النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
وقعة مرج راهط
بالأمانة ، وابن الزبير خارج عن الناس . فدعا الضحاك الناس إلى نفسه ثلاثة أيام فلم يصمد معه ، فرجع
إلى الدعوة لابن الزبير ، ولكن انحطّ عند الناس ، ثم قال ابن زياد : إن من يطلب ما تطلب لا ينزل المدن
والحصون ، وإنما ينزل الصحراء ويدعو إليه بالجنود ، فبرز الضحاك إلى مرج راهط فنزله ، وأقام ابن زياد
بدمشق ، وبنو أمية بتدمر ، وخالد وعبد الله عند خالهم حسان بالجابية ، فكتب ابن زياد إلى مروان يأمره
أن يظهر دعوته ، فدعا إلى نفسه ، وتزوج بأم خالد بن يزيد - وهي أمُّ هاشم بنت أبي هاشم بن عتبة بن
ربيعة - فعظم أمره ، وبايعه الناس ، واجتمعوا عليه ، وسار إلى مرج راهط نحو الضحاك بن قيس ،
وركب إليه عبيد الله بن زياد وأخوه عبّاد بن زياد ، حتى اجتمع مع مروان ثلاثة عشر ألفاً ، وبدمشق من
جهته يزيد بن أبي النُّمس (١) . وقد أخرج عامل الضحاك منها وهو يمدُّ مروان بالسلاح والرجال وغير
ذلك . ويقال : كان نائبه على دمشق يومئذ عبد الرحمن ابن أم الحكم . وجعل مروان على ميمنته
عبيد الله بن زياد ، وعلى ميسرته عمرو بن سعيد بن العاص .
وبعث الضحاك إلى النعمان بن بشير ، فأمدَّه النعمان بأهل حمص عليهم شرحبيل بن ذي الكلاع .
وركب إليه زفر بن الحارث الكلابي في أهل قنّسرين ، فكان الضحاك في ثلاثين ألفاً ، على ميمنته زياد بن
عمرو العقيلي ، وعلى ميسرته زكريا بن شمر الهلاليٌ . فتصافُّوا ، وتقاتلوا بالمرج عشرين يوماً ، يلتقون
بالمرج في كل يوم ، فيقتتلون قتالاً شديداً . ثم أشار عبيد الله على مروان أن يدعوهم إلى الموادعة
خديعة ، فإنَّ الحربَ خُدْعة(٢) ، وأنت وأصحابك على الحق وهم على الباطل ، فنُودي في الناس بذلك .
ثم غدر أصحاب مروان فمالوا يقتلونهم قتلاً شديداً ، وصبر أصحاب الضحاك صبراً بليغاً ، فقُتل
الضحاك بن قيس في المعركة ، قتله رجل يقال له : زحمة بن عبد الله - من بني كلب ، طعنه بحربة فأنفذها
ولم يعرفه . وصبر مروان وأصحابه صبراً شديداً حتى فرَّ أولئك بين يديه ، فنادى مروان : ألا لا يتبع
مُذْبر . ثم جيء برأس الضحاك ، ويقال : إن أول من بشره بقتله روح بن زنباع الجُذامي .
واستقر ملك الشام بيد مروان بن الحكم . وروي أنه بكى على نفسه يوم مَرْج راهط فقال : أبعدما
كبرت وضعفت صرت إلى أن أقتل بالسيوف على الملك ؟!
قلت : ولم تطل مدَّتُه في الملك إلا تسعة أشهر على ما سنذكره .
وقد كان الضَّحاك بن قَيْس بن خالد الأكبر بن وَهْب بن ثعلبة بن وائلة بن عمرو بن شَيْبان بن مُحارب
(١) كذا في أ، ب وتاريخ الطبري: ووقعت في المطبوع: النمر. وقال ابن الأثير في كامله (١٥٣/٥): يزيد بن
أبي الغمس - بالسين المهملة ، وقيل: بالشين المعجمة - كان قد ارتد عن الإسلام ودخل الروم مع جبلة بن الأيهم ،
ثم عاود الإسلام ، وشهد صفين مع معاوية ، وعاش إلى أيام عبد الملك بن مروان .
(٢) قوله : فإن الحرب خدعة مقتبس من حديث صحيح .

٣٤٢
وقعة مرج راهط
ابن فِهْر بن مالك - أبو أَنيسُ(١) الفِهْري - أحدَ الصحابة على الصحيح. وقد سمع من النبي ◌َّ- وروى عنه
أحاديث عدة . وروى عنه جماعة من التابعين . وهو أخو فاطمة بنت قيس - وكانت أكبر منه بعشر سنين.
وكان أبو عبيدة بن الجرّاح عمَّه. حكاه ابن أبي حاتم(٢) .
وزعم بعضهم : أنه لا صحبة له .
وقال الواقدي: أدرك النبي ◌ُّه وسمع منه قبل البلوغ. وفي رواية عن الواقدي أنه قال: ولد
الضحاك قبل وفاة النبي ◌َ لل بسنتين.
وقد شهد فتح دمشق ، وسكنها ، وله بها دار عند حجر الذهب مما يلي نهر بردى . وكان أميراً على
أهل دمشق يوم صفِّين مع معاوية ، ولما أخذ معاوية الكوفة استنابه بها في سنة أربع وخمسين . وقد روى
البخاري في ((التاريخ)): أن الضحاك قرأ بالناس في الكوفة سورة ( ص ) في الصلاة فسجد فيها ، فلم
يتابعه علقمة وأصحاب ابن مسعود في السجود .
ثم استنابه معاوية عنده بدمشق فلم يزل عنده حتى مات معاوية وتولَّى ابنه يزيد ، ثم ابن ابنه معاوية بن
يزيد ، ثم صار أمره إلى ما ذكرنا .
وقد قال الإمام أحمد : حدّثنا عفان بن مسلم ، حدّثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا علي بن زيد ، عن
الحسن : أن الضحاك بن قيس كتب إلى [ قيس بن ]٣) الهيثم حين مات يزيد بن معاوية : سلام عليك ،
أما بعد: فإني سمعت رسول الله وَله يقول: ((إنَّ بينَ يَدَي السّاعةِ فِتَناً كَقِطَعِ اللَّيلِ المُظْلم، فِتَناً كقطعِ
الدُّخان ، يموتُ فيها قلبُ الرجلِ كما يموتُ بدنُه، يصبحُ الرجلُ مُؤمناً ويُمَسي كافراً، ويُمْسي مُؤمناً
ويصبحُ كافراً، يَبيعُ أقوامٌ خلاقَهُمْ ودينَهُمْ بعَرَضٍ منَ الدُّنيا قليل)) وإن يزيد بن معاوية قد مات وأنتم
إخوانُنا وأشقاؤنا فلا تَسْبقونا حتى نختار لأنفسِنا(٤) .
وقد روى ابن عساكر(٥) من طريق ابن قتيبة ، عن العباس بن الفرج الرِّياشي ، عن يعقوب بن
إسحاق بن تَوْبة ، عن حماد بن زيد قال : دخل الضحاك بن قيس على معاوية ، فقال معاوية منشداً له :
تطاولت للضَّحّاكِ حتَّى رددتُهُ إلى حَسَبٍ في قومِهِ متَقَاصِر
ويقال : أبو أمية . ويقال : أبو عبد الرحمن . ويقال : أبو سعيد .
(١)
(٢)
في الجرح والتعديل (٤/ ٤٥٧).
(٣)
سقط من المطبوع .
أخرجه أحمد في مسنده (٤٥٣/٣) وابن سعد في الطبقات (٧/ ٤١٠) وإسناده ضعيف لضعف علي بن زيد بن
(٤)
جدعان . وهو عند ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٥٠) والذهبي في سير أعلام النبلاء (٢٤٢/٣) والمرفوع منه
صحيح ، دون قوله: ((فتناً كقطع الدخان)).
(٥) تاريخ دمشق (٢٤/ ٢٩١) .

٣٤٣
وفيات سنة ٦٤ هـ
فقال الضحاك : قد علم قومنا أنا أحلاسُ الخيل . فقال : صدقت ، أنتم أحلاسُها ونحن فرسانُها .
يريد معاوية : أنتم راضَةٌ وساسَة ، ونحن الفرسان . وأرى أن أصل الكلمة من الحِلْس وهو كساء يكون
تحت البَرْذعة ، أي : أنهم يلزمون ظهورها كما يلزم الحِلسُ ظهر البعير والدابّة .
وروي أيضاً(١) : أن مؤذن دمشق قال للضَّحاك بن قيس : والله - أيها الأمير - إني لأحبُّك في الله.
فقال له الضَّحاك: ولكني - والله - أبغضُك في الله. قال: ولمَ أصلحك الله ؟ قال : لأنَّك تتراءى في
أذانك ، وتأخذُ على تعليمك أجراً .
قُتل الضَّحاك - رحمه الله - يوم مرج راهط ، وذلك للنصف من ذي الحجَّة سنة أربع وستين . قاله
الليث بن سعد ، وأبو عبيد ، والواقدي ، وابن زبر ، والمدائني .
وفيها مقتل :
التُّعْمان بن بَشِير الأَنْصاري(٢): وأُمه عَمْرة بنت رواحة . كان النعمان أول مولود ولد بالمدينة بعد
الهجرة من الأنصار في جمادى الأول سنة اثنتين من الهجرة، فأتتْ به أمُّه تحمله إلى النبيِ وَ لَ فحنَّكَهُ
وبشَّرها بأنه يعيشُ حميداً ، ويُقتلُ شهيداً ، ويدخلُ الجنَّةَ . فعاش في خير وسعة .
ولي نيابة الكوفة لمعاوية تسعة أشهر ، ثم سكن الشام ، وولي قضاءها بعد فَضالة بن عبيد ، وفَضالة
بعد أبي الدرداء. وناب بحمص لمعاوية. وهو الذي ردّ آل رسول الله وَّ ه إلى المدينة بأمر يزيد بن معاوية
في ذلك. وهو الذي أشار على يزيد بالإحسان إليهم [ وقال: عامِلْهم بما كان يعاملُهم به رسول الله وَّ لو
رآهم على هذه الحالة (٣) فرقَّ لهم يزيد ، وأحسن إليهم وأكرمهم .
ثم لما كانت وقعة مَرْج راهط وقُتل الضحاك بن قيس ، وكان النعمان قد أمدَّه بأهل حمص [ عدا
عليه أهل حمص ](٣) فقتلوه بقرية يقال لها : بِيرِين (٤)، قتله رجل يقال له خالد بن خَلِيّ المازني -
(١) تاريخ دمشق (٢٩٠/٢٤).
(٢) طبقات ابن سعد (٥٣/٦) طبقات خليفة (ت٥٩٣، ٩٣٠، ٢٨٥٣) مسند أحمد (٢٦٧/٤ و٣٧٥) المحبر (٢٧٦،
٢٩٤، ٤٢١) تاريخ البخاري الكبير (٧٥/٨) ثقات العجلي (٤٥٠) المعارف (٢٩٤) أخبار القضاة (٢٠١/٣) الجرح
والتعديل (٤٤٤/٨) مشاهير علماء الأمصار (ت٣٣٢) الأغاني (٢٨/١٦) مستدرك الحاكم (٥٣٠/٣) جمهرة أنساب
العرب (٣٦٤) الاستيعاب (١٤٩٦/٤) الجمع بين رجال الصحيحين (٥٣١/٢) تاريخ ابن عساكر (٢٩٣/١٧/ب)
أسد الغابة (٣٢٦/٥) الكامل في التاريخ (١٤٩/٤) تهذيب الأسماء واللغات (١٢٩/٢/١) مختصر تاريخ دمشق
(١٦٠/٢٦) تهذيب الكمال (٤١١/٢٩) تاريخ الإسلام (٨٨/٣) العبر (٧٠/١) تذهيب التهذيب (٤/ ٩٧/ ب) سير
أعلام النبلاء (٤١١/٣) الكاشف (١٨١/٣) تهذيب التهذيب (٤٤٧/١٠) الإصابة (٥٥٩/٣) خلاصة الخزرجي
(٤٠٢) شذرات الذهب (١/ ٢٨٧).
(٣) ما بين حاصرتين ليس في ط .
(٤) ((بيرين )): من قرى حمص .

٣٤٤
وفيات سنة ٦٤ هـ
وَقيل : خليّ بن داود ، وهو جد خالد بن خَلِيّ . وقد رثته ابنته حَميدة بنت النعمان فقالت :
كانُوا لقَتْلِكَ واقِيَهْ
ليتَ ابنَ مُزْنَةَ وابنَهُ
لَمْ تبقَ منهمْ باقِيَهْ
وبني أُميَّةَ كلَّهِمْ
يا لَلْكِلابِ العاويَهْ
جاءَ البريدُ بِقَتْلِهِ
دارتْ عليهمْ ثانيَهْ
يَسْتَفْتَحونَ برأسِهِ
ولَأَبكينَّ عَلانِيَهْ
فَلَأَ بْكِينَّ مُسِرَّةً
ولأَبكينَّكَ ما حَييـ ـتُ مِعَ السِّباعِ العاديَهُ(١)
[ وقيل: إن أعشى هَمْدانُ(٢) قدم على النعمان بن بشير وهو على حمص وهو مريض ، فقال له
النعمان : ما أقدمَك ؟ قال : جئت لتصلَني وتحفظَ قرابتي، وتقضيَ دَيْني ، فقال : والله ما عندي ،
ولكني سائلُهم لك شيئاً ، ثم قام فصعد المنبر ثم قال : يا أهل حمص ! إن هذا ابن عمّكم من العراق ،
وهو مُسْترفِدُكم شيئاً ، فما ترون ؟ فقالوا : احتكم في أموالنا ، فأبى عليهم ، فقالوا : قد حكمنا من
أموالنا كل رجل دينارين - وكانوا في الديوان عشرين ألف رجل - فعجَّلها له النعمان من بيت المال أربعين
ألف دينار ، فلما خرجت أعطياتهم أسقط من عطاء كل رجل منهم دينارين ٣٤) .
ومن كلام النعمان بن بشير - رضي الله عنه - قوله: إن الهَلكة كل الهَلكة أن تعمل السيئات في زمن
البلاء.
وقال يعقوب بن سفيان : حدّثنا أبو اليمان ، حدّثنا إسماعيل بن عياش ، عن أبي رواحة يزيد بن
أيهم ، عن الهيثم بن مالك الطّائي قال : سمعت النعمان بن بشير وهو على المنبر يقول : سمعت
رسول الله وَ لل يقول: ((إنَّ للشَّيطانِ مَصَاليَ وفُخوخاً، وإنَّ من مَصَاليه وفخوخِهِ البطَرِ بنِعَمِ الله ، والفخر
بعَطاء الله، والكِبْر على عباد الله، واتِّباع الهوى في غير ذاتِ الله)(٤) .
(١) الأبيات في مختصر تاريخ دمشق (١٦٣/٢٦ - ١٦٤).
هو أبو المصبّح عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث . شاعر مفوّه شهير .
(٢)
(٣) هذا الخبر من المطبوع فقط. وتمامه كما في الأغاني (٦/ ٥٠) ومختصر تاريخ دمشق (١٦٢/٢٦) أنه عندما قبضها
قال يمدح النعمان :
كنعمان نعمان الندى ابن بشير
ولم أر للحاجات عند التماسها
كمدل إلى الأقوام حبل غرور
إذا قال أوفى ما يقول ولم يكن
وماخير من لا يقتدي بشكور
متى أكفر النعمان لم ألف شاكراً
(٤) أخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ (٤٤٦/٢) وابن عساكر، مختصره (١٦٢/٢٦). والمصالي - كما قال
ابن الأثير في النهاية (٥١/٣) شبيهة بالشرَك، واحدتها مِصْلاة . أراد ما يستفز به الناس من زينة الدنيا وشهواتها .

٣٤٥
وفيات سنة ٦٤ هـ
ومن أحاديثه الحسان ما سمعه من رسول الله وَ له يقول: ((إنَّ الحلالَ بَيِّن، وإنَّ الحرامَ بَيِّن ، وبينَ
ذلكَ أمورٌ مشتَبِهاتٌ لا يعلمُهُنَّ كثيرٌ منَ الناس ، فمَنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ فقدِ اسْتَبْرَأْ لدِينِهِ وعِرْضِه ، ومَنْ وقعَ
في الشُّبهاتِ وقعَ في الحرامِ كالرّاعي يَرْعى حولَ الحِمى يوشِكُ أنْ يرتعَ فيه ، ألا وإنَّ لكلِّ مَلِكِ حِمى ، ألَا
وإِنَّ حِمَى اللهِ محارمُه ، ألا وإنَّ في الجَسدِ مُضغةً إذا صلحتْ صلحَ لها سائرُ الجسَد ، وإذا فَسَدَتْ فسَدَ لها
سائر الجسد ، ألا وهي القَلْب)). رواه البخاري ومسلمُ(١).
وقال أبو مُسهِر : كان النعمان بن بشير على حمص عاملاً لابن الزبير ، فلما تَمَرْوَن أهل حمص خرج
النعمان هارباً ، فاتبعه خالد بن خَلي فقتله . قال أبو عبيد وغير واحد : في هذه السنة .
وقد روى محمد بن سعد بأسانيده : أن معاوية كان قد تزوج امرأةً(٢) جميلة جداً ، فبعث إحدى
امرأتيه - مَيْسونُ(٣) أو فاختة - لتنظرَ إليها ، فلما رأتْها أعجبتها جداً، ثم رجعتْ إليه ، فقال : كيف
رأيتِها ؟ قالت : بديعة الجمال ، غير أنّي رأيتُ تحت سُرَّتها خالّاً أسود ، وإني أحسب أن زوجها يُقتل
ويُلقى رأسُه في حِجْرها. فطلّقها معاوية ، وتزوجها النعمان بن بشير. فلما قُتل أُتي برأسه فأُلقي في
حِجْرها سنة خمس وستين .
وقال أبو سليمان بن زَبْر(٤): قتل بسَلَمْيَةُ(٥) سنة ست وستين(٦) . وقال غيره : سنة خمس وستين .
وقيل : سنة ستين . والصحيح ما ذكرناه .
وفيها توفي :
المِسْوَر(٧) بنُ مَخْرَمَة بن نَوْفل(٨) : صحابي صغير، أصابه حَجَر المنجنيق مع ابن الزُّبير بمكة
(١) أخرجه البخاري رقم (٥٢) في الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه ، ومسلم (١٥٩٩) في المساقاة: باب أخذ الحلال
وترك الشبهات ، وأبو داود (٣٣٣٠) والترمذي (١٢٠٥) في البيوع : باب ما جاء في ترك الشبهات ، وابن ماجه
(٣٩٨٤) في الفتن: باب الوقوف عند الشبهات، والدارمي (٢٤٥/٢) وأحمد في مسنده (٢٦٩/٤).
(٢)
هي نائلة بنت عمارة الكلبية .
هي ميسون بنت بحدل الكلبية . وقد تحرفت في المطبوع إلى : قيسون .
(٣)
تحرف في المطبوع إلى: زير . والخبر في تاريخ مولد العلماء ووفياتهم لابن زبر (١٨١/١). على أن المصنف لا
(٤)
ينقل منه مباشرة، وإنما ينقل من تهذيب الكمال لشيخه المزي (٤١٧/٢٩)، وليس في وفيات ابن زبر لفظة
((سلمية)) فقد زادها غيره .
(٥) ((سلمية)): بلدة في ناحية البرية من أعمال حماة. قال ياقوت في معجمه (٢٤/٣) وفي طريقها إلى حمص قبر
النعمان بن بشير .
(٦)
تحرف لفظ ستين في المطبوع إلى : خمسين .
(( المِسْور)): بكسر الميم وسكون السين، هكذا ضبطه ابن الأثير في أسد الغابة (١٧٦/٥) وغيرُه. ووقع في
(٧)
المطبوع في أكثر من موضع المسؤَّر وهو خطأ .
(٨) نسب قريش (٢٦٢) طبقات خليفة (ت٨١) المحبر (٦٨) تاريخ البخاري الكبير (٤١٠/٧) المعارف (٤٢٩) المعرفة=

٣٤٦
وفيات سنة ٦٤ هـ
وهو قائم يصلِّي في الحِجْر . وهو من أعيان من قُتل في حصار مكة .
[ وهو (١) المِسْور بن مَخْرمة بن نوفل، أبو عبد الرحمن الزُّهري. أمُّه عاتكة أخت عبد الرحمن بن
عوف .
له صحبة ورواية . ووفد على معاوية . وكان ممَّن يلزم عمر بن الخطاب .
وقيل : إنه كان ممن يصوم الدهر ، وإذا قدم مكة طاف لكل يوم غاب عنها سبعاً وصلَّى ركعتين .
وقيل : إنه وجد يوم القادسية إبريق ذهب مرصَّعاً بالياقوت ، فلم يدر ما هو ، فلقيه رجل من الفرس
فقال له : بِعْنيه بعشرة آلاف ، فعلم أنه شيء له قيمة ، فبعث به إلى سعد بن أبي وقاص ، فنفله [ سعد ](٢)
إياه ، فباعه بمئة ألف .
ولما توفي معاوية قدم مكة ، فأصابه حجر المنجنيق مع ابن الزبير لمّا رموا به الكعبة ، فمات بعد
خمسة أيام ، وغسَّله عبد الله بن الزبير ، وحمله في جملة من حمل إلى الحَجُون (٣)، وكانوا يطؤون به
القتلى ويمشون به بين أهل الشام .
واحتكر المِسْور بن مخرمة طعاماً في زمن عمر بن الخطاب ، فرأى سحاباً فكرهه ، فلما أصبح عدا
إلى السوق فقال : من جاءني أعطيتُه، فقال عمر : أجُننتَ يا أبا مخرمة ؟! فقال : لا والله يا أمير
المؤمنين ، ولكني رأيت سحاباً ، فكرهت ما فيه الناس ، فكرهت أن أربح فيه شيئاً . فقال له عمر :
جزاك الله خيراً .
ولد المِسْور بمكة بعد الهجرة بسنتين .
المُنْذر بن الزُّبير بن العوَّامُ(٤) : ولد في خلافة عمر بن الخطاب . وأمُّه أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق .
والتاريخ (٣٥٨/١) الاشتقاق (٩٦) الجرح والتعديل (٢٩٧/٨) مشاهير علماء الأمصار (ت٨٧) مستدرك الحاكم
=
(٥٢٣/٣) جمهرة أنساب العرب (١٢٩) الاستيعاب (١٣٩٩/٣) الجمع بين رجال الصحيحين (٥١٥/٢) تاريخ ابن
عساكر (١٦/ ٢٥١/أ) أسد الغابة (١٧٥/٥) تهذيب الأسماء واللغات (٩٤) مختصر تاريخ دمشق (٣٠٥/٢٤) تهذيب
الكمال (٥٨١/٢٧) تاريخ الإسلام (٧٩/٣) سير أعلام النبلاء (٣٩٠/٣) العبر (٧٠/١) الكاشف (١٢٨/٣) تذهيب
التهذيب (٤٠/٤/ ب) مرآة الجنان (١/ ١٤٠) العقد الثمين (١٩٧/٧) تهذيب التهذيب (١٥١/١٠) الإصابة
(٤١٩/٣) خلاصة الخزرجي (٣٧٧) شذرات الذهب (٢٨٧/١).
(١) من هنا يبدأ سقط من النسختين أ، ب، وينفرد المطبوع بصفحة تقريباً يمر خلالها ترجمة كل من المنذر بن الزبير ،
ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف . وسنشير إلى هذا السقط عند نهايته .
(٢) زيادة من سير أعلام النبلاء (٣٩٢/٣) يقتضيها السياق. والخبر أيضاً في تاريخ ابن عساكر مختصر (٣٠٨/٢٤).
وقوله : نفله ، يعني : أهداه .
(٣) الحجون : جبل بأعلى مكة ، عنده مدافن أهلها. معجم البلدان (٢/ ٢٢٥) .
(٤) طبقات ابن سعد (١٨٢/٥) نسب قريش (٢٤٤) المحبر (٧٠، ١٠٠) جمهرة نسب قريش (٢٣٦/١) وما بعدها ، =

٣٤٧
وفيات سنة ٦٤ هـ
وقد غزا المنذر القسطنطينية مع يزيد بن معاوية ، ووفد على معاوية فأجازه بمئة ألف ، وأقطعه
أرضاً ، فمات معاوية قبل أن يقبض المال .
وكان المنذر بن الزبير وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حِزام يقاتلان(١) أهل الشام بالنهار ويطعمانهم
بالليل .
قتل المنذر بمكة في حصارها مع أخيه . ولما مات معاوية أوصى إلى المنذر أن ينزل في قبره .
مُصْعَبُ بن عبد الرَّحمن بن عَوْف(٢) : كان شاباً ديَّناً فاضلاً .
قُتل مصعب - أيضاً - في حصار مكّة مع ابن الزُّبير ٣٤) .
وفي هذه السنة - أعني سنة أربع وستين - جرت حروب كثيرة وفتن منتشرة ببلاد المشرق ، واستحوذ
على بلاد خراسان رجل يقال له : عبد الله بن حازم ، وقهر عمّالها وأخرجهم منها ، وذلك بعد موت يزيد
وابنه معاوية قبل أن يستقر ملك ابن الزبير على تلك النواحي ، وجرت بين عبد الله بن حازم هذا وبين
عمرو بن مَرْثَد حروب يطول ذكرها وتفصيلها ، اكتفينا بذكرها إجمالاً إذ لا يتعلَّق بذكرها كبير فائدة ،
وهي حروب فتنة وقتال بغاة بعضهم في بعض ، والله المستعان .
[ وقال الواقدي : وفي هذه السنة بعد موت معاوية بن يزيد بايع أهل خراسان سَلْم بن زياد بن أبيه ،
وأحتُّوه حتى إنهم سمَّوا باسمه - في تلك السنة - أكثر من ألف غلام مولود ، ثم نكثوا واختلفوا ، فخرج
عنهم سَلْم وترك عليهم المهلَّب بن أبي صفرة (٤) .
وفيها اجتمع ملأ الشيعة على سليمان بن صُرَد بالكوفة ، وتواعدوا النُّخيلة ليأخذوا بثأر الحسين بن
علي بن أبي طالب ، وما زالوا في ذلك مجدِّين وعليه عازمين من بعد مقتل الحسين بكربلاء في العاشر من
المحرم سنة إحدى وستين ، وقد ندموا على ما كان منهم من بعثهم إليه ، فلما أتاهم خذلوه وتخلَّوا عنه
المعارف (٢٢٣) تاريخ الطبري (٤٨٠/٥، ٥٧٥) وغيرها، جمهرة أنساب العرب (١٢٣) تاريخ ابن عساكر
=
(١٠٢/١٧/ ب) الكامل في التاريخ (١٠٢/٤، ١٢٤) وغيرها، مختصر تاريخ دمشق (٢٤٧/٢٥) تاريخ الإسلام
(٨٦/٣) سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٨١) العقد الثمين (٢٨٠/٧) تعجيل المنفعة (٢٦٩).
في المطبوع : يقاتلون، خطأ . والخبر في جمهرة نسب قريش (ص ٣٨٧).
(١)
طبقات ابن سعد (٥/ ١٥٧) نسب قريش (٢٦٧) المعارف (٢٣٨) أخبار القضاة (١١٨/١) تاريخ الطبري (٣٤٥/٥،
(٢)
٤٩٧. ٥٧٥) الجرح والتعديل (٣٠٣/٨) العقد الفريد (٣٩٢/٤) مشاهير علماء الأمصار (ت٤٦١) الكامل في
التاريخ (٤ / ١٢٤) وغيرها .
(٣) هنا ينتهي النقص من النسختين أ ، ب الذي أشرنا إلى ابتدائه قبل صفحة تقريباً .
٤١) اتفرد المطبوع بهذه الفقرة ، ولم ترد في النسختين أ، ب .

٣٤٨
وفيات سنة ٦٤ هـ
ولم ينصروه . [ فجادت بوصل حين لا ينفع الوصل (١). فاجتمعوا في دار سليمان بن صُرَد - وهو
صحابي جليل . [ وكان رؤوس القائمين في ذلك خمسة: سليمان بن صُرَد الصحابي ]٢) والمسيّب بن
نَجَبَهُ(٣) الفزاري - أحد كبار أصحاب علي، وعبد الله بن سعد بن نُفيل الأزدي ، وعبد الله بن وال
التيمي ، ورفاعة بن شدّاد البجلي - وكلهم من أصحاب علي رضي الله عنه . فاجتمعوا كلهم بعد خطب
ومواعظ على تأمير سليمان بن صُرَد عليهم ، فتعاهدوا وتعاقدوا وتواعدوا النُّخيلة ، وأن يجتمع من
يستجيب لهم إلى ذلك بها في سنة خمس وستين ، ثم جمعوا من أموالهم وأسلحتهم شيئاً كثيراً وأعدُّوه
لذلك .
[ وقام المسيّب بن نَجَبة خطيباً فيهم ، فحمد الله وأثنى عليه وقال : أما بعد ، فقد ابتُلينا بطول العمر
وكثرة الفتن ، وقد ابتلانا الله فوجدَنا كاذبين في نصرة ابن بنت رسول الله وَله بعد أن كتبنا إليه وراسلناه ،
فأتانا طمعاً في نصرتنا إياه ، فخذلناه ، وأخلفناه ، وأتينا به إلى مَنْ قتله وقتل أولاده وذريَّته وقراباته
الأخيار ، فما نصرناهم بأيدينا ، ولا خذَّلنا عنهم بألسنتنا ، ولا قوَّيناهم بأموالنا ، فالويل لنا جميعاً ويلاً
متصلاً أبداً لا يفتر ولا يبيد دون أن نقتل قاتلهم والممالئين عليه ، أو نُقُتل دون ذلك وتذهب أموالنا
وتخرب ديارنا ، أيها الناس ! قوموا في ذلك قومة رجل واحد ، وتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم
خيرٌ لكم عند بارئكم ... وذكر كلاماً طويلاً . ثم كتبوا إلى جميع إخوانهم أن يجتمعوا بالنُّخيلة في السنة
الآتية ]٤) .
وكتب سليمان بن صُرَد إلى سعد بن حُذيفة بن اليمان وهو أمير على المدائن يدعوه إلى ذلك ،
فاستجاب له ، ودعا إليه سعد من أطاعه من أهل المدائن ، فبادروا إليه بالاستجابة والقبول ، وتمالؤوا
عليه ، وتواعدوا النُّخيلة في التاريخ المذكور . وكتب سعد بن حذيفة إلى سليمان بن صُرَد بذلك ، ففرح
أهل الكوفة بموافقة أهل المدائن لهم على ذلك ، وتشَّطوا لأمرهم الذي تمالؤوا عليه . فلما مات يزيد بن
معاوية وابنه معاوية بن يزيد بعد قليل طمعوا في الأمر ، واعتقدوا أن أهل الشام قد ضعفوا ولم يبق من يقيم
لهم أمراً ، فاستشاروا سليمان في الظهور وأن يخرجوا إلى النُّخيلة قبل الأجل ، فنهاهم عن ذلك وقال :
لا ، حتى يأتي الأجل الذي واعدوا إخوانهم فيه ، ثم هم في الباطن يعدون السلاح والقوة ولا يشعر بهم
جمهور الناس ، وحينئذ عَمَد جمهور أهل الكوفة إلى عمرو بن حُريث - نائب عبيد الله بن زياد على الكوفة
- فأخرجوه من القصر ، واصطلحوا على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف الملقب : دُخْرُوجة ، فبايع
(١) ما بين حاصرتين ليس في أ، ب.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٣) كذا قيده ابن ماكولا وغيره . ووقع في أ، ط في مواضع كثيرة: نجية ، وهو تحريف.
(٤) انفرد المطبوع بهذه الفقرة ولم ترد في النسختين أ ، ب .

٣٤٩
وفيات سنة ٦٤ هـ
لعبد الله بن الزبير ، فهو يسد الأمور حتى تأتي نواب ابن الزبير . فلما كان يوم الجمعة لثمان بقين من
رمضان من هذه السنة - أعني سنة أربع وستين - قدم أميران إلى الكوفة من جهة ابن الزبير ، أحدهما
عبد الله بن يزيد الخَطْمي على الحرب والثغر ، والآخر إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد الله التيمي على
الخَراج والأموال . وقد كان قدم قبلهما بجمعة واحدة للنصف من هذا الشهر المختار بن أبي عبيد - وهو
المختار الثقفي الكذاب - فوجد الشيعة قد التفت على سليمان بن صُرَد وعظّموه تعظيماً زائداً ، وهم
معدُّون للحرب . فلما استقر المختار عندهم بالكوفة دعا - في الباطن - إلى إمامة المهدي محمد بن
علي بن أبي طالب - وهو محمد بن الحنفيّة ، ولقبه المهدي - فاتَّبعه على ذلك كثير من الشيعة ، وفارقوا
سليمان بن صُرَد ، وصارت الشيعة فرقتين : الجمهور منهم مع سليمان بن صُرَد يريدون الخروج على
الناس ليأخذوا بثأر الحسين ، وفرقة أخرى مع المختار يريدون الخروج للدعوة إلى إمامة محمد بن
الحنفيَّة ، وذلك عن غير أمر ابن الحنفيّة ورضاه ، وإنما يتقوَّلون عليه ليروّجوا على الناس به ، وليتوصلوا
إلى أغراضهم الفاسدة .
وجاءت العين الصافية إلى عبد الله بن يزيد الخَطْمي - نائب ابن الزبير - بما تمالأ عليه فرقتا الشيعة على
اختلافهما من الخروج على الناس والدعوة إلى ما يريدون ، وأشار عليه من أشار بأن يبادر إليهم ، ويحتاط
عليهم ، ويبعث الشُّرط والمقاتلة فيقمعهم عمّا هم مجمعون عليه من إرادة الشر والفتنة . فقام خطيباً في
الناس ، وذكر في خطبته ما بلغه عن هؤلاء القوم ، وما أجمعوا عليه من الأمر ، وأن منهم من يريد الأخذ
بثأر الحسين ، ولقد علموا أنني لست ممن قتله ، وأني والله لممن أصيب بقتله وكره قتله ، فرحمه الله
ولعن قاتله ، وإني لا أتعرَّض لأحد قبل أن يبدأني بالشر ، وإن كان هؤلاء يريدون الأخذ بثأر الحسين
فليعمِدوا إلى ابن زياد ، فإنه هو الذي قتل الحسين وخيار أهله ، فليأخذوا منه بالثأر ، ولا يخرجوا
بسلاحهم على أهل بلدهم فيكون فيه حتفهم واستئصالهم .
فقام إبراهيم بن محمد بن طلحة الأمير الآخر فقال : أيها الناس ! لا يغرنّكم من أنفسكم كلام هذا
المداهن ، إنا - والله - قد استيقنّا من أنفسنا أن قوماً يريدون الخروج علينا، ولنأخذنَّ الوالد بالولد ،
والولد بالوالد ، والحميم بالحميم ، والعريف بما في عرافته ، حتى يدينوا للحق ويذلُّوا للطاعة .
فوثب إليه المسيّب بن نَجَبة الفزاري ، فقطع عليه كلامه فقال : يا بن الناكثين أتهدِّدنا بسيفك
وغَشْمك(١) ؟ أنت واللهِ أذلُّ من ذلك، إنّا والله لا نلومك على بغضنا وقد قتلنا أباك وجدَّك، وإنا لنرجو أن
نلحقك بهما قبل أن تخرج من هذا القصر .
وساعد المسيّب بن نَجَبة من أصحاب إبراهيم بن محمد بن طلحة جماعة من العمال ، وجرَت فتنة
(١) ((الغشم)): الظلم.

٣٥٠
وفيات سنة ٦٤ هـ
وشرّ كبير في المسجد ، فنزل عبد الله بن يزيد الخَطْمي عن المنبر ، وحاولوا أن يوقعوا بين الأميرين
فلم يتفق لهم ذلك ، ثم ظهرت الشيعة أصحاب سليمان بن صُرَد بالسلاح ، وأظهروا ما كان في أنفسهم
من الخروج على الناس ، وركبوا مع سليمان بن صُرَد فقصدوا نحو الجزيرة ، وكان من أمرهم
ما سنذكره .
وأما المختار بن أبي عبيد الثقفي الكذاب فإنه قد كان بغيضاً إلى الشيعة من يوم طعن الحسين وهو
ذاهب إلى الشام بأهل العراق ، فلجأ إلى المدائن ، فأشار المختار على عمِّه - وهو نائب المدائن - بأن
يقبض على الحسين ويبعثه إلى معاوية فيتخذ بذلك عنده اليد البيضاء ، فامتنع عمُّ المختار من ذلك ،
فأبغضته الشيعة بسبب ذلك ، فلمّا كان من أمر مسلم بن عقيل ما كان وقتله ابن زياد كان المختار يومئذ
بالكوفة ، فبلغ ابن زياد أنه يقول : لأقومنَّ بنصرة مسلم ولآخذنَّ بثأره ، فأحضره بين يديه ، وضرب عينه
بقضيب كان بيده فشتَرها ، وأمر بسجنه ، فلمّا بلغ أختَه سجنُه بكت وجزعت عليه ، وكانت تحت
عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فكتب ابن عمر إلى يزيد بن معاوية يشفع عنده في إخراج المختار من
السجن ، فبعث يزيد إلى ابن زياد : أن ساعة وقوفك على هذا الكتاب تخرج المختار بن أبي عبيد من
السجن ، فلم يمكن ابن زياد غير ذلك ، فأخرجه وقال له : إن وجدتك بعد ثلاثة أيام بالكوفة ضربت
عنقك . فخرج المختار إلى الحجاز وهو يقول : والله لأقطعنَّ أنامل عبيد الله بن زياد ، ولأقتلنَّ بالحسين
ابن علي على عدد من قُتل بدم يحيى بن زكريا . فلمّا استفحل أمر عبد الله بن الزبير بمكة بايعه المختار بن
أبي عبيد ، وكان من كبار الأمراء عنده ، ولمّا حاصره الخُصين بن نُمير مع أهل الشام قاتل المختار دون
ابن الزبير أشدَّ القتال ، فلمّا بلغه موت يزيد بن معاوية واضطراب أهل العراق نَقَم على ابن الزبير في بعض
الأمر ، وخرج من الحجاز ، وقصد الكوفة فدخلها في يوم الجمعة والناس يتهيؤون للصلاة ، فجعل
لا يمرُّ بملأٍ من الناس إلا سلَّم وقال: أبشِروا بالنصر والظفر بالأعداء . ودخل المسجد فصلّى إلى سارية
هنالك حتى أقيمت الصلاة ، ثم صلَّى من بعد الصلاة حتى صلِّيت العصر ، ثم انصرف ، فسلّم عليه الناس
وأقبلوا إليه وعليه وعظّموه ، وجعل يدعو إلى إمامة المهدي محمد بن الحنفيّة ، ويظهر الانتصار لأهل
البيت ، وأنه ما جاء إلا بصدد أن يقيم شعارهم ، ويظهر منارهم ، ويستوفي ثأرهم ، ويقول للناس الذين
اجتمعوا على سليمان بن صُرَد من الشيعة - وقد خشي أن يبادروا إلى الخروج مع سليمان - فجعل يخذِّلهم
ويستميلهم إليه ويقول لهم : إني قد جئتكم من قِبَل وليِّ الأمر ، ومعدن الفضل ، ووصي الرضي ،
والإمام المهدي بأمر فيه الشفاء ، وكشف الغطاء ، وقتل الأعداء ، وتمام النَّعماء ، وأن سليمان بن صُرَد -
يرحمنا الله وإياه - إنما هو غشمة من الغشم، وشٌَ(١) بالٍ ، ليس بذي تجربة للأمور ، ولا له علم
بالحروب ، إنما يريد أن يخرجكم فيقتل نفسه ويقتلكم ، وإني إنما أعمل على مَثل مُثَّل لي ، وأمر قد بُيِّن
(١) ((الشن)) : القِربة.

٣٥١
ذکر هدم الكعبة وبنائها
لي ، فيه عزُّ وليكم ، وقتلُ عدوكم ، وشفاء صدوركم ، فاسمعوا مني وأطيعوا أمري ، ثم أبشِروا
وتباشروا فإني لكم بكل ما تأمُلون وتحبُّون كفيل . فالتفَّ عليه خلق كثير من الشيعة ، ولكن الجمهور منهم
مع سليمان بن صُرَد ، فلمّا خرجوا مع سليمان إلى النُّخيلة قال عمر بن سعد بن أبي وقاص وشَبث بن
رِبْعي وغيرهما لعبد الله بن زياد نائب الكوفة : إن المختار بن أبي عبيد أشدُّ عليكم من سليمان بن صُرَد .
فبعث إلى الشُّرط، فأحاطوا بداره ، فأُخذ فذهب به إلى السجن مقيّداً - وقيل : بغير قيد - فأقام به مدة ،
ومرض فيه .
قال أبو مخنف : فحدّثني يحيى بن أبي عيسى أنه قال : دخلتُ إليه مع حميد بن مسلم الأزدي نعوده
ونتعاهده، فسمعته يقول : أما وربِّ البحار ، والنخيل والأشجار، والمَهامِه١ِ) والقفار، والملائكة
الأبرار ، والمصلِّين الأخيار ، لأقتلنَّ كل جبّار بكل لَدْهُ(٢) خطّار ، ومهند بّار ، في جموع من الأنصار ،
ليسوا بمِيل أَغْمار(٣) ، ولا بعُزْل أشرار، حتى إذا أقمتُ عمود الدِّين، ورأيتُ صدع المسلمين ، وشفيتُ
غليل صدور المؤمنين ، وأدركتُ ثأر أولاد النبيِّين ، لم أبكِ على زوال الدنيا ، ولم أحفِل بالموت إذا دنا.
قال : وكان كلما أتيناه وهو في السجن يردِّد علينا هذا القول حتى خرج .
ذكر هَدْم الكعبة وبنائها في أيَّام ابن الزُّبیر
قال ابن جرير : وفي هذه السنة هدَم ابن الزبير الكعبة ، وذلك لأنه مال جدارها مما رُميت به من
حجارة المنجنيق ، فهدم الجدار حتى وصل إلى أساس إبراهيم ، وكان الناس يطوفون ويصلُّون من وراء
ذلك ، وجعل الحجر الأسود في تابوت في سَرَقة من حرير ، وادُّخر ما كان في الكعبة من حلي وثياب
وطيب عند الخُزّانُ(٤) حتى أعاد ابن الزبير بناءه٥) على ما كان رسول الله وَّله يريد أن يبنيها عليه من
الشكل. وذلك كما ثبت في (( الصحيحين)) وغيرهما من المسانيد والسنن من طرق عن عائشة أمّ
المؤمنين: أن رسول اللهِ بَ ل﴿ل قال: ((لولا حِدْثانُ قومِكِ بكُفرٍ لنقضتُ الكعبةَ ولأَدخلتُ فيها الحِجْر ، فإنَّ
قومَكِ قصرتْ بهم النَّقة ، ولجعلْتُ لها باباً شرقيّاً وباباً غربيّاً يدخلُ الناسُ من أحدِهما ويخرجونَ من
الآخر، ولأَلصَقْتُ بابَها بالأرض فإنَّ قومَكِ رفعُوا بابَها ليُدْخِلُوا مَنْ شاؤُوا ويَمْنَعُوا مَنْ شاؤُوا (٦)
((المهامه)): جمع مهمهة ، وهي المفازة البعيدة .
(١)
((اللدن)) : الرمح . وفي اللسان : رمح خطار : ذو اهتزاز شديد .
(٢)
((الميل)): جمع أميل، وهو الجبان. ((والأغمار)): جمع غُمْر ، وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور.
(٣)
(٤)
((الخُزان)» : الحجبة في خزانة البيت.
هنا ينتهي كلام ابن جرير . تاريخه (٥/ ٥٨٢) .
أخرجه البخاري (١٥٨٤) في الحج : باب فضل مكة وبنيانها ، ومسلم (١٣٣٣) في الحج: باب نقض الكعبة =
(٦)
(٥)

٣٥٢
ذكر هدم الكعبة وبنائها
فبناها ابن الزبير على ذلك كما أخبرَتْه به خالته عائشة أمُّ المؤمنين عن رسول الله وَ لّر فجزاه الله خيراً .
ثم لما غلبه الحجاج بن يوسف في سنة ثلاث وسبعين - كما سيأتي - هدم الحائط الشمالي وأخرج الحِجْرَ
كما كان أولًا، وأدخل الحجارة التي هدمها في جوف الكعبة فرصَها فيها، فارتفع الباب ، وسدّ(١)
الغربي ، وتلك آثاره إلى الآن ، وذلك بأمر عبد الملك بن مروان له في ذلك ، ولم يكن بلغه الحديث ،
فلما بلغه الحديث قال : وددنا أنا تركناه وما تولّى من ذلك .
وقد همَّ المهدي ابن المنصور أن يعيدها على ما بناها ابن الزبير ، واستشار الإمام مالك بن أنس في
ذلك ، فقال : إني أكره أن يتخذها الخلفاء لعبة - يعني : يتلاعبون في بنائها بحسب آرائهم - فهذا يرى رأي
ابن الزبير ، وهذا يرى رأي عبد الملك بن مروان ، وهذا يرى رأياً آخر . والله أعلم .
قال ابن جرير : وحج بالناس في هذه السنة عبد الله بن الزبير . وكان عامله على المدينة أخوه
عبيدة(٢) ، وعلى الكوفة عبد الله بن يزيد الخَطْمي، وعلى قضائها سعيد بن نِمْرال(٣)، وامتنع شُريح أن
يحكم في زمن الفتنة ، وعلى البصرة عمر [ بن عبيد الله ]٤) بن معمر التيمي ، وعلى قضائها هشام بن
هُبيرة ، وعلى خراسان عبد الله بن خازم .
وكان في أواخر هذه السنة وقعة مرج راهط كما قدَّمنا . وقد استقر ملك الشام لمروان بن الحكم ،
وذلك بعد ظفره بالضحاك بن قيس وقتله له في الوقعة .
وقيل : إن فيها دخل مروان الديار المصرية ، وأخذها من نائبها الذي من جهة ابن الزبير ، وهو
عبد الرحمن بن جَحْدمُ(٥)، واستقرت يد مروان على الشام ومصر وأعمالها ، والله أعلم .
[ وقال الواقدي : لما أراد ابنُ الزبير هدم البيت شاور الناسَ في هدمها ، فأشار عليه جابر بن
عبد الله ، وعبيد الله بن عُمير بذلك ، وقال ابن عباس : أخشى أن يأتيَ بعدك من يهدمها ، فلا تزال تُهدم
حتى يتهاون الناس بحُزْمتها ، ولكن أرى أن تصلح ما وهى منها ( وتدع بيتاً أسلم الناسُ عليه ، وأحجاراً
بُعث رسول الله وَّر عليها. فقال ابن الزبير: لو احترق بيت أحدكم ما رضي حتى يجدِّده، فكيف ببيت
وبنائها ، ومالك في الموطأ (١/ ٣٦٣، ٣٦٤) في الحج: باب ما جاء في بناء الكعبة ، والنسائي: (٢١٤/٥ -
=
٢١٦) في الحج: باب بناء الكعبة ، والترمذي (٨٧٥) في الحج : باب ما جاء في كسر الكعبة .
تحرفت في المطبوع إلى : وسه .
(١)
(٢) كذا في ب ، م ومثله في تاريخ الطبري . ووقع في أ ، ط : عبيد الله .
في الأصول : سعيد بن المرزبان خطأ ، والمثبت من تاريخ الطبري. وأيضاً من أخبار القضاة لوكيع (٢/ ٣٩٧).
(٣)
(٤) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع ، ووقع في أ ، ب : بن عبد الله ..
(٥) كذا وردت في أ، ب وتاريخ الطبري وابن الأثير . ووقعت في المطبوع : جحدر .

٣٥٣
أحداث سنة ٦٥ هـ
ربكم (١)! ثم إن ابن الزبير استخار الله ثلاثة أيام ، ثم غدا في اليوم الرابع ، فبدأ بنقض الرُّكن من
الأساس ، فلما وصلوا إلى الأساس وجدوا أصلاً بالحِجْر مشتَكاً كأصابع اليد ، فدعا ابن الزبير خمسين
رجلاً فأمرهم أن يحفروا ، فلما ضربوا المعاول في تلك الأحجار المشبّكة ارتجَّت مكة ، فتركه على
حاله ، ثم أسّس عليه البناء ، وجعل للكعبة بابين موضوعين بالأرض : باب يُدخل منه ، وباب يُخرج
منه ، ووضع الحَجَر الأسود بيده، وشدَّه بفضة لأنه كان قد تصدَّع ، وزاد في وسع الكعبة عشرة أذرع ،
ولطَّخ جدرانها بالمسك وسترها بالديباج ، ثم اعتمر من مسجد عائشة ، وطاف بالبيت وصلَّى وسعى ،
وأزال ما حول الكعبة من الزّبالة وما كان حولها من الدماء . وكانت الكعبة قد وَهَتْ من أعلاها إلى أسفلها
من حجارة المنجنيق ، واسودَّ الركن ، وانصدع الحجرُ الأسود من النار التي كانت حول الكعبة . وكان
سبب تجديد ابن الزبير لها ما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة المتقدم ذكره ، والله أعلم ]٢) .
ثم دخلت سنة خمس وستين
فيها اجتمع إلى سليمان بن صُرَد نحو من سبعة عشر ألفاً ، كلُّهم يطلبون الأخذ بثأر الحسين ممن
قتله .
[ قال الواقدي : لما خرج الناس إلى النُّخيلة كانوا قليلاً، فلم تعجب سليمان قلَّتُهم ، فأرسل
حكيم بن منقذ فنادى في الكوفة بأعلى صوته : يا ثارات الحسين ، فلم يزل ينادي حتى بلغ المسجد
الأعظم ، فسمع الناس ، فخرجوا إلى النُّخيلة ، وخرج أشراف الكوفة فكانوا قريباً من عشرين ألفاً أو
يزيدون - في ديوان سليمان بن صُرَد - فلما عزم على المسير بهم لم يصف معه منهم سوى أربعة آلاف ،
فقال المسيّب بن نَجَبة لسليمان : إنه لا ينفعك الكاره ، ولا يقاتل معك إلا من أخرجَتْه النية وباع نفسه لله
عز وجل ، فلا تنتظرن أحداً ، وامضٍ لأمرك في جهاد عدوك ، واستعن بالله عليهم . فقام سليمان في
أصحابه وقال : يا أيها الناس ! من كان خرج لوجه الله وثواب الآخرة فذلك منا ونحن منه ، ومن كان
خروجه معنا للدنيا فليس منا ولا يصحبنا . فقال الباقون معه : ما للدنيا خرجنا ، ولا لها طلبنا . فقيل
له : أنسير إلى قتلة الحسين بالشام وقتلتُه عندنا بالكوفة كلهم مثل عمر بن سعد وغيره ؟! فقال سليمان :
إن ابن زياد هو الذي جهّز الجيش إليه وفعل به ما فعل ، فإذا فرغنا منه عدنا إلى أعدائه بالكوفة ، ولو
قاتلتموهم أولاً - وهم أهل مصركم - ما عدم الرجل منكم أن يرى رجلاً قد قتل أباه ، قد قتل أخاه أو
حميمَه ، فيقع التخاذل ، فإذا فرغتم من الفاسق ابن زياد حصل لكم المراد . فقالوا : صدقت .
(١) ما بين هذين القوسين ليس في المطبوع ، وهو من أفقط .
(٢) هذه الفقرة برمتها سقطت من النسخة ب.

٣٥٤
أحداث سنة ٦٥ هـ
فنادى فيهم : سيروا على اسم الله تعالى ، فساروا عشية الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول (١٣)
وقال في خطبته : من كان خرج منكم للدنيا ذهبها وزَبَرْجدها فليس معنا مما يطلب شيء ، وإنما معنا
سيوف على عواتقنا ، ورماح في أكفنا ، وزاد يكفينا حتى نلقى عدوَنا . فأجابوه إلى السمع والطاعة
والحالة هذه . وقال لهم : عليكم بابن زياد الفاسق أولاً فليس له إلا السيف وها هو قد أقبل من الشام
قاصداً العراق . فصمّم الناس معه على هذا الرأي .
فلما أزمعوا على ذلك بعث عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد - أمراء الكوفة من جهة ابن الزبير - إلى
سليمان بن صُرَد يقولان له : إنا نحب أن تكون أيدينا واحدة على ابن زياد ، وأنهم يريدون أن يبعثوا معهم
جيشاً ليقوِّيهم على ما هم قد قصدوا له ، وبعثوا إليه البريد أن ينتظرهم حتى يقدموا عليه . فتهيأ سليمان بن
صُرَد لقدومهم عليه في رؤوس الأمراء ، وجلس في أبهته والجيوشُ محدقة به ، وأقبل عبد الله بن يزيد
وإبراهيم [ بن محمد (٢) بن طلحة في أشراف أهل الكوفة من غير قتلة الحسين لئلا يطمعوا فيهم - وكان
عمر بن سعد بن أبي وقاص في هذه الأيام كلَّها لا يبيت إلا في قصر الإمارة عند عبد الله بن يزيد خوفاً على
نفسه - فلما اجتمع الأميران عند سليمان بن صُرَد قالا له وأشارا عليه : ألا يذهبوا حتى تكون أيديهم واحدة
على قتال ابن زياد ، ويجهّزوا معهم جيشاً ، فإن أهل الشام جمع كثير وجمٌّ غفير وهم يحاجفون عن ابن
زياد ، فامتنع سليمان من قبول قولهما وقال : إنا قد خرجنا لأمر فلا نرجع عنه ولا نتأخر فيه . فانصرف
الأميران راجعين إلى الكوفة .
وانتظر سليمان بن صُرَد وأصحابه أصحابَهم الذين كانوا قد واعدوهم من أهل البصرة وأهل المدائن ،
فلم يقدموا عليهم ولا واحد منهم ، فقام سليمان في أصحابه خطيباً وحرَّضهم على الذهاب لما خرجوا
له ، وقال : لو قد سمع إخوانكم بخروجكم للحقوكم سراعاً . فخرج سليمان وأصحابه من النُّخيلة يوم
الجمعة لخمس مضين من ربيع الأول سنة خمس وستين ، فسار بهم مراحل ما يتقدمون مرحلة إلى نحو
الشام إلا تخلَّف عنه طائفة من الناس الذين معه ، فلما مرُّوا بقبر الحسين صاحوا صيحة رجل واحد ،
وتباكوا ، وباتوا عنده ليلة يصلُّون ويدعون ، وظلوا يوماً يترحمون عليه ، ويستغفرون له ، ويترضون
عنه ، ويتمنون أن لو كانوا ماتوا معه شهداء .
قلت : لو كان هذا العزم والاجتماع قبل وصول الحسين إلى تلك المنزلة لكان أنفعَ له وأنصر من
اجتماع سليمانَ وأصحابِه لنصرته بعد أربع سنين .
(١) هذه الفقرة من المطبوع فقط. وقد ورد بدلاً عنها في النسختين آ، ب ما نصه: وقد خطبهم سليمان بن صرد حين
خرجوا من الكوفة في ربيع الأول من هذه السنة بالنخيلة ، فحرضهم على الجهاد في ذلك .
(٢) سقط من المطبوع .

٣٥٥
وقعة عين وردة
ولما أرادوا الانصراف جعل لا يَرِيمُ(١) أحد منهم حتى يأتي القبر فيترحم عليه ويستغفر له ، حتى
جعلوا يزدحمون أشدَّ من ازدحامهم عند الحجر الأسود .
ثم ساروا قاصدين الشام ، فلما اجتازوا بقَرْقِيسِيا٢) تحصَّن منهم زفر بن الحارث ، فبعث إليه
سليمان بن صُرَد : إنا لم نأت لقتالكم ، فأخرج إلينا سوقاً ، فإنا إنما نقيم عندكم يوماً أو بعض يوم ، فأمر
زفر بن الحارث أن يخرج السوق إليهم ، وأمر للرسول إليه - وهو المسيّب بن نَجَبة - بفرس وألف درهم .
فقال : أما المال فلا ، وأما الفرس فنعم ، وبعث زفر بن الحارث إلى سليمان بن صُرَد ورؤوس الأمراء
الذين معه إلى كل واحد عشرين جزوراً وطعاماً وعلفاً كثيراً ، ثم خرج زفر بن الحارث فشيّعهم وسار مع
سليمان بن صُرَد وقال له : إنه قد بلغني أن أهل الشام قد جهزوا جيشاً كثيفاً وعدداً كثيراً مع حُصين بن
نُمير ، وشرحبيل بن ذي الكلاع ، وأدهم بن محرز الباهلي ، وربيعة بن المخارق الغَنَوي ، وجبلة بن
عبد الله الخثعمي . فقال سليمان بن صُرَد : على الله توكلنا ، وعلى الله فليتوكل المؤمنون .
ثم عرض عليهم زفر أن يدخلوا مدينته أو يكونوا عند بابها ، فإن جاءهم أحد كان معهم عليه . فأبوا أن
يقبلوا وقالوا : قد عرض علينا أهل بلدنا مثل ذلك فامتنعنا . قال : فإذا أبيتم ذلك فبادروهم إلى عين
الوردة ، فيكون الماء والمدينة والأسواق والسباق خلف ظهوركم ، وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه . ثم
أشار عليهم بما يعتمدونه في حال القتال [ فقال : ولا تقاتلوهم في فضاء فإنهم أكثر منكم عدداً فيحيطون
بكم ، فإني لا أرى معكم رجالاً والقومُ ذوو رجال وفرسان ، ومعهم كراديس فاحذروهم ]٣) . فأثنى
عليه سليمان بن صُرَد والناسُ خيراً . ثم رجع عنهم .
وسار سليمان بن صُرَد ، فبدر إلى عين الوردة ، فنزل غربيها ، وأقام هنالك [ خمساً ] قبل وصول
أعدائه إليه ، واستراح سليمان وأصحابه واطمأنوا .
وقعة عین وَرْدة
فلما اقترب قدوم أهل الشام إليهم خطب سليمان أصحابَه ، فرغَّبهم في الآخرة ، وزهَّدهم في الدنيا ،
وحثّهم على الجهاد ، وقال : إن قُتلت فالأمير عليكم : المسيّب بن نَجَبة ، فإن قُتل فعبد الله بن سعد بن
نفيل ، فإن قُتل فعبد الله بن وال ، فإن قُتل فرفاعة بن شداد ، ثم بعث بين يديه المسيب بن نَجَبة في
(١) ((لا يريم)): لا يبرح.
(٢) ((قرقيسيا)): بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك، وعندها مصب الخابور في الفرات.
(٣) ما بين حاصرتين من المطبوع فقط .

٣٥٦
وقعة عين وردة
أربعمئة (١) فارس، فأغاروا على جيش شرحبيل بن ذي الكلاع وهم غارُونُ(٢) ، فقتلوا منهم جماعة
وجرحوا آخرين ، واستاقوا نعماً . وأتى الخبر إلى عبيد الله بن زياد ، فأرسل بين يديه الحصين بن نُمير ،
فصبَّح سليمان بن صُرَد وجيشه ، فتواقفوا في يوم الأربعاء لثمان بقين من جمادى الأولى ، وحُصين بن
نُمير قائم في اثني عشر ألفاً ، وقد تهيأ كل من الفريقين لصاحبه ، فدعا الشاميون أصحاب سليمان إلى
الدخول في طاعة مروان بن الحكم ، ودعا أصحاب سليمان الشاميين إلى أن يسلموا إليهم عبيد الله بن زياد
فيقتلوه عن الحسين . وامتنع كل من الفريقين أن يجيب إلى ما طُلب منه ، فاقتتلوا قتالاً شديداً عامة يومهم
إلى الليل ، وكانت الدائرة فيه للعراقيين . فلما أصبحوا أصبح ابن ذي الكلاع وقد وصل إلى الشاميين في
ثمانية آلاف(٣) فارس، وقد أنَّبه وشتمه ابن زياد، فاقتتل الناس في هذا اليوم قتالاً لم يَرَ الشيب والمرد مثلَه
قط ، لا يحجز بينهم إلا أوقات الصلوات إلى الليل ، فلما أصبح الناس في اليوم الثالث وصل إلى
الشاميين أدهم بن محرز في عشرة آلاف - وذلك في يوم الجمعة - فاقتتلوا قتالاً شديداً إلى حين ارتفاع
الضحى ، ثم استدار أهل الشام بأهل العراق وأحاطوا بهم من كل جانب ، فخطب سليمان بن صُرَد الناس
وحرَّضهم على الجهاد ، فاقتتل الناس قتالًاً عظيماً جداً، ثم ترجَّل سليمان بن صُرَد [ وكسر جفن سيفه
ونادى : يا عباد الله ! من أراد الرواح إلى الجنة والتوبةَ من ذنبه والوفاءَ بعهده فليأت إلي . فترجَّل معه ناس
كثيرون ، وكسروا جفون سيوفهم ، وحملوا حتى صاروا في وسط القوم ، وقتلوا من أهل الشام مقتلة
عظيمة حتى خاضوا في الدماء ، وقُتل سليمان بن صُرَد أمير العراقيين }٤) رماه يزيد بن الحصين بسهم
فوقع ، ثم وثب ثم وقع ، ثم وثب ثم وقع وهو يقول : فزت وربِّ الكعبة . فأخذ الراية المسيّب بن
نَجَبة ، فقاتل بها قتالاً شديداً وهو يقول :
واضِحةُ اللَّبَاتِ والتَّرائبِ
قد عَلِمَتْ ميّالهُ الذَّوائبِ
أشجَعُ مِنْ ذي لبدة٥ٌ) مُواثبٍ
أنِّي غداةَ الرَّوع والتغالُبِ
قَضَّاعُ(٢) أقرانٍ مَخُوفُ الجانبِ(٧)
ثم قاتل قتالاً شديداً ، فقضى ابن نَجَبة نحبه ، ولحق في ذلك الموقف صحبه رحمهم الله . فأخذ
(١) مثله في تاريخ الطبري (٥٩٦/٥)، ووقع في المطبوع: خمسمئة .
(٢) ((غازّون)): غافلون. وقد تحرفت في المطبوع إلى : عارون.
مثله في تاريخ الطبري (٥٩٨/٥)، ووقع في المطبوع : ثمانية عشر ألف . وهو خطأ .
(٣)
(٤)
ما بين حاصرتين سقط من ب .
(( ذو اللبدة)» : الأسد .
(٥)
(٦)
في اللسان : قصعت الرجل قصعاً : صغرته وحقرته .
الأبيات في تاريخ الطبري (٦٠٠/٥) ومروج الذهب (١٠٢/٣).
(٧)

٣٥٧
وقعة عين وردة
الراية عبد الله بن سعد بن نفيل ، فقاتل قتالاً شديداً أيضاً [وهو يقول : رحم الله إخوتي ، منهم من
قضى نحبه، ومنهم من ينتظر، وما بدَّلوا تبديلا (١). وحمل حينئذ ربيعة بن المخارق على أهل العراق
حملة منكرة ، وتبارز هو وعبد الله بن سعد بن نفيل ، ثم اتحدا ، فحمل ابن أخي ربيعة على عبد الله بن
سعد فقتله ، ثم احتمل عمه ، فأخذ الراية عبد الله بن وال ، فحرَّض الناس على الجهاد وجعل يقول :
الرواح إلى الجنة - وذلك بعد العصر - وحمل بالناس ففرّق من كان حوله ، ثم قُتل - وكان من الفقهاء
المفتين - قتله أدهم بن محرز الباهلي أمير حرب الشاميين ساعتئذ، فأخذ الراية رفاعة بن شدّاد ، فانحاز
بالناس وقد دخل الظلام ، ورجع الشاميون إلى رحالهم، وانشمر رفاعة بمن بقي معه راجعاً إلى بلاده ،
فلما أصبح الشاميون إذا العراقيون قد كرُّوا راجعين إلى بلادهم، فلم يبعثوا وراءهم طلباً ولا أحدا
[فقطع رفاعة بمن معه الخابور، ومرَّ على قَرْقيسيا، فبعث إليهم زفر بن الحارث الطعام والعلف
والأطباء، فأقاموا ثلاثاً حتى استراحوا، ثم ارتحلوا (٢) فلما وصلوا إلى هِيْت إذا سعد بن حذيفة بن
اليمان قد أقبل بمن أطاعه من أهل المدائن قاصدين إلى نصرتهم ، فلما أخبروه بما كان من أمرهم وما
حل بهم ، ونَعْوا إليه أصحابهم ترحموا عليهم ، واستغفروا لهم ، وتباكوا على إخوانهم ، وانصرف
أهل المدائن إليها، ورجع راجعة أهل الكوفة إليها وقد قتل منهم خلق كثير وجمّ غضب، وإذا المختار بن
أبي عبيد كما هو في السجن لم يخرج منه بعد، فكتب إلى رفاعة بن شداد يعزيه فيمن قُتل منهم.
ويترحم عليهم ، ويغبطهم بما نالوا من الشهادة وجزيل الثواب [ ويقول : مرحباً بالذين أعظم الله
أجورهم ورضي عنهم ، والله ما خطا منهم أحد خطوة إلا كان ثواب الله له فيها أعظم من الدنيا وما
فيها ، وإن سليمان قد قضى ما عليه وتوفاه الله وجعل روحه في أرواح النبيين والشهداء والصالحين ،
وبعد : فأنا الأمير المأمون ، قاتل الجبّارين والمفسدين إن شاء الله ، فأعِدُّوا واستعدُّوا وأبشروا ، وأنا
أدعوكم إلى كتاب الله وسنة رسوله والطلب بدماء أهل البيت ... وذكر كلاماً كثيراً في هذا المعنى(٣).
وقد كان قبل قدومهم أخبر الناس بهلاكهم عن رَئِيِّه(٤) الذي كان يأتي إليه من الشياطين ، فإنه قد كان
يأتي إليه شيطان ، فيوحي إليه قريباً مما كان يوحي شيطان مسيلمة إلى مسيلمة .
وكان جيش سليمان بن صُرَد وأصحابه يسمى بجيش التوّابين رحمهم الله .
وقد كان سليمان بن صُرَد [ الخزاعي - أبو مطرِّف - الكوفي ]°) صحابياً جليلاً نبيلاً عابداً. وروى عن
(١) ما بين حاصرتين ليس في ب ، ط .
ما بين حاصرتين من أفقط . ومكانه في المطبوع : لما لقوا منهم من القتل والجراح وكلاهما سقط من النسخة ب .
(٢)
(٣)
ما بين حاصرتين من المطبوع فقط ، ونحوه في تاريخ الطبري (٥/ ٦٠٦) من رواية أبي مخنف .
تحرفت في المطبوع إلى: ربه ، ((والرئيّ)): ما يعتاد الإنسان من الجن ـ اللسان (رأي ).
(٤)
(٥) ما بين حاصرتين من أفقط. وترجمته وأهم مصادرها في سير أعلام النبلاء (٣٩٤/٣).

٣٥٨
وقعة عين وردة
النبي ◌َّر أحاديث في (( الصحيحين)) وغيرهما. وشهد مع علي صفِّين . وكان أحد من كان يجتمع الشيعة
في داره لبيعة الحسين ، وكتب إلى الحسين فيمن كتب بالقدوم إلى العراق ، فلما قدمها وقُتل بكربلاء بعد
ذلك ورأى هؤلاء أنهم كانوا سبباً في قدومه وأنهم خذلوه حتى قُتل هو وأهل بيته ، فندموا على ما فعلوا
معه ، ثم اجتمعوا في هذا الجيش وسمَّوا جيشهم : جيش التوابين ، وسمّوا أميرهم سليمان بن صُرَد :
أمير التوابين ، فقُتل سليمان - رضي الله عنه - في هذه الوقعة بعين وردة سنة خمس وستين ، وقيل : سنة
سبع وستين ، والأول أصح . وكان عمره يوم قتل ثلاثاً وتسعين سنة رحمه الله .
[ وأما المسيّب بن نَجَبة بن ربيعة الفَزاري فإنه قدم مع خالد بن الوليد من العراق ، وشهد فتح
دمشق ، ثم عاد إلى العراق وشهد مع علي صفِّين وغيرها . وكان أحد الكبار الذين خرجوا يطلبون بدم
الحسين رضي الله عنه (١) وحُمل رأسه ورأس سليمان بن صُرَد إلى مروان بن الحكم بعد الوقعة .
وكتب أمراء الشاميين إلى مروان بما فتح الله عليهم وأظفرهم به من عدوهم ، فخطب الناس وأعلمهم
بما كان من أمر الجنود ومن قتل من أهل العراق [ وقد قال : أهلك الله رؤوس الضلال سليمان بن صُرَد
وأصحابه . وعلّق الرؤوس بدمشق ]٢) .
وكان مروان بن الحكم قد عهد بالأمر من بعده إلى ولديه عبد الملك ثم من بعده عبد العزيز ، وأخذ
بيعة الأمراء على ذلك في هذه السنة . قاله ابن جرير(٣) وغيره .
وفيها دخل مروان بن الحكم وعمرو بن سعيد الأشدَق إلى الديار المصرية ، فأخذاها من يد نائبها
الذي كان لعبد الله بن الزبير ، وهو عبد الرحمن بن جَحْدم ، وكان سبب ذلك أن مروان قصدها ، فخرج
إليه نائبها ابن جَحْدم ، فقابله مروان ليقاتله ، فاشتغل به ، وخلص عمرو بن سعيد بطائفة من الجيش من
وراء عبد الرحمن بن جَحْدم فدخل مصر فملكها ، وهرب عبد الرحمن ، ودخل مروان إلى مصر
فتملَّكها ، وجعل عليها ولده عبد العزيز .
وفيها بعث ابن الزبير أخاه مصعباً ليفتح له الشام ، فبعث إليه مروان عمرو بن سعيد ، فتلقّاه
إلى فلسطين ، فهرب منه مصعب بن الزبير وكرّ راجعاً ولم يظفر بشيء . واستقر ملك الشام ومصر
لمروان .
[ وقال الواقدي : إن مروان حاصر مصر ، فخندق عبد الرحمن بن جَحْدم على البلد خندقاً وخرج في
(١) ما بين حاصرتين من أفقط .
(٢) ما بين حاصرتين من ط فقط.
(٣) في تاريخه (٦١٠/٥).

٣٥٩
وقعة عين وردة
أهل مصر إلى قتاله ، وكانوا يتناوبون القتال ويستريحون ، ويسمَّى ذلك يوم التراويح ، واستمر القتل في
خواصِّ أهل البلد ، فقُتل منهم خلق كثير ، وقُتل يومئذ عبد الله بن يزيد بن معدي كرب الكلاعي أحد
الأشراف . ثم صالح عبد الرحمن مروان على أن يخرج إلى مكة بماله وأهله ، فأجابه مروان إلى ذلك ،
وكتب إلى أهل مصر كتاب أمان بيده ، وتفرّق الناس ، وأخذوا في دفن موتاهم والبكاء عليهم ، وضرب
مروان عنق ثمانين رجلاً تخلَّفوا عن مبايعته ، وضرب عنق الأُكيدر بن حملة اللخمي - وكان من قتلة عثمان
- وذلك في نصف جمادى الآخر يوم توفي عبد الله بن عمرو بن العاص ، فما قدروا أن يخرجوا بجنازته ،
فدفنوه في داره . واستولى مروان على مصر ، وأقام بها شهراً ، ثم استعمل عليها ولده عبد العزيز ، وترك
عنده أخاه بشر بن مروان، وموسى بن نصير وزيراً له، وأوصاه بالإحسان إلى الأكابر، ورجع إلى
الشام (أ).
وفيها جهّز مروان جيشين: أحدهما مع حُبَيش بن دُلَجَة القيني(٢) ليأخذ له المدينة ، وكان من أمره
ما سنذكره ، والآخر مع عبيد الله بن زياد إلى العراق لينتزعه من نواب ابن الزبير ، فلما كانوا ببعض الطريق
لقوا جيش التوابين مع سليمان بن صُرَد ، وكان من أمرهم ما تقدم ذكره . واستمر جيش الشاميين ذاهباً إلى
العراق ، فلما كانوا بالجزيرة بلغهم موت مروان بن الحكم .
وكانت وفاته في شهر رمضان من هذه السنة . وكان سبب موته أنه تزوج بأمّ خالد امرأة يزيد بن معاوية
- وهي أم هاشم بنت هاشم بن عتبة بن ربيعة - وإنما أراد مروان بتزويجه إياها ليصغِّر ابنها خالداً في أعين
الناس ، فإنه قد كان في نفوس كثير من الناس أن يملكوه بعد أخيه معاوية ، فتزوج أمَّه ليصغر أمره فيما
بينهم . فبينما هو ذات يوم داخل إلى عند مروان إذ جعل مروان يتكلم فيه عند جلسائه ، فلما جلس قال له
فيما خاطبه به : يا بن الرطبة الاست . فذهب خالد إلى أمِّه ، فأخبرها بما قال له ، فقالت : اكتم ذلك
ولا تُعلمه أنك أعلمتني بذلك . فلما دخل عليها مروان قال لها : هل ذكرني خالد عندك بسوء ؟ فقالت
له : وماذا عساه يقول لك وهو يحبك ويعظّمك؟! ثم إن مروان رقد عندها، فلما أخذه النوم عمَدت إلى
وسادة فوضعتها على وجهه ، وتحاملت عليها هي وجواريها حتى مات غماً . وكان ذلك في ثالث شهر
رمضان سنة خمس وستين بدمشق ، وله من العمر ثلاث وستون سنة ، وقيل : إحدى وثمانون سنة .
وكانت إمارته تسعة أشهر ، وقيل : عشرة أشهر إلا ثلاثة أيام .
(١) هذه الفقرة من المطبوع فقط .
(٢) وقعت في المطبوع: العتيبي، وهو تحريف، تنظر ترجمته في تاريخ دمشق (٨٦/١٢).

٣٦٠
ترجمة مروان بن الحكم
حَ (١)
ترجمة مَرْوان بن الحَكَمْ (١)
هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أميّة بن [عبد ]٢) شمس بن عبد مناف القرشيّ الأموي ،
أبو عبد الملك ، ويقال : أبو الحكم ، ويقال : أبو القاسم .
وهو صحابي عند طائفة كثيرة لأنه ولد في حياة النبي ◌َّل وروى عنه في حديث صلح الحديبية ، وفي
رواية في ((صحيح البخاري)) عن مروان والمِسْور بن مخرمة عن جماعة من الصحابة الحديث بطوله (٣) .
وروى مروان عن : عمر ، وعثمان - وكان كاتبه : أي : كان كاتب عثمان - وعلي ، وزيد بن ثابت ،
وبُشْر(٤) بنت صفوان الأسدية - وكانت حماته . وقال الحاكم أبو أحمد : كانت خالته . ولا منافاة بين
كونها حماته وخالته .
وروى عنه : ابنه عبد الملك ، وسهل بن سعد ، وسعيد بن المسيِّب ، وعروة بن الزبير ، وعلي بن
الحسين زين العابدين ، ومجاهد ، وغيرهم .
قال الواقدي ومحمد بن سعد: أدرك النبي وَعليه ولم يحفظ عنه شيئاً ، وكان عمره ثمان سنين حين
توفي النبي ◌َِّ﴿٥) .
وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين (٦).
وقد كان مروان من سادات قريش وفضلائها .
(١) طبقات ابن سعد (٣٥/٥) نسب قريش (١٥٩، ١٦٠) طبقات خليفة (ت١٩٨٤) المحبر (٢٢، ٥٥، ٥٨، ٢٢٨،
٣٧٧) تاريخ البخاري الكبير (٣٦٨/٧) المعارف (٣٥٣) الأخبار الطوال (٢٨٥) الجرح والتعديل (٢٧١/٨) تاريخ
الطبري (٥٣٠/٥ و٦١٠) مروج الذهب (٩٤/٣)، معجم الشعراء (٣١٧)، جمهرة أنساب العرب (٨٧) الاستيعاب
(١٣٨٧/٣) الجمع بين رجال الصحيحين (٥٠١/٢) تاريخ ابن عساكر (١٦/ ١٧٠/أ) أسد الغابة (١٤٤/٥) الكامل
في التاريخ (١٩١/٤) الحلة السيراء (٢٨/١) تهذيب الأسماء واللغات (٨٧/٢/١) مختصر تاريخ دمشق
(٢٤/ ١٧٢) تهذيب الكمال (ورقة ١٣١٥) تاريخ الإسلام (٧٠/٣) العبر (٧١/١) تذهيب التهذيب (٣٠/٤/ أ) سير
أعلام النبلاء (٤٧٦/٣) الكاشف (١١٦/٣) فوات الوفيات (١٢٥/٤) العقد الثمين (١٦٥/٧) الإصابة (٤٧٧/٣)
تهذيب التهذيب (١٠/ ٩١) النجوم الزاهرة (١٦٤/١، ١٦٩) حسن المحاضرة (٢٣٤/١) خلاصة الخزرجي (٣٧٣)
شذرات الذهب (٢٨٩/١) .
(٢) سقط من ط .
(٣) هو في صحيح البخاري في عدة مواضع . ينظر تخريج هذا الحديث وعدة أحاديث أخرى في تحفة الأشراف للمزي
(٥١/٨) (بشار).
(٤)
كذا قيدها الحافظ في التقريب ، بضم أولها وسكون المهملة . وقد تحرفت في المطبوع إلى : بسيرة .
(٥)
تاريخ دمشق (٥٧/ ٢٣٢).
الطبقات الكبرى (٣٥/٥) .
(٦)