النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
وفيات سنة ٧٨هـ
وقال الأعمش : اشتكى شريح رجله فطلاها بالعسل وجلس في الشمس فدخل عليه عوّاده فقالوا :
كيف تجدك ؟ فقال : صالحاً . فقالوا : ألا أريتها الطبيب ؟ قال : قد فعلت ، قالوا : فماذا قال لك ؟
قال : وعد خيراً .
وفي رواية أنه خرج بإبهامه قرحة فقالوا : ألا أريتها الطبيب ؟ قال : هو الذي أخرجها .
وقال الأوزاعي : حدَّثني عبدة بن أبي لبابة قال : كانت فتنة ابن الزبير تسع سنين ، وكان شريح
لا يختبر ولا يستخبر .
ورواه ابن ثوبان عن عبدة ، عن الشعبي ، عن شريح قال : لما كانت الفتنة لم أسأل عنها . فقال رجل
لو كنت مثلك ما باليت متى مت ، فقال شريح : فكيف بما في قلبي . وقد رواه شقيق بن سلمة عن شريح
قال : في الفتنة ما استخبرت ولا أخبرت ولا ظلمت مسلماً ولا معاهداً ديناراً ولا درهماً ، فقال
أبو وائل : لو كنت على حالك لأحببت أن أكون قد مِثُّ، فأوى إلى قلبه فقال: كيف يهد(١) ، وفي
رواية : كيف بما في صدري تلتقي الفئتان وإحداهما أحب إليّ من الأخرى . وقال لقوم رآهم يلعبون :
ما لي أراكم تلعبون ؟ قالوا : فرغنا ! قال : ما بهذا أُمِرَ الفارغ .
وقال سوار بن عبد الله العنبري : حدَّثنا العلاء بن جرير العنبري ، حدّثني سالم أبو عبد الله ، أنه
قال : شهدت شُريحاً وتقدم إليه رجل فقال : أين أنت ؟ فقال : بينك وبين الحائط ، فقال : إني رجل من
أهل الشام ، فقال : بعيد سحيق ، فقال : إني تزوجت امرأة ، فقال : بالرفاء والبنين(٢) ، قال : إني
اشترطت لها دارها ، قال : الشرط أملك ، قال : اقض بيننا ، قال: قد فعلت(٣).
وقال سفيان : قيل لشريح بأي شيء أصبت هذا العلم؟ قال: بمعاوضة(٤) العلماء ، آخذ منهم
وأعطيهم .
وروى عثمان بن أبي شيبة ، عن عبد الله بن محمد بن سالم ، عن إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن
أبي إسحاق ، عن هبيرة أنه سمع علياً يقول : يا أيها الناس ! يأتوني فقهاؤكم يسألوني وأسألهم ، فلما كان
من الغد غدونا إليه حتى امتلأت الرحبة ، فجعل يسألهم : ما كذا ما كذا ، ويسألونه ما كذا ما كذا
فيخبرهم ويخبرونه حتى إذا ارتفع النهار تصدعوا غير شريح فإنه جاثٍ على ركبتيه لا يسأله عن شيء إلا
أخبره به ، قال : سمعت علياً يقول : قم يا شريح فأنت أقضى العرب(٥) .
(١) الخبر الذي قبله في حلية الأولياء (١٤٥/٤).
في السنة النبوية أن يقول له : بارك الله لك ، وبارك عليك ، وجمع بينكما في خير .
(٢)
(٣) الخبر والذي قبله في حلية الأولياء (١٤٦/٤).
في الحلية (١٤٦/٤): بمقاومة .
(٤)
الخبر في الحلية (١٤٦/٤ - ١٤٧) ووفيات الأعيان (٢/ ٤٦٢) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٠٢).
(٥)

١٦٢
وفيات سنة ٧٨ هـ
وأتت شريحاً امرأتان جدة صبي وأمه يختصمان فيه كل واحدة تقول : أنا أحق به .
وأنتَ المرء نأتيهٍ(١)
أبا مَيَّهْ أتيناك
وكلتانا نقديهِ
أتاك٢) جدهُ وابني
لما نازعتكي فيهِ
فلو كنتِ تأيمتٍ
ولا يذهب بكِ التيهٍ(٣)
تزوجتِ فهاتيه
فهذي قصتي فيهِ
ألا يا أيها القاضي
قالت الأم :
لقد قالت لك الجدَّه
ألا يا أيها القاضي
وقولاً فاستمع مني
تعزي النفسَ عن ابني
ولا تطردني(٤) رده
وکېدي حملتْ كَبْدهْ
يتيماً مفرداً°) وخده
فلما صارَ في حجري
تزوجتُ رجاءَ الخيـ
ومن يُظهرُ لي الودٌ(٦)
ـرٍ منْ يكفيني فقدهْ
ومنْ يحسنُ لي رِفدهْ
فقال شريح :
وعلى القاضي جهدٌ إنْ غفلٍ(٧)
قَدْ سمعَ القاضي ما قلتما ثمَ قضى
وخذي ابنكِ منْ ذاتِ العلل
قالَ للجدةِ : بِيني بالصبي
قبلَ دعوى ما تبتغيه للبدل(1)
إنها لو صبرتْ كانَ لها
فقضى به للجدة .
وقال عبد الرزاق(٩): حدَّثنا معمر بن عون ، عن إبراهيم ، عن شريح أنه قضى على رجل باعترافه
فقال : يا أبا أمية قضيت عليّ بغير بينة ، فقال شريح : أخبرني ابن أخت خالتك .
(١) في الأصل (وأنت المستعان به) وما هنا عن الطبقات .
في الأصل ( جده ابن وأم ) وما هنا عن الطبعات .
(٢)
في الأصل ( الفيه) وهو تحريف وما هنا عن الطبقات .
(٣)
(٤)
في الطبقات : ولا تبطرني .
(٥)
في الطبقات : ضائعاً .
في الطبقات : وده ... ومن يكفل ...
(٦)
في الطبقات : وقضى بينكما ثم فصل .
(٧)
في الطبقات : قبل دعواها تبغيها البدل .
(٨)
(٩) سير أعلام النبلاء (١٠٥/٤).

١٦٣
وفيات سنة ٧٨ هـ
وقال علي بن الجعد(١) : أنبأنا المسعودي عن أبي حصين قال : سئل شريح عن شاة تأكل الذُّباب
فقال : علف مجّان ولبن طيب .
وقال الإمام أحمد٢) : حدَّثنا يحيى بن سعيد ، عن أبي حيان التيمي، حدَّثنا أبي قال : كان شريح
إذا مات لأهله سنَّور أمر بها فألقيت في جوف داره ، ولم يكن له مثعب (٣) شارع إلا في جوف داره يفعل
ذلك اتقاء أن تؤذي المسلمين - يعني أنه يلقي السنَّور في جوف داره لئلا تؤذي بنتن ريحها المسلمين - ،
وكان ميازيب أسطحة داره في جوف الدار لئلا يؤذي بها المارة من المسلمين .
وقال الرياشي(٤) : قال رجل لشريح : إن شأنك لشوين . فقال له شريح : أراك تعرف نعمة الله على
غيرك وتجهلها في نفسك .
وقال الطبراني(٥): حدَّثنا أحمد بن يحيى ثعلب(٦) النحوي ، حدَّثنا عبد الله بن شبيب قال: حدَّثني
عبد الرحمن بن عبد الله بن زياد بن سمعان . قال : كتب شريح إلى أخ له هرب من الطاعون : أما بعد
فإنك والمكان الذي أنت فيه والمكان الذي خرجت منه بعين من لا يعجزه من طلب ، ولا يفوته من
هرب ، والمكان الذي خلفته(٧) لم يعد أمراً لكمامه ومن تظلمه أيامه . وإنك وإياهم لعلى بساط واحد ،
وإن المنتجع من ذي قدرة لقريب .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة(٨): حدَّثنا علي بن مسهر ، عن الشيباني ، عن الشعبي ، عن شريح أن
عمر كتب إليه : إذا جاءك الشيء من كتاب الله فاقض به ولا يلفتنك عنه رجاء ما ليس في كتاب الله ، وانظر
في سنة رسول الله وَليّ فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولا في سنة رسوله فانظر ما اجتمع عليه
الناس فخذْ به ، وفي رواية : فانظر فيما قضى به الصالحون ، فإن لم يكن فإن شئت فتقدم وإن شئت
فتأخر ، وما أرى التأخر إلا خيراً ، والسلام .
وقال شريح : كنت مع علي في سوق الكوفة فانتهى إلى قاصِّ يقص فوقف عليه وقال : أيها
القاص ! تقص ونحن قريبوا العهد . أما إني سائلك فإن تجب فما سألتك وإلّا أدبتك ، فقال القاص :
سل يا أمير المؤمنين عما شئت ، فقال علي : ما ثبات الإيمان وزواله ؟ قال القاص : ثبات الإيمان
(١) حلية الأولياء (١٤٨/٤).
الخبر في حلية الأولياء (١٤٨/٤).
(٢)
(٣)
المثعب : مسيل الماء في السطح .
(٤)
حلية الأولياء (١٤٩/٤).
(٥)
الخبر في تاريخ دمشق (٢١/٢٣) .
(٦)
في الأصل : تغلب ، وهو خطأ .
العبارة في الوفيات لابن خلكان (٤٦٣/٢) : الذي لم يعجل امرءاً جمامه ولم يظلمه أيامه.
(٧)
الخبر في تاريخ دمشق (٢١/٢٣).
(٨)

١٦٤
وفيات سنة ٧٨هـ
الورع وزواله الطمع . قال علي: فذلك ققص. قيل: إن هذا القاص هو نوف البكالي(١).
وقال رجل لشريح : إنك لتذكر النعمة في غيرك وتنساها في نفسك ، قال : إني والله لأحسدك على
ما أرى بك . قال : ما نفعك الله بهذا ولا ضرني (٢) .
وروى جرير عن الشيباني ، عن الشعبي قال : اشترى عمر فرساً من رجل على أن ينظر إليه ، فأخذ
الفرس فسار به فعطب ، فقال لصاحب الفرس : خذ فرسك ، فقال : لا ! قال : فاجعل بيني وبينك
حكماً ، قال الرجل : نعم ! شريح ، قال عمر : ومن شريح ؟ قال : شريح العراقي ، قال : فانطلقا إليه
فقصًا عليه القصّة ، فقال : يا أمير المؤمنين ردّ كما أخذت أو خذ بما ابتعته ، فقال عمر : وهل القضاء إلا
هذا ؟ سر إلى الكوفة فقد وليتك قضاءها، فإنه لأول يوم عرفه يومئذ(٣) .
وقال هشام بن محمد الكلبي(٤) : حدَّثني رجل من ولد سعد بن [ أبي ] وقاص قال: كان لشريح ابن
يدعو الكلاب®) ويهارش بين الكلاب ، فدعا بدواة وقرطاس فكتب إلى مؤدبه فقال :
(٥)
طلبَ الهراشَ مع الغواةِ الرَجْسِ
تركَ الصلاةَ لأكلبٍ يسعى بها
وعظهُ موعظةِ الأديبِ الأکیسِ
فإذا أتاكَ فعفَّهُ بملامة
فإذا ضربتَ بها ثلاثاً فاحبسٍ
فإذا هممت بضربهِ فبدرّةٍ
معَ ما تجرّعني أعزّ الأنفسِ
واعلم بأنكَ ما أتيتَ فنفسُه
وروى شريح، عن عمر، عن عائشة أن النبي ◌ََّ قال لها: ((يا عائشة ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوا
يشِيَعًا﴾ [الأنعام: ١٥٩] إنهم أصحاب البدع وأصحاب الأهواء وأصحاب الضلالة من هذه الأمة، إن لكل
صاحب ذنب توبة ، إلا أصحاب الأهواء والبدع ، أنا منهم بريء وهم مني براء)(٦) .
وهذا حديث ضعيف غريب رواه محمد بن مصفى ، عن بقية ، عن شعبة - أو غيره - عن مجالد ، عن
الشعبي ، وإنما تفرد به بقيّة بن الوليد من هذا الوجه وفيه علة أيضاً .
وروى محمد بن كعب القرظي ، عن الحسن ، عن شريح ، عن عمر بن الخطاب . قال قال
رسول الله وَي: ((إنكم ستغربلون حتى تصيروا في حثالة من الناس قد مرجت عهودهم وخربت
أمانتهم)) فقال قائل: فكيف بنا يا رسول الله؟ فقال: (( تعملون بما تعرفون وتتركون
(١) حلية الأولياء (١٤٩/٤).
(٢)
المصدر نفسه .
حلية الأولياء (١٤٩/٤).
(٣)
الخبر في تاريخ دمشق (٥٠/٢٣ -٥١) وحلية الأولياء (١٤٩/٤ - ١٥٠).
(٤)
(٥)
في الحلية (١٣٦/٤): يدع الكتاب ويهارش الكلاب .
الحديث في المعجم الصغير للطبراني (٢٠٣/١) وحلية الأولياء (٤/ ١٥٠) وقال المؤلف رحمه الله في تفسيره: ولا
(٦)
يصح رفعه .

١٦٥
وفيات سنة ٧٨هـ
ما تنكرون ، وتقولون : أحدٌ أحدٌ ، انصرنا على من ظلمنا واكفنا من بغانا (١) .
وروى الحسن بن سفيان ، عن يحيى بن أيوب ، عن عبد الجبار بن وهب ، عن عبد الله السُّلمي عن
شريح، قال: حدَّثني البدريون منهم عمر بن الخطاب أن رسول الله ثم ◌ّ قال: ((ما من شاب يدع لذّة
الدنيا ولهوها ويستقبل بشبابه طاعة الله تعالى إلا أعطاه الله تعالى أجر اثنين وسبعين صدِّيقاً ، ثم قال :
يقول الله تعالى : أيها الشاب التارك شهوته من أجلي ، المبتذل شبابه لي ، أنت عندي كبعض ملائكتي ))
وهذا حديث غريب(٢) .
وقال أبو داو(٣) : حدَّثنا صدقة بن موسى، حدَّثنا أبو عمران الجوني ، عن قيس بن زيد - وقال
أبو داود : أو عن زيد بن قيس - عن قاضي المصرين شريح ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق : أن
النبيِ وَّر قال: (( إن الله تعالى يدعو صاحب الدَّين يوم القيامة فيقول: يا بن آدم فيم أضعت حقوق
الناس ؟ فيم أذهبت أموالهم؟ فيقول : يا رب لم أفسده ولكن أصبت إما غرقاً وإما حرقاً ، فيقول الله
سبحانه : أنا أحق من قضى عنك اليوم ، فترجح حسناته على سيئاته فيؤمر به إلى الجنة )) . لفظ أبي داود
ورواه يزيد بن هارون عن صدقة به وقال فيه: (( فيدعو الله بشيء فيضعه في ميزانه فيثقل )) ورواه الطبراني
من طريق أبي نعيم ، عن صدقة به ، ورواه الطبراني أيضاً عن حفص بن عمر وأحمد بن داود المكي قالا :
حدَّثنا مسلم بن إبراهيم ، حدَّثنا صدقة به ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
عبد الرحمن(٤) بن غنْمُ(٥) ، الأشعري ، نزيل فلسطين ، وقد روى عن جماعة من الصحابة وقيل إن
له صحبة وقد بعثه عمر بن الخطاب إلى الشام ليفقه أهلها في الدِّين وكان من العبَّاد الصالحين .
جنادة بن [ أبي ] أمية (٦) ، الأزدي ، شهد فتح مصر ، وكان أميراً على غزو البحر لمعاوية ، وكان
موصوفاً بالشجاعة والخير ، توفي بالشام وقد قارب الثمانين .
(١) الحديث أخرجه الطبراني في الأوسط رقم (٦٢٥٢) وأبو نعيم في الحلية (٤/ ١٥١) وإسناده ضعيف، ولبعضه شواهد.
(٢) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٤/ ١٥١).
مسند أبي داود الطيالسي (١٣٢٦)، وهو بسنده ومتنه في مسند الإمام أحمد (١٩٧/١)، وحلية الأولياء (١٤١/٤)
(٣)
وهو حديث ضعيف .
(٤)
في ط : عبد الله؛ خطأ والتصحيح من مصادر الترجمة .
(٥)
ترجمة - عبد الرحمن بن غنم ـ في طبقات ابن سعد (٤٤١/٧) وتاريخ خليفة (٢٧٧) والمعرفة والتاريخ (٣٠٩/٢)
والاستيعاب (٤٢٤/٢) وتاريخ دمشق (٣١١/٣٥ - ٣٢٢) وأسد الغابة (٣٧١/٣) وتهذيب الكمال (٣٣١/١١)
وتاريخ الإسلام للذهبي ( حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٤٧٦ - ٤٧٧ ) وسير أعلام النبلاء (٤ /٤٥ - ٤٦) وتهذيب
التهذيب (٢٥٠/٦ -٢٥١) والإصابة (٩٧/٣ -٩٨) والنجوم الزاهرة (١٩٨/١) وشذرات الذهب (٣٢٠/١).
(٦) ترجمة - جنادة بن أبي أمية - في طبقات ابن سعد (٤٣٩/٧) وتاريخ خليفة (١٨٠) والاستيعاب (٢٤٢/١) وتاريخ
دمشق لابن عساكر (٢٨٧/١١) وتهذيبه (٤٠٩/٣) وأسد الغابة (٢٩٨/١) وتهذيب الكمال (١٣٣/٥) وتاريخ
الإسلام (حوادث سنة ٦١ -٨٠ / ص٣٨٣-٣٨٤) وسير أعلام النبلاء (٦٢/٤) والوافي بالوفيات (١٩٢/١١) والإصابة
(٢٤٥/١) وشذرات الذهب (٨٨/١).

١٦٦
وفيات سنة ٧٨ هـ
العلاء بن زياد(١) ، البصري ، كان من العبّاد الصالحين من أهل البصرة ، وكان كثير الخوف والورع ،
وكان يعتزل في بيته ولا يخالط الناس ، وكان كثير البكاء ، لم يزل يبكي حتى عمي ، وله مناقب كثيرة ،
توفي بالبصرة في هذه السنة .
قلت : إنما كان معظم بكاء العلاء بن زياد بعد تلك الرؤيا التي رآها له رجل من أهل الشام أنه من أهل
الجنة ، فقال له العلاء : أما أنت يا أخي فجزاك الله عن رؤياك لي خيراً ، وأما أنا فقد تركتني رؤياك لا أهدأ
بليل ولا نهار ، وكان بعدها يطوي الأيام لا يأكل فيها شيئاً وبكى حتى كاد يفارق الدنيا ، ويصلي لا يفتر ،
حتى جاء أخوه إلى الحسن البصري فقال : أدرك أخي فإنه قاتل نفسه ، يصوم لا يفطر ، ويقوم لا ينام ،
ويبكي الليل والنهار لرؤيا رآها بعض الناس له أنه من أهل الجنة ، فجاء الحسن فطرق عليه بابه فلم يفتح ،
فقال له : افتح فإني أنا الحسن ، فلما سمع صوت الحسن فتح له ، فقال له الحسن : يا أخي الجنة وما
الجنة للمؤمن ، إن للمؤمن عند الله ما هو أفضل من الجنة ، فقاتل أنت نفسك ؟ فلم يزل به حتى أكل
وشرب وقصر عما كان فيه قليلاً .
وروى ابن أبي الدنيا عنه أنه أتاه آتٍ في مقامه فأخذ بناصيته وقال : يا غلام قم فاذكر الله يذكرك . فما
زالت تلك الشعرات التي أخذ بها قائمة حتى مات .
وقد قيل : إنه كان يرفع له إلى الله كل يوم من العمل الصالح بقدر أعمال خلق كثير من الناس كما رأى
ذلك بعض أصحابه في المنام .
وقال العلاء : نحن قوم وضعنا أنفسنا في النار فإن شاء الله أن يخرجنا منها أخرجنا . وقال : كان
رجل يرائي بعمله فجعل يشمر ثيابه ويرفع صوته إذا قرأ ، فجعل لا يأتي على أحد إلا سبَّه ، ثم رزقه الله
الإخلاص واليقين فخفض من صوته وجعل صلاحه بينه وبين الله ، فجعل لا يأتي على أحد بعد ذلك إلا
دعا له بخير .
سراقة بن مرادس(٢) ، الأزدي ، كان شاعراً مطبقاً ، هجا الحجاج فنفاه إلى الشام فتوفي بها .
النابغة الجعدي(٣) الشاعر .
(١) ترجمة - العلاء بن زياد - في طبقات ابن سعد (٧/ ٢١٧) والمعرفة والتاريخ (٩٣/٢) وحلية الأولياء (٢/ ٢٤٢) وسير
أعلام النبلاء (٢٠٢/٤) والنجوم الزاهرة (٢٠٢/١).
(٢) ترجمة - سراقة بن مرداس - في أنساب الأشراف (١٦٩/٥ و١٧٠) ومواضع أخرى والعقد الفريد (٢/ ١٧٠) وتاريخ
دمشق (٢٠ / ١٥٣) وتهذيبه (٧١/٦ - ٧٣) والأخبار الطوال (٣٠٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص ٤٠٧
-٤٠٨) والوافي بالوفيات (١٣٢/١٥-١٣٣).
(٣) ترجمة - النابغة الجعدي - في الشعر والشعراء (٢٠٨/١ - ٢١٤) وطبقات الشعراء لابن سلام (١٠٣ - ١٠٩) ومعجم
الشعراء للمرزباني (٣٢١) وأنساب الأشراف (٦٢/١ و٢٦٣/٣) وتاريخ خليفة (١٧٧) والعقد الفريد (٢/ ٥٢ و٩٦)
ومواضع أخرى ، والاستيعاب (٥٨١/٣ - ٥٩٣) والأغاني (١/٥ - ٣٤) ووفيات الأعيان (٥٠/٢ و١٧٧ =

١٦٧
أحداث سنة ٧٩ هـ
السائب بن يزيد الكندي(١) ، توفي في هذه السنة .
سفيان بن سلمة (٢) ، الأسدي .
معاوية بن قرة ٣) ، البصري .
زر بن حبيش(*)
ثم دخلت سنة تسع وسبعين
ففيها وقع طاعون عظيم بالشام حتى كادوا يفنون من شدته ، ولم يغز فيها أحد من أهل الشام لضعفهم
وقلتهم ، ووصلت الروم فيها أنطاكية فأصابوا خلقاً من أهلها لعلمهم بضعف الجنود والمقاتلة .
وفيه غزا عبيد الله بن أبي بكرة رُتبيل ملك الترك حتى أوغل في بلاده ، ثم صالحه على مال يحمله إليه
في كل سنة(٥) .
و١٩٣/٥). وأسد الغابة (٢/٥ - ٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٢٥٨ - ٢٦٠) وديوان النابغة
=
الجعدي ط : المكتب الإسلامي ، جمعته ماريا نللينو .
(١) ترجمة - السائب بن يزيد الكندي - في تاريخ خليفة (٢٨٠) وتاريخ البخاري (١٥٠/٤) والاستيعاب (٥٧٦/٢)
وتاريخ دمشق (١٠٦/٢٠) وتهذيبه (٦٣/٦) وأسد الغابة (٢٥٧/٢) وتهذيب الكمال (١٩٣/١٠ - ١٩٦) وتاريخ
الإسلام ( حوادث سنة ٨١-١٠٠ / ص ٣٦٣ - ٣٦٦) وسير أعلام النبلاء (٤٣٧/٣ - ٤٣٩) والوافي بالوفيات
(١٥/ ١٠٤) وتهذيب التهذيب (٣/ ٤٥٠) والإصابة (١٢/٢) وشذرات الذهب (٩٩/١).
وذكر الذهبي في تاريخ الإسلام الخلاف في سنة وفاته وهي ما بين سنة إحدى وتسعين وأربع وتسعين . وذكره هنا
وهم والله أعلم وأحكم .
لم أجد له ترجمة فيما لدي من المصادر .
(٢)
ترجمة - معاوية بن قرة - في طبقات ابن سعد (٢٢١/٧) وتاريخ خليفة (٢٥٧) وطبقاته (٢٠٧) وتاريخ البخاري
(٣)
(٣٣٠/٧) وتهذيب الكمال (٢١٠/٢٨) وسير أعلام النبلاء (١٥٣/٥_١٥٥) وتهذيب التهذيب (٢١٦/١٠).
(٤) ترجمة - زر بن حبيش - في طبقات ابن سعد (١٠٤/٦) وتاريخ خليفة (٢٨٨) وطبقاته (١٤٠) والاستيعاب
(٥٦٣/٢) وحلية الأولياء (١٨١/٤ - ١٩١) وتهذيب تاريخ دمشق (٣٧٧/٥ - ٣٧٩) وأسد الغابة (٢/ ٣٠٠) وتهذيب
الكمال (٣٣٥/٩ - ٣٣٩) ووفيات الأعيان (٩/٣) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ١٠٠ / ص٦٦ - ٦٨) وسير
أعلام النبلاء (١٦٦/٤ - ١٧٠) والوافي بالوفيات (١٤/ ١٩٠ -١٩١) وتهذيب التهذيب (٣٢١/٣ -٣٢٢) والإصابة
(١/ ٥٧٧) وشذرات الذهب (٩١/١ و١٠٢).
وقال الذهبي في تاريخ الإسلام والسير : قال أبو عبيد : مات زر سنة إحدى وثمانين وقال خليفة ، والفلاس : سنة
اثنتين . وكل التراجم بعد ترجمة جابر بن عبد الله زيادة من ط .
(٥) من قوله: ثم صالحه ... إلى هنا ساقط من أ وحدها والخبر اختصار لما في الطبري (٣٢٢/٦ - ٣٢٣) وابن الأثير
(٤ / ٤٥٠ - ٤٥١) .

١٦٨
أحداث سنة ٧٩ هـ
وفيها قتل عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين الحارثَ بن سعيد المتنبىء الكذاب(١) ، ويقال له :
الحارث بن عبد الرحمن بن سعد (٢) الدمشقي ، مولى أبي الجلاس العبدري ، ويقال مولى الحكم بن
مروان(٣) ، كان أصله من الحولة ، فنزل دمشق ، وتعبد بها وتنسك وتزهد ، ثم مكر به ورجع القهقرى
على عقبيه ، وانسلخ من آيات الله تعالى ، وفارق حزب الله المفلحين ، وأتبعه الشيطان فكان من الغاوين
ولم يزل الشيطان يزج في قفاه حتى أخسره دينه ودنياه وأخراه وأشقاه فيهما وأخزاه . فإنا لله وإنا إليه
راجعون ، وحسبنا الله [ ولا حول ولا قوة إلا بالله ].
قال أبو بكر بن أبي خيثمة: حدَّثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي(٤) ، حدَّثنا محمد بن مبارك ، نبأنا
الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن حسان قال : كان الحارث الكذاب من أهل دمشق ، وكان مولى
لأبي الجلاس ، وكان له أب بالحُوْلَةُ(٥) ، فعرض له إبليس ، كان رجلاً متعبداً زاهداً لو لبس جبة من ذهب
لرؤيت عليه الزهادة والعبادة ، قال : وكان إذا أخذ بالتحميد لم يسمع السَّامعون مثل تحميده ولا أحسن
من كلامه ، فكتب إلى أبيه وكان بالحولَة : يا أبتاه أعجل عليّ فإني قد رأيت أشياء أتخوف أن يكون
الشيطان قد عرض لي ، قال فزاده أبوه غيّاً على غيه(٦) ، فكتب إليه أبوه : يا بني أقبل على ما أمرت به فإن
الله تعالى يقول: ﴿هَلْ أُتَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ ﴿ْ تَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّالِكٍ أَثِمٍ﴾ [ الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢] ولست
بأفاك ولا أثيم ، فامض لما أمرت به ، وكان يجيء إلى أهل المسجد رجلاً رجلاً فيذاكرهم أمره ويأخذ
عليهم العهد والميثاق إن هو يرى ما يَرْضى وإلا كتم عليه .
قال : وكان يريهم الأعاجيب . كان يأتي إلى رخامة في المسجد فينقرها بيده فتسبح [ تسبيحاً بليغاً
حتى يضج من ذلك الحاضرون ] .
قلت : وقد سمعت شيخنا العلامة أبا العباس بن تيمية رحمه الله يقول : كان ينقر هذه الرخامة
الحمراء التي في المقصورة فتسبح ، وكان زنديقاً .
قال ابن أبي خيثمة في روايته : وكان الحارث يطعمهم فاكهة الشتاء في الصيف ، وفاكهة الصيف في
(١) ترجمة - الحارث بن سعيد الكذاب - في تاريخ دمشق لابن عساكر (٤٢٧/١١-٤٣١) وتهذيبه (٤٤٥/٣) وتاريخ
الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٣٨٦) والوافي بالوفيات (٢٥٤/١١) ولسان الميزان (٢/ ١٥١).
(٢)
في ط : سعيد ، وما أثبت عن ب ، م وتاريخ دمشق .
(٣)
في تاريخ دمشق : مولى مروان بن الحكم .
في ط : الجولي، وما أثبت عن أ، م وتاريخ دمشق (٤٢٨/١١).
(٤)
الحولة - بالضم ثم السكون - اسم لناحيتين بالشام إحداهما من أعمال حمص والثانية كورة بين بانياس وصور من
(٥)
أعمال دمشق . معجم البلدان (٢/ ٣٢٣).
(٦) في تاريخ دمشق : فزاده أبوه عناءً .

١٦٩
أحداث سنة ٧٩ هـ
الشتاء ، وكان يقول لهم: اخرجوا حتى أريكم الملائكة، فيخرج بهم إلى دير المرَّادُ(١) فيريهم رجلاً على
خيل ، فتبعه على ذلك بشر كثير ، وفشا أمره في المسجد وكثر أصحابه وأتباعه ، حتى وصل الأمر إلى
القاسم بن مُخَيْمرة ، قال فعرض على القاسم أمره وأخذ عليه العهد إن هو رضي أمراً قبله ، وإن كرهه كتم
عليه ، قال فقال له : إنه نبي ، فقال القاسم : كذبتَ يا عدو الله ، ما أنت نبي ، وفي رواية : ولكنك أحد
الكذابين الدجالين الذين أخبر عنهم رسول الله وَ له: ((إن الساعة لا تقوم حتى يخرج ثلاثون دجالون
كذابون كلهم يزعم أنه نبي (٢) وأنت أحدهم ولا عهد لك . ثم قام فخرج إلى أبي إدريس - وكان على
القضاء بدمشق - فأعلمه بما سمع من الحارث فقال أبو إدريس نعرفه ، ثم أعلم أبو إدريس عبد الملك
بذلك .
وفي رواية أخرى أن مكحولا وعبد الله بن أبي زائدة دخلا على الحارث فدعاهما إلى نبوته فكذّباه وردا
عليه ما قال ، ودخلا على عبد الملك فأعلماه بأمره ، فتطلَّبه عبد الملك طلباً حثيثاً ، واختفى الحارث
وصار إلى دار بيت المقدس يدعو إلى نفسه سراً واهتم عبد الملك بشأنه حتى ركب إلى الصِّنَّْرَةُ(٣) فنزلها
فورد عليه هناك رجل من أهل البصرة ممن كان يدخل على الحارث وهو ببيت المقدس فأعلمه بأمره وأين
هو ، وسأل من عبد الملك أن يبعث معه بطائفة من الجند الأتراك ليحتاط عليه ، فأرسل معه طائفة وكتب
إلى نائب القدس ليكون في طاعة هذا الرجل ويفعل ما يأمره به ، فلما وصل الرجل إلى بيت المقدس بمن
معه انتدب الوالي لخدمته ، فأمره أن يجمع ما يقدر عليه من الشموع ويجعل مع كل رجل شمعته ، فإذا
أمرهم بإشعالها في الليل أشعلوها كلهم في سائر الطرق والأزقة حتى لا يخفى أمره ، وذهب الرجل بنفسه
فدخل الدار التي فيها الحارث فقال لبوابه استأذن على نبي الله ، فقال : في هذه الساعة لا يؤذن عليه حتى
يصبح ، فصاح البصري أسرجوا ، فأسرج الناس شموعهم حتى صار الليل كأنه النهار ، وهجم البصري
على الحارث فاختفى منه في سرب هناك فقال أصحابه هيهات يريدون أن يصلوا إلى نبي الله ، إنه قد رفع
إلى السماء ، قال فأدخل البصري يده في ذلك السرب فإذا بثوبه فاجتره فأخرجه ، ثم قال للفرغانيين من
أتراك الخليفة : تسلَّموا . قال : فأخذوه فربطوه وقيدوه ، فيقال : إن القيود والجامعة سقطت من عنقه
مراراً ويعيدونها ، وجعل يقول: ﴿ قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَآ أَضِلُّ عَلَى نَفْسِىٌّ وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِىَ إِلَىَّ رَبِّتَّ إِنَّهُ سَمِيعٌ
قَرِيبٌ﴾ [سبأ: ٥٠] وقال لأولئك الأتراك ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨]؟ فقالوا له
بلسانهم ولغتهم : هذا كراننا فهات كرانك ، أي : هذا قرآننا فهات قرآنك ، فلما انتهوا به إلى عبد الملك
(١) دير مُرّان - بضم الميم وتشديد الراء - دير بالقرب من دمشق على تل مشرف على مزارع الزعفران . . معجم البلدان
(٢ / ٥٣٣) .
(٢) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٠٩) في المناقب، ومسلم في صحيحه رقم (١٥٧) (٨٤) في الفتن
وأشراط الساعة .
(٣) في ط : النصرية؛ تحريف، والصِّنَّبْرَة - بالكسر ثم الفتح والتشديد ثم سكون الباء الموحدة وراء - موضع بالأردن بينه
وبين طبرية ثلاثة أميال ، كان معاوية يشتوبها معجم البلدان (٤٢٥/٣) .

١٧٠
أحداث سنة ٧٩هـ
أمر بصلبه على خشبة وأمر رجلاً فطعنه بحربة فانثنت في ضلع من أضلاعه ، فقال له عبد الملك : ويحك
أذكرت اسم الله حين طعنته ؟ فقال : نسيت ، فقال : ويحك سمِّ الله ثم اطعنه ، قال فذكر اسم الله ثم طعنه
فأنفذه ، وقد كان عبد الملك حبسه قبل صلبه وأمر رجالاً من أهل الفقه والعلم أن يعظوه ويعلموه أن هذا
الذي به من الشيطان ، فأبى أن يقبل منهم فصلبه بعد ذلك ، وهذا من تمام العدل والدين .
وقد قال الوليد بن مسلم ، عن ابن جابر ، فحدَّثني منْ سمع عتبة الأعور يقول : سمعت العلاء بن
زياد العدوي يقول: ما غبطت عبد الملك بشيء من ولايته إلا بقتله حارثاً، حدثت أن رسول الله مَ له قال:
(( لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه نبي ، فمن قاله فاقتلوه ، ومن قتل منهم
أحداً فله الجنة)(١) .
وقال الوليد بن مسلم : بلغني أن خالد بن يزيد بن معاوية قال لعبد الملك لو حضرتُكَ ما أمرتُكَ
بقتله ، قال : ولم ؟ قال : إنه إنما كان به المذهَّب(٢) فلو جَوَّعْتَه(٣) لذهب ذلك عنه .
وقال الوليد ، عن المنذر بن نافع ، سمعت خالد بن اللَّجْلاج يقول لغَيْلان: ويحك يا غَيْلان ، ألم
تأخذك في شبيبتك ترامي النساء في شهر رمضان بالتفاح ، ثم صرت حارثياً تُحجب امرأته وتزعم أنها
أم المؤمنين ثم تحولت فصرت قدرياً زنديقا٤ً) ؟.
وفيها غزا عُبيد الله بن أبي بكرة رُتبيل ملك الترك الأعظم فيهم ، وقد كان يصانع المسلمين تارة
ويتمرد أخرى ، فكتب الحجاج إلى عبيد الله بن أبي بكرة أن ناجزه بمن معك من المسلمين حتى تستبيح
أرضه وتهدم قلاعه وتقتل مقاتلته ، فخرج في جمع من الجنود من بلاده وخلق من أهل البصرة والكوفة
ثم التقى مع رُتبيل ملك الترك فكسره وهدم أركانه بسطوة بتَّارة ، وجاس ابن أبي بكرة وجنده خلال
ديارهم ، واستحوذ على كثير من أقاليمه ومدنه وأمصاره ، وتَبَّر ما هنالك تتبيراً ، ثم إن رتبيل تقهقر منه
وما زال يتبعه حتى اقترب من مدينته العظمى ، حتى كانوا منها على ثمانية عشر فرسخاً وخافت الأتراك
منهم خوفاً شديداً ، ثم إن الترك أخذت عليهم الطرق والشعاب وضيقوا عليهم المسالك حتى ظن كلٌّ من
المسلمين أنه لا محالة هالك ، فعند ذلك طلب عبيد الله أن يصالح رُتبيل على أن يدفع إليه سبعمئة
ألف (٥) ، ويفتحوا للمسلمين طريقاً يخرجون منه ويرجعون عنهم إلى بلادهم ، فانتدب شُرَيح بن هانىء
- وكان صحابياً ، وكان من أكبر أصحاب علي وهو المقدم على أهل الكوفة - فندب الناس إلى القتال
والمصابرة والنزال والجلاد بالسيوف والرماح والنبال ، فنهاه عبيد الله بن أبي بكرة فلم ينته ، وأجابه
(١) تاريخ دمشق (١١/ ٤٢٧) . والشطر الأول من الحديث صحيح تقدم قبل قليل .
(٢)
في تاريخ دمشق : إن معه شيطاناً يقال له المذهَّب .
(٣)
في ب : فلو جزعته .
الخبر في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٣٨٩).
(٤)
(٥) في ب: ستمئة ألف، وما أثبت يوافق الطبري (٣٢٣/٦) وابن الأثير (٤٥٠/٤).

١٧١
أحداث سنة ٧٩هـ
شرذمة (١) من الناس من الشجعان وأهل الحفائظ ، فما زال يقاتل بهم الترك حتى فني أكثر المسلمين رضي
الله عنهم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .
قالوا وجعل شُرَيح بن هانىء يرتجز يومئذٍ ، ويقول :
قدْ عِشتُ بينَ المشرِكينَ أعصُرا
أصبحتُ ذا بثِّ أقاسي الكِبَرَا
وَبعدَهُ صِدّيقَهُ وعُمَرَا
ثم٢) أدركتُ النبيَّ المُنْذِرا
والجْمعَ في صِفّينِهِمْ والنَّهَر(٣)
ويومَ مهرانَ ويومَ تُسْتُرا
هَيْهات ما أطولَ هذا عُمُرا
ثم قاتل حتى قتل رحمه الله تعالى ورضي الله عنه ، وقُتل معه خلق من أصحابه ، ثم خرج من خرج من الناس
صحبة عبيد الله بن أبي بكرة من أرض رُتبيل ، وهم قليل ، وبلغ ذلك الحجاج فأخذ ما تقدم وما تأخر ، وكتب
إلى عبد الملك يعلمه بذلك ويستشيره في بعث جيش كثيف إلى بلاد رتبيل لينتقموا منه بسبب ما حلَّ بالمسلمين في
بلاده ، فحين وصل البريد إلى عبد الملك كتب إلى الحجاج بالموافقة على ما رأى من المصلحة في ذلك ، [ وأن
يعجل ذلك سريعاً ، فحين وصل البريد إلى الحجاج بذلك أخذ في جمع الجيوش ] فجهز جيشاً كثيفاً لذلك على
ما سيأتي تفصيله في السنة الآتية بعدها . [ وقيل : إنه قتل من المسلمين مع شريح بن هانىء ثلاثون ألفاً وابتيع
الرغيف مع المسلمين بدينار وقاسوا شدائد ، ومات بسبب الجوع منهم خلق كثير أيضاً ، فإنا لله وإنا إليه
راجعون . وقد قتل المسلمون من الترك خلقاً كثيراً أيضاً قتلوا أضعافهم (٤) .
ويقال إنه في هذه السنة استعفى شريح من القضاء فأعفاه الحجاج من ذلك ، وولى مكانه أبا بردة بن
أبي موسى الأشعري(٥) . [ وقد تقدمت ترجمة شريح عند وفاته في السنة الماضية ، والله أعلم ].
قال الواقدي وأبو معشر وغير واحد من أهل السير : وحجَّ بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان أمير
المدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة والسلام .
وفي هذه السنة قتل قَطَري بن الفُجاءة التميمي أبو نعامة الخارجي(٦) ، وكان من الشجعان المشاهير
أيضاً ، ويقال إنه مكث عشرين سنة يسلم عليه أصحابه من الخوارج بالخلافة ، وقد جرت له خطوب
وحروب مع جيش المهلب بن أبي صفرة من جهة الحجاج وغيره ، وقد قدمنا منها طرفاً صالحاً في أماكنه،
(١) في الطبري وابن الأثير : فاتبعه ناس من المقطوعة غير كثير وفرسان الناس وأهل الحفاظ .
(٢)
في ابن الأثير : ثمة أدركنا .
بعده في الطبري وابن الأثير :
(٣)
((ويا جميرات مع المشقّرا))، وليس المصراع في ابن الأعثم .
ما بين معكوفين : زيادة من ط .
(٤)
الخبر في تاريخ الطبري (٣٢٤/٦) وابن الأثير (٤٥٢/٤).
(٥)
(٦) تاريخ الطبري (٣١٨/٦) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٣٣٦).

١٧٢
وفيات سنة ٧٩هـ
[ وكان خروجه في زمن مصعب بن الزبير ، وتغلب على قلاع كثيرة وأقاليم وغيرها ، ووقائعه مشهورة ،
وقد أرسل إليه الحجاج جيوشاً كبيرة فهزمها ، وقيل إنه برز إليه رجل من بعض الحرورية وهو على فرس
أعجف وبيده عمود حديد ، فلما قرب منه كشف قَطَري عن وجهه فولى الرجل هارباً فقال له قَطَري إلى
أين ؟ أما تستحي أن تفر ولم تر طعناً ولا ضرباً ؟ فقال إن الإنسان لا يستحي أن يفر من مثلك ، ثم إنه في
آخر أمره توجه إليه سفيان بن الأبرد الكلبي في جيش فاقتتلوا بطبرستان ، فعثر بقطري فرسه فوقع إلى
الأرض فتكاثروا عليه فقتلوه وحملوا رأسه إلى الحجاج، وقيل إن الذي قتله سَوْرةُ بن أبجَر الدارمي(١) ،
وكان قَطري بن الفُجاءة مع شجاعته المفرطة وإقدامه من خطباء العرب المشهورين بالفصاحة والبلاغة
وجودة الكلام والشعر الحسن ] ومن مستجاد شعره قوله يشجع نفسه وغيره ومن سمعها انتفع بها :
من الأبطالِ ويحكِ لنْ تُراعي
أقولُ لها وقد طارت شعاعاً
على الأجَلِ الذي لكِ لم تُطاعي
فإنكِ لو سألتٍ(٢) بقاء يومٍ
فما نَيَّلُ الخلودِ بمستطاعِ
فصبْراً في مجالِ الموتِ صبراً
فيُطوى عن أخي الخنَعِ اليَراعِ
ولا ثوبُ الحياةِ بثوبِ عزّ
وداعيهِ لأهلِ الأرضِ داعٍ
سبيلُ الموتِ غايةُ كلِّ حيٍ
وتُسْلِمِهُ المنونُ إلى انقطاع
ومنْ لا يُعتَبَطْ(٣) يسأم ويَهْرِمْ
إذا ما عُدَّ مِنْ سَقَطِ المتاعِ
وما للمرءِ خيرٌ في حياةٍ
ذكرها صاحب الحماسة واستحسنها ابن خلكان في تاريخه (٤) كثيراً .
[ وفيها توفي :
عبيد الله بن أبي بكرة°) رحمه الله وهو أمير الجيش الذي دخل بلاد الترك وقاتلوا رُتبيل ملك الترك ،
وقد قتل من جيشه خلق كثير مع شريح بن هانىء كما تقدم ذلك ، وقد دخل عبيد الله بن أبي بكرة على
الحجاج مرة وفي يده خاتم فقال له الحجاج: وكم ختمت بخاتمك هذا ؟ قال على أربعين ألف ألف دینار،
قال ففيم أنفقتها ؟ قال: في اصطناع المعروف ، ورد الملهوف ، والمكافأة بالصَّنَاع ، وتزويج العقائل.
(١) في الطبري: سورة بن أبجر التميمي ، وفي ابن الأثير : سورة بن الحر التميمي .
في ط: ((طلبت))، وما أثبتناه من م ووفيات الأعيان وتاريخ الإسلام.
(٢)
(٣)
في ط : ((فمن لا يغتبط))، وما أثبتناه من م ووفيات الأعيان وتاريخ الإسلام.
الأبيات في وفيات الأعيان لابن خلكان (٩٥/٤) وشعر الخوارج (١٢٢-١٢٣) وأمالي المرتضى (٦٣٦/١) وتاريخ
(٤)
الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٥١١).
ترجمة - عبيد الله بن أبي بكرة - في طبقات ابن سعد (٧/ ١٩٠) وتاريخ خليفة (٢١٠) وطبقاته (٢٠٣) وتاريخ دمشق
(٥)
لابن عساكر (١٢٩/٣٨ - ١٤٢) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٤٧٧) وسير أعلام النبلاء (١٣٨/٤)
والنجوم الزاهرة (٢٠٢/١) وشذرات الذهب (٣٢٥/١).

١٧٣
أحداث سنة ٨٠ هـ
وقيل : إن عبيد الله عطش يوماً فأخرجت له امرأة كوز ماء بارد فأعطاها ثلاثين ألفاً ، وقيل إنه أهدي
إليه وصيف ووصيفة وهو جالس بين أصحابه فقال لبعض أصحابه خذهما لك ، ثم فكر وقال : والله إن
إيثار بعض الجلساء على بعض لشح قبيح ودناءة رديئة ، ثم قال يا غلام ادفع إلى كل واحد من جلسائي
وصيفاً ووصيفة ، فأحصي ذلك فكانوا ثمانين وصيفاً ، ووصيفة توفي عبيد الله بن أبي بكرة بيست(١) ،
وقيل بذرخ ، والله سبحانه وتعالى أعلم وأحلم ، والحمد لله رب العالمين ]٢) .
ثم دخلت سنة ثمانين من الهجرة النبوية
فيها كان السيل الجحاف(٣) بمكة، لأنه جحف على كل شيء مر به ، وحمل الحُجَّاج من بطن مكة
والجمال بما عليها ، والرجال والنساء لا يستطيع أحد أن ينقذهم منه [ وبلغ الماء إلى الحجون ، وغرق
خلق كثير ، وقيل إنه ارتفع حتى كاد أن يغطي البيت ، والله أعلم ] .
وحكى ابن جرير(٤) عن الواقدي أنه قال : كان بالبصرة في هذه السنة الطاعون ، والمشهور أنه كان في
سنة تسع وستين كما تقدم .
وفيها قطع المهلَّب بن أبي صفرة نهر بلخ، وأقام بكش(٥) سنتين صابراً مصابراً للأعداء من الأتراك،
وجرت له معهم هناك فصول يطول ذكرها ، وفد عليه في غضون هذه المدة كتاب ابن الأشعث بخلعه
الحجاج ، فبعثه المهلب برمته إلى الحجاج حتى قرأه ثم كان ما سيأتي بيانه وتفصيله في السنين الآتية من
حروب ابن الأشعث .
وفي هذه السنة جَهَّز الحجاج الجيوش من البصرة والكوفة وغيرهما لقتال رُتبيل ملك الترك اقتصاصاً
لمن قتل من أصحاب عبيد الله بن أبي بكرة في السنة الماضية ، فجهّز أربعين ألفاً من كلٍّ من المصرينِ
عشرين ألفاً ، وأمَّر على الجميع عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث مع أنه كان الحجاج يبغضه جداً ، حتى
قال ما رأيته قط إلا هممت بقتله ، ودخل ابن الأشعث يوماً على الحجّاج وعنده عامر الشعبي(٦) فقال انظر
(١) بست - بالضم - مدينة بين سجستان وغزنين وهراة، وأظنها من أعمال كابل. معجم البلدان (١/ ٤١٤).
(٢) ما بين معكوفين زيادة من ط .
(٣) نقل محقق تاريخ مكة للأزرقي (١١٨/٢) عن البلاذري قوله : سيل الجحاف والجراف أيضاً، والجحاف والجراف
بمعنى واحد وهو الذي يجرف كل شيء ويذهب به .
وذكر الأزرقي أن الناس رقوا في الجبال ، واعتصموا بها ، فسمي بذلك الجحاف ، وكان يوم الإثنين يوم التروية .
(٤)
تاريخ الطبري (٣٢٥/٦) .
كَشُّ - بالفتح ثم التشديد؛ قرية على ثلاث فراسخ من جرجان على جبل . معجم البلدان (٤/ ٤٦٢).
(٥)
(٦) هو عامر بن شراحيل الشعبي ، من التابعين ، اتصل بعبد الملك بن مروان فكان نديمه وسميره ورسوله إلى ملك
الروم سنة ١٠٣ هـ بالكوفة. تهذيب التهذيب (٦٥/٥) وتهذيب تاريخ دمشق (١٣٨/٧).

١٧٤
أحداث سنة ٨٠ هـ
إلى مشيته والله لقد هممت أن أضرب عنقه ، فأسرَّها الشعبي إلى ابن الأشعث فقال ابن الأشعث : وأنا والله
لأجهدن أن أزيله عن سلطانه إن طال بي وبه البقاء . والمقصود أن الحجاج أخذ في استعراض هذه
الجيوش وبذل فيهم العطاء ثم اختلف رأيه فيمن يؤمِّر عليهم ، ثم وقع اختياره على عبد الرحمن بن
محمد بن الأشعث ، فقدّمه عليهم ، فأتى عمه إسماعيل بن الأشعث فقال للحجاج : إني أخاف أن تؤمره
فلا ترى لك طاعة إذا جاوز جسر الفرات (١) ، فقال: ليس هو هنالك هو لي أهيب ، ومني أرغب أن
يخالف أمري أو يخرج عن طاعتي ، فأمضاه عليهم ، فسار ابن الأشعث بالجيوش نحو أرض رتبيل ، فلما
بلغ رُتبيل مجيء ابن الأشعث بالجنود إليه كتب إليه يعتذر مما أصاب المسلمين في بلاده في السنة
الماضية ، وأنه كان لذلك كارهاً ، وأن المسلمين هم الذين ألجؤوه إلى قتالهم ، وسأل من ابن الأشعث أن
يصالحه وأن يبذل للمسلمين الخراج ، فلم يجبه ابن الأشعث إلى ذلك ، وصمم على دخول بلاده ،
وجمع رُتبيل جنوده وتهيأ للحرب ، وجعل ابن الأشعث كلما دخل بلداً أو مدينة أو أخذ قلعة من بلاد رُتبيل
استعمل عليها نائباً من جهته وجعل معه من يحفظها له ، وجعل المسالح على كل أرض ومكان مخوف ،
فاستحوذ على بلاد كثيرة من بلاد رُتبيل ، وغنم أموالًا كثيرة جزيلة ، وسبى خلقاً كثيرة ، ثم حبس
الناس(٢) عن التوغل في بلاد رُتبيل حتى يصلحوا ما بأيديهم من البلاد، ويتقووا بما فيها من المغلات
والحواصل ، ثم يتقدمون في العام المقبل إلى أعدائهم فلا يزالون يجوزون الأراضي والأقاليم حتى
يحاصروهم في بلادهم على الكنوز والأموال والذراري حتى يغنموها ثم يقتلون مقاتلتهم ، وعزموا على
ذلك ، وكان هذا هو الرأي ، وكتب ابن الأشعث إلى الحجاج يخبره بما وقع من الفتح وما صنع الله لهم ،
وبهذا الرأي الذي رآه لهم .
وقال بعضهم كان الحجاج قد وجه هِميان بن عديِّ السدوسيّ إلى كرمان مَسلَحة لأهلها ليمد عامل
سجستان والسِّند إن احتاجا إلى ذلك ، فعصى هِميان ومن معه على الحجاج ، فوجه الحجاج إليه ابن
الأشعث لمحاربته فهزمه وأقام ابن الأشعث بمن معه ، ومات عبيد الله بن أبي بكرة فكتب الحجاج إلى ابن
الأشعث بإمرة سجستان مكان ابن أبي بكرة وجهز إليه جيشاً أنفق عليه ألفي ألف سوى أعطياتهم ، وكان
يدعى هذا الجيش جيش الطواويس ، وأمره بالإقدام على رُتبيل فكان من أمره معه ما تقدم .
قال الواقدي وأبو معشر : وحج بالناس في هذه السنة أبان بن عثمان .
وقال غيرهما : بل حج بهم سليمان بن عبد الملك .
وكان على الصائفة في هذه السنة الوليد بن عبد الملك ، وعلى المدينة أبان بن عثمان ، وعلى
(١) في ط : الصراة؛ وما أثبت يوافق الطبري (٣٢٨/٦) وابن الأثير (٤/ ٤٥٥).
(٢) في أوحدها : ثم جرّأ الناس على التوغل ... وما أثبت يوافق الطبري (٣٢٩/٦).

١٧٥
وفيات سنة ٨٠ هـ
المشرق بكماله الحجاج ، وعلى قضاء الكوفة أبو بردة بن أبي موسى ، وعلى قضاء البصرة موسى بن
أنس بن مالك (١) .
وممن توفي في هذه السنة من الأعيان :
أسلم مولى عمر بن الخطاب(٢) ، وهو أبو زيد بن أسلم أصله من سبي عين التمر اشتراه عمر بمكة لما
حج سنة إحدى عشرة ، وتوفي وعمره مئة وأربع عشرة سنة ، وروى عن عمر عدة أحاديث ، وروى عن
غيره من أصحابه أيضاً وله مناقب كثيرة رحمه الله .
وجبير بن نفير(٣) بن مالك الحضرمي ، له صحبة ورواية ، وكان من علماء أهل الشام وكان مشهوراً
بالعبادة والعلم .
توفي بالشام وعمره مئة وعشرون سنة ، وقيل أكثر ، وقيل أقل .
عبد الله بن جعفر بن أبي طالب(٤) ، صحابي جليل ، ولد بأرض الحبشة وأمه أسماء بنت عميس ،
وهو آخر من رأى النبي ◌َّ من بني هاشم وفاة، سكن المدينة، ولما استشهد أبوه جعفر بمؤتة ((أتى النبي
وَ يّ إلى أمهم فقال: ائتوني ببني أخي)) فأُتي بهم كأنهم أفرخ ، فدعا بالحلاق فحلق رؤوسهم ثم قال:
((اللهم اخلف جعفراً في أهله وبارك لعبد الله في صفقته)) فجاءت أمهم فذكرت للنبي وَّ أنه ليس لهم
شيء، فقال (( أنا لهم عوضاً من أبيهم)(٥) .
وقد بايع النبي ◌ُّ عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير وعمرهما سبع سنين، وهذا لم يتفق
لغيرهما ، وكان عبد الله بن جعفر من أسخى الناس ، يعطي الجزيل الكثير ويستقله ، وقد تصدق مرة
بألفي ألف ، وأعطى مرة رجلاً ستين ألفاً، ومرة أعطى رجلاً أربعة آلاف دينار ، وقيل إن رجلاً جلب مرة
تاريخ الطبري (٣٢٩/٦ - ٣٣٠).
(١)
ترجمة - أسلم مولى عمر - في طبقات ابن سعد ( ١٠/٥) وتاريخ خليفة (١١٧) وطبقاته (٢٣٥) وتهذيب تاريخ
(٢)
دمشق (٩/٣ - ١٢) وأسد الغابة (٧٧/١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠/ ٣٦١) وسير أعلام النبلاء
(٩٨/٤) والإصابة (٣٨/١) وشذرات الذهب (٣٢٧/١).
(٣) ترجمة - جبير بن نفير - في طبقات ابن سعد (٧/ ٤٤٠) وتاريخ خليفة (٢٨٠) وطبقاته (٣٠٨) وحلية الأولياء
(٣٣/٥) والاستيعاب (٢٣٤/١) وأسد الغابة (٢٧٢/١) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص٣٨١)
وسير أعلام النبلاء (٧٦/٤) والإصابة (٢٥٩/١) وشذرات الذهب (٣٢٨/١).
(٤) ترجمة - عبد الله بن جعفر - في نسب قريش (٨١ - ٨٢) وتاريخ خليفة (١٨٤) وطبقاته (١٢٦) والاستيعاب
(٢٧٥/٢) وأسد الغابة (٣٢٨/٧) وتاريخ دمشق (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد/ ١٧) وتهذيبه (٣٢٨/٧)
وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠ / ص ٤٢٧) وسير أعلام النبلاء ( ٤٥٦/٣) والإصابة (٢٨٩/٢) وشذرات
الذهب (٣٢٦/١) .
(٥) الحديث أخرجه أحمد في مسنده (٢٠٤/١) وأبو داود في سننه (٤١٩٢) مختصراً ، والنسائي في سننه
(١٨٢/٨) وهو حديث صحيح .

١٧٦
وفيات سنة ٨٠هـ
سكَّراً إلى المدينة فكسد عليه فلم يشتره أحد فأمر ابن جعفر قيّمه أن يشتريه وأن يهديه للناس . وقيل : إن
معاوية لما حج ونزل في دار مروان قال يوماً لحاجبه : انظر هل ترى بالباب الحسن أو الحسين أو ابن جعفر
أو فلاناً - وعدَّ جماعة - فخرج فلم ير أحداً ، فقيل له : هم مجتمعون عند عبد الله بن جعفر يتغدون ، فأتى
معاوية فأخبره فقال : ما أنا إلا كأحدهم ، ثم أخذ عصاً فتوكأ عليها ثم أتى باب ابن جعفر فاستأذن عليه
ودخل فأجلسه في صدر فراشه ، فقال له معاوية : أين غداؤك يا بن جعفر ؟ فقال : وما تشتهي من شيء
فأدعو به ؟ فقال معاوية : أطعمنا مخاً ، فقال يا غلام : هات مخاً ، فأتى بصحيفة فأكل معاوية ، ثم قال
ابن جعفر لغلامه : هات مخاً ، فجاء بصحيفة أخرى ملآنة مخاً إلى أن فعل ذلك ثلاث مرات ، فتعجب
معاوية وقال : يا بن جعفر ما يشبعك إلا الكثير من العطاء ، فلما خرج معاوية أمر له بخمسين ألف دينار .
وكان ابن جعفر صديقاً لمعاوية وكان يفد عليه كل سنة فيعطيه ألف ألف درهم ، ويقضي له مئة
حاجة . ولما حضرت معاوية الوفاة أوصى ابنه يزيد ، فلما قدم ابن جعفر على يزيد قال له : كم كان أمير
المؤمنين يعطيك كل سنة ؟ قال ألف ألف . فقال له : قد أضعفناها لك ، وكان يعطيه ألفي ألف كل سنة ،
فقال له عبد الله بن جعفر : بأبي أنت وأمي ما قلتها لأحد قبلك ، ولا أقولها لأحد بعدك ، فقال يزيد :
ولا أعطاكها أحد قبلي ولا يعطيكها أحد بعدي .
وقيل إنه كان عند ابن جعفر جارية تغنيه تسمى عمارة ، وكان يحبها محبة عظيمة ، فحضر عنده
يزيد بن معاوية يوماً فغنَّت الجارية ، فلما سمعها يزيد افتتن بها ولم يجسر على ابن جعفر أن يطلبها منه ،
فلم يزل في نفس يزيد منها حتى مات أبوه معاوية فبعث يزيد رجلاً من أهل العراق وأمره أن يتطلع في أمر
هذه الجارية ، فقدم الرجل المدينة ونزل جوار ابن جعفر وأهدى إليه هدايا وتحفاً كثيرة ، وأنس به ،
ولا زال حتى أخذ الجارية وأتى يزيد .
وكان الحسن البصري يذم ابن جعفر على سماعه الغناء واللهو وشرائه المولدات ، ويقول : أما يكفيه
هذا الأمر القبيح المتلبس به من هذه الأشياء وغيرها؟ حتى زوج الحجاج بنت رسول الله بشاير ، وكان
الحجاج يقول : إنما تزوجتها لأذل بها آل أبي طالب ، وقيل إنه لم يصل إليها ، وقد كتب عبد الملك إليه
أن يطلقها فطلقها . أسند عبد الله بن جعفر ثلاثة عشر حديثاً.
وأبو إدريس الخولاني(١) قاضي دمشق ، اسمه عائذ الله بن عبد الله ، له أحوال ومناقب ، كان يقول :
قلب نقي في ثياب دنسة خير من قلب دنس في ثياب نقية ، وقد تولى القضاء بدمشق .
وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد (٢).
(١) ترجمة - أبي إدريس الخولاني - في طبقات ابن سعد (٤٤٨/٧) وتاريخ خليفة (٢٨٠) وطبقاته (٣٠٨) والاستيعاب
(١٦/٤) وتاريخ دمشق (عاصم - عائذ / ٤٨٥) وأسد الغابة (١٣٤/٥) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠/ ص٥٤٢)
وسير أعلام النبلاء (٢٧٢/٤) والإصابة (٥٧/٣) وتهذيب تاريخ دمشق (٢٠٦/٧) وشذرات الذهب (٣٢٧/١).
(٢) لم يرد في أ، ب قبل هذه العبارة سوى أسماء المترجم لهم آنفاً، وتفصيل الترجمة زيادة من ط ، وهي موافقة لمصادرها .

١٧٧
وفيات سنة ٨٠ هـ
معبد الجهني القدري(١) يقال إنه معبد بن عبد الله بن عُكَيْمُ(٢) راوي حديث: (( لا تنتفعوا من الميتة
بإهاب ولا عصب)(٣) . وقيل غير ذلك في نسبه .
سمع الحديث من ابن عباس وابن عمر ومعاوية وعمران بن حصين وغيرهم . وشهد يوم التحكيم ،
وسأل أبا موسى في ذلك ووصاه، ثم اجتمع بعمرو بن العاص فوصاه في ذلك فقال له : إيهاً تَيس جهينة
ما أنت من أهل السر ولا العلانية ، وإنه لا ينفعك الحق ولا يضرك الباطل(٤) . وهذا توسم من عمرو بن
العاص فيه ، ولهذا كان هو أول من تكلم في القدر ، ويقال إنه أخذ ذلك عن رجل من النصارى من أهل
العراق يقال له سوسن ، وأخذ غيلان(٥) القدر من معبد .
وقد كانت لمعبد عبادة وفيه زهادة ، ووثقه ابن معين وغيره في حديثه(٦) .
وقال الحسن البصري : إياكم ومعبداً فإنه ضال مضل .
وكان ممن خرج مع ابن الأشعث فعاقبه الحجاج عقوبة عظيمة بأنواع العذاب ثم قتله .
وقال سعيد بن عفير : بل صلبه عبد الملك بن مروان في سنة ثمانين بدمشق ثم قتله .
وقال خليفة بن خياط : مات قبل التسعين ، فالله أعلم .
[ وقيل: إن الأقرب قتل عبد الملك له ، والله سبحانه وتعالى أعلم ].
(١) ترجمة - معبد الجهني - في تاريخ خليفة (١/ ٤٠١) ت: سهيل زكار ، وتاريخ البخاري (٣٩٩/٧) وتاريخ دمشق
(٣١٢/٥٩ -٣٢٦) والاستيعاب (٤٥٧/٣) وأسد الغابة (٣٩٠/٤) وتاريخ الإسلام (حوادث سنة ٦١ - ٨٠/
ص٥٢٨) وسير أعلام النبلاء (٤/ ١٨٥) والنجوم الزاهرة (٢٠٦/١) وتهذيب التهذيب (٢٢٢/١٠) والإصابة
(٤٣٩/٣).
(٢) في ط: ((عليم)) محرف ، وعبد الله بن عكيم من رجال التهذيب ، وكذلك معبد.
(٣)
رواه أحمد (٣١٠/٤)، وأبو داود (٤١٢٧)، والترمذي (١٧٢٩)، وابن ماجه (٣٦١٣) من حديث عبد الله بن
عكيم ، وإسناده ضعيف لاضطرابه، وقال الإمام الترمذي: ((وليس العمل على هذا عند أكثر أهل العلم)) (بشار).
(٤) الخبر في سير أعلام النبلاء (١٨٦/٤).
(٥) هو غيلان الدمشقي الذي قال بنفي القَدَر وبالغ فيه، وقد همّ عمر بن عبد العزيز بقتله فتراجع غيلان عن آرائه ،
وأعلن توبته منها ولكنه عاد إلى الكلام عن نفي القدر وأسرف في ذلك إسرافاً عظيماً في أيام هشام بن عبد الملك
الذي كان شديداً على القدرية ، وقد أظهر غيلان تمسكاً شديداً بآرائه ؛ فأمر به هشام فصلب على باب دمشق . الملل
والنحل (٢٢٧/١) الأعلام للزركلي (١٢٤/٥).
(٦) سير أعلام النبلاء (١٨٦/٤).

١٧٨
أحداث سنة ٨١ هـ ـ فتنة ابن الأشعث
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين
ففيها فتح عبيد الله بن عبد الملك بن مروان مدينة قاليقل(١) وغنم المسلمون منها غنائم كثيرة .
وفيها قُتِل بُكير بن وشاح قتله بَخِير(٢) بن وِقاء الصُّريمي وكان هذا من الأمراء الشجعان(٣) ، ثم ثار
لبكير بن وشاح رجل من قومه يقال له صعصعة بن حرب العوفي الصريمي ، فقتل بحير بن وقاء الذي قتل
بكيراً ، طعنه بخنجر وهو جالس عند المهلب بن أبي صفرة فحمل إلى منزله وهو بآخر رمق ، فبعث
المهلب بصعصعة إليه ، فلما تمكن منه بحير بن وقاء قال ضعوا رأسه عند رجلي ، فوضعوه ثم طعنه بحير
بحربته حتى قتله ومات على إثره . وقد قال له أنس بن طلق(٤) : اعف عنه فقد قتلت بكير بن وشاح ،
فقال : لا والله لا أموت وهذا حي ثم قتله . وقد قيل إنه إنما قتل بعد موته ، فالله أعلم .
فتنة ابن الأشعث
قال أبو مخنف : كان ابتداؤها في هذه السنة ، وقال الواقدي : في سنة ثنتين وثمانين ، وقد ساقها
ابن جرير(٥) في هذه السنة فوافقناه في ذلك ، وكان سبب هذه الفتنة أن ابن الأشعث كان الحجاج يبغضه
وكان هو يفهم ذلك ويضمر له السوء وزوال الملك عنه ، فلما أمَّره الحجاج على ذلك الجيش المتقدم
ذكره ، وأمره بدخول بلاد رُتبيل [ ملك الترك ، فمضى ] وصنع ما قدمنا ذكره من أخذه بعض البلاد ، ثم
رأيه لأصحابه أن يقيموا حتى يتقووا إلى العام المقبل ، فكتب إلى الحجاج بذلك فكتب إليه الحجاج
يستهجن رأيه في ذلك ويستضعفه ويقرعه بالجبن والنكول عن الحرب ، ويأمره حتماً بدخول بلاد رُتبيل ،
ثم أردف ذلك بكتاب ثانٍ [ ثم ثالثٍ مع البريد ، وكتب في جملة ذلك يا بن الحائك الغادر المرتد ، امض
إلى ما أمرتك به من الإيغال في أرض العدو وإلا حلّ بك ما لا يطاق . وكان الحجاج يبغض ابن
(١) قاليقلا: مدينة بأرمينية العظمى من نواحي خلاط ثم من نواحي منازجرد. معجم البلدان (٢٩٩/٤) والخبر في
الطبري (٣٣١/٦) وابن الأثير (٤/ ٤٥٧).
(٢) بحير: بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة، قيده الأمير ابن ماكولا في الإكمال (١٩٨/١)، وقد وقع في ط :
( بجير)) بالجيم وهو تصحيف. وأما (( وقاء)) فهو بكسر أوله ثم قاف ، قيده ابن ناصر الدين في توضيح المشتبه ووقع
في ط والطبري وابن الأثير: ((ورقاء)) خطأ. ولبحير بن وقاء ترجمة في تاريخ الإسلام (حوادث سنة ٨١ - ٩٠)،
وسيترجمه المصنف أيضاً في وفيات هذه السنة .
(٣) هكذا قال المصنف، وكأن مراده أن ((بكير بن وشاح)) قتل في هذه السنة أيضاً، ولم يقل أحد ممن نقل هذه الحكاية
ذلك، والعبارة بأوضح مما هنا نقلها الذهبي في تاريخ الإسلام فقال: ((وفيها قتل بحير بن وقاء الصريمي، وكان من
كبار القواد بخراسان قاتله ابن خازم وظفر به فقتله، ثم قتل بكير بن وشاح فحمل عليه رهط بكير فقتلوه بعد ذلك »
وانظر تاريخ الطبري (٣٣١/٦) والكامل لابن الأثير (٤٥٧/٤).
(٤) في ط: طارق؛ وما أثبت يوافق الطبري (٣٣٣/٦).
(٥) تاريخ الطبري (٣٣٤/٦) وما بعدها .

١٧٩
فتنة ابن الأشعث
الأشعث : ويقول هو أهوج أحمق حسود ، وأبوه الذي سلب أمير المؤمنين عثمان ثيابه وقاتله ، ودل
عبيد الله بن زياد على مسلم بن عقيل حتى قتله ، وجده الأشعث ارتد عن الإسلام وما رأيته قط إلا هممت
بقتله ، ولما كتب الحجاج إلى ابن الأشعث بذلك وترادفت إليه البرد بذلك ، غضب ابن الأشعث وقال :
يكتب إليّ بمثل هذا وهو لا يصلح أن يكون من بعض جندي ولا من بعض خدمي لخوره وضعف قوته ؟ أما
يذكر أباه من ثقيف هذا الجبان صاحب غزالة - يعني أن غزالة زوجة شبيب حملت على الحجاج وجيشه
فانهزموا منها وهي امرأة لما دخلت الكوفة - ثم إن ابن الأشعث جمع رؤوس أهل العراق وقال لهم : إن
الحجاج قد ألح عليكم في الإيغال في بلاد العدو ، وهي البلاد التي قد هلك فيها إخوانكم بالأمس ، وقد أقبل
عليكم فصل الشتاء والبرد ، فانظروا في أمركم ، أما أنا فلست مطيعه ولا أنقض رأياً رأيته بالأمس ، ثم قام
فيهم خطيباً فأعلمهم بما كان رأى من الرأي له ولهم ، وطلب في ذلك من إصلاح البلاد التي فتحوها ، وأن
يقيموا بها حتى يتقووا بغلاتها وأموالها ويخرج عنهم فصل البرد ثم يسيرون في بلاد العدو فيفتحونها بلداً بلداً
إلى أن يحصروا رتُبيل ملك الترك في مدينة العظماء ، ثم أعلمهم }(١) بما كتب إليه الحجاج من الأمر بمعاجلة
رُتبيل(٢) . فثار إليه الناس وقالوا : لا بل نأبى على عدو الله الحجاج ولا نسمع له ولا نطيع .
قال أبو مخنف(٣): فحدثني مطرف بن عامر بن وائلة٤) الكناني أن أباه كان أول من تكلم في ذلك ،
وكان شاعراً خطيباً ، وكان مما قال : إن مثل الحجاج في هذا الرأي ومثلنا كما قال الأول لأخيه احمل
عبدك على الفرس فإن هلك هلك ، وإن نجا فلك ، أنتم إذا ظفرتم كان ذلك زيادة في سلطانه ، وإن
هلكتم كنتم الأعداء البغضاء ، ثم قال : اخلعوا عدو الله الحجاج وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث
فإني أشهدكم أني أول خالع للحجاج . فقال الناس من كل جانب : خلعنا عدو الله ، ووثبوا إلى
عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فبايعوه عوضاً عن الحجاج ، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان ،
وبعث ابن الأشعث إلى رُتبيل فصالحه على أنه إن ظفروا بالحجاج فلا خراج على رُتبيل أبداً . ثم سار ابن
الأشعث بالجنود الذين معه مقبلاً من سجستان إلى الحجاج ليقاتله ويأخذ منه العراق ، فلما توسطوا
الطريق قالوا : إن خَلْعَنا للحجاج خلع لابن مروان فخلعوهما وجددوا البيعة لابن الأشعث فبايعهم على
كتاب الله وسنة رسوله وخلع أئمة الضلالة وجهاد الملحدين(٥) ، فإذا قالوا نعم ، بايعهم . فلما بلغ
الحجاج ما صنعوا من خلعه وخلع أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان ، كتب إلى عبد الملك يعلمه بذلك
(١) ما بين معكوفين زيادة من ط ؛ وهي موافقة للمصادر . ومكانها في أ : فلما تواردت كتب الحجاج إليه تحثه على
التوغل في بلاد رتبيل جمع من معه ، وقام فيهم خطيباً ، فأعلمهم بما كان رأى من الرأي في ذلك .
(٢)
في الفتوح لابن الأعثم (٧/ ١١٧) : كتب ابن الأشعث كتاباً على لسان الحجاج إليه يأمره فيه بقتل فلان وفلان من
أصحابه ، وأن يبعث برؤوسهم إليه ، وقرأه أمام أصحابه . . ثم أعلن أمامهم خلعه وصاحبه عبد الملك بن مروان .
(٣)
تاريخ الطبري (٣٣٥/٦).
(٤)
في الطبري : واثلة ، وهو الصواب .
(٥) في الطبري (٦/ ٣٣٨): وجهاد المحلِّين.

١٨٠
فتنة ابن الأشعث
ويستعجله في بعثه الجنود إليه ، وجاء الحجاج حتى نزل البصرة ، وبلغ المهلب خبر ابن الأشعث ، وكتب
إليه يدعوه إلى ذلك فأبى عليه، وبعث بكتابه إلى الحجاج، وكتب المهلب إلى ابن الأشعث يقول له : إنك
يا بن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل، أبقٍ على أمة محمد بَّو، انظر لنفسك فلا تهلكها،
ودماء المسلمين فلا تسفكها ، والجماعة فلا تفرقها، والبيعة فلا تنكثها ، فإن قلت أخاف الناس على نفسي
فالله أحق أن تخافه من الناس ، فلا تعرضها لله في سفك الدماء ، أو استحلال محرم ، والسلام عليك(١).
وكتب المهلب إلى الحجاج : أما بعد فإن أهل العراق قد أقبلوا إليك مثل السيل المنحدر ليس شيء
يرده حتى ينتهي إلى قراره ، وإن لأهل العراق شدة ٢) في أول مخرجهم ، وصبابة إلى أبنائهم ونسائهم ،
فليس شيء يردهم حتى يصلوا إلى أهليهم ، وينبسطوا إلى نسائهم ، ويشمُّوا أولادهم . ثم واقعهم عندها
فإن الله ناصرك عليهم إن شاء الله . فلما قرأ الحجاج كتابه قال : فعل الله به وفعل ، لا والله ما لي نظر ولكن
لابن عمه نصح .
ولما وصل البريد بكتاب الحجاج إلى عبد الملك هاله ذلك ثم نزل عن سريره وبعث إلى خالد بن
يزيد بن معاوية فأقرأه كتاب الحجاج فقال : يا أمير المؤمنين إن كان هذا الحدث من قِبَل خراسان فخفه ،
وإن كان من قبل سجستان فلا تخفه ، ثم أخذ عبد الملك في تجهيز الجنود من الشام إلى العراق في نصرة
الحجاج . وتجهيزه للخروج إلى ابن الأشعث ، وعصى رأي المهلب فيما أشار به عليه ، وكان في شوره
النصح والصدق ، وجعلت كتبه لا تنقطع عن عبد الملك بخبر ابن الأشعث صباحاً ومساء ، أين نزل ومن
أين ارتحل ، وأي الناس إليه أسرع . وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب ، حتى يقال إنه
سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومئة وعشرون ألف راجل ، وخرج الحجاج في جنود الشام من البصرة
نحو ابن الأشعث ، فنزل تستر وقدَّم بين يديه مطهر بن حيي الكعبي(٣) أميراً على المقدمة ، ومعه
عبد الله بن رميث أميراً آخر ، فانتهو إلى دجيل فإذا مقدمة ابن الأشعث في ثلاثمئة فارس عليها عبد الله بن
أبان الحارثيّ ، فالتقوا في يوم الأضحى عند نهر دجيل ، فهُزمت مقدمة الحجاج وقَتَل أصحاب ابن
الأشعث منهم خلقاً كثيراً نحو ألف وخمسمئة ، واحتازوا ما في معسكرهم [ من خيول وقماش وأموال ] .
وجاء الخبر إلى الحجاج بهزيمة أصحابه [ وأخذه مادب ودرج ] وهو يخطب فقال : أيها الناس
ارجعوا إلى البصرة فإنه أرفق بالجند ، فرجع بالناس وتبعهم خيول ابن الأشعث لا يدركون منهم شاذاً إلا
قتلوه ، ولا فاذّاً إلا أهلكوه، ومضى الحجاج هارباً لا يلوي على شيء حتى أتى الزاوية فعسكر عندها
وجعل يقول : لله درّ المهلّب أي صاحب حرب هذا ، قد أشار علينا بالرأي ولكنا لم نقبل ، وأنفق الحجاج
على جيشه وهو بهذا الموضع مئة وخمسين ألف ألف درهم ، وخندق حول جيشه خندقاً ، وجاء أهل
(١) نسخة الكتاب في الطبري (٣٣٨/٦) والفتوح لابن الأعثم (١١٨/٧) مع بعض الخلاف .
(٢)
في الطبري : شِرَّةً .
(٣) في الطبري : مطهر بن حرّ العكي - أو الجذامي - وعبد الله بن رميثة الطائي، ومطهّر على الفريقين.