النص المفهرس

صفحات 1-20

الطبعة الثانية
م
1431 هـ - 2010
حقوق الطبع محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق
إلا بإذن خطي من
ارابي
ثير
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - سوريا - ص. ب : 311
حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي
صالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450
الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541
بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318
برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة
تلفاكس : 817857 01 - جوال : 204459 03
www.ibn-katheer.com
info@ibn-katheer.com
الموضوع: تاريخ
العنوان: البداية والنهاية 20/1
التأليف: الإمام ابن كثير
التحقيق: مجموعة من العلماء
الورق: كريم
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: 10128
القياس: 17×24
التجليد: فني - لوحة
الوزن: 15215 غ
التنفيذ الطباعي :
مطبعة ايبكس - بيروت
التجليد :
مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت
ISBN: 978-9953-520-84-1
9 789953 520841

البدايةُ وَالتَّهْلِيَّةَ
من خلافة عبد الملك بن مروان
وفيات سنة ٦٥ هـ - إلى وفيات سنة ١٠٠ هـ
تأليف
الإِمَامِ الْحَافِظِ المُؤَرْخ أبي الفِدَاءِ إسماعيل بن كثير
٧٠١ - ٧٧٤ هـ
مَتَّقَّهُ وََّ أَمَادِنَهُ وَعَلَّمْعَلَيْهِ
محمّد حَسَّان عبيد
رَاجَعَهُ
الدكتور بشارعوادمعروف
الشيخ عبد القادر الأرناؤوط
اُلْجُزْءُالتَّاسِعُ
دَار أنْ تِيرُ
رِقَشور - بَيْرُون

-3
-
2

٥
خلافة عبد الملك بن مروان
خلافة عبد الملك بن مروان
بُويعَ له بالخلافة في حياة أبيه ، فلما مات أبوه في ثالث رمضان من هذه السنة أعني سنة خمس
وستين(١) جددت له البيعة بدمشق ومصر وأعمالهما ، فاستقرت يده على ما كانت يد أبيه عليه ، وقد كان
أبوه قبل وفاته بعث بعثين أحدهما مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينزعها٢) من نواب ابن الزبير ، فلقي
في طريقه جيش التوابين مع سليمان بن صُرَد عند عين الوردةً(٣)، فكان من أمرهم ما قدمناه(٤) ، من
ظفره بهم، وقتله أميرهم وأكثرهم. والبعث الآخر مع حُبَيش(٥) بن دُلَجة إلى المدينة ليرتجعها من نائب
ابن الزبير ، فسار نحوها ، فلما انتهى إليها هرب نائبها جابر بن الأسود بن عوف - وهو ابن أخي
عبد الرحمن بن عوف ـ فجهّز نائب البصرة من قِبل ابن الزبير وهو الحارث بن عبد الله بن ربيعة ، جيشاً
من البصرة إلى ابن دُلَجة ليخرجوه من المدينة ، فلما سمع بذلك حُبَيش بن دُلَجة سار إليهم . وبعث ابن
الزبير عباس بن سهل بن سعد نائباً على المدينة ، وأمره أن يسير في طلب حُبَيش ، فسار في طلبهم حتى
لحقهم بالرَّبَذة فرمى يزيد بن سياه(٦) حُبيشاً بسهم فقتله، وقُتل بعضُ أصحابه ، وهُزم الباقون ،
وتحصَّن منهم خمسمئة في المدينة ثم نزلوا على حكم عباس بن سهل فقتلهم صبراً ورجع فلُّهم(٧) إلى
الشام .
قال ابن جرير(٨) : ولما دخل يزيد بن سياه الأسواري قاتل حبيش بن دلجة إلى المدينة مع عباس بن
(١) في ط : منها . وقد قمنا في هذا الجزء بمقابلة المطبوع ( ط ) مع نسخة الأحمدية ( أ) ونسخة برلين ( ب ) وانتهجنا
إثبات ما وافقت عليه الأصول الثلاثة أولاً مع التأكد من صحة الخبر في مصادر المؤلف ، ثم نثبت ما وافقت عليه
النسختان وإذا وجدت زيادة من ط أو إحدى النسخ وضعناها بين معقوفين أو أشرنا لذلك في الهامش .
(٢)
في ط : لينتزعها، والخبر بأوسع مما هنا في تاريخ الطبري (٥٨١/٥ -٥٩٩) وتاريخ ابن الأثير (١٨٥/٤).
(٣)
عين الوردة : بلدة تسمى حالياً رأس العين على أحد روافد الخابور .
(٤)
سبق ذكر الخبر ضمن أحداث هذه السنة ٦٥ هجرية .
(٥)
الضبط من توضيح المشتبه لابن ناصر الدين الدمشقي (٤٦١/٣ -٤٦٢) وفيه: وحبيش هذا - فيما ذكره ابن دريد -
أول أمير أكل على منبر رسول الله وَ له. ودُلجة: كهمزة ، قيده الزبيدي في التاج ( دلج ) .
(٦)
في الكامل لابن الأثير (١٩١/٤): يزيد بن سنان، وفي تاريخ الطبري (٦١٢/٥): جاءه سهم غرب فقتله ، ثم
ساق رواية أخرى عن علي بن محمد قال : الذي قتل حبيش بن دُلجة يوم الربذة يزيد بن سياه الأسواري .
(٧)
في أ : أقلهم ، وما أثبت موافق للطبري .
(٨) تاريخ الطبري (٦١٢/٥).

٦
خلافة عبد الملك بن مروان
سهل كان عليه ثياب بياض وهو راكب برذونةً(١) أشهب ، فما لبث أن اسودَّت ثيابه ودابته(٢) مما يتمسّح
الناس به ، ومن كثرة ما صَبّوا عليه من الطيب والمسك .
وقال ابن جرير(٣): وفي هذه السنة اشتدت شوكة الخوارج بالبصرة ، وفيها قَتَلَ نافعُ بن الأزرق
[ - وهو رأس الخوارج ورأس أهل البصرة - مسلم بن عُبيس فارس أهل البصرة ، ثم قتله ربيعة السَّلوطي
وقُتل بينهما نحو خمسة أمراء، وقُتل في وقعة الخوارج قُرَّة بن إياس المزني أبو معاوية، وهو من الصَّحابة.
ولما قُتل نافع بن الأزرق رأَّست الخوارجُ عليهم عبيد الله بن ماحوز ، فسار بهم إلى المدائن فقتلوا
أهلها ثم غلبوا على الأهواز وغيرها ، وجبَوا الأموال وأتتهم الأمداد من اليمامة والبحرين ، ثم ساروا إلى
أصفهان وعليها عَتَّاب بن ورقاء الرياحي ، فالتقاهم فهزمهم ، ولما قتل أمير الخوارج ابنَ ماحوز كما
سنذكر ، أقاموا عليهم قُطريّ بن الفُجاءة أميراً .
ثم أورد [ ابن جرير (٤) قصة قتالهم مع أهل البصرة بمكان يقال له دولاب(٥) ، وكانت الدولة
للخوارج على أهل البصرة ، وخاف أهل البصرة من الخوارج أن يدخلوا البصرة ، فبعث عبد الله بن الزبير
فعزل نائبها عبد الله بن الحارث المعروف ببيَّة (٦) ، بالحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المعروف بالقباع ،
وأرسل ابن الزبير المهلَّب بن أبي صفرة الأزدي على عمل خراسان ، فلما وصل إلى البصرة قالوا له : إن
قتال الخوارج لا يصلح إلا لك ، فقال : إن أمير المؤمنين قد بعثني إلى خراسان ، ولست أعصي أمره .
فاتفق أهل البصرة مع أميرهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على أن كتبوا كتاب(٧) على لسان ابن الزبير
إلى المهلّب يأمره فيه بالمسير للخوارج ليكفهم عن الدخول إلى البصرة ، فلما قُرىء عليه الكتاب اشترط
على أهل البصرة أن يقوي جيشه من بيت مالهم ، وأن يكون له ما غلب عليه من أموال الخوارج ، فأجابوه
إلى ذلك ، ويقال إنهم كتبوا بذلك إلى ابن الزبير فأمضى لهم ذلك وسوّغه ، فسار إليهم المهلب . وكان
شجاعاً بطلاً صنديداً، فلما التقى هو والخوارج(٨) أقبلوا إليه يزفّون في عدَّةٍ لم يُرَ مثلها من الدروع والزرود
(١) البرذون : دابة، وما كان من غير نتاج العِراب. اللسان (برذن ).
(٢)
في تاريخ الطبري : ورأيته ؛ تحريف .
(٣)
تاريخ الطبري ( ٦١٣/٥ ).
(٤)
تاريخ الطبري (٦١٥/٥).
(٥) دولاب : قرية بينها وبين الأهواز أربعة فراسخ، كانت بها وقعة بين أهل البصرة وبين الخوارج . معجم البلدان
( ٥٥٢/٢ ) .
(٦) قال ابن ناصر الدين: ببَّه - بفتح الموحدتين ، والثانية مشددة ، تليها هاء - لقب عبد الله بن الحارث بن نوفل
الهاشمي ، تابعي . توضيح المشتبه (٣٣٦/١).
(٧) نص الكتاب في تاريخ الطبري (٦١٥/٥-٦١٦) وفي الأخبار الطوال (٢٧١): أن الحارث بن عبد الله كتب إلى ابن
الزبير يسأله أن يأمر المهلب بالسير إلى الخوارج ، فكتب ابن الزبير إلى المهلّب .
(٨) في ط : فلما أراد قتال الخوارج.

٧
خلافة عبد الملك بن مروان
والخيول والسلاح ، وذلك أن لهم مدة يأكلون تلك النواحي ، وقد صار لهم تحمّل عظيم مع شجاعة
لا تدانى ، وإقدام لا يساوى، وقوة لا تبارى(١)، وسَبْق إلى حومة الوغى لا تجارى(٢)؛ فلما تواقف
الناس بمكان يقال له سلِّى أو سِلّبرى (٣)، اقتتلوا قتالاً شديداً عظيماً، وصبر كل من الفريقين صَبراً باهراً ،
وكان في نحو من ثلاثين ألفاً ؛ ثم إن الخوارج حملوا حملة منكرة ، فانهزم أصحاب المهلّب لا يلوي والد
على ولد ، ولا يلتفت أحد إلى أحد ، ووصل إلى البصرة فُلاَّلُهم.
وأما المهلَّب فإنه سبق المنهزمين فوقف لهم بمكان مرتفع ، وجعل ينادي : إليَّ عباد الله ، فاجتمع
إليه من جيشه ثلاثة آلاف من الفرسان الشجعان ، فقام فيهم خطيباً فقال في خطبته : أما بعد أيها الناس ،
فإن الله تعالى ربما يكل الجمع الكثير إلى أنفسهم فيُهزمون ويُنزل النصر على الجمع اليسير فيَظهرون ،
ولعمري ما بكم الآن من قلة ، وأنتم فرسان المِصْرِ(٤) وأهل النَّصر ، وما أحب أن أحداً ممن انهزموا معكم
الآن: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيَكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ [ التوبة: ٤٧ ] ثم قال: عزمت على كلِّ رجل منكم إلّ أخذ
عشرة أحجار معه ، ثم امشوا بنا إلى عسكرهم فإنهم الآن آمنون ، وقد خرجت خيولهم في طلب
إخوانكم ، فوالله إني لأرجو أن لا ترجع خيولهم حتى تستبيحو(٥) عسكرهم ، وتقتلوا أميرهم .
ففعل الناس ذلك ، فزحف بهم المهّب بن أبي صفرة على معشر الخوارج فقتل منهم خلقاً كثيراً نحواً
من سبعة آلاف ، وقتل عبيد الله(٦) بن الماحوز في جماعة كثيرة من الأزارقة ، واحتاز من أموالهم شيئاً
كثيراً، وقد أرصد المهلّب خيولً بينه وبين الذين يرجعون من طلب أهل البصرة(٧) ، فجعلوا يقتطعون دون
قومهم ، وانهزم فَلّهم إلى كرمان وأرض أصبهان ، وأقام المهّب بالأهواز حتى قدم مصعب بن الزُّبير إلى
البصرة ، وعزل عنها الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة كما سيأتي بيانه .
قال ابن جرير(٨) : وفي هذه السنة وجه مروان بن الحكم قبل مهلكه ابنه محمداً إلى الجزيرة ، وذلك
قبل مسيره إلى مصر . قلت : محمد بن مروان هذا هو والد مروان الحمار ، وهو مروان بن محمد بن
مروان ، وهو آخر خلفاء بني أمية ، ومن يده استلبت الخلافةَ العباسيون كما سيأتي .
(١)
في ط : لا تجارى .
قوله: (( لا تجارى )) سقط من ط ، واستدركناه من م .
(٢)
سِلَّى: بكسر أوله وثانيه وتشديده وقصر الألف ، وقيل : بالضم وفتح اللام. وأما سلبرى، فبكسر أوله وثانيه
(٣)
وتشديده وباء موحدة وراء مفتوحة وألف مقصورة ، وكلاهما اسم لموضع واحد ، وهو من نواحي خوزستان قرب
جنديسابور، وهي مناذر الصغرى ، وكانت بها وقعة للخوارج مع المهلب بن أبي صفرة ( معجم البلدان ٣/ ٢٣٢) .
(٤)
في ط : الصبر ؛ وما أثبت عن أوم والطبري .
(٥)
في ط : إلا وقد استبحتم ؛ وما أثبت عن أوم والطبري .
(٦)
في الكامل لابن الأثير (١٩٥/٤) عبد الله .
(٧)
في ط : المنهزمين .
تاريخ الطبري ( ٦٢٢/٥) .
(٨)

٨
خلافة عبد الملك بن مروان
قال ابن جرير(١): وفي هذه السنة عزل ابن الزبير أخاه عبيده ٢) عن إمرة المدينة وولّاها أخاه مصعباً،
وذلك أن عبيدة خطب الناس فقال في خطبته : وقد رأيتم ما صنع الله بقوم صالح في ناقة قيمتها خمسمئة
درهم ، فلما بلغت أخاه قال : إن هذا لهو التكلّف ، وعزله . ويسمى عبيدة مقوِّم الناقة لذلك .
قال ابن جرير : وفي آخرها عزل ابن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد الخَطمي ، وولّى عليها
عبد الله بن مطيع الذي كان أمير المهاجرين يوم الحرّة ، لمَّا خلعوا يزيد(٣).
قال ابن جرير(٤) : وفي هذه السنة كان الطاعون الجارف بالبصرة .
وقال ابن الجوزي في المنتظم (٥): كان في سنة أربع وستين، وقد قيل إنما كان في سنة تسع(٦) وستين،
وهذا هو المشهور الذي ذكره شيخنا الذهبي(٧) وغيره ، وكان معظم ذلك بالبصرة ، وكان ذلك في ثلاثة
أيام ، فمات في أول يوم من الثلاثة من أهل البصرة سبعون ألفاً ، وفي اليوم الثاني منها إحدى وسبعون
ألفاً ، وفي اليوم الثالث منها ثلاثة وسبعون ألفاً ، وأصبح الناس في اليوم الرابع موتى إلّ قليل من آحاد
الناس ، حتى ذُكر أن أم الأمير بها ماتت فلم يوجد لها من يحملها ، حتى استأجروا لها أربعة أنفس .
وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني(٨): حدَّثنا عبيد الله ، حدثنا أحمد بن عصام ، حدَّثني معدي ، عن
رجلٍ يكنى أبا النفيد (٩) - وكان قد أدرك من هذا الطاعون - قال: كنّا نطوف بالقبائل وندفن الموتى ، فلما
كثروا لم نقو على الدفن ، فكنا ندخل الدار وقد مات أهلها فنسد بابها عليهم . قال فدخلنا داراً ففتشناها
فلم نجد فيها أحداً حياً فسددنا بابها ، فلما مضت الطواعين كنا نطوف فنفتح تلك السدد عن الأبواب ،
ففتحنا سدَّة الباب الذي كنا فتشناه - أو قال الدار التي كنا سددناها - وفتشناها فإذا نحن بغلام في وسط الدار
طري دهين ، كأنما أُخذ ساعتئذ من حَجْر أمه ، قال : فبينما نحن وقوف على الغلام نتعجب منه إذ دخلت
كلبة من شق في الحائط فجعلت تلوذ بالغلام والغلام يحبو إليها حتى مص من لبنها ، قال معدي : وأنا
رأيت ذلك الغلام في مسجد البصرة وقد قبض على لحيته .
(١) المصدر نفسه نقلاً عن الواقدي .
في أ، م، ط : عبيد الله ؛ وما أثبت عن ب والطبري وابن الأثير .
(٢)
بعد هذه اللفظة في أ : ذكر لوفيات هذه السنة ثم إيراد للخبر عن ابن جرير ، وأظنه تقديم من النساخ يخالف منهج
(٣)
المؤلف رحمه الله .
تاريخ الطبري (٦١٢/٥ -٦١٣) والخبر أيضاً في تاريخ ابن الأثير (٢٨٩/٣).
(٤)
المنتظم لابن الجوزي (٢٥/٦ -٢٦) ط دار الكتب العلمية .
(٥)
(٦)
في أ : سبع ؛ خطأ .
تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة (٦١ - ٨٠ / ص٦٦) ط دار الكتاب العربي، والخبر أيضاً في تاريخ خليفة (٢٦٥).
(٧)
(٨)
الخبر بسنده في المنتظم لابن الجوزي (٢٦/٦).
في أ : النفيل ؛ وما أثبت يوافق المنتظم .
(٩)

٩
وفيات سنة ٦٥ هـ
قال ابن جرير(١) : وفي هذه السنة بنى عبد الله بن الزبير الكعبة البيت الحرام ، يعني أكمل بناءها
وأدخل فيها الحِجْر ، وجعل لها بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر .
قال ابن جرير : حدَّثنا إسحاق بن أبي إسرائيل ، حدّثني عبد العزيز بن(٢) خالد بن رستم الصنعاني
أبو محمد ، حدَّثني زياد بن جبل : أنه كان بمكة يوم كان عليها ابن الزبير ، فسمعته يقول : حدَّثتني أمي
أسماء بنت أبي بكر أن رسول الله وَ ل قال لعائشة: (( لولا قرب عهد قومك بالكفر لرددت الكعبة على
أساس إبراهيم فأزيد في الكعبة من الحِجْر)): قال : فأمر ابن الزبير فحفروا فوجدوا تلاعاً أمثال الإبل ،
فحركوا منها تلعة - أو قال صخرة - فبرقت برقة فقال : أقروها على أساسها ، فبناها ابن الزبير وجعل لها
بابين يدخل من أحدهما ويخرج من الآخر .
قلت : هذا الحديث له طرق متعددة عن عائشة في الصحاح والحسان والمسانيد(٣) ، وموضوع سياق
طرق ذلك في كتاب ((الأحكام )) إن شاء الله تعالى.
وذكر ابن جرير(٤) في هذه السنة حروباً جرت بين عبد الله بن خازم بخراسان ، وبين الحَريش بن هلال
القُرَيعي(٥) يطول تفصيلها .
قال : وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير ، وكان على المدينة مصعب بن الزبير ، وعلى
الكوفة عبد الله بن مطيع ، وعلى البصرة الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي [ قُباع ] .
قال الواقدي : وممن توفي فيها من الأعيان :
عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل، أبو محمد السهمي(٦) كان من خيار الصحابة وعلمائهم
وعبَّادهم، كتب عن النبي ◌َّر كثيراً، أسلم قبل أبيه، ولم يكن أصغر من أبيه إلا باثنتي عشرة سنة ، وكان
تاريخ الطبري (٦٢٢/٥) .
(١)
في أ، ط : عن ؛ خطأ ، وما أثبت موافق للطبري .
(٢)
الحديث أخرجه أحمد في مسنده (٢٣٩/٦) والبخاري في صحيحه رقم (١٥٨٦) في الحج ، ومسلم في صحيحه
(٣)
رقم (١٣٣٣) (٣٩٨) في الحج، والنسائي في سننه (٢١٦/٥) في مناسك الحج، وابن خزيمة برقم (٣٠٢١)
وابن حبان في صحيحه بترتيب ابن بلبان (٩/ ١٢٥) رقم (٣٨١٦).
(٤)
تاريخ الطبري (٦٢٣/٥-٦٢٦) والخبر أيضاً في تاريخ ابن الأثير (٢٨٧/٣ -٢٨٨).
(٥)
في ط : القزيعي - بالزاي - وما هنا عن أ والطبري وابن الأثير.
ترجمة - عبد الله بن عمرو بن العاص - في طبقات ابن سعد (٣٧٣/٢) و(٢٦١/٤-٢٦٨) وطبقات خليفة
(٦)
( الترجمة رقم ١٤٩) والتاريخ الكبير (٥/٥) والمعرفة والتاريخ (٢٥١/١). وأسد الغابة (٢٤٩/٣، ٣٥١)
وتهذيب الكمال ( ٣٥٧/١٥ - ٣٦٣) وتاريخ الإسلام (١٦١/٥ - ١٦٧) وسير أعلام النبلاء (٨٠/٣ - ٩٣)
والإصابة (٣٥١/٢) وشذرات الذهب (٢٩٠/١).

١٠
وفيات سنة ٦٥ هـ
واسع العلم مجتهداً في العبادة ، عاقلاً ، وكان يلوم أباه في القيام مع معاوية ، وكان سميناً ، وكان يقرأ
الكتابين القرآن والتوراة (١)، وقيل إنه بكى حتى زاغت عيناه(٢) .
[وروي عنه أنه قال: دخلت على النبي - وَ ل - فقال لي: (( يا عبد الله ألم أخبر أنك تكلفت قيام
الليل وصيام النهار )»؟
قلت: إني لأفعل ذلك. فقال: (( حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام)) وذكر الحديث إلى
قوله: (( الأفضل من ذلك صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً)(٣) .
وقد استنابه معاوية على الكوفة(٤) ثم عزله عنها بالمغيرة بن شعبة .
توفي في هذه السنة بمصر ، وقيل(٥) بمكة ، وقيل بالشام.
أُسَيد بن ظُهَير الأنصاري(٦) ، شهد الخندق وغيرها ، توفي بالمدينة .
عبد الله بن مسعدة الفزاري(٧) ، له صحبة ، نزل دمشق وكان يدعى صاحب الجيوش لأنه كان أميراً
على غزو الروم ، وقد بعثه يزيد مقدماً على جند دمشق في جيش الحرّة ، وقيل : إنه من سبي فزارة ،
وأوهبه النبي - ◌َّ﴾ - لفاطمة فأعتقته.
سعيد بن مالك بن بحدل(٨) ، أخو حسان ولي إمرة الجزيرة وقنسرين ليزيد بن معاوية ،
(١) روى أحمد في مسنده (٢٢٢/٢) وأبو نعيم في الحلية (٢٨٦/١) من حديث عبد الله بن عمرو أن رسول الله وح لول قال
له : ((تقرأ الكتابين: التوراة والفرقان))، فكان يقرؤهما، وإسناده حسن ، لأنه من رواية قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة
وهو ممن سمع منه قبل احتراق كتبه .
في ط : عمي ، وفي تاريخ الإسلام : رسعت - أي التصقت - وفي السير: رمصت .
(٢)
الحديث في مسند الإمام أحمد ( ٢/ ٢٠٠) والصحيحين البخاري (١٩٧٥) و(٦١٣٤)، ومسلم (١١٥٩) وقال
(٣)
الذهبي في السير ( ٩١/٣) : وهذا الحديث له طرق مشهورة .
(٤) في أ: وقد ولاه معاوية مصر بعد موت أبيه .. ولم أجد في مصادر المؤلف رحمه الله من ذكر أن عبد الله بن عمرو
تولى مصر لمعاوية ، إنما ولاه الكوفة . كذا في تاريخ الإسلام والسير .
(٥)
في ط : وقتل بمكة ؛ تحريف .
(٦) ترجمة - أسيد بن ظهير - في طبقات ابن سعد (٣٦٩/٤) والتاريخ الكبير (٤٧/٢) والاستيعاب (٩٥/١) وتاريخ
الطبري (٤٧٧/٢ و٥٠٥) والكامل لابن الأثير (٥٢٤/٤) وأسد الغابة (٩٤/١-٩٥) وتهذيب الكمال (٢٥٥/٣ -
٢٥٦). وتاريخ الإسلام (٧٤/٥) والإصابة (١٢٣/١).
(٧) ترجمة - عبد الله بن مسعدة - في تاريخ خليفة (٢٠٩) ومغازي الواقدي (٥٦٥) والاستيعاب (٩٨٧/٣) وتاريخ
الطبري (٦٤٣/٢ و١٣٤/٥ و٣٣٤) والكامل لابن الأثير (٣٧٦/٣ و٣٧٧ و٤٩١) وأسد الغابة (٣٦٧/٣) وتاريخ
الإسلام (١٦٧/٥) والإصابة (٩٨٧/٣).
(٨) ترجمة - سعيد بن مالك بن بحدل ـ في تاريخ دمشق (٢٩١/٢١ - ٢٩٢) ط دار الفكر، وتاريخ الإسلام للذهبي
( ١٢١/٤ - ١٢٢) وتهذيب تاريخ دمشق (٦/ ١٧٣ - ١٧٤).

١١
أحداث سنة ٦٦ هـ
وكان شريفاً مطاعاً في قومه، وإليه ينسب دير بحدل من عمل بيت الآبار(١) خارج دمشق (٢)
ثم دخلت سنة ست وستين
ففيها وثب المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب بالكوفة ليأخذ بثأر الحسين بن علي فيما يزعم ،
وأخرج عنها عاملها عبد الله بن مطيع ، وكان سبب ذلك أنه لما رجع أصحاب سليمان بن صُرد مغلولين (٣)
إلى الكوفة وجدوا المختار بن أبي عبيد مسجوناً فكتب إليهم يعزِّيهم في [ سليمان بن صُرد ويقول :
أناعوضه وأنا أقتل قتلة الحسين . فكتب إليه رفاعة بن شداد . وهو الذي رجع بمن بقي من جيش
التوابين : نحن على ما تحب ، فشرع المختار (٤) يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الكذاب(٥) إلا غروراً ،
وقال لهم فيما كتب به إليهم خفية) : أبشروا فإني لو قد خرجت إليهم جردت فيما بين المشرق والمغرب
من أعدائكم السيف فجعلتهم بإذن الله ركاماً ، وقتلهم فذّ(١) وتؤاماً، فرحب الله بمن قارب منهم
واهتدى ، ولا يبعد الله إلا من أبى وعصى ، فلما وصلهم الكتاب قرؤوه سراً وردوا إليه : إنا كما تحب ،
فمتى أحببت أخرجناك من محبسك ، فكره أن يخرجوه من مكانه على وجه القهر لنواب الكوفة ، فتلطف
فكتب إلى زوج أخته صفية ، وكانت امرأة صالحة ، وزوجها عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فكتب يسأله
أن يشفع في خروجه عند نائبي الكوفة عبد الله بن يزيد الخطمي وإبراهيم بن محمد بن طلحة ، فكتب ابن
عمر إليهما يشفع عندهما فيه ، [ فلم يمكنهما رده ، وكان فيما كتب إليهما ابن عمر : قد علمتما ما بيني
وبينكما من الودّ ، وما بيني وبين المختار من القرابة والصهر ، وأنا أقسم عليكما لما خليتما سبيله
والسلام (1).
فاستدعيا به فضمنه جماعة من أصحابه ، واستحلفه عبد الله بن يزيد إن هو بغى للمسلمين غائلة فعليه
ألف بدنة ينحرها تجاه الكعبة ، وكل مملوك له عبد وأمة حر ، فالتزم لهما بذلك ، ولزم منزله ، وجعل
يقول : قاتلهما الله، أما حلفي (٩) بالله ، فإني لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا كفرت عن
بيت الآبار: قرية يضاف إليها كورة من غوطة دمشق فيها عدة قرى . معجم البلدان (١/ ٦١٥).
(١)
(٢)
ما بين معكوفين ساقط بعضه من ط .
(٣)
في ط: ((مغلوبين))، وما أثبتناه من أ ، م.
ما بين معقوفين ساقط من أوم .
(٤)
(٥)
في م ، ط : الشيطان .
نص الكتاب في تاريخ الطبري ( ٦/ ٧).
(٦)
في ط : أفراداً ؛ وما أثبت موافق للطبري .
(٧)
ما بين معكوفين ساقط من أوم .
(٨)
في ط : حلفاني .
(٩)

١٢
أحداث سنة ٦٦ هـ
يميني ، وأتيت الذي هو خير ، وأما إهدائي ألف بدنة فيسير ، وأما عتقي مماليكي فوددت أنه قد استتبَّ(١)
لي هذا الأمر ولا أملك مملوكاً واحداً ، واجتمعت الشيعة عليه وكثر أصحابه وبايعوه في السرِّ ، وكان
الذي يأخذ البيعة له ويحرض الناس عليه خمسة ، وهم السَّائب بن مالك الأشعريّ ، ويزيد بن أنس ،
وأحمر(٢) بن شُمَيط، ورفاعة بن شدّاد، وعبد الله بن شداد الجُشَمي . ولم يزل أمره يقوى ويشتد
ويستفحل ويرتفع ، حتى عزل عبد الله بن الزبير عن الكوفة عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة ،
وبعث عبد الله بن مطيع على عملهما إلى الكوفة ، وبعث الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة نائباً على
البصرة ، فلما دخل عبد الله بن مطيع المخزومي إلى الكوفة في رمضان سنة خمس وستين ، خطب الناس
وقال في خطبته : إن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير أمرني أن أسير فيكم(٣) بسيرة عمر بن الخطاب ،
وعثمان بن عفان . فقام إليه السائب(٤) بن مالك الشيعي(٥) فقال: لا نرضى إلا بسيرة علي بن أبي طالب
التي سار بها في بلادنا ، ولا نريد سيرة عثمان - وتكلم فيه - ولا سيرة عمر وإن كان لا يريد للناس إلا
خيراً ، وصدَّقه على ما قال بعض أمراء الشيعة ، فسكت الأمير وقال : إني سأسير فيكم بما تحبون من
ذلك ، وجاء صاحب الشرطة وهو إياس بن مضارب العجلي(٦) إلى ابن مطيع فقال : إن هذا الذي يرد
عليك من رؤوس أصحاب المختار ، ولست آمن من المختار ، فابعث إليه فاردده إلى السجن فإن عيوني
قد أخبروني أن أمره قد استجمع له ، وكأنك به قد وثب في المصر . فبعث إليه عبد الله بن مطيع زائدة بن
قُدامة وأميراً آخر معه(٧) ، فدخلا على المختار فقالا له : أجب الأمير . فدعا بثيابه وأمر بإسراج دابته ،
وتهيأ للذهاب معهما ، فقرأ زائدة بن قدامة: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوهٌ﴾
[ الأنفال: ٣٠]. فألقى المختار نفسه وأمر بقطيفة أن تلقى عليه، وأظهر أنه مريض ، وقال: أخبرا الأمير
بحالي ، فرجعا إلى ابن مطيع فاعتذرا عنه ، فصدقهما ولها عنه ، فلما كان شهر المحرم من هذه السنة عزم
المختار على الخروج لطلب ثأر الحسين فيما يزعم ، فلما صمم على ذلك اجتمعت عليه الشيعة وثبطوه عن
الخروج الآن إلى وقت آخر ، ثم أنفذوا طائفة منهم إلى محمد بن الحنفية يسألونه عن أمر المختار
وما دعاهم إليه(٨) ، فلما اجتمعوا به كان ملخص ما قال لهم : إنا لا نكره أن ينصرنا الله بمن شاء من
في ط : (( استتم)) وما أثبتناه من م وهو موافق للطبري.
(١)
(٢)
تحرفت في أ ، ط إلى : أحمد .
(٣)
في ط : فيئكم .
(٤)
في أ : الثابت ، تحريف .
في الطبري (٨/٦) وابن الأثير (٢٩١/٣) الأشعري.
(٥)
(٦)
في ط : البجلي، وما أثبت عن أ، ب والفتوح لابن الأعثم (٢/ ٢٧٤) ط دار الفكر .
(٧)
سماه الطبري (١١/٦) وابن الأثير (٣/ ٢٩٢): حسين بن عبد الله البُرْسمي.
(٨) خبر خروج الشيعة إلى محمد ابن الحنفية في تاريخ الطبري (١٢/٦) وابن الأثير (٢٩٣/٣) والمنتظم لابن
الجوزي (٦/ ٥١) والفتوح لابن الأعثم (٢٧٥/٢).

١٣
أحداث سنة ٦٦ هـ
خلقه ، وقد كان المختار بلغه مخرجهم إلى محمد بن الحنفية [ فكره ذلك وخشي أن يكذّبه فيما أخبر به
عنه ، فإنه لم يكن بإذن محمد ابن الحنفية (١) وهمّ بالخروج قبل رجوع أولئك، وجعل يسجع لهم سجعاً
من سجع الكهان بذلك ، [ ثم كان الأمر على ما سجع به ] (١) فلما رجعوا أخبروه بما قال ابن الحنفية ،
فعند ذلك قوي أمر الشيعة على الخروج مع المختار بن أبي عبيد .
وقد روى أبو مخنف (٢) أن أمراء الشيعة قالوا للمختار : اعلم أن جميع أمراء الكوفة مع عبد الله بن
مطيع وهم إلى علينا ، وإنه إن بايعك إبراهيم بن الأشتر النخعي وحده أغنانا عن جميع من سواه . فبعث
إليه المختار جماعة يدعونه إلى الدخول معهم في الأخذ بثأر الحسين ، وذكّروه سابقة أبيه مع علي رضي
الله عنه ، فقال : قد أجبتكم إلى ما سألتم ، على أن أكون أنا ولي أمركم ، فقالوا : إن هذا لا يمكن ، لأن
المهدي قد بعث لنا المختار وزيراً له وداعياً إليه ، فسكت عنهم إبراهيم بن الأشتر ، فرجعوا إلى المختار
فأخبروه ، فمكث ثلاثاً ثم خرج في جماعة من رؤوس أصحابه إليه ، فدخل على ابن الأشتر فقام إليه
واحترمه وأكرمه وجلس إليه ، فدعاه إلى الدخول معهم ، وأخرج له كتاباً على لسان ابن الحنفية يدعوه إلى
الدخول مع أصحابه من الشيعة فيما قاموا فيه من نصرة آل بيت النبي ◌َّ، والأخذ بثأر الحسين . فقال ابن
الأشتر : إنه قد جاءتني كتب محمد ابن الحنفية بغير هذا النظام ، فقال المختار : إن هذا زمان وهذا
زمان ، فقال ابن الأشتر : فمن يشهد أن هذا كتابه ؟ فتقدم جماعة من أصحاب المختار فشهدوا بذلك ،
فقام ابن الأشتر من مجلسه وأجلس المختار فيه وبايعه ، ودعا لهم بفاكهة وشراب من عسل . قال
الشعبي : وكنت حاضراً أنا وأبي أمر إبراهيم بن الأشتر . ذلك المجلس ، فلما انصرف المختار قال لي
إبراهيم بن الأشتر : يا شعبي ما ترى فيما شهد به هؤلاء؟ فقلت : إنهم قرَّاء وأمراء ووجوه الناس ،
ولا أراهم يشهدون إلا بما يعلمون ، قال : وكتمته ما في نفسي من اتِّهامهم ، ولكني كنت أحب أن
يخرجوا للأخذ بثأر الحسين ، وكنت على رأي القوم . ثم جعل إبراهيم يختلف إلى المختار في منزله هو
ومن أطاعه من قومه ، ثم اتفق رأي الشيعة على أن يكون خروجهم ليلة الخميس لأربع عشرة ليلة خلت
[ من ربيع الأول (٣) من هذه السنة - سنة ست وستين .
وقد بلغ ابن مطيع أمر القوم وما اشتوروا عليه ، فبعث الشرط في كل جانب من جوانب الكوفة وألزم
كل أمير أن يحفظ ناحيته من أن يخرج منها أحد ، فلما كان ليلة الثلاثاء خرج إبراهيم بن الأشتر قاصداً إلى
دار المختار في مئة رجل من قومه ، وعليهم الدروع تحت الأقبية ، فلقيه إياس بن مضارب فقال له : أين
تريد يابن الأشتر في هذه الساعة ؟ إن أمرك لمريب ، فوالله لا أدعك حتى أحضرك إلى الأمير فيرى فيك
رأيه ، فتناول ابن الأشتر رمحاً من يد رجل فطعنه في ثغرة نحره فسقط ، وأمر رجلاً فاحتز رأسه ، وذهب
ما بين معكوفين ساقط من أ .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري (١٥/٦).
(٣) ما بين معكوفين ساقط من أ، ط، وهو في ب وموافق للطبري (١٨/٦).

١٤
أحداث سنة ٦٦ هـ
به إلى المختار فألقاه بين يديه ، فقال له المختار : بشرك الله بخير ، فهذا طائر صالح . ثم طلب إبراهيم
من المختار أن يخرج في هذه الليلة ، فأمر المختار بالنار أن ترفع وأن يُنادى بشعار أصحابه : يا منصور
أمت ، يا لثارات الحسين . ثم نهض المختار فجعل يلبس درعه وسلاحه وهو يقول :
قد عَلِمَتْ بَيْضاءُ حسناءُ الطَّلَلْ واضحَة الخَدَّين عَجْزاءُ الكَفَلْ
أني غَدَاة الرَّوْعِ مِقْدامٌ بطلُ(١)
وخرج بين يديه إبراهيم بن الأشتر فجعل يتقصد الأمراء الموكلين بنواحي البلد فيطردهم عن أماكنهم
واحداً واحداً . وينادي بشعار المختار ، وبعث المختار أبا عثمان النَّهدي فنادى بشعار المختار ،
يا لثارات الحسين . فاجتمع الناس إليه من هاهنا وهاهنا ، وجاء شَبَث بن ربعي فاقتتل هو والمختار عند
داره وحصره حتى جاء ابن الأشتر فطرده عنه ، فرجع شَبَث إلى ابن مطيع وأشار عليه بأن يجمع الأمراء
إليه ، وأن ينهض بنفسه ، فإن أمر المختار قد قوي واستفحل ، وجاءت الشيعة من كل فجّ عميق إلى
المختار ، فاجتمع إليه في أثناء اللّيل قريب من أربعة آلاف ، فأصبح وقد عبّأ جيشه وصلّى بهم الصبح ،
فقرأ فيها: ﴿ وَالتَِّعَتِ غَرَقًا﴾ و﴿عَبَسَ وَتٌَّ﴾ في الثانية. قال بعض من سمعه: فما سمعت إماماً أفصح
لهجة منه ٢) . وقد جهّز ابن مطيع جيشه ثلاثة آلاف عليهم شَبَثَ بن ربعي، وأربعة آلاف أخرى مع
راشد بن إياس بن مضارب ، فوجّه المختار ابنَ الأشتر في ستمئة فارس وستمئة راجل [ إلى راشد بن
إياس ، وبعث نعيم بن هبيرة في ثلاثمئة فارس وستمئة راجل ٣٤) إلى شَبَث بن ربعي ، فأما ابن الأشتر فإنه
هزم جيش قرنه راشد بن إياس وقتله ، وأرسل إلى المختار يبشره ، وأما نعيم بن هبيرة فإنه لقي شَبَث بن
ربعي فهزمه شَبَثَ وقتله، وجاء فأحاط بالمختار وحصره . وأقبل إبراهيم بن الأشتر نحوه فاعترض له
حسان بن فائد بن العبسي في نحو من ألفي فارس من جهة ابن مطيع ، فاقتتلوا ساعة . فهزمه إبراهيم ، ثم
أقبل [ نحو المختار ] فوجد شبث بن ربعي قد حصر المختار وجيشه ، فما زال حتى طاردهم فكرّوا
راجعين ، وخلص إبراهيم إلى المختار ، وارتحلوا من مكانهم ذلك إلى غيره في ظاهر الكوفة ، فقال له
إبراهيم بن الأشتر : اعمد بنا إلى قصر الإمارة فليس دونه أحد [ يرد عنه ] فوضعوا ما معهم من الأثقال ،
وأجلسوا هنالك ضعفة المشايخ والرجال ، واستخلف على من هنالك أبا عثمان النهدي ، وبعث بين يديه
ابن الأشتر ، وعبأ المختار جيشه كما كان ، وسار نحو القصر ، فبعث ابن مطيع عمرو بن الحجاج في ألفي
رجل ، فبعث إليه المختار يزيد بن أنس وسار هو وابن الأشتر أمامه حتى دخل الكوفة من باب الكناسة ،
وأرسل ابن مطيع شمر بن ذي الجوشن الذي قتل الحسين في ألفين آخرين ، فبعث إليه المختار سعد بن
(١) الأبيات في الطبري (٢٠/٦) والمنتظم لابن الجوزي (٥٣/٦) والفتوح لابن الأعثم (٢٨٢/٢) مع زيادة شطر في
البيت الثاني : لا عاجز فيها ولا وغد فشل .
(٢)
الخبر في تاريخ الطبري (٢٣/٦) .
ما بين معكوفين ساقط من أ وحدها .
(٣)

١٥
أحداث سنة ٦٦ هـ
منقذ الهمداني ، وسار المختار حتى انتهى إلى سكة شَبَثَ . وإذا نوفل بن مساحق بن عبد الله بن مخرمة
في خمسة آلاف وخرج ابن مطيع من القصر في الناس ، واستخلف عليه شَبَث بن ربعي ، فتقدم ابن الأشتر
إلى الجيش الذي مع ابن مساحق ، فكان بينهم قتال شديد [ قُتل فيه رفاعة بن شداد أميرُ جيش التوابين
الذين قدم بهم ، وعبد الله بن سعد وجماعة غيرهم ، ثم انتصر عليهم ابن الأشتر فهزمهم }(١) وأخذ بلجام
دابة ابن مساحق فمتَّ إليه بالقرابة ، فأطلقه ، وكان لا ينساها بعد لابن الأشتر . ثم تقدم المختار بجيشه
إلى الكناسة وحصروا ابن مطيع بقصره ثلاثاً ، ومعه أشراف الناس سوى عمرو بن حريث فإنه لزم داره ،
فلما ضاق الحال على ابن مطيع وأصحابه استشارهم ، فأشار عليه شَبَث بن ربعي أن يأخذ له ولهم من
المختار أماناً ، فقال : ما كنت لأفعل هذا وأمير المؤمنين مطاع بالحجاز وبالبصرة ، فقال له : فإني رأيت
أن تذهب بنفسك مختفياً حتى تلحق بصاحبك فتخبره بما كان من الأمر وبما كان منا في نصره وإقامة (٢)
دولته ، فلما كان اللّيل خرج ابن مطيع مختفياً حتى دخل دار أبي موسى الأشعري ، فلما أصبح الناس أخذ
الأمراء إليهم أماناً من ابن الأشتر فأمنهم ، فخرجوا من القصر وجاؤوا إلى المختار فبايعوه ، ثم دخل
المختار إلى القصر فبات فيه ، وأصبح أشراف الناس في المسجد وعلى باب القصر ، فخرج المختار إلى
المسجد فصعد المنبر وخطب الناس خطبة بليغة ثم دعا الناس إلى البيعة وقال(٣) : فوالذي جعل السماء
سقفاً محفوظاً والأرض فجاجاً سُبُلاً ، ما بايعتم بعد بيعة عليّ أهدى منها . ثم نزل فدخل الناس يبايعونه
على كتاب الله وسنة رسوله ، والطلب بثأر الحسين وأهل البيت ، وجاء رجل إلى المختار فأخبره أن ابن
مطيع في دار أبي موسى ، فأراه أنه لا يسمع قوله ، فكرر ذلك ثلاثاً كل ذلك يريه لا يسمعُ(٤) قوله فسكت
الرجل ، فلما كان اللّيل بعث المختار إلى ابن مطيع بمئة ألف درهم . وقال له : اذهب فقد شعرت
بمكانك - وكان له صديقاً قبل ذلك - فذهب ابن مطيع إلى البصرة وكره أن يرجع إلى ابن الزبير وهو
مغلوب ، وشرع المختار يتحبب إلى الناس بحسن السيرة ، ووجد في بيت المال تسعة آلاف ألف ،
فأعطى الجيش الذين حضروا معه القتال نفقات كثيرة ، واستعمل على شرطته عبد الله بن كامل
اليشكري(٥)، وقرّب أشراف الناس فكانوا جلساءه ، فشق ذلك على الموالي الذين قاموا بنصره ، وقالوا
لأبي عَمرة كيسان مولى غزينة - وكان على حرسه -: قدّم والله أبو إسحاق العرب وتركنا ، فأنهى ذلك
أبو عَمْرة إليه، فقال: بل هم مني وأنا منهم، ثم قال: ﴿ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة: ٢٢] فقال
لهم أبو عَمْرة : أبشروا فإنه سيقتلهم(٦) ويقربكم ، فأعجبهم ذلك وسكتوا .
(١) ما بين معكوفين ساقط من أ وهو موافق لما جاء في المصادر.
(٢)
في ط : وإقامته .
نص الخطبة في تاريخ الطبري (٣٢/٦) وابن الأثير (٢٢٥/٤ -٢٢٦) والفتوح لابن الأعثم (٢١٩/٢).
(٣)
(٤)
من قوله : كل ذلك .. إلى هنا ساقط من ط .
في الطبري (٣٣/٦) وابن الأثير (٢٢٧/٤) الشاكري .
(٥)
(٦) في ط : سيدنيكم ، وعبارة الطبري: أبشروا ، كأنكم والله به قد قتلهم .

١٦
أحداث سنة ٦٦ هـ
ثم إن المختار بعث الأمراء إلى النواحي والبلدان والأقاليم والرساتيق ، من أرض العراق وخراسان ،
وعقد الألوية والرايات ، وقرر الإمارة والولايات ، وجعل يجلس للناس غدوة وعشية يحكم بينهم ، فلما
طال ذلك عليه استقضى شريحاً فتكلّم في شريح طائفة من الشيعة ، وقالوا : إنه شهد على حَجْر بن عدي ،
وإنه لم يبلّغ عن هانىء بن عروة ما أرسله به ، وقد كان علي بن أبي طالب عزله عن القضاء . فلما بلغ
شريحاً ذلك تمارض ولزم بيته ، فجعل المختار مكانه عبد الله بن عتبة بن مسعود ، ثم عزله وجعل مكانه
عبد الله بن مالك الطائي قاضيا١ً) .
فصل
ثم شرع المختار يتتبع قتلة الحسين من شريف ووضيع فيقتله ، وكان سبب ذلك أن عبيد الله بن زياد
كان قد جهزه مروان من دمشق ليدخل الكوفة ، فإن ظفر بها فليبحها ثلاثة أيام ، فسار ابن زياد قاصداً
الكوفة ، فلقي جيش التوابين ، بعين الوردة كما ذكرنا ، ثم سار(٢) حتى انتهى إلى الجزيرة فوجد بها قيس
عيلان ، وهم من أنصار [ ابن الزبير ، وقد كان مروان أصاب منهم قتلى كثيرة يوم مرج راهط ، فهم
إلب عليه ، وعلى ابنه عبد الملك من بعده ، فتعوَّق عن المسير سنة وهو في حرب قيس عيلان
بالجزيرة ، ثم وصل إلى الموصل فانحاز نائبها٣) عنه إلى تكريت ، وكتب إلى المختار يعلمه بذلك ،
فندب المختار يزيد بن (٤) أنس في ثلاثة آلاف اختارها ، وقال له : إني سأمُّك بالرجال بعد الرجال ،
فقال له : لا تمدني إلا بالدعاء . وخرج معه المختار إلى ظاهر الكوفة فودعه ودعا له وقال له : ليكن
خبرك في كل يوم عندي ، وإذا لقيت عدوك فناجزهم(٥) ، ولا تؤخر فرصة . ولما بلغ مخرجهم ابن
زياد جهّز بين يديه سريّتين إحداهما مع ربيعة بن مخارق ثلاثة آلاف ، والأخرى مع عبد الله بن حَمْلة ثلاثة
آلاف ، وقال : أيكم سبق فهو الأمير ، وإن سبقتما معاً فالأمير عليكم أسنُّكما . فسبق ربيعة بن مخارق
إلى يزيد بن أنس فالتقيا في طرف أرض الموصل ممايلي الكوفة ، فتواقفا هنالك ، ويزيد بن أنس مريض
مدنف ، وهو مع ذلك يحرّض قومه على الجهاد ويدور على الأرباع وهو محمول مضنيٍّ [على حمار،
وهو يقول لقومه : يا شرطة الله اصبروا تؤجروا ، وقاتلوا عدوكم تظفروا ، ثم نزل فوضع له سريره بين
الصفين ، وقال لقومه : قاتلوا عن أميركم إن شئتم أو فرُّوا عنه (٦) وقال للناس: إن هلكت فأمير(٧)
(١) الخبر في تاريخ الطبري (٣٤/٦ - ٣٥) وابن الأثير (٢٢٧/٤ - ٢٢٨).
في ط : فكان من أمرهم ما تقدم ، ثم سار من عين وردة . .
(٢)
واسمه عبد الرحمن بن سعيد بن قيس . الطبري (٣٩/٦).
(٣)
ما بين معكوفين ساقط من أ وحدها .
(٤)
في ط : فناجزك فناجزهم ، وعبارة الطبري : إذا لقيت عدوك فلا تناظرهم ، وإذا أمكنتك الفرصة فلا تؤخرها .
(٥)
(٦)
من قوله : على حمار .. إلى هنا ساقط من ط ، والخبر بتمامه في الطبري (٤١/٦).
(٧) في ط : فالأمير على ..

١٧
أحداث سنة ٦٦ هـ
الناس(١) عبد الله بن ضمرة الفزاري، وهو رأس الميمنة، وإن هلك فسعر(٢) بن أبي سعر رأس
الميسرة ، وكان ورقاء بن عَازَبَ(٣) الأسدي على الخيل. وهو وهؤلاء الثلاثة أمراء الأرباع ، وكان ذلك
في يوم عرفة من سنة ست وستين عند إضاءة الصبح ، فاقتتلوا هم والشاميون قتالاً شديداً ، واضطربت كل
من الميمنتين والميسرتين ، ثم حمل ورقاء على الخيل فهزمها وفرّ الشاميون وقُتل أميرهم ربيعة بن
مخارق ، واحتاز جيش المختار ما في معسكر الشاميين ، ورجع فرّارهم فلقوا الأمير الآخر عبد الله بن
حملة(٤) ، فقال : ما خبركم؟ فأخبروه فرجع بهم وسار بهم نحو يزيد بن أنس فانتهى إليهم عشاءً ، فبات
الناس متحاجزين ، فلما أصبحوا تواقفوا على تعبئتهم ، وذلك يوم الأضحى من سنة ست وستين ، فاقتتلوا
قتالاً شديداً ، فهزم جيشُ المختار [ جيشَ الشاميين ] أيضاً ، وقتلوا أميرهم عبد الله بن حملة واحتووا على
ما في معسكرهم ، وأسروا منهم ثلاثمئة أسير ، فجاؤوا بهم إلى يزيد بن أنس وهو على آخر رمق ، فأمر
بضرب أعناقهم .
ومات يزيد بن أنس من يومه ذلك وصلى عليه خليفته ورقاء بن عازب ودفنه ، وسقط في أيدي
أصحابه ، وجعلوا يتسللون راجعين إلى الكوفة ، فقال لهم ورقاء : يا قوم ماذا ترون ؟ إنه قد بلغني أن ابن
زياد قد أقبل في ثمانين ألفاً من الشام ، ولا أرى لكم بهم طاقة ، وقد هلك أميرنا ، وتفرق عنا طائفة [ من
الجيش ] من أصحابنا فلو انصرفنا راجعين إلى بلادنا ونُظهر أنّا إنّما انصرفنا حزناً منا على أميرنا لكان خيراً
لنا من أن نلقاهم فيهزموننا ونرجع مغلوبين ، فاتفق رأي الأمراء على ذلك ، فرجعوا إلى الكوفة . فلما بلغ
خبرهم أهل الكوفة ، وأن يزيد بن أنس قد هلك ، أرجف أهل الكوفة بالمختار ، وقالوا : قُتل يزيد بن
أنس في المعركة وانهزم جيشه ، وعمّا قليل يقدم عليكم ابن زياد فيستأصلكم ويشتف خضراءَكم ، ثم
تمالؤوا على الخروج على المختار وقالوا : هو كذاب ، واتفقوا على حربه وقتاله وإخراجه من بين
أظهرهم ، واعتقدوا أنه كذاب ، وقالوا : قد قدّم موالينا على أشرافنا ، وزعم أن ابن الحنفية قد أمره
بالأخذ بثأر الحسين وهو لم يأمره بشيء ، وإنما هو متقول عليه ، وانتظروا بخروجهم عليه أن يخرج من
الكوفة إبراهيم بن الأشتر فإنه قد عينه المختار أن يخرج في سبعة آلاف تلقاء عبيد الله بن زياد [ وقال له :
سر حتى ترى جيش ابن أنس فردهم معك ، وسر بهم حتى تلقى عدوك عبيد الله بن زياد فناجزه . فخرج
الأشتر بمجموعه ، فلما بلغ ساباط(٥) جاءه كتاب المختار يأمره بالرجوع فرجع ، وكان المختار قد حصَّن
(١) في تاريخ الطبري (٤١/٦) والمنتظم (٥٦/٦): إن هلك فأميركم ورقاء بن عازب الأسدي ، فإن هلك فأميركم
عبد الله بن ضمرة .
(٢)
في ط : مسعر بن أبي مسعر ؛ وما أثبت موافق للمصادر .
(٣)
في أ، ط : ورقاء بن خالد ؛ وما أثبت عن ب والمصادر .
في أ : جملة - بالجيم - وأثبت ما أجمعت عليه المصادر.
(٤)
(٥) ساباط : موضع معروف بالمدائن. معجم البلدان (١٨٧/٣).

١٨
أحداث سنة ٦٦ هـ
قصر الإمارة، واستعد للقتال ، وخرج أولئك الذين اتفقوا على قتاله فعسكروا بجبَّانة السَّبيعُ(١)، وهم
شَبَث بن رِبْعي ، وشِمْر بن ذي جَوْشن ، ومحمد بن الأشعث ، وعبد الرحمن بن سعيد بن قيس ،
وكعب الخثعمي ، وزَحْر بن قيس الجُعْفي ، وإسحاق بن محمد بن الأشعث ، وبشير بن جرير ،
وحجار بن أبجر ، وعمرو بن الحجاج الزّبيدي وغيرهم]٢) ، فلما خرج ابن الأشتر اجتمع أشراف
الناس ممن كان في جيش قتلة الحسين وغيرهم في دار شَبَث بن ربعي وأجمعوا رأيهم على قتال
المختار ، ثم وثبوا فركبت كل قبيلة مع أميرها في ناحية من نواحي الكوفة ، وقصدوا قصر الإمارة ،
وبعث المختار عمرو بن توبة(٣) بريداً إلى إبراهيم بن الأشتر ليرجع إليه سريعاً ، وبعث المختار إلى أولئك
يقول لهم : ماذا تنقمون ؟ فإني أجيبكم إلى جميع ما تطلبون ، وإنما يريد أن يثبطهم عن مناهضته حتى
يقدم إبراهيم بن الأشتر ، وقال : إن كنتم لا تصدقونني في أمر محمد بن الحنفية فابعثوا من جهتكم وأبعث
من جهتي من يسأله عن ذلك ، ولم يزل يطاولهم حتى قدم ابن الأشتر بعد ثلاث ، فانقسم هو والناس
فرقتين ، فتكفَّل المختار بأهل اليمن ، وتكفّل ابن الأشتر بمضر وعليهم شَبَث بن ربعي ، وكان ذلك
بإشارة المختار ، حتى لا يتولى ابن الأشتر بقتال قومه من أهل اليمن فيحنو عليهم وكان المختار شديداً
عليهم .
واقتتل الناس في نواحي الكوفة قتالًاً عظيماً وكثرت القتلى بينهم من الفريقين ، وجرت فصول
وأحوال حربية يطول استقصاؤها ، وقتل جماعة من الأشراف ، منهم عبد الرحمن بن سعيد بن قيس
الكندي ، وسبعمئة وثمانين رجلاً من قومه ، وقتل من مضر بضعة عشر رجلاً ، ويعرف هذا اليوم بجبَّانة
السَّبيع ، وكان ذلك يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجّة سنة ست وستين ، ثم كانت النصرة للمختار
عليهم ، وأسر منهم خمسمئة أسير ، فعرضوا عليه فقال : انظروا من كان منهم شهد مقتل الحسين
فاقتلوه ، فقتل منهم مئتان وأربعون رجلا٤ً) ، وقتل أصحابه منهم من كان يؤذيهم ويسيء إليهم بغير أمر
المختار ، ثم أطلق الباقين ونادى منادي المختار : من أغلق بابه فهو آمن إلا رجل أشرك في دم آل محمد
- وَ خر (٥) وهرب عمرو بن الحجّاج الزُّبيدي، وكان ممن شهد قتل الحسين فلا يدرى أين ذهب من
الأرض .
(١) قال ياقوت الحموي : الجبّان في الأصل الصحراء ، وأهل الكوفة يسمون المقابر جبَّانة، كما يسميها أهل البصرة
المقبرة ، وبالكوفة محالّ تسمى هذا الاسم وتضاف إلى القبائل منها . جبّانة السّبيع ، كان بها يوم للمختار بن عبيد .
معجم البلدان (١١٦/٢) .
من قوله: وقال له .. إلى هنا ساقط من ط وهو موافق للطبري (٦/ ٤٤-٤٦).
(٢)
(٣)
في أ ، ط : ثوبة ، وما أثبت عن ب والمصادر .
في الطبري (٦/ ٥١) وابن الأثير (٢٣٥/٤): مئتين وثمانية وأربعين قتيلاً.
(٤)
(٥) من قوله : ونادى منادي . . إلى هنا ساقط من ط ، ب وهو موافق للطبري.

١٩
مقتل شمر بن ذي الجوشن
مقتل شِمر بن ذي الجوشن
أمير السَّرية التي قتلت حسيناً
وهرب أشراف الكوفة إلى البصرة إلى مصعب بن الزبير ، وكان ممن هرب لقصده شِمر بن ذي
الجوشن قبحه الله ، فبعث المختار في طلبه غلاماً له يقال له زرنب(١) ، فلما دنا منه قال شمر لأصحابه :
تقدموا وذروني وراءكم بصفة أنكم قد هربتم وتركتموني حتى يطمع فيّ هذا العلج ، فساقوا وتأخر شمر
فأدركه زرنب فعطف عليه شمر فدق ظهره فقتله ، وسار شمر [ وتركه ] وكتب كتاباً إلى مصعب بن الزبير
وهو بالبصرة ينذره بقدومه عليه ، ووفادته إليه ، وكان كل من فرّ من هذه الوقعة يهرب إلى مصعب
بالبصرة ، وبعث شمر الكتاب مع علج من علوج قرية قد نزل عندها يقال لها الكلتانية(٢) عند نهرٍ إلى جانب
تلِّ هناك ، فذهب ذلك العلج فلقيه علج آخر فقال له : إلى أين تذهب ؟ قال : إلى مصعب ، قال : ممن ؟
قال : من شمر ، فقال : اذهب معي إلى سيِّدي ، وإذا سيده أبو عمرة أمير حرس المختار ، وهو قد ركب
في طلب شمر ، فدله العلج على مكانه فقصده أبو عمرة ، وقد أشار أصحاب شمر عليه أن يتحول من
مكانه ذلك ، فقال لهم : هذا كله فرق من الكذاب ، والله لا أرتحل من هاهنا إلى ثلاثة أيام حتى أملا
قلوبهم رعباً ، فلما كان الليل كابسهم أبو عمرة في الخيل فأعجلهم أن يركبوا أو يلبسوا أسلحتهم ، وثار
إليهم شمر بن ذي الجوشن فطاعنه برمحه وهو عريان ثم دخل خيمته فاستخرج منها سيفاً وهو يقول :
جهماً محيَّاهُ يدقُّ الكاهلا
نبهتمُ ليثَ عريٍ باسل٣ً)
لم يُرَ يوماً عن عدوّ ناكلا إلا أكرّ مقاتلاً أو قاتا(٤)
يزعجهم(٥) ضرباً ويُروي العاملا
ثم ما زال يناضل عن نفسه حتى قُتل ، فلما سمع أصحابه وهم منهزمون صوت التكبير وقول أصحاب
المختار : الله أكبر قتل الخبيث ، عرفوا أنه قد قتل قبحه الله .
قال أبو مخنف : عن يونس بن أبي إسحاق قال : ولما خرج المختار من جبَّانة السَّبيع وأقبل
في الطبري (٥٢/٦): زربيا، وفي ابن الأثير (٢٣٦/٤) زربى، وفي ابن الأعثم (٢/ ٣٢٠): رزين.
(١)
(٢)
في الأصول : الكلبانية - بالباء - تحريف ، وما هنا عن الطبري ، والكلتانية - بالتاء - موضع ما بين السوس
والصيمرة ، قريب من البصرة ، وبهذه القرية قتل شمر بن ذي الجوشن الضبابي المشارك في قتل الحسين بن علي
قتله أبو عمرة . معجم البلدان (٤/ ٥٤٠) .
(٣)
في الفتوح لابن الأعثم (٣٢٢/٢): تيمموا ليثاً هزبراً باسلاً .
(٤)
في أ : إلا أكرّ مقاتلاً أو ساملاً ، وأثبت ما وافق المصادر .
كذا في أ، ط ، وفي ب والطبري (٥٤/٦) وابن الأثير (٢٣٦/٤): يُبْرِحهم . والأبيات أيضاً في تاريخ دمشق
(٥)
(١٩٢/٢٣) ط دار الفكر، وتهذيب تاريخ دمشق (٣٤٢/٦).

٢٠
مقتل شِمر بن ذي الجوشن
إلى القصر - يعني منصرفه من القتال - ناداه سُراقةُ بن مِزْداس بأعلى صوته وكان في الأسرى .
امننْ عليَّ اليومَ يا خَيْرَ مَعَدْ وخَيْرَ من حَلَّ بِشِحْرٍ والجَنَدُ(١)
وخَيْرَ من لَّى وصام وسَجَدُ(٢)
قال : فبعثه إلى السجن فاعتقله ليلة ثم أطلقه من الغد ، فأقبل إلى المختار وهو يقول :
نزونا نَزْوةً كانت علينا
ألا أخبر(٣) أبا إسحاقَ أنا
وكان خُرُوجنا بَطَراً وشَينا٤)
خَرَجْنا لا نرى الضعفاءَ شيئاً
وهم مثلُ الزُّبْ) حين التقينا
نراهم في مصافِّهمُ قليلاً
رأينا القومَ قد برزوا إلينا
برزْنا إذْ رَأيْناهُمْ فلما
وطعناً صائباً حتى انثنين(٧)
رأينا٦) منهمُ ضرباً وطحناً
بكلِّ كتيبةٍ(٨) تنعى حُسَيْن(٩)
نُصِرْتَ على عدوكَ كُلَّ يومٍ
ويومَ الشِّعْبِ إذْ لاقى حُنَيْنا
كنصر محمدٍ في يومٍ بدرٍ
لجرنا في الحكومة واعتدينا
سأشكرُ إذْ جعلتَ النَّقْدَ دينا١٢)
فَأَسجحُ (١) إذ ملكتَ فلو ملكنا(١)
تقبل توبةً مني فإني
وجعل سراقة بن مرداس يحلف أنه رأى الملائكة تقاتل على الخيول البلق بين السماء والأرض ، وأنه
لم يأسره إلا واحد من أولئك الملائكة ، فأمره المختار أن يصعد المنبر فيخبر الناس بذلك . فصعد المنبر
فأخبر الناس بذلك ، فلما نزل خلابه المختار فقال له : إني قد عرفت أنك لم تر الملائكة ، وإنما أردت
في أ : كل مسح بالجند .
(١)
في الطبري : وخير من لبّ وحيّا وسجد، والأبيات أيضاً فى ديوان سراقة بن مرداس (٧٤).
(٢)
(٣)
في الطبري وابن الأثير : ألا أبلغ .
في الطبري وابن الأثير : وحينا .
(٤)
(٥)
في الطبري : الدُّبي .
(٦)
في الطبري : لقينا منهم ضرباً طلحفاً .
في أوحدها : حتى انتهينا .
(٧)
في ط : كثيبة - بالثاء - .
(٨)
في الفتوح لابن الأعثم (٢/ ٣٢):
(٩)
بکل کتیبة قتلت حسینا
زففت الخيل يا مختار زفاً
نصرت على عدوك كل يوم
بكل حضارم لم يلق شينا
(١٠) في أوحدها : فانجح ؛ وما أثبت موافق للمصادر .
(١١) في الفتوح لابن الأعثم : فصفحاً إذ قدرت فلو قدرنا .
(١٢) في أ: العقد، وفي ط: العفو ؛ وما أثبت عن ب والطبري وابن الأثير والأبيات في ديوان سراقة (٧٦ - ٧٧).