النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
صفة مقتل الحسين
جَرحت ، وما ألوم نفسي على الجهد ، ولو بقيتْ لي عضد وساعد ما أسرتموني . فقال شَمِر لعمر :
اقتله ، قال: أنت جئت به ، فإن شئت فاقتله . فقام شَمِر فأنضى سيفه، فقال له نافع : أما والله يا شَمِر لو
كنتَ من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا ، فالحمد لله الذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه .
ثم قتله .
ثم أقبل شَمِر فحمل على أصحاب الحسين ، وتكاثر معه الناس حتى كادوا أن يصلوا إلى الحسين ،
فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كثروا عليهم ، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا الحسين ولا أنفسهم ،
تنافسوا أن يُقتلوا بين يديه ، فجاءه عبد الرحمن وعبد الله ابنا عَزْرة الغفاري ، فقالا : أبا عبد الله عليك
السلام ، حازَنَا العدو إليك فأحببنا أن نُقُتل بين يديك وندفع عنك . فقال : مرحباً بكما ، ادنُوَا مني ،
فدنَوَا منه ، فجعلا يقاتلان قريباً منه وهما يقولان :
وخِنْدِفٌ بعدَ بني نِزَار
قد علِمتْ حقّاً بنو غِفَار
بكلِّ عَضْبٍ قاطعِ بَّار
لنَضْرِبِنَّ معشرَ الفُجَّار
بالمشْرَفيِّ والقَنَا الخَطّارُ(١)
ياقومُ ذُودُوا عن بني الأخيار
ثم أتاه أصحابه مَثْنى وفرادى يقاتلون بين يديه وهو يدعو لهم ويقول : جزاكم الله أحسن جزاء
المثَّقين . فجعلوا يسلِّمون على الحسين ويقاتلون حتى يقتلوا .
ثم جاءه عابس بن أبي شَبيب فقال : يا أبا عبد الله ! أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد
أعز عليَّ منك، ولو قدرتُ أن أدفع عنك الضَّيم أو القتل بشيء أعز عليَّ من نفسي ودمي لفعلتُه ، السلام
عليك يا أبا عبد الله ، اشهد لي أني على هَذْيك. ثم مشى بسيفه(٢) صَلْتاً وبه ضربة على جبينه - وكان
أشجع الناس - فنادى : ألا رجل لرجل ؟ ألا ابرزوا لي . فعرفوه فنكلوا عنه ، ثم قال عمر بن سعد :
ارضَخُوه بالحجارة ، فرُمي بالحجارة من كل جانب . فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغْفره ثم شدَّ على
الناس، والله لقد رأيته يَكْرُرُ(٣) أكثر من مئتين من الناس بين يديه ، ثم إنهم عطفوا عليه من كل جانب فقُتل
رحمه الله ، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدد كلّ يدَّعي قتله ، فأتوا به عمر بن سعد فقال لهم :
لا تختصموا فيه فإنه لم يقتلْه إنسان واحد . ففرَّق بينهم بهذا القول (٤).
(١) الأبيات في تاريخ الطبري (٤٤٢/٥).
(٢) سقطت هذه اللفظة من المطبوع.
(٣) (( يكرد)): يسوق .
(٤) هنا ينتهي نقص في النسخة ب ضم عدداً من الأخبار مع أشعارها ، وقد ورد فيها بدلاً عنه: (( ووصل إلى الحسين
رضي الله عنه ، ودافع عنه صناديد أصحابه ، فقُتل زهير بن القين بين يديه ، وقاتل دونه نافع بن هلال الجملي حتى
قتل من أصحاب ابن زیاد اثني عشر سوی من جرح ، ثم کسرت عضداه ، ومع هذا ضرب عنقه بين يدي عمر بن سعد =

٢٦٢
صفة مقتل الحسين
ثم قاتل أصحاب الحسين بين يديه حتى تفانَوا ، ولم يبق أحد إلّا سويد بن عمرو بن أبي المطاع
الخَثْعمي .
وكان أولَ قتيل قُتل من أهل الحسين من بني أبي طالب عليّ الأكبر ابن الحسين بن علي ، وأمُّه ليلى
بنت أبي مُؤَّة بن عروة بن مسعود الثقفي ، طعنه مُرَّة بن مُنْقِذ بن النعمان العَبْدي فقتله ، لأنه جعل يَقي
أباه ، وجعل يقصد أباه ، فقال علي بن الحسين :
نحنُ - وبيتِ الله - أولى بالنَّبي
أنا عليُّ بنُ الحسينِ بنِ علي
كيفَ تَرَوْنَ اليومَ ستري عَنْ أَبي
تالله لا يحكُمُ فينا ابنُ الدَّعي
فلمّا طعنه مُرَّة احتوشته الرجال فقطّعوه بأسيافهم ، فقال الحسين : قتل الله قوماً قتلوك يا بُنيّ ،
ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك محارمه ؟! فعلى الدنيا بعدك العَفَاء . قال : وخرجت جارية كأنها
الشمس حُسْناً فقالت : يا أخيّاه ويابن أخيّاه! فإذا هي زينب بنت علي من فاطمة ، فأكبَّت عليه وهو
صريع . قال : فجاء الحسين فأخذ بيدها فأدخلها الفسطاط ، وأمر به الحسين فحوِّل من هناك إلى بين يديه
عند فُسطاطه (١) .
ثم قُتل عبد الله بن مسلم بن عَقيل ، ثم قُتل عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر . ثم قُتل عبد الرحمن
وجعفر ابنا عَقيل بن أبي طالب . ثم قُتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب .
[ قال أبو مِخْنف: وحدّثني فُضيل بن خَدِيج الكندي: أن يزيد بن زياد - وكان رامياً ، وهو أبو
الشَّعثاء الكناني من بني بَهْدَلة - جثا على ركبتيه بين يدي الحسين ، فرمى بمئة سهم ما سقط منها على
الأرض خمسة أسهم . فلمّا فرغ من الرمي قال : قد تبيَّن لي أني قتلت خمسة نفر :
أنا يزيدُ وأنا المُهَاجز أشجعُ من ليثٍ قويٍّ حادرْ
ولا بن سعدٍ تاركٌ وهاجر (٣)
يارب (٢) إنِّي للحسين ناصرْ
قالوا : ومكث الحسين نهاراً طويلاً وحده لا يأتي أحد إليه إلّ رجع عنه، لا يحب أن يلي قتله ، حتى
شمر بن ذي الجوشن ، ثم حمل شمر على أصحاب الحسين وهو يقول :
=
خلوا عداة الله خلوا عن شمر
يضربهم بسيفه ولا يفر
(١) الخبر فى تاريخ الطبري (٤٤٦/٥) ومقاتل الطالبيين (ص٧٦ - ٧٧) وابن الأثير (٧٤/٤) وعلي هذا غير زين
العابدين .
(٢) وقعت في المطبوع: برب .
(٣) الخبر برمته سقط من ب. وقد أورده الطبري في تاريخه (٤٤٥/٥) مع اختلاف ببعض ألفاظ الشعر.

٢٦٣
صفة مقتل الحسين
جاءه رجل من بني بَدّ(١) يقال له مالك بن البشير(٢)، فضرب الحسين على رأسه بالسيف ، فأدمى رأسه ،
وكان على الحسين برنس ، فقطعه وجرح رأسه ، فامتلأ البُرْنس دماً ، فقال له الحسين : لا أكلتَ بها
ولا شربت ، وحشركَ الله مع الظالمين . ثم ألقى الحسين ذلك البُرْنس ودعا بعمامة فلبسها .
[ وقال أبو مخنف : حدّثني سليمان بن أبي راشد، عن حُميد قال: خرج إلينا غلام كأنَّ وجهه فِلْقة
قمر ، في يده السيف ، وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شِسْع أحدهما ، ما أنسى أنها اليسرى ، فقال
لنا عمر بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدَّنَّ عليه . قال : فقلت له : سبحان الله ! وما تريد إلى ذلك ؟
يكفيك قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم . فقال : والله لأشدَّنَّ عليه . فشدَّ عليه عمر بن سعد أمير
الجيش فضربه، وصاح الغلام : يا عمّاه! قال : فشدَّ الحسين على عمر بن سعد شدَّة ليث أعضب ،
فضرب عمرَ بالسيف ، فاتقاه بالساعد ، فأطنَّها من لَدُن المِرْفق ، فصاح ثم تنخَّى عنه . وحملت خيل أهل
الكوفة ليستنقذوا عمر من الحسين ، فاستقبلت عمر بصدورها وحرَّكت حوافرها ، وجالت بفرسانها
عليه ، ثم انجلت الغبرة فإذا الحسينُ قائم على رأس الغلام ، والغلام يفحص برجله ، والحسين يقول :
بُعْداً لقوم قتلوك ، ومَنْ خصمُهم يوم القيامة فيك جدُّك . ثم قال : عزَّ - والله - على عمك أن تدعوَه فلا
يُجيبك، أو يُجيبك ثم لا ينفعك، صوت - والله - كثر واترُه وقلَّ ناصرُه . ثم احتمله فكأني أنظر إلى رجلي
الغلام يخطّان في الأرض ، وقد وضع الحسين صدره على صدره ، ثم جاء به حتى ألقاه مع ابنه عليٍّ الأكبر
ومع مَنْ قُتل من أهل بيته، فسألتُ عن الغلام ، فقيل لي : هو القاسم بن الحسن بن عليٍّ بن أبي طالب (٣) .
وقال هانىء بن ثُبيت الحضرمي : إني لواقف يوم مقتل الحسين عاشرَ عشرة ليس منا رجل إلّ على
فرس ، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية ، وعليه إزار وقميص ، وهو مذعور
يلتفت يميناً وشمالاً، فكأني أنظر إلى دُرَّتين في أُذنيه تذبذبان كلَّما التفت ، إذ أقبل رجل يركض على
فرسه ، حتى إذا دنا من الغلام مال عن فرسه ، ثم أخذ الغلام فقطعه بالسيف . قال هشام السَّكوني :
هانىء بن ثُبيت هو الذي قتل الغلام ، خاف أن يُعاب ذلك عليه فكنَّى عن نفسه ]٤) .
قال : ثم إن الحسين أعيا ، فقعد على باب فُسْطاطه وأُتي بصبي صغير من أولاده اسمه عبد الله ،
فأجلسه في حِجْره ، ثم جعل يقبّله ويشتُّه ويودِّعه ويوصي أهلَه ، فرماه رجل من بني أسد - يقال له :
ابن(٥) موقد النار - بسهم، فذبح ذلك الغلام، فتلقَّى حسين دمه في يده وألقاه نحو السماء وقال :
(١) ((بدّا)): بطن من كندة.
(٢) في تاريخ الطبري (٤٤٨/٥) وابن الأثير (٧٥/٤) النسير.
(٣) الخبر فى تاريخ الطبري (٤٤٧/٥ - ٤٤٨) ومقاتل الطالبيين (ص٥٨) وابن الأثير (٧٥/٤).
ما بين حاصرتين سقط من ب وتاريخ الطبري (٤٤٩/٥).
(٤)
(٥) لفظة ابن من ط فقط.

٢٦٤
صفة مقتل الحسين
ربِّ إن تك قد حبستَ عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير ، وانتقم لنا من الظالمين .
ورمى عبدُ الله بن عقبة الغَنَوي أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله أيضاً .
ثم قُتل عبد الله والعباس وعثمان وجعفر ومحمد بنو علي بن أبي طالب - إخوة الحسين .
وقد اشتدَّ عطش الحسين ، فحاول أن يصل إلى أن يشرب من ماء الفرات فما قدر ، بل ما نعوه عنه ،
فخلص إلى شَرْبة منه ، فرماه رجل - يقال له حصين بن تميم - بسهم في حنكه فأثبته ، فانتزعه الحسين من
حنكه ، ففار الدم ، فتلقّاه بيديه ، ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دماً ، ثم رمى به إلى السماء
وقال : اللهم أَحصِهم عدداً ، واقتُلْهم بدداً، ولاتذر على الأرض منهم أحداً . ودعا عليهم دعاءً بليغاً .
[ قال : فوالله إنْ مكث الرجل الرامي له إلّا يسيراً حتى صب الله عليه الظمأ، فجعل لا يَرْوَى ويُسقى
الماء مبرَّداً ، وتارة يبرّد له اللبن والماء جميعاً ، ويُسقى فلا يَرْوَى بل يقول : ويلكم اسقوني قتلَني الظمأ .
قال : فوالله ما لبث إلّ يسيراً حتى انقدَّ بطنُه انفداد بطن البعير .
ثم إن شَمِر بن ذي الجَوْشن أقبل في نحو من عشرة من رَجّالة الكوفة قِبَل منزل الحسين الذي فيه ثقلُه
وعيالُه ، فمشى نحوهم ، فحالوا بينه وبين رَحْله ، فقال لهم الحسين : ويلكم ! إن لم يكن لكم دين وكنتم
لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحراراً وذوي أحساب ، امنعوا رَحْلي وأهلي من طغاتكم
وجهّالكم . فقال ابن ذي الجَوْشن : ذلك لك يابن فاطمة . ثم أحاطوا به ، فجعل شَمِر يحرِّضهم على
قتله ، فقال له أبو الجَنوب : وما يمنعك أنت من قتله ؟ فقال له شَمِر : ألي تقول هذا ؟! فقال أبو
الجنوب : وأنت لي تقول هذا؟! فاستبّا ساعة ، فقال له أبو الجَنوب - وكان شجاعاً: والله لقد هممتُ أن
أُخضخض هذا السِّنان في عينك. فانصرف عنه شَمِر ﴾١) .
ثم جاء شَمِر ومعه جماعة من الشُّجعان حتى أحاطوا بالحسين وهو عند فُسطاطه ولم يبق معه أحد
يحول بينهم وبينه ، فجاء غلام يشتدُّ من الخيام كأنه البدر ، في أذنيه دُرَّتان ، فخرجت زينب بنت عليٍّ
لتردّه ، فامتنع عليها ، وجاء يحاجف عن عمِّه ، فضربه رجل منهم بالسيف ، فاتقاه بيده ، فأطنَّها سوى
جلده ، فقال: يا أبتاه ! فقال له الحسين : يا بنيَّ احتسبت أجرك عند الله ، فإنك تلحق بآبائك
الصالحين (٢) .
ثم حمل على الحسين الرجالُ من كل جانب ، وهو يجول فيهم بالسيف يميناً وشمالاً ، فيتنافرون عنه
كتنافر المِعْزى عن السَّبُع . وخرجت أخته زينب بنت فاطمة إليه فجعلت تقول : ليت السماء تقع على
الأرض . وجاءت عمر بن سعد فقالت : يا عمر ! أرضيتَ أن يُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر ؟! فتحادرت
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٢) تاريخ الطبري (٥/ ٤٥١) .

٢٦٥
صفة مقتل الحسين
الدموع على لحيته ، وصرف وجهه عنها . ثم جعل لا يُقدم أحد على قتله حتى نادى شَمِر بن ذي
الجَوْشن : ويحكم ! ماذا تنتظرون بالرجل ؟ فاقتلوه تكلتْكم أمهاتكم . فحملت الرجال من كل جانب
على الحسين ، وضربه زُرعة بن شَريك التميمي على كتفه اليسرى ، وضُرب على عاتقه ، ثم انصرفوا عنه
وهو ينوء ويكبو. ثم جاء إليه سنان بن أنس(١) النَّخَعي ، فطعنه بالرمح فوقع، ثم نزل فذبحه وحزَّ رأسه ،
ثم دفع رأسه إلى خولي بن یزید .
وقيل : إن الذي قتله شَمِر بن ذي الجَوْشن . وقيل : رجل من مَذْحج . وقيل : عمر بن سعد بن
أبي وقاص ، وليس بشيء ، وإنما كان عمر أمير السريّة التي قتلت الحسين فقط . والأول أشهر .
[ وقال عبد الله بن عمّار: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على مَن عن يمينه حتى ابذعرُّ و(٢)
عنه ( وعلى مَن عن شماله حتى ابذعرُّوا عنه (٣) ، فوالله ما رأيت مكثور(٤) قطُ قد قُتل أولاده وأصحابه
أربط جأشاً منه ولا أمضى جَناناً منه. والله ما رأيت قبله ولا بعده مثلَه . قال : ودنا عمر بن سعد من
الحسين ، فقالت له زينب : يا عمر ! أيُقتل أبو عبد الله وأنت تنظر ؟ فبكى وصرف وجهه عنها .
وقال أبو مِخْنف : حدّثني الصَّقْعب بن زهير، عن حُميد بن مسلم قال : جعل الحسين يشدُّ على
الرجال وهو يقول : أعلى قتلي تَحاُّونُ(٥) ؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبداً من عباد اللهِ اللهُ أسخط عليكم
بقتله مني ، وايمُ الله إني لأرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم الله لي منكم من حيث لا تشعرون ، أما
والله لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسَكم بينكم ، وسفك دماءكم ، ثم لا يرضى لكم بذلك حتى يضاعف
لكم العذاب الأليم .
قال : ولقد مكث طويلاً من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه ( لفعلوا ، ولكن كان يتقي بعضهم ببعض
دمه ، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء مؤنة قتله (٦) حتى نادى شَمِر بن ذي الجَوْشن : ماذا تنتظرون
بقتله ؟ فتقدَّم إليه زُرْعة بن شَريك التميمي ، فضربه بالسيف على عاتقه ، ثم طعنه سنان بن أنس بن عمرو
النخعي بالرمح، ثم نزل فاحتزَّ رأسه ودفعه إلى خَولي (٧) .
(١) اضطربت النسخ في سنان بن أنس وأثبته كما في تاريخ الطبري (٤٥٣/٥) ومقاتل الطالبيين (ص٧٩) وابن الأثير
(٤ /٧٨) .
(٢) ((ابذعروا)): تفرقوا . وقعت في المطبوع: أنذعروا.
(٣) ما بين قوسين ليس في ط .
((المكثور)): مَن كثر عليه أعداؤه .
(٤)
وردت هذه اللفظة في أ: تحاربون ، وفي ط : تحابون ، وما أثبته من تاريخ الطبري (٤٥٢/٥).
(٥)
ما بين قوسين سقط من أ .
(٦)
(٧) ما بين حاصرتين سقط من ب .

٢٦٦
صفة مقتل الحسين
وقد روى ابن عساكر في ترجمة شَمِر بن ذي الجَوْشن - وذو الجَوْشن : صحابي جليل ، قيل اسمه
شرحبيل ، وقيل عثمان بن نَوْفل ، ويقال ابن أوس بن الأعور العامري الضِّبابي ، بطن من كلاب ويكنى
شَمِر بأبي السَّابغة - ثم من طريق عمر بن شبّة : حدثنا أبو أحمد ، حدّثني عمي فَضيل بن الزبير ، عن عبد
الرحيم بن مَيْمون ، عن محمد بن عمرو بن حسن قال : كنا مع الحسين بنهري كربلاء ، فنظر إلى شَمِر بن
ذي الجَوْشن فقال: صدق الله ورسوله، قال رسول الله وَّ: ((كأنِّي أنظرُ إلى كلبٍ أَبْقِع ◌َلَغُ في دماء أَهلِ
بَيْتي)) . وكان شَمِر - قبحه الله - أبرص(١)
وأخذ سنان وغيرُه سَلَبه ، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله ، وما في خِبائه حتى ما على
النساء من الثياب الطاهرة .
وقال أبو مِخْنف : عن جعفر بن محمد قال : وجدنا بالحسين حين قُتل ثلاثاً وثلاثين طعنة ، وأربعاً
وثلاثين ضربة ، وهمَّ شَمِر بن ذي الجَوْشن بقتل علي بن الحسين الأصغر - زين العابدين - وهو صغير
مريض ، حتى صرفه عن ذلك حُميد بن مسلم أحد أصحابه ، وجاء عمر بن سعد فقال : ألا لا يَدخلن على
هؤلاء النسوة أحد ، ولا يَقتل هذا الغلام أحد ، ومن أخذ من متاعهم شيئاً فليردّه عليهم . قال : فوالله
ما ردَّ أحد شيئاً . فقال له علي بن الحسين : جُزيت خيراً فقد دفع الله عني بمقالتك شر(٢) .
قالوا : ثم جاء سنان بن أنس إلى باب فسطاط عمر بن سعد فنادى بأعلى صوته :
أَوْفِرْ ركابي فضَّةً وَذَهَبا أنا قَتَلتُ المَلِكَ المَحَجَّبا
وخيرَهُمْ إذ يُنسَبُونَ نَسَبَا٣)
قَتلتُ خيرَ النَّاسِ أمّاً وأَبَا
فقال عمر بن سعد : أدخلوه عليّ . فلمّا دخل رماه بالسوط وقال : ويحك أنت مجنون ؟! والله لو
سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك .
ومنَّ عمر بن سعد على عُقبة بن سِمْعان حين أخبره أنه مولى ، فلم ينج منهم غيره . والمرفع بن
يمانه٤) أُسر، فمنَّ عليه ابن زياد . وقُتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفسا6ً) ، فدفنهم أهل
الغاضريَّةُ(٦) من بني أسد بعدما قُتلوا بيوم واحد .
تاريخ ابن عساكر ، مختصره (٣٣٢/١٠) ، وهو حديث غريب .
(١)
(٢)
تاريخ الطبري (٤٥٤/٥).
الأبيات في تاريخ الطبري (٤٥٤/٥) ومقاتل الطالبيين (ص ٨٠) ومروج الذهب (٧٠/٣) وابن الأثير (٧٩/٤)
(٣)
ومختصر تاريخ دمشق (١٥٦/٧) وسير أعلام النبلاء (٣٠٩/٣).
(٤) كذا اسمه في الأصول ، والذي في تاريخ الطبري (٤٥٤/٥) وابن الأثير (٤/ ٨٠) المرقّع بن ثمامة.
أسماؤهم مفصلة في تاريخ الطبري (٤٦٨/٥) وابن الأثير (٩٢/٤).
(٥)
(٦) ((الغاضرية)): قرية قريبة من كربلاء.

٢٦٧
صفة مقتل الحسين
[ قال : ثم أمر عمر بن سعد أن يُوطأ الحسين بالخيل ، ولا يصح ذلك ، والله أعلم .
وقُتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً (١)
وروي عن محمد بن الحنفيّة أنه قال : قُتل مع الحسين سبعةَ عشرَ رجلاً كلُّهم من أولاد فاطمة .
وعن الحسن البصري أنه قال : قُتل مع الحسين ستةَ عشرَ رجلاً كلُّهم من أهل بيته ، ما على وجه
الأرض يومئذ لهم شبه .
وقال غيره : قُتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثةٌ وعشرون رجلاً ، فمن أولاد علي رضي الله
عنه : جعفر ، والحسين ، والعباس ، ومحمد ، وعثمان ، وأبو بكر . ومن أولاد الحسين : علي
الأكبر ، وعبد الله . ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة : عبد الله ، والقاسم ، وأبو بكر بنو الحسن بن علي بن
أبي طالب . ومن أولاد عبد الله بن جعفر اثنان : عون ، ومحمد . ومن أولاد عَقيل : جعفر ، وعبد الله ،
وعبد الرحمن ، ومسلم قُتل قبل ذلك كما قدمنا ، فهؤلاء أربعة لصُلبه ، واثنان آخران هما : عبد الله بن
مسلم بن عَقيل ، ومحمد بن أبي سعيد بن عَقيل ، فكملوا ستة من ولد عَقيل ، وفيهم يقول الشاعر (٢):
واندُبي تسعةً لصُلبِ عليٍّ قد أُصِيبُوا وستَّةً لِعَقِيل
وسميّ النبيِّ غُودِرَ فيهم قد عَلَوْهُ بصَارمٍ مَصْقول
وممن قُتل مع الحسين بكربلاء أخوه من الرّضاعة عبد الله بن بُقْطُر ، وقد قيل : إنه قُتل قبل ذلك ،
حيث بعث معه كتاباً إلى أهل الكوفة ، فحُمل إلى ابن زياد فقتله .
وقُتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلاً سوى الجرحى ، فصلَّى عليهم
عمر بن سعد ودفنهم .
ويقال : إنَّ عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتى ألصقوه بالأرض يوم
المعركة ، وأمر برأسه أن يُحمل من يومه إلى ابن زياد مع خَولي بن يزيد الأصبحي ، فلمّا انتهى به إلى
القصر وجده مغلقاً، فرجع به إلى منزله فوضعه تحت إجّانه(٣) ، وقال لا مرأته نَوار بنت مالك : جئتك بعزِّ
الدهر ، فقالت : وما هو ؟ فقال : برأس الحسين ، فقالت : جاء الناس بالذهب والفضة وجئتَ أنت
برأس ابن بنت رسول الله وَّر؟! والله لا يجمعني وإياك فراشٌ أبداً، ثم نهضتْ عنه من الفراش، واستدعى
بامرأة له أخرى من بني أسد ، فنامت عنده . قالت المرأة الثانية الأسديّة : والله ما زلتُ أرى النور ساطعاً
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب.
هو مسلم بن قتيبة مولى بني هاشم ، كما في مروج الذهب (٧١/٣ - ٧٢) .
(٢)
(٣) (( الإجانة)): المِرْكن الذي تغسل فيه الثياب .

٢٦٨
صفة مقتل الحسين
من تلك الإجّانة إلى السماء ، وطيوراً بيضاً ترفرف حولها . فلمّا أصبح غدا به إلى ابن زياد فأحضره بين
يديه . ويقال : إنه كان معه رؤوس بقية أصحابه - وهو المشهور - ومجموعها اثنان وسبعون رأساً ، وذلك
أنه ما قُتل قتيل إلّا احتزُّوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد ، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية بالشام .
قال الإمام أحمد : حدّثنا حسين ، حدّثنا جرير ، عن محمد ، عن أنس قال : أُتي عبيد الله بن زياد
برأس الحسين ، فجُعل في طَسْت ، فجَعل ينكت عليه ، وقال في حسنه شيئاً . فقال أنس : إنه كان
أشبهَهُم برسول الله بَّهَ، وكان مخضوباً بالوَسْمَهُ(١) .
ورواه البخاري في المناقب عن محمد بن الحسين(٢) بن إبراهيم - هو ابن إشْكاب - عن حسين بن
محمد ، عن جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أنس ... فذكره(٣) .
وقد رواه الترمذي(٤) من حديث حَفْصة بنت سِيرين ، عن أنس . وقال : حسن صحيح . وفيه :
((فجعل ينكتُ بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيتُ مثل هذا حُسْناً)).
وقال البزّار : حدّثنا مفرج بن شُجاع بن عبيد الله المَوْصلي ، حدّثنا غسان بن الربيع ، حدّثنا
يوسف بن عَبد(٥) ، عن ثابت وحُميد ، عن أنس قال : لما أُتي عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل
ينكت بالقضيب ثناياه ويقول: لقد كان - أحسبُه قال - جميلاً، فقلت: والله لأَسوءَنَّك ، إني رأيت
رسول الله وَله يلثُم حيث يقع قضيبُك. قال : فانقبض . تفرد به البزار من هذا الوجه وقال: لا نعلم رواه
عن حُميد غير يوسف بن عَبدة ، وهو رجل من أهل البصرة مشهور ، وليس به بأس(٦).
ورواه أبو يعلى الموصلي (٧) : عن إبراهيم بن الحجاج ، عن حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن
أنس ... فذكره .
ورواه قرَّة بن خالد ، عن الحسن ، عن أنس ... فذكره .
وقال أبو مِخْنف : عن سليمان بن أبي راشد ، عن حُميد بن مسلم قال : دعاني عمر بن سعد ،
فسرَّحني إلى أهله لأبشِّرهم بما فتح الله عليه وبعافيته ، فأجد ابن زياد قد جلس للناس ، وقد دخل عليه
الوفد الذين قدموا عليه ، فدخلتُ فيمن دخل ، فإذا رأسُ الحسين موضوع بين يديه ، وإذا هو ينكت فيه
(١) ((الوسمة)): نبت يختصب بورقه الشعر. ووقعت في الأصول: بالوشمة. والخبر في مسند أحمد (٢٦١/٣).
تحرف في المطبوع إلى : الحسن .
(٢)
(٣)
رواه البخاري رقم (٣٧٤٨) .
برقم (٣٧٧٨) في المناقب : باب مناقب الحسن والحسين .
(٤)
تصحف في أ ، ط : يونس بن عبيدة ، والمثبت من ب وزوائد البزار وتهذيب التهذيب (١١ / ٤١٧) .
(٥)
كشف الأستار عن زوائد البزار (٢٣٤/٣) رقم (٢٦٤٩).
(٦)
في مسنده (٣٩٨١) وفيه علي بن زيد بن جدعان ضعيف .
(٧)

٢٦٩
صفة مقتل الحسين
بقضيب بين ثناياه ساعة ، فقال له زيد بن أرقم : ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيَّتين ، فوالله الذي لا إله
إلّا هو لقد رأيتُ شَفَتَيْ رسول الله وَ ◌ّه على هاتين الثنيَّتين يقبّلُهما . ثم انفضخ الشيخ يبكي ، فقال له ابن
زياد : أبكى الله عينَك ، فوالله لولا أنك شيخ قد خرفتَ وذهب عقلك لضربتُ عنقك . قال : فنهض
فخرج [ فلما خرج قال الناس : والله لقد قال زيد بن أرقم كلاماً لو سمعه ابن زياد لقتلَه ، قال : فقلت :
ما قال ؟ قالوا : مرَّ بنا وهو يقول: ملك عبدٌ عبيداً، فاتخذَهم تليد(١) ، أنتم - يا معشر العرب - العبيد
بعد اليوم ، قتلتم ابن فاطمة، وأمَّرتم ابن مُرْجانةً(٢) ، فهو يقتل خياركم ، ويستعبد شراركم ، فبُعداً لمن
رضي بالذُّل ٣٤)
وقد رُوي من طريق أبي داود بإسناده عن زيد بن أرقم ... بنحوه .
ورواه الطبراني من طريق ثابت ، عن زيد .
وقد قال الترمذي(٤) : حدّثنا واصل بن عبد الأعلى ، حدّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن
عُمارة بن عُمَيْر قال : لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه ، فنُصبت في المسجد في الرَّحبة ،
فانتهيتُ إليه وهم يقولون : قد جاءت قد جاءت ، فإذا حيَّة قد جاءت تتخلَّل الرؤوس حتى دخلت في
مَنْخِري عبيد الله بن زياد ، فمكثتْ هنيهةً ثم خرجتْ ، فذهبتْ حتى تغيَّيتْ ، ثم قالوا : قد جاءت قد
جاءت . ففعلتْ ذلك مرتين أو ثلاثاً . ثم قال الترمذي : حسن صحيح .
وأمر ابن زياد فنُودي : الصلاة جامعة ، فاجتمع الناس ، فصَعِد المنبر ، فذكر ما فتح الله عليه من قتل
الحسين الذي أراد أن يسلبهم الملك ويفرِّق الكلمة عليهم . فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي فقال :
ويحك يا بن زياد ! تقتلون أولاد النبيِّين وتتكلَّمون بكلام الصدِّيقين ؟! فأمر به ابن زياد ، فقُتل وصُلب .
ثم أمر برأس الحسين ، فنُصب بالكوفة وطيف به في أزقَّتها ، ثم سيَّره مع زَحْر بن قيس ومعه رؤوس
أصحابه إلى يزيد بن معاوية [ بالشام ، وكان مع زَحْر جماعة من الفرسان ، منهم أبو بُرْدة بن عوف
الأزدي ، وطارق بن أبي ظَبيان الأزدي ، فخرجوا حتى قدموا بالرؤوس كلِّها على يزيد بن معاوية }(٥) .
قال هشام : فحدّثني عبد الله بن يزيد بن رَوْح بن زِنْباع الجُذامي ، عن أبيه ، عن الغاز بن ربيعة
الجُرشي - من حمير - قال : والله إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق ، إذ أقبل زَحْر بن قيس فدخل على
يزيد ، فقال له يزيد : ويحك ما وراءك ؟ ! [ فقال: أَبشِر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره ، ورد
(١) ((التليد)): أولاد الأعاجم.
(٢) ((ابن مرجانة)): هو عبيد الله بن زياد، حيث كانت أمه مرجانة من بنات ملوك الفرس.
(٣)
ما بين حاصرتين سقط من ب . والخبر في تاريخ الطبري (٤٥٦/٥).
سنن الترمذي برقم (٣٧٨٠) . وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (٥٤٩/٣) ضمن ترجمة عبيد الله بن زياد .
(٤)
(٥) ما بين حاصرتين سقط من ب. تاريخ الطبري (٤٥٩/٥) ومختصر تاريخ دمشق (٣٣/٩ - ٣٤).

٢٧٠
صفة مقتل الحسين
علينا الحسينُ بن علي بن أبي طالب وثمانيةَ عشرَ من أهل بيته وستون من شِيعته ، فسِرْنا إليهم ، فسألناهم
أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال ، فاختاروا القتال ، فغدونا إليهم مع
شروق الشمس ، فأحطنا بهم من كل ناحية ، حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم ، فجعلوا يهربون
إلى غير مهرب ولاوَزَر ، ويلوذون منا بالآكام والحفر لواذاً كما لاذ الحمام من صقر ، فوالله ما كانوا إلا
جزر جَزُور أو نومة قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجرّدة ، وثيابهم مزمَّلة ، وخدودهم
معفَّرة ، تصهرهم الشمس، وتَسْفي عليهم الريح، زوّاهم العِقْبان والرَّخَم }(١) .
قال : فدمعتْ عينا يزيد بن معاوية وقال : كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن
سميّة ، أما والله لو أني صاحبُه لعفوتُ عنه ، ورحم الله الحسين . ولم يصل الذي جاء برأسه بشيء . ولما
وضع رأس الحسين بين يدي يزيد قال: أما والله لو أني صاحبُك ما قتلتُك. ثم أنشد قول الحُصَينُ(٢) بن
الحُمَام المرِّي الشاعر :
نُفَلِّقُ هاماً منْ رجالٍ أعزَّةٍ عَلَيْنا وهمْ كانوا أَعَقَّ وأَظْلَما
قال أبو مخنف : فحدثني أبو جعفر العبسي [ عن أبي عمارة العبسي (٣) قال : وقام يحيى بن الحكم
- أخو مروان بن الحكم - فقال :
لَهَامٌ يجنبِ الطَّفِّ أدنى قرابةٌ من ابنِ زيادِ العبد ذي الحسَبِ الوَغْل
سُمِيَّةُ أضحى نسلُها عدَدَ الحَصى وليسَ لآلِ المُصْطفى اليومَ من نَسْل
قال : فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال له : اسكُت(٤).
وقال محمد بن حميد الرازي - وهو شِيعيّ : حدثنا محمد بن يحيى الأحمري ، حدّثنا ليث ، عن
مجاهد قال : لما جيء برأس الحسين ، فوضع بين يدي يزيد ، تمثّل بهذه الأبيات :
ليتَ أَشْياخي بِبَدْرٍ شَهِدُوا جَزَعَ الخزرجِ في وَقْعِ الأَسَلْ
ثمَّ قالوا لي هنّاً لا تَسَلْ
فأهلُوا واسْتَهَلُّوا فَرَحاً
(١) ما بين حاصرتين مكانه في ب : فذكر له أمر الحسين وماكان من أمره بكربلاء . والخبر بطوله في تاريخ الطبري
(٤٥٩/٥ - ٤٦٠) .
(٢) تحرف في الأصول إلى : الحسين . والحصين بن الحمام: شاعر جاهلي مقل . والبيت في ديوان الحماسة
(٣٩١/١) وغيره من كتب الأدب. تاريخ الطبري (٤٦٠/٥) ومروج الذهب (٧٠/٣).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من الأصول ، واستدركته من تاريخ الطبري .
(٤) الخبر والشعر في تاريخ الطبري (٤٦٠/٥ - ٤٦١) وابن الأثير (٨٩/٤ - ٩٠).

٢٧١
صفة مقتل الحسين
حينَ حَكَّتْ بِقُبَاءٍ(١) بَرْكَها واسْتحرَّ القتلُ في عبد الأَشَلُ(٢)
قد قَتَلْنا الضَّعفَ من أشرافكم وعَدَلْنا مَيْلَ بَدْرٍ فَاعْتَدَلُ(٣)
قال مجاهد : نافق فيها والله ، ما بقي في جيشه أحد إلّا تركه ؛ أي : ذمَّه وعابه .
وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين : هل سيَّره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا ؟ على
قولين : الأظهر منهما أنه سيّره إليه ، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة ، فالله أعلم .
وقال أبو مِخْنف : عن أبي حمزة الثُّمالي ، عن عبد الله الثُّمالي ، عن القاسم بن بُخَيت قال : لما
وضِع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكتُ بقضيب كان في يده في ثغره ، ثم قال : إنَّ هذا
وإيانا كما قال الحُصَين بن الحُمام المري :
نُفَلِّقُ هاماً منْ رجالٍ أعزَّةٍ عَلَينا وهمْ كانوا أَعَقَّ وأَظْلَما
فقال أبو بَرْزة الأسلمي: أما والله لقد أخذ قضيبُك هذا مأخذاً، لقد رأيت رسول الله وَل﴿ يَرْشُفُه، ثم
قال : ألا إنَّ هذا سيجيء يوم القيامة وشفيعُه محمد، وتجيء وشفيعُك ابن زياد. ثم قام فولَّى(٤)
وقد رواه ابن أبي الدنيا ، عن أبي الوليد ، عن خالد بن يزيد بن أسد ، عن عمّار الدهني ، عن جعفر
قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو بَرْزة وجعل ينكت بالقضيب، فقال له: (( ارفع
قضيبَك، فلقد رأيت رسول الله ﴿ ﴿ يلثمُه)) .
قال ابن أبي الدنيا : وحدّثني سلَمةُ(٥) بن شَبِيب ، عن الحميدي ، عن سفيان : سمعت سالم بن
أبي حَفْصة قال : قال الحسن : لما جيء برأس الحسين جعل يزيد يطعن بالقضيب . قال سفيان :
وأخبرت أن الحسن(٦) كان ينشد على إثر هذا :
سُمِيَّةُ أمسى نَسْلُها عدَدَ الحَصى وبنتُ رسولِ اللهِ ليس لها نَسْلُ
وأما بقية أهله ونساؤه وحرمه فإن عمر بن سعد وَّلَ بهم من يحرسهم ويكلؤهم ، ثم أركبوهم على
الرواحل في الهوادج ، فلما مروا بمكان المعركة ورأوا الحسين وأصحابه مطَّرحين هنالك بكت النساء
(١)
في ط : بفناء .
(٢) تحرفت الأشل في الأصول إلى: الأسل. ((وعبد الأشل)): بنو عبد الأشهل ، من الأوس.
(٣) الأبيات لعبد الله بن الزبعرى، وهي مخرجة ومشروحة في ديوانه (ص ٤٢) من قصيدة قالها يوم أحد معرضاً بحسان
ابن ثابت والخزرج .
(٤)
تاريخ الطبري (٤٦٥/٥) .
تحرف في ط ، ب إلى : مسلمة .
(٥)
(٦) تحرف في ط إلى : الحصين.

٢٧٢
صفة مقتل الحسين
وصرخن ، ونَدبت زينب أخاها الحسين وأهلها فقالت وهي تبكي : يا محمداه ! يا محمداه ! صلى عليك
الله وملك السماء ، هذا حسين بالعراء ، مزمَّل بالدماء ، مقطّع الأعضاء ، يا محمداه ! وبناتك سبايا ،
وذريتك مقتَّلة، تَسْفي عليها الصَّبا! قال: فأبكت - والله - كلَّ عدو وصديقُ(١)
قال قرَّة بن قيس: لما مرَّت النسوة بالقتلى صحنَ ولطمنَ خدودهنّ . قال : فما رأيت من منظر من
نسوة قطُ أحسن من منظر رأيته منهن ذلك اليوم ، والله إنهنَّ لأحسن من مَهَا يَبْرين . وذكر الحديث كما
تقدم .
قال : ثم ساروا بهم من كربلاء حتى دخلوا الكوفة ، فأكرمهم ابن زياد وأجرى عليهم النفقات
والكساوى وغيرها .
[ قال: ودخلت زينب ابنة فاطمة في أرذل ثيابها قد تنكّرت وحقَّت بها إماؤها، فلما دخلت على
عبيد الله بن زياد قال : من هذه؟ فلم تكلِّمه ، فقال بعض إمائها : هذه زينب بنت فاطمة ، فقال :
الحمد لله الذي فضحكم وقتلكم وكذَّب أُحدوثتكم . فقالت : بل الحمد لله الذي أكرمنا بمحمد وطهَّرنا
تطهيراً، لا كما تقول ، وإنما يفتضح الفاسق ويكذَّب الفاجر . قال : كيف رأيتِ صنع الله بأهل بيتكم ؟
فقالت : كُتب عليهم القتل، فبرزوا إلى مضاجعهم ، وسيجمع الله بينك وبينهم فيحاجُّونك إلى الله .
فغضب ابن زياد واستشاط ، فقال له عمرو بن حُريث : أصلح الله الأمير ! إنما هي امرأة ، وهل تؤاخذ
المرأة بشيء من منطقها ؟ إنها لا تؤاخذ بما تقول ، ولا تُلام على خَطَل .
وقال أبو مِخْنف : عن المجالد بن سعيد : إن ابن زياد لمّا نظر إلى علي بن الحسين ( زين العابدين )
قال الشرطي : انظر أأدرك هذا الغلام ؟ فإن كان أدرك فانطلِقوا به فاضربوا عنقه . فكشف إزاره عنه ،
فقال : نعم ! فقال : اذهب به فاضرِب عنقه . فقال له علي بن الحسين : إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة
قرابة فابعث معهنَّ رجلاً يحافظ عليهنّ . فقال له ابن زياد : تعال أنت ، فبعثه معهنّ .
قال أبو مِخْنف : وأما سليمان بن أبي راشد ، فحدّثني عن حُميد بن مسلم قال : إني لقائم عند ابن
زياد حين عُرض عليه علي بن الحسين ، فقال له : ما اسمُك ؟ قال : أنا علي بن الحسين ، قال : أولم
يقتل اللهُ عليّ بن الحسين ؟ فسكت ، فقال له ابن زياد : مالك لا تتكلّم ؟ قال: كان لي أخ يقال له عليٍّ
أيضاً ، قتله الناس. قال: إن الله قتله، فسكت، فقال: مالك لا تتكلّم؟ فقال: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ
حِينَ مَوْتِهَا﴾ [الزمر: ٤٢] ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّ بِإِذْنِ اَللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] قال: أنت والله
منهم، ويحك ! انظروا هذا أَدرك؟ والله إني لأحسبُه رجلاً ، فكشف عنه مُري بن معاذ الأحمريّ ،
فقال : نعم قد أدرك ، فقال : اقتُلْه ، فقال علي بن الحسين : من يوّل بهذه النسوة ؟ وتعلقت به زينب
(١) تاريخ الطبري (٥/ ٤٥٦).

٢٧٣
صفة مقتل الحسين
عمتُهُ فقالت : يا بن زياد ! حسبُك منا ما فعلتَ بنا ، أما رَوِيتَ من دمائنا ؟ وهل أبقيتَ منا أحداً ؟ قال :
واعتنقتْه وقالت : أسألك بالله إن كنتَ مؤمناً إنْ قتلتَه لما قتلتَني معه . وناداه عليٍّ فقال : يا بن زياد ! إن
كان بينك وبينهنَّ قرابة فابعث معهنَّ رجلاً تقيّاً يصحبهنَّ بصحبة الإسلام قال : فنظر إليهنَّ ساعة ثم نظر إلى
القوم فقال : عجباً للرّحم! والله إني لأظنُّ أنها ودَّت لو أني قتلتُه أن أقتلَها معه. دعوا الغلام . انطلق مع
نسائكم١)
قال : ثم إن ابن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه وبناته فجهزوا إلى يزيد ، وأمر بعلي بن الحسين فغُلَّ
بغُلِّ إلى عنقه ، وأرسلهم مع محفّز(٢) بن ثعلبة العائذي - من عائذة قريش - ومع شَمِر بن ذي الجَوْشن
قبَّحه الله ، فلما بلغوا باب يزيد بن معاوية رفع محفّز بن ثعلبة صوته فقال : هذا محفّز بن ثعلبة ، أتى أمير
المؤمنين باللئام الفجرة . فأجابه يزيد بن معاوية : ما ولدتْ أمّ محفّز شرٌّ وأَلاَم .
فلما دخلت الرؤوس والنساء على يزيد دعا أشراف الشام فأجلسهم حولَه ، ثم دعا بعليٍّ بن الحسين
وصبيان الحسين ونسائه ، فأُدخلوا عليه والناسُ ينظرون ، فقال لعلي بن الحسين : يا عليّ ! أبوك قطع
رحمي، وجهل حقّي، ونازَعَني سُلطاني، فصنعَ اللهُ به ما قد رأيت. فقال علي: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِىِ
اُلْأَرْضِ وَلَا فِىّ أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِ كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَنْ تَبْرَأَهَاً﴾ [الحديد: ٢٢] فقال يزيد لابنه خالد: أَجِبْه. قال:
فما درى خالد ما يردُّ عليه، فقال له يزيد: قُلْ: ﴿ وَمَآ أَضَبَكُمْ مِّن قُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيَكُمْ وَيَعْفُواْ عَن
كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى: ٣٠] فسكت عنه ساعة، ثم دعا بالنساء والصبيان فرأى هيئةً قبيحة ، فقال: قبَّح اللهُ ابن
مَرْجانة ! لو كانت بينهم وبينه قرابةٌ ورحمٌ ما فعل هذا بهم ، ولا بعث بكم هكذا .
وروى أبو مِخْنف ، عن الحارث بن كعب ، عن فاطمة بنت علي قالت : لما أُجلسنا بين يدي يزيد رقَّ
لنا وأمر لنا بشيء وألطَفَنا. ثم إن رجلاً من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال : يا أمير المؤمنين ! هب لي
هذه - يعنيني - وكنتُ جارية وضيئة ، فارتعدتُ فزِعةً من قوله ، وظننت أن ذلك جائز لهم ، فأخذتُ بثياب
أختي زينب - وكانت أكبر مني وأعقل ، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز - فقالت لذلك الرجل : كذبتَ - والله
- ولؤُمت ، ما ذلك لك وله . فغضب يزيد فقال لها : كذبتِ ، والله إن ذلك لي ، ولو شئتُ أن أفعله
لفعلت . قالت : كلا، والله ما جعل اللهُ ذلك لك إلّا أن تخرج من ملَّتنا وتَدين بغير ديننا . قالت : فغضب
يزيد واستطار ثم قال : إياي تستقبلين بهذا ؟ إنما خرج من الدِّين أبوك وأخوك ، فقالت زينب : بدين الله
ودين أبي ودين أخي وجدِّي اهتديتَ أنت وأبوك وجدُّك . قال : كذبتِ يا عدوّة الله . قالت : أنت أمير
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب. وهو في تاريخ الطبري (٥/ ٤٥٧ - ٤٥٨).
(٢) كذا قيده ابن ماكولا والذهبي وغيرهما - بالفاء المشددة والزاي. وقد تحرف في المطبوع في غير موضع إلى :
محقر .

٢٧٤
صفة مقتل الحسين
المؤمنين [ مسلَّط ، تشتم ظالماً ، وتقهر بسلطانك . قالت : فوالله لكأنه استحيى فسكت . ثم قام ذلك
الرجل فقال : يا أمير المؤمنين }١)! هب لي هذه، فقال له يزيد: اعزُب، وهبَ اللهُ لك حَتْفاً قاضياً.
ثم أمر يزيدُ النعمان بن بشير أن يبعث معهم إلى المدينة رجلاً أميناً معه رجال وخيل ، ويكون علي بن
الحسين معهنّ . ثم أنزل النساء عند حريمه في دار الخلافة ، فاستقبلهنَّ نساء آل معاوية يبكين ويَنُحْنَ على
الحسين ، ثم أقمنَ المناحة ثلاثة أيام . وكان يزيد لا يتغذّى ولا يتعشَّى إلا ومعه علي بن الحسين وأخوه
عمر بن الحسين ، فقال يزيد يوماً لعمر بن الحسين - وكان صغيراً جداً - أتقاتل هذا؟ يعني ابنه خالد بن
يزيد - يريد بذلك ممازحته وملاعبته ، فقال : أعطني سكِّيناً وأعطه سكِّيناً حتى نتقاتل . فأخذه يزيد فضمّه
إليه وقال : شِنْشِنَةٌ أعرفُها من أَخْزَمُ(٢) ، هل تلد الحية إلَّ حية ؟.
ولما وذَّعهم يزيد قال لعلي بن الحسين : قبح الله ابن سميّة ، أما والله لو أني صاحب أبيك ما سألني
خصلة إلّا أعطيتُه إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعتُ ولو بهلاك بعض ولدي ، ولكن الله قضى
ما رأيت . ثم جهّزه وأعطاه مالاً كثيراً ، وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول ، وقال له : كاتِبْني بكل حاجة
تكون لك . فكان ذلك الرسول الذي أرسله معهم يسير عنهم بمعزل من الطريق ، ويبعد عنهم بحيث
يدركهم طرفه ، وهو في خدمتهم حتى وصلوا المدينة . فقالت فاطمة بنت علي : قلت لأختي زينب : إن
هذا الرجل الذي أُرسل معنا قد أحسن صحبتنا فهل لك أن نصلَه ؟ فقالت: والله ما معنا شيء نصلُه به إلا
حليّنا ، قالت لها: نعطيه حليّنا. قالت: فأخذت سواري ودُمْلَجي (٣)، وأخذت سوارها ودُمْلَجها،
وبعثنا به إليه واعتذرنا إليه وقلنا : هذا جزاؤك بحسن صحبتك لنا ، فقال : لو كان الذي صنعتُ معكم إنما
هو للدنيا كان في هذا الذي أرسلتموه ما يُرضيني وزيادة ، ولكن - والله - ما فعلتُ ذلك إلّا لله تعالى
ولقرابتكم من رسول الله (مائي(٤).
[ وقيل : إن يزيد لما رأى رأس الحسين قال: أتدرون من أين أُتي ابن فاطمة، وما الحامل له على
ما فعل ، وما الذي أوقعه فيما وقع فيه ؟ قالوا : لا ، قال : يزعم أن أباه خيرٌ من أبي ، وأمه فاطمة بنت
رسول الله وَ ﴿ خيرٌ من أمي، وجدّه رسول الله خيرٌ من جدي، وأنه خير مني وأحقُّ بهذا الأمر مني ! فأما
قوله : أبوه خير من أبي ، فقد حاجَّ أبي أباه إلى الله عز وجل ، وعلم الناس أيهما حُكم له . وأما قوله :
أُّه خير من أمي، فلعَمْري إن فاطمة بنت رسول الله وَ لّ خير من أمي. وأما قوله : جدُّه رسول الله خير من
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٢) قوله: شنشئة أعرفها من أخزم. مثل عربي. ((والشنشنة)): الطبيعة والسجية، كأنه أراد: إني أعرف منك مَشابِهَ
من أبيك في رأيه وعقله وذكائه . اللسان : مادة (شنن) .
(٣)
الدملج - بفتح اللام وضمها : ما يوضع على العضد من الحليّ.
تاريخ الطبري (٥/ ٤٦٢ - ٤٦٣) .
(٤)

٢٧٥
صفة مقتل الحسين
جدي ، فلعَمْري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى أن لرسول الله فينا عِدْلًا ولانِدّاً . ولكنه إنما أُتي من
قلة فقهه ، لم يقرأ: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَلِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِ الْمُلْكَ مَن تَشَآءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَن تَشَآءُ ﴾ الآية (٢٦ من سورة
آل عمران ] وقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٤٧].
فلما دخلت النساء على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبر من سُكَينة : يا يزيد ! بنات
رسول الله وَ ليه سبايا، فقال يزيد: يا بنت أخي! أنا لهذا كنت أكره . قالت : قلت : والله ما تركوا لنا
خُرْص١ً)، فقال: ابنة أخي ! ما أتى إليك أعظم مما ذهب لك. ثم أدخلهنَّ داره ، ثم أرسل إلى كل
امرأة منهن : ماذا أُخذ لك ؟ فليس منهن امرأة تدَّعي شيئاً بالغاً ما بلغ إلا أضعفه لها .
وقال هشام : عن أبي مِخْنف ، حدّثني أبو حمزة الثُّمالي ، عن عبد الله الثُّمالي ، عن القاسم بن
بُخَيت(٢) قال : لما أقبل وفد الكوفة برأس الحسين دخلوا به مسجد دمشق ، فقال لهم مروان بن الحكم :
كيف صنعتم ؟ قالوا : ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلاً ، فأتينا - والله - على آخرهم ، وهذه الرؤوس
والسبايا . فوثب مروان وانصرف . وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال : ما صنعتم ؟ فقالوا له مثل
ما قالوا لأخيه، فقال لهم: حُجِبتم عن محمد بَلّه يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبداً، ثم قام
فانصرف . قال : ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين بكى عليه نساء بني هاشم ونُحْنَ عليه ]٣).
وروي أن يزيد استشار الناس في أمرهم ، فقال رجال ممن قبَّحهم الله : يا أمير المؤمنين ! لا تتخذن
من كلب سوءٍ جرواً ، اقتُل علي بن الحسين حتى لا يبقى من ذرية الحسين أحد ، فسكت يزيد ، فقال
النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين! اعمل معهم كما كان يعمل معهم رسول الله وَّلل لو رآهم على هذه
الحال . فرقَّ عليهم يزيد ، وبعث بهم إلى الحمَّام ، وأجرى عليهم الكساوى والعطايا والأطعمة ،
وأنزلهم في داره .
وهذا يردُّ قول الرافضة : إنهم حُملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا ، حتى كذب مَنْ زعم منهم أن
الإبل البَخاتي إنما نبتتْ لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتِهِنّ من قُبُلهنَّ ودُبُرهنّ .
ثم كتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد - أمير الحرمين - يبشِّره بمقتل الحسين ، فأمر منادياً فنادى
بذلك ، فلما سمع نساء بني هاشم ارتفعت أصواتهنَّ بالبكاء والنَّوح ، فجعل عمرو بن سعيد يقول : هذا
بيكاء نساء عثمان بن عفان .
وقال عبد الملك بن عُمير : دخلتُ على عبيد الله بن زياد وإذا رأسُ الحسين بن علي بين يديه على
(١) الخرص - بضم الخاء وكسرها: حلقة القُرط.
(٢) تحرف في المطبوع إلى : نجيب .
(٣) ما بين حاصرتين سقط من ب ، وماورد خلاله من أخبار في تاريخ الطبري (٤٦٤/٥ - ٤٦٥).

٢٧٦
صفة مقتل الحسين
تُرس ، فوالله ما لبثتُ إلّا قليلاً حتى دخلت على المختار بن أبي عُبيد وإذا رأسُ عبيد الله بن زياد بين يدي
المختار على تُرس [ووالله ما لبثتُ إلّا قليلاً حتى دخلت على مصعب بن الزبير وإذا رأسُ المختار بين يديه
على تُرس (١) ووالله ما لبثتُ إلّا قليلاً حتى دخلت على عبد الملك بن مروان وإذا رأسُ مصعب بن الزبير
علی تُرس بین یدیه .
وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في ((تاريخه)): حدّثني زكريا بن يحيى الضَّرير، حدّثنا أحمد بن
جناب(٢) المصِّيصي، حدّثنا خالد بن يزيد بن(٣) عبد الله القَسْري ، حدّثنا عمّار الدُّهني قال: قلت لأبي
جعفر : حدِّثني عن مقتل الحسين كأني حضرته ، فقال : أقبلَ الحسين بكتاب مسلم بن عقيل الذي كان قد
كتبه إليه يأمره فيه بالقدوم عليه ، حتى إذا كان بينه وبين القادسيَّة ثلاثة أميال لقيَه الحرُّ بن يزيد التميمي فقال
له : أين تريد ؟ فقال : أريد هذا المِصْر ، فقال له : ارجع فإني لم أدع لك خلفي خيراً أرجوه ، فهمَّ
الحسين أن يرجع ، وكان معه إخوة مسلم بن عَقيل ، فقالوا : والله لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا ممن قَتل أخانا
أو نُقتل ، فقال : لا خير في الحياة بعدكم . فسار ، فلقيه أوائل خيل ابن زياد ، فلما رأى ذلك عدل (٤) إلى
كربلاء ، فأسند ظهره إلى قصباء(٥) وخلاً ليقاتل من جهة واحدة ، فنزل وضرب أبنيته . وكان أصحابه
خمسة وأربعين فارساً ومئة راجل . وكان عمر بن سعد بن أبي وقاص قد ولّاه ابن زياد الري وعهد إليه
عهده ، فقال : اكفني هذا الرجل واذهب إلى عملك ، فقال : اعفني ، فأبى أن يعفيه ، فقال : أنظرني
الليلة ، فأخَّره ، فنظر في أمره ، فلما أصبح غدا عليه راضياً بما أمره به . فتوجَّه إليه عمر بن سعد ، فلما
أتاه قال له الحسين : اختر(٦) واحدة من ثلاث: إما أن تَدَعوني فأنصرف من حيث جئت ، وإما أن تَدَعوني
فأذهب إلى يزيد ، وإما أن تَدَعوني فألحق بالثغور . فقبل ذلك عمر ، فكتب إليه عبيد الله بن زياد : لا ،
ولا كرامة حتى يضع يده في يدي ، فقال الحسين : لا والله لا يكون ذلك أبداً . فقاتله ، فقُتل أصحاب
الحسين كلُّهم وفيهم بضعة عشر شاباً من أهل بيته ، وجاءه سهم فأصاب ابناً له في حِجْره ، فجعل يمسح
الدم ويقول: اللهم احكُم بيننا وبين قوم دَعَونا لينصرونا فقتلونا. ثم أمر بحبَرَةً(٧) فشقَّها ثم لبسها وخرج
بسيفه ، فقاتل حتى قُتل ، قتله رجل من مَذْحج ، وحزَّ رأسه فانطلق به إلى ابن زياد وقال في ذلك :
أَوْقِزْ ركابي فضَّةً وذَهَبَا فقد قَتَلْتُ المَلِكَ المُحَجَّبَا
(١) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع. والخبر في تاريخ الخلفاء (ص٣٢٨ -٣٢٩).
في المطبوع : خباب ، تحريف .
(٢)
(٣)
في المطبوع : عن ، خطأ .
(٤)
في المطبوع : عاد .
كذا في ب وتاريخ الطبري . ووقعت في أ ، ط : قصيتا .
(٥)
(٦)
في المطبوع : اختبر ، خطأ .
الحبرة - بكسر الحاء وفتحها : ضرب من البرود اليمانية .
(٧)

٢٧٧
صفة مقتل الحسين
قتلتُ خيرَ النَّاسِ أُمّاً وأَبَا وخيرَهُمْ إذ يُنْسَبِونَ نَسَبَا
قال : فأوفده إلى يزيد بن معاوية ، فوضع رأسه بين يديه ، وعنده أبو بَرْزة الأسلمي ، فجعل يزيد
ينكت بالقضيب على فيه ويقول :
نُفُلِّقُ هاماً منْ رجالٍ أعزَّةٍ عَلَيْنا وهمْ كانُوا أَعَقَّ وَأَظْلَما
فقال له أبو بَرْزة: ارفع قضيبك، فوالله لربما رأيتُ رسول الله وَلَ واضعاً فيه على فيه يلثُمه .
قال : وأرسل عمر بن سعد بحرمه وعياله إلى ابن زياد ، ولم يكن بقي من آل الحسين إلّ غلام ،
وكان مريضاً مع النساء ، فأمر به ابن زياد ليُقتل ، فطرحت زينب نفسها عليه وقالت : والله لا يقتل حتى
تقتلوني ، فرقَّ لها وكفَّ عنه .
قال : فأرسلهم إلى يزيد ، فجمع يزيد من كان بحضرته من أهل الشام ، ثم دخلوا عليه فهنَّؤوه
بالفتح ، فقام رجل منهم أحمر أزرق - ونظر إلى وصيفة من بناته - فقال : يا أمير المؤمنين ! هب لي هذه ،
فقالت زينب : لا ، ولا كرامة لك ولا له إلا أن تخرجا من دين الله . قال : فأعادها الأزرق ، فقال له
يزيد : كفَّ عن هذا . ثم أدخلهم على عياله ، ثم حملهم إلى المدينة ، فلما دخلوها خرجت امرأة من بني
عبد المطلب ناشرةً شعرها ، واضعة كمَّها على رأسها ، تتلقاهم وهي تبكي وتقول :
ماذا فَعَلْتُمْ وأنتمْ آخِرُ الأُمَم
ماذا تقولونَ إِنْ قالَ النَّبيُّ لكُمْ
منهمْ أُسَارى وقَتْلى ضُرِّجُوا بدم
بعِتْرَتي وبأَهْلي بعدَ مُفْتَقَدِي
أَنْ تخلفُوني بسُوءٍ في ذوي رَحِمي (١)
ماكانَ هذا جَزَائي إذْ نَصَحْتُ لكمْ
وقد روى أبو مِخْنف ، عن سليمان بن أبي راشد ، عن عبد الرحمن بن عبيد أبي الكنود : أن بنت
عَقيل هي التي قالت هذا الشعر .
وهكذا حكى الزبير بن بكّار أن زينب الصغرى بنت عقيل بن أبي طالب هي التي قالت ذلك حین دخل
آل الحسين المدينة النبويَّة .
وروى أبو بكر بن الأنباري بإسناده أن زينب بنت علي بن أبي طالب من فاطمة - وهي زوج عبد الله بن
جعفر أمّ بنيه - رفعت سجف(٢) خبائها يوم كربلاء يوم قُتل الحسين وقالت هذه الأبيات(٣) . فالله أعلم .
(١) الخبر بطوله في تاريخ الطبري (٣٨٩/٥ - ٣٩٠).
(٢) ((السجف)): الستر.
(٣) الخبر في شاعرات العرب (ص٢٥٧) وأعلام النساء (٣٢٤/٣) وفيهما أن هذه الأبيات لعقيلة بنت عقيل بن أبي
طالب .

٢٧٨
صفة مقتل الحسين
وقال هشام بن الكلبي : حدّثني بعض أصحابنا، عن عمرو بن [ أبي ]١) المقدام قال: حدّثني
عمر بن عكرمة قال : أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة ، فإذا مولاة لنا تحدِّثنا قالت : سمعت البارحة
منادياً ينادي وهو يقول :
أَبْشِرُوا بالعَذَابِ والتّنْكيل
أيُّها القاتلونَ ظُلْماً حُسَيناً
مِنْ نبيِّ ومالكِ وقَبِيل
كلُّ أهلِ السَّماءِ يدعُو عَلَيكم
ودَ وموسى وحاملِ الإِنْجِيل(٢)
قَدْ لُعِنْتم على لسَانِ ابنِ داو
قال هشام(٣): حدّثني عمرو بن حيزوم الكلبي، عن أمِّه قالت: سمعت هذا الصوت. وقال الليث
وأبو نعيم : يوم السبت .
ومما أنشده الحاكم أبو عبد الله النَّيْسابوري وغيره لبعض المتقدِّمين في مقتل الحسين :
متزمِّلاً بدِمائِهِ تَزْمِيلا
جاؤوا برأسِكَ يا بنَ بنتِ محمَّدٍ
قَتَلوا جهَاراً عامِدينَ رَسُولا
وكأنَّما بكَ يا بنَ بنتِ محمَّدٍ
في قَتْلكَ القرآنَ والشّْزِيلا
قَتَلوكَ عطشاناً ولمْ يَتَدَبَّرُوا
قَتَلوا بكَ التَّكبيرَ والتَّهْليلا
ويُكَبِّرونَ بأنْ قُتِلْتَ وإنَّما
فصل
وكان مقتل الحسين - رضي الله عنه - يوم الجمعة ، يوم عاشوراء من المحرّم ، سنة إحدى وستين .
وقال هشام بن الكلبي : سنة اثنتين وستين ، وبه قال علي بن المديني . وقال ابن لَهِيعة : سنة اثنتين أو
ثلاث وستين . وقال غيره : سنة ستين . والصحيح الأول . بمكان من الطَّفِّ يقال له : كربلاء من أرض
العراق ، وله من العمر ثمان وخمسون سنة أو نحوها ، وأخطأ أبو نعيم في قوله : إنه قُتل وله من العمر
خمس أو ست وستون سنة .
قال الإمام أحمد(٤): حدّثنا عبد الصَّمد بن حسان، حدّثنا عُمارة - يعني ابن زاذان - عن ثابت ، عن
(١) سقطت من المطبوع. وعمرو بن أبي المقدام: هو عمرو بن ثابت الكوفي . قال فيه ابن حجر : ضعيف ، رمي
بالرفض .
(٢) تنسب هذه الأبيات للجن ، وهي في تاريخ الطبري (٤٦٧/٥) وابن الأثير (٤/ ٩٠) ومختصر تاريخ دمشق
(١٥٤/٧) .
(٣) في المطبوع : قال ابن هشام ، خطأ .
(٤) مسند أحمد (٢٦٥/٣) وفيه عمارة بن زاذان وهو كثير الخطأ، فإسناد الحديث ضعيف.

٢٧٩
صفة مقتل الحسين
أنس قال: ((استأذن ملَك القَطْر أن يأتيَ النبيّ ◌َثّ فأذن له، فقال لأمّ سلمة: احفَظِي علينا البابَ لا يدخل
علينا أحد ، فجاء الحسينُ بن علي، فوثب حتى دخل ، فجعلَ يصعَدُ على مَنْكب النبي ◌ِّ فقال المَلك :
أتحبُّه؟ قال النبيُّ(١) وَّ: نعم، فقال: إنَّ أمَّتَك تقتلُه، وإنْ شئتَ أَريتُك المكان الذي يُقتل فيه . قال :
فضرب بيده فأَراهُ تراباً أحمر ، فأخذتْ أمُّ سلمة ذلك التراب فصرَّتْه في طرف ثوبها . قال : فكنّا نسمع أنه
يُقتل بكربلاء)).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا وكيع ، حدّثني عبد الله بن سعيد ، عن أبيه ، عن عائشة - أو أمّ سلمة - :
أن رسول الله وَلّ قال: ((لقد دخلَ عليَّ البيتَ ملَكٌ لم يدخلْ قبلَها [ فقال لي: إنَّ ابنَكَ هذا حسين
مقتول ، وإنْ شئتَ أَريتُكَ مِنْ تُربة الأرضِ التي يُقتل بها (٢) قال: فأَخرجَ تربةً حمراء)(٣) .
وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أمّ سلمة. ورواه الطبراني(٤) عن أبي أمامة وفيه قصة أمّ
سلمة . ورواه محمد بن سعد(٥) عن عائشة بنحو رواية أمِّ سلمة ، فالله أعلم . وروي ذلك من حديث
زينب بنت جَحْش ، ولُبَابة أمّ الفضل امرأة العباس . وأرسله غير واحد من التابعين .
وقال أبو القاسم البَغَوي : حدّثنا محمد بن هارون أبو بكر ، حدّثنا إبراهيم بن محمد الرَّقي وعليُّ بن
الحسن الرازي قالا : حدّثنا سعيد بن عبد الملك أبو واقد الحرّاني، حدّثنا عطاء بن مسلم ، حدّثنا
أشعث بن سُحيمُ(٦)، عن أبيه قال: سمعت أنس بن الحارث يقول: سمعت رسول الله وَل يقول: ((إنَّ
ابني - يعني الحسين - يُقتل بأرضٍ يُقال لها كَرْبلاء، فمَنْ شهِدَ منكُم ذلكَ فَلْيَنْصُره)». قال : فخرج
أنس بن الحارث إلى كربلاء ، فقُتل مع الحسين . قال : ولا أعلم رواه غيره .
وقال الإمام أحمد: حدّثنا محمد بن عبيد، حدّثنا شُرَحبيل(٧) بن مُدرك، عن عبد الله بن نُجي(٨) ،
عن أبيه أنه سار مع علي - وكان صاحب مِظْهَرته - فلما حاذىُ(٩) نِينَوَى وهو منطلق إلى صفِّين ، فنادى
(١) لفظة: ((النبي ◌َّر)) سقطت من ط .
(٢) ما بين حاصرتين سقط من أ.
(٣)
مسند أحمد (٦ / ٢٩٤).
(٤)
المعجم الكبير (٨٠٩٦) .
الطبقات الكبرى (٤٢٥/١ -٤٢٦) الطبقة الخامسة من الصحابة .
(٥)
في الاستيعاب (١١٢/١): ((سليم))، ولم أقف له على ترجمة، لكن ما أثبتناه اتفقت عليه النسخ، وكذلك ذكره
(٦)
البخاري في ترجمة أنس بن الحارث من تاريخه الكبير (٢/ ٣٠) وابن الأثير في أسد الغابة (١٤٦/١) وابن حجر في
الإصابة (٦٨/١) .
تحرف في أ ، ط إلى : شراحيل ، وهو من رجال التهذيب .
(٧)
(٨)
تحرف في ط إلى : يحيى ، وهو من رجال التهذيب .
(٩) في الأصل : جاؤوا وما أثبته من المسند وزوائد البزار والسير .

٢٨٠
صفة مقتل الحسين
علي : اصِر أبا عبد الله ! اصبِر أبا عبد الله بشطِّ الفُرات ! قلت : وماذا تريد ؟ قال : دخلتُ على
رسول الله وَ لَه ذاتَ يوم وعيناه تَفيضان فقلت: ما أبكاك يا رسول الله؟ قال: بلَى، قام من عندي جبريلُ
قبلُ ، فحدّثني أنَّ الحسّينَ يُقتل بشطِّ الفُرات ، قال : فقال : هل لكَ أن أُشِمَّك من تُربته ؟ قال: فمدَّ يده
فقبضَ قبضةً من تراب فأعطانِيها ، فلم أملِكْ عينيَّ أنْ فاضَتا)). تفرد به أحمد (١)
وروى محمد بن سعد٢) ، عن علي بن محمد ، عن يحيى بن زكريا ، عن رجل ، عن عامر الشَّعبي ،
عن علي مثله .
وقد روى محمد بن سعد وغيره - من غير وجه - عن علي بن أبي طالب : أنه مرَّ بكربلاء عند أشجار
الحَنْظل وهو ذاهب إلى صفِّين ، فسأل عن اسمها ، فقيل : كربلاء ، فقال : كربٌ وبلاء . فنزل وصلَّى
عند شجرة هناك ثم قال : يُقتل هاهنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة ، يدخلون الجنَّة بغير حساب .
وأشار إلى مكان هناك ، فعلَّموه بشيء ، فقُتل فيه الحسين .
وقد روي عن كعب الأحبار آثارٌ في كربلاء .
وقد حكى أبو الجَنَاب الكلبي وغيره : أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نَوْح نساء الجنِّ على الحسين
وهنَّ يقلنَ :
مَسَحَ الرسُولُ جَبينَهُ فَلَهُ بَرِيقٌ في الخُدُود
ـشٍ جدُّهُ خيرُ الجُدُو(٣)
أَبَواهُ مِنْ عُلْيَا قُرَيْـ
وقد أجابهم بعض الناس فقال :
خَرَجُوا بِهِ وفداً إليهِ فهِمْ لهُ شَرُ الوفود
سَكِنُوا بِهِ ذاتَ الخُدود
قَتَلوا ابنَ بنتِ نبِيِّهِمْ
وروى ابن عساكر : أن طائفة من الناس ذهبوا في غزوة إلى بلاد الروم ، فوجدوا في كنيسة مكتوباً :
أَتَرْجو أمَّةٌ قَتَلَتْ حُسَيناً شَفَاعَةَ جدِّهِ يومَ الحِسَاب
فسألوهم : من كتب هذا؟ فقالوا : إن هذا مكتوب هاهنا من قبل مبعث نبيّكم بثلاث مئة سنة !
(١) وهو في مسنده (١/ ٨٥) وإسناده ضعيف.
طبقاته الكبرى ( الطبقة الخامسة من صغار الصحابة ) (٤٢٩/١).
(٢)
(٣) مجالس ثعلب (ص٣٣٩) ومختصر تاريخ دمشق (١٥٤/٧) وسير أعلام النبلاء (٣١٧/٣) وتاريخ الخلفاء
(ص ٣٣٠) .