النص المفهرس
صفحات 321-340
٣٢١ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة وكان فيمن حبس أعرابي وُجد يبول في أصل ربض مدينة واسط ، وكان فيمن أُطلق فأنشأ يقول : إذا نحنُ جاوزنا مدينةَ واسطِ خرينا وصلينا بغير حسابٍ(١) وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر . قال ابن أبي الدنيا وإبراهيم الحربي: حدّثنا سليمان بن أبي شيخ(٢) ، حدّثنا صالح بن سليمان قال : قال عمر بن عبد العزيز : لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم ، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة لقد ولي العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة ، فأخَسَّ به إلى أن صيَّره إلى أربعين ألف ألف ، ولقد أدَّى إليّ عمالي في عامي هذا ثمانين ألف ألف ، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدي إليّ ما أُدّي إلى عمر بن الخطاب مئة ألف ألف وعشرة آلاف ألف(٣) وقال أبو بكر بن المقري : حدّثنا أبو عروبة، حدّثنا عمرو بن عثمان، حدّثنا أبي: سمعت جدي قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة : بلغني أنك تستن بسنن الحجاج فلا تستن بسنته ، فإنه كان يصلِّي الصلاة لغير وقتها ، ويأخذ الزكاة من غير حقها ، وكان لما سوى ذلك أضيع(٤) . وقال يعقوب بن سفيان : حدّثنا سعيد بن أسد ، حدّثنا ضمرة ، عن الرَّيَّان بن مسلم . قال : بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبي عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه : أما بعد فإني قد بعثت بآل أبي عقيل وهم شرّ بيت في العرب ، ففرّقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا ، وعليك السلام . وإنما نفاهم(٥). وقال الأوزاعي : سمعت القاسم بن مُخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام(٦) ، وذكر حكاية . وقال أبو بكر بن عياش : عن عاصم: لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحَجَّاج بن يوسف(٧). وقال يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش : اختلفوا في الحَجاج فسألوا مجاهداً فقال : تسألون عن الشيخ الكافر ؟ !. (١) الخبر في تاريخ دمشق (١٢/ ١٨٤) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٣/٤) والعقد الفريد (١٧/٣) وفيه الشطر الثاني: خرینا وبلنا لا نخاف عقابا (٢) في ط: (( سنح )) محرف . تاريخ دمشق (١٨٥/١٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٤ /٨٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٣ - ٣٢٤). (٣) (٤) تاريخ دمشق (١٨٧/١٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٣/٤). (٥) المصدر نفسه . تاريخ دمشق ( ١٨٨/١٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٤ /٨٤). تهذيب تاريخ دمشق (٨٤/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٤). (٦) (٧) ٣٢٢ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة وروى ابن عساكر(١) : عن الشعبي أنه قال : الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت ، كافر بالله العظيم . [ كذا قال والله أعلم ] . وقال الثوري : عن معمر ، عن طاووس عن أبيه قال : عجباً لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمناً(٢) ؟! وقال الثوري : عن ابن عون : سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج : أتشهد أنه من أهل النار ؟ قال أتأمروني أن أشهد على الله العظيم . وقال الثوري عن منصور : سألت إبراهيم عن الحَجّاج أو بعض الجبابرة فقال : أليس الله يقول ﴿أَلَا لَغْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] وبه قال إبراهيم وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج(٣) . وقال سلام بن أبي مطيع لأنا بالحجاج أرجى مني لعمرو بن عبيد ، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا ، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء ، قتل الناس بعضهم بعضا٤ً) . وقال الزبرقان : سببت الحَجّاج يوماً عند أبي وائل فقال : لا تسبه لعله قال يوماً اللهم ارحمني فيرحمه ، إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت أرأيت . وقال عوف : ذكر الحَجّاج عند محمد بن سيرين فقال : مسكين أبو محمد ، إن يعذبه الله عزَّ وجلَّ فبذنبه ، وإن يغفر له فهنيئاً له ، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا ، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه . فقيل له : ما القلب السليم ؟ قال : أن يعلم الله تعالى منه الحياء والإيمان ، وأن يعلم أن الله حق ، وأن الساعة حق قائمة ، وأن الله يبعث من في القبور(٥). وقال أبو قاسم البغوي(٦): حدّثنا أبو سعيد، حدّثنا أبو أسامة قال : قال رجل لسفيان الثوري: أتشهد على الحجاج وعلى أبي مسلم(٧) أنهما في النار ؟ قال : لا ! إذا أقرّا بالتوحيد . وقال الرياشي : حدّثنا عباس (٨) الأزرق، عن السَّري بن يحيى، قال: مَرّ الحجاج في يوم جمعة (١) تاريخ دمشق (١٢ / ١٨٧). تاريخ دمشق (١٢/ ١٨٨) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٤/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٤). (٢) (٣) المصدر نفسه . تاريخ دمشق ( ١٨٩/١٢ - ١٩٠). (٤) (٥) تاريخ دمشق ( ١٢/ ١٩٠) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٤/٤). (٦) رواه ابن عساكر في تاريخه (١٩٠/١٢). (٧) في ط: ((أبي مسلم الخراساني))، وهو بعيد والمقصود بأبي مسلم رحمه الله - والله أعلم - يزيد بن أبي مسلم كاتب الحجاج وسیّافه ؛ فهذه كنيته . (٨) تحرفت في (أ) إلى: عياش. ٣٢٣ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة فسمع استغاثة فقال : ما هذا؟ فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم: ﴿أُخْسَثُواْ فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ ﴾ [ المؤمنون: ١٠٨ ]قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة (١) وقال بعضهم : رأيته وهو يأتي الجمعة وقد كاد يهلك من العلة . وقال الأصمعي : لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته : إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم(٢) فقالوا: مات الحجاج ، ومات الحجاج فمه ؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت ؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها ، وما رأيت الله رضي التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس ، قال الله له ﴿ إِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥ ] فأنظره إلى يوم الدين، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال ﴿ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ﴾ [ص: ٣٥] فأعطاه الله ذلك إلا البقاء(٣). [ ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره ، فقال ﴿تَوَقَِّى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِىِ بِالصَّلِحِينَ﴾ [ يوسف: ١٠١] فما عسى أن يكون أيها الرجل ، وكلكم ذلك الرجل ، كأني والله بكل حي منكم ميتاً ، وبكل رطب يابساً ، ثم نقل في أثياب أكفانه [ فخد له في الأرض ] ثلاثة أذرعُ(٤) طولاً في ذراع عرضاً ، فأكلت لحمه ، ومصَّت صديده ، وانصرف الحبيب من ولده يقسم الحبيب من ماله ، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول ، ثم نزل(٥). وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني ، عن أبيه ، عن جده ، عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : ما حسَدْتُ الحَجَّاج عدو الله على شيء حَسَدي إياه على حُبّه القرآن وإعطائه أهله عليه ، وقوله حين حضرته الوفاة : اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل (٦). وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدّثنا علي بن الجعد ، حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون ، عن محمد بن المنكدر . قال : كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت : اللهم اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل(٧). (١) تاريخ دمشق (١٢/ ١٩٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٤ - ٨٥) ومروج الذهب (١٦٧/٣) وتاريخ الإسلام للذهبي ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٥) . في مروج الذهب وتاريخ الإسلام : نفخ الشيطان في مناخرهم . (٢) في مروج الذهب ( ١٦٧/٣) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠ / ص٣٢٥): ثم اضمحل فكأن لم يكن. (٣) في مروج الذهب وتاريخ الإسلام : وبكل امرىء في ثياب طهور إلى بيت حفرته فخد له في الأرض خمسة أذرع طولاً (٤) في ذراعين عرضاً . (٥) مروج الذهب (١٤٢/٣ - ١٤٣) والعقد الفريد (١٧/٣) وتاريخ دمشق (١٩٣/١٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٤/ ٨٥) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٥). (٦) تاريخ دمشق (١٩٤/١٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٥/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٦). (٧) المصدر نفسه . ٣٢٤ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة قال : وحدّثني بعض أهل العلم . قال : قيل للحسن : إن الحَجَّاج قال عند الموت كذا وكذا ، قال : قالها ؟ قالوا : نعم ! قال : فما عسى (١). وقال أبو العباس المرّي : عن الرياشي عن الأصمعي قال : لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: بأنني رجل منْ ساكني النّارِ يا ربّ قَدْ حلفَ الأعداءُ واجتهدوا ما علمهمْ بكثير العفو جَبَّار(٢) أيحلفونَ على عمیاء ویحھمُ قال فأخبر بذلك الحسن فقال : بالله إن نجا لينجونّ بهما . وزاد بعض الناس : إنّ الموالي إذا شابتْ عبيدهم في رقهم عتقوهمْ عتقَ أبرارٍ قد شبتُ فى الرِّق فاعتقني منَ النّارِ وأنتَ يا خالقى أولى بذا كرماً وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا أحمد بن عبد الله التّيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت : ألا إن مطعم الطعام [ وميتم الأيتام ، ومرمل النساء ] ومفلق الهام وسيد أهل الشام قد مات ، ثم أنشأت تقول : اليوم يرحمنا من كان يبغضنا واليوم يأمننا من كان يخشان(٣) وروى عبد الرزاق (٤) : عن معمر ، عن ابن طاووس ، عن أبيه : أنه أخبر بموت الحجاج مراراً فلما تحقق وفاته قال: ﴿ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَاَلْحَمْدُ لِّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكراً لله عزَّ وجلَّ ، وكان مختفياً فظهر(٥). وقال : اللهم أمتّه فأذهب عنا سنته . وقال حماد بن أبي سليمان : لما أخبرتُ إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح . وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : حدّثنا سليمان بن أبي شيخ ، حدّثنا صالح بن سليمان قال : قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن : يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا ، فلما كانت الليلة لم ينم أهل السجن فرحاً ، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية . وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان ، وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان ، وقيل في شوال (١) تاريخ دمشق (١٢/ ١٩٤) وفي تاريخ الإسلام (ص٣٢٦) قريباً منه . (٢) في ط: بعظيم العفو غفار. وكذلك في تهذيب تاريخ دمشق (٤/ ٨٥) والخبر مع الأبيات في تاريخ دمشق (١٩٤/١٢ - ١٩٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٢٦). (٣) تاريخ دمشق (١٩٥/١٢). (٤) ومن طريق عبد الرزاق رواه ابن عساكر (١٢ /١٩٥). (٥) تاريخ دمشق (١٩٦/٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٥/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص٣٢٦). ٣٢٥ فيما روي عن الحجاج من الكلمات النافعة والجراءة البالغة من هذه السنة ، وكان عمره إذ ذاك خمساً وخمسين سنة (١) ، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين ، وقيل بعدها بسنة ، وقيل قبلها بسنة ، توفي بواسط وعُفي قبره ، وأجري عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق(٢) . والله أعلم. وقال الأصمعي : ما كان أعجب حال الحجاج ، ما ترك إلا ثلاثمئة درهم . وقال الواقدي : حدّثنا عبد الله بن محمد بن عبيد، حدّثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق : حدّثنا عمي قال : زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمئة درهم ومصحفاً وسيفاً وسرجاً ورحلاً ومئة درع موقوفة (٣) . وقال شهاب بن خراش : حدّثني عمي يزيد بن حوشب قال : بعث إليّ أبو جعفر المصنور فقال : حدّثني بوصية الحَجَّاج بن يوسف ، فقال : اعفني يا أمير المؤمنين ، فقال: حدِّثني بها ، فقلت : بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك ، عليها يحيا ، وعليها يموت ، وعليها يبعث ، وأوصى بتسعمئة درع حديد ، ستمئة منها لمنافقي أهل العراق يغزون بها ، وثلاثمئة للترك . قال : فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبي العباس الطوسي - وكان قائماً على رأسه - فقال: هذه والله الشيعة لا شيعتكم . وقال الأصمعي عن أبيه قال : رأيت الحجاج في المنام فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقال : قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانا(٤) ، قال : ثم رأيته بعد الحول فقلت : يا أبا محمد ما صنع الله بك ؟ فقال : يا ماص بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول ؟ . وقال القاضي أبو يوسف : كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال . يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم ، قال : في أي زيّ رأيته ؟ قال : في زي قبيح . فقلت : ما فعل الله بك ؟ فقال : ما أنت وذاك يا ماصّ بظر أمه ! فقال هارون : صدقت والله ، أنت رأيت الحجاج حقاً ، ما كان أبو محمد ليدع صَرَامته حياً وميتا(٥) . وقال حنبل بن إسحاق : حدّثنا هارون بن معروف ، حدّثنا ضمرة ، حدّثنا ابن شوذب ، عن أشعث الحُداني (٦) . (١) قال الذهبي في تاريخ الإسلام : قلت عاش خمساً وخمسين سنة . (٢) وفيات الأعيان (٢/ ٥٣) . تاریخ دمشق ( ١٢/ ١٩١) وتهذيب تاريخ دمشق (٨٤/٤). (٣) (٤) تاريخ دمشق (١٢/ ٢٠١) . (٥) المصدر نفسه . (٦) في ط : الخراز ، وفي أ : الحراب ؛ وكلاهما تحريف ، والتصحيح من تاريخ دمشق . ٣٢٦ وفيات سنة ٩٥ هـ قال : رأيت الحجاج في المنام في حال سيئة فقلت : يا أبا محمد ما صنع بك ربك ؟ قال : ما قتلت أحداً قتلة إلا قتلني بها. قال ثم أمر بي إلى النار ، قلت : ثم مه ، قال ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال : وكان ابن سيرين يقول : إني لأرجو له ، فبلغ ذلك الحسن فقال : أما والله ليخلفن الله رجاءه فيه . وقال أحمد بن أبي الحواري : سمعت أبا سليمان الداراني يقول : كان الحسن البصري لا يجلس مجلساً إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه ، قال : فرآه في منامه فقال له : أنت الحجاج ؟ قال : أنا الحجاج ، قال : ما فعل الله بك ؟ قال : قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين . قال : فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه (١) . والله أعلم . [ وقال ابن أبي الدنيا : حدّثنا حمزة بن العباس ، حدّثنا عبد الله بن عثمان ، أبنا ابن المبارك، أنبأنا سفيان . قال : قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافداً ومعه معاوية بن قرة ، فسأل عبد الملك معاوية عن الحَجّاج فقال: إن صدقناكم قتلتمونا ، وإن كذبناكم خشينا الله عزَّ وجلَّ ، فنظر إليه الحَجّاج فقال له عبد الملك : لا تعرض له ، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف }(٢). وممن توفي في هذه السنة أعني سنة خمس وتسعين : إبراهيم بن يزيد النخعي(٣) [ قال : كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عُرِف ذلك فينا أياماً ، لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيّره إلى الجنة أو إلى النار ، وإنكم تتحدثون في جنائزكم بأحاديث دنياكم . وقال : لا يستقيم رأي إلا برويَّة ، ولا روية إلا برأي. وقال : إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه . وقال : إني لأرى الشيء مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أُبتلى به. وبكى عند موته فقيل له ما يبكيك ؟ فقال: انتظار ملك الموت ، ما أدري يبشرني بجنة أو بنار }(٤). والحسن بن محمد ابن الحنفية(٥) ، كنيته أبو محمد ، كان المقدم على إخوته ، وكان عالماً فقيهاً عارفاً بالاختلاف والفقه والتفسير . (١) تاريخ دمشق (١٢/ ٢٠٢). (٢) ما بين معكوفين زيادة من ط . (٣) ترجمة - إبراهيم النخعي - في طبقات ابن سعد (٦/ ٢٧٠ - ٢٨٤) وتاريخ خليفة (٣١٣) وطبقاته (١٥٧) وتاريخ البخاري (٣٣٣/١ - ٣٣٤) وحلية الأولياء (٢١٩/٤-٢٤٠) وتهذيب الكمال (٢٣٣/٢ - ٢٤٠) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٧٩ - ٢٨٣) وسير أعلام النبلاء (٥٢٠/٤-٥٢٩) والوافي بالوفيات (١٦٩/٦) وتهذيب التهذيب (١٧٧/١ - ١٧٩) وشذرات الذهب (٣٨٧/١). (٤) ما بين معكوفين زيادة من ط ، وهي توافق ما ورد في حلية الأولياء . (٥) ترجمة - الحسن بن محمد - في طبقات ابن سعد (٣٢٨/٥) وطبقات خليفة (٢٣٩) وتاريخ البخاري (٣٠٥/٢) = ٣٢٧ وفيات سنة ٩٥ هـ وكان من ظرفاء بني هاشم وعقلائهم ، ولا عقب له . قال أيوب السّختياني وغيره : كان أول من تكلّم في الإرجاء ، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها(١) . وقال غيرهم : كان يتوقف في عثمان وعلي وطلحة والزبير ، فلا يتولاهم ولا يذمهم ، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه وقال : ويحك ألا تتولى أباك عليا٢ً) ؟ وقال أبو عبيد : توفي سنة خمس وتسعين . وقال خليفة : توفي في أيام عمر بن عبد العزيز والله أعلم . حميد بن عبد الرحمن (٣) بن عوف الزهري [ وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه ، وكان حميد فقيهاً نبيلاً عالماً ، له روايات كثيرة (٤). ومطرف بن عبد الله بن الشخير(٥)، وكل هؤلاء لهم تراجم في كتابنا ((التكميل) (٦) . وفيها كان موت الحجاج [ بواسط ] كما تقدم ذلك مبسوطاً مستقصى ولله الحمد . وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول علي بن المدائني وجماعة ، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير(٧) وغير واحد والله أعلم . والمعرفة والتاريخ (٥٤٣/١) ومواضع أخرى، وتاريخ دمشق (٣٧٣/١٣ - ٣٨١) وتهذيبه (٢٤٨/٤ - ٢٥٠) = ووفيات الأعيان (٣٩٩/٢) وتهذيب الكمال (٣١٩/٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠/ ص٣٣١ - ٣٣٤) وسير أعلام النبلاء (١٣٠/٤ - ١٣١) والوافي بالوفيات (٢١٣/١٢ -٢١٤) وتهذيب التهذيب (٣٢٠/٢ - ٣٢١) والنجوم الزاهرة (١/ ٢٢٧). (١) طبقات ابن سعد (٣٢٨/٥) وتهذيب الكمال (٣٢١/٦). (٢) تهذيب تاريخ دمشق (٣٤٩/٤) وتهذيب الكمال (٣٢١/٦ - ٣٢٢). ترجمة - حميد بن عبد الرحمن - في طبقات ابن سعد ( ١٥٣/٥) وتاريخ خليفة (٣٣٦) وطبقاته (٢٤٢) وتاريخ (٣) البخاري (٣٤٥/٢) ووفيات الأعيان (٢٨٤/٤) وأسد الغابة (٥٤/٢) وتهذيب الكمال (٣٧٨/٧ - ٣٨١) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٣٣٧) وسير أعلام النبلاء (٢٩٣/٤ - ٢٩٤) والوافي بالوفيات (١٣ /١٩٥) وتهذيب التهذيب (٥٤/٢). (٤) ما بين معكوفين زيادة من ط وهي توافق ما في المصادر . (٥) ترجمة - مطرف بن عبد الله - في طبقات ابن سعد ( ٧/ ١٤١ - ١٤٦) وتاريخ خليفة (١٩٧) وطبقاته ( ١٩٧) وتاريخ البخاري (٣٩٦/٧) وحلية الأولياء (١٩٨/٢ - ٢١٢) وتهذيب الكمال (٢٨/ ٦٧) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٧٩ - ٤٨٢) وسير أعلام النبلاء (١٨٧/٤ - ١٩٥) والإصابة (٤٧٨/٣ - ٤٧٩) وتهذيب التهذيب ( ١٧٣/١٠ - ١٧٤) والنجوم الزاهرة (٢١٤/١) وشذرات الذهب (٣٨٧/١). (٦) سبق وأن عرّفنا بكتاب التكميل للمؤلف رحمه الله . (٧) تاريخ الطبري (٦/ ٤٨٧). ٣٢٨ أحداث سنة ٩٦ هـ ثم دخلت سنة ست وتسعين وفيها فتح قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى كاشغر(١) من أرض الصين وبعث إلى ملك الصين رسلاً يتهدده ويتوعده ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده ويختم ملوكهم وأشرافهم ، ويأخذ الجزية [ منهم أو يدخلوا في الإسلام ] فدخل الرسل على الملك [ الأعظم فيهم ، وهو في مدينة عظيمة ، يقال إن عليها تسعين باباً في سورها المحيط بها يقال لها خان بالق ، من أعظم المدن وأكثرها ريعاً ومعاملات وأموالاً ، حتى قيل إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين لا يحتاجون إلى أن يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم ومتاعهم ، وغيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة ، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدي إلى ملك الصين الخراج ، لقهره وكثرة جنده وعدده . والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظيمة حصينة ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاءٍ ، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة ، بقدر مدينة كبيرة ، فقال لهم ملك الصين : ما أنتم ؟ - وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة (٢) - فقال الملك لترجمانه : قل لهم : ما أنتم وما تريدون ؟ فقالوا : نحن رسل قتيبة بن مسلم ، وهو يدعوك إلى الإسلام ، فإن لم تفعل فالجزية ، فإن لم تفعل فالحرب . فغضب الملك وأمر بهم إلى دار ، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم : كيف تكونون في عبادة إلّهكم ؟ فصلّوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم ، فقال : كيف تكونون في بيوتكم ؟ فلبسوا ثياب مهنهم ، فأمرهم بالانصراف ، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال : كيف تدخلون على ملوككم ؟ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك ، فقال لهم : ارجعوا فرجعوا ، فقال الملك لأصحابه ، كيف رأيتم هؤلاء ؟ فقالوا ، هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى ، وهم أولئك . فلما كان اليوم الثالث : أرسل إليهم فقال لهم كيف تلقون عدوكم ؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبَيْضَ وتقلّدوا السيوف ونكبو(٣) القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا ، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة ، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمِّرين ، فقيل لهم : ارجعوا - وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها ، فقال الملك (١) كاشغر: بالتقاء الساكنين، والشين المعجمة والغين أيضاً وراء : مدينة وقرى ورساتيق يسافر إليها من سمرقند وتلك النواحي ، وهي في وسط بلاد الترك وأهلها مسلمون . معجم البلدان (٤/ ٤٣٠). (٢) في الطبري (٥٠١/٦) فانتخب قتيبة من عسكره اثنى عشر رجلاً، وقال بعضهم: عشرة .. فساروا وعليهم هبيرة بن المُشَمْرِج الكلابي . والخبر أيضاً في الكامل لابن الأثير (٥/٥ -٦). (٣) في ابن الأثير (٥/ ٦): وأخذوا السيوف والرماح والقسي وركبوا . ٣٢٩ أحداث سنة ٩٦ هـ لأصحابه : كيف ترونهم ؟ فقالوا : ما رأينا كهؤلاء قط . فلما أمسوا بعث إليهم الملك أن ابعثوا إليّ زعيمكم وأفضلكم ، فبعثوا إليه هبيرة ، فقال له الملك حين دخل عليه : قد رأيتم عظم ملكي ، وليس أحد يمنعكم مني ، وأنتم بمنزلة البيضة في كفي ، وأنا سائلك عن أمر فإن تصدقني وإلا قتلتك ، فقال : سل ! فقال الملك : لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث ؟ فقال : أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم ، وأما ما فعلنا ثاني يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا ، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا . فقال الملك : ما أحسن ما دبرتم دهركم ، فانصرفوا إلى صاحبكم - يعني قتيبة - وقولوا له ينصرف راجعاً عن بلادي ، فإني قد عرفت حرصه وقلة أصحابه ، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم . فقال له هبيرة : تقول لقتيبة هذا ؟! فكيف يكون قليل الأصحاب مَنْ أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون ؟ وكيف يكون حريصاً من خلّف الدنيا قادراً عليها ، وغزاك في بلادك ؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فإنا نعلم أن لنا أجلاً إذا حضر فأكرمها عندنا القتل ، فلسنا نكرهه ولا نخافه . فقال الملك : فما الذي يرضي صاحبكم ؟ فقال : قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك ، ويختم ملوكك ، ويجبي الجزية من بلادك ، فقال أنا أبُ يمينه وأخرجه منها ، أرسل إليه بتراب من أرضي ، وأربع غلمان من أبناء الملوك ، وأرسل إليه ذهباً كثيراً وحريراً وثياباً صينية لا تقوّم ولا يدري قدرها }(١) ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة ، ثم اتفق الحال على أن بعث بصحافٍ من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة ، وبعث بجماعة من أولاده وأولاد الملوك ليختم رقابهم ، وبعث بمال جزيل ليبرَّ بيمين قتيبة [ وقيل إنه بعث أربعمئة (٢) من أولاده وأولاد الملوك ] فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه ، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين(٣) ، فانكسرت همته لذلك ، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك ، وأراد الدعوة إلى نفسه (٤) [ لما تحت يده من العساكر ، ولما فتح من البلاد والأقاليم ] فلم يمكنه ذلك ، ثم قُتل في آخر هذه السنة رحمه الله تعالى ، فإنه يقال إنه ما كسرت له راية ، وكان من المجاهدين في سبيل الله ، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره . وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة ، وغزا العباس بن الوليد الروم ، ففتح طولس والمرزبانين من بلاد الروم ]°) . (١) ما بين معكوفين ساقط من أ، ب وهو يوافق ما في المصادر. في الطبري (٥٠٣/٦) وابن الأثير (٧/٥): وأربعة غلمان من أبناء ملوكهم. (٢) (٣) في الطبري وابن الأثير : فأوفد قتيبة إلى الوليد فمات بقرية من فارس . في الطبري (٥٠٧/٦ - ٥٠٨) ما ملخصه : أن قتيبة أرسل إلى سليمان ؛ لئن وليت يزيد بن المهلب خراسان (٤) لأخلعنك . (٥) ما بين معكوفين ساقط من أ، ب والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٢٦٤). ٣٣٠ أحداث سنة ٩٦ هـ وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بانيه أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان جزاه الله عن المسلمين خيراً ، وكان أصل موضع هذا الجامع قديماً معبداً بنته اليونان والكلدانيون الذين كانوا يعمرون دمشق ، وهم الذين وضعوها وعمروها أولاً، فهم أول من بناها١) ، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة ، وهي القمر في السماء الدنيا ، وعطارد في السماء الثانية ، والزهرة في السماء الثالثة ، والشمس في الرابعة ، والمريخ في الخامسة ، والمشتري في السادسة ، وزحل في السابعة . وقد كانوا صوّروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلاً لكوكب من هذه الكواكب السبعة ، وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصداً لذلك [ فنصبوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل ] وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة ، وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلّموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها ، وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين ، وصرفوه أنهاراً تجري إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة ، وسلكوا الماء في أثناء(٢) أبنية الدور بدمشق [ فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن ، بل هي أحسنها ، لما فيها من التصاريف العجيبة ، وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جهة القطب ، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي ، وكانت محاريبهم تجاه الشمال ، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة ، خلف المحراب اليوم ، كما شاهدنا ذلك عياناً ، ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب ، ورأينا الباب وهو باب حسن مبني بحجارة منقوشة ، وعليه كتاب بخطهم ، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة إليه ، وكان غربى المعبد قصر منيف جداً تحمله هذه الأعمدة التى باب البريد ، وشرقي المعبد قصر جيرون الملك ، الذي كان ملكهم ، وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديما٣ً) منهم ، ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك ، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف ، بحجارة كبار منحوتة ، وهن دار المطبق ، ودار الخيل ، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية . قال الحافظ ابن عساكر(٤) فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل : إنهم مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة ، وقد حفروا أساس الجدران حتى واتاهم الوقت الذي طلع فيه الكوكبان (١) ذكر ياقوت في معجم البلدان (٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤) الخلاف فيمن بنى دمشق، وأوسع في ذلك ابن عساكر في تاريخ دمشق (١١/١-٢٣) ط : دار الفكر . (٢) في ط : أفناء . وقال ياقوت في معجمه (٢/ ٤٦٥): ومن خصائص دمشق التي لم أر في بلد آخر مثلها كثرة الأنهار بها وجريان الماء في قنواتها ، فقلّ أن تمر بحائط إلّا والماء يخرج منه في أنبوب إلى حوض يشرب منه ويستقي الوارد والصادر ، وما رأيت مسجداً ولا مدرسة ولا خانقاهاً إلا والماء يجري في بركة في صحن هذا المكان ويسحُّ في ميضأة . (٣) مكان العبارة في ب : وشرقيه داران يكونان لمن يتملك دمشق قديماً . وثمة خلافات بسيطة بين النسخ ضربنا صفحاً عنها ، وأثبتنا ما تأكدنا مطابقته للمصادر . (٤) تاريخ دمشق (٢/ ٢٥٧) . ٣٣١ أحداث سنة ٩٦ هـ اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبداً ولا تخلو منه العبادة ، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة . قلت : أما المعبد فلم يخل من العبادة . قال كعب الأحبار : لا يخلو منها حتى تقوم الساعة . وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية ، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره ، فبادت وصارت مساكن لأضعف الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا وبالله المستعان . والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مدداً طويلة ، تزيد على أربعة آلاف سنة ، حتى أنه يقال إن أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود عليه الصلاة والسلام ، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة ، وقد ورد إبراهيم الخليل عليه السلام شمالي دمشق عند برزه١) ، وقاتل هناك قوماً من أعدائه فظفر بهم ، ونصره الله عليهم ، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة ، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة يأثرونه كابراً عن كابر وإلى زماننا ، والله أعلم . وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان [وكانوا خلقاً لا يحصيهم إلا الله ] وهم خصماء الخليل ، وقد ناظرهم في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع ، كما قررنا ذلك في التفسير، وفي قصة الخليل من كتابنا هذا (( البداية والنهاية)) ولله الحمد وبالله المستعان. والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبك وغيرها ، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة ، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمئة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين ، الذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم التي تنسب إليه وهي القسطنطينية ، وهو الذي وضع لهم القوانين [ وقد كان أولًا هو وقومه وغالب أهل الأرض يوناناً ] ووضعت له بطاركته النصارى ديناً مخترعاً مركباً من أصل دين النصرانية ، ممزوجاً بشيء من عبادة الأوثان ، وصلّوا به إلى الشرق ، وزادوا في الصيام ، وأحلّوا الخنزير ، وعلّموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون ، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة ، وجناية كثيرة حقيرة ، وهي مع ذلك في الحجم صغيرة . وقد تكلّمنا على ذلك فيما سلف وبيّناه . فبنى لهم الملك الذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى ، كنائس كبيرة في دمشق وفي غيرها ، حتى يقال إنه بنى اثنتي عشرة ألف كنيسة [وأوقف عليها أوقافاً دارّة ] ، من ذلك كنيسة بيت لحم ، وقمامة في القدس ، بنتها أم هيلانة الغندقانية ، وغير ذلك . (١) ذكر ياقوت في معجمه (٤٦٤/٢) إن إبراهيم عليه السلام ولد في غوطة دمشق في قرية يقال لها برزة في جبل قاسيون . ٣٣٢ أحداث سنة ٩٦ هـ والمقصود أنهم حولوا بناء هذا المعبد الذي هو بدمشق معظماً عند اليونان فجعلوه كنيسة مريحنا ، وبنوا بدمشق كنائس كثيرة غيرها مستأنفة ، واستمر النصارى على دينهم بدمشق وغيرها نحواً من ثلاثمئة سنة، حتى بعث الله محمداً ◌َّلير ، فكان من شأنه صلوات الله وسلامه عليه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة [ من هذا الكتاب ] وقد بعث إلى ملك الروم في زمانه - وهو قيصر ذلك الوقت ـ واسمه هرقل يدعوه إلى الله عزَّ وجلَّ - وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبي سفيان صخر بن حرب ما تقدم - ثم بعث أمراءه الثلاثة ، زيد بن حارثة مولاه ، وجعفر بن أبي طالب ، وابن رواحة ، إلى البلقاء من تخوم الشام ، فبعث الروم إليهم جيشاً كبيراً فقتلوا هؤلاء الأمراء وجماعة ممن معهم من الجيش ، فعزم النبي مَّ على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك ، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر ، وضعف الحال ، وضيقه على الناس . ثم لما توفى الله نبيه وَل بعث الصدّيق الجيوش قبل الشام، وإلى العراق كما تقدم تفصيل ذلك في كتابنا هذا ولله الحمد ، ففتح الله على المسلمين الشام بكمالها ، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها ، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها ، فلما استقرت اليد الإسلامية عليها وأنزل الله رحمته فيها ، وساق برّه إليها ، وكتب أمير الحرب وهو أبو عبيدة إذ ذاك ، وقيل خالد بن الوليد ، لأهل دمشق كتاب أمان ، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة ، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا ، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف ، وأخذت النصارى الأمان من أبي عبيدة ، وكان على باب الجابية الصلح ، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحاً ونصفه عنوة ، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجداً - وكان قد صارت إليه إمرة الشام لعزل عمر خالداً وتوليته أبا عبيدة - ، وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه ، التي يقال لها محراب الصحابة . ولكن لم يكن الجدار مفتوقاً بمحراب محني ، وإنما كانوا يصلّون عند هذه البقعة المباركة ، والظاهر أن الوليد هو الذي فتق المحاريب في الجدار القبلي . وقد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب ، وجعلوه من البدع المحدثة ، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد ، وهو باب المعبد الأعلى من جهة القبلة ، مكان المحراب الكبير [ الذي في المقصورة اليوم ] فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم ، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم ، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم ، ولا يضربوا بناقوسهم ، إجلالاً للصحابة ومهابة وخوفاً . وقد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الإمارة قبلي المسجد الذي كان للصحابة ، وبنى فيها قبة خضراء ، فعرفت الدار بكمالها بها ، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا . ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من سنة أربع عشرة ، إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها ، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها ، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها ؛ وجعل الجميع مسجداً واحداً ، وذلك لأن بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للإنجيل ، ورفع أصواتهم في صلواتهم ، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين ، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا فيكبر به ٣٣٣ أحداث سنة ٩٦ هـ المسجد الجامع ، فيصير كله معبداً للمسلمين ، ويتسع المسجد لكثرة المسلمين ، فعند ذلك طلب النصارى وسأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان ، ويعوضهم إقطاعات كثيرة ، عرضها عليهم ، وأن يقر لهم أربع كنائس لم تدخل في العهد ، وهي كنيسة مريم ، وكنيسة المصلّبة داخل باب شرقي ، وكنيسة تل الجبن ، وكنيسة حميد بن درّة التي بدرب الصقل ، فأبوا ذلك أشد الإباء ، فقال : ائتوني بعهدكم ، فأتوا بعهدهم الذي بأيديهم من زمن الصحابة ، فقرىء بحضرة الوليد ، فإذا كنيسة توما - التي كانت خارج باب توما على حافة النهر - لم تدخل في العهد ، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا ، فقال الوليد : أنا أهدمها وأجعلها مسجداً ، فقالوا : بل يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى ونطيب له نفساً ببقية هذه الكنيسة ، فأقرَّهم على تلك الكنائس ، وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة . ويقال إن الوليد لمَّا أهمّه ذلك وعرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله . دخل عليه بعض الناس فأرشده إلى أن يقيس من باب شرقي ومن باب الجابية ، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة وذلك أنهم قاسوا من باب شرقي ومن باب الجابية فوجدوا منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريباً ، فإذا الكنيسة قد دخلت في العنوة ، فأخذها١) [ وحكي عن المغيرة مولى الوليد قال: دخلت على الوليد فوجدته مهموماً فقلت : ما لك يا أمير المؤمنين مهموماً ؟ فقال : إنه قد كثر المسلمون وقد ضاق بهم المسجد ، فأحضرت النصارى وبذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا ، فقال المغيرة : يا أمير المؤمنين عندي ما يزيل همك ، قال : وما هو ؟ قلت : الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من باب شرقي بالسيف ، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبي عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم ، وفتحوا له باب الجابية ، فدخل منه أبو عبيدة بالصلح ، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه ، وما بالصلح تركناه بأيديهم ، وأرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة ، فتدخل في المسجد . فقال الوليد : فرجت عني ، فتول أنت ذلك بنفسك ، فتولاه المغيرة ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان فوجد السيف لم يزل عاملاً حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربع أذرع وكسر ، فدخلت الكنيسة في المسجد ، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم وقال : إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم ، فقالوا : إنك أولًا دفعت إلينا الأموال ، وأقطعتنا الإقطاعات فأبينا ، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقى لنا هذه الكنائس الأربعة بأيدينا ، ونحن نترك له بقية هذه الكنيسة ، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس ، والله أعلم . وقيل : إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم(٢) عند باب الفراديس داخله فسموها مريحنا باسم التي هُدمت لهم ، وأخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها ، فالله أعلم . (١) تاريخ دمشق (٢٥٥/٢) . (٢) في ب: السقيم؛ تحريف ، والخبر في تاريخ دمشق (٢/ ٢٥٢) ط: دار الفكر. ٣٣٤ أحداث سنة ٩٦ هـ ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم واجتمع إليه الأمراء والكبراء من رؤوس الناس ، وجاء إليه أساقفة النصارى وقساوستهم فقالوا : يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتابنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن(١) ، فقال الوليد : أنا أحب أن أجن في الله عزَّ وجلَّ ، ووالله لا يهدم فيها أحد قبلي ، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات ، وكانت صومعة هائلة فيها راهب عندهم ، فأمره الوليد بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك ، فأخذ الوليد بقفاه فلم يزل يدفعه حتى أنزله ، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها ، الذي يسمونه الشاهد ، وأخذ أذيال قبائه وكان لونه أصفر سفرجلياً فغرزها٢) في المنطقة ، ثم أخذ فأساً بيده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه ، فتبادر الأمراء إلى الهدم ، وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات ، وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون ، وكانوا قد اجتمعوا هنالك ، فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رياح الغساني ، أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك ، ففعل ذلك وأمر نائبه على الخراج يزيد بن تميم بن حجر السُّلمي بإحضار اليهود ليساعدوا في هذه الكنيسة ؛ فجاؤوا فكانوا كالفعول . ذكره الحافظ ابن عساكر(٣) في ترجمة يزيد بن تميم هذا٤) . فهدم الوليد والأمراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح والأبنية والحنايا ، حتى بقي المكان صرحة مربعة ، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة ، التي لم يشتهر مثلها قبلها على ما سنذكره ونشير إليه . وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقاً كثيراً من الصناع والمهندسين والفعلة ، وكان المستحث على عمارته أخوه وولي عهده من بعده سليمان بن عبد الملك ، ويقال إن الوليد بعث إلى ملك الروم يطلب منه صُنّاعاً في الرخام وغير ذلك ، ليعمروا المسجد على ما يريد ، وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزونّ بلاده بالجيوش ، وليخربن كل كنيسة في بلاده ، حتى كنيسة القدس ، وكنيسة الرُّها ، وسائر آثار الروم ، فبعث ملك الروم إليه صناعاً كثيرة جداً ، مئتي صانع ، وكتب إليه يقول : إن كان أبوك فهم هذا الذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك ، وإن لم يكن فهمه ، وفهمته أنت لوصمة عليه ، فلما وصل ذلك الكتاب إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك ، واجتمع الناس عنده لذلك ، وكان فيهم الفرزدق الشاعر ، فقال : أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله . قال الوليد : وما هو ويحك ؟ فقال : قال الله تعالى : ﴿فَفَهَمْنَهَا سُلَيْمَنَّ وَكُلَّ ءَانَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] وسليمان هو ابن داود، ففهَّمه الله ما لم يفهمه (١) في معجم البلدان (٢ / ٤٦٦): خُنِقَ . (٢) مكانها في ط : وهو - أي الشاهد - تمثال في أعلى الكنيسة، فقال له الرهبان: احذر الشاهد، فقال: أنا أول ما أضع فأسي في رأس الشاهد ، ثم كبّر وضربه فهدمه ، وكان على الوليد قباء أصفر سفرجلي قد غرز أذياله .. (٣) تاريخ دمشق ( ١٣٤/٦٥ و٢٥٤/٢) . (٤) من قوله : وأمر نائبه على الخراج ... إلى هنا زيادة من ب. ٣٣٥ أحداث سنة ٩٦ هـ أبوه . فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جواباً إلى ملك الروم . وقد قال الفرزدق في ذلك : فرَّقتَ بينَ النصارى في كنائسهمْ وهمْ جميعاً إذا صلوا وأوجههمْ وكيف يجتمعُ الناقوسُ يضربهُ فهمك الله تحويلاً لبيعتهمْ فهمتَ تحويلها عنهم كما فهما والعابدينَ معَ الأسحارِ والعتمِ شتى إذا سجدوا لله والصنم أهلُ الصليبِ معَ القراءِ لم تنمٍ عنْ مسجدٍ فيه يتلى طيِّبُ الكلمٍ إذ يحكمانِ لهمْ في الحرثِ والغنمِ أولادها واجتزاز الصوفِ بالجَلَمُ(١) خير بنينٍ ولا خيرٌ منْ الحكمٍ ٢) داود والملك المهدي إذْ جزأا ما من أبٍ حملتهُ الأرضُ نعلمهُ قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيم الدمشقي : بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد وزاد في سمك الحيطان . وقال الحسن بن يحيى الخشني : إن هوداً عليه السلام هو الذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق(٣). وقال غيره : لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات - وهي قبة النسر ، وهو اسم حادث لها ، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله ، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماءً عذباً زلالًا، ثم إنهم وضعوا فيه جرار(٤) الكرم ، وبنوا فوقها بالحجارة ، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت ؛ فقال الوليد لبعض المهندسين : أريد أن تبني لي أنت هذه القبة ، فقال : على أن تعطيني عهد الله وميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري ، ففعل . فبنى الأركان ثم غلَّفها بالبواري ، وغاب عنها سنة كاملة لا يدري الوليد أين ذهب ، فلما كان بعد السنة حضر ، فهمّ به الوليد فأخذه ومعه رؤوس الناس ، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض ، فقال له : مِن هذا أُتيت ، ثم بناها فانعقدت . وقال بعضهم : أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا المسجد ، فقال له المعمار : إنك لا تقدر على ذلك ، فضربه خمسين سوطاً ، وقال له : ويلك ! أنا أعجز عن ذلك وخراج الأرض وأموالها تجبى إليّ ؟ قال : نعم أنا أُبيّن لك ذلك ، قال : فبين ذلك ، قال : اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك ، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما أسبك منه لبنة (١) فى أ: بالحلم - بالحاء - خطأ، والجلم: ما يُجزبه، وجلم الصوف: أي جزَّه. القاموس: ( جلم). (٢) الأبيات في تاريخ دمشق (٢٥٩/٢ - ٢٦٠) مع الخبر، وديوان الفرزدق (٢٠٩/٢). (٣) الخبر في تاريخ دمشق (٢٦٠/٢). (٤) في ط : زيادة الكرم. وجرار الكرم: أصل الجبل. القاموس (جرر) . والخبر في ابن عساكر (٢/ ٢٦١). ٣٣٦ أحداث سنة ٩٦ هـ فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب ، فقال : يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا وكذا ألف لبنة ، فإن كان عندك ما يكفي من ذلك عملناه ، فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين دينار(١) [ وقال إني لا أعجز عما قلت ، ولكن فيه إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به ، ولأن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله، ورداً على ضعفاء المسلمين خير من ذلك . ثم عقدها على ما أشار به المعمار ] . ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات ، وباطنها مسطحاً مقرنصاً بالذهب ، فقال له بعض أهله : أتعبت الناس بعدك في تطيين أسطحة هذا المسجد في كل عام ، فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين ، ويكون أخف على السقف . فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم ، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة ، فساوموها فيه ، فقالت: لا أبيعه إلا بوزنه فضة (٢)، فكتبوا إلى أمير المؤمنين بذلك فقال : اشتروه منها ولو بزنته (٣) ، فلما بذلوا لها ذلك قالت : أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة لله يكون في سقف هذاالمسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع (( لله)) ويقال إنها كانت إسرائيلية ، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها : هذا ما أعطته الإسرائيلية (٤) . وقال محمد بن عائذ : سمعت المشايخ يقولون : ما تم بناء مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة ، لقد كان يفضل عند الرجل القومة يعنون الفعلة الفلس ورأس المسمار فيجيء حتى يضعه في الخزانة . وقال بعض مشايخ الدماشقة : ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللَّتان في المقام من عرش بلقيس والباقي كله مرمر(٥) . وقال بعضهم : اشترى الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر ، من حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار . وقال دُحيم ، عن الوليد بن مسلم : حدّثنا مروان بن جناح عن أبيه قال : كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مُرَجِّم . وقال أبو قصي عن دُحيم ، عن الوليد بن مسلم ، عن عمرو بن مهاجر الأنصاري : إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة(٦) التي في قبلة المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار . (١) تاريخ دمشق (٢٦٢/٢). (٢) في معجم البلدان ( ٢/ ٤٦٦) : بوزنه ذهباً . (٣) في معجم البلدان : ولو بوزنه مرتين . (٤) تاريخ دمشق ( ٢ / ٢٦٣) . (٥) تاريخ دمشق (٢/ ٢٦٦) . يقصد بذلك تلك الرسوم الملونة والمنمقة التي صنعت من قطع زجاجية صغيرة مربعة مبطنة بالذهب والألوان (٦) المختلفة ، رُصَّت أمام بعضها بتنسيق في غاية الاتقان ، فأظهرت رسومات رائعة للأشجار والقصور والورود وغير ذلك مما يسمى بالفسيفساء . ٣٣٧ أحداث سنة ٩٦ هـ وقال أبو قصي : أنفق في مسجد دمشق أربعمئة صندوق من الذَّهب ، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار ، - قلت : وذلك خمسة آلاف ألف دينار وستمئة ألف دينار - . وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار(١) : قلت : فعلى هذا يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار ، ومائتي ألف دينار . [ وقيل إنه صرف أكثر من ذلك بكثير ] والله أعلم . قال أبو قصي : وأتى الحرسي إلى الوليد فقال : يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها . فنودي في الناس : الصلاة جامعة . فاجتمع الناس فصعد الوليد المنبر وقال : إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها ، ثم قال : يا عمرو بن مهاجر ، قم فأحضر أموال بيت المال ، فحملت على البغال إلى الجامع ، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر ، ثم أفرغ عليها المال ذهباً صبيباً ، وفضة خالصة ، حتى صارت كوماً ، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الآخر من الجانب الآخر ، وهذا شيء كثير ، ثم جيء بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفي الناس ثلاث سنين مستقبلة ، وفي رواية ست عشرة سنة مستقبلة ، لو لم يدخل للناس شيء بالكلية ؛ ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله عزَّ وجلَّ على ذلك ، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين . فقال لهم الوليد : يا أهل دمشق ، والله ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئاً من بيوت المال ، وإنما هذا كله من مالي ، لم أرزأكم من أموالكم شيئاً . ثم قال الخليفة : يا أهل دمشق ، إنكم تفخرون على الناس بأربع ، بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم ، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع(٢). وقال بعضهم : كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلاذورد ، في كل منها : بسم الله الرحمن الرحيم ، الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، لا تأخذه سنة ولا نوم . لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد ◌َّ أمر ببنيان هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله أمير المؤمنين الوليد ، في ذي القعدة سنة ست وثمانين . وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح : الحمد الله رب العالمين ، الرحمن الرحيم إلى آخر السورة . ثم النازعات ، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت . قالوا : ثم مُحيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق (٣) . وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلّها ، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات ، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب ، وفوق الكرمة الفصوص المذَهَّبة والخضر والحمر والزرق والبيض ، قد صوروا بها سائر (١) تاريخ دمشق (٢٦٨/٢). (٢) المصدر نفسه (٢٦٩/٢). (٣) المصدر السابق. ٣٣٨ أحداث سنة ٩٦ هـ البلدان المشهورة ، الكعبة فوق المحراب ، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة ، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك ، وسقفه مقرنص بالذهب ، والسلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب وفضة ، وأنوار الشموع في أماكنه مفرقة . قالوا : وكان في محراب الصحابة منه برنية (١) حجر من بلور ، ويقال بل كانت حجراً من جوهر وهي الدرة ، وكانت تسمى القُليلة ، وكانت إذا طُفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها ، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد - وكان يحب البلور وقيل الجوهر - بعث إلى سليمان والي شرطة دمشق أن يبعث بها إليه ، فسرقها وسيّرها إلى الأمين ، فلما ولي المأمون ردّها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين . قال الحافظ ابن عساكر(٢) ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج ، قال : وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء . قالوا : وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق ، وإنما كان عليها الستور مرخاة ، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكرمة التي فوقها الفصوص المذهبة ، ورؤوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير ، وعملوا له شرفات تحيط به ، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مأذنة العروس ، فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة ، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جداً ، بنتها اليونان للرصد ، فسقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن ، وقد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمئة ، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى ، حيث اتهموا بحريقها ، فقامت على أحسن الأشكال(٣) ، بيضاء بذاتها وهي والله أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال ، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم(٤) عن النواس بن سمعان . والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه ، ولا أبهى ولا أجمل منه ، بحيث إنه إذا نظر الناظر في أي جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيما ينظر إليه لحسنه وجماله ولا يمل ناظره ، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى ، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية ، لا من الحيات ولا من العقارب ، ولا الخنافس ولا العناكيب ، ويقال ولا العصافير أيضاً تعشش فيه ، ولا الحمام ولا شيء مما يتأذى به البرنية : إناء من خزف . القاموس ( برن ). (١) (٢) تاريخ دمشق (٢٧٨/٢ - ٢٧٩) . (٣) قال الذهبي في العبر - ضمن أحداث سنة ٧٤٠هـ ـ وفي سادس عشر شوال وقع بدمشق حريق كبير شمل سوق اللبادين القبلية وما تحتها ومافوقها إلى عند سوق الكتب ، واحترق سوق الوراقين وسوق الذهب وحاصل الجامع وما حوله والمأذنة الشرقية وعدم للناس فيه من الأموال والمتاع ما لا يحصر ، وقد ذهب بهذا الحريق أموال الناس وأتى على المباني بأجمعها . (٤) صحيح مسلم رقم (٢٩٣٧) في الفتن وأشراط الساعة . ٣٣٩ أحداث سنة ٩٦ هـ الناس ، وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف الجامع ، ممايلي السبع ، فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر سنة إحدى وستين وأربعمئة ١) [ في دولة الفاطميين ] كما سيأتي ذلك في موضعه . وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باقٍ إلى يومنا هذا ، والله أعلم . فمن ذلك العمود الذي في رأسه مثل الكرة بسوق الشعير عند قنطرة أم حكيم وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين ، ذكر أهل(٢) دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان ، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق بوله ، وذلك مجرب من عهد اليونان(٣) وما زال سليمان بن عبد الملك يعمل في تكملة الجامع المعمور وزيادته مدة ولايته ، وجددت له فيه المقصورة ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز عزم على أن يجرده مما فيه من الذهب ، ويقلع السلاسل والرخام والفسيفساء(٤) ، ويردّ ذلك كله إلى بيت المال ، ويجعل مكان ذلك كله طيناً ، فشق ذلك على أهل البلد واجتمع أشرافهم إليه . وقال خالد بن عبد الله القسري : أنا أكلمه لكم فلما اجتمعوا قال له خالد : يا أمير المؤمنين بلغنا عنك أنك تريد أن تصنع كذا وكذا ، قال : نعم ! فقال خالد : ليس ذلك لك يا أمير المؤمنين ، فقال عمر : ولم يا بن الكافرة ؟ - وكانت أمه نصرانية رومية أم ولد - فقال : يا أمير المؤمنين إن كانت كافرة فقد ولدت رجلاً مؤمناً ، فقال : صدقت ، واستحيا عمر ثم قال له : فلم قلت ذلك ؟ قال : يا أمير المؤمنين لأن غالب ما فيه من الرخام إنما حمله المسلمون من أموالهم من سائر الأقاليم ، وليس هو لبيت المال ، فأطرق عمر . قالوا : واتفق في ذلك الزمان قدوم جماعة من بلاد الروم رسلاً من عند ملكهم ، فلما دخلوا من باب البريد وانتهوا إلى الباب الكبير الذي تحت النسر ، ورأوا ما بهر عقولهم من حسن الجامع الباهر ، والزخرفة التي لم يسمع بمثلها ، صعق كبيرهم وخر مغشياً عليه ، فحملوه إلى منزلهم ، فبقي أياماً مدنفاً ، فلما تماثل سألوه عما عرض له فقال : ما كنت أظن أن يبني المسلمون مثل هذا البناء ، وكنت أعتقد أن (١) قال القلانسي في تاريخ (١٦٢) : سبب الحريق خلاف وقع بين العسكر وأهل دمشق ، بين المغاربة والمشارقة ؛ وطرحت النار في جانب دمشق فاحترقت واتصلت النار بجامعها فاحترق . والخبر في تاريخ دمشق (٢/ ٢٨١). (٢) في أ : مشايخ . في ط زيادة من النساخ آثرنا إثباتها هنا لفائدتها : قال ابن تيمية عن هذا العمود : إن تحته مدفون جبار عنيد ، كافر (٣) يعذب ، فإذا داروا بالحيوان حوله سمع العذاب فراث وبال من الخوف ، قال : ولهذا يذهبون بالدواب إلى قبور النصارى واليهود والكفار ، فإذا سمعتْ أصوات المعذبين انطلق بولها . والعمود المشار إليه ليس له سر ، ومن اعتقد أن فيه منفعة أو مضرة فقد أخطأ خطأً فاحشاً . وقيل : إن تحته كنزاً وصاحبه عنده مدفون ، وكان ممن يعتقد الرجعة إلى الدنيا كما قال تعالى: ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا حَيَانُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [ المؤمنون: ٣٧] والله سبحانه وتعالى أعلم. (٤) مكانها في أ: والسقوف، والخبر بأتمه في تاريخ دمشق (٢٧٤/٢ _ ٢٧٥). ٣٤٠ أحداث سنة ٩٦ هـ مدتهم تكون أقصر من هذا ، فلما بلغ ذلك عمر بن عبد العزيز قال : أو إن هذا ليغيظ الكفار ، دعوه . وسألت النصارى في أيام عمر بن عبد العزيز أن يعقد لهم مجلساً في شأن ما كان أخذه الوليد منهم فأدخله في الجامع ، فحقق عمر القضية ، ثم نظر فإذا الكنائس التي هي خارج البلد لم تدخل في الصلح الذي كتبه لهم الصحابة وكان عمر عادلاً ، فرأى أن يرد عليهم ما أُخذ منهم ، مثل كنيسة دير مران [ بسفح قاسيون ، وهي بقرية المعظمية ] وكنيسة الراهب ، وكنيسة توما خارج الباب ، وسائر الكنائس التي بقرى الحواجز ، فخيرهم بين رد ما سألوه وتخريب هذه الكنائس كلها ، أو تبقى تلك الكنائس ويطيبوا نفساً للمسلمين بهذه البقعة ، فاتفقت آراؤهم بعد ثلاثة أيام على إبقاء تلك الكنائس ، ويكتب لهم كتاب أمان بها ، ويطيبوا نفساً بهذه البقعة ، فكتب لهم كتاب أمان من عمر بن عبد العزيز(١). والمقصود أن الجامع الأموي كان حين تكامل بناؤه ليس له في الدنيا مثيل في حسنه وبهجته . قال الفرزدق : أهل دمشق في بلادهم قصر من قصور الجنة - يعني الجامع - . وقال أحمد بن أبي الحواري : عن الوليد بن مسلم ، عن ابن ثوبان : ما ينبغي لأحد من أهل الأرض أن يكون أشد تشوقاً إلى الجنة من أهل دمشق ، لما يرون من حسن مسجدها٢) قالوا : ولما دخل أمير المؤمنين المهدي دمشق يريد زيارة القدس نظر إلى جامع دمشق فقال لكاتبه أبي عبيد الله الأشعري : سبقنا بنو أمية بثلاث، بهذا المسجد الذي لا أعلم على وجه الأرض مثله ، وبنبل الموالي ، وبعمر بن عبد العزيز ، لا يكون والله فينا مثله أبداً . ثم لما أتى بيت المقدس فنظر إلى الصخرة - وكان عبد الملك بن مروان هو الذي بناها - قال لكاتبه: وهذه رابعة(٣) ولما دخل المأمون دمشق فنظر إلى جامعها وكان معه أخوه المعتصم ، وقاضيه يحيى بن أكثم ، قال : ما أعجب ما فيه ؟ فقال أخوه : هذه الأذهاب التي فيه ، وقال يحيى بن أكثم : الرخام وهذه العقد ، فقال المأمون : إني إنما أعجب من حسن بنيانه على غير مثال متقدم ، ثم قال المأمون لقاسم التمار: أخبرني باسم حسن أسمي به جاريتي هذه ، فقال: سمها مسجد دمشق ، فإنه أحسن شيء(٤) . وقال عبد الرحمن : عن ابن عبد الحكم ، عن الشافعي قال : عجائب الدنيا خمسة : أحدها منارتكم هذه - يعني منارة ذي القرنين بإسكندرية - والثانية أصحاب الرقيم وهم بالروم اثنا عشر رجلاً ، والثالثة مرآة ببلاد الأندلس على باب مدينتها ، يجلس الرجل تحتها فينظر فيها صاحبه من مسافة مئة فرسخ . وقيل ينظر مَن بالقسطنطينية ، والرابع مسجد دمشق وما يوصف من الإنفاق عليه ، والخامس الرخام تاريخ دمشق ( ٢٧٣ - ٢٧٤). (١) (٢) تاريخ دمشق ( ٢/ ٢٤٦) . المصدر نفسه (٢٤٦/٢ - ٢٤٧). (٣) (٤) المصدر السابق (٢/ ٢٤٧) .