النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
وفيات سنة ٨١ هـ
العراق فدخلوا البصرة واجتمعوا بأهاليهم وشموا أولادهم ، ودخل ابن الأشعث البصرة فخطب الناس
وبايعهم وبايعوه على خلع عبد الملك ونائبه الحجاج بن يوسف ، وقال لهم ابن الأشعث : ليس الحجاج
بشيء ، ولكن اذهبوا بنا إلى عبد الملك لنقاتله ، ووافقه على خلعهما جميع مَنْ في البصرة من الفقهاء
والقرّاء والشيوخ والشباب ، ثم أمر ابن الأشعث بخندق حول البصرة فَعُمِل ، وكان ذلك في أواخر ذي
الحجة من هذه السنة سنة إحدى وثمانين .
وحج بالناس فيها سليمان بن عبد الملك (١) فيما ذكره الواقدي وأبو معشر، والله سبحانه وتعالى
أعلم .
[ وفيها غزا موسى بن نصير أمير بلاد المغرب من جهة عبد الملك بلاد المغرب فافتتح مدناً كثيرة ،
وأراضي عامرة ، وأوغل في بلاد المغرب إلى أن وصل إلى الرقاق المنبثق من البحر الأخضر المحيط ،
والله أعلم (٢) .
وممن توفي فيها من الأعيان :
بَحير بن وِقاء الصُّريمي(٣) البصري أحد الأشراف بخراسان ، والقواد وهو الذي حارب ابن خازم
وقتله ، وتولى قتل بكير بن وشاح ثم مات في هذه السنة .
سويد بن غفلة (٤) بن عوسجة بن عامر ، أبو أمية الجعفي [ الكوفي، شهد اليرموك، وحدَّث عن
جماعة من الصحابة ]، وكان من كبار المخضرمين ويقال إنه رأى النبي ◌َّ -.
وكان مولده عام ولد النبي(6) وَ ل وصلى معه، والصحيح أنه لم يره ، وقيل: إنه ولد بعده
بسنتين (٦).
(١) في أ، ط : إسحاق بن عيسى ؛ وهذا خطأ واضح إذ الأخير أحد الرواة الذين رووا الخبر عن أبي معشر. تاريخ
الطبري (٣٤١/٦) وابن الأثير (٤٦٦/٤) وتاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص٧).
(٢) ما بين معكوفين زيادة من ط؛ والخبر في تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٨١- ١٠٠ / ص٦).
(٣) وردت أخباره في حوادث سنة سبع وسبعين للهجرة ، وهذه السنة ، وانظر أيضاً تاريخ الطبري (٦٢٤/٥ و٦٢٥)
و(١٧٦/٦ و١٧٧ و١٩٩ و٢٠١ و٣١١ و٣١٢ وغيرها) وابن الأثير (٢٠٩/٤ و٣٤٥ و ٣٦٨ و٤٤٤ و ٤٤٧) وتاريخ
الإسلام ( حوادث سنة ٨١- ١٠٠ / ص٤٥) والوافي بالوفيات (٨٤/١٠).
(٤) ترجمة - سويد بن غفلة - في طبقات ابن سعد (٦٨/٦) وتاريخ خليفة (٢٨٨) وطبقاته (١٤٦) وحلية الأولياء
(١٧٤/٤) والاستيعاب (١١٦/٢) وأسد الغابة (٣٧٩/٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص٧٥)
وسير أعلام النبلاء (٦٩/٤) والإصابة (١٠٠/٢) وشذرات الذهب (٩٠/١).
(٥) المعرفة والتاريخ (٢٣٥/١).
(٦) تاريخ البخاري (١٤٢/٤) وحلية الأولياء (٤/ ١٧٤).

١٨٢
وفيات سنة ٨١ هـ
وعاش مئة وعشرين سنة لم يُرَ يوماً محتبياً ولا متسانداً ، وافتض بكراً عام وفاته في سنة إحدى
وثمانين ، قاله أبو عبيد وغير واحد .
وقيل إنه توفي في سنة ثنتين وثمانين(١) ، فالله أعلم .
عبد الله بن شداد بن الهاد(٢) كان من العباد الزهاد ، والعلماء ، وله وصايا وكلمات حسان ، وقد
روى عدة أحاديث عن الصحابة وعن خلق من التابعين(٣)
محمد بن علي بن أبي طالب(٤) أبو القاسم وأبو عبد الله أيضاً ، وهو المعروف بابن الحنفية ، وكانت
سوداء سندية من سبي بني حنيفة اسمها خولة .
ولد محمد في خلافة عمر بن الخطاب ، ووفد على معاوية وعلى عبد الملك بن مروان .
وكان صرَع مروان يوم الجمل وجلس على صدره وأراد قتله فناشده مروان بالله وتذلل له فأطلقه ، فلما
وفد على عبد الملك ذكّره بذلك فقال عفواً يا أمير المؤمنين ، فعفا عنه وأجزل له الجائزة٥) .
وكان محمد بن علي من سادات قريش ، ومن الشجعان المشهورين ، [ ومن الأقوياء المذكورين ] ،
ولما بويع لابن الزبير لم يبايعه ، فجرى بينهما شر عظيم حتى همّ ابن الزبير به وبأهله كما تقدم ذلك ، فلما
قتل ابن الزبير واستقر أمر عبد الملك وبايعه عبد الله بن عمر تابعه ابن الحنفية ، وقدم المدينة فمات بها في
هذه السنة وقيل في التي قبلها أو في التي بعدها ، ودفن بالبقيع . والرافضة يزعمون أنه بجبل رضوى (٦) ،
وأنه حي يرزق ، وهم ينتظرونه ، وقد قال كُثَيِّرِ عَزَّة في ذلك [ من الوافر ]
ولاة الحقِّ أربعةٌ سَواءُ
ألا إنّ الأئمة من قريشٍ
همُ الأسباط ليس بهم خَفاءُ
عليٌّ والثلاثةُ منْ بَنِيهِ
تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص٧٨ ).
(١)
(٢) ترجمة - عبد الله بن شداد - في طبقات ابن سعد (٧٤/٥) وطبقات خليفة (٣٣٧) والاستيعاب (٣١٣/٢) وأسد
الغابة ( ١٨٨/٣) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص١١٣) وتهذيب التهذيب (٢٦٩/٥).
(٣)
الترجمة سوى الاسم ساقطة من أ ، ب .
ترجمة - محمد بن علي بن أبي طالب - في طبقات ابن سعد (٩١/٥) ونسب قريش (٤١) وتاريخ خليفة (١٨٤
و٢٦٢) وطبقاته (٢٣٠) وتاريخ البخاري (١٨٢/١) وأنساب الأشراف (٥٧٢/١) و(٥٣/٣) وحلية الأولياء
(١٧٤/٣) وتاريخ دمشق لابن عساكر (٣١٨/٥٤ -٣٥٩) وتهذيب الكمال (٧٩/١٧) وتاريخ الإسلام (حوادث
سنة ٨١ - ١٠٠/ ص١٨١) وسير أعلام النبلاء (١١٠/٤) والوافي بالوفيات (٩٩/٤) وتهذيب التهذيب
(٣٥٤/٩) وشذرات الذهب (٣٣٠/١).
(٤)
(٥) الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص١٨٢).
(٦) جبل رضوى : جبل قرب ينبع. معجم البلدان (٥١/٣) والذين يزعمون أنه حي يرزق هم الكيسانية ؛ يعتقدون
بإمامته ، وكثير عزة منهم .

١٨٣
وفيات سنة ٨١ هـ
وسبطٌ غيَّيتهُ كربلاءُ
فسبطٌ سبطُ إيمانٍ وبِّ
تعودَ الخيلُ يقدُمُها لواءُ
وسبطٌ لا تراه العينُ حتى
برضوى عنده عسل وماء (١)
تغيب لا يرى عنهم زماناً
ولما هم ابن الزبير بابن الحنفية فكتب إلى شيعتهم بالكوفة مع أبي الطفيل واثلة بن الأسقعُ(٢) وعليها
المختار بن أبي عبيد - وقد كان ابن الزبير جمع لهم حطباً كثيراً على أبوابهم ليحرقهم بالنار - فلما وصل
كتاب ابن الحنفية إلى المختار ، وقد كان يدعو إليه ويسميه المهدي ، فبعث أبا عبد الله الجدلي في أربعة
آلاف فاستنقذوا بني هاشم من يدي ابن الزبير ، وخرج معهم ابن عباس فمات بالطائف وبقي ابن الحنفية
في شيعتهم . [ فأمره ابن الزبير أن يخرج عنه فخرج إلى أرض الشام بأصحابه وكانوا نحو سبعة آلاف ،
فلما وصل إلى أيلة(٣) كتب إليه عبد الملك : إما أن تبايعني وإما أن تخرج من أرضي ، فكتب إليه ابن
الحنفية : أبايعك على أن تؤمّن أصحابي ، قال : نعم ، فقام ابن الحنفية في أصحابه ، فحمد الله وأثنى
عليه فقال : الحمد لله الذي حقن دماءكم وأحرز دينكم فمن أحب منكم أن يأتي مأمنه إلى بلده محفوظاً
فليفعل ، فرحل عنه الناس إلى بلادهم حتى بقي في سبعمئة(٤) رجل ، فأحرم بعمرة وقلد هدياً وسار نحو
مكة ، فلما أراد دخول الحرم بعث إليه ابن الزبير خيلاً فمنعه أن يدخل ، فأرسل إليه : إنا لم نأت لحرب
ولا لقتال ، دعنا ندخل حتى نقضي نسكنا ثم نخرج عنك ، فأبى عليه وكان معه بدن قد قلَّدها فرجع إلى
المدينة فأقام بها محرماً حتى قدم الحجاج وقتل ابن الزبير ، فكان ابن الحنفية في تلك المدة محرماً ، فلما
سار الحجاج إلى العراق مضى ابن الحنفية إلى مكة وقضى نسكه وذلك بعد عدة سنين ، وكان القمل يتناثر
منه في تلك المدة كلها ، فلما قضى نسكه رجع إلى المدينة أقام بها حتى مات .
" وقيل : إن الحجاج لما قتل ابن الزبير بعث إلى ابن الحنفية : قد قتل عدو الله فبايع ، فكتب إليه إذا
بايع الناس كلهم بايعت ، فقال الحجاج : والله لأقتلنك ، فقال ابن الحنفية : إن الله في كل يوم ثلاثمئة
وستين نظرة في اللوح المحفوظ ، في كل نظرة ثلاثمئة وستون قضية ، فلعل الله تعالى أن يجعلني في قضية
منها فيكفينيك ؛ فكتب الحجاج إلى عبد الملك بذلك فأعجبه قوله وكتب إليه قد عرفنا أن محمداً ليس
عنده خلاف فارفق به فهو يأتيك ويبايعك ، وكتب عبد الملك بكلامه ذلك - إن الله ثلاثمئة وستين نظرة -
إلى ملك الروم ، وذلك أن ملك الروم كتب إلى عبد الملك يتهدده بجموع من الجنود لا يطيقها أحد ،
فكتب بكلام ابن الحنفية فقال ملك الروم : إن هذا الكلام ليس من كلام عبد الملك ، وإنما خرج
(١) الأبيات في ديوان ابن الحنفية (١٨٦/٢) والملل والنحلل الشهرستاني (٢٠٠/١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة
٨١ - ١٠٠ / ص١٨٢) والوافي بالوفيات (٩٩/٤) والشعر والشعراء (٤٢٣/١) والبيت الأخير ساقط من ط .
(٢) في تاريخ الإسلام : عامر بن واثلة .
هي مدينة العقبة الآن برأس خليج العقبة في الأردن .
(٣)
(٤) في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص١٩٠) : تسعمئة رجل .

١٨٤
وفيات سنة ٨١ هـ
من بيت نبوة ، ولما اجتمع الناس على بيعة عبد الملك قال ابن عمر لابن الحنفية : ما بقي شيء فبايع ،
فکتب بیعته إلى عبد الملك ووفد عليه بعد ذلك .
توفي ابن الحنفية في المحرم بالمدينة وعمره خمس وستون سنة ، وكان له من الولد عبد الله وحمزة
وعلي وجعفر الأكبر والحسن وإبراهيم والقاسم وعبد الرحمن وجعفر الأصغر وعون ورُقية ، وكلهم
لأمهات شتى ١٤) .
وقال الزبير بن بكار : كانت شيعته تزعم أنه لم يمت وفيه يقول السيد (٢):
أطلتَ بذلكَ الجبلِ المُقاما
ألا قلْ للوصيِّ فدتْكَ نفسي
وسمَّوك الخليفَةَ والإماما
أضرَّ بمعشرٍ والَوكَ منّا
وعادوا فيكَ أَهلَ الأرضِ طرَّاً
مُقامكَ عَنْهِمُ ستينَ عاما٣ً)
ولا وارتْ لهُ أرضٌ عظاما
وما ذاقَ ابنُ خولةَ طعمَ موتٍ
تراجعُهُ الملائكةُ الكلاما
لقدْ أمسى بمورقِ شعبٍ رضوى
وأنديةً تحدِّثُهُ كراما
وإنَّ لهَ بهِ لمقيلَ صدقٍ
بهِ وعليهِ يلتمسُ الَّماما
تروا راياتِنا٦) تَتْرى نِظام٧ً)
هدانا الله إذا حزتم(٤) لأمْرٍ
المهديّ حتى
تمامَ مودّةٍ (٥)
وقد ذهب طائفة من الرافضة إلى إمامته وأنه ينتظر خروجه في آخر الزمان ، كما ينتظر طائفة أخرى
منهم محمد بن الحسن العسكري(٨) ، الذي يخرج في زعمهم من سرداب سامراء ، وهذا من خرافاتهم
وهذيانهم وجهلهم وضلالهم وبهتانهم(٩) ، وسنزيد ذلك وضوحاً في موضعه إن شاء الله ، والله أعلم .
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط ، وكل هذه الأخبار توافق ما ورد في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص١٨٨
- ١٩٠) مع بعض الاختصار وحذف الأسانيد، وأسماء أولاد لابن الزبير في الطبقات (٩٢/٥) وزاد: عبد الله
الأصغر ، وعبد الله بن محمد غير عبد الله أبي هاشم وأمه أم ولد هو ورقية .
(٢) هو السيد الحميري ، واسمه إسماعيل بن محمد بن يزيد بن ربيعة الحميري ، شاعر مشهور ، كان ممن يعتقد بابن
الحنفية .
في نسب قريش ( ٤٢) والأغاني (٩/ ١٥): عشرين. وفي مروج الذهب مغيبك عنهم سبعين عاماً.
(٣)
(٤)
في ط : ادخرتم ، وفي نسب قريش : جرتم .
(٥)
في ط : ثورة: وما أثبت موافق لتاريخ دمشق (٣٢٢/٢٤) والمصادر .
(٦)
في ط : راياته . وما أثبت يوافق المصادر .
(٧)
الأبيات في نسب قريش (٤٢) وتاريخ دمشق (٣٢٢/٥٤) والأغاني (١٤/٩) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ -
١٠٠/ ص١٨٣) والوافي بالوفيات (١٠٠/٤).
(٨)
في الأصل : الحسن بن محمد العسكري ، وهو خطأ .
(٩) في ط : وترهاتهم .

١٨٥
أحداث سنة ٨٢ هـ
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين
ففي المحرم منها كانت وقعة الزاوية (١) بين ابن الأشعث والحجاج في أواخره ، وكان أول يوم لأهل
العراق على أهل الشام ، ثم تواقعوا يوماً آخر فيه فحمل سفيان بن الأبرد أحد أمراء أهل الشام على ميمنة
ابن الأشعث فهزمها وقتل خلقاً كثيراً من القرّاء من أصحاب ابن الأشعث في هذا اليوم ، وخَرَّ الحجاج لله
ساجداً بعدما كان جثى على ركبتيه وسلَّ شيئاً من سيفه وجعل يترحم على مصعب بن الزبير ويقول : ما كان
أكرمه حتى صبَّر نفسه للقتل ، وكان من جملة من قتل من أصحاب ابن الأشعث الطفيل بن عامر بن واثلة(٢)
الليثي ، ولما فر أصحاب ابن الأشعث رجع ابن الأشعث بمن بقي معه ومن تبعه من أهل البصرة ، فسار
حتى دخل الكوفة فعمد أهل البصرة إلى عبد الرحمن بن العباس(٣) بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب
فبايعوه ، فقاتل الحجاج خمس ليالٍ أشد القتال ، ثم انصرف فلحق بابن الأشعث ، وتبعه طائفة من أهل
البصرة ، فاستناب الحجاج على البصرة أيوب بن الحكم بن أبي عقيل ، ودخل ابن الأشعث الكوفة فبايعه
أهلها على خلع الحجاج وعبد الملك بن مروان . وتفاقم الأمر وكثر متابعو ابن الأشعث على ذلك ،
واشتد الحال ، وتفرقت الكلمة جداً وعظم الخطب ، واتسع الخرق على الراقع .
قال الواقدي : ولما التقى جيش الحجاج وجيش ابن الأشعث بالزاوية جعل جيش الحجاج يحمل
عليهم مرة بعد مرة ، فقال القراء - وكان عليهم جَبَلة بن زَحْر - : أيها الناس ليس الفرار من أحد بأقبح منكم
فقاتلوا عن دينكم ودنياكم . وقال سعيد بن جبير نحو ذلك .
وقال الشعبي : قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة ، ثم حملت القراء - وهم
العلماء - على جيش الحجاج حملة صادقة فبرعوا فيهم ثم رجعوا فإذا هم بمقدمهم جَبَلة بن زَحْر صريعاً ،
فهدّهم ذلك فناداهم جيش الحجاج : يا أعداء الله قد قتلنا طاغيتكم ، ثم حمل سفيان بن الأبرد وهو على
خيل الحجاج على ميسرة ابن الأشعث وعليها الأبرد بن مرّة٤) التميمي ، فانهزموا ولم يقاتلوا كثير قتال ،
فأنكر الناس منهم ذلك . وكان أمير ميسرة ابن الأشعث الأبرد شجاعاً لا يفر ، وظنوا أنه قد خامر ،
فنقضت الصفوف وركب الناس بعضهم بعضاً ، وكان ابن الأشعث يحرض الناس على القتال ، فلما رأى
(١) الزاوية : موضع قرب البصرة كانت به الوقعة المشهورة بين الحجاج وابن الأشعث . معجم البلدان (١٢٨/٣)
وأخبار الوقعة في تاريخ الطبري (٣٤٢/٦) وابن الأثير (٤/ ٤٦٧).
(٢)
في ط: ((أبو الطفيل بن عامر بن واثلة))، خطأ، وما أثبتناه من م واتفقت عليه المصادر .
(٣)
في ط : عياش .
في تاريخ الطبري : قرّة .
(٤)

١٨٦
وقعة دير الجماجم
ما الناس فيه أخذ من اتبعه وذهب إلى الكوفة فبايعه أهلها ، ثم كانت وقعة دير الجماجم في شعبان من هذه
السنة .
وقعة دير الجماجم (١)
قال الواقدي : وذلك أن ابن الأشعث لما قصد الكوفة خرج اليه أهلها فتلقوه وحَفّوا به ودخلوا بين
يديه ، غير أن شرذمة قليلة أرادت أن تقاتله دون مطر بن ناجية نائب الحجاج فلم يمكِّنهم من ذلك ، فعدلوا
الى القصر ، فلما وصل ابن الأشعث الى الكوفة أمر بالسلالم فنصبت على قصر الإمارة فأخذه واستنزل
مطر بن ناجية وأراد قتله فقال له : استبقني فإني خير من فرسانك(٢) ، فحبسه ثم استدعاه فأطلقه وبايعه
واستوثق لابن الأشعث أمر الكوفة وانضم اليه من جاء من أهل البصرة ، وكان ممن قدم عليه
عبد الرحمن بن العباس بن ربيعة بن عبد المطلب ، وأمر بالمسالح من كل جانب ، وحفظت الثغور
والطرق والمسالك . وركب الحجاج فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر حتى مر بين
القادسية والعذيب وبعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصْرَيْن فمنعوا
الحجاج من نزول القادسية ، فسار الحجاج حتى نزل دير قرة ، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش
البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم ، ومعه جنود كثيرة ، وفيهم القراء من المصرَيْن وخلق من
الصالحين ، وكان الحجاج بعد ذلك يقول : قاتل الله ابن الأشعث ، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد
نزلت دير قرة ، ونزل هو بدير الجماجم . وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مئة ألف مقاتل ممن يأخذ
العطاء ، ومعهم مثلهم من مواليهم ، وجاءت الحجاج أمداد كثيرة من الشام من عند أمير المؤمنين
عبد الملك بن مروان ، وخندق كلٌّ من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقاً يمتنع به من الوصول
إليهم ، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالاً شديداً في كل يوم ، حتى أصيب
من رؤوس الناس خلق من قريش وغيرهم ، واستمر هذا الحال مدة طويلة ، واجتمع الأمراء من أهل
المشورة عند عبد الملك بن مروان فقالوا له : إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو
أيسر من قتالهم وسفك دمائهم ، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن
عبد الملك بن مروان ، ومعهما جنود كثيرة جداً ، وكتب معهما كتاباً إلى أهل العراق يقول لهم : إن كان
يرضيكم مني عزل الحجاج عنكم عزلته عنكم ، وبعثت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام ، وليختر ابن
الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميراً ما عاش وعشت ، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان ، وقال في
عهده هذا : فان لم تجب أهل العراق إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه وإليه إمرة الحرب ، ومحمد بن
مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعته وتحت أمره لا يخرجون عن رأيه في الحرب وغيره .
(١) خبر وقعة دير الجماجم في تاريخ الطبري (٦/ ٣٤٦) وابن الأثير (٤٦٩/٤).
(٢) في الطبري : استبقني فإني أفضل فرسانك ، وأعظمهم عنك غناء .

١٨٧
وقعة دير الجماجم
ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به شق عليه ذلك مشقة
عظيمة جداً وعظم شأن هذا الرأي عنده ، وكتب إلى عبد الملك : يا أمير المؤمنين والله لئن أعطيت أهل
العراق نزعي عنهم لا يلبثون إلا قليلاً حتى يخالفوك ويسيروا إليك ، ولا يزيدهم إلا جرأة عليك ، ألم تر
وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان ؟ فلما سألهم ماتريدون ؟ قالوا : نزع
سعيد بن العاص ، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه ؟ وإن الحديد بالحديد يُفْلَحُ(١)
خار(٢) الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك .
قال : فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق إرادة العافية من الحرب ، وكتب إلى
جنده فعرض ذلك على أهل العراق كما أمر ، فتقدم عبد الله ومحمد فنادى عبد الله : يا معشر أهل
العراق ، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، وأنه يعرض عليكم كيت وكيت ، فذكر
[ ما كتب به أبوه معه إليهم من ] هذه الخصال . وقال محمد بن مروان: وأنا رسول [ أخي ] أمير
المؤمنين إليكم بذلك ، فقالوا : ننظر في أمرنا غداً ونرد عليكم الخبر عشية ، ثم انصرفوا فاجتمع جميع
الأمراء الى ابن الأشعث فقام فيهم خطيباً وندبهم الى قبول ما عرضوا عليهم من عزل الحجاج عنهم وبيعة
عبد الملك بن مروان وإبقاء الأعطيات وإمرة محمد بن مروان على العراق [ بدل الحجاج ] ، فنفر الناس
من كل جانب وقالوا : لا والله لا نقبل ذلك ، نحن أكثر عَدَداً وعُدَداً ، وهم في ضيق من الحال وقد حكمنا
عليهم وذلوا لنا ، والله لا نجيب الى ذلك أبداً . ثم جددوا خلع عبد الملك ونائبه ثانية ، واتفقوا على ذلك
كلهم .
فرجع عبد الله بن عبد الملك وعمه محمد بن مروان فقالا للحجاج : شأنك بهم إذاً ، فنحن في
طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين ، فكانا إذا لقياه سلّما عليه بالإمرة ويسلِّم هو أيضاً عليهم بالإمرة ، وتولى
الحجاج أمر الحرب وتدبيرها كما كان قبل ذلك ، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب ، فجعل
الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليم الكلبي(٣)، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللّخمي ، وعلى
الخيل : سفيان بن الأبرد وعلى الرجالة : عبد الرحمن بن حبيب(٤) الحكمي .
وجعل ابن الأشعث على ميمنته: الحجاج بن جارية الخَثْعمي(٥) ، وعلى الميسرة : الأبرد بن قرّة
التميمي ، وعلى الخيالة : عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة ، وعلى الرجَّالة : محمد بن سعد بن
(١) في ب : ينزع. ونص كتاب الحجاج في تاريخ الطبري (٣٤٨/٦).
(٢)
في ط : كان .
في ب ، ط : سليمان ؛ وما أثبت يوافق الطبري (٣٤٩/٦).
(٣)
(٤)
في ابن الأثير (٤٧١/٤): خبيب .
في ط: ((الحجاج بن حارثة الجشمي))، وما أثبتناه من م والطبري (٣٤٩/٦) وتاريخ الإسلام ( حوادث سنة اثنتين
(٥)
وثمانين ) .

١٨٨
وفيات سنة ٨٢هـ
أبي وقاص الزُّهري، وعلى القراء : جَبَلة بن زحر بن قيس الجعفيّ ، وكان فيهم سعيد بن جبير ، وعامر
الشعبي ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وكُميل بن زياد - وكان شجاعاً فاتكاً على كبر سنه - وأبو البختري
الطائي وغيرهم ، وجعلوا يقتتلون في كل يوم ، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم ، من
العلف والطعام ، وأما أهل الشام الذين كانوا مع الحجاج فهم في أضيق حال من العيش وقلة من الطعام
وقد فقدوا اللّحم بالكلية فلا يجدونه ، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها حتى انسلخت هذه السنة وهم
على حالهم وقتالهم في كل يوم أو يوم بعد يوم ، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام .
[ وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم ، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم
واستقتلوا وكانوا من أصحاب ابن الأشعث (١) .
وفى هذه السنة كانت وفاة :
المهلب بن أبي صفرة ٢) [ وهو ظالم، أبو سعيد الأزدي ، أحد أشراف أهل البصرة ، ووجوههم ،
ودهاتهم ، وأجوادهم ، وكرمائهم ، ولد عام الفتح ، وكانوا ينزلون فيما بين عُمان والبحرين ، وقد ارتد
قومه فقاتلهم عكرمة بن أبي جهل فظفر بهم ، وبعث بهم إلى الصدِّيق وفيهم أبو صفرة وابنه المهلّب غلام
لم يبلغ الحنث ، ثم نزل المهلب البصرة وقد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع وأربعين ، وولي
الجزيرة لابن الزبير سنة ثمان وستين ، ثم ولي حرب الخوارج أول دولة الحجاج ، وقتل منهم في وقعة
واحدة أربعة آلاف وثمانمئة (٣) ، فعظمت منزلته عند الحجاج . وكان فاضلاً شجاعاً كريماً يحب المدح ،
وله كلام حسن ، فمنه :
نعم الخضْلة السّخاء تستر عورة الشريف ، وتمحق خسيسة الوضيع ، وتحبِّب المزهود فيه .
وقال: يعجبني في الرجل خصلتان أن أرى عقله زائداً على لسانه ، ولا أرى لسانه زائداً على عقله(٤).
توفي المهلب غازياً بمرو الروذ وعمره ست وسبعون سنة رحمه الله . وكان له عشرة من الولد وهم :
يزيد ، وزياد ، والمفضل ، ومدرك ، وحبيب ، والمغيرة ، وقبيصة ، ومحمد ، وهند ، وفاطمة . توفي
المهلب في ذي الحجة منها ، وكان من الشجعان المشهورين والأبطال المذكورين وله مواقف حميدة ،
وغزوات مشهودة في الترك والأزارقة وغيرهم من أنواع الخوارج وأصناف الكفرة ، وقد أوصى عند موته
(١) ما بين معكوفين ساقط من أ، ب والخبر يوافق ما ورد في تاريخ الإسلام للذهبي (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/ ص ١٢).
(٢) ترجمة - المهلب بن أبي صفرة - في طبقات ابن سعد (١٢٩/٧) وتاريخ خليفة (٢٠٥) وطبقاته (٢٠١) وتاريخ
البخاري (٢٥/٨). وأنساب الأشراف (٢٣٢/١) وتاريخ دمشق (٢٨٠/٦١ - ٣٠٥) ووفيات الأعيان
(٢٧٢/١) وتهذيب الكمال (٤٣١/١٨) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٢٠٥-٢٠٨) وسير أعلام
النبلاء (٣٨٣/٤) وتهذيب التهذيب (٣٢٩/١٠ -٣٣٠) والإصابة (٥٣٥/٣) وشذرات الذهب (٣٣٤/١).
(٣) الخبر في سير أعلام النبلاء (٤/ ٣٨٤).
(٤) المقولتان في تاريخ الإسلام للذهبي (ص ٢٠٧).

١٨٩
وفيات سنة ٨٢ هـ
بكلمات تشتمل على مكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم، ومعالي الهممُ(١)، وجعل الأمر من بعده لولده
يزيد بن المهلب على إمرة خراسان فأمضى له ذلك الحجاج وعبد الملك بن مروان .
وفي جمادى الآخرة منها عزل أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان عن إمرة المدينة أبان بن عثمان ،
وولى عليها هشام بن إسماعيل المخزومي ، وكانت ولاية أبان على المدينة سبع سنين وثلاثة أشهر وثلاثة
عشر يوماً ، وكان على إمرة بلاد المشرق بكماله الحجاج بن يوسف ، والنواب في الأقاليم من تحت يده ،
وهو مشغول عن تدبير الممالك بحرب ابن الأشعث في هذه المدة كلها .
قال أبو معشر : وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان الذي كان نائب المدينة(٢) .
أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي (٣)، وكان جواداً ممدحاً، حكى أنه رأى يوماً شاباً على باب داره
جالساً فسأله عن قعوده على بابه فقال : حاجة لا أستطيع ذكرها ، فألح عليه فقال : جارية رأيتها دخلت
هذه الدار لم أر أحسن منها وقد خطفت قلبي معها ، فأخذ بيده وأدخله داره وعرض عليه كل جارية عنده
حتى مرت تلك الجارية فقال : هذه ، فقال له : اخرج فاجلس على الباب مكانك ، فخرج الشاب فجلس
مكانه ، ثم خرج إليه بعد ساعة والجارية معه قد ألبسها أنواع الحليِّ ، وقال له : ما منعني أن أدفعها إليك
وأنت داخل الدار إلا أن الجارية كانت لأختي ، وكانت ضنينة بها ، فاشتريتها لك منها بثلاثة آلاف ،
وألبستها هذا الحليّ ، فهي لك بما عليها ، فأخذها الشاب وانصرف .
المغيرة بن المهلَّب(٤) بن أبي صفرة ، كان جواداً ممدحاً شجاعاً ، له مواقف مشهورة .
الحارث بن عبد الله(٥) بن ربيعة المخزومي المعروف بقُباع ، ولي إمرة البصرة لابن الزبير .
محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة (٦) كان من فضلاء أبناء الصحابة وأعقلهم، توفي بالمدينة ودفن بالبقيع.
(١) من قوله: وقد أوصى ... إلى هنا زيادة من ب، ونص الوصية في تاريخ الطبري (٦/ ٣٥٤).
من قوله : وفي جمادى الآخرة ... إلى هنا ساقط من ب، ط والخبر في الطبري (٣٥٥/٦ - ٣٥٦).
(٢)
ترجمة - أسماء بن خارجة - في تاريخ خليفة (٢٦٤) والأخبار الطوال ( ٢٣٦) وأنساب الأشراف (١/ ٢٥٤)
(٣)
والشعر والشعراء ( ٧٠٢) وتاريخ دمشق (٥١/٩-٦٢) وتهذيبه ( ٤٤/٣) وتاريخ الإسلام للذهبي ( حوادث سنة
٦١ -٨٠/ ص٧٢) وسير أعلام النبلاء (٥٣٥/٣) والإصابة (١٠٤/١) والوافي بالوفيات (٥٩/٩).
وتجمع المصادر على أنه توفي سنة ست وستين ، وترجمته هنا لا شك مقحمة وهي ليست في أوب ولأن المؤلف
رحمه الله لم يذكر وفيات سنة ست وستين آثرنا إبقاءها .
ترجمة - المغيرة بن المهلب - في تاريخ الطبري (٣٥٠/٦ - ٣٥٢) وابن الأثير (٤٧٢/٤ - ٤٧٣).
(٤)
(٥)
ترجمة - الحارث بن عبد الله - في طبقات ابن سعد (٢٨/٥) وطبقات خليفة (٥٤) والأخبار الطوال ( ٢٦٣)
وأنساب الأشراف (١/ ٨١) وأسد الغابة (٣٢٨/١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٨) وسير
أعلام النبلاء ( ٤/ ١٨١) والإصابة (٣٨٧/١).
(٦) ترجمة - محمد بن أسامة - في طبقات ابن سعد (٢٤٦/٥) وتاريخ البخاري (١٩/١) وطبقات خليفة (٢٣٠)
وأنساب الأشراف (١/ ٤٧٠) وتهذيب الكمال (٣٩٣/٢٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١- ١٠٠ / ص١٧٩)=

١٩٠
وفيات سنة ٨٢ هـ
عبد الله بن أبي طلحة بن أبي الأسود(١) ، والد الفقيه إسحاق حملت به أمه أم سليم ليلة مات ابنها
فأصبح أبو طلحة فأخبر النبي ◌ِّر، فقال ◌َّل: ((عرَّستم بارك الله لكما في ليلتكما)(٢). ولما ولد حنكه
بتمرات .
عبد الله بن كعب بن مالك(٣) ، كان قائد كعب حين عمي ، له روايات ، توفي بالمدينة هذه السنة .
عفان بن وهب (٤) ، أبو أيمن الخولاني المصري له صحبة ورواية ، وغزا المغرب ، وسكن مصر وبها
مات(٥).
وفيها توفي :
جميل بن عبد الله(٦) بن معمر بن صُباحٌ(٧) بن ظَبيان بن حُن(٨) بن ربيعة بن حرام بن ضِنَّةُ ٩) بن عبد بن
كثير بن عُذرة بن سعد هذيمٌ(١) بن زيد بن ليث بن سُو ١١) بن أسلم بن الحافي بن قضاعة . أبو عمرو
الشاعر صاحب بثينة ١٢) ، كان قد خطبها فمنعت منه ، فتغزل فيها واشتهر بها ، وكان أحد عشاق
والوافي بالوفيات (٢/ ١٨٧) وتهذيب التهذيب (٣٥/٩).
=
وقال الذهبي : يقال توفي سنة ست وتسعين .
(١) ترجمة - عبد الله بن أبي طلحة - في طبقات ابن سعد (٧٤/٥) وطبقات خليفة (٣٣٧) والاستيعاب (٣١٣/٢)
وأسد الغابة ( ١٨٨/٣) وتهذيب الكمال (١٣٣/١٥-١٣٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص ١١٣ -
١١٤) والوافي بالوفيات (١٧ / ١٨٤) وتهذيب التهذيب (٢٦٩/٥).
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٥٤٧٠) في العقيقة، ومسلم رقم (٢١٤٤).
(٣) ترجمة - عبد الله بن كعب بن مالك - في طبقات ابن سعد (٢٧٢/٥) وتاريخ البخاري (١٧٨/٥) وتهذيب الكمال
(١٥/ ٤٧٣). وتاريخ الإسلام للذهبي ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤٠٤) وقال الذهبي : توفي سنة سبع أو
ثمان وتسعين ، والوافي بالوفيات ( ١٧/ ٤١١ - ٤١٢) وتهذيب التهذيب (٣٦٩/٥).
(٤)
لم أجد له ترجمة فيما لدي من مصادر .
(٥)
التراجم السبع السابقة زيادة من ط .
(٦) ترجمة - جميل بن عبد الله - في أنساب الأشراف (١/ ١٧) والشعر والشعراء (٤٣٤/١) والأغاني (٩٠/٨)
ووفيات الأعيان (٣٦٦/١) وتاريخ دمشق (٢٥٥/١١-٢٨١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص٣١١)
وسير أعلام النبلاء (١٨١/٤) والوافي بالوفيات (١٨٢/١١) وشذرات الذهب (٣٣٦/١).
(٧) ثمة خلاف في نسب جميل بن عبد الله ؛ ففي الأغاني وجمهرة الأنساب : ... بن معمر بن الحارث .. ، واكتفى
الذهبي بإيراد نسبه إلى جده معمر .
(٨) حُنّ: بضم الحاء المهملة وتشديد النون قيده الأمير ابن ماكولا في الإكمال (٩٤/٢)، ووقع في ط: ((الحسن))، وهو
تحريف .
(٩) في ط: ((ضبة))، مصحف .
(١٠) في ط ووفيات الأعيان: ((سعد بن هذيم)) خطأ، والتصحيح من جمهرة أنساب العرب لابن حزم (ص ٤٤٧).
(١١). في ط: ((سرهد))، وهو تحريف. وينظر الجمهرة لابن حزم (ص ٤٤٣)، وتاريخ دمشق (٢٥٦/١١) .
(١٢) بثينة: هي ابنة حبأ بن ثعلبة بن الهوذ؛ تلتقي في النسب هي وجميل في حُنّ بن ربيعة.

١٩١
وفيات سنة ٨٢ هـ
العرب ، كانت إقامته بوادي القرى وما حوله (١)، وكان عفيفاً صيِّناً ديّناً شاعراً باسلاً ، من أفصح الشعراء
في زمانه ، وكان كُثَيِّر عزَّة راويته ، وهو يروي عن هدبة بن خَشْرَم ، عن الحطيئة ، عن زهير بن
أبي سلمى ، وابنه كعب ، قال كُثَيِّر عزَّة : كان جميل أشعر العرب حيث يقول :
لليلى إذا ما الصيفُ ألقى المراسيا
وخبَّر تماني(٢) أنّ تيماء منزلٌ
فما للنوى يرمي بنيل المرامية ٣)
فهذي شهورُ الصيفِ عنَّا قَدِ انقضتْ
ومنها قوله :
من الشوقِ أستبكي الحمامَ بكى ليا
وما زلتم٤ُ) يا بثن حتى لو انني
ولا كثرةُ الناهينَ إلا تماديا
وما زادني الواشونَ إلا صبابةً
سلوًّا ولا طولُ الليالي(٥) تقاليا
وما أحدثَ النأيُّ المفرقُ بيننا
ألم تعلمي يا عذبة الريقِ أنني
لقد خفت أن ألقى المنيةَ بغتةً
أظل إذا لم ألقَ وجهك صاديا
وفي النفسِ حاجاتٌ إليكِ كما هيا
ومما أورد له القاضي ابن خلكان في (( الوفيات)(٦) قوله :
لو تعلمين (٧) بصالحٍ أنْ تُذكري
إني لأحفظ سرَّكم ويسُرّني
ويكون يومٌ لا أرى لك مُرْسلاً
يا ليتني ألقى المنية بغتة
يهواك ما عشت الفؤاد وإن أمت
إني إليكِ بما وعدتِ لناظر
أو نلتقي فيه عليَّ كأشهرٍ
إن كان يوم لقائكم لم يُقْدَرِ
يتبع صداي صداكٍ بين الأقبرِ
نظر الفقير إلى الغنيِّ المكثر(٨)
إلّا كبرقِ سحابةٍ لم تمطرٍ
ما أنتِ والوعدُ الذي تعديني
وقوله : ورُوي لعمر بن أبي ربيعة فيما نقله ابن عساكر(٩) :
(١) وادي القرى : واد بين الشام والمدينة ، من أعمال المدينة يحتوي على عدد كبير من القرى . معجم البلدان
(٣٤٥/٥) .
في ط : وأخبرتماني ؛ وما أثبت كالأغاني والوفيات .
(٢)
(٣)
الأبيات في الأغاني (١٢٥/٨) ووفيات الأعيان (٣٦٧/١).
(٤)
في ط : زلت بي .
في ط : اجتماع ؛ وما أثبت يوافق الوفيات .
(٥)
(٦)
وفيات الأعيان (١/ ٣٦٧ - ٣٦٨).
(٧)
في الأغاني : إذ تذكرين .
الأبيات الثلاثة السابقة ساقطة من ط .
(٨)
(٩) تاريخ دمشق (٢٧٤/١١) بدون البيت الأول، وهي كاملة في وفيات الأعيان (١/ ٣٦٩ - ٣٧٠).

١٩٢
وفيات سنة ٨٢ هـ
ما زلتُ أبغي الحيَّ أتبعُ فِلّهِمْ
فدنوتُ مختفيا١ً) ألمُّ ببيتها
قالتْ : وعيشِ أخي ونعمةُ والدي
حتى دُفعتُ إلى ربيبةٍ هودج
حتى ولجتُ إلى خفيِّ المولجُ(٢)
لأنبهنَّ الحيَّ إنْ لمْ تخرج٣ُ
بمخضّبِ الأطرافِ غيرِ مشنجٍ
فتناولتْ رأسي لتعرف مسهُ
فعلمتُ أنَّ يمينها لم تلجج
شرب النَّزيف ببرد ماء الحشرجُ(٥)
فخرجتُ خيفة أهلها٤) فتبسمتْ
فلثمتُ فاها آخذاً بقرونها
قال كُثِيِّر عزة : لقيني جميل بثينة فقال : من أين أقبلت ؟ فقلت : من عند هذه الحبيبة ، فقال وإلى
أين ؟ فقلت : وإلى هذه الحبيبة - يعني عزَّة - فقال: أقسمت عليك لما رجعت إلى بثينة فواعدتها لي فإن
لي من أول الصيف ما رأيتها ، وكان آخر عهدي بها بوادي القرى(٦) ، وهي تغسل هي وأمها ثوباً فتحادثنا
إلى الغروب ، قال كثير : فرجعت حتى أنخت بهم . فقال أبو بثينة : ما ردك يا بن أخي ؟ فقلت : أبيات
قلتها فرجعت لأعرضها عليك . فقال : وما هي ؟ فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الحجاب :
إليكِ رسولاً والرسولُ موكلٌ(٧)
فقلتُ لها يا عَزَّ أُزْسِلُ صاحبي
وأن تأمريني ما الذي فيهِ أفعلُ
بأنْ تجعلي بيني وبينكِ موعداً
بأسفلِ وادي الدومِ والثوبُ يغسلُ
وآخرُ عهدي منكِ يومَ لقيتني
قال : فضربت بثينة جانب خدرها وقالت : اخسأ اخسأ ، فقال لها أبوها ؛ مهيم يا بثينة ؟ فقالت كلب
يأتينا إذا نوَّم الناس من وراء الرابية ، ثم قالت للجارية : ابغينا من الدومات حطباً لنذبح لكثيِّر شاة ونشويها
له ، فقال كثيِّر : أنا أعجل من ذلك، وراح إلى جميل فأخبره ، فقال جميل : الموعد الدومات (٨).
فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الذي واعدته إليه ، وأقبل جميل وكنت معهم فما رأيت ليلة
أعجب منها ولا أحسن منادمات ، وانفض ذلك المجلس وما أدري أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه .
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل وهو يموت فقال له : ما تقول
في رجل لم يشرب الخمر قط ، ولم يزنِ قط ، ولم يسرق ولم يقتل النفس وهو يشهد أن لا إله إلا الله ؟
(١) في تاريخ دمشق : مختبئاً .
في أ : المدلج ، وأثبت رواية تاريخ دمشق .
(٢)
هذا البيت متأخر في تاريخ دمشق .
(٣)
(٤)
في تاريخ دمشق : قولها .
في ط : فرشفت ريقاً بارداً متثلج ؛ وأثبت رواية أوابن عساكر .
(٥)
في الوفيات والأغاني : وادي الدوم .
(٦)
في الأغاني (٨/ ١٠٧) : والموكل مرسل .
(٧)
(٨) من قوله : فضربت بثينة جانب خدرها وقالت ... إلى هنا زيادة من أ توافق الوفيات والأغاني.

١٩٣
وفيات سنة ٨٢ هـ
قال : أظنه قد نجا وأرجو له الجنة ، فمن هذا ؟ قال : أنا ، فقلت: لله ما أظنك سلمت وأنت تشبب منذ
عشرين سنة، ببثينة، فقال: لا نالتني شفاعة محمد رشّية ، وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من
أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها بريبة ، قال : فما برحنا حتى مات . قلت : كانت وفاته بمصر لأنه
كان قدم على عبد العزيز بن مروان فأكرمه وسأله عن حبه بثينة فقال : شديداً ، واستنشده من أشعاره
ومدائحه فأنشده فوعده أن يجمع بينه وبينها فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين رحمه الله آمين(١)
وقد ذكر الأصمعي : عن رجل أن جميلاً قال له : هل أنت مبلغ عني رسالة إلى حي بثينة ولك
ما عندي ؟ قال : نعم ! قال : إذا أنا متّ فاركب ناقتي والبس حلتي هذه وأمره أن يقول أبياتاً منها قوله :
قومي بُشَيْنةُ فاندُبِي بِعَويلِ وابكي خَلِيلاً دونَ كُلِّ خَليلٍ
فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدر سرى في جنة وهي تتثنى في مِرْطها فقالت
له : ويحك إن كنت صادقاً فقد قتلتني ، وإن كنت كاذباً فقد فضحتني . فقلت : بلى والله صادق [ وهذه
حلته وناقته ] فلما تحققت ذلك صاحت بأعلى صوتها ، وصكت وجهها ، واجتمع نساء الحي إليها يبكين
معها ، ثم صعقت مغشياً عليها ، ثم أفاقت وهي تقول :
وإن سُلُوِّي عن جميل لساعةٌ من الدهر ما حانت ولا حان حينها
إذا مت بأساء الحياة ولينها ٢)
سواء علينا يا جميل بن معمر
قال الرجل : فما رأيت أكثر باكياً ولا باكية من يومئذ .
وروى الحافظ ابن عساكر(٣) عنه أنه قيل له بدمشق : لو تركت الشعر وحفظت القرآن ؟ فقال : هذا
أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله و لو أنه قال: ((إن من الشعر حكمة)(٤).
عمر بن عبيد الله(٥) بن معمر بن عثمان ، أبو حفص القرشي ، التميمي ، أحد الأجواد والأمراء
الأمجاد ، فتحت على يديه بلدان كثيرة ، وكان نائباً لابن الزبير على البصرة .
(١) الخبر في تاريخ دمشق (٢٨٠/١١-٢٨١).
(٢) من قوله : صاحت بأعلى صوتها ... إلى هنا ساقط من ط وبدله: أنشدت أبياتاً ترثيه بها وتتأسف عليه فيها ، وأنه
لا يطيب لها العيش بعده، ولا خير لها في الحياة بعد فقده، ثم ماتت من ساعتها، والخبر من الأغاني (١٥٤/٨ -
١٥٥ ) .
(٣)
(٤)
تاريخ دمشق ( ٢٥٦/١١) .
الحديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( ٦١٤٥) في الأدب .
(٥) ترجمة - عمر بن عبيد الله - في تاريخ خليفة (٢٩٧) وتاريخ البخاري (١٧٥/٦) وأنساب الأشراف (٣٩٩/١)
وتاريخ دمشق (٢٨٦/٤٥ - ٢٩٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ١٦٠) وسير أعلام النبلاء
( ٤/ ١٧٢ ) .

١٩٤
وفيات سنة ٨٢ هـ
روى عن : ابن عمر وجابر وغيرهما .
وعنه عطاء بن أبي رباح ، وابن عون .
ووفد على عبد الملك فتوفي بدمشق سنة ثنتين وثمانين . قاله المدائني . وحكى أن رجلاً اشترى
جارية [ كانت تحسن القرآن والشعر وغيره ؛ فأحبها حباً شديداً ، وأنفق عليها ماله كله حتى أفلس ولم يبق
له شيء سوى هذه الجارية ، فقالت له الجارية : قد أرى ما بك من قلَّة الشيء . فلو بعتني وانتفعت بثمني
صَلحَ حالك ، فباعها لعمر بن عبيد الله هذا - وهو يومئذ أمير البصرة - بمئة ألف درهم ، فلما قبض المال
ندم وندمت الجارية ، فأشارت تخاطب سيدها بأبيات شعر وهي (١) :
ولم يبقَ في كفيَّ إلّا تفكّري
هنيئاً لكَ المالُ الذي قدْ أخذتهُ
أَقِّي فقدْ بانَ الخليطُ أو اكثري
أقولُ لنفسي وهيَ في كَرِبِ غَشْيَة٢ٌ)
إذا لم يكنْ في الأمرِ عندكٍ حيلةٌ
فأجابها سيدها فقال :
ولمْ تجدي بُدّاً منَ الصبرِ فاصبري
لفرقتنا شيءٌ سوى الموتِ فاصبري
ولولا قعود الدهرِ بي عنكِ لم يكنْ
أناجي بهِ قلباً طويلَ التذكّرِ
أأوبُ بحزنٍ من فراقكِ موجع
ولا وصلَ إلّا أنْ يشاءَ ابنُ معمرٍ
عليكِ سلامٌ لا زيارةَ بيننا
[ فلما سمعها ابن معمر قد شببت قال : والله لا فرَّقت بين محبين أبداً، ثم أعطاه المال - وهو مئة
ألف ــ والجارية لما رأى من توجُّعهما على فراق كل منهما صاحبه ، فأخذ الرجل الجارية وثمنها
وانطلق .
توفي عمر بن عبيد الله بن معمر هذا بدمشق بالطاعون ، وصلى عليه عبد الملك بن مروان ، ومشى
في جنازته وحضر دفنه وأثنى عليه بعد موته .
وكان له من الولد طلحة وهو من سادات قريش تزوج فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر على
صداق أربعين ألف دينار ، فأولدها إبراهيم ورملة ، فتزوج رملة إسماعيل بن علي بن عبد الله بن عباس
على صداق مئة ألف دينار رحمهم الله (٣)
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط، ومكانها في أ: أنه اشترى جارية بمئة ألف، فتوجعت لفراق سيدها ، وقالت تخاطب
مولاها الذي باعها ... ورواية ط توافق المصادر .
(٢)
في ط : عيشةٍ ؛ وما أثبت يوافق تاريخ الإسلام والسير .
ما بين معكوفين زيادة من ط ؛ ومكانها في أ : فقال ابن معمر : خذها وثمنها .
(٣)

١٩٥
وفيات سنة ٨٢ هـ
كُمَيل بن زياد١) بن نهيك بن الهيثمُ(٢) النخعي الكوفي .
روى عن: عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي هريرة٣ً) .
وشهد مع علي صفين وما بعدها ، وكان شجاعاً فاتكاً ، وزاهداً عابداً ، قتله الحجاج في هذه السنة .
[ وقد عاش مئة سنة قتله صبراً بين يديه: وإنما نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من
لطمة لطمها إياه . فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه ، فقال له الحجاج : أوَ مثلك يسأل من أمير المؤمنين
القصاص ؟ ثم أمر فضربت عنقه ، قالوا : وذكر الحجاج علياً في غبون ذلك فنال منه وصلى عليه كُميل ،
فقال له الحجاج : والله لأبعثن إليك من يبغض علياً أكثر مما تحبه أنت ، فأرسل إليه ابن أدهم ، وكان من
أهل حمص ، ويقال أبا الجهم بن كنانة فضرب عنقه٤)
وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين ، وله الأثر المشهور عن علي بن أبي طالب الذي أوله :
القلوب أوعية فخيرها أوعاها . وهو طويل قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات وفيه مواعظ وكلام حسن
رضي الله عن قائله ٣°)
زاذان أبو عمر الكندي(٦) أحد التابعين كان أولًا يشرب المسكر ويضرب بالطنبور ، فرزقه الله التوبة
على يد عبد الله بن مسعود وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق(٧) ، وخشية شديدة ، حتى كان إذا قام في
الصلاة كأنه خشبة .
وقال مرة : إني جائع ، فنزل عليه من الرّوزنة رغيف مثل الرّحا .
وهو ثقة عند ابن معين وغيره .
(١) ترجمة - كُميل بن زياد - في طبقات ابن سعد (١٧٩/٦) وتاريخ خليفة (٢٨٨) وطبقاته (١٤٨) وأنساب الأشراف
(٥١٧/١) وتاريخ دمشق (٢٤٧/٥٠) وحلية الأولياء (٧٩/١) وتهذيب الكمال (٤١٦/١٥) وتاريخ الإسلام
(حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص١٧٦ - ١٧٨) وتهذيب التهذيب (٤٤٧/٨_٤٤٨) والإصابة (٣١٨/٣).
(٢)
في ط : خيثم ؛ تحريف .
في تاريخ الإسلام : وروى عنه : عبد الرحمن بن عابس ، والعباس بن ذريح ، وعبد الله بن يزيد الصُّهباني ،
(٣)
وأبو إسحاق السبيعي ، والأعمش .
الخبر في تاريخ الطبري (٣٦٥/٦) وأن الذي قتله أبو الجهم، والذي هنا يوافق تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ -
(٤)
١٠٠ / ص ١٧٧ ) .
ما بين معكوفين زيادة من ط ، وهي لا تخرج عن الأصول .
(٥)
ترجمة ــ زاذان أبو عمر - في طبقات ابن سعد (١٧٨/٦) وتاريخ خليفة (٢٨٨) وطبقاته (١٥٨) وتاريخ الطبري
(٦)
(٢١١/٤) وحلية الأولياء (١٩٩/٤) وتاريخ دمشق (٢٧٨/١٨) وتهذيب الكمال (٢٦٣/٩) وتاريخ الإسلام
للذهبي ( حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٦٤) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٨٠) وشذرات الذهب (٣٣٤/١).
(٧) انظر قصة توبته في تاريخ الإسلام .

١٩٦
أحداث سنة ٨٣ هـ
قال خليفة (١) : توفي سنة ثنتين وثمانين .
قال خليفة : وفيها توفي زر بن حبيش(٢) أحد أصحاب ابن مسعود وعائشة، وقد أتت عليه مئة
وعشرون سنة . وقال أبو عبيد : مات سنة إحدى وثمانين، وقد تقدمت له ترجمة (٣) .
شقيق بن سلمة (٤)، أبو وائل، وقد أدرك من زمن الجاهلية سبع سنين، وأسلم في حياة النبي ◌َّر.
أم الدرداء الصغرى(٥)، اسمها هجيمة ويقال جهيمة، تابعية ، عابدة ، عالمة ، فقيهة ، كان الرجال
يقرؤون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق ، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها
مع المتفقهة يشتغل عليها وهو خليفة رحمهم الله .
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين
استهلت هذه السنة والناس متواقفون لقتال الحجاج وأصحابه بدير قرة ، وابن الأشعث وأصحابه بدير
الجماجم ، والمبارزة في كل يوم [ بينهم واقعة ] ، وفي غالب الأيام تكون الدائرة لأهل العراق على أهل
الشام [ حتى قيل إن أصحاب ابن الأشعث وهم أهل العراق كسروا أهل الشام وهم أصحاب الحجاج بضعاً
وثمانين مرة ينتصرون عليهم (٦) ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر مصابر لا يتزحزح عن موضعه
الذي هو فيه ، بل إذا حصل له ظفر في يوم من الأيام يتقدم بجيشه إلى نحو عدوه ، ثم جمع الرماة من جيشه
وحمل بهم ، وما زال ذلك دأبه ودأبهم حتى أمر بالحملة على كتيبة القرّاء ، لأن الناس كانوا تبعاً لهم ،
وهم الذين يحرضونهم على القتال والناس يقتدون بهم ، فصبر القرّاء لحملة جيشه ، وما انفك حتى قتل
(١) تاريخ خليفة: (٢٨٨).
(٢) ترجمة - زر بن حبيش - في طبقات ابن سعد (١٠٤/٦) وتاريخ خليفة (٢٨٨) وطبقاته (١٤٠) والاستيعاب (٥٦٣/٢)
وأنساب الأشراف (١٦٤/١) وحلية الأولياء (١٨١/٤) وأسد الغابة (٢/ ٣٠٠) ووفيات الأعيان (٩/٣) وتاريخ
الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٦٦) وسير أعلام النبلاء (١٦٦/٤) وشذرات الذهب (٣٣٤/١).
(٣) تقدمت ترجمته ضمن وفيات سنة ثمان وسبعين.
(٤) ترجمة - شقيق بن سلمة - في طبقات ابن سعد (٩٦/٦) وتاريخ خليفة (٢٢٨) وطبقاته (١٥٥) وحلية الأولياء
(١٠١/٤) وأسد الغابة (٣/٣) ووفيات الأعيان (٤٠٠/٢) وتهذيب الكمال (٥٤٨/١٢ - ٥٥٤) وتاريخ
الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص ٨٢) وسير أعلام النبلاء (١٦١/٤) والوافي بالوفيات (٢/ ١٦٧) والإصابة
(١٦٧/٢) وتهذيب التهذيب (٤ /٣٦١ - ٣٦٣).
(٥) ترجمة - أم الدرداء الصغرى - في الاستيعاب (٤٢٨/٤) والمعرفة والتاريخ (٣٢٧/٢) وتاريخ دمشق (١٤٦/٧٠
- ١٦٤) وأسد الغابة (٤٤٨/٥) وتهذيب الكمال (٣٥٢/٣٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠/
ص٢٣٣) وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٧٧) وتهذيب التهذيب (٤٦٥/١٢ -٤٦٦) والإصابة (٢٩٥/٤).
(٦) زيادة من ط، والخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص١٤) مع أخبار سنة اثنتين وثمانين !.

١٩٧
أحداث سنة ٨٣ هـ
منهم خلقاً كثيراً ، ثم حمل على جيش ابن الأشعث وعلى من معه من الجيش فانهزم أصحاب ابن الأشعث
وذهبوا في كل وجه ، وهرب ابن الأشعث بين أيديهم ومعه فلّ قليل من الناس ، فأتبعه الحجاج جيشاً كثيفاً
مع عمارة بن تميم (١) اللّخمي ومعه محمد بن الحجاج والإمرة لعمارة ، فساقوا وراءهم يطردونهم لعلهم
يظفرون بهم قتلاً أَو أسراً ، فما زال يسوق ويخترق الأقاليم والكور والرساتيق ، وهم في أثره حتى وصل
إلى كرمان ، واتبعه الشاميون فنزلوا يوماً في قصر كان فيه أهل العراق قبلهم ، فإذا فيه کتاب قد كتبه بعض
أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث الذين فروا معه من شعر أبي جلدة ٢) اليشكري يقول :
أيا لَهَفاً ويا حُزناً جميعاً ويا حَرّ الفُؤادِ لِمَا لَقِينا
وأسلمنا الحلائلَ والبَنينا
تركنا الدينَ والدنيا جميعاً
فنمنعها ولو لمْ نرجُ دِينا٣)
فما كنا أناساً أهلَ دنيا
وأنباطِ القُرى والأشْعَرينا
تركنا دُوْرَنا لطغام عكّ
ثم إن ابن الأشعث دخل هو ومن معه من الفل إلى بلاد رُتبيل ملك الترك ، فأكرمه رتبيل وأنزله عنده
وأمنه وعظمه .
[ قال الواقدي : ومر ابن الأشعث وهو ذاهب إلى بلاد رتبيل على عامل(٤) له في بعض المدن كان ابن
الأشعث قد استعمله على ذلك عند رجوعه إلى العراق ، فأكرمه ذلك العامل وأهدى إليه هدايا وأنزله ،
فعل ذلك خديعة به ومكراً ، وقال له : ادخل إلى عندي إلى البلد لتتحصن بها من عدوك ولكن لا تدع أحداً
ممن معك يدخل المدينة ، فأجابه إلى ذلك ، وإنما أراد المكر به ، فمنعه أصحابه فلم يقبل منهم ، فتفرق
عنه أصحابه ، فلما دخل المدينة وثب عليه العامل فمسكه وأوثقه بالحديد وأراد أن يتخذ به يداً عند
الحجاج ، وقد كان الملك رُتبيل سُرَّ بقدوم ابن الأشعث ، فلما بلغه ما حدث له من جهة ذلك العامل
بمدينة بست ، سار حتى أحاط بيست ، وأرسل إلى عاملها يقول له : والله لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح
حتى أستنزلك وأقتل جميع من في بلدك ، فخافه ذلك العامل وسَيَّر إليه ابن الأشعث فأكرمه رُتبيل ، فقال
ابن الأشعث لرتبيل : إن هذا العامل كان عاملي ومن جهتي ، فغدر بي وفعل ما رأيت ، فأذن لي في قتله ،
في ب ، ط : غنم ، وما أثبت يوافق الطبري (٦/ ٣٦٧) وابن الأثير (٤٨٥/٤) . وتقدم ذكره في السنة الماضية .
(١)
(٢) فى الكامل لابن الأثير (٤/ ٤٨٤): ابن حلزة، وما هنا كالطبري (٣٦٨/٦) . وهو أبو جلدة بن عبيد بن منقذ بن
حجر بن عبيد الله بن مسلمة بن حبيب بن عدي بن جُشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر بن بكر بن وائل ،
شاعر إسلامي أموي من ساكني الكوفة ، كان من أخص الناس بالحجاج ثم خرج عليه مع ابن الأشعث ، فقتله
الحجاج . الأعلام للزركلي (٢/ ١٣٣ ) .
(٣) في الطبري وابن الأثير :
فنصبر في البلاء إذا ابتلينا
فما كنا أناساً أهل دين
(٤) سماه الطبري (٦/ ٣٦٩): عياض بن هميان أبو هشام بن عياض السدوسي، وفي ابن الأثير (٤/ ٤٨٥) : ابن
هشام السدوسي .

١٩٨
أحداث سنة ٨٣ هـ
فقال: قد أمنته (١) ]٢) وكان مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن
عبد المطلب ، وكان هو الذي يصلي بالناس هنالك في بلاد رُتبيل ، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من
الحجاج اجتمعوا وساروا وراء ابن الأشعث ليدركوه فيكونوا معه - وهم قريب من ستين ألفاً - فلما وصلوا
إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رُتبيل فتغلبوا على سجستان وعذبوا عاملها عبد الله بن
عامر النعار(٤) وإخوته وقرابته ، واستحوذوا على ما فيها من الأموال ، وانتشروا في تلك البلاد وأخذوها ،
ثم كتبوا إلى ابن الأشعث : أن اخرج إلينا حتى نكون معك ننصرك على من يخالفك ، ونأخذ بلاد
خراسان ، فإن بها جنداً عظيماً منا ، فنكون بها حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك ، فنرى بعد ذلك
رأينا . فخرج إليهم ابن الأشعث وسار بهم قليلاً إلى نحو خراسان فانخذل عنه شرذمة من أهل العراق مع
عبيد الله بن عبد الرحمن بن سَمُرة ، فقام فيهم ابن الأشعث خطيباً فذكر غدرهم ونكولهم عن الحرب ،
وقال : لا حاجة لي بكم ، وأنا ذاهب إلى صاحبي رُتبيل فأكون عنده . ثم انصرف عنهم وتبعه طائفة منهم
وبقي معظم الجيش . فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عباس بن ربيعة(٣) بن
الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ، وساروا معه إلى خراسان فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن
أبي صفرة ، فمنعهم من دخول بلاده ، وكتب إلى عبد الرحمن بن عباس يقول له : إن في البلاد متسعاً
فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان ، فإني أكره قتالك ، وإن كنت تريد مالاً بعثت إليك . فقال له : إنا لم
نجيء لقتال أحد ، وإنما جئنا نستريح ونريح خيلنا ثم نذهب وليست بنا حاجة إلى شيء مما عرضت . ثم
أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كورخراسان ، فخرج إليه يزيد بن المهلب ومعه
أخوه المفضل في جيوش كثيفة ، فلما صادفوهم اقتتلوا غير كثير ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن
عباس ، وقتل يزيد منهم مقتلة عظيمة ، وأسر منهم أسرى كثيرة ، واحتاز ما في معسكرهم ، وبعث
بالأسارى وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص إلى الحجاج ، ويقال إن محمد بن سعد قال ليزيد بن
المهلب : أسألك بدعوة أبي لأبيك لما أطلقتني ، فأطلقه .
قال أبو جعفر بن جرير(٥) : ولهذا الكلام خبر فيه طول ، ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل
أكثرهم وعفا عن بعضهم ، وقد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث نادى مناديه في الناس : من رجع
(١) في الطبري (٣٦٩/٦): قال: فأذن لي في دفعه ولهزه والتصغير به ، قال: أما هذه فنعم . ففعل به
عبد الرحمن .
وفي الفتوح لابن الأعثم ( ٧/ ١٥٢) : عمد ابن الأشعث إلى عياض بن هميان هذا فضرب عنقه وصلبه وأخذ أمواله
وخرب منزله .
(٢)
ما بين معكوفين زيادة من ط ، وهي موافقة للمصادر .
(٣)
في ط: ((بن أبي ربيعة))، وما أثبتناه من م والطبري (٦/ ٣٧٠) .
(٤)
في الطبري : البَعّار .
تاريخ الطبري ( ٣٧٤/٦).
(٥)

١٩٩
أحداث سنة ٨٣ هـ
فهو آمن ومن لحق بقتيبة بن مسلم بالري فهو آمن ، فلحق به خلق كثير ممن كان مع ابن الأشعث فأمنهم
الحجّاج ، ومن لم يلحق به شرع في تتبعه ، فقتل منهم خلقاً كثيراً حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن
جبير على ما سيأتي تفصيله والله المستعان .
وكان الشعبي من جملة من صار إلى قتيبة بن مسلم فذكره الحجاج يوماً فقيل له : إنه صار إلى قتيبة بن
مسلم ، فكتب إليه : أن ابعث لي بالشَّعبي .
قال الشعبي : فلما دخلت عليه سلمت عليه بالإمرة ثم قلت : أيها الأمير إن الناس قد أمروني أن
أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق ، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق [ كائناً في ذلك ما كان ]
قد والله تمردنا عليك ، وخرجنا وجهدنا كل الجهد فما ألونا ، فما كنا بالأقوياء الفجرة ، ولا بالأتقياء
البررة ، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا ، وما جرَّت إليك أيدينا ، وإن عفوت عنا
فبحلمك ، وبعد ، فالحجة لك علينا . فقال الحجاج : أنت والله يا شعبي أحب إليّ قولاً ممن يدخل علينا
يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول : ما فعلتُ ولا شهدتُ ، قد أمنت عندنا يا شَعبي . قال : فانصرفت فلما
مشيت قليلاً قال : هلمَّ يا شعبي ، قال : فوجل لذلك قلبي ، ثم ذكرت قوله قد أمنت يا شعبي فاطمأنت
نفسي ، فقال : كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبي ؟ - قال : وكان لي مكرماً [ قبل الخروج عليه - ]
فقلت : أصلح الله الأمير ، قد اكتحلتُ بعدك السَّهرَ ، واستوعرت الجنابُ(١)، واستحلَسْتُ الخوف(٢)،
وفقدت صالح الإخوان ، ولم أجد من الأمير خَلَفاً . قال : انصرف يا شعبي ، فانصرفت . ذكر ذلك ابن
جرير وغيره . ورواه أبو مخنف عن إسماعيل بن عبد الرحمن بن السدي عن الشعبي(٣)
وروى البيهقي(٤) : أنه سأله عن مسألة الخرقاء في الفرائض وهي أم وزوج وأخت وما كان يقول فيها
الصديق وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ، وكان لكل منهم قول فيها ، فنقل ذلك كله الشعبي في ساعة
فاستحسن قول علي وحكم بقول عثمان ، وأطلق الشعبي بسبب ذلك .
[ وقيل إن الحجاج قتل خمسة آلاف أسير(٥) ممن سيرهم إليه يزيد بن المهلّب كما تقدم ذلك ، ثم سار
إلى الكوفة فدخلها فجعل لا يبايع أحداً من أهلها إلا قال : اشهد على نفسك أنك قد كفرتَ ، فإذا قال نعم
بايعه ، وإن أبى قتله ، فقتل منهم خلقاً كثيراً ممن أبى أن يشهد على نفسه بالكفر ، قال فأُتي برجل فقال
الحجاج : ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر لصلاحه ودينه - وأراد الحجاج مخادعته - فقال :
في ط : واستوعرت السهل ، واستوخمت الجناب .
(١)
بعدها في ط : واستحليت الهم. وما هنا موافق للطبري (٦/ ٣٧٥).
(٢)
(٣)
في الطبري : قال أبو مخنف : فحدثني السّريّ بن إسماعيل ، عن الشعبي ... وذكر الخبر .
(٤)
السنن الكبرى (٢٥٢/٦) .
تاريخ خليفة (٢٨٧) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص١٦).
(٥)

٢٠٠
أحداث سنة ٨٣ هـ
أخادعي أنت عن نفسي ؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون وهامان ونمروذ . قال : فضحك الحجاج
وخلّى سبيله ]١) .
وذكر ابن جرير(٢) من طريق أبي مخنف : أن أعشى همدان أتي به إلى الحجاج - وكان قد عمل قصيدة
يهجو فيها الحجاج وعبد الملك بن مروان ويمدح فيها ابن الأشعث وأصحابه - فاستنشده إياها فأنشده
قصيدة طويلة دالية(٣) ، فيها مدح كثير لعبد الملك وأهل بيته ، فجعل أهل الشام يقولون : قد أحسن أيها
الأمير ، فقال الحجاج : إنه لم يحسن ، إنما يقول هذا مصانعة ، ثم ألَّ عليه حتى أنشده قصيدته
الأخرى(٤) ، فلما أنشدها غضب عند ذلك الحجاج وأمر به فضربت عنقه صبراً بين يديه . واسم الأعشى
هذا عبد الرحمن بن الحارث أبو المصبِّح الهمداني الكوفي الشاعر ، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين ،
وقد كان له فضل وعبادة في مبتداه ، ثم ترك ذلك وأقبل على الشعر فعرف به ، وقد وفد على النعمان بن
بشير وهو أمير بحمص فامتدحه ، وكان محصوله في رحلته إليه منه ومن جند حمص أربعين ألف دينار ،
وكان زوج أخت الشعبي ، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضا٥ً) ، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث ،
فقتله الحجاج كما ذكرنا رحمه الله .
وقد كان الحجاج وهو مواقف لابن الأشعث بعث كميناً يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه ، ثم
تواقف الحجاج وابن الأشعث وهرب الحجاج بمن معه وترك معسكره ، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في
المعسكر وبات فيه ، فجاءت السرية إليهم ليلاً وقد وضعوا أسلحتهم فمالوا عليهم ميلة واحدة ، ورجع
الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم فاقتتلوا قتالاً عظيماً ، وقتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير وغرق خلق
كثير منهم في دجلة ودجيل ، وجاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه ، فقتل منهم نحواً من أربعة
آلاف ، منهم جماعة من الرؤساء والأعيان ، واحتازوه بكماله .
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط ، وهي موافقة للمصادر .
(٢) تاريخ الطبري (٣٧٥/٦).
(٣) ذكرها الطبري (٣٧٦/٦) وابن الأثير (٤٨٩/٤) ومطلعها :
أبى الله إلا أن يتمِّم نوره
إلى قوله :
ويطفىء نور الفاسقين فيُخمدا
وأفضل هذي الناس حلماً وسؤددا
وجدنا بني مروان خير أئمة
(٤) ذكر المسعودي في مروج الذهب ( ١٥٥/٣) بيتين منها ، وفيها يمدح ابن الأشعث ويحرض أهل الكوفة على
القتال :
فالمجد بين محمد وسعيد
وسألتماني المجد أين محله
بَخ بخ لوالده وللمولود
بين الأشج وبين قيسٍ باذخ
فلما قال الأعشى هذا البيت قال الحجاج : لا والله لا تبخبخ بعدها لأحد أبداً . فقدمه فضرب عنقه .
(٥) تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٤١).