النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
أحداث سنة ٩٦ هـ
والفسيفساء ، فإنه لا يدرى لها موضع ، ويقال إن الرخام معجون ، والدليل على ذلك أنه يذوب على
النار(١).
قال الحافظ ابن عساكر(٢) : وذكر إبراهيم بن أبي اللّيث الكاتب - وكان قدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين
وأربعمئة - في رسالة له قال : ثم أمرنا بالانتقال فانتقلت منه إلى بلد تمت محاسنه ، ووافق ظاهره باطنه ،
أزقته أرجة ، وشوارعه فرجة ، فحيث ما مشيت شممت طيباً ، وأين سعيت رأيت منظراً عجيباً ، وإن
أفضيت إلى جامعه شاهدت منه ما ليس في استطاعة الواصف أن يصفه ، ولا الرائي أن يعرفه ، وجملته أنه
كنز الدهر ، ونادرة الوقت ، وأعجوبة الزمان ، وغريبة الأوقات ، ولقد أثبت الله عزَّ وجلَّ به ذكراً
يدرس ، وخلف به أمراً لا یخفی ولا یدرس .
قال ابن عساكر : وأنشدني بعض أهل الأدب المحدِّثين في جامع دمشق عمره الله بذكره [ وفي دمشق
فقال (٣) :
دمشقُ قد شاعَ حسنُ جامعها
بديعةُ الحسنِ في الكمالِ لما
طيبةٌ أرضها مباركةٌ
جامعها جامعُ المحاسنِ قَدْ
بنية بالاتقانِ قَدْ وضعتْ
تذكرُ في فضلهِ ورفعتهِ
قدْ كانَ قبلَ الحريقِ مدهشةٌ
فأذهبتْ بالحريقِ بهجتهُ
إذا تفكرتَ في الفصوصِ وما
أشجارها لا تزالُ مثمرةً
كأنها من زمردٍ غرستْ
فيها ثمارٌ تخالها ينعتْ
تقطفُ باللحظِ لا بجارحةِ الـ
وتحتها من رخامةٍ قطعٌ
أحكم ترخيمها المرخمُ قد
وما حوته رُبى مرابعها
يدركهُ الطرفُ منْ بدائعها
باليمنِ والسعدِ أخذ طالعها
فاقتْ به المدن في جوامعها
لا ضيَّعَ الله سعيَ واضعها
آثارُ صدقٍ راقتْ لسامعها
فغيرتْ ناره بلاقعها
فليسَ يرجى إيابُ راجعها
فيها تيقنتَ حذقَ راصعها
لا ترهبُ الريحَ منْ مدافعها
في أرضِ تبرٍ تغشى بنافعها٤)
وليسَ يخشى فسادُ يانعها
أيدي ولا تجتني لبائعها
لا قطعَ الله كف قاطعها
بانَ عليها إحكامُ صانعها
تاريخ دمشق (٢٤٧/٢ - ٢٤٨).
(١)
المصدر السابق (٢/ ٢٤٨) .
(٢)
(٣)
تاريخ دمشق (٢٧١/٢ - ٢٧٢) .
(٤) في أ : بقاقعها . وكذلك في تاريخ دمشق .

٣٤٢
فصل فيما ورد في جامع دمشق من الآثار والأخبار
وإنْ تفكرتَ في قناطرهِ
وإنْ تبينتَ حسنَ قبتهِ
تخترقُ الريحُ في مخارمها١)
وأرضهُ بالرخامِ قدْ فرشتْ
مجالسُ العلمِ فيه مؤنَّقَةٌ
وكلُّ بابٍ عَلَيهِ مطهرةٌ
يرتفقُ الناسُ من مرافقها
ولا تزال المياهُ جاريةً
وسوقها لا تزالُ آهلةً
لما يشاؤون مِنْ فواكهها
كأنها جنةٌ معجَّلة
دامتْ برغمِ العدى مسلَّمةً
وسقفهِ بانَ حذقُ رافعها
تحيرَ اللبُّ في أضالعها
عصفاً فتقوى على زَعازعها
ينفسحُ الطرفُ في مواضعها
ينشرحُ الصدرُ في مجامعها
قدْ أمنَ الناسُ دفعَ مانعها
ولا يصدونَ عنْ منافعها
فيها لما شقَّ منْ مشارعها
يزدحمُ الناسُ في شوارعها
وما يريدون منْ بضائعها
في الأرضِ لولا مسرى فجائعها
وحاطها الله منْ قوارعها
فصل
فيما وُجد فيه من الآثار وما روي في فضله من الأخبار
عن جماعة من السادة الأخيار
رُوي عن قتادة أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَاَلِيِنِ﴾ قال: هو مسجد دمشق ﴿ وَالزَّيْتُونِ﴾ قال: هو
مسجد بيت المقدس ﴿ وَطُورِ سِينِنَ﴾ حيث كلم الله موسى ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ -٣] وهو مكة(٢)
ونقل عثمان بن أبي عاتكة عن أهل العلم أنهم قالوا في قوله تعالى : ﴿ وَأَلِيْنِ ﴾ قالوا : هو مسجد
دمشق . رواه ابن عساكر .
وقال صفوان بن صالح ، عن عبد الخالق بن زيد بن واقد ، عن أبيه ، عن عطية بن قيس الكلابي
قال : قال كعب الأحبار : ليبنين في دمشق مسجد يبقى بعد خراب الدنيا أربعين عاما٣ً) .
وقال الوليد بن مسلم، عن عثمان بن أبي العاتكة ، عن علي بن يزيد(٤) ، عن القاسم أبي عبد الرحمن
قال : أوحى الله تعالى إلى جبل قاسيون أن هب ظلك وبركتك إلى جبل بيت المقدس ، قال ففعل
(١) في ط : منافذها .
(٢)
تاريخ دمشق (٢٣٧/٢) ط: دار الفكر .
(٣)
المصدر نفسه (٢٣٨/٢).
في الأصل : علي بن زيد ، وهو خطأ ، لأن علي بن يزيد الألهاني هو الذي يروي عن القاسم أبي عبد الرحمن .
(٤)

٣٤٣
فصل فيما ورد في جامع دمشق من الآثار والأخبار
فأوحى الله إليه أما إذا فعلت فإني سأبني لي في حضنك بيتاً أُعبد فيه بعد خراب الدنيا أربعين عاماً، ولا
تذهب الأيام والليالي حتى أرد عليك ظلك وبركتك ، قال فهو عند الله بمنزلة الرجل الضعيف المتضرع (١).
وقال دحيم : حيطان المسجد الأربعة من بناء هود عليه السلام ، وما كان من الفسيفساء إلى فوق فهو
من بناء الوليد بن عبد الملك(٢) - يعني أنه رفع الجدار فعلاه من حد الرخام والكرمة إلى فوق إلى آخر
الجدار - وقال غيره : إنما بنى هود الجدار القبلي فقط .
وقال أبو بكر أحمد بن عبد الله بن الفرج المعروف بابن البرامي الدمشقي : حدّثنا إبراهيم بن مروان ،
سمعت أحمد بن إبراهيم بن ملاس يقول : سمعت عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل بن عبيد الله بن
أبي المهاجر قال : كان خارج باب الساعات صخرة يوضع عليها القربان ، فما تقبل منه جاءت نار
فأحرقته ، وما لم يتقبل منه بقي على حاله . قلت : وهذه الصخرة نقلت إلى داخل باب الساعات ، وهي
موجودة الآن ، وبعض العامة يزعم أنها الصخرة التي وضع عليها ابنا آدم قربانهما فتقبل من أحدهما ولم
يتقبل من الآخر ، فالله أعلم(٣) .
وقال هشام بن عمار: حدّثنا الحسن بن يحيى الخُشَني أن رسول الله وَ لَه ليلة أسري به صلى في موضع
مسجد دمشق. قال ابن عساكر: وهذا منقطع ومنكر جداً ، ولا يثبت أيضاً لا من هذا الوجه ولا من غيره .
وقال أبو بكر البرامي : حدّثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الملك بن المغيرة المقري ، حدّثني أبي،
عن أبيه : أن الوليد بن عبد الملك تقدم إلى القوام ليلة من الليالي فقال : إني أريد أن أصلي في المسجد ،
فلا تتركوا فيه أحداً يصلي اللّيلة ، ثم إن الوليد أتى باب الساعات فاستفتح الباب ففتح له ، فإذا رجل قائم
بين الساعات وباب الخضراء الذي يلي المقصورة يصلي ، وهو أقرب إلى باب الخضراء منه إلى باب
الساعات ، فقال الوليد للقوام : ألم آمركم أن لا تتركوا أحداً الليلة يصلي في المسجد ؟ فقال له بعضهم :
يا أمير المؤمنين هذا الخضر يصلي كل ليلة في المسجد . في إسناد هذه الحكاية وصحتها نظر ، ولا يثبت
بمثلها وجود الخضر بالكلية ، ولا صلاته في المكان المذكور والله أعلم .
وقد اشتهر في الأعصار المتأخرة أن الزاوية القبلية عند باب المئذنة الغربية تسمى زاوية الخضر ، وما
أدري ما سبب ذلك ، والذي ثبت بالتواتر صلاة الصحابة فيه ، وكفى بذلك شرفاً له ولغيره من المساجد
التي صلّوا فيها ، وأول من صلّى فيه إماماً أبو عبيدة بن الجراح ، وهو أمير الأمراء بالشام ، وأحد العشرة
المشهود لهم بالجنة، وأمين هذه الأمة، وصلّى فيه خلق من الصحابة مثل معاذ بن جبل وغيره، لكن قبل أن
يغيره الوليد إلى هذه الصفة، فأما بعد أن غُيِّر إلى هذا الشكل فلم يره أحد من الصحابة كذلك إلا أنس بن
(١) المصدر السابق (٢٣٩/٢).
تاريخ دمشق (٢٣٩/٢) .
(٢)
(٣) المصدر نفسه (٢٣٨/٢).

٣٤٤
فصل فيما ورد في جامع دمشق من الآثار والأخبار
مالك ، فإنه ورد دمشق سنة ثنتين وتسعين ، وهو يبني فيه الوليد ، فصلّى فيه أنس ، ورأى الوليد وأنكر
أنس على الوليد تأخير الصلاة إلى آخر وقتها كما قدّمنا ذلك في ترجمة أنس ، عند ذكر وفاته سنة ثلاث
وتسعين ، وسيصلي فيه عيسى ابن مريم إذا نزل في آخر الزمان ، وذلك زمن الدجال وعموم البلوى به ،
وانحصار الناس منه بدمشق ، فينزل مسيح الهدى فيقتل مسيح الضلالة ، ويكون نزوله على المنارة الشرقية
بدمشق وقت صلاة الفجر(١)، فيأتي وقد أقيمت الصلاة فيقول له إمام الناس : تقدم يا روح الله ، فيقول :
إنما أُقيمت لك ، فيصلي عيسى تلك الصلاة خلف رجل من هذه الأمة ، يقال إنه المهدي ، فالله أعلم .
ثم يلتفت الناس على المسيح ويخرجون معه لقتال الدجال فيلحقه عند عقبة أَفيق ، فیدر كه بباب لد
فيقتله بيده هنالك . وقد ذكرنا ذلك مبسوطاً عند قوله تعالى: ﴿ وَإِن مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ إِلَّا لَيُؤْ مِنَنَّ بِهِ، قَبْلَ مَوْنِهِ.﴾
[النساء: ١٥٩] وفي الصحيح(٢) عن النبي ◌َّر: ((والذي نفسي بيده لينزلن فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً،
وإماماً عادلاً، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام)).
والمقصود أن عيسى ينزل - والبلد محصن من الدجال ويكون نزوله على المنارة الشرقية بدمشق - وهي
هذه المنارة المبنية في زماننا من أموال النصارى حيث أحرقوها فجددت من أموالهم - ثم يكون نزول عيسى
حتفاً لهم [ وهلاكاً ودماراً ] عليهم ، ينزل بين ملَكين واضعاً يديه على مناكبهما، وعليه مهرودتان(٣) ،
وفي رواية ممصرتان يقطر رأسه ماء كأنما خرج من ديماس ، وذلك وقت الفجر ، فينزل على المنارة وقد
أقيمت الصلاة ، وهذا إنما يكون في المسجد الأعظم بدمشق ، وهو هذا الجامع . وما وقع في صحيح
مسلم من رواية النواس بن سمعان الكلابي : فينزل على المنارة البيضاء شرقي دمشق ، كأنه والله أعلم
مروي بالمعنى بحسب ما فهمه الراوي ، وإنما هو ينزل على المنارة الشرقية بدمشق ، وقد أُخبرت ولم
أقف عليه إلى الآن أنه كذلك، في بعض ألفاظ هذا الحديث، في بعض المصنفات، والله المسؤول المأمول
أن يوفقني فيوقفني على هذه اللفظة ، وليس في البلد منارة تعرف بالشرقية سوى هذه ، وهي بيضاء
بنفسها ، ولا يعرف في بلاد الشام منارة أحسن منها، ولا أبهى ولا أعلى منها، ولله الحمد والمنة(٤).
(١) الحديث في صحيح مسلم رقم (٢٩٣٧) في الفتن وأشراط الساعة.
صحيح مسلم رقم (١٥٥) في الإيمان رواه بمعناه، وانظر مسند أحمد (٢/ ٤٣٧).
(٢)
(٣) مهرودتان : وتروى مهروذتان، والوجهان مشهوران . وبالدال أكثر ومعناها : ثوبان مصبوغان بورس ثم بزعفران ،
وقيل هما شقتان والشقة نصف الملاءة . وممصَّرتان : الثياب التي فيها صفرة خفيفة .
في ط زيادة من النساخ هذا نصها : قلت : نزول عيسى على المنارة التي بالجامع الأموي غير مستنكر ، وذلك أن
(٤)
البلاء بالدجال يكون قد عم فيحصر الناس داخل البلد ، ويحصرهم الدجال بها ، ولا يتخلف أحد عن دخول البلد إلا
أن يكون متبعاً للدجال ، أو مأسوراً معه ، فإن دمشق في آخر الزمان تكون معقل المسلمين وحصنهم من الدجال ،
فإذا كان الأمر كذلك فمن يصلي خارج البلد والمسلمون كلهم داخل البلد ، وعيسى إنما ينزل وقد أقيمت الصلاة ،
فيصلي مع المسلمين ، ثم يأخذهم ويطلب الدجال ليقتله ، وبعض العوام يقول : إن المراد بالمنارة الشرقية
بدمشق ، منارة مسجد بلاشو ، خارج باب شرقي . وبعضهم يقول : المنارة التي على نفس باب شرقي ؛ فالله أعلم =

٣٤٥
الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا عليهما السلام
الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا عليهما السلام
وروى ابن عساكر(١) : عن زيد بن واقد قال : وكلني الوليد على العمال في بناء جامع دمشق ،
فوجدنا مغارة فعرّفنا الوليد ذلك ، فلما كان اللّيل وافانا وبين يديه الشمع ، فنزل فإذا هي كنيسة لطيفة ،
ثلاثة أذرع في ثلاثة أذرع ، وإذا فيها صندوق ، ففتح الصندوق فإذا فيه سفط ، وفي السفط رأس يحيى بن
زكريا عليهما السلام . مكتوب عليه : هذا رأس يحيى بن زكرياء ، فأمر به الوليد فرد إلى مكانه ، وقال :
اجعلوا العمود الذي فوقه مغيراً من بين الأعمدة ، فجعل عليه عمود مسفط الرأس .
وفي رواية عن زيد بن واقد : أن ذلك الموضع كان تحت ركن من أركان القبة - يعني قبل أن تبنى -
قال : وكان على الرأس شعر وبشر(٢).
وقال الوليد بن مسلم : عن زيد بن واقد قال : حضرت رأس يحيى بن زكريا وقد أُخرج من الليطة
القبلية الشرقية التي عند مجلس بجيلة ، فوضع تحت عمود الكاسك(٣).
قال الأوزاعي والوليد بن مسلم : هو العمود الرابع المسفط .
وروى أبو بكر بن البرامي : عن أحمد بن أنس بن مالك ، عن حبيب المؤذن ، عن أبي زياد
وأبي أمية الشَّعبانيين(٤) ، عن سفيان الثوري أنه قال : صلاة في مسجد دمشق بثلاثين ألف صلاة . وهذا
غريب جداً .
وروى ابن عساكر من طريق أبي مسهر ، عن المنذر بن نافع - مولى أم عمرو بنت مروان - عن أبيه
- وفي رواية عن رجل قد سماه - أن واثلة بن الأسقع خرج من باب المسجد الذي يلي باب جيرون فلقيه
كعب الأحبار فقال : أين تريد ؟ قال واثلة : أريد بيت المقدس ؟ فقال : تعال أريك موضعاً في المسجد
من صلّى فيه فكأنما صلّى في بيت المقدس ، فذهب به فأراه ما بين الباب الأصفر(٥) الذي يخرج منه الوالي
- يعني الخليفة - إلى الحنية - يعني القنطرة الغربية - فقال: من صلّى فيما بين هذين فكأنما صلى في بيت
المقدس ، فقال واثلة : إنه لمجلسي ومجلس قومي . قال كعب : هو ذاك . وهذا أيضاً غريب جداً ومنكر
ولا يعتمد على مثله .
بمراد رسول الله وَ يّ، وهو سبحانه العالم بكل شيء، المحيط بكل شيء، القادر على كل شيء ، القاهر فوق كل
11
شيء ، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض .
(١)
تاريخ دمشق (٢/ ٢٤١).
(٢)
تاريخ دمشق (٢٤١) .
في ط : الكاسة ؛ خطأ ، والخبر في تاريخ دمشق (٢٤٢/٢) .
(٣)
(٤)
في تاريخ ابن عساكر والخبر فيه (٢٤٣/٢ - ٢٤٤): الشغفاني.
(٥) في تاريخ دمشق والخبر فيه (٢٤٥/٢): الأصغر .

٣٤٦
الكلام على ما يتعلق برأس يحيى بن زكريا عليهما السلام
وعن الوليد بن مسلم قال : لما أمر الوليد بن عبد الملك ببناء مسجد دمشق وجدوا في حائط المسجد
القبلي لوحاً من حجر فيه كتاب نقش ، فبعثوا به إلى الوليد فبعثه إلى الروم فلم يستخرجوه ، ثم بعث إلى
من كان بدمشق من بقية الأشنالُ(١) فلم يستخرجوه ، فدُلَّ على وهب بن منبه فبعث إليه ، فلما قدم عليه
أخبره بموضع ذلك اللّوح فوجدوه في ذلك الحائط - ويقال ذلك الحائط بناه هود عليه السلام - فلما نظر
إليه وهب حرّك رأسه وقرأه فإذا هو :
بسم الله الرحمن الرحيم ، ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك ، لزهدت في طول ما ترجو من
أملك ، وإنما تلقى ندمك لو قد زل بك قدمك . وأسلمك أهلك وحشمك ، وانصرف عنك الحبيب
وودعك القريب ، ثم صرت تدعى فلا تجيب ، فلا أنت إلى أهلك عائد ، ولا إلى عملك زائد ، فاعمل
لنفسك قبل يوم القيامة ، وقبل الحسرة والندامة ، قبل أن يحل بك أجلك ، وتنزع منك روحك ، فلا
ينفعك مال جمعته ، ولا ولد ولدته ، ولا أخ تركته ، ثم تصير إلى برزخ الثرى ، ومجاور الموتى ، فاغتنم
الحياة قبل الموت ، والقوة قبل الضعف ، والصحة قبل السقم ، قبل أن تؤخذ بالكظم ويحال بينك وبين
العمل ، وكتب في زمن سليمان بن داود عليهما السلامُ(٢).
وقال الحافظ ابن عساكر(٣) : قرأت على أبي محمد السُّلمي، عن عبد العزيز التميمي ، أبنا تمام
الرازي ، ثنا ابن البِرَامي قال : سمعت أبا مروان عبد الرحيم بن عمر المازني يقول : لما كان في أيام
الوليد بن عبد الملك وبنائه المسجد احتفروا فيه موضعاً فوجدوا باباً من حجارة مغلقاً ، فلم يفتحوه
وأعلموا به الوليد ، فخرج من داره حتى وقف عليه ، وفُتحَ بين يديه ، فإذا داخله مغارة فيها تمثال إنسان
من حجارة ، على فرس من حجارة ، في يد التمثال الواحدة الدرّة التي كانت في المحراب ، ويده الأخرى
مقبوضة ، فأمر بها فكسرت ، فإذا هي حبتان ، حبة قمح وحبة شعير ، فسأل عن ذلك ، فقيل له لو تركت
الكف لم تكسرها لم يسوس في هذا البلد قمح ولا شعير .
وقال الحافظ أحمد(٤) الورّاق - وكان قد عمر مئة سنة - : سمعت بعض الشيوخ يقول : لما دخل
المسلمون دمشق وجدوا على العمود الذي على المقسلاط - على السفود الحديد الذي في أعلاه - صنماً
ماداً يده بكف مطبقة ، فكسروه فإذا في يده حبة قمح ، فسألوا عن ذلك ، فقيل لهم : هذه الحبة قمح
جعلها حكماء(٥) اليونان في كف هذا الصنم طلسماً ، حتى لا يسوس القمح في هذه البلاد ، ولو أقام سنين
كثيرة .
(١) كذا في تاريخ دمشق وفي المختصر (٢٥٦/١): الأشبال.
(٢)
تاریخ دمشق (٢٣٩/٢-٢٤٠) .
(٣)
تاريخ دمشق (٢٧٩/٢) ط : دار الفكر .
في ط : وقال الحافظ أبو حمدان، خطأ، والتصحيح من (أ) وتاريخ دمشق (٢٧٩/٢) والخبر منه.
(٤)
(٥) في تاريخ دمشق : خلفاء .

٣٤٧
ذكر الساعات التي على باب مسجد دمشق
قال ابن عساكر(١) : وقد رأيت أنا في هذا السفود على قناطر كنيسة المقسلاط كانت مبنية فوق القناطر
التي في السوق الكبير ، عند الصابونيين والعطارين اليوم ، وعندها اجتمعت جيوش الإسلام يوم فتح
دمشق ، أبو عبيدة من باب الجابية ، وخالد من باب الشرقي ، ويزيد بن أبي سفيان من باب الجابية
الصغير .
وقال عبد العزيز التميمي(٢) ، عن أبي نصر عبد الوهّاب بن عبد الله المزني (٣): سمعت جماعة من
شيوخ أهل دمشق يقولون : إن في سقف الجامع طلاسم عملها الحكماء في السقف مما يلي الحائط
القبلي ، فيها طلاسم للصنونيات ، لا تدخله ولا تعشش فيه من جهة الأوساخ التي تكون منها ، ولا يدخله
غراب ، وطلسم للفأر والحيات والعقارب ، فما رأى الناس من هذا شيئاً إلا الفأر، ويشك أن يكون قد
عدم طلسمها٤) ، وطلسم العنكبوت حتى لا ينسج في زواياه ويركبه الغبار والوسخ .
قال الحافظ ابن عساكر(٥) : وسمعت جدّي أبا الفضل يحيى بن علي يذكر أنه أدرك في الجامع قبل
حريقه طلسمات لسائر الحشرات ، معلّقة في السقف فوق البطائن ممايلي السبع ، وأنه لم يكن يوجد في
الجامع شيء من الحشرات قبل الحريق . فلما احترقت الطلسمات حين أحرق الجامع ليلة النصف من
شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمئة .
وقد كانت بدمشق طلسمات كثيرة ، ولم يبق منها سوى العمود الذي بسوق العلبيين الذي في أعلاه
مثل الكرة العظيمة ، وهي لعسر بول الدواب ، إذا داروا بالدابة حوله ثلاث مرات انطلق باطنها . وقد كان
شيخنا العلامة أبو العباس ابن تيمية رحمه الله يقول : إنما هذا قبر مشرك متمرد مدفون هنالك يعذب ، فإذا
سمعت الدابة صياحه فزعت فانطلق ضبعها ، قال : ولهذا يذهبون بالدواب إلى مقابر اليهود والنصارى إذا
مغلت فتنطلق ، وما ذاك إلا لأنها تسمع أصواتهم وهم يعذبون ، والله أعلم .
ذكر الساعات التي على بابه
قال القاضي عبد الله بن أحمد بن زَبْر(٦): إنما سمي باب الجامع القبلي باب الساعات لأنه عمل هناك
(١) تاريخه (٢/ ٢٨٠) وتمام الخبر فيه: وقد رأيت أنا هذا السفود على عمود قائم بالمقسلاط ، وطرح في سنة أربع
وستين وخمسمئة ، وعمل منه أسكُفَّة لباشورة الباب الصغير .
(٢) تاريخ دمشق (٢/ ٢٨١) .
(٣)
في ط : المري ، وما أثبت عن تاريخ دمشق .
(٤) العبارة في تاريخ دمشق : ويوشك أن يكون تغير طلسمها .
(٥) تاريخ دمشق (٢/ ٢٨١) .
(٦) تاريخ دمشق (٢/ ٢٨٠) .

٣٤٨
ذكر الساعات التي على باب مسجد دمشق
بلكار(١) الساعات ، كان يُعلم بها كل ساعة تمضي من النهار ، عليها عصافير من نحاس ، وحَيّة من نحاس
وغراب ، فإذا تمت الساعة خرجت الحيَّة فصفَّرت العصافير وصاح الغراب وسقطت حصاة في الطست
[ فيعلم الناس أنه قد ذهب من النهار ساعة، وكذلك سائرها }٢) .
قلت : هذا الكلام يدل على أحد شيئين إما أن تكون الساعات كانت في الباب القبلي من الجامع ،
وهو الذي يسمى باب الزيادة ، ولكن قد قيل إنه محدث بعد بناء الجامع ، وهو لا ينفي أن الساعات كانت
عنده في زمن القاضي ابن زَبْر ، وإما أنه قد كان في الجامع في الجانب الشرقي منه في حائطه القبلي باب
آخر في محاذاة باب الزيادة ، وعنده الساعات ثم نقلت بعد هذا كله إلى باب الورّاقين اليوم ، وهو باب
الجامع من الشرق ، والله أعلم .
قلت : فأما القبة التي في وسط صحن الجامع التي فيها الماء الجاري ، ويقول العامة لها قبة أبي نواس
فكان بناؤها في سنة تسع وستين وثلاثمئة أرّخَ ذلك ابن عساكر(٣) عن خط بعض الدماشقة .
وأما القبة الغربية العالية التي في صحن الجامع التي يقال لها قبة عائشة ، فسمعت شيخنا الحافظ
أبا عبد الله الذهبي يقول : إنها إنما بنيت في حدود سنة ستين ومئة في أيام المهدي بن المنصور العباسي ؛
وجعلوها لحواصل الجامع وكتب أوقافه .
وأما القبة الشرقية التي على باب مسجد علي فيقال : إنها بنيت في زمن الحاكم العبيدي في حدود سنة
أربعمئة .
وأما الفَوَّارة التي تحت درج جيرون فعملها الشريف فخر الدولة أبو علي حمزة بن الحسين بن العباس
الحسيني(٤)، وكأنه كان ناظراً بالجامع ، وجَرَّ إليها قطعة من حجر كبير من قصر حَجّاج ، وأجرى فيها
الماء ليلة الجمعة لسبع ليال خلون من ربيع الأول سنة سبع عشرة وأربعمئة وعملت حولها قناطر ، وعقد
عليها قبة ، ثم سقطت القبة بسبب جِمَال تحاكَّت عندها [ وازدحمت ] وذلك في صفر سنة سبع وخمسين
وأربعمئة ، فأعيدت ثم سقطت عمدها وما عليها في حريق اللبادين ودار الحجارة في شوال سنة اثنتين
وستين وخمسمئة ، ذكر ذلك كله الحافظ ابن عساكر(٥) .
قلت : وأما القصعة التي كانت في الفوارة ، فما زالت وسطها ، وقد أدركتها كذلك ، ثم رفعت بعد
ذلك . وكان بطهارة جيرون قصعة أخرى مثلها ، فلم تزل بها إلى أن تهدمت اللبادين بسبب حريق النصارى
(١) في تاريخ دمشق : بركار ، وفي ط : بلشكار ! !
(٢) ما بين معكوفين زيادة من ط، وهي في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٧٢/١).
(٣)
تاريخ دمشق (٢٦٤/٢) .
(٤)
في الأصول : الحسني ، والمثبت من تاريخ دمشق ومختصره .
(٥) تاريخ دمشق (٢٦٤/٢ - ٢٦٥) .

٣٤٩
ذكر ابتداء أمر السُّبْع بالجامع الأموي
في سنة إحدى وأربعين وسبعمئة ، ثم استؤنف بناء الطهارة على وجه آخر أحسن مما كانت ، وذهبت تلك
القصعة فلم يبق لها أثر .
ثم عمل الشاذروان(١) الذي شرقي فوارة جيرون ، بعد الخمسمئة - أظنه ــ سنة أربع عشرة وخمسمئة
والله سبحانه وتعالى أعلم .
ذكر ابتداء أمر الشُّبْعُ(٢) بالجامع الأموي
قال أبو بكر بن أبي داود : حدّثنا أبو عامر(٣) موسى بن عامر المري ، حدّثنا الوليد - هو ابن مسلم -
قال قال أبو عمر الأوزاعي ، عن حسان بن عَطيّة قال : الدراسة مُحدثة أحدثها هشام بن إسماعيل
المخزومي ، في قدمته على عبد الملك ، فحجبه عبد الملك فجلس بعد الصبح في مسجد دمشق فسمع
قراءة فقال : ما هذا ؟ فأخبر أن عبد الملك يقرأ في الخضراء ، فقرأ هشام بن إسماعيل(٤) ، فجعل
عبد الملك يقرأ بقراءة هشام ، فقرأ بقراءته مولى له ، فاستحسن ذلك من يليه من أهل المسجد فقرأوا
بقراءته .
وقال هشام بن عمار خطيب دمشق : حدّثنا أيوب بن حسّان ، حدّثنا الأوزاعي ، حدّثنا خالد بن
دهقان قال : أول من أحدث القراءة في مسجد دمشق هشام بن إسماعيل بن المغيرة المخزومي ، وأول من
أحدث القراءة بفلسطين الوليد بن عبد الرحمن الجُرَشي(٥).
قلت : هشام بن إسماعيل كان نائباً على المدينة النبوية ، وهو الذي ضرب سعيد بن المسيِّب لما امتنع
من المبايعة للوليد بن عبد الملك ، قبل أن يموت أبوه ، ثم عزله عنها الوليد وولَّى عليها عمر بن
عبد العزيز ، كما ذكرنا .
وقد حضر هذا السُّبْع جماعات من سادات السَّلف من التابعين بدمشق ، منهم هشام بن
إسماعيل ، ومولاه رافع ، وإسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر - وكان مكتِّباً لأولاد عبد الملك بن
(١) الشاذروان : لوحة من حجر مزخرفة ومحفورة بأقنية ، تُركز مائلة في صدر قاعة تجري عليها الماء خفيفة لترطب
الجو ، وقد سميت أيضاً بـ السلسبيل. موسوعة العمارة الإسلامية (ص ٢٣٢).
(٢) المقصود بالسُّبْع: سُبْعٌ من القرآن . ثم أطلق على المكان الذي كان يقرأ السُّبْع فيه. وكان موضع السُّبْع في المسجد
على ما ذكر ابن جبير الجهة الشرقية من مقصورة الصحابة . وقراءة السُّبع لا تتعدى ذلك الموضع متصلا مع جدار
القبلة إلى الجدار الشرقي ، ووقت قراءته كل يوم إثر صلاة الصبح. رحلة ابن جبير ( ص٢٩٤) .
(٣) في الأصول : عباس ، والتصحيح من ابن عساكر .
(٤) كان نائباً لعبد الملك على المدينة المنورة . ترجمته في هذا الجزء ضمن وفيات سنة ٨٨، وتاريخ الإسلام ( حوادث
سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢١٤) .
(٥) الخبر بسنده في تاريخ دمشق (٢٨٣/٢).

٣٥٠
ذكر ابتداء أمر السُّبْع بالجامع الأموي
مروان ، وقد ولي إمرة إفريقية لهشام بن عبد الملك وابنيه عبد الرحمن ومروان (١) .
وحضره من القضاة أبو إدريس الخولاني ، ونمير بن أوس الأشعري ، ويزيد بن أبي مالك
الهمداني ، وسالم بن عبد الله المحاربي ، ومحمد بن عبد الله بن لبيد الأسدي .
ومن الفقهاء والمحدثين والحفاظ المقرئين أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن مولى آل معاوية ،
ومكحول ، وسليمان بن موسى الأشدق ، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر ، وأبو إدريس الأصغر عبد الرحمن
ابن عراك، وعبد الرحمن بن عامر اليحصبي - أخو عبد الله بن عامر - ويحيى بن الحارث الذِّماري(٢)،
وعبد الملك بن نعمان المُزَني ، وأنس بن أنيس العذري ، وسليمان بن بزيع(٣) القارىء ، وسليمان بن
داود الخُشني ، وعران - أو هزّان - بن حكيم القرشي، ومحمد بن خالد بن أبي ظبيان الأزدي ، ويزيد بن
عبيدة بن أبي المهاجر ، وعَيّاش بن دينار وغيرهم .
هكذا أوردهم ابن عساكر(٤) . قال : وقد روي عن بعضهم أنه كره اجتماعهم وأنكره ، ولا وجه
لإنكاره .
ثم ساق من طريق أبي بكر بن أبي داود : حدّثنا عمرو(٥) بن عثمان ، حدّثنا الوليد - هو ابن مسلم -
عن عبد الله بن العلاء قال : سمعت الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب(٦) ينكر هذه الدراسة ويقول :
ما رأيت ولا سمعت وقد أدركت أصحاب النبي وَيِّر.
قال ابن عساكر(٧) : وكان الضحاك بن عبد الرحمن أميراً على دمشق في أواخر سنة ست وثمانين(٨)
في خلافة عمر بن عبد العزيز .
فصل
كان ابتداء عمارة جامع دمشق في أواخر سنة ست وثمانين ، هدمت الكنيسة في ذي القعدة منها ، فلما
فرغوا من الهدم شرعوا في البناء ، وتكامل في عشر سنين(٩) ، فكان الفراغ منه في هذه السنة - أعني سنة
(١) أي ولدا إسماعيل بن عبيد الله.
في الأصول : الدماري - بالدال ـ والمثبت من تاريخ دمشق والضبط من تقريب التهذيب.
(٢)
(٣)
في الأصول : بذيغ ، والمثبت من تاريخ دمشق ، وسليمان بن بزيع من حملة القرآن .
(٤)
تاريخ دمشق (٢٨٣/٢ - ٢٨٤) ط: دار الفكر .
(٥)
في تاريخ دمشق : عمر .
في ط : عروب ، والمثبت من أ ، ب ويوافق تاريخ دمشق .
(٦)
(٧)
تاریخ دمشق (٢٨٥/٢) .
(٨) كذا ورد في الأصول ؛ والصحيح في سنة تسع وتسعين ، ولم يذكر ابن عساكر السنة .
(٩) في معجم البلدان (٢/ ٤٦٥): تسع سنين .

٣٥١
ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق وذكر وفاته في هذا العام
ست وتسعين - وفيها توفي بانيه الوليد بن عبد الملك ، وقد بقيت فيه بقايا فكملها أخوه سليمان بن
عبد الملك كما ذكرنا . فأما قول يعقوب بن سفيان : سألت هشام بن عمار عن قصة مسجد دمشق وهدم
الكنيسة قال : كان الوليد قال للنصارى : ما شئتم ، إنا أخذنا كنيسة توما عنوة وكنيسة الداخلة صلحاً ، فأنا
أهدم كنيسة توما - قال هشام وتلك أكبر من هذه الداخلة - قال فرضوا أن يهدم كنيسة الداخلة وأدخلها في
المسجد ، قال : وكان بابها قبلة المسجد اليوم ، وهو المحراب الذي يصلى فيه ، قال : وهدم الكنيسة
في أول خلافة الوليد سنة ست وثمانين ، ومكثوا في بنائها سبع سنين حتى مات الوليد ولم يتم بناءه ، فأتمه
هشام من بعده ففيه فوائد وفيه غلط ، وهو قوله إنهم مكثوا في بنائه سبع سنين ، والصواب عشر سنين ،
فإنه لا خلاف أن الوليد بن عبد الملك توفي في هذه السنة - أعني سنة ست وتسعين - وقد حكى
أبو جعفر بن جرير على ذلك إجماع أهل السير ، وقوله : لم يتم بناؤه في زمن الوليد بل قد تم ولكن بقيت
بقيات من الزخرفة فأكملها أخوه سليمان لا هشام، والله سبحانه وتعالى أعلم(١).
وهذه ترجمة الوليد بن عبد الملك(٢) باني جامع دمشق ، وذكر وفاته في هذا العام
هو الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف ،
أبو العباس الأموي ، بويع له بالخلافة بعد أبيه بعهدٍ منه في شوال سنة ست وثمانين ، وكان أكبر ولده ،
والولي من بعده ، وأمه ولادة بنت العباس بن جزء(٣) بن الحارث بن زهير العبسي.
وكان مولده سنة خمسين ، وكان أبواه يترفانه ، فشب بلا أدب(٤) ، وكان لا يحسن العربية ، وكان
طويلاً أسمر به أثر جدري خفي ، أفطس الأنف سائله ، وكان إذا مشى يتوكف (٥) في المشية - أي يتبختر -
(١) بعدها في ط ، ب : زيادة تذكر تواريخ بناء القباب التي في صحن المسجد وقد تقدم الكلام عن هذه القباب قبل
صفحات ، وانفردت (ب) بزيادة هذا نصها : فمن ذلك القبة الغربية التي في صحنه ، ويسميها الناس قبة عائشة ،
وغالب ظني أنها بنيت في سنة ستين ومئة في أيام المهدي بن المنصور ، وأما القبة الشرقية التي في صحنه تجاه مشهد
علي بن الحسين فعمِّرت في أيام المستنصر العبيدي في سنة خمس وأربعمئة ، وكتب عليها اسمه واسم الاثني عشر ،
يفور من وسطها الماء ، وتسميها العامة قبة أبي نواس ، فكان بناؤها في سنة بضع وخمسين وثلاثمئة ، ووضع
العمودان اللذان في صحن الجامع لأجل التنوير ليالي الجمع في شهر رمضان سنة إحدى وأربعين وأربعمئة بأمر قاضي
البلد أبي محمد فيما ذكره ابن عساكر في بعض تواريخهم ومن خطهم نقلت ذلك ، وهذه ترجمة ..
(٢) ترجمة - الوليد بن عبد الملك - في المعارف لابن قتيبة (٣٥٩) وتاريخ دمشق (١٦٤/٦٣ - ١٨٧) ووفيات الأعيان
(٢٥٤/٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ /ص٤٩٦ - ٥٠٠) وسير أعلام النبلاء (٣٤٧/٤ - ٣٤٨)
والنجوم الزاهرة (٢٢٠/١ - ٢٣٤) وشذرات الذهب (٣٨٨/١).
(٣) في ط ، ب : حزن وما أثبت عن الطبري (٤١٩/٦) وجمهرة أنساب العرب لابن حزم.
(٤) تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٩٧) نقلا عن فوات الوفيات .
(٥) في أ : يتوذف .

٣٥٢
ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق وذكر وفاته في هذا العام
وكان جميلاً وقيل بل كان دميماً ، قد شاب في مقدم لحيته ، وقد رأى سهل بن سعد وسمع أنس بن مالك
حين سأله ما سمع في أشراط الساعة ، كما تقدم في ترجمة أنس ، وسمع سعيد بن المسيّب ، وحكى عن
الزهري وغيره .
وقد روي أن عبد الملك أراد أن يعهد إليه ثم توقف لأنه لا يحسن العربية ، فجمع الوليد جماعة من
أهل النحو فأقاموا عنده ستة أشهر ، فخرج يوم خرج وهو أجهل ما كان ، فقال عبد الملك : قد أجهد
وأعذر(١) [ وقيل إن أباه عبد الملك أوصاه عند موته فقال له: لا ألفينك إذا مِتُّ تجلس تعصر عينيك،
وتحن حنين الأمة ، ولكن شمّر واتزر ، ودلني في حفرتي ، وخلني وشأني ، وادع الناس إلى البيعة ،
فمن قال برأسه هكذا فقل بسيفك هكذا (٢) .
وقال اللّيث: وفي سنة ثمان وسبعين(٣) غزا الوليد بلاد الروم ، وفيها حج بالناس أيضاً . وقال
غيره : غزا في التي قبلها وفي التي بعدها بلاد ملطية وغيرها .
وبويع له بالخلافة بعد أبيه في شوال من سنة ست وثمانين(٤) .
وكان نقش خاتمه : أومن بالله مخلصاً . وقيل كان نقشه يا وليد إنك ميت .
ويقال: إن آخر ما تكلّم به سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله .
وقال إبراهيم بن أبي عبلة : قال لي الوليد بن عبد الملك يوماً : في كم تختم القرآن ؟ قلت : في كذا
وكذا ، فقال : أمير المؤمنين على شغله يختمه في كل ثلاث ، وقيل في كل سبع ، قال : وكان يقرأ في كل
رمضان سبع عشرة ختمة (٥) . قال إبراهيم : رحم الوليد وأين مثله ؟ بنى مسجد دمشق ، وكان يعطيني
قطاع الفضة فأقسمها على قراء بيت المقدس(٦) .
وروى ابن عساكر(٧) بإسناد رجاله كلهم ثقات عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن أبيه قال : خرج
الوليد بن عبد الملك يوماً من الباب الأصغر فرأى رجلاً عند المئذنة الشرقية يأكل شيئاً ، فأتاه فوقف عليه
فإذا هو يأكل خبزاً وتراباً ، فقال له : ما حملك على هذا؟ قال : القُنُوع يا أمير المؤمنين ، فذهب إلى
مجلسه ثم استدعى به فقال : إن لك لشأناً فأخبرني به وإلا ضربت الذي فيه عيناك ، فقال : نعم يا أمير
(١) فوات الوفيات (٢٥٤/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٩٧).
(٢) ما بين معكوفين زيادة من ط، والخبر بسنده في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٩٧ - ٤٩٨).
في أ، ط : وتسعين ، وهذا خطأ واضح ، حيث إن المشهور أن الوليد مات سنة ٩٦ هـ، وخبر غزو الوليد وحجه في
(٣)
تاريخ الطبري (٣٢١/٦) .
(٤)
من قوله : وبويع له بالخلافة .. إلى هنا ساقط من ط .
(٥)
سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٧) .
تاريخ دمشق (٦٣/ ١٧٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٩٨) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٣٤٧).
(٦)
تاريخ دمشق (٦٣ / ١٧٧) والخبر أيضاً في تاريخ الإسلام.
(٧)

٣٥٣
ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق وذكر وفاته في هذا العام
المؤمنين، كنت رجلاً جَمّالاً، فبينما أنا أسير من مرج الصُّفَّر(١) قاصداً إلى الكسوةُ(٢) ، إذ أزرمني البول
فعدلت إلى خربة لأبول ، فإذا سرب فحفرته فإذا مال صبيب ، فملأت منه غرائري ، ثم انطلقت أقود
برواحلي ، وإذا بمخلاة معي فيها طعام فألقيته منها ، وقلت إني سآتي الكسوة ، ورجعت إلى الخربة لأملأ
تلك المخلاة من ذلك المال فلم أهتد إلى المكان بعد الجهد الجهيد في الطلب ، فلما أيست رجعت إلى
الرواحل فلم أجدها ولم أجد الطعام ، فآليت على نفسي أني لا آكل إلا خبزاً وتراباً . قال : فهل لك
عيال ؟ قال نعم ، ففرض له في بيت المال .
قال ابن جابر(١) : وبلغنا أن تلك الرواحل سارت حتى أتت بيت المال فتسلمها حارسه فوضعها في
بيت المال .
[ وقيل إن الوليد قال له : ذلك المال وصل إلينا واذهب إلى إبلك فخذها ، وقيل إنه دفع إليه شيئاً من
ذلك المال يُقيته وعياله (٤) .
وقال نمير بن عبد الله الصَّنعاني) عن أبيه قال : قال الوليد بن عبد الملك: لولا أن الله ذكر قوم لوط
في القرآن ما ظننت أن أحداً يفعل هذا(٦)
قالوا : وكان الوليد لحاناً كما جاء من غير وجه أن الوليد خطب يوماً فقرأ في خطبته ﴿ يَلَيْتَهَا كَانَتِ
الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: ٢٧] فضم التاء من ليتها . فقال عمر بن عبد العزيز: يا ليتها كانت عليك وأراحتنا
(٧)
منك
وكان يقول : يا أهلُ المدينة .
مرج الصفر : تل بحوران .
(١)
الكسوة : قرية ، أول منزل تنزله القوافل إذا خرجت من دمشق إلى مصر. معجم البلدان (٤/ ٤٦١).
(٢)
في ط : جرير ؛ خطأ. والمثبت من أ، ب وتاريخ دمشق (١٧٨/٦٣).
(٣)
(٤)
زيادة من ط .
في أ، ب : الشعباني ، وفي ط : الشعناني، وما أثبت عن تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٩٩)
(٥)
وفي تاريخ دمشق (٦٣ /١٧٨) : السمعاني .
بعدها في ط زيادة تحتوي كلاماً عن فاحشة اللواط مبدأها : قلت : فنفى عن نفسه هذه الخصلة القبيحة الشنيعة ،
(٦)
والفاحشة المذمومة ، التي عذب الله أهلها .
ولا شك أن هذه من زيادات النساخ ، وبعد هذه الفقرة ، يذكر حكم الإسلام في هذه الفعلة الشنيعة ، وهل تقبل توبة
المفعول به والفاعل أم لا ، وهكذا .. وقد رأيت حذفها لأنها ليست من أصل الكتاب أولاً فهي ساقطة من أ، ب
وموضوعها خلاف موضوع الكتاب ثانياً ؛ فهذا كتاب تاريخ وقلما يتطرّق إلى المسائل الفقهية والوعظية بهذه السَّعة،
وأكبر دليل على إقحام هذه الزيادة تحامل كاتبها على الوليد رحمه الله واتهامه بهذا الفعل الشنيع . نسأل الله العافية
والسلامة .
(٧) تاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٩٩).

٣٥٤
ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق وذكر وفاته في هذا العام
وقال عبد الملك يوماً لرجل من قريش : إنك لرجل لولا أنك تلحن ، فقال : وهذا ابنك الوليد
يلحن ، فقال : لكن ابني سليمان لا يلحن ، فقال الرجل : وأخي أبو فلان لا يلحن(١)
وقال ابن جرير : حدّثني عمر ، حدّثنا علي - يعني ابن محمد المدائني - قال : كان الوليد بن
عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم ، بنى المساجد بدمشق ، ووضع المنائر ، وأعطى الناسِ ،
وأعطى المجذومين ، وقال لهم: لا تسألوا الناس ، وأعطى كلَّ مُقْعدٍ خادماً ، وكل ضرير قائداً) ،
وفُتح في ولايته فتوحات كثيرة عظاماً ، وكان يرسل بنيه في كل غزوة إلى بلاد الروم ، ففتح الهند
والسند والأندلس وأقاليم بلاد العجم ، حتى دخلت جيوشه إلى الصين وغير ذلك .
قال : وكان مع هذا يمر بالبقال فيأخذ حزمة البقل بيده ويقول : بكم تبيع هذه ؟ فيقول : بفلس ،
فيقول : زد فيها فإنك تربح .
وذكروا أنه كان يبر حَمَلة القرآن ويكرمهم ويقضي عنهم ديونهم ، قالوا : وكانت همَّة الوليد في
البناء ، وكان الناس كذلك ، يلقى الرجل الرجل فيقول : ماذا بنيت ؟ ماذا عمرت ؟ وكانت همّة أخيه
سليمان في النساء ، وكان الناس كذلك ، يلقى الرجل الرجل فيقول : كم تزوجت ؟ ماذا عندك من
السراري ؟ وكانت همة عمر بن عبد العزيز في قراءة القرآن ، وفي الصلاة والعبادة ، وكان الناس كذلك ،
يلقى الرجل الرجل فيقول : كم وردك ؟ كم تقرأ كل يوم ؟ ماذا صليت البارحة(٦) ؟
قلت : بنى الوليد بن عبد الملك جامع دمشق على الوجه الذي ذكرنا فلم يكن له في الدنيا نظير ، في
حسنه وشكله، وبنى صخرة بيت المقدس عقد عليها القبة، وبنى مسجد النبي ◌ِّه ، ووسعه حتى
دخلت الحجرة النبوية التي فيها القبر فيه ، وله آثار حسان كثيرة جداً ، ثم كانت وفاته في يوم السبت
للنصف من جمادى الآخرة من هذه السنة . أعنى سنة ست وتسعين .
تقدم سرد هذه الحادثة ، وقد جرت بين عبد الملك وخالد بن يزيد بن معاوية .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري ( ٤٩٦/٦ ).
في الطبري : بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة .
(٣)
قال القاضي ابن خلكان في الوفيات (٢٥٤/٦): رتب للزمنى والأضرّاء من يقودهم ويخدمهم . لأنه أصابه رمد
(٤)
بعينيه فأقام مدة لا يبصر شيئاً ، فقال: إن أعادهما الله تعالى عليَّ قمت بحقه فيهما. فلما برىء رأى أن شكر هذه
النعمة الإحسان إلى العميان .
(٥)
العبارة الأخيرة ليست في الطبري .
(٦)
تاريخ الطبري (٤٩٧/٦) : وبعدها في ط زيادة ، وهي تعليق من النساخ عما ذكر قبلها ، ولا قيمة لهذه الزيادة ،
ولا محل لها هنا ، ثم نقل عن الواقدي خبراً فيه إساءة للوليد بن عبد الملك ، ولا شك أن المقصود بهذا الخبر
الوليد بن يزيد الفاسق .
المعروف أن الذي بنى قبة الصخرة إنما هو عبد الملك بن مروان .
(٧)

٣٥٥
ترجمة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق وذكر وفاته في هذا العام
قال ابن جرير (١) : هذا قول جميع أهل السير .
وقال عمر[و] بن علي الفلاس وجماعة : كانت وفاته يوم السبت للنصف من ربيع الأول من هذه
السنة ، عن ست وقيل ثلاث وقيل تسع وقيل أربع وأربعين سنة ، وكانت وفاته بدير مران ، فحمل على
أعناق الرجال حتى دفن بمقابر باب الصغير ، وقيل : بمقابر باب الفراديس ، حكاه ابن عساكر(٢).
وكان الذي صلى عليه عمر بن عبد العزيز لأن أخاه سليمان كان بالقدس الشريف ، وقيل : صلى عليه
ابنه عبد العزيز . وقيل بل صلّى عليه أخوه سليمان ، والصحيح عمر بن عبد العزيز ، والله أعلم . وهو
الذي أنزله إلى قبره وقال حين أنزله : لننزلنه غير موسَّد ولا ممهد ، قد خلفت الأسلاب ، وفارقت
الأحباب ، وسكنت التراب وواجهت الحساب ، فقيراً إلى ما تقدم عليه ، غنياً عما تخلف (٣).
وجاء من غير وجه عن عمر بن عبد العزيز أنه أخبره أنه لما وضعه - يعني الوليد - في لحده ارتكض في
أكفانه ، وجمعت رجلاه إلى عنقه (٤) .
وكانت خلافته تسع سنين وثمانية أشهر على المشهور . والله أعلم .
قال المدائني : وكان له من الولد تسعة عشر ولداً ذكراً ، وهم عبد العزيز ، ومحمد ، والعباس ،
وإبراهيم ، وتمام ، وخالد ، وعبد الرحمن ، ومبشر ، ومسرور ، وأبو عيبدة ، وصدقة ، ومنصور ،
ومروان ، وعنبسة ، وعمر ، وروح ، وبشر، ويزيد ، ويحيى . فأم عبد العزيز ومحمد أم البنين(٥) بنت
عمه عبد العزيز بن مروان ، وأم أبي عبيدة فزارية ، وسائرهم من أمهات أولاد شتى(٦).
قال المدائني : وقد رثاه جرير فقال :
فما لدمعكِ بعد اليومٍ مُدَّخرُ
يا عينُ جودي بدمعِ هاجَهُ الذِّكر
غبراءُ مُلْحَدَةٌ في جُولها زورُ(٧)
إنَّ الخليفةَ قدْ وارَتْ شمائلهُ
أضحى بنوهُ وقد جلت مصيبتُهُمْ
كانوا جميعاً فلم يدفع منيته
مثلَ النجومِ هَوَى من بينها القمرُ
عبدُ العزيزِ ولا رَوٌْ ولا عمرُ(٨)
(١) تاريخ الطبري (٤٩٥/٦).
(٢) تاريخ دمشق ( ٦٣/ ١٨٢).
(٣) المصدر نفسه (٦٣ / ١٨٠).
(٤) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٥٠٠) وتاريخ دمشق (٦٣ / ١٨٠ - ١٨١).
(٥) في أ : المؤمنين ، وما هنا مطابق للمصادر .
(٦) الخبر في تاريخ الطبري (٤٩٦/٦).
(٧) في أ : زرر ؛ تحريف ، والزور : الاعوجاج .
(٨) الأبيات في ديوان جرير (٣٦٢) ط: دار الكتب اللبنانية، وتاريخ الطبري (٦/ ٤٩٧ - ٤٩٨).

٣٥٦
خلافة سليمان بن عبد الملك
وممن هلك أيام الوليد بن عبد الملك :
زياد بن جارية التميمي (١) الدمشقي ، كانت داره بها غربي قصر الثقفيين .
روى عن حبيب بن مسلمة الفهري في النهي عن المسألة وله ما يغديه ويعشيه ، وفي النفل .
ومنهم من زعم أن له صحبة ، والصحيح أنه تابعي .
روى عنه : عطية بن قيس ومكحول ويونس بن ميسرة بن حلبس ، ومع هذا قال فيه أبو حاتم : شيخ
مجهول .
ووثقه النسائي وابن حبان .
روى ابن عساكر(٢) : أنه دخل يوم جمعة إلى مسجد دمشق وقد أخرت الصلاة ، فقال : والله ما بعث
الله نبياً بعد محمد ◌ّ﴾ أمركم بهذه الصلاة هذا الوقت، قال: فأُخذ فأدخل الخضراء فقطع رأسه ، وذلك
في زمن الوليد بن عبد الملك .
عبد الله بن عمرو بن عثمان(٣) ، أبو محمد ، كان قاضي المدينة ، وكان شريفاً كثير المعروف جواداً
ممدَّحاً ، والله أعلمُ(٤) .
خلافة سليمان بن عبد الملك
بويع له بالخلافة بعد موت أخيه الوليد يوم مات ، وكان يوم السبت للنصف من جمادى الآخرة سنة
ست وتسعين ، وكان سليمان بالرّملة ، وكان ولي العهد من بعد أخيه عن وصية أبيهما عبد الملك بن
مروان كما تقدم .
وقد كان الوليد بن عبد الملك قد عزم قبل موته على خلع أخيه سليمان ، وأن يجعل ولاية العهد من
بعده لولده عبد العزيز بن الوليد ، وقد كان الحجاج طاوعه على ذلك وأمره به ، وكذلك قتيبة بن مسلم
(١) ترجمة - زياد بن جارية - في تاريخ البخاري (٣٤٨/٣) والثقات لابن حبان (٢٥٢/٤) وتاريخ دمشق (١٣٢/١٩
- ١٣٦) وفيه: زياد بن حارثة، وتهذيبه (٤١/٥) وأسد الغابة (٣١٢/٢) وتهذيب الكمال (٤٣٩/٩ - ٤٤١)
وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٥٩ - ٣٦٠) والوافي بالوفيات (١٣/١٥ - ١٤) والإصابة
(٥٨٦/١) وتهذيب التهذيب (٣٥٦/٣ -٣٥٧).
وقد تحرف في ط إلى : حارث ، وفي أ، ب : حارثة ، والتصحيح من المصادر .
(٢)
تاريخ دمشق ( ١٣٦/١٩ ).
ترجمة - عبد الله بن عمرو - في المعارف (١٩٩) وتاريخ البخاري (١٥٣/٥ - ١٥٤) ونسب قريش (١١٨)
(٣)
وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٤٠٣) والوافي بالوفيات (٣٨٤/١٧ - ٣٨٨) والنجوم الزاهرة
(٢٣٣/١ -٢٣٤) وتهذيب التهذيب (٣٣٨/٥ -٣٣٩).
(٤) الترجمة الأخيرة ساقطة من أ، ب .

٣٥٧
خلافة سليمان بن عبد الملك
وجماعة من أهل الشام ، وقد أنشد في ذلك جرير (١) وغيره من الشعراء قصائد ، فلم ينتظم ذلك له حتى
مات ، وانعقدت البيعة إلى سليمان ، فخافه قتيبة بن مسلم وعزم على أن لا يبايعه ، فعزله سليمان وولَّى
على إمرة العراق ثم خراسان يزيد بن المهلّب(٢)، فأعاده إلى إمرتها بعد عشر سنين ، وأمره بمعاقبة آل
الحجاج بن يوسف ، وكان الحجاج هو الذي عزل يزيد عن خراسان . [ ولسبع بقين من رمضان من هذه
السنة عزل سليمان عن إمرة المدينة عثمان بن حيان وولَّى عليها أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، وكان
أحد العلماء ]٣) .
وقد كان قتيبة بن مسلم حين بلغه ولاية سليمان بن عبد الملك للخلافة كتب إليه كتاباً يعزِّيه في أخيه ،
ويهنئه بولايته ، ويذكر فيه بلاءه وعناه وقتاله وهيبته في صدور الأعداء ، وما فتح الله من البلاد والمدن
والأقاليم الكبار على يديه ، وأنه له على مثل ما كان للوليد من الطاعة والنصيحة ، إن لم يعزله عن
خراسان ، ونال في هذا الكتاب من يزيد بن المهلَّب ، ثم كتب كتاباً ثانياً يذكر ما فعل من القتال
والفتوحات وهيبته في صدور الملوك والأعاجم ، ويذم يزيد بن المهلَّب أيضاً ، ويقسم فيه لئن عزله وولى
يزيد ليخلعن سليمان عن الخلافة ، وكتب كتاباً ثالثاً فيه خلع سليمان عن الخلافة بالكلية ، وبعث بها مع
البريد(٤) وقال له : ادفع إليه الكتاب الأول ، فإن قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلّب فادفع إليه الثاني ، فإن
قرأه ودفعه إلى يزيد بن المهلّب فادفع إليه الثالث ، فلما قرأ سليمان الكتاب الأول - واتفق حضور يزيد
عند سليمان - دفعه إلى يزيد فقرأه ، فناوله البريد الكتاب الثاني فقرأه ودفعه إلى يزيد ، فناوله البريد
الكتاب الثالث فقرأه ، فإذا فيه التصريح بعزله وخلعه ، فتغيّر وجهه ، ثم ختمه وأمسکه بيده ولم يدفعه إلى
يزيد ، وأمر بإنزال البريد في دار الضيافة ، فلما كان من اللّيل بعث إلى البريد فأحضره ودفع إليه ذهباً وكتاباً
فيه ولاية قتيبة على خراسان ، وأرسل مع ذلك البريد بريداً آخر من جهته ليقرره عليها ، فلما وصلا بلاد
خراسان (٥) بلغهما أن قتيبة قد خلع الخليفة ، فدفع بريد سليمان الكتاب الذي معه إلى بريد قتيبة ، ثم
بلغهما مقتل قتيبة قبل أن يرجع بريد سليمان .
(١) يقول جرير :
إذا قيل أي الناس خير خليفة
أشارت إلى عبد العزيز الأصابع
وما ظلموا ، فبايعوا وسارعوا
رأوه أحق الناس كلهم بها
والأبيات في ديوان جرير ( ٣٥٧) وتاريخ الطبري .
(٢) الخبر في الطبري (٥٠٦/٦) وابن الأثير (١١/٥) وفيهما: أن سليمان عزل يزيد بن أبي مسلم عن العراق، وأمّر
عليه يزيد بن المهلب ، وجعل صالح بن عبد الرحمن على الخراج .
(٣) ما بين معكوفين زيادة من ط ، والخبر في الطبري (٦/ ٥٠٥) وابن الأثير (١١/٥).
(٤) في الطبري وابن الأثير : مع رجل من باهلة .
(٥) في الطبري وابن الأثير : فلما كان بحلوان .

٣٥٨
مقتل قتيبة بن مسلم
مقتل(١) قتيبة بن مسلم (٢) رحمه الله
وذلك أنه جمع الجند والجيوش وعزم على خلع سليمان بن عبد الملك من الخلافة وترك طاعته ،
وذكر لهم همته وفتوحه وعدله فيهم ، ودفعه الأموال الجزيلة إليهم ، فلما فرغ من مقالته ، لم يجبه أحد من
الناس ، فشرع في تأنيبهم وذمِّهم ، قبيلة قبيلة ، وطائفة طائفة ، فغضبوا عند ذلك ونفروا عنه وتفرَّقوا ،
وعملوا على مخالفته ، وسَعَوا في قتله ، وكان القائم بأعباء ذلك رجل يقال له وكيع بن أبي سود (٣)،
فجمع جموعاً كثيرة ، ثم ناهضه فلم يزل به حتى قتله في ذي الحِجَّة من هذه السنة ، وقتل معه أحد عشر
رجلاً من إخوته وأبناء إخوته ، ولم يبق منهم سوى ضرار بن مسلم ، وكانت أمه الغراء بنت ضرار بن
القعقاع بن معبد بن سعد بن زرارة ، فحمته أخواله ، وعمرو بن مسلم كان عامل الجوزجان وقتل قتيبة
وعبد الرحمن وعبد الله وعبيد الله(٤) وصالح ويسار(٥)، وهؤلاء أبناء مسلم ، وأربعة من أبنائهم ، فصلبهم
كلهم وكيع بن أبي سود .
وقد كان قتيبة بن مسلم بن عمرو بن حصين بن ربيعة أبو حفص الباهلي ، من سادات الأمراء
وخيارهم ، وكان من القادة النجباء الكبراء ، والشجعان وذوي الحروب والفتوحات السعيدة ، والآراء
الحميدة [ وقد هدى الله على يديه خلقاً لا يحصيهم إلا الله، فأسلموا ودانوا لله عزَّ وجلَّ ، وفتح من البلاد
والأقاليم الكبار والمدن العظام شيئاً كثيراً كما تقدم ذلك مفصلاً مبيناً ، والله سبحانه لا يضيع سعيه
ولا یخیب تعبه وجهاده }(٦) .
ولكن زلّ زلّة كان فيها حتفه ، وضلّ ضّة رغم فيه أنفه ، وخلع الطاعة فبادرت المنية إليه ، وفارق
الجماعة فمات ميتة جاهلية ، لكن سبق له من الأعمال الصالحة ما قد يكفر الله به سيئاته ، ويمحو بها عنه
(١) في ب : ذكر سبب مقتله .
(٢) ترجمة - قتيبة بن مسلم - في تاريخ خليفة (٣١٨) والمعارف (٤٠٦) والبيان والتبيين للجاحظ (٢/ ١٣٢) ومعجم
الشعراء للمرزباني (٢١٢) ووفيات الأعيان (٨٦/٤ - ٩١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٤٥٤)
وسير أعلام النبلاء (٤١٠/٤ - ٤١١) والنجوم الزاهرة (٢٣٣/١) وشذرات الذهب (٣٨٩/١).
(٣) لم يذكر الطبري وابن الأثير من اسمه سوى وكيع ، وذكر ابن خلكان في الوفيات (٤/ ٨٧ ) : أنه وكيع بن حسان بن
قيس بن يوسف .
وكذلك ذكره الذهبي في تاريخ الإسلام وقال : ولما بلغه موت الوليد نزع الطاعة ، فلم يوافقه أكثر من معه من
الجند ، وكان قد عَزَلَ وكيعَ بن حسان بن قيس الغدّاني عن رياسة تميم ، فسعى في تأليب الجند ثم وثب على قتيبة
في أحد عشر من أهله فقتلوه .
(٤)
في الطبري وابن الأثير : عبد الله .
(٥) زاد الطبري (٤١٦/٦): وابن الأثير (١٧/٥): عبد الكريم وحصين.
(٦) ما بين معكوفين زيادة من ط .

٣٥٩
مقتل قتيبة بن مسلم
من خطيئاته ، والله يسامحه ويعفو عنه ، ويتقبل منه ما كان يكابده من مناجزة الأعداء ، وكانت وفاته
بفرغانة من أقصى بلاد خراسان ، في ذي الحجة من هذه السنة ، وله من العمر ثمان وأربعون سنة ، وكان
أبوه أبو صالح مسلم فيمن قتل مع مصعب بن الزُّبير ، وكانت ولايته على خراسان عشر سنين ، وقد قال
فيه بعض الشعراء يرثيه ، وهو رثاء عبد الرحمن بن جمانة الباهلي فقال :
بجيشٍ إلى جيشٍ ولم يعلُ منبرا
كأن أبا حفصٍ قتيبة لم يسرْ
وقوفٌ ولم يشهدْ له الناسُ عسكرا
ولم تخْفِقِ الراياتُ والقومُ حولهُ
وراحَ إلى الجنَّاتِ عَفَّاً مطهّرا
دعتهُ المنايا فاستجاب لربِّهِ
بمثلِ أبي حفصٍ فبكّهِ عَبْهَر(١)
فما رُزِىءَ الإسلامُ بعد محمدٍ
ولقد بالغ هذا الشاعر في بيته الأخير . وعبهر ولد له .
وقال الطّرماح في هذه الوقعة التي قتل فيها على يد وكيع بن أبي سود :
والأزد زُعزعَ واستبيحَ العسكرُ
لولا فوارسُ مَذحِجَ ابنه ٢) مذحج
منهم إلى أهلِ العراقِ مخبِّرُ
أمرُ الخليفةِ واستحلَ المنكرُ
والخيلُ جامحةٌ عليها العِثْر(٤)
مُضرُ العراقِ مَن الأعزُّ الأكبرُ
وتفرقتْ مضرٌ ومنْ يتمضرُ
للموتِ يجمعُها أبوها الأكبر
تحمى بصائرهنَّ إذْ لا تبصرُ
مُلكاً قُرَاسِيَةً وموتٌ أحمرُ
وبنا تثبّتَ في دمشقَ المِنبر(٥)
وتقطعتْ بهمُ البلادُ ولم يَؤُبِّ
واستضلعت(٣) عقد الجماعةِ وازدرى
قومٌ همو قتلوا قتيبة عنوةً
بالمرج مرج الصينِ حيثُ تبيّنتْ
إذ حالَفَّتْ جَزعاً ربيعةُ كلها
وتقدمتْ أزدُ العراقِ ومَذْحِجٌ
قحطانُ تضربُ رأسَ كل مدججِ
والأزدُ تعلمُ أنَّ تحتَ لوائهاً
فبعزِّنا نُصِرَ النبيُّ محمدٌ
وقد بسط ابن جرير(٦) هذه القصة بسطاً كثيراً وذكر أشعاراً كثيرة جداً . وقال القاضي ابن خلكان(٧)
وقال جرير يرثي قتيبة بن مسلم رحمه الله وسامحه ، وأكرم مثواه وعفا عنه :
(١) الأبيات فى الطبري (٥٢١/٦) وابن الأثير (١٩/٥ - ٢٠) وفيهما: عبهر: أم ولد له.
(٢)
في أ ، ب : أثبت .
(٣)
في أ ، ب : واستطلقت .
في أ : العنبر ، وفي الطبري : جانحة بدل جامحة .
(٤)
(٥)
الأبيات في الطبري (٥٢٠/٦ - ٥٢١).
تاريخ الطبري ( ٥٠٦/٦_٥٢٢) .
(٦)
وفيات الأعيان (٨٨/٤).
(٧)

٣٦٠
مقتل قتيبة بن مسلم
وأنتمْ إذا لاقيتمُ الله أندمُ
ندمتمْ على قتلِ الأغرُ(١) ابنِ مسلمٍ
وأنتمْ لمنْ لاقيتمُ اليومَ مغنمُ
لقدْ كنتمُ من غزوهٍ في غنيمة
وتطبقُ بالبلوى علیکمْ جهنمُ
على أنه أفضى إلى حورٍ جنةٍ
قال : وقد ولي من أولاده وذريته جماعة الإمرة في البلدان ، فمنهم عَمْرو(٢) بن سعيد بن قتيبة بن
مسلم وكان جواداً ممدحاً ، رثاه حين مات أبو عمر أشجع بن عمرو السلمي المري (٣) نزيل البصرة بقوله :
مضى ابنُ سعيدٍ حيثُ لم يبقَ مشرقٌ ولا مغربٌ إلا له فيه مادحُ
على الناسِ حتى غيبتهُ الصفائحُ(٤)
وما كنتُ أدري ما فواضلُ کفهِ
وكانتْ به حياً تضيقُ الضحاضحُ
وأصبحَ في لحد من الأرضِ ضيقٍ
فحسبكَ مني ما تجنُ(٥) الجوانحُ
سأبکیك ما فاضتْ دموعي فإن تغضْ
ولا بسرورٍ بعدَ موتكَ فارحُ
فما أنا منْ رزئي وإن جلّ جازعٌ
على أحدٍ إلا عليكَ النوائحُ
كأن لم يمتْ حِيٌّ سواكَ ولم تقمْ
لقد حسنتْ منْ قبل فيكَ المدائحُ
لئنْ حسنتْ فيكَ المرائي وذِكرها
قال ابن خلكان(٦) : وهي من أحسن المراثي وهي في الحماسة (٧) ، ثم تكلم على باهلة وأنها قبيلة
مرذولة عند العرب ، قال : وقد رأيت في بعض المجاميع أن الأشعث بن قيس قال : يا رسول الله أتتكافأ
دماؤنا؟ قال: ((نعم! ولو قتلت رجلاً من باهلة لقتلتك)).
وقيل لبعض العرب: أيسرك أن تدخل الجنة وأنت باهلي ؟ قال : بشرط أن لا يعلم أهل الجنة بذلك.
وسأل بعض الأعراب رجلاً ممن أنت ؟ فقال : من باهلة ، فجعل يرثي له قال : وأزيدك أني لست من
الصميم وإنما أنا من مواليهم . فجعل يقبّل يديه ورجليه ، فقال : ولم تفعل هذا ؟ فقال : لأن الله تعالى
ما ابتلاك بهذه الرزية في الدنيا إلا ليعوِّضك الجنة في الآخرة(٨) .
(١) في ط : الأمير ؛ وما أثبت من أوالوفيات .
(٢) في ط: ((عمر)) محرف، وما أثبتناه من م ووفيات الأعيان (٨٩/٤) وهو عمرو بن سعيد بن مسلم بن قتيبة بن
مسلم ، وقد تولى أبوه سعيد أرمينية والموصل والسِّند وطبرستان وسجستان والجزيرة وتوفي سنة سبع عشرة ومئتين.
(٣)
في الوفيات : الرَّقي .
الصفائح : أحجار عراض تسقف بها القبور .
(٥)
(٤)
في ط : تجر .
وفيات الأعيان (٩٠/٤ ).
(٦)
(٧) الحماسة للتبريزي (١٦٨/٢).
قال الإمام الذهبي بعد أن ساق هذا الخبر في السير (٤/ ٤١١) : قلت : لم ينل قتيبة أعلى الرتب بالنسب ، بل
(٨)
بكمال الحزم والعزم والإقدام والسَّعد ، وكثرة الفتوحات ووفور الهيبة .