النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١
قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة
أيها الأمير - مسلك المستضعَفين . فقال له النعمان : لأن أكون من المستضعَفين في طاعة الله أحبُّ إليَّ من
أن أكون من الأقوياء الأَعزِّين في معصية الله . ثم نزل .
فكتب ذلك الرجل إلى يزيد يُعلمه بذلك ، وكتب إلى يزيد عمارة بن عقبة ، وعمر بن سعد بن
أبي وقاص . فبعث يزيد فعزل النعمان عن الكوفة وضمَّها إلى عبيد الله بن زياد مع البصرة ، وذلك بإشارة
سَرْجون مولى معاوية [ وكان يزيد يستشيرُه، فقال سَرْجون : أكنت قابلاً من معاوية ما أشار به لو كان
حيّاً ؟ قال : نعم ، قال : فاقبل مني فإنه ليس للكوفة إلّا عبيد الله بن زياد فولِّه إياها. وكان يزيد يبغض
عبيد الله بن زياد ، وكان يريد أن يعزله عن البصرة ، فولّاه البصرة والكوفة معاً لما يريده الله به
وبغيره (١)
ثم كتب يزيد إلى ابن زياد : إذا قدمتَ الكوفة فاطلُب مسلم بن عَقيل ، فإنْ قدرتَ عليه فاقتلْه أو انفِه .
وبعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي ، فسار ابن زياد من البصرة إلى الكوفة ، فلمّا دخلها
دخلها متلثِّماً بعِمامة سوداء ، فجعل لا يمرُّ بملأ من الناس إلّا قال : سلام عليكم . فيقولون : وعليك
السلام ، مرحباً بابن رسول الله - يظنون أنه الحسين وقد كانوا ينتظرون قدومه . وتكاثر الناس عليه ،
ودخلها في سبعة عشر راكباً ، فقال لهم مسلم بن عمرو الذي من جهة يزيد : تأخَّروا ، هذا الأمير
عبيد الله بن زياد . فلمّا علموا ذلك عَلَتْهم كآبة وحزن شديد ، فتحقَّق عبيد الله الخبر ، ونزل قصر الإمارة
من الكوفة ، فلما استقرّ أمره أرسل مولى أبي رهم - وقيل : كان مولى له يقال له مَعْقل - ومعه ثلاثة آلاف
درهم في صورة قاصد من بلاد حمص ، وأنه إنما جاء لهذه البيعة ، فذهب ذلك المولى ، فلم يزل يتلطّف
ويستدلُّ على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عَقيل حتى دخلها ، وهي دار هانىء بن عروة التي تحوَّل إليها
من الدار الأولى ، فبايع ، وأدخلوه على مسلم بن عَقيل ، فلزمهم أياماً حتى اطّلع على جلية أمرهم ،
فدفع المال إلى أبي ثُمامة العائذيّ(٢) بأمر مسلم بن عَقيل - وكان هو الذي يقبض ما يُؤتى به من الأموال
ويشتري السلاح ، وكان من فرسان العرب - فرجع ذلك المولى ، وأعلم عبيد الله بالدار وصاحبها . وقد
تحوَّل مسلم بن عقيل إلى دار هانىء بن عروة المُرادي ، ثم إلى دار شَريك بن الأعور - وكان من الأمراء
الأكابر ، وبلغه أن عبيد الله يريد عيادته ، فبعث إلى هانىء يقول له : ابعث مسلم بن عَقيل حتى يكون في
داري ليقتل عبيد الله [ إذا جاء يعودني ، فبعثه إليه ، فقال له شَريك : كن أنت في الخباء ، فإذ جلس
عبيد الله (٣) فإني أطلب الماء - وهي إشارتي إليك - فاخرج فاقتُله . فلمّا جاء عبيد الله جلس على فراش
شَريك وعنده هانىء بن عروة ، وقام بين يديه غلام له يقال له مِهْران ، فتحدَّث عنده ساعة ثم قال شَريك :
(١) ما بين حاصرتين ليس في ب ، وفيها بدلاً عنه: ولم يكن يزيد يحب عبيد الله قبل ذلك.
(٢)
في ط : العامري .
(٣) ما بين حاصرتين سقط من أ .
٢٢٢
قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة
اسقُوني . فتجبَّن مسلم عن قتله ، وخرجت جارية بكوز من ماءٍ ، فوجدت مسلماً في الخباء ، فاستحيت
ورجعت بالماء ثلاثاً . ثم قال : اسقُوني ولو كان فيه ذهاب نفسي . ففهم مِهْران الغدر ، فغمز مولاه ،
فنهض سريعاً وخرج . فقال شَريك : أيها الأمير ! إني أريد أن أُوصي إليك ، فقال : سأعود . فخرج به
مولاه ، فأركبه وطرد به - أي ساق به - وجعل يقول له مولاه : إن القوم أرادوا قتلك ، فقال : ويحك إني
بهم لرفيق فما بالهم؟ ! وقال شَريك لمسلم : ما منعك أن تخرج فتقتله ؟ قال : حديث بلغني عن
رسول الله وَّل أنه قال: ((الإِيمانُ قَّدُ(١) الفَتْك، لا يَفْتِكُ مُؤْمِن)(٢) وكرهتُ أن أقتلَه في بيتك ، فقال :
أما لو قتلتَه فجلست في القصر لم يستعد منه أحد ، ولتكفينَّ أمر القصر(٣) - أو قال: لأكفينَّك أمر القصر -
ولو قتلتَه لقتلتَ ظالماً فاجراً . ومات شَريك بعد ثلاث .
ولمّا انتهى ابن زياد إلى باب القصر وهو متلثّم ظنَّه النعمان بن بشير الحسينَ قد قدم ، فأغلق باب
القصر وقال : ما أنا بمسلم إليك أمانتي ، فقال له عبيد الله : افتح لا فتحتَه ، ففتح وهو يظنُّه الحسين ،
فلمّا تحقَّق أنه عبيد الله أُسقط في يده . فدخل عبيد الله إلى قصر الإمارة ، وأمر منادياً فنادى في الناس :
إن الصلاة جامعة . فاجتمع الناس ، فخرج إليهم ، فحمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإن أمير
المؤمنين قد ولّاني أمركم وثغركم وفيئكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ، وإعطاء محرومكم ، والإحسان
إلى سامعكم ومطيعكم، والشدَّة على مريبكم وعاصيكم، وإنما أنا ممتثل فيكم أمرَه ومنفّذ عهدَه . ثم
نزل .
وأمر العرفاء أن يكتبوا مَن عندهم من الزّورية (٤) وأهل الرّيب والخِلاف والشِّقاق ، وأيما عريف لم
يُطلعنا على ذلك صُلب أو نُفي وأُسقطت عرافته من الديوان .
وكان هانىء أحد الأمراء الكبار ، ولم يسلِّم على عبيد الله منذ قدم وتمارض ، فذكره عبيد الله وقال :
ما بال هانىء لم يأتني مع الأمراء ؟ فقالوا : أيها الأمير ! إنه يشتكي ، فقال : إنه بلغني أنه يجلس على باب
داره . وزعم بعضهم أنه عاده قبل شَريك بن الأعور ومسلم بن عقيل عنده ، وقد همُّوا بقتله فلم يمكنهم
هانىء لكونه في داره ، فجاء الأمراء إلى هانىء بن عروة ، فلم يزالوا به حتى أدخلوه على عبيد الله بن
زياد ، فالتفت إلى القاضي شُريح فقال متمثِّلاً بقول الشاعر :
(١) في الأصول : ضد .
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٦٦/١) من حديث الزبير، وأبو داود (٢٧٦٩) في الجهاد: باب العدو يؤتى على غرّة،
من حديث أبي هريرة ، وهو حديث صحيح .
قال المنذري : الفتك أن يأتي الرجلُ الرجلَ وهو غارّ غافل فيشد عليه فيقتله. وقوله: (( الإيمان قيد الفتك)) أي أن
الإيمان يمنع القتل كما يمنع القيدُ عن التصرف ، فكأنه جعل الفتك مقيداً .
(٣)
في ط : البصرة . والمثبت من أ ، ب .
(٤) في تاريخ الطبري : الحرورية .
٢٢٣
قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة
أُريدُ حياتَهُ ويُرِيدُ قَتْلي عَذِيرَك مِنْ خَليلكَ مِنْ مُرَادُ(١)
فلما سلَّم هانىء على عبيد الله قال : يا هانىء ! أين مسلم بن عَقيل ؟ قال : لا أدري ، فقام ذلك
المولى التميمي الذي دخل دار هانىء في صورة قاصد من حمص فبايع ودفع الدراهم بحضرة هانىء إلى
مسلم ، فقال : أتعرف هذا؟ قال : نعم . فلما رآه هانىء قُطع وأسقط في يده ، فقال : أصلح الله
الأمير ، والله ما دعوتُه إلى منزلي ، ولكنه جاء فطرح نفسه عليّ . فقال عبيد الله : فائتني به ، فقال : والله
لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه. فقال: أَدْنُوه منِّي، فَأَدْنَوْه، فضربه بحربة على وجهه فشجَّه على
حاجبه وكسر أنفه . وتناول هانىء سيف شرطي ليسلَّه ، فدُفع عن ذلك، وقال عبيد الله : قد أحلَّ الله لي
دمك لأنك حَرُوري ، ثم أمر به فحبسه في جانب الدار ، وجاء قومه من بني مَذْحج مع عمرو بن الحجاج ،
فوقفوا على باب القصر يظنُّون أنه قد قُتل ، فسمع عبيد الله جلَبة، فقال لشُريح القاضي وهو عنده : اخرُج
إليهم فقل لهم : إن الأمير لم يحبسه إلّ ليسأله عن مسلم بن عَقيل . فقال لهم : إنَّ صاحبكم حيّ ، وقد
ضربه سلطاننا ضرباً لم يبلغ نفسه ، فانصرفوا ولا تُحلُّوا بأنفسكم ولا بصاحبكم . فتفرَّقوا إلى منازلهم .
وسمع مسلم بن عَقيل الخبر، فركب ونادى بشعاره: (( يامنصور أمت)) فاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل
الكوفة ، وكان معه المختار بن أبي عُبيد ومعه راية خضراء ، وعبد الله بن نوفل بن الحارث براية حمراء ،
فرتَبهم مَيْمنة ومَيْسرة ، وسارهو في القلب إلى عبيد الله وهو يخطب الناس في أمر هانىء ويحذِّرهم من
الاختلاف ، وأشرافُ الناس وأمراؤهم تحت منبره ، فبينما هو كذلك إذ جاءت النَّظَّارة يقولون : جاء
مسلم بن عَقيل ، فبادر عبيد الله فدخل القصر ومَنْ معه ، وأغلقوا عليهم الباب ، فلمّا انتهى مسلم إلى باب
القصر وقف بجيشه هناك ، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد الله في القصر ، فأشاروا إلى قومهم الذين
مع مسلم بالانصراف ، وتهدَّدوهم وتوغَّدوهم . وأخرج عبيد الله بعض الأمراء ، وأمرهم أن يركبوا في
الكوفة يخذِّلون الناس عن مسلم بن عقيل ، ففعلوا ذلك ، فجعلت المرأة تجيء إلى ابنها وأخيها وتقول
له : ارجع إلى البيت ، الناس يكفونك . ويقول الرجل لا بنه وأخيه : كأنك غداً بجنود الشام قد أقبلت
فماذا تصنع معهم؟ . فتخاذل الناس وقصروا وتصرَّموا وانصرفوا عن مسلم بن عقيل حتى لم يبق إلّا في
خمسمئة نفس ، ثم تقالُّوا حتى بقي في ثلاثمئة ، ثم تقالُوا حتى بقي معه ثلاثون رجلاً ، فصلَّى بهم المغرب
وقصد أبواب كِنْدة ، فخرج منها في عشرة ، ثم انصرفوا عنه ، فبقي وحده ليس معه من يدلُّ على الطريق ،
ولا من يواسيه بنفسه ، ولا من يؤويه إلى منزله ، فذهب على وجهه ، واختلط الظلام وهو وحده يتردّد في
الطريق لا يدري أين يذهب ، فأتى باباً ، فنزل عنده وطرقه ، فخرجت منه امرأة يقال لها طَوْعة ، كانت أمّ
ولد للأشعث بن قيس ، وقد كان لها ابن من غيره يقال له : بلال بن أَسِيد ، خرج مع الناس وأُّه قائمة
(١) البيت لعمرو بن معديكرب الزبيدي ، وهو في ديوانه (ص٩٢) وروايته فيه: أريد حِباءه . والحباء - بكسر الحاء -
العطية . والخبر في تاريخ الطبري (٣٦٥/٥) وابن الأثير (٢٧/٤ - ٢٨).
٢٢٤
قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة
بالباب تنتظره ، فقال لها مسلم بن عَقيل : اسقيني ماءً ، فسقَتْه ، ثم دخلت وخرجت فوجدته ، فقالت :
ألم تشرب ؟ قال: بلى . قالت : فاذهب إلى أهلك عافاك الله ، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي
ولا أُجمله لك . فقام فقال: يا أمة الله ! ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة ، فهل لك إلى أجر
ومعروف وفعل نكافئك به بعد اليوم ؟ فقالت : يا عبد الله وما هو ؟ قال : أنا مسلم بن عَقيل ، كَذَبني
هؤلاء القوم وغرُّوني . فقالت : أنت مسلم ؟ قال : نعم . قالت : ادخل . فأدخلته بيتاً من دارها غير
البيت الذي تكون فيه ، وفرشت له ، وعرضت عليه العَشاء فلم يتعشَّ ، فلم يكن بأسرعَ من أن جاء ابنها ،
فرآها تكثر الدخول والخروج ، فسألها عن شأنها ، فقالت : يا بنيَّ الْهُ عن هذا، فألحَّ عليها ، فأخذت
عليه أن لا يحدِّث أحداً ، فأخبرَتْه خبر مسلم ، فاضطجع إلى الصباح ساكتاً لا يتكلّم .
وأما عبيد الله بن زياد ، فإنه نزل من القصر بمن معه من الأمراء والأشراف بعد عِشَاء الآخرة ، فصلَّى
بهم العِشاء في المسجد الجامع ، ثم خطبهم وطلب منهم مسلم بن عَقيل وحثّ على طلبه ، ومَنْ وُجد
عنده ولم يعلم به فدمُه هَدَر ، ومَنْ جاء به فله دِيَتُهُ ، وطلب الشُّرَط وحثَّهم على ذلك وتهدَّدهم .
فلمّا أصبح ابن تلك العجوز ذهب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأعلمه بأنَّ مسلم بن عَقيل
في دارهم ، فجاء عبد الرحمن فسارَّ أباه بذلك وهو عند ابن زياد ، فقال ابن زياد : ما الذي سارَّك به ؟
فأخبره الخبر ، فَنَخَس (١) بقضيب في جَنْبه وقال : قم فائتني به الساعة .
وبعث ابن زياد عمرو (٢) بن حُريث المخزومي - وكان صاحب شُرطته - ومعه عبد الرحمن بن
محمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارساً ، فلم يشعر مسلم إلّ وقد أُحيط بالدار التي هو فيها ،
فدخلوا عليه ، فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرات ، وأُصيبت شفته العليا والسُّفلى ، ثم
جعلوا يرمونه بالحجارة ، ويُلهبون النار في أطناب القصب ويلقونها عليها ، فضاق بهم ذرعاً ، فخرج
إليهم بسيفه فقاتلهم ، فأعطاه عبد الرحمن الأمان ، فأمكنه من يده ، وجاؤوا ببغلة فأركبوه عليها ، وسلبوا
عنه سيفه ، فلم يبق يملك من نفسه شيئاً ، فبكى عند ذلك وعرف أنه مقتول ، فيئس من نفسه وقال : إنا لله
وإنا إليه راجعون . فقال بعض مَنْ حوله : إنَّ من يطلب مثل الذي تطلُب لا يبكي إذا نزل به هذا . فقال :
أما والله لست أبكي على نفسي ، ولكن أبكي على الحسين وآل الحسين ، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمسٍ
من مكّة . ثم التفت إلى محمد بن الأشعث فقال : إن استطعتَ أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره
بالرجوع فافعل ، فبعث محمد بن الأشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدِّق الرسولَ في ذلك ،
وقال : كل ما حمٌ(٣) الإلّه واقع .
(١) ((نخس)): غرز.
تحرف في المطبوع إلى: عمر .
(٢)
(٣) ((حمَّ)): قدَّر وقضى .
٢٢٥
قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة
قالوا : ولمّا انتهى مسلم بن عَقيل إلى باب القصر إذا على بابه جماعةٌ من الأمراء من أبناء الصحابة
ممن يعرفهم ويعرفونه ، ينتظرون أن يُؤذن لهم على ابن زياد ، ومسلم مخضَّب بالدماء في وجهه وثيابه ،
وهو مُثْخَّن بالجراح ، وهو في غاية العطش، وإذا قُلَّه١) من ماءٍ بارد هنالك ، فأراد أن يتناولها ليشرب
منها ، فقال له رجل من أولئك : والله لا تشرب منها حتى تشرب من الحميم ، فقال له : ويلك يا بن
باهلة٢) ، أنت أولى بالحميم والخلود في نار الجحيم مني . ثم جلس فتساند إلى الحائط من التعب
والكَلال والعطش ، فبعث عُمارة بن عُقبة بن أبي مُعَيط مولى له إلى داره ، فجاء بقُلَّة عليها منديل ومعه
قَدَح، فجعل يُفرغ له في القَدَح ويعطيه ، فيشرب فلا يستطيع أن يستسيغَه من كثرة الدماء التي تعلو على
الماء مرتين أو ثلاثاً ، فلمّا شرب سَقطت ثناياه مع الماء فقال : الحمدُ لله لقد كان بقي لي من الرزق
المقسوم شربة ماء . ثم أدخل على ابن زياد ، فلمّا وقف بين يديه لم يسلِّم عليه ، فقال له الحرس : ألا
تسلّم على الأمير ؟ فقال : لا ، إن كان يريد قتلي فلا حاجة لي بالسلام عليه ، وإن لم يرد قتلي فسأسلِّم
عليه كثيراً . فأقبل ابن زياد عليه فقال : إيه يا بن عَقيل ، أتيتَ الناس وأمرُهم جميعٌ وكلمتُهم واحدة
لتشتِّتَهم وتفرِّقَ كلمتهم وتحملَ بعضهم على قتل بعض ؟! قال : كلاّ لست لذلك أتيت ، ولكنَّ أهل
المصر زعموا أنَّ أباك قتل خيارهم ، وسفك دماءهم ، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر ، فأتيناهم لنأمر
بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب . قال : وما أنت وذاك يا فاسق ؟ ! لِمَ لا كنت تعمل بذلك فيهم إذ أنت
بالمدينة تشرب الخمر ؟ فقال : أنا أشرب الخمر ؟ ! والله إنَّ الله ليعلم أنك غير صادق ، وأنك قلت بغير
علم ، وأنت أحقُّ بذلك مني [ فإني لست كما ذكرتَ ، وإنَّ أَولى بها مني من يَلَغُ في دماء المسلمين
وَلغاً ، ويقتل النفس التي حرَّم الله بغير نفس ، ويقتل على الغضب والظنّ ، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع
شيئاً . فقال له ابن زياد: يا فاسق إنَّ نفسك تمنِّك ما حال الله دونك ودونه ، ولم يُرك أهلَه . قال : فمن
أهلُه يا بن زياد؟ قال : أميرُ المؤمنين يزيد . قال : الحمد لله على كل حال ، رَضِينا بالله حكماً بيننا
وبينكم . قال : كأنك تظن أنَّ لكم في الأمر شيئاً ؟ قال : لا والله ما هو بالظنِّ ولكنَّه اليقين . قال له :
قتلني اللّهُ إنْ لم أقتلْكَ قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام من الناس . قال : أما إنك أحُّ مَنْ أحدث في
الإسلام ما لم يكن فيه ، أما إنك لا تدع سوء القِتْلة وقُبح المُثْلة وخُبْث السيرة المكتسبة عن كباركم(٣)
وجُهّالكم (٤). وأقبل ابن زياد يشتِمُه ويشتِمُ حسيناً وعليّاً ومسلمٌ ساكت لا يكلّمه - رواه ابن جرير عن
(١) ((القُلة)): الجرَّة. وجمعها قُلَل وقِلال.
تحرفت في أ، ط إلى: ناهلة. والمقصود هو مسلم بن عمرو الباهلي كما في تاريخ الطبري (٣٧٦/٥) وابن الأثير
(٢)
(٤/ ٣٤) .
(٣)
في ط : كتابكم .
(٤) ما بين حاصرتين ليس في ب ، وفيها بدلاً عنه: قال أبو مخنف وغيره من رواة الشيعة .
٢٢٦
قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة
أبي مِخْنف وغيره من رواة الشيعة - ثم قال له ابن زياد: إني قاتلُك . قال : كذلك ؟ قال : نعم . قال :
فدعني أُوصي إلى بعض قومي ، قال : أَوصٍ ، فنظر في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبي وقاص ،
فقال : يا عمر ! إنَّ بيني وبينك قرابة ، ولي إليك حاجة ، وهي سرِّ فقم معي إلى ناحية القصر حتى أقولها
لك ، فأبى أن يقوم معه حتى أذن له ابن زياد . فقام فتنخَّى قريباً من ابن زياد ، فقال له مسلم: إنَّ علي ديناً
في الكوفة سبعمئة درهم فاقضِها عني ، واستوهبْ جثَّتي من ابن زياد فوارها ، وابعث إلى الحسين فإني
كنت قد كتبت له أن الناس معه ، ولا أراه إلّا مقبلاً . فقام عمر ، فعرض على ابن زياد ما قال له ، فأجاز
ذلك له كلّه وقال : أما الحسين فإنه إن لم يردنا لا نرده ، وإن أرادنا لم نكفّ عنه . ثم أمر ابنُ زياد
بمسلم بن عَقيل ، فأُصعد إلى أعلى القصر وهو يكبّر ويهلِّل ويسبِّح ويستغفر ويصلِّي على ملائكة الله
ويقول : اللهم احكم بيننا وبين قوم غرُّونا وخذلونا . ثم ضرب عنقه رجل يقال له بُكير بن حُمْران ، ثم
ألقى رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع رأسه بجسده . ثم أمر بهانىء بن عروة المَذْحجي ، فضربت عنقه
بسوق الغنم ، وصلب بمكان من الكوفة يقال له الكُنَاسة ، فقال رجل شاعر في ذلك قصيدة :
إلى هانىء في السُّوق وابنِ عَقيل
فإن كنتِ لا تَدْرینَ ما الموتُ فانظري
أحاديثَ مَنْ يغشى بكلِّ سَبيل
أصابَهُما أمرُ الإمام فأصبحا
وآخر يَهْوي من (١) طَمَارَ قَتيل
[ إلى بطلٍ قد هَشَّم السيفُ وجهَهُ
ونَضْحَ دمٍ قَدْ سال كلَّ مسيل
تَرَيْ جسَداً قد غيَّر الموتُ لونَه
فكُونوا بَغِيًّا أُرْضِيتْ بقليل(٢)
فإنْ أنتمُ لم تَثْأروا بأخيكمُ
ثم إن ابن زياد قَتل معهما أناساً آخرين (٣) ثم بعث برؤوسهما إلى يزيد بن معاوية إلى الشام ، وكتب
إليه كتاباً صورة ما وقع من أمرهما .
وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلَها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذَّرهم
وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرّق . كما رواه هشام بن الكلبي وأبو مِخْنف ، عن الصَّقْعب بن زهير ،
(١) في الأصول ومروج الذهب (٦٩/٣) في، والتصويب من تاريخ الطبري (٣٨٠/٥) ولسان العرب (طمر).
((والطمار)»: اسم المكان العالي . ويُنشَد البيت بفتح الراء وكسرها .
(٢) اختلف الرواة في قائل هذه الأبيات ، فقد نسبها الدينوري في الأخبار الطوال (ص٢٤٢) لعبد الرحمن بن الزبير
الأسدي ، وهي في تاريخ الطبري (٣٧٩/٥ - ٣٨٠) والكامل لابن الأثير (٣٦/٤) لعبد الله بن الزَّبير أو للفرزدق.
والبيتان الأول والثالث منها من شواهد اللسان: مادة (طمر) ونسبتهما فيه لسليم بن سلام الحنفي . والأبيات أيضاً في
مروج الذهب (٦٩/٣) ومختصر تاريخ دمشق (٢١١/١٢) وسير أعلام النبلاء (٣٠٨/٣).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من ب .
٢٢٧
قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة
عن أبي عثمان النَّهدي قال : بعث الحسين مع مولى له يقال له سلمان كتاباً إلى أشراف أهل البصرة ، فيه :
أما بعد ، فإنَّ الله اصطفى محمداً على خلقه ، وأكرمه بنبوَّته ، واختاره لرسالته ، ثم قبضه إليه وقد نصح
لعباده وبلَّغ ما أُرسل به ، وكنّا أهله وأولياءه وأوصياءه وأحقَّ الناس به وبمقامه في الناس ، فاستأثر علينا
قومنا بذلك ، فرضينا وكرهنا الفرقة وأحببنا العافية ، ونحن نعلم أنّا أحقُّ بذلك الحق المستحق علينا ممن
تولاه ، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحرّوا الحق ، فرحمهم الله وغفر لنا ولهم . وقد بعثت إليكم بهذا
الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيِّه، فإن السنَّة قد أُميتت، وإنَّ البدعة قد أُحييت ، فتسمعوا
قولي وتطيعوا أمري ، فإن فعلتم أهدكم سبيل الرشاد ، والسلام عليكم ورحمة الله .
وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر ، والظاهر أنه مطرّز بكلام مَزيد من بعض رواة الشيعة .
قال : فكل من قرأ ذلك من الأشراف كتمه إلّ المنذر بن الجارود ، فإنه ظنَّ أنه دسيسة من ابن
زياد ، فجاء به إليه ، فبعث خلف الرسول الذي جاء به من حسين ، فضرب عنقه ، وصعد عبيد الله بن
زياد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فوالله ما بي تُقرن الصَّعبة ، وما يُقعقع لي
بالشّنالُ(١)، وإني لنَكَال لمن عاداني ، وسِهَام لمن حاربني، أنصف القارة مَنْ رماها . يا أهل البصرة
إنَّ أمير المؤمنين ولَّني الكوفة وأنا غادٍ إليها الغداة ، وقد استخلفتُ عليكم عثمان بن زياد بن
أبي سفيان ، فإياكم والخلافَ والإرجاف ، فوالذي لا إلّه غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلافٌ لأقتلنَّه
وعريفَه ووليّه ، ولآخذنَّ الأدنى بالأقصى حتى يستقيم لي الأمر ولا يكون فيكم مخالفٌ ولا مشاقق . أنا
ابن زياد ، أشبهته من بين مَنْ وطىء الحصى ، ولم ينتزعني شبه خال ولا عم(٢) . ثم خرج من البصرة
ومعه مسلم بن عمرو الباهلي ، فكان من أمره ما تقدم .
قال أبو مخنف : عن الصَّقْعب بن زهير ، عن عون بن [ أبي (٣) جُحَيفة قال : كان مخرج مسلم بن
عَقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجّة ، وقيل(٤) يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجة ،
وذلك يوم عرفة سنة ستين ، وكان ذلك مخرج الحسين من مكَّة قاصداً أرض العراق بيوم واحد . وكان
خروج الحسين من المدينة إلى مكَّة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين ، ودخل مكَّة ليلة الجمعة
لثلاث مضين من شعبان . فأقام بمكّة بقيّة شعبان ورمضان وشوال وذا القعدة ، وخرج من مكَّة لثمان
مضين من ذي الحجّة يوم الثلاثاء يوم التَّرويَة .
(١) قال صاحب اللسان في مادة ( قعع): وفي المثل: فلان لا يقعقع له بالشنان ، أي : لا يُخدع ولا يُروَّع.
(٢) هذه الخطبة في تاريخ الطبري (٣٥٨/٥).
(٣) سقطت من المطبوع .
(٤) .. وقعت في المطبوع: قتل . والخبر تاريخ الطبري (٣٨١/٥) وابن الأثير (٣٦/٤).
٢٢٨
صفة مخرج الحسين إلى العراق
وفي رواية ذكرها ابن جرير(١): أن مسلم بن عَقيل لمّا بكى قال له [ عمرو بن ]٢) عبيد الله بن عباس
السُّلمي : إنَّ من يطلب مثلَ ما تطلب لا يبكي إذا نزل به مثلُ الذي نزل بك . قال : إني واللهِ ما لنفسي
أبكي ، ومالها من القتل أَرثي ، وإن كنتُ لم أحبَّ لها طرفة عين تلَفاً ، ولكنني أبكي لأهلي المقبلين إلى
الكوفة ، أبكي للحسين وآل الحسين . ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال : يا عبد الله ! إني والله أراك
ستعجز عن أماني ، فهل عندك خير ؟ تستطيع أن تبعث رجلاً على لساني يبلِّغ حسيناً عني رسالة ، فإني
لا أراه إلّا قد خرج إليكم اليوم أو غداً هو وأهل بيته، وإنَّ ما تراه من جَزَعي لذلك، فتقول له : إنَّ ابن
عَقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم أسيرٌ لا يدري أيصبح أم يمسي حتى يُقتل ، وهو يقول لك : ارجع
بأهلك ولا يغرنّك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الذي كان يتمنَّى فراقهم بالموت أو القتل . إنَّ أهل
الكوفة قد كذَبُوك وكذَبُوني ، وليس لكاذب رأي . فقال ابن الأشعث : والله لأفعلنَّ ولأَعلمنَّ ابن زياد أني
قد أمَّنتُك .
قال أبو مخنف : فدعا محمد بن الأشعث إياس بن العباس الطائي من بني مالك [ بن عمرو ]٣) بن
ثمامة ۔ و کان شاعراً۔ فقال له : اذهب فالْقَ حسیناً فأبلغه هذا الكتاب - و کتب فيه الذي أمره به ابن عقيل - ثم
أعطاه راحلة وتكفَّل له بالقيام بأهله وداره . فخرج حتى لقي الحسين بزُبالةَ لأربع ليال من الكوفة ، فأخبره
الخبر ، وأبلغه الرسالة . فقال الحسين : كلُّ ما حُمَّ نازل ، عند الله نحتسب أنفسنا وفساد أئمتنا .
ولما انتهى مسلم إلى باب القصر ، وأراد شرب الماء ، قال له مسلم بن عمرو الباهلي : أتراها
ما أبردَها ! والله لا تذوقها أبداً حتى تذوق الحميم في نار الجحيم . فقال له ابن عَقيل : ويحك من أنت ؟
قال : أنا من عرف الحقَّ إذ أنكرته ، ونصح لإمامه إذ غششتَه ، وسمع وأطاع إذ عصَيْت ، أنا مسلم بن
عمرو الباهلي. فقال له مسلم: لأُمّك الويل ! ما أجفاك وأفتّك، وأقساك وأغلظَك يا بن باهلة !! أنت
والله أَوْلى بالحميم ونار الجحيم .
صفة مخرج الحسين إلى العراق
لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق ، وتكرَّرت الرسل بينهم وبينه [ وجاءه كتاب
مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله (٤) ثم وقع في غضون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عَقيل ، والحسينُ
في تاريخه (٣٧٤/٥ - ٣٧٥) .
(١)
سقط من الأصول ، واستدركته من تاريخ الطبري (٣٧٤/٥) وابن الأثير (٣٣/٤).
(٢)
(٣) سقط من ط . والخبر في تاريخ الطبري (٣٧٥/٥).
(٤) سقط من ب .
٢٢٩
صفة مخرج الحسين إلى العراق
لا يعلم بشيء من ذلك ، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم ، فاتَّفق خروجه من مكة يوم التَّرويَة
قبل مقتل مسلم بيوم واحد - فإن مسلماً قُتل يوم عرفة . ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك ،
وحذَّروه منه [ وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم ]١).
قال سفيان بن عيينة ، عن إبراهيم بن مَيْسرة ، عن طاؤوس ، عن ابن عباس قال : استشارني
الحسين بن علي في الخروج ، فقلت : لولا أن يُزري بي وبك الناس لنشَبْت يدي في رأسك فلم أتركك
تذهب . فكان الذي ردَّ عليّ أن قال: لأن أُقتل في مكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن أُقتل بمكة . قال :
فكان هذا الذي سلَّى نفسي عنه .
وروى أبو مِخْنف ، عن الحارث بن كعب الوالبي ، عن عُقبة بن سِمْعان : أن حسيناً لما أجمع المسير
إلى الكوفة أتاه ابن عباس فقال : يا بن عمّ ! إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق ، فبيِّن لنا ما أنت
صانع ؟ فقال : إني قد أجمعت المسير في أحد يوميَّ هذين إن شاء الله تعالى ، فقال له ابن عباس :
أخبرني ، إن كانوا قد دعوك بعدما قتلوا أميرهم ، ونفَوْا عدوهم ، وضبطوا بلادهم فسِرْ إليهم ، وإن كان
أميرهم حيّاً، وهو مقيم عليهم، قاهر لهم ، وعمّالُه تَجْبي بلادهم ، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال ،
ولا آمَنُ عليك أن يستنفروا إليك الناس ويقلِّبوا قلوبهم عليك، فيكون الذين دعوك أشدَّ الناس عليك.
فقال الحسين : إني أستخير الله وأنظر ما يكون .
فخرج ابن عباس من عنده ، ودخل ابن الزبير فقال له : ما أدري ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء
المهاجرين وولاة هذا الأمر دونهم ! أخبرني ما تريد أن تصنع ؟ فقال الحسين : والله لقد حدَّثت نفسي
بإتيان الكوفة ، ولقد كتب إليَّ شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم ، وأستخير الله . فقال ابن الزبير : أما
لو كان [ لي}٢) بها مثلُ شيعتك ما عدلتُ عنها . فلمّا خرج من عنده قال الحسين : قد علم ابن الزبير أنه
ليس له من الأمر معي شيء ، وأن الناس لم يَعْدِلوه بي، فودَّ أني خرجتُ منها لتخلوَ له .
فلمّا كان من العشيِّ أو من الغد جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له : يا بن عمّ ! إني أتصبَّر
ولا أصبر ، إني أتخوَّف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غُدر فلا تغترنَّ بهم ، أقم في هذا
البلد حتى ينفي أهل العراق عدوهم ثم اقدم عليهم ، وإلّ فسِرْ إلى اليمن فإنَّ به حصوناً وشعاباً ، ولأبيك به
شيعة ، وكن عن الناس في معزل ، واكتب إليهم ، وبُثَّ دعاتك فيهم ، فإني أرجو - إذا فعلت ذلك - أن
يكون ما تحب . فقال الحسين : يا بن عمّ ! والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق ، ولكني قد أزمعت
المسير . فقال له : فإن كنت ولا بد سائراً فلا تَسِرْ بأولادك ونسائك ، فوالله إني لخائف أن تُقتل كما قُتل
(١) سقط من ب .
(٢) زيادة من تاريخ الطبري (٣٨٣/٥).
٢٣٠
صفة مخرج الحسين إلى العراق
عثمان ونساؤه وولدُه ينظرون إليه . ثم قال ابن عباس : أقررتَ عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز ،
فوالله الذي لا إله إلّا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليَّ وعليك الناسُ أطعتني
وأقمتَ لفعلتُ ذلك . قال : ثم خرج من عنده ، فلقي ابن الزبير فقال : قرَّت عينك يا بن الزبير ؟ ! ثم
قال :
خَلا لكِ الجوُّ فِيضي واصْفِري
يالكِ مِنْ قُبَّرةٍ بمَعْمَرٍ
ونَقِّرِي ما شِئْتِ أنْ تُنَقِّرِي صِيَّادُكِ اليومَ قتيلٌ فابشِري
ثم قال ابن عباس : هذا الحُسينُ(١) يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز(٢)
وقال غير واحد(٣) : عن شَبَابة بن سَوَّار قال : حدّثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال:
سمعت الشعبي يحدِّث عن ابن عمر : أنه كان بمكة ، فبلغه أنَّ الحسين بن علي قد توجَّه إلى العراق ،
فلحقه على مسيرة ثلاث ليال ، فقال : أين تريد ؟ قال : العراق ، وإذا معه طوامي(٤) وكتب ، فقال :
هذه كتبهم وبَيْعتهم ، فقال: لا تأتهم ، فأبى ، فقال ابن عمر : إني محدِّثك حديثاً : إن جبريل أتى النبي
وَلَ فخيَّره بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة ولم يُرِد الدنيا. وإنك بضعة من رسول الله، والله لا يليها
أحدٌ منكم أبداً ، وما صرفها الله عنكم إلّا للذي هو خير لكم . فأبى أن يرجع . قال : فاعتنقه ابن عمر
وبكى وقال : أستودعك الله من قَتيل .
وقال يحيى بن معين(٥) : حدثنا أبو عبيدة ، حدثنا سَلِيم بن حَيّان ، عن سعيد بن مِينا قال: سمعت
عبد الله بن عَمْرو يقول: عجل حسين قدره ، والله لو أدركتُه ما تركته يخرج إلّا أن يغلبَني ، ببني هاشم
فُتح هذا الأمر ، وببني هاشم يُختم ، فإذا رأيت الهاشميّ قد ملك فقد ذهب الزمان .
قلت : وهذا مع حديث ابن عمر يدلُّ على أنَّ الفاطميِّين أدعياء كَذَبة ، لم يكونوا من سلالة فاطمة ،
كما نص عليه غير واحد من الأئمة ، على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله .
(١) في ط: ((حسين))، وما هنا من م وهو الموافق لما في الكامل لابن الأثير (٣٩/٤).
(٢)
الخبر مع الرجز في الأخبار الطوال (ص٢٤٤) وتاريخ الطبري (٣٨٣/٥ - ٣٨٤) وابن الأثير (٣٨/٤ -٣٩) ومختصر
تاريخ دمشق (١٤٢/٧ - ١٤٣) وسير أعلام النبلاء (٣٩٧/٣) وتاريخ الخلفاء (ص٣٢٧) والقَبَّرة - ويروى: قنبرة -
واحد القبّر: وهو ضرب من الطير . وينسب هذا الرجز لطرفة بن العبد . ملحق ديوانه (ص ١٩٣) وهناك تخريجٌ
مفصلٌ له في مختصر تاريخ دمشق .
(٣)
ينظر الخبر في تاريخ دمشق (١٤/ ٢٠٢)، وسير أعلام النبلاء (٣/ ٢٩٢).
((الطوامير)»: الصحائف .
(٤)
الخبر في تاريخ دمشق (٢٠٣/١٤) وغير ناشره ((عبد الله بن عمرو)) إلى ((عبد الله بن عمر))، فأخطأ، فانظر إلى قول
(٥)
المصنف بعد: ((فهذا - يعني هذا الحديث - مع حديث ابن عمر )) وقد تقدم حديث ابن عمر قبله .
٢٣١
صفة مخرج الحسين إلى العراق
وقال يعقوب بن سفيان (١): حدّثنا أبو بكر الحميدي، حدّثنا سفيان، حدّثنا عبد الله بن شَريك، عن
بشر بن غالب قال : قال ابن الزبير للحسين : أين تذهب ، إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك ؟! فقال : لأَّن
أُقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن تُستحل بي - يعني مكة .
وقال الزبير بن بكّار : حدّثني عمي مصعب بن عبد الله ، أخبرني مَنْ سمع هشام بن يوسف يقول :
عن مَعْمر قال : سمعت رجلاً يحدِّث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير : أتتني بيعة أربعين ألفاً
يحلفون بالطَّلاق والعَتاق إنَّهم معي. فقال له ابن الزبير : أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك ؟! قال
هشام : فسألت مَعْمراً عن الرجل ، فقال : هو ثقة . قال الزبير : وقال عمي : وزعم بعض الناس أنَّ ابن
عباس هو الذي قال هذا( ٢) .
وقد ساق محمد بن سعد(٣) - كاتب الواقدي - هذا سياقاً حسناً مبسوطاً فقال : أخبرنا علي بن محمد ،
عن يحيى بن إسماعيل بن أبي المُهاجر ، عن أبيه . وعن لوط بن يحيى الغامدي(٤) ، عن محمد بن بشير
الهمداني وغيره . وعن محمد بن الحجاج ، عن عبد الملك بن عُمير . وعن هارون بن عيسى ، عن
يونس بن [ أبي (٥) إسحاق ، عن أبيه . وعن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة ، عن مُجالد ، عن الشعبي .
قال محمد بن سعد : وغير هؤلاء قد حدثني أيضاً في هذا الحديث بطائفة ، فكتبت جوامع حديثهم في
مقتل الحسين رضي الله عنه وأرضاه .
قالوا : لما بايع الناس معاويةَ ليزيدَ كان حسين ممن لم يبايع له ، وكان أهل الكوفة یکتبون إليه يدعونه
إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية ، كل ذلك يأبى عليهم ، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفيّة يطلبون
إليه أن يخرج معهم ، فأبى . وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم ، فقال له الحسين : إن القوم إنما
يريدون أن يأكلوا بنا ، ويستطيلوا بنا ، ويشيطو(٦) دماء الناس ودماءنا . فأقام حسين على ما هو عليه من
الهموم ، مرة يريد أن يسير إليهم ، ومرة يُجمع الإقامة عنهم . فجاءه أبو سعيد الخدري فقال :
يا أبا عبد الله ! إني لكم ناصح ، وإني عليكم مُشفِق ، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة
يدعونك إلى الخروج إليهم ، فلا تخرج إليهم ، فإني سمعت أباك يقول بالكوفة : والله لقد مللتُهم
(١) المعرفة والتاريخ (٧٥٣/٢) .
(٢) الخبر في أخبار مكة للأزرقي (٢٦٠/٢)، وتاريخ دمشق (١٤/ ٢٠٣) .
(٣) الطبقات الكبرى (قسم صغار الصحابة) بتحقيق السلمي (١/ ٤٣٧) فما بعدها .
(٤) في ط: ((العامري))، محرف، وهو منسوب إلى ((غامد)) جدٍّ له، فانظر معجم الأدباء (٢٢٥٢/٥) (ط. إحسان
عباس ) .
(٥) سقطت من المطبوع .
(٦) قال الزمخشري: ((شاط دمه)): إذا بطَل. وأشاط السلطان دمه: أهدره .
٢٣٢
صفة مخرج الحسين إلى العراق
وأبغضتُهم ، وملُّوني وأبغضوني ، ومايكون منهم وفاء قطّ، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأَخْيَب ، والله
مالهم نيّات ولا عَزْم على أمر ، ولا صَبْر على السيف .
قال: وقدم [ المسيَّب بن نَجَبَة١ُ) الفَزاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن ، فدَعَوه إلى
خلع (٢) معاوية وقالوا : قد علمنا رأيك ورأي أخيك ، فقال : إني لأرجو أن يعطي الله أخي على نيَّته في
حبِّ الكف ، وأن يعطيني على نيَّتي في حبي جهاد الظالمين .
وكتب مروان إلى معاوية : إني لست آمَنُ أن يكون حسين مرصداً للفتنة ، وأظن يومكم من حسين
طويلاً .
فكتب معاوية إلى الحسين : إنَّ من أعطى الله صفقةَ يمينه وعهده لجديرٌ بالوفاء ، وقد أنبئت أنَّ قوماً
من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق ، وأهلُ العراق مَنْ قد جرَّبت ، قد أفسدوا على أبيك وأخيك ،
فاتَّقِ الله واذكر الميثاق ، فإنك متى تَكِدْني أكِدْك . فكتب إليه الحسين : أتاني كتابك وأنا بغير الذي بلغك
عنّي جدير ، والحسنات لا يَهدي لها إلّ الله ، وما أردتُ لك محاربة ولا عليك خلافاً ، وما أظن لي
عند الله عذراً في ترك جهادك ، وما أعلم فتنة أعظم من ولا يتك أمر هذه الأمة . فقال معاوية : إن أَثَرنا
بأبي عبد الله إلَّ أسد(٣)
وكتب إليه معاوية أيضاً في بعض ما بلغه عنه : إني لأظنُّ أن في رأسك نزوةً فوددت أني أدركها
فأغفرها لك .
قالوا : فلمّا احتُضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به ، وقال له : انظُر حسين بن علي بن فاطمة
بنت رسول الله ، فإنه أحبُّ الناس إلى الناس ، فصِلْ رحمه ، وارفقْ به يصلح لك أمرُه ، فإن يكن منه شيء
فإني أرجو أن يكفيّكَهُ الله بمن قتل أباه وخذل أخاه . وتوفي معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين ،
وبايع الناس ليزيدُ) ، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أَوَيس العامري - عامر بن لؤي - إلى الوليد بن
عتبة بن أبي سفيان وهو على المدينة : أن ادعُ الناس فبايعهم ، وابدأ بوجوه قريش ، وليكن أولَ من تبدأ به
الحسين بن علي ، فإنَّ أمير المؤمنين عهد إليَّ في أمره الرفقَ به واستصلاحَه . فبعث الوليد من ساعته
نصف الليل إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، فأخبرهما بوفاة معاوية ، ودعاهما إلى البَيْعة
ليزيد بن معاوية ، فقالا : إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس . ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن
(١) تحرف في الأصول إلى: عقبة، والتصويب من طبقات ابن سعد. والإكمال لابن ماكولا (٥٠١/١) ومشتبه الذهبي
(١/ ١١٣) .
(٢)
ما بين حاصرتين سقط من ب .
وقعت لفظة أسداً في أ، ط: شراً. وهو خطأ، فهو كذلك في طبقات ابن سعد الذي ينقل منه (١/ ٤٤٠).
(٣)
في ط: ((يزيد))، وما أثبتناه من م وتاريخ دمشق (١٤ / ٢٠٦).
(٤)
٢٣٣
صفة مخرج الحسين إلى العراق
الزبير وقالا : هو يزيد الذي نعرف ، والله ما حدث له عزم ولا مروءة . وقد كان الوليد أغلظ للحسين ،
فشتمه الحسين وأخذ بعِمَامته فنزعها من رأسه ، فقال الوليد : إنْ هِجْنا بأبي عبد الله إلّا أسد(١) . فقال له
مروان - أو بعض جلسائه : اقتُلْه، فقال: إنَّ ذلك لدمٌ مضنونٌ به مَصُونٌ في بني عبد مناف(٢)
قالوا : وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة ، وأصبح الناس ، فغَدَوا على البيعة ليزيد ،
وطُلِب الحسينُ وابن الزبير فلم يوجدا ، فقال المِسْور بن مَخْرمة : عجل الحسين ، وابنُ الزبير يلفتُه
ويرجِّيه ليخلوَ بمكة . فقدِمَا مكة ، فنزل الحسين دار العباس ، ولزم ابن الزبير الحِجر ، ولبس
المعافريّ(٣) وجعل يحرِّض الناس على بني أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ، ويشير عليه أن يقدم
العراق ، ويقول : هم شيعتك وشيعة أبيك . وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك . وقال له عبد الله بن مطيع :
إني فداؤك وأبي وأمي ، فأَمتِعْنا بنفسك ولا تَسِرْ إلى العراق ، فوالله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذُّنّا عبيداً
وخَوَلاً .
قالوا : ولقيهما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عياش(٤) بن أبي ربيعة بالأَبْواء (٥) منصرفَيْن من العمرة ،
فقال لهما ابن عمر : أذكِّر كما اللهَ إلّ رجعتُما فدخلتُما في صالح ما يدخل فيه الناس ، وتنظرا ، فإن اجتمع
الناس عليه فلم تشذًا، وإن افترق (٦) عليه كان الذي تريدان. وقال له: لا تخرج، فإن رسول الله وَّة
خيّره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعني الدنيا - واعتنقه وبكى
وودَّعه . فكان ابن عمر يقول : غلبنا حسين بن عليٍّ بالخروج ، ولَعَمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة ،
فرأى من الفتنة وخِذْلان الناس لهم(٧) ماكان ينبغي له أن لا يتحركَ ماعاش ، وأن يدخل في صالح مادخل
فيه الناس ، فإن الجماعة خير .
وقال له ابن عباس: وأين تريد يا بن فاطمة ؟ فقال: العراق وشيعتي ، فقال : إني لكارةٌ لوجهك هذا،
تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطةً وملالةً لهم ؟! أذكِّرك اللهَ أن تغرِّر بنفسك .
(١) في أ، ط: ((شراً))، خطأ.
(٢) والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٧/ ١٣٨) وسير أعلام النبلاء (٢٩٥/٣) أيضاً نقلاً من ابن سعد.
(٣) ((المعافري)): ثياب تنسب إلى قبيلة معافر اليمن.
(٤) في أ، ط : عبد الله بن عباس وابن أبي ربيعة. وفي مختصر تاريخ دمشق (٧/ ١٣٩) عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة
وكلاهما تصحيف . والصواب ما أثبتناه من ب وسير أعلام النبلاء (٢٩٦/٣) .
(٥) ((الأبواء)): جبل على يمين الطريق للمصعد إلى مكة من المدينة، وهناك بلدة تنسب إلى هذا الجبل معجم البلدان
(٧٩/١) .
(٦) في ط: ((افترقوا))، وما أثبتناه من م وطبقات ابن سعد (٤٤٤/١) وهو الذي في تاريخ دمشق (٢٠٨/١٤) وسير
أعلام النبلاء (٢٩٦/٣) .
(٧) في ط: ((لهما))، وما أثبتناه كما في المصادر التي تقدمت .
٢٣٤
صفة مخرج الحسين إلى العراق
وقال أبو سعيد الخدري : غلبني الحسين على الخروج ، وقلت له : اتَّقِ اللهَ في نفسك ، والزَم
بيتك ، ولا تخرج على إمامك .
وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن علي، فأدركته بمَلَل(١)، فناشدتُه اللهَ أن لا يخرج ،
فإنه يخرج في غير وجه خروج ، إنما خرج يقتل نفسه . فقال : لا أَرجع .
وقال جابر بن عبد الله : كلَّمت حسيناً فقلت : اتَّقِ الله ، ولا تضرب الناس بعضهم ببعض ، فوالله
ماحمدتم ماصنعتم . فعصاني .
وقال سعيد بن المسيِّب : لو أنَّ حسيناً لم يخرج لكان خيراً له .
وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن : قد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم ، ولكن
شجّعه على ذلك ابن الزبير .
وكتب إليه المِسْور بن مَخْرمة : إياك أن تغترّ بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير : الْحَقْ بهم فإنهم
ناصرو(٢) ، إياك تبرح الحرم ، فإنهم إن كانت بهم إليك حاجةٌ فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك
فتخرج في قوَّة وعدَّة . فجزاه خيراً وقال : أَستخير الله في ذلك .
وكتبت إليه عَمْرة بنت عبد الرحمن تعظّم عليه مايريد أن يصنع ، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة ،
وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يُساق إلى مصرعه وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول: إنها سمعت رسول الله والده
يقول: ((يُقتلُ الحسينُ بأرضٍ بابل)). فلمّا قرأ كتابها قال: فلا بدَّ لي إذاً من مَصْرعي. ومضى(٣)
وأتاه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فقال له : يا بن عمّ! قد رأيتَ ما صنع أهل
العراق بأبيك وأخيك ، وأنت تريد أن تسير إليهم ، وهم عبيد الدنيا ، فيقاتلك مَنْ قد وعدك أن ينصرك ،
ويخذلك مَنْ أنت أحبُّ إليه ممن ينصره ، فأذكِّرك اللهَ في نفسك . فقال : جزاك الله - يا بن عم - خيراً ،
مهما يقضِ الله من أمر يكُن . فقال أبو بكر : إنا لله وإنّا إليه راجعون ، نحتسب أبا عبد الله عند الله .
وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتاباً يحذّره أهل الكوفة ٤) ، ويناشدُه اللهَ أن يشخص إليهم . فكتب إليه
الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول الله وَ ليل أمرني بأمر وأنا ماضٍ له، ولست بمُخبر بها أحداً حتى
أُلاقيَ عملي .
(١) ((ملل)): موضع بين مكة والمدينة.
(٢) بعد هذا في ط: ((وقال له ابن عباس))، وليست في ب، م ولا في طبقات ابن سعد وتاريخ دمشق (١٤ /٢٠٩)
وتهذيب الكمال (٤١٧/٦) ، لذلك لم نثبتها .
(٣) أخرجه ابن عساكر، مختصره (٧/ ١٤٠).
(٤) في ط: ((العراق))، وما هنا من م وطبقات ابن سعد (٤٤٧/١) الذي ينقل منه، وتهذيب الكمال (٤١٨/٦).
٢٣٥
صفة مخرج الحسين إلى العراق
وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص نائب الحرمين : إني أسأل الله أن يُلهمَك رشدَك ، وأن يصرفك
عمّا يُرديك ، بلغني أنك قد عزمتَ على الشخوص إلى العراق ، وإني أعيذك بالله من الشقاق ، فإنك إنْ
كنت خائفاً فأقبل إليّ ، فلك عندي الأمان والبرُّ والصِّلَة . فكتب إليه الحسين : إنْ كنتَ أردتَ بكتابك برِّي
وصلتي فجُزيت خيراً في الدنيا والآخرة ، وإنا لم نشاقق مَنْ دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من
المسلمين ، وخير الأمان أمان الله ، ولم يؤمن بالله مَنْ لم يخفه في الدنيا ، فنسأل الله مخافة في الدنيا
توجب لنا أماناً يوم القيامة عنده .
قالوا : وكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة ، وأحسبه قد جاءه رجال
من أهل المشرق فمنَّوه الخلافة ، وعندك منهم خبر وتجرِبة ، فإن كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة ،
وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه ، فاكفُفْه عن السَّعي في الفُرقة . وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة
والمدينة من قريش :
على عُذافرةٍ في سَيْرها قُحَمْ(١)
يا أيُّها الراكبُ الغادي لطِيَّتِهِ
أبلغْ قريشاً على نَأْي المَزارِ بها
وموقفٌ بفِناءِ البيتِ أَنْشُدُهُ
عَنَّْتُمُ قومَكم فخراً بأُمَّكُمُ
هي التي لا يُداني فَضْلَها أحدٌ
وفضلُها لكُمُ فضلٌ وغيرُكُمُ
إِنِّي لأعلمُ أو ظنّاً كعالِمِهِ
أنْ سوفَ يتركُكُمْ ماتَدَّعونَ بها
ياقومَنا لا تَشُبُّوا الحربَ إذ سَكَنَتْ
قد جَرَّبَ الحربَ مَنْ قد كان قبلكُمُ
فَأَنْصِفُوا قومَكُمْ لا تَهْلِكوا بَذَخـا (٣)
بيني وبينَ حسينِ اللهُ والرَّحِمُ
عهدَ الإِلَّهِ وما تُوفى بهِ الذِّمم
أمّ لعَمْرِي حَصَانٌ بَرَّةٌ كرمُ
بنتُ الرسولِ وخير الناسِ قد علموا
من قومكمْ لهمُ في فضلِها قِسَمُ
والظُّ يصدُقُ أحياناً فينتظِمُ
قَتْلَى تَهَاداكُمُ العِقْبَانُ والرَّخَمْ(٢)
ومَسِّكُوا بحبال السِّلم واعتصِمُوا
من القُرون وقد بادتْ بها الأُمَمُ
فربَّ ذي بَذَخِ زَلَّتْ به القَدَمُ(٤)
قال : فكتب إليه ابن عباس : إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهُه ، ولست أدع
النصيحة له في كل ما تجتمع به الألفة وتُطفأ به الثائرة . ودخل ابن عباس على الحسين فكلَّمه طويلاً وقال
(١) ((الطية)): الجهة أو النية. ((العذافرة)): الناقة الصلبة القوية. ((قحم)): إقدام وجرأة وتقحم.
(٢) ((الرخم)): جمع رخمة: طائر أبقع على شكل النسر خلقة .
(٣) (( البذح)) : الكِبر ، وتبذخ فلان : تطاول وتكبر وفخر .
(٤) الخبر والأبيات في مختصر تاريخ دمشق (٧/ ١٤١ - ١٤٢) وقد أورد الطبري الأبيات في تاريخه (٢٠٢/٨) في
حوادث سنة ١٦٩ هـ .
٢٣٦
صفة مخرج الحسين إلى العراق
له : أَنشُدك اللهَ أن تهلك غداً بحال مضيعة، لا تأت العراق ، وإن كنت لا بدَّ فاعلاً فأقم حتى ينقضي
الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون ثم ترى رأيك ، وذلك في عشر ذي الحجة . فأبى الحسين إلّا أن
يمضي إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني [ لأظنك ستُقُتل غداً بين نسائك وبناتك كما قُتل عثمان
بين نسائه وبناته ، والله إني {(١) لأخاف أن تكون أنت الذي يُقاد به عثمان، فإنا لله وإنا إليه راجعون . فقال
له الحسين : أبا العباس ! إنك شيخ قد كبرت . فقال له ابن عباس : لولا أن يُزري ذلك بي وبك لنشبتُ
يدي في رأسك ، ولو أعلم أنا إذا تناصَينا٢) أقمتَ لفعلتُ ، ولكن لا إخال ذلك مانعك . فقال الحسين :
لأن أُقتل بمكان كذا وكذا أحبُّ إليَّ من أن تُستحل بي - يعني مكة (٣) . قال : فبكى ابن عباس وقال :
أقررتَ عينَ ابن الزبير بذلك ، وذلك الذي سلَّى نفسي عنه .
قال : ثم خرج ابن عباس عنه وهو مغضبٌ وابنُ الزبير على الباب ، فلمّا رآه قال : يا بن الزبير قد أتى
ماأحببت ، قَرَّت عينك ، هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز ، ثم قال :
يا لَكِ مِنْ قُنْبُرَةٍ بِمَعْمَرِ خَلاَ لَكِ الجوُّ فِيضِي واصْفِرِي
ونقِّرِي ما شِئْتِ أَنْ تنقِّريُ(٤)
قال : وبعث الحسين إلى المدينة يقدّم عليه من خفّ معه من بني عبد المطلب ، وهم تسعة عشر رجلاً
ونساءً وصِبيان من إخوانه وبناته ونسائه ، وتبعهم محمد بن الحنفيّة ، فأدرك حسيناً بمكة ، فأعلمه أن
الخروج ليس له برأي يومه هذا ، فأبى الحسين أن يقبل ، فحبس محمدُ بن الحنفيّة ولده فلم يبعث أحداً
منهم حتى وجد٥) الحسينُ في نفسه على محمد وقال : ترغب بولدك عن موضع أَصاب فيه ؟! فقال
محمد : وما حاجتي إلى أن تُصاب ويُصابوا معك ؟ وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم .
قالوا : وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم ، فخرج متوجّهاً إليهم في أهل
بيته وستين شيخا٦) من أهل الكوفة (٧) ، وذلك يوم الإثنين في عشر ذي الحجة [ سنة ستين ]٨) فكتب
مروان إلى ابن زياد : أما بعد : فإن الحسين بن علي قد توجَّه إليك ، وهو الحسين بن فاطمة ، وفاطمة
(١) ما بين حاصرتين ليس في ب .
((تناصينا)» : أخذ كل منا بناصية الآخر . ووقعت في ط : تباصينا .
(٢)
في ط: ((أن أقتل بمكة وتستحل بي)) وما هنا من م وطبقات ابن سعد (١/ ٤٥٠) الذي ينقل منه المصنف ، وتهذيب
(٣)
الكمال (٦/ ٤٢١).
(٤)
تقدم تخريجه قبل صفحات .
(٥)
(( وجد )) : غضب وحزن .
في ط: ((شخصاً))، خطأ وما هنا من م وطبقات ابن سعد (٤٥١/١) وتهذيب الكمال (٤٢٢/٦).
(٦)
(٧)
بعد هذا في ط: ((صحبته)) وليست في م ولا في طبقات ابن سعد وتهذيب الكمال (٦/ ٤٢٢).
ليس في ط .
(٨)
٢٣٧
صفة مخرج الحسين إلى العراق
بنت رسول اللّه بِّ، وتالله ما أحد يسلِّمه الله أحبّ إلينا من الحسين، فإياك أن تُهَيِّج على نفسك ما لا يسدُّه
شيء ، ولا تنساه العامة ، ولا تدع ذكره آخر الدهر . والسلام . وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص :
أما بعد : فقد توجّه إليك الحسين ، وفي مثلها تُعتق أو تكون عبداً تُسترقُّ كما يُسترقُّ العبيد .
وقال الزبير بن بكّار : حدّثني محمد بن الضحّاك ، عن أبيه قال : كتب يزيد إلى ابن زياد : إنه قد
بلغني أن حسيناً قد سار إلى الكوفة ، وقد ابتُلي به زمانك من بين الأزمان ، وبلدك من بين البلدان ،
وابتُليت أنت به من بين العمّال ، وعندها تُعتق أو تعود عبداً كما ترقُّ العبيد وتعبَّد . فقتله ابن زياد ، وبعث
برأسه إليه .
قلت : والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام ، كما سيأتي .
[ وفي رواية : أن يزيد كتب إلى ابن زياد: قد بلغني أن الحسين قد توجَّه نحو العراق ، فضع المناظر
والمسالح ، واحترِس ، واحبس على الظنّة ، وخذ على التُّهمة ، غير أن لا تقاتل إلّا مَنْ قاتلك ، واكتب
إليَّ في كل ما يحدُث من خبر . والسلام (١)
قال الزبير بن بكّار : وحدّثني محمد بن الضحّاك قال : لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة
مرَّ بباب المسجد الحرام وقال :
مح مُغيراً ولا دُعِيتُ يَزيدا
لا ذَعَرْتُ السَّوَامِ فِي فَلَقِ الصُّبـ
والمنايا يَرْصُدْنني أنْ أَحِيد(٢)
يومَ أُعطي مخافةَ الموتِ ضَيْماً
وقال أبو مِخْنف : قال أبو جَنَاب يحيى بن أبي حيَّةُ(٣) : عن عدي بن حَرْملة الأسدي ، عن عبد الله بن
سُليم والمذري(٤) بن المشْمَعِلّ الأسديَّين قالا : خرجنا حاجَّيْن من الكوفة ، فقدمنا مكة ، فدخلنا يوم
التَّرويَة ، فإذا نحن بالحسين وابن الزبير قائمَيْن عند ارتفاع الضحى فيما بين الحِجْر والباب ، فسمعنا ابن
الزبير وهو يقول للحسين : إن شئتَ أن تقيم أقمت فولِيتَ هذا الأمر ، فآزرناك وساعدناك ونصحنا لك
وبايعناك . فقال الحسين : إنَّ أبي حدّثني أنَّ لها كبشاً يستحلُّ حرمتها، فما أحِبُّ أن أكون أنا ذلك
الكبش . فقال له ابن الزبير : فأقم إن شئتَ وولِّني أنا الأمر فتُطاع ولا تُعصى . فقال : وما أريد هذا
أيضاً . ثم إنهما أخفَيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاء الناس رائحين(٥) متوجِّهين إلى
(١) هذه الرواية ليست في ب .
(٢) البيتان ليزيد بن مفرِّغ الحميري، وقد قالهما الحسين متمثلاً. وهما في تاريخ الطبري (٣٤٢/٥) والأغاني
(١٨/ ٢٨٧ -٢٨٨) ومختصر تاريخ دمشق (١٣٦/٧).
(٣)
تحرفت في ط إلى : خيثمة .
(٤) في ط : المنذر .
(٥) سقطت من ط ، وهي في م وعند الطبري (٣٨٥/٥).
٢٣٨
صفة مخرج الحسين إلى العراق
مِنئٌ عند الظهيرة . قالا : فطاف الحسين بالبيت وبين الصَّفا والمروة ، وقصَّر من شعره ، وحلَّ من
عُمرته ، ثم توجَّه نحو الكوفة ، وتوجَّهنا نحن مع الناس إلى مِنئٌ(١).
وقال أبو مِخْنف : حدّثني الحارث بن كعب الوالبي ، عن عُقبة بن سِمْعان قال : لما خرج الحسين من
مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد - يعني نائب مكة - عليهم أخوه يحيى بن سعيد ، فقالوا له : انصرِف ،
أين تريد ؟! فأبى عليه ومضى ، وتدافع الفريقان ، وتضاربوا بالسِّياط والعصيّ . ثم إن حسيناً وأصحابه
امتنعوا منهم امتناعاً قوياً ، ومضى الحسين على وجهه ذلك ، فنادَوْه : يا حسين ! ألا تتقي الله ، أتخرج
من الجماعة وتفرِّق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة ؟! فتأوَّل الحسين قول الله تعالى(٢): ﴿لِ عَمَلِى وَلَكُمْ
عَمَلُكُمْ أَنْتُم بَرِعُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىٌّ مِّمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [ يونس: ٤١].
قال : ثم إن الحسين مرَّ بالتَّنعيم(٣)، فلقي بها عِيراً قد بعث بها بَحِير بن رَيْسَانُ(٤) الحِمْيري نائب
اليمن إلى يزيد بن معاوية ، عليها [ ورسٌ وحُلَلٌ كثيرة ، فأخذها الحسين وانطلق بها ، واستأجر أصحاب
الجمال عليها (٥) إلى الكوفة ، ودفع إليهم أجرتهم .
ثم ساق أبو مِخْنف بإسناده الأول: أن الفَرَزدق(٦) لقي الحسين في الطريق ، فسلَّم عليه وقال له :
أعطاك الله سؤلك وأمَّلك فيما تحب . فسأله الحسين عن أمر الناس (٧) وراءه ، فقال له : قلوبُ الناس
معك ، وسيوفُهم مع بني أمية ، والقضاء ينزل من السماء ، والله يفعل ما يشاء . فقال له : صدقتَ ، لله
الأمرُ من قبلُ ومن بعدُ ، يفعل مايشاء ، وكل يوم ربُّنا في شأن ، إن نزل القضاء بما نحبُّ فنحمَد الله على
نَعمائه ، وهو المستعان على أداء الشكر ، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يعتد(٨) من كان الحق نيَّته
والتقوى سريرته . ثم حرّك الحسين راحلته وقال : السلام عليكم . ثم افترقا(٩) .
تاريخ الطبري (٣٨٤/٥ _ ٣٨٥).
(١)
(٢) فى ط: ((هذه الآية)) بدل ((قول الله تعالى))، وما أثبتناه من م وهو الموافق لما في تاريخ الطبري (٣٨٥/٥).
(٣) ((التنعيم)): موضع بمكة في الحل ، فيه مساجد حول مسجد عائشة وسقايا على طريق المدينة ، يحرم منه المكيون
بالعمرة . معجم البلدان (٤٩/٢) .
(٤) في أ، ط : بجير بن زياد ، وفي ب : بحير بن ريان وكلاهما تصحيف ، وما أثبتناه هو الصواب ، وهو مطابق لما
في تاريخ الطبري (٣٨٥/٥) ومشتبه النسبة للذهبي (١ /٤٧) وغيره .
(٥) ما بين حاصرتين سقط من ب .
هو ابن غالب ، الشاعر المشهور .
(٦)
بعد هذا في ط: ((وما))، وما أثبتناه من م ، وهو الموافق لسياق الطبري.
(٧)
في ط: ((يتعد)) وما أثبتناه من م وتاريخ الطبري .
(٨)
(٩) تاريخ الطبري (٣٨٦/٥).
٢٣٩
صفة مخرج الحسين إلى العراق
وقال هشام بن الكلبي : عن عَوانة بن الحكم، عن لَبَطَه١ُ) بن الفَرَزدق، عن أبيه قال : حججتُ
بأمي ، فبينما أنا أسوق بها بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج - وذلك سنة ستين - إذ لقيتُ الحسين
خارجاً من مكة معه أسيافُه وأتراسُه ، فقلت له : بأبي وأمي يا بنَ رسول الله! ما أعجلك عن الحج ؟
فقال : لو لم أعجل لأَخِذت . ثم سألني : ممن أنت ؟ فقلت : امرؤ من العراق ، فسألني عن الناس ،
فقلت له : القلوب معك ، والسيوف مع بني أمية . وذكر نحو ما تقدم .
قال الفرزدق : وسألت الحسين عن أشياء وعن المناسك ، فأخبرني بها . قال : وإذا هو ثقيل اللسان
من بِرْسامُ(٢) كان أصابه بالعراق. قال: ثم مضيت فإذا فُسْطاط(٣) مضروب في الحرم ، وهيئة حسنة ،
فإذا هو لعبد الله بن عمرو بن العاص ، فسألني ، فأخبرته أني لقيت الحسين ، فقال : فهلاّ اتَّبعته ؟ فإن
الحسين لا يَحِيكُ(٤) فيه السِّلاح ، ولا يجوز فيه ولا في أصحابه . فندم الفرزدق وهمَّ أن يلحق به ، ووقع
في قلبه مقالة ابن عمرو ، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدَّني ذلك عن اللحاق به . فلمّا بلغه أنه قُتل لَعَن ابن
عمرو ، وكان ابن عمرو يقول : والله لا تبلغ الشجرةُ ولا النخلةُ ولا الصغيرُ حتى يبلغ هذا الأمر ويظهر .
وإنما أراد ابن عمرو بقوله : لا يَحيك فيه السِّلاح ، أي: السّلاح الذي لم يقدَّر أن يقتل به . وقيل غير
ذلك، وقيل : أراد الهَزْل بالفرزدق(٥)
قالوا : ثم سار الحسين لا يَلوي على شيء ، حتى نزل ذات عِرْق .
قال أبو مِخْنف : فحدّثني الحارث بن كعب الوالبي ، عن علي بن الحسين بن علي قال : لمّا خرجنا
من مكة كتب عبد الله بن جعفر إلى الحسين مع ابنيه (٦): عون ومحمد : أما بعد ، فإني أسألك بالله لما
انصرفتَ حتى تنظر في كتابي هذا ، فإني مشفِق عليك من الوجه الذي توجّهت له أن يكون فيه هلاكك
واستئصال أهل بيتك ، إن هلكت اليوم طُفىء نور الإسلام ، فإنك علَم المهتدين ، ورجاء المؤمنين ، فلا
تعجّل بالسير فإني في أثر كتابي ، والسلام .
ثم نهض عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد - نائب مكة - فقال له : اكتب إلى الحسين كتاباً تجعل له
فيه الأمان ، وتمنِّيه فيه البِرَّ والصلة ، وتوثق له في كتابك ، وتسأله الرجوع لعلّه يطمئنُّ إلى ذلك فيرجع .
فقال له عمرو : اكتب عني ماشئتَ وائتني به حتى أختمه . فكتب ابن جعفر على لسان عمرو بن سعيد
(١) تحرف في ط إلى: ليطة ، وفي ب إلى : لبيطة.
((البرسام)) : ذات الجنب ، وهو التهابٌ في الغشاء المحيط بالرئة .
(٢)
(٣)
((الفسطاط)) : بيت كبير من الشعر .
(( يحيك )) : يؤثر .
(٤)
الخبر في تاريخ الطبري (٣٨٦/٥ - ٣٨٧) وأيضاً في المعرفة والتاريخ (٦٧٣/٢) ومختصر تاريخ دمشق (١٤٤/٧).
(٥)
في ط : ابنه ، خطأ .
(٦)
٢٤٠
صفة مخرج الحسين إلى العراق
ما أراد عبد الله ، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو فختمه بخاتمه ، وقال عبد الله لعمرو بن سعيد : ابعث معي
أخاك ، فبعث معه أخاه يحيى ، فانصرفا حتى لحقا الحسين ، فقرأا عليه الكتاب ، فأبى أن يرجع وقال :
إني رأيت رسول الله وَلَّ في المنام وقد أمرني بأمر وأنا ماضٍ له ، فقالا : وما تلك الرؤيا ؟ فقال :
لا أحدِّث بها أحداً حتى ألقى ربي عزَّ وجلّ(١).
قال أبو مِخْنف : وحدّثني محمد بن قيس: أنَّ الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن الرُّمة(٢)،
بعث قيس بن مُشْهِر الصَّيداوي إلى أهل الكوفة ، وكتب معه إليهم : بسم الله الرحمن الرحيم ، من
الحسين بن عليٍّ إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم ، فإني أحمَد إليكم الله الذي لا إله إلّ
هو ، أما بعد ، فإن كتاب مسلم بن عَقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم ، واجتماع ملئكم على نصرنا
والطلب بحقنا ، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنيع ، وأن يُنيبكم على ذلك أعظم الأجر ، وقد شخصتُ إليكم
من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التَّرويَة ، فإذا قدم عليكم رسولي فأكيسُو(٣) أمركم
وجدُّوا ، فإني قادم عليكم في أيامي هذه إن شاء الله تعالى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
قال : وكان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يُقتل بسبع وعشرين ليلة ، ومضمونه : أما بعد ، فإن
الرائد لا يَكذِبُ أهلَه ، وإن جميع أهل الكوفة معك ، فأَقِل حين تقرأ كتابي هذا ، والسلام عليك .
قال : وأقبل قيس بن مُسهِر الصَّيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة ، حتى إذا انتهى إلى القادسيَّة أخذه
الحُصَين بن نُمير ، فبعث به إلى عبيد الله بن زياد ، فقال له ابن زياد : اصعَد إلى أعلى القصر فسُبَّ
الكذّاب ابن الكذّاب . فصعِدَ ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! إنَّ هذا الحسين بن علي خير
خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله وَ له وأنا رسوله إليكم، وقد فارقتُه بالحاجر من بطن الرُّمة ،
فأَجيبوه واسمعوا له وأطيعوا . ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ، واستغفر لعليٍّ والحسين . فأمر به ابن
زياد ، فأُلقي من رأس القصر فتقطَّع، ويقال: بل تكسَّرت عظامه وبقي فيه بقية رَمَق . فقام إليه
عبد الملك بن عُمير البَجلي فذبحه وقال : إنما أردتُ إراحته من الألم - وقيل : إنه رجل يشبه
عبد الملك بن عُمير وليس به . وفي رواية : أن الذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن بُقطر أخو
الحسين من الرَّضاعة ، فأُلقي من أعلى القصر . والله أعلم(٤) .
ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ولا يعلم بشيء من أخبار ما وقع .
(١) تاريخ الطبري (٣٨٧/٥ -٣٨٨).
وقع في ط : بطن ذي الرمة وهو خطأ . والرمة - بتشديد الميم ويخفف - واد بنجد .
(٢)
(٣) كذا في أ، ب ، م، ووقعت في ط : فاكتموا وفي تاريخ الطبري : فاكمشوا .
تاريخ الطبري (٣٩٤/٥ - ٣٩٥).
(٤)