ فكان مما قال في خطبته : أيها الناس ، إني لست بمبتدع ولكني متبع ، وإن من حولكم من (١) نص الكتاب في الطبري (٥٥٢/٦) وابن الأثير (٣٩/٥)، وثمة بعض الخلافات اللفظية بين النسخ لم نشر إليها ، لأننا غالباً ما نثبت ما اتفق عليه أصلان ، ووافق مصادر المؤلف رحمه الله . (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٨١). (٣) في الأصول : هشام : خطأ ، والتصحيح من تاريخ الإسلام والخبر فيه ، وغيره من المصادر . ٣٧٩ أحداث سنة ٩٩ هـ الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا واليكم ، وإن هم أبوا فلست لكم بوالٍ }١) . ثم نزل ، فأخذوا في جهاز سليمان . قال الأوزاعي : فلم يفرغوا منه حتى دخل وقت المغرب ، فصلى عمر بالناس صلاة المغرب ، ثم صلى على سليمان ودفن بعد المغرب ، فلما انصرف عمر أتي بمراكب الخلافة فأبى أن يركبها وركب دابته وانصرف مع الناس [ حتى أتوا دمشق ] فمالوا به نحو دار الخلافة فقال : لا أنزل إلا في منزلي حتى تفرغ دار أبي أيوب ، فاستحسن(٢) ذلك منه ، ثم استدعى بالكاتب فجعل يملي عليه نسخة الكتاب الذي يبايع عليه الأمصار(٣) ، قال رجاء : فما رأيت أفصح منه . قال محمد بن إسحاق : وكانت وفاة سليمان بن عبد الملك بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليالٍ خلت من صفر سنة تسع وتسعين ، على رأس سنتين وتسعة أشهر وعشرين يوماً من متوفى الوليد ، وكذا قال الجمهور في تاريخ وفاته ، ومنهم من يقول : لعشر بقين من صفر ، وقالوا : كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر ، زاد بعضهم إلا خمسة أيام والله أعلمُ(٤) . وقول الحاكم أبي أحمد : إنه توفي يوم الجمعة لثلاث عشرة بقين من رمضان سنة تسع وتسعين وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وخمسة أيام وتوفي وهو ابن تسع وثلاثين سنة فقد حكاه الحافظ ابن عساكر(٥) ، وهو غريب جداً ، وقد خالفه الجمهور في كل ما قاله ، وعندهم أنه جاوز الأربعين فقيل بثلاث وقيل بخمس ، والله أعلم . قالوا : وكان طويلاً جميلاً أبيض نحيفاً ، حسن الوجه ، مقرون الحاجبين ، كان فصيحاً بليغاً ، يحسن العربية ، ويرجع إلى دين ، وخير ، ومحبة للحق وأهله ، واتباع القرآن والسنة ، وإظهار الشرائع الإسلامية رحمه الله . وقد كان الخليفة سليمان بن عبد الملك رحمه الله آلى على نفسه حين خرج من دمشق إلى مرج دابق - ودابق قريبة من بلاد حلب - وقد جهزت الجيوش إلى مدينة الروم العظمى المسماة بالقسطنطينية ، وحلف أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو يموت ، فمات هنالك كما ذكرنا وبهذه النية مات مرابطاً رحمه الله وبلّ بالرحمة ثراه٦) . (١) ما بين معكوفين زيادة من ط ، ونص الخطبة في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٨٢). (٢) أي رجاء بن حيوة . (٣) نص الكتاب في ابن الأثير (٦٦/٥). أقوال المؤرخين في سنة موته في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٨٢). (٤) الذي في مختصر تاريخ دمشق (١٠ / ١٧١) : فكانت ولايته ثلاث سنين وثلاثة أشهر ، وهو ابن تسع وثلاثين سنة . (٥) (٦) مكانها فى ط : فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل الله ، فهو إن شاء الله ممن يجري له ثوابه إلى يوم القيامة رحمه الله . ٣٨٠ خلافة عمر بن عبد العزيز أشجَ بني مروان وقد ذكر الحافظ ابن عساكر(١) في ترجمة شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي ما مضمونه : إن مسلمة بن عبد الملك لما ضيَّق بمحاصرته على أهل القسطنطينية ، وتتبع المسالك واستحوذ على ما هنالك من الممالك ، كتب إليون ملك الروم إلى ملك البرجان يستنصره على مسلمة ، ويقول له : إن هؤلاء القوم ليس لهم همة إلا في الدعوة إلى دينهم ، الأقرب منهم فالأقرب ، وإنهم متى فرغوا مني خلصوا إليك ، فمهما كنت صانعاً حينئذٍ فاصنعه الآن ، فعند ذلك شرع لعنه الله في المكر والخديعة ، فكتب إلى مسلمة يقول له : إن إليون كتب إليّ يستنصرني عليك، وأنا معك فمرني لما شئت . فكتب إليه مسلمة : إني لا أريد منك رجالاً ولا عدداً ، ولكن أرسل إلينا بالميرة فقد قلّ ما عندنا من الأزواد . فكتب إليه : إني قد أرسلت إليك بسوق عظيمة إلى مكان كذا وكذا ، فأرسل من يتسلمها ويشتري منها . فأذن مسلمة لمن شاء من الجيش أن يذهب إلى هناك فيشتري له ما يحتاج إليه ، فذهب خلق كثير فوجدوا هنالك سوقاً هائلة ، فيها من أنواع البضائع والأمتعة والأطعمة ، فأقبلوا يشترون ، واشتغلوا بذلك ، ولا يشعرون بما أرصد لهم الخبيث من الكمائن بين تلك الجبال التي هنالك ، فخرجوا عليهم بغتة واحدة فقتلوا خلقاً كثيراً من المسلمين وأسروا آخرين ، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل منهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، فكتب مسلمة بذلك إلى أخيه سليمان يخبره بما وقع من ذلك ، فأرسل جيشاً كثيفاً صحبة شراحيل بن عبيدة هذا ، وأمرهم أن يعبروا خليج القسطنطينية أولاً فيقاتلوا ملك البرجان ، ثم يعودوا إلى مسلمة ، فذهبوا إلى بلاد البرجان وقطعوا إليهم تلك الخلجان ، فاقتتلوا معهم قتالاً شديداً ، فهزمهم المسلمون بإذن الله ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وسبوا وأسروا خلقاً كثيراً ، وخلّصوا أسرى المسلمين ، ثم تحيزوا إلى مسلمة فكانوا عنده حتى استقدم الجميع عمر بن عبد العزيز خوفاً عليهم من غائلة الروم وبلادهم ، ومن ضيق العيش ، وقد كان لهم قبل ذلك مدة طويلة أثابهم الله . خلافة عمر بن عبد العزيز أشجّ بني مروان (٢) رضي الله عنه وأكرمه قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين ، وقيل بقين من صفر من هذه السنة - أعني سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك ، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدَّمنا ، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة ، من أول حركة بدت منه ، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة ، وهى الخيول الحسان الجياد المعدّة لها ، والاجتزاء بمركوبه الذي كان يركبه ، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة . (١) تاريخ دمشق (٤٤٣/٢٢). (٢) ذكر ابن سعد في الطبقات (٣٣١/٥) عن ثروان مولى عمر بن عبد العزيز : أنه دخل إلى اصطبل أبيه وهو غلام ، فضربه فرسه فشجَّه ، فجعل أبوه يمسح عنه الدم ويقول : إن كنت أشج بني أمية لسعيد . وذكره الذهبي في تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ١٠١ - ١٢٠ / ص١٨٨).