النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وقال ابن السمّاك : قال معاوية: كل الناس أستطيع أن أُرضيَه إلّ حاسد نعمةٍ فإنَّه لا يُرضيه إلّ زوالُها . وقال الزهري : عن عبد الملك ، عن أبي بحريّة قال : قال معاوية: المروءة في أربع : العَفاف في الإسلام ، واستصلاح المال ، وحفظ الإخوان ، وحفظ الجار . وقال أبو بكر الهُذَلي : كان معاوية يقول الشعر ، فلما ولي الخلافةَ قال له أهلُه : قد بلغتَ الغاية فماذا تصنع بالشعر ؟ فارتاح يوماً فقال : صرمتُ سَفاهتي وأَرحتُ حِلْمي وفيَّ على تحمُّليَ اعتراضُ على أَني أُجيبُ إذا دَعَتْني إلى حاجاتِها الحَدَقُ المِراضُ (١) وقال مغيرة : عن الشعبي : أول من خطب جالساً معاوية حين كثر شحمُه وعظُم بطنُه . وكذا روي عن مغيرة ، عن إبراهيم أنه قال : أول من خطب جالساً يوم الجمعة معاوية . وقال أبو المليح : عن ميمون : أول من جلس على المنبر معاوية ، واستأذن الناسَ في الجلوس . وقال قتادة : عن سعيد بن المسيِّب : أول من أذَّن وأقام يوم الفطر والنحر معاوية . وقال أبو جعفر الباقر : كانت أبواب مكة لا أغلاقَ لها ، وأول من اتّخذ لها الأبواب معاوية . وقال أبو اليمان : عن شعيب ، عن الزهري : مضت السنَّة ألا يرثَ الكافرُ المسلم ، ولا المسلمُ الكافر ، وأول من ورَّث المسلمَ من الكافر معاوية ، وقضى بذلك بنو أميَّة بعده ، حتى كان عمر بن عبد العزيز ، فراجع السنَّة ، وأعاد هشام ما قضى به معاويةُ وبنو أميّة من بعده. وبه قال الزهري (٢). ومضت السنَّة أنَّ دِيَة المعاهَد كدِيَة المسلم ، وكان معاوية أول من قَصَرها إلى النصف وأخذ النصف لنفسه . وقال ابن وهب: عن مالك، عن الزهري قال: سألت سعيد بن المسيِّب عن أصحاب رسول الله وَ ه فقال لي : اسمع يا زهري ! من مات محبّاً لأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، وشهد للعشرة بالجنة ، وترحَّم على معاوية كان حقّاً على الله ألا يُناقشَه الحساب . وقال سعيد بن يعقوب الطَّالْقاني : سمعت عبد الله بن المبارك يقول : ترابٌ في أنف معاويةَ أفضل من عمر بن عبد العزيز . (١) كذا رواية البيتين في أ، ط. ورواية البيت الأول في ب، م ومختصر تاريخ دمشق (٢٥/ ٧٠) كما يلي : سرحت سفاهتي وأرحت حلمي وفيّ على تحلَّمي اعتراض (٢) الخبر بأوضح مما هنا في مختصر تاريخ دمشق (٧١/٢٥ - ٧٢). ٢٠٢ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه وقال محمد بن يحيى بن سعيد: سئل ابن المبارك عن معاوية، فقال: ما أقول في رجل قال رسول الله معاليه : سمع اللهُ لمن حَمِدَه ، فقال خلفَه : ربَّنا ولكَ الحمد . فقيل له : أيهما أفضل هو أو عمر بن عبد العزيز ؟ فقال : لترابُ في مَنْخِري معاويةَ مع رسول الله وَلَه خيرٌ وأفضل من عمر بن عبد العزيز(١) وقال غيره : عن ابن المبارك قال : معاوية عندنا محنة ، فمن رأيناه ينظر إليه شَزْراً اتَّهمناه على القومُ(٢) - يعني الصحابة . وقال محمد بن عبد الله بن عمّار المَوْصلي وغيره : سئل المعافى بن عمران : أيُّهما أفضل معاوية أو عمر بن عبد العزيز ؟ فغضب وقال للسائل : أتجعل رجلاً من الصحابة مثل رجل من التابعين ؟ ! معاوية صاحبُه وصهرُه وكاتبُه وأمينُه على وحي الله، وقد قال رسول الله مَّةَ: ((دَعُوا لي أَصْحابي وأَصْهاري)(٣) فمن سبَّهم فعليهِ لعنةُ اللهِ والملائكةِ والناسِ أجمعين . وكذا قال الفضل بن عَنْسة(٤) وقال أبو تَوْبة الربيع بن نافع الحلبي(٥): معاوية سِتْر لأصحاب محمد وََّ، فإذا كشف الرجلُ السِّتر اجترأ على ما وراءه . وقال الميموني : قال لي أحمد بن حنبل : يا أبا الحسن ! إذا رأيتَ رجلاً يذكر أحداً من الصحابة بسوء فاتَّهِمْه على الإسلام . وقال الفضل بن زياد : سمعت أبا عبد الله يُسأل عن رجل تنقَّص معاوية وعمرو بن العاص أيقال له : رافضي ؟ فقال : إنه لم يجترىء عليهما إلّ وله خبيئةُ سوء. ما انتقص أحدٌ أحداً من الصحابة إلّ وله داخلةُ سوء . وقال ابن المبارك : عن محمد بن مسلم ، عن إبراهيم بن مَيْسرة قال : ما رأيت عمر بن عبد العزيز ضرب إنساناً قطُّ إلّا إنساناً شتم معاوية ، فإنه ضربه أسواطاً . (١) مختصر تاريخ دمشق (٧٤/٢٥) . (٢) وقعت في ط: القول. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (٧٤/٢٥). (٣) الخبر في تاريخ دمشق (٢٠٨/٥٩)، وقول النبي ◌َّر: ((دعوا لي أصحابي)) صحيح من حديث أنس؛ أخرجه أحمد (٢٦٦/٣) وغيره. وهو عند مسلم (٢٥٤١) في فضائل الصحابة من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((لا تسبوا أحداً من أصحابي)). أما لفظة ((وأصهاري)) فهي غير محفوظة، كما بيناها في موضع اخر (بشار). (٤) تحرف في أ، ط إلى : عتيبة والمثبت في ب. وخبر الفضل بن عنبسة في مختصر تاريخ دمشق (٧٤/٢٥) ونصه : أنه سئل: معاوية أفضل أم عمر بن عبد العزيز؟ فعجب من ذلك وقال: سبحان الله! أأجعل مَن رأى رسول الله إِليه كمن لم يره ؟! قالها ثلاثاً . (٥) تحرف في ب إلى : الحلي ، وأبو توبة الحلبي من رجال التهذيب. ٢٠٣ ترجمة معاوية و ذكر شيء من أيامه وقال بعض السلف(١) : بينما أنا على جبل بالشام إذ سمعت هاتفاً يقول : من أبغض الصدِّيق فذاك زِنْديق، ومن أبغض عمر فإلى جهنّم زُمَرا، ومن أبغض عثمان فذاك خصمُه الرحمن ، ومن أبغض علياً فذاك خصمُه النبي ، ومن أبغض معاوية سحَبَته الزَّبانية إلى جهنّم الحامية ، يُرمى به في الهاوية . وقال بعضهم(٢): رأيت رسول الله وَ له في المنام، وعنده أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ومعاوية، إذ جاء رجل ، فقال عمر: يا رسول الله! هذا ينتقصُنا، فكأنه انتهَره رسول الله مَ لَه، فقال: يا رسول الله! إني لا أنتقصُ هؤلاء ولكن هذا - يعني معاوية - فقال: ((ويلك! أوليس هو من أصحابي)) ؟ قالها ثلاثاً ، ثم أخذ رسول الله وَّ حَرْبة، فناولها معاوية فقال: ((جَأُ بها في لَبَّتِهُ(٣) )) فضربه بها. وانتبهتُ فبكَّرت إلى منزلي ، فإذا ذلك الرجل قد أصابته الذَّبحة من الليل ومات ، وهو راشد الكندي . وروى ابن عساكر عن الفُضيل بن عِيَاض أنه كان يقول : معاوية من الصحابة ، من العلماء الكبار ، ولكن ابتُلي بحبِّ الدنيا . وقال العُتْبي : قيل لمعاوية : أسرع إليك الشيب ! فقال: كيف لا ، ولا أزال أرى رجلاً من العرب قائماً على رأسي يُلْقح لي كلاماً يلزمني جوابه، فإن أصبتُ لم أُحمَد ، وإن أخطأتُ سارت بها البُرُد . وقال الشعبي وغيره : أصابت معاويةُ في آخر عمره لَقْوَة . وروى ابن عساكر في ترجمة حُدَيجُ(٤) الخَصِي مولى معاوية قال : اشترى معاوية جارية بيضاء جميلة ، فأدخلتُها عليه مجرّدة ، وبيده قضيب ، فجعل يهوي به إلى متاعها - يعني فرجها - ويقول : هذا المتاع لو كان لي متاع ، اذهب بها إلى يزيد بن معاوية ، ثم قال : لا ، ادعُ لي ربيعة بن عمرو الجُرَشي - وكان فقيهاً - فلمّا دخل عليه قال : إن هذه أُتيت بها مجرَّدة فرأيتُ منها ذاك وذاك ، وإني أردتُ أن أبعث بها إلى يزيد ، قال : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، فإنها لا تصلح له ، فقال : نِعْم ما رأيت . قال : ثم وهبها لعبد الله بن مَسْعدة الفَزَاري مولى فاطمة بنت رسول الله وَل وكان أسود ، فقال له : بيِّض بها ولدَك . وهذا من فقه معاوية وتحرِّيه ، حيث كان نظر إليها بشهوة ، ولكنَّه استضعف نفسه عنها ، فتحرَّج أن يَهَبَها من ولده يزيد لقوله تعالى: ﴿وَلَا نَنْكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ﴾ [ النساء: ٢٢] وقد وافقه على ذلك الفقيهُ ربيعة بن عمرو الجُرَشي الدمشقي . (١) هو محمد بن الحسن، كما في مختصر تاريخ دمشق (٧٦/٢٥) . (٢) هو محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب ، كما في مختصر تاريخ دمشق (٧٦/٢٥ - ٧٧). (٣) ((الوجء)): اللكز، ووجأه باليد والسكين: ضربه. ((واللبة)): موضع الذبح وموضع القلادة من الصدر. اللسان والقاموس (وجأ ، لبب) . (٤) تحرف في أ، ط إلى: خديج. والخبر أورده ابن عساكر، مختصره (٦/ ٢٤٣) ضمن ترجمة حديج هذا . ٢٠٤ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه [ وذكر(١) ابن جرير: أن عمرو بن العاص قدمَ في وفد أهل مصر إلى معاوية ، فقال لهم في الطريق : إذا دخلتُم على معاويةَ فلا تسلُّموا عليه بالخلافة فإنه لا يحب ذلك ، فلمّا دخل عليه عمرو قبلَهم ، قال معاوية لحاجبه : أدخلهم ، وأوعزَ إليه أن يخوِّفهم في الدخول ويُزْعبهم ، وقال : إني لأظن عمراً قد تقدم إليهم في شيء . فلمّا أدخلوهم عليه - وقد أهانوهم - جعل أحدهم إذا دخل يقول : السلام عليك يا رسول الله، فلمّا نهض عمرو من عنده قال : قبَّحكم الله ! نهيتكم عن أن تسلّموا عليه بالخلافة فسلّمتم عليه بالنبوَّةُ(٢) ! وذكر : أن رجلاً سأل من معاوية أن يساعدَه في بناء داره باثني عشر ألف جِذْع من الخشب ، فقال له معاوية : أين دارك ؟ قال : بالبصرة ، قال : وكم اتِّساعُها ؟ قال : فرسخان في فرسخَين ، قال : لا تقل: داري بالبصرة ، ولكن قل : البصرة في داري(٣). وذكر : أن رجلاً دخل بابنٍ معه ، فجلسا على سِمَاط معاوية ، فجعل ولده يأكل أكلاً ذريعاً ، فجعل معاوية يلاحظه ، وجعل أبوه يريد أن ينهاه عن ذلك فلا يفطن ، فلمّا خرجا لا مَهُ أبوه وقطعه عن الدخول ، فقال له معاوية : أين ابنُك التِّلْقامةُ(٤) ؟ قال: اشتكى . قال : قد علمتُ أن أكلَه سيورِّته داءً . قال : ونظر معاوية إلى رجل وقف بين يديه يخاطبه وعليه عباءة ، فجعل يَزْدريه ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إنك لا تخاطب العَباءة ، إنَّما يخاطبك مَنْ بها(٥) . وقال معاوية : أفضل الناس مَنْ إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر ، وإذا غضب كظم ، وإذا قَدَر غفر ، وإذا وعد أَنجز ، وإذا أساء استغفر(٦). وكتب رجل من أهل المدينة إلى معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه : إذا الرِّجالُ ولَدَتْ أولادُها واضطربَتْ من كِبَرٍ أعضادُها وجعَلتْ أسقامُها تَعْتادُها فهيَ زُرُوٌ قد دَنَا حصادُها (١) من هنا يبدأ سقط في النسخ أ، ب، م والمثبت من المطبوع فقط، وسنشير إلى انتهاء السقط بعد صفحة تقريباً. (٢) تاريخ الطبري (٣٣٠/٥ - ٣٣١). (٣) تاريخ الطبري (٣٣٣/٥). رجل تلقام وتلقامة: كبير اللُّقم . والخبر في تاريخ الطبري (٣٣٢/٥). (٤) (٥) تاريخ الطبري (٣٣٦/٥) . (٦) المصدر السابق . ٢٠٥ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه فقال معاوية : نعى إليَّ نفسي(١) ]٢) وقال ابن أبي الدنيا : حدّثني هارون بن سفيان ، عن عبد الله السَّهمي، حدّثني ثمامة بن كُلْثوم: أن آخر خطبة خطبها معاوية أن قال: أيُّها الناس ! إنَّ من زرع قد استَحْصَد ، وإني قد وليتكم ولن يَليَكم أحد بعدي خير مني ، وإنما يليكم من هو شرٌّ مني ، كما كان مَنْ وليكم قبلي خيراً مني . ويايزيد ! إذا دنا أجلي فولِّ غَسْلي رجلاً لبيباً ، فإن اللبيب من الله بمكان ، فليُنْعم الغسل ، وليَجْهر بالتكبير ، ثم اعمد إلى منديل في الخزانة فيه ثوبٌ من ثياب رسول الله وَّةٍ وقُرَاضة من شعره وأظفاره، فاستودع القُراضة أنفي وفمي وأذنيّ وعينيّ ، واجعل ذلك الثوب مما يلي جلدي دون أكفاني . ويايزيد ! احفظُ وصِيَّة الله في الوالدين ، فإذا أدرجتموني في جَريدتي ، ووضعتموني في حُفْرتي ، فخلُّوا معاوية وأرحم الراحمين(٣). وقال بعضهم : لما احتُضِرَ معاوية جعل يقول : لَعمري لقد عمِّرتُ في الدَّهر بُرْهةً ودانَتْ ليَ الدُّنيا بوقع البَوَاتر ولي سَلَّمتْ كلُّ الملوكِ الجبابر وأُعطيتُ حمرَ المال والحُكمَ والنُّهى كحكم مَضَى في المُزْمناتِ الغوابر فأضحى الذي قَدْ كانَ ممَّا يَسُرُّني ولم أَسْعَ في لذَّاتِ عيشٍ نواضر فيالَيتني لم أُعْنَ في الملكِ ساعةٌ من العيشِ حتّى زارَ ضِيقَ المقابر(٤) وكنتُ كذي طِمْرَين عاشَ بُبُلْغةٍ وقال محمد بن سعد : أنبأنا علي بن محمد ، عن محمد بن الحكم ، عمَّن حدثه : أن معاوية لما احتُضِر أوصى بنصف ماله أن يُرَدَّ إلى بيت المال - كأنه أراد أن يطيب له - لأن عمر بن الخطاب قاسم عمّاله . وذكروا أنه في آخر عمره اشتدَّ به البرد ، فكان إذا لبس أو تغطّى بشيء ثقيل يغمُّه ، فاتخذ له ثوباً من حواصل الطير ، ثم ثقل عليه بعد ذلك ، فقال : تباً لكِ من دار ! ملكتُك أربعين سنة : عشرين أميراً وعشرين خليفة ، ثم هذا حالي فيكِ ومصيري منكِ ! تبّاً للدنيا ولمحبِّيها . وقال محمد بن سعد : أنبأنا أبو عبيدة ، عن أبي يعقوب الثَّقَفي ، عن عبد الملك بن عُمير قال : لما (١) الخبر في تاريخ الطبري (٣٣٥/٥ - ٣٣٦) والشعر الذي ورد فيه صُفَّ في مطبوع ابن كثير نثراً. والرجل الذي كتبه لمعاوية هو زر بن حُبيش أو أيمن بن خُريم كما ورد عند الطبري . (٢) هنا ينتهي السقط من النسختين آ، ب والذي أشرنا إليه قبل صفحة تقريباً . (٣) مختصر تاريخ دمشق (٧٩/٢٥) . (٤) مختصر تاريخ دمشق (٧٩/٢٥ - ٨٠) مع اختلاف ببعض الألفاظ، وقد أورد صاحب البدء والتاريخ (١٦/٦) البيتين الأخيرين ، وكذا المسعودي في مروج الذهب (٥٨/٣) . ٢٠٦ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه ثقل معاوية ، وتحدَّث الناس بموته ، قال لأهله : احشُوا عينيَّ إِثْمِداً، وأوسِعوا رأسي دهناً . ففعلوا وغرَّقوا وجهه بالدهن ، ثم مُهِّد له ، فجلس وقال : أسندوني ، ثم قال : ائذنوا للناس فليسلِّموا عليَّ قياماً ولا يجلس أحد . فجعل الرجل يدخل فيسلِّم قائماً ، فيراه مكتحلاً متدهنا فيقول : يقول الناس : إن أمير المؤمنين لمآبه ، وهو أصح الناس . فلما خرجوا من عنده قال معاوية : وتجلُّدي للشَّامتِينَ أُرِيِهِمُ أَنِّي لرَيْبِ الدَّهر لا أَتَضَعْضَعُ ألفَيْتَ كلَّ تميمةٍ لا تَنْفَعُ وإذا المنيَّةُ أَنشَبَتْ أظفارَها قال : وكان به النقابة - يعني لوقة - فمات من يومه ذلك، رحمه الله(١) وقال محمد(٢) بن عقبة: لمّا نزل بمعاويةَ الموتُ قال: يا ليتني كنتُ رجلاً من قريش بذي طَوَى(٣)، ولم أَلِ من هذا الأمر شيئاً . وقال أبو السائب المخزومي : لما حضرتْ معاويةَ الوفاةُ تمثّل بقول الشاعر : إِنْ تُناقشْ يكنْ نقاشُكَ ياربّ عذاباً لا طَوْقَ لي بالعَذابِ عن مُسِيءٍ ذنوبُهُ كالتُّراب (٤) أو تُجاوزْ تجاوز العَفْو فاصفَخْ وقال بعضهم : لما احتُضر معاوية جعل أهلُه يقلِّبونه ، فقال لهم : أي شيخ تقلِّبون إنْ نجّاه الله من عذاب النار غداً ! وقال محمد بن سيرين : جعل معاوية - لما احتُضر - يضع خدّاً على الأرض ثم يقلُّب وجهه ، ويضع الخدَّ الآخر ويبكي ويقول: اللهمَّ إنك قد قلت في كتابك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ، وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَآءُ﴾ [ النساء: ٤٨] اللهمَّ فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له . وقال العُتبي عن أبيه : تمثّل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السِّياق(٥): هو الموتُ لا مَنْجَى مِنَ الموتِ والذي نُحاذرُ بعدَ الموتِ أَدهى وأَفظعُ (١) الخبر في تاريخ الطبري (٣٢٧/٥) وتاريخ ابن عساكر مختصره (٨٢/٢٥ - ٨٣) والكامل لابن الأثير (٧/٤) وسير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٠ - ١٦١) والبيتان لأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي أشعر شعراء هذيل، من قصيدته السائرة التي رثى بها بنيه الخمسة الذين هلكوا بالطاعون في عام واحد ، ومطلعها : والدهر ليس بمعتب من يجزع أمن المنون وريبها تتوجع وهي في ديوان الهذليين (١٨ - ٢١) والمفضليات (٤٢١ -٤٢٩). فى أ، ط: ((موسى)) بدل ((محمد)) محرف. والخبر في تاريخ دمشق، مختصره (٢٥/ ٨٣). (٢) (٣) ذو طوی : واد بمكة معجم البلدان (٤٥/٤) . البيتان في أنساب الأشراف (٤/ ١٥٠) وتاريخ ابن عساكر مختصره (٨٣/٢٥) والكامل لابن الأثير (٨/٤). (٤) (٥) يقال : فلان في السياق أو في السوق : أي في النزع ، كأن روحه تساق لتخرج من بدنه . ٢٠٧ ترجمةَ معاوية وذكر شيء من أيامه ثم قال : اللهم أَقَلِ العَثْرة، واعفُ عن الزَّلَّةُ، وتجاوز بحلمك عن جهل مَنْ لم يرجُ غيرك ، فإنك واسع المغفرة ، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهربٌ إلا إليك(١) ورواه ابن دريد ، عن أبي حاتم ، عن أبي عبيدة ، عن أبي عمرو بن العلاء فذكر مثله وزاد : ثم مات . وقال غيره : أُغمي عليه، ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فإنَّ الله تعالى يَقي من اتقاه ، ولا يَقي من لا يتَّقي . ثم مات ، رحمه الله . وقد روى أبو مِخْنف ، عن عبد الملك بن نوفل قال : لما مات معاوية صَعِدَ الضحاك بن قيس المنبر ، فخطب الناس - وأكفانُ معاوية على يديه - فقال بعد حمد الله والثناء عليه : إن معاوية الذي كان سور العرب وعونَهم وحدَّهم ، قطع الله به الفتنة ، وملَّكه على العباد ، وفتح به البلاد ، ألا إنه قد مات ، وهذه أكفانه ، فنحن مُدْرجوه فيها ، ومُدْخلوه قبره ، ومُخَلُّون بينه وبين عمله ، ثم هو البرزخ إلى يوم القيامة ، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضُر عند الأولى . ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يُعْلمه ويستحقُّه على المجيّ . ولا خلافَ أنه توفي بدمشق في رجب سنة ستين ، فقال جماعة : ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين ، وقيل : ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين ، قاله ابن إسحاق وغير واحد . وقيل : لأربع خلتْ من رجب ، قاله الليث . وقال سعد بن إبراهيم : لمستهلِّ رجب . قال محمد بن إسحاق والشافعي: صلَّى عليه ابنه يزيد . وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفّن في ثوب رسول الله وَّ الذي كساه إياه وكان مدَّخراً عنده لهذا اليوم ، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه . وقال آخرون : بل كان ابنه يزيد غائباً فصلَّى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق ، ثم دفن ، فقيل : بدار الإمارة وهي الخضراء ، وقيل : بمقابر باب الصغير وعليه الجمهور ، والله أعلم . وكان عمره إذ ذاك ثمانياً وسبعين سنة ، وقيل : جاوز الثمانين . ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج لتلقي يزيد بن معاوية - وكان يزيد بحُوَّارين(٢) - فلما وصلوا إلى ثنيَّة العُقاب(٣) تلقَّتهم أثقال يزيد، وإذا يزيد راكب على بُخْتي وعليه الحزن ظاهر ، فسلّم عليه (١) الخبر والبيت في العقد الفريد (٣/ ١٨٠) وتاريخ ابن عساكر، مختصره (٨٥/٢٥) وسير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٠). (٢) ((حوّارين)): حصن من ناحية حمص قريب من تدمر معجم البلدان (٣١٥/٢ -٣١٦). (٣) (( ثنية العقاب)): فرجة في الجبل الذي يطل على غوطة دمشق من ناحية حمص تقطعه القوافل المغربة إلى دمشق من الشرق معجم البلدان (١٣٣/٤) . ويعرف اليوم موقعها بطلوع الثنايا . ٢٠٨ ترجمة معاوية وذكر شيء من أيامه الناس بالإمارة وعزَّوه في أبيه ، وهو يخفض صوته في رده عليهم ، والناس صامتون لا يتكلّم معه إلا الضحاك بن قيس . فانتهى إلى باب تُوما١) ، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة ، فأجازه مع السُّور حتى انتهى إلى الباب الشرقي ، فقيل : يدخل منه لأنه باب خالد ، فجازه حتى أتى الباب الصغير ، فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه ، فلمّا وصل إلى باب الصغير ترجَّل عند القبر ثم دخل فصلَّى على أبيه بعد ما دُفن ، ثم انقتل ، فلمّا خرج من المقبرة أُتي بمراكب الخلافة فركب . ثم دخل البلد ، وأمر فنُودي في الناس : أنَّ الصلاة جامعة . ودخل الخضراء فاغتسل ، ولبس ثياباً حسنة ، ثم خرج فخطب الناس [ أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين (٢) فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيُّها الناس ! إنَّ معاوية كان عبداً من عبيد الله ، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه ، وهو خير ممَّن بعده ، ودون من قبلَه ، ولا أزكِّيه على الله - عز وجل - فإنه أعلم به ، إنْ عفا عنه فبرحمته ، وإنْ عاقبه فبذنبه ، وقد وليتُ الأمر من بعده ، ولست آسي على طلب ، ولا أعتذر من تفريط ، وإذا أراد الله شيئاً كان . وقال لهم في خطبته هذه : وإنَّ معاوية كان يُغزيكم في البر والبحر ، وإني لست حاملاً أحداً من المسلمين في البحر . وإن معاوية كان يُشتيكم بأرض الروم ، ولست مُشتياً أحداً بأرض الروم . وإنَّ معاوية كان يُخرج لكم العطاء أثلاثاً ، وأنا أجمعه لكم كلَّه . قال : فافترق الناس عنه وهم لا يفضِّلون عليه أحداً . وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم : سمعت الشافعي يقول : بعث معاوية - وهو مريض - إلى ابنه يزيد ، فلمّا جاءه البريد ركب وهو يقول : جاءَ البريدُ بقرطاسٍ يخُبُّ به قلنا : لكَ الويلُ ماذا في صحیفتِكم ؟ فمادتِ الأرضُ أو كادتْ تَمیدُ بنا ثم انبَعَثْنا إلى خُوصٍ مضمَّرةٍ فما نُبالي إذا بلَّغن أرحُلَنا [ لما انْتَهَيْنا وبابُ الدارِ مُنصفقٌ مَنْ لا تزلْ نفسُهُ تُوفي على شَرفٍ أودَى ابنُ هندٍ وأودَى المجدُ يَتْبَعُهُ أغرُ أبلجُ يُسْتَسْقى الغمامُ بهِ فأوجسَ القلبُ من قرطاسِهِ فَزَعا قال : الخليفةُ أمسى مُثْقَلاً وَجِعا كأنَّ أغبرَ من أركانها انْقَلعا نرمي الفِجاجَ بها ما نَأُتلي سَرَعا ما ماتَ منهنَّ بالمرمات أو ظَلَعا بصوتٍ رَمْلَةَ رِيعَ القلبُ فانصَدَعا توشِكْ مقاليدُ تلكَ النفسِ أن تَقَعا ]٣) كانا جميعاً خليطاً سالمَيْن مَعَا لو قارَعَ الناسَ عن أحلامِهِم قَرَعا (١) ((باب توما)): أحد أبواب مدينة دمشق، وهو الآن علم لحي شهير فيها. (٢) ما بين حاصرتين ليس في أ . (٣) هذان البيتان من المطبوع فقط. ٢٠٩ ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له لا يرقعُ الناسُ ما أوهى وإنْ جَهَدوا أن يَرْقعوهُ ولا يُوهُونَ ما رَقَعَا(١) وقال الشافعي : سرق يزيد هذين البيتين(٢) من الأعشى . ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق ، وأنه أوصى إليه . وهذا ما قاله ابن إسحاق وغير واحد ، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلّا بعد موت أبيه ، وأنه صلَّى على قبره بالناس كما قدمناه ، والله أعلم . وقال أبو الورد العَنْبري يرثي معاوية رضي الله عنه : نعاةً الحلِّ للشَّهرِ الحَرَام ألَا أَنْعى معاويةَ بنَ حَرْبٍ خواضع في الأَزْمَّةِ كالسِّهام يَنُحْنَ على معاويةَ الشَّآمُ(٣) نعاهُ النَّاعياتُ بكلِّ فَجِّ فهاتيكَ النُّجومُ وهنَّ خُرْسٌ وقال أيمن بن خُرَيمُ(٤) يرثيه أيضاً : رمَى الحَدَثانُ نِسوةَ آلِ حربٍ فردَّ شُعورَهُنَّ الشُّودَ بيضاً فإنَّكَ لو شَهِدتَ بكاءً هندٍ بكيتَ بكاءَ مُعْوِلَةٍ فَرِيحٍ بمقدارٍ سَمَدْنَ لهُ سُمُود(٥) وردَّ وجوهَهُنَّ البيضَ سُودا ورَمْلَةَ إذ يُصَفِّقْنَ الخُدودا أصابَ الذَّهرُ واحدَها الفَریدا ذکر من تزوج من النساء ومن ولد له كان له عبد الرحمن - وبه كان يُكنى - وعبد الله، وكان ضعيف العقل. وأمّهما فاختة بنت قَرَظَة بن [ عبد ]٦) (١) الأبيات في مختصر تاريخ دمشق (٨٧/٢٥ - ٨٨) وتخريجها فيه. بانت سعاد وأمسى حبلها انقطعا واحتلت الغمر فالجدين فالفرعا (٢) يعني البيتين الأخيرين، وهما في ديوان الأعشى الكبير (ص١٥٧، ١٦١) من قصيدة يمدح بها هوذة بن علي الحنفي ، ومطلعها : (٣) تحرفت لفظة الشام في أ، ط إلى: الهمام. والبيت من شواهد اللسان والتاج: مادة (شأم). والأبيات في مختصر تاريخ دمشق (٨٨/٢٥) وتخريجها فيه . (٤) اختلف الرواة في عزو هذه الأبيات، فقد نسبت في الحماسة (٩٤١/٢) وزهر الآداب (٧/٢) إلى عبد الله بن الزَّبير - بفتح الزاي وكسر الباء الموحدة - الأسدي . وفي عيون الأخبار (٦٧/٣) ومختصر تاريخ دمشق (٢٦٨/٢٠) إلى فضالة بن شريك. وفي ذيل الأمالي (ص ١١٥) إلى الكميت بن معروف الأسدي . مختصر تاريخ دمشق (٨٩/٢٥) . (٥) قوله : سمدن له سمودا تحرف في أ، ط إلى : سجدن له سجودا والبيت من شواهد اللسان والتاج : مادة (سمد) . (( والسمود)) : الغفلة واللهو عن الشيء. (٦) سقطت لفظه عبد من الأصول، واستدركتها من نسب قريش: ص١٩٨، ٢٠٤ ومن ترجمتها في تاريخ دمشق (٦/٧٠). ٢١٠ ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له عَمرو بن نوفل بن عبد مناف ، وقد تزوَّج بأختها منفردة عنها بعدها [وهي كَنُود بنت قرَظَة (١) وهي التي كانت معه حين افتتح قُبرص . وتزوَّج نائلة بنت عُمارة الكلبيَّة ، فأعجبته ، وقال لميسون بنت بَحْدَل : ادخلي فانظري إلى ابنة عمِّك ، فدخلت ، فسألها عنها ، فقالت : إنها لكاملة الجمال ، ولكنْ رأيت تحت سُرَّتها خالً ، وإني لأرى هذه يُقتل زوجها ويوضع رأسُه في حِجْرها. فطلَّقها معاوية، فتزوَّجها بعده حبيب بن مَسْلَمةُ(٢) الفِهْري ، ثم خلف عليها بعده النعمانُ بن بشير ، فقُتل ووضع رأسُه في حِجْرها . ومن أشهر أولاده يزيد ، وأُّه مَيْسون بنت بَحْدَل بن أُنيف بن دُلجة بن قُنافة الكلبي ، وهي التي دخلت على نائلة فأخبرتْ معاوية عنها بما أخبرته، وكانت حازمة عظيمة الشأن جمالًا ورياسة وعقلاً وديناً. دخل عليها معاوية يوماً ومعه خادم خَصي ، فاستترتْ منه وقالت : من هذا الرجل معك ؟ فقال : إنه خَصِي فاظهري عليه ، فقالت : ما كانت المُثْلة لتُحِلَّ له ما حرَّم الله عليه ، وحجبته عنها . وفي رواية أنها قالت له : إن مجرد مُثْلتك له لن تُحِلَّ ما حرَّمه الله عليه(٣) . فلهذا أولى الله ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه . وذكر ابن جرير : أن ميسونَ هذه ولدتْ لمعاوية بنتاً أخرى يقال لها : أمة ربِّ المشارق ، ماتت صغيرة٤) ورَمْلة تزوَّجها عمرو بن عثمان بن عفان ، كانت دارها بدمشق عند عقبة السمك تُجاه زقاق الرمّان . قاله ابن عساكر . قال : ولها طاحون معروفة إلى الآن(٥) . وهند بنت معاوية تزوَّجها عبد الله بن عامر ، فلما أُدخلت عليه بالخضراء جوار الجامع أرادها على نفسها فتمنَّعت عليه وأبت أشد الإباء ، فضربها ، فصرخت ، فلما سمع الجواري صوتها صرخن وعلَت أصواتهن ، فسمع معاوية فنهض إليهن فاستعلمهنَّ ما الخبر ؟ فقلن : سمعنا صوت سيِّدتنا فصحنا ، فدخل فإذا بها تبكي من ضربه ، فقال لا بن عامر : ويحك ! مثل هذه تضرب في مثل هذه الليلة ؟ ثم قال له : اخرج من هاهنا ، فخرج ابن عامر ، وخلا بها معاوية فقال لها : يا بنيّة ! إنه زوجك الذي أحلَّه الله لك ، أو ما سمعتِ قول الشاعر : من الخَفِراتِ البِيض أمّا حرامُها فصعبٌ ، وأما حلُّها فَذَلول ؟ (١) ما بين حاصرتين سقط من أ. وتحرفت كنود في ط ، ب إلى كنوة، وفي تاريخ الطبري (٣٢٩/٥) إلى كتوة، وماأثبتناه من ترجمتها في تاريخ ابن عساكر ، تراجم النساء (ص٣١٨) ونسب قريش (ص ٢٠٤) وغيرهما . (٢) تحرف في المطبوع إلى : سلمة ، وفي ب إلى : مسلم . (٣) تاريخ ابن عساكر ، تراجم النساء (ص ٣٩٧). (٤) تاريخ الطبري (٣٢٩/٥) . تاريخ ابن عساكر ، تراجم النساء (ص ٩٥) . (٥) ٢١١ وفيات سنة ٦٠ هـ ثم خرج معاوية من عندها وقال لزوجها : ادخل فقد مهّدتُ لك خلقها ووطأته . فدخل ابن عامر ، فوجدها قد طابت أخلاقها ، فقضى حاجته منها١) . رحمهم الله تعالى . فصل وكان على قضاء معاوية أبو الدرداء بولاية عمر بن الخطاب ، فلمّا حضره الموت أشار على معاوية بتولية فَضَالة بن عبيد ، ثم مات فَضَالة فولَّى أبا إدريس الخَوْلاني . وكان على حَرَسه رجل من الموالي يقال له : المختار ، وقيل: مالك، ويُكنى أبا المُخَارق - مولى لحِمَيَر - وكان معاوية أول من اتّخذ الحرس . وعلی حجابته سعد مولاه . وعلى الشرطة قيس بن حمزة ، ثم زُميل بن عمرو العُذْري ، ثم الضحاك بن قيس الفِهْري . وكان صاحب أمره سَرْجون بن منصور الرومي . وكان معاوية أول من اتّخذ ديوان الخاتم وختم الكتب . فصل وممن ذكر أنه توفي في هذه السنة - أعني سنة ستين : صَفوان بنُ المُعَطَّل(٢): ابن رَحْضةُ(٣) بن المؤمَّل بن خُزاعِي، أبو عمرو. أول مشاهده المُرَيْسِيعُ(٤) ، وكان في السَّاقة(٥) يومئذ . (١) تاريخ ابن عساكر، تراجم النساء (٤٦٠). طبقات خليفة (٥١، ١٨١، ٣١٨) تاريخ خليفة (٢٢٦) مسند أحمد (٣١٢/٥) تاريخ البخاري الكبير (٣٠٥/٤) (٢) التاريخ الصغير (٤٣) المعرفة والتاريخ (٣٠٩/١) الجرح والتعديل (٤٢٠/٤) مشاهير علماء الأمصار (ت١٧١) معجم الطبراني الكبير (٦١/٨، ٦٣) مستدرك الحاكم (٥١٨/٣) الاستيعاب (٧٢٥/٢) تاريخ ابن عساكر (١/١٧٤/٨) أسد الغابة (٣٠/٣) اللباب في تهذيب الأنساب (٥٣١/١، الذكواني)، مختصر تاريخ دمشق (١١/ ١٠١) تاريخ الإسلام (٢٧/٢) سير أعلام النبلاء (٥٤٥/٢) معجم الزوائد (٣٦٣/٩) الإصابة (١٥٢/٥) كنز العمال (٤٣٦/١٣) تهذيب ابن عساكر (٤٤٠/٦). (٣) تحرف في ط إلى : رخصة. (٤) ((المريسيع)): ماء لبني خزاعة، كانت به غزوة بين النبي ◌َّه وبين بني المصطلق سنة خمس - وقيل في وقتها غير ذلك - وتسمى غزوة بني المصطلق . وخبر هذه الغزوة في سيرة ابن هشام (٢٨٩/٢) وغيره من كتب السيرة . (٥) ((ساقة الجيش)): مؤخره. ((والساقة)): جمع سائق، وهم الذين يسوقون جيش الغزاة ويكونون من ورائه يحفظونه . اللسان (سوق) . ٢١٢ إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه وهو الذي رماه أهل الإفك بأمّ المؤمنين ، فبرّأه الله وإياها مما قالوا . وكان من سادات المسلمين . وكان ينام نوماً شديداً حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ، فقال له رسول الله وعليه : ((إذا اسْتيقظتَ فصَلِّ)(١) . وقد قُتل صفوان شهيداً . وأبو مسلم الخَوْلاني (٢) : عبد الله بن ثُوَب الخَوْلاني ، من خولان ببلاد اليمن . دعاه الأسود العَنْسي(٣) إلى أن يشهد أنه رسول الله ، فقال له : أتشهد أني رسول الله ؟ فقال: لا أسمع ، أشهد أنَّ محمداً رسول الله . فأجَّج له ناراً وألقاه فيها ، فلم تضرّه ، وأنجاه الله منها ، فكان يشَّه بإبراهيم الخليل. ثم هاجر فوجد رسول الله وَ ل﴿ل قد مات، فقدم على الصدِّيق ، فأجلسه بينه وبين عمر ، وقال له عمر : الحمد لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أمَّة محمد من فُعل به كما فُعل بإبراهيم الخليل ، وقبَّله بين عينيه(٤) . وكانت له أحوال ومكاشفات . ويقال : إنه توفي فيها النعمان بن بشير . والأظهر أنه مات بعد ذلك ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى . إمارة يزيد بن معاوية وماجرى في أيامه بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين ، وكان مولده سنة ست وعشرين ، فكان يوم بويع (١) قطعة من حديث طويل أخرجه أحمد فى مسنده (٣/ ٨٠، ٨٤ - ٨٥) وأبو داود رقم (٢٤٥٩) وهو حديث صحيح . (٢) طبقات ابن سعد (٤٤٨/٧) طبقات خليفة (ت ٢٨٨٨) تاريخ البخاري الكبير (٥٨/٥) ثقات العجلي (٥١١) المعرفة والتاريخ (٣٠٨/٢، ٣٨٢) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٢٦٦، ٢٢٧، ٣٨٦، ٦٩٠) الجرح والتعديل (٢٠/٥) مشاهير علماء الأمصار (ت٨٥٦) تاريخ داريا (٥٩) حلية الأولياء (٢٢/٢) الاستيعاب (٨٧٦/٣) الإكمال لابن ماكولا (٥٦٨/١) أنساب السمعاني (٢١٢/٥) تاريخ ابن عساكر: جزء عبادة - عبد الله بن ثوب (٤٨٣) أسد الغابة (١٩٢/٣ و٢٨٨/٦) مختصر تاريخ دمشق (٥٥/١٢) تهذيب الكمال (ورقة ١٦٥٣) طبقات علماء الحديث (١٠١/١) سير أعلام النبلاء (٧/٤) الكاشف (٣٣٣/٣) تذكرة الحفاظ (٤٩/١) تاريخ الإسلام (١٠٢/٣) العبر (٦٧/١) فوات الوفيات (١٦٩/٢) الوافي بالوفيات (٣٧/١٥) الإصابة (ت٦٣٠٢) تهذيب التهذيب (٢٣٥/١٢) طبقات الحفاظ (١٣) خلاصة الخزرجي (٤٦٠) شذرات الذهب (٢٨١/١) تهذيب ابن عساكر (٣١٤/٧). (٣) هو عيهلة - وقيل: عبهلة - بن كعب بن عوف المذحجي ، متنبىء مشعوذ من أهل اليمن ، أسلم لما أسلمت اليمن ، وارتد في أيام النبي ◌َّير فكان أول مرتد في الإسلام. ضل به كثيرون من مذحج حتى اتسع سلطانه . قتل سنة ١١ هـ . مترجم في أعلام الزركلي (١١١/٥) . (٤) الخبر مطولًا في تاريخ ابن عساكر: جزء (عبادة - عبد الله) (ص٤٩٣) ومابعدها . ٢١٣ إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه ابن أربع وثلاثين سنة . فأقرَّ نوابَ أبيه على الأقاليم ، ولم يعزل أحداً منهم . وهذا من ذكائه(١) قال هشام بن محمد الكلبي (٢): عن أبي مِخْنف لوط بن يحيى الكوفي الأخباري : ولي يزيد في هلال رجب سنة ستين ، وأميرُ المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وأميرُ الكوفة النعمان بن بشير ، وأميرُ البصرة عبيد(٣) الله بن زياد، وأميرُ مكة عمرو بن سعيد بن العاص. ولم يكن ليزيد همَّة حين ولي إلّ بيعة النفر الذين أَبَوْا على معاوية البيعة ليزيد، فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة: (( بسم الله الرحمن الرحيم . من يزيدَ أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة ، أما بعد ، فإنَّ معاوية كان عبداً من عباد الله ، أكرمه الله واستخلفه ، وخوَّله ومكَّن له ، فعاش بقدر ، ومات بأجل ، فرحمه الله ، فقد عاش محموداً ، ومات بَرّاً تقيّاً ، والسلام)). وكتب إليه بصحيفة كأنها أُذن الفأرة: (( أمّا بعد ، فخذ حسيناً ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير بالبَيْعة أخذاً شديداً ليس فيه رخصة حتى يبايعوا ، والسلام )) . فلما أتاه نَعْيُ معاوية فَظُعُ(٤) به وكبُرَ عليه ، فبعث إلى مروان ، فقرأ عليه الكتاب واستشاره في أمر هؤلاء النفر ، فقال : أرى أن تدعوَهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة ، فإن أبَوْا ضربتَ أعناقهم . فأرسل من فوره عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين وابن الزبير - وهما في المسجد - فقال لهما : أَجيبا الأمير ، فقالا : انصرف ، الآن نأتيه ، فلمّا انصرف عنهما قال الحسين لا بن الزبير : إني أرى طاغيتهم قد هلك ، فقال ابن الزبير : وأنا ما أظن غيره . قال : ثم نهض حسين ، فأخذ معه مواليَه وجاء باب الأمير ، فاستأذن ، فأذن له ، فدخل وحده وأجلس مواليَه على الباب وقال : إنْ سمعتم أمراً يريبكم فادخلوا . فسلَّم وجلس ومروانُ عنده ، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب ، ونعى إليه معاوية ، فاسترجع وقال : رحم الله معاوية ، وعظم لك الأجر . فدعاه الأمير إلى البَيْعة ، فقال له الحسين : إن مثلي لا يُبايع سرّاً، وما أراك تجتزىء مني بهذا ، ولكنْ إذا اجتمع الناس دعوتنا معهم فكان أمراً واحداً . فقال له الوليد - وكان يحب العافية : فانصرف على اسم الله حتى تأتينا في جماعة الناس . فقال مروان للوليد : والله لئن فارقك ولم يبايع الساعة ليكثرنَّ القتل بينكم وبينه ، فاحبِسْه ولا تُخرجه حتى يبايع وإلَّ ضربت عنقه ، فنهض الحسين وقال : يا بن الزرقاء أنت تقتلني ؟! كذبتَ والله وأثمت . ثم انصرف إلى داره ، فقال مروان للوليد : والله ما تراه بعدها أبداً ، فقال الوليد : والله - يا مروان - ما أُحبُّ أنَّ لي الدنيا وما فيها وأني قتلت الحسين ، سبحان الله ! أقتل (١) قوله: ((وهذا من ذكائه)) ليس في م ولا في تاريخ الطبري (٣٣٨/٥). (٢) تاريخ الطبري (٣٣٨/٥) . (٣) تحرف في المطبوع إلى : عبد . (٤) فظع الأمر من باب ظرف ، فهو فظيع ، أي : شديد . ٢١٤ إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه حسيناً أن قال : لا أبايع ؟ والله إني لأظن أنَّ مَن يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة (١) وبعث الوليد إلى عبد الله بن الزبير ، فامتنع عليه وماطله يوماً وليلة ، ثم إنَّ ابن الزبير ركب في مواليه واستصحب معه أخاه جعفراً وسارا إلى مكة على طريق الفُرْعُ(٢) ، وبعث الوليد خلف ابن الزبير الرجال والفرسان فلم يقدروا على ردِّه. وقد قال جعفر لأخيه عبد الله - وهما سائران - متمثلاً بقول صَبِرة الحنظلي : وكلُّ بني أُمّ سَيُمْسونَ ليلةً ولم يَبْقَ مِنْ أعقابهم غيرُ واحدٍ فقال : سبحان الله ! ما أردتَ إلى هذا؟ فقال : والله ما أردتُ به شيئاً يسوءك ، فقال : إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إليّ . قالوا: وتطيَّر به(٣). وأما الحسين بن علي فإنَّ الوليد تشاغل عنه بابن الزبير(٤) ، وجعل كلَّما بعث إليه يقول : حتى تنظر وننظر ، ثم جمع أهله وبنيه ، وركب ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة ، بعد خروج ابن الزبير بليلة ، ولم يتخلف عنه أحد من أهله سوى محمد بن الحنفيّة ، فإنه قال له : يا أخي ! والله لأنت أعزُّ أهل الأرض عليّ ، وإني ناصح لك : لا تدخلن مصراً من هذه الأمصار ، ولكن اسكن البوادي والرمال ، وابعث إلى الناس ، فإذا بايعوك واجتمعوا عليك فادخل فيهم(٥) ، وإن أبيتَ إلا سُكنى الأمصار فاذهب إلى مكة ، فإن رأيت ما تحب وإلَّ ترفعتَ إلى الجبال والرمال . فقال له : جزاك الله خيراً ، فقد نصحتَ وأشفقت . وسار الحسين إلى مكة ، فاجتمع هو وابن الزبير بها . وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال : بايع ليزيد ، فقال : إذا بايع الناس بايعت ، فقال رجل : إنما تريد أن يختلف الناس ويقتتلوا حتى يتفانَوا ، فإذا لم يبق غيرك بايعوك ؟ فقال ابن عمر : لا أحبُّ شيئاً مما قلت ، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت . قال : فتركوه وكانوا يتخوَّفونه (٦) . وقال الواقدي(٧) : لم يكن ابن عمر في المدينة حين قدم نَعْيُ معاوية ، وإنما كان هو وابن عباس بمكة ، فلقيهما - وهما مقبلان منها - الحسين وابن الزبير ، فقالا : ما وراءكما ؟ قالا : موت معاوية والبيعة ليزيد ، فقال لهما ابن عمر : اتَّقيا الله ، ولا تفرِّقا بين جماعة المسلمين . وقدم ابن عمر وابن (١) ينظر تاريخ الطبري (٣٤٠/٥). (( الفرع)): قرية من نواحي المدينة على طريق مكة ، بينها وبين المدينة ثمانية برد. (معجم البلدان). (٢) (٣) الخبر في تاريخ الطبري (٣٤١/٥). (٤) في م: (( فإنه تشاغل الوليد عنه بعبد الله بن الزبير)). في ط: ((المصر))، وماهنا من م . (٥) كذا في جميع النسخ ، والذي في تاريخ الطبري (٣٤٢/٥) والكامل لابن الأثير (١٧/٤). وكانوا لا يتخوفونه. (٦) تاريخ الطبري (٣٤٣/٥) . (٧) ٢١٥ إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه عباس إلى المدينة ، فلما جاءت البيعة من الأمصار بايع ابن عمر(١) مع الناس ، وأما الحسين وابن الزبير فإنهما قدما مكة ، فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص ، فخافاه وقالا : إنا جئنا عُوّاذاً بهذا البيت (٢) وفي هذه السنة - في رمضان منها - عزل يزيدُ بنُ معاوية الوليدَ بنَ عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه ، وأضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة ، فقدم المدينة في رمضان ، وقيل : في ذي القعدة ، وكان متواه٣ً) متكبِّراً. وسلَّط عمرو بن الزبير - وكان عدواً لأخيه عبد الله - على حربه، وجرَّده له ، وجعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزبير . وقد ثبت في (( الصحيحين)) أن أبا شُريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي - أيُّها الأمير - أَحدِّثْك قولًا٤) قام به رسول الله ◌ََّ الغَدَ من يوم الفتح، سمعَتْهُ أذناي ، ووعاه قلبي [وأَبْصرتْهُ عيناي (٥) حين تكلّم به . أنه حَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: ((إنَّ مَّةَ حرَّمها اللهُ ولم يحرِّمُها الناس ، وإنه لم يحلّ القتالُ فيها لأحدٍ كان قَبْلِي ، ولن تحلَّ لأحدٍ بَعْدي ، ولم تحلَّ لي إلّا ساعةً من نهار، ثم قد عادَتْ حرمتُها اليومَ كحرمتها بالأمس ، فليبلغ الشاهدُ الغائب )) . وفي رواية: (( فإنْ أحدٌ ترخَّص بقتال رسول الله وَّر فيها فقولوا: إنَّ الله أَذِنَ لرسوله ولم يأذَنْ لكم)). فقيل لأبي شُريح: ما قال لك ؟ فقال : قال لي: نحن أعلم بذلك منك. يا أبا شُريح! إنَّ الحرمَ لا يُعِيذ عاصياً ، ولا فارّاً بدم ، ولا فارّاً بخَرْبِهُ(٦) . وقال الواقدي : ولَّى عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرو بن الزبير ، فتَّع أصحاب أخيه ومن يهوى هواه ، فضربهم ضرباً شديداً حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزبير(٧) [ وابنه محمد بن المنذر ، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث ، وعثمان بن عبد الله بن حَكيم بن حِزام ، وخُبيب بن (١) في ب : بايعا . في م : «نحن عُوَّاذ بهذا البيت )) . (٢) في ط: ((متألهاً))، ولا معنى لها، ولا هي من صفة الوليد بن عتبة ، وما أثبتناه من م، وهو بمعنى التكبر . (٣) فى ط: ((حديثاً))، وما هنا من م، وهو الموافق لما في صحيح البخاري . (٤) (٥) سقط من أ ، ط ، وهو الذي في الصحيحين . (٦) أخرجه البخاري رقم (١٠٤) في العلم: باب ليبلغ العلم الشاهد الغائب ورقم (١٨٣٢) في جزاء الصيد : باب لا يعضد شجر الحرم ، ورقم (٤٢٩٥) في الغزوات: باب غزوة الفتح. ومسلم (١٣٥٤) في الحج : باب تحريم مكة وصيدها وخلاها .... والخربة : بفتح الخاء وإسكان الراء - هذا هو المشهور ، ويقال: بضم الخاء أيضاً - أصلها سرقة الإبل ، وتطلق على كل خيانة . قال الخليل : هي الفساد في الدين ، من الخارب : وهو اللص المفسد في الأرض . وقد توسع ابن القيم في شرح هذه الخطبة في زاد المعاد (٤٤٢/٣) وما بعدها . (٧) بعد هذا في ط: ((وأنه لا بد أن يأخذ أخاه عبد الله في جامعة من فضَّة حتى يقدم به على الخليفة ، فضرب المنذر بن الزبير)) وليست في أ، ب، م، ولا في تاريخ الطبري (٣٤٤/٥). ٢١٦ إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه عبد الله بن الزبير ، ومحمد بن عمار بن يا سر وغيرهم ، ضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين جَلْدة ، وفرّ منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي ، وعبد الرحمن بن عمرو(١) بن سهل .. في أناس من مكة ] ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلُّب ابن الزبير ، وأنه لا يقبل منه - وإن بايع - حتى يُؤتى به إليَّ في جامعة من ذهب أو فضة تحت بُرْنُسه ، فلاتُرى إلا أنه يسمع صوتها . وكان ابن الزبير قد منع الحارث بن خالد المخزومي من أن يصلي بأهل مكة ، وكان نائب عمرو بن سعيد عليها ، فحينئذ صمّم عمرو على تجهيز سريّة إلى مكة بسبب ابن الزبير ، فاستشار عمرُو بنُ سعيد عمرو بنَ الزبير : من يصلح أن نبعثه إلى مكة لأجل قتاله ؟ فقال له عمرو بن الزبير : إنك لا تبعث إليه مَنْ هو أنكى له مِنِّي، فعَّنه على تلك السريّة ، وجعل على مقدمته أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمئة مقاتل . - وقال الواقدي : إنما عيّنهما يزيد بن معاوية نفسُه ، وبعث بذلك إلى عمرو بن سعيد - فعسكر أُنيس بالجُرْف . وأشار مروان بن الحكم على عمرو بن سعيد أن لا يغزوَ مكة، وأن يتركَ ابن الزبير بها فإنه عما قليل إن لم يُقتل يمت . فقال أخوه عمرو بن الزبير: والله لنغزونَّ ولو في جوف الكعبة على رغم أنف من رَغِم . فقال مروان : والله إن ذلك ليَسُوءني(٢). فسار أنيس ، واتبعه عمرو بن الزبير في بقية الجيش - وكانوا ألفين - حتى نزل بالأَبطَح ، وقيل : بداره عند الصفا ، ونزل أَنيس بذي طوَى . فكان عمرو بن الزبير يصلِّي بالناس ، ويصلِّي وراءه أخوه عبد الله بن الزبير ، وأرسل عمرو إلى أخيه يقول له : بَّ يمينَ الخليفة ، وأُتِهِ وفي عنقك جامعةٌ من ذهب أو فضة ، ولا تدع الناس يضرب بعضهم بعضاً ، واتَّقِ الله فإنك في بلد حرام . فأرسل عبد الله يقول لأخيه : موعدك المسجد . وبعث عبدُ الله بن الزبير عبدَ الله بن صفوان بن أمية في سريّة، فاقتتلوا مع أُنيس بن عمرو(٣) الأسلمي ، فهزموا أُنيساً هزيمة قبيحة ، وتفرَّق عن عمرو بن الزبير أصحابه ، ودخل(٤) عمرو إلى دار ابن علقمة ، فأجاره أخوه عبيدة بن الزبير ، فلامه أخوه عبد الله بن الزبير وقال : تجير مِن حقوق الناس(٥) ؟! ثم ضربه بكل من ضرب بالمدينة إلّ المنذر بن الزبير وابنه فإنهما أبيا أن يَسْتقيدا من عمرو ، وسجنه ومعه عارم ، فسمِّ سجن عارم . وقد قيل : إن عمرو بن الزبير مات تحت السِّياط ، والله أعلم . (١) تحرف في أ إلى: عمير. والخبر في تاريخ الطبري (٣٤٤/٥) وما بين الحاصرتين ليس في ب وفيها بدلاً عنه: وجماعة من الأعيان . (٢) كذا في أوب وم ، ومثله في تاريخ الطبري . ووقعت في المطبوع : ليسرني . (٣) في ط : ((عمرو بن أنيس )) مقلوب . في ط: ((وهرب))، وما هنا من م وهو الموافق لما في تاريخ الطبري (٣٤٥/٥). (٤) (٥) في ط: ((تجير مَن في عنقه حقوق الناس)) وما هنا من م وهو الأصح لموافقته تاريخ الطبري (٣٤٥/٥). ٢١٧ قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة قصة الحسين بن علي(١) وسبب خروجه [ بأهله (٢) من مكّة [إلى العراق] (٣) في طلب الإمارة وكيفيّة مقتله ولنبدأ قبل ذلك بشيء من ترجمته ، ثم نُتبع الجميع بذكر مناقبه وفضائله : هو الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم ، أبو عبد الله ، القرشيُّ الهاشمي ، السّبط الشهيد بكربلاء ، ابن بنت رسول الله وَّ فاطمة الزهراء رضي الله عنها وريحانتُه من الدنيا. ولد بعد أخيه الحسن ، وكان مولد الحسن ( كما قدمنا(٣) في سنة ثلاث من الهجرة . وقال بعضهم : إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل ، وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع . وقال قَتَادة : ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ ، وقُتل يوم الجمعة يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين وله أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف ، رضي الله عنه . وروي عن النبي ◌َّ أنه حنَّكه وتَفَل في فِيه، ودعا له، وسمّاه حسيناً، وقد كان سمّاه أبوه قبل ذلك حَرْباً وقيل : جعفراً ، وقيل : إنما سمّاه يوم سابعه ، وعَقَّ عنه . وقال جماعة : عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن هانىء بن هانىء ، عن علي رضي الله عنه قال : الحسنُ أشبهُ برسول الله ◌ِ ◌ّه ما بين الصَّدْر إلى الرأس، والحسينُ أشبهُ به ما بين أسفل من ذلك (٤) وقال الزبير بن بكّار : حدّثني محمد بن الضحاك الحِزَامي قال : كان وجهُ الحسن يشبهُ وجهَ رسول الله وَ له، وكان جسدُ الحسين يشبهُ جسدَ رسول الله عَليه(٥). (١) نسب قريش (٥٧) طبقات خليفة (ت٩، ١٤٨٣، ١٩٦٩) مسند أحمد (٢٠١/١) المحبر (٦٦، ٢٩٣، ٣٩٦، ٤٤٨، ٤٨٠، ٤٠٠) تاريخ البخاري الكبير (٣٨١/٢) ثقات العجلي (١١٩) الأخبار الطوال (٢٤٣) تاريخ الطبري (٣٤٧/٥، ٣٨١، ٤٠٠) الجرح والتعديل (٥٥/٣) مروج الذهب (٦٤/٣) ثقات ابن حبان (٦٨/٣) مشاهير علماء الأمصار (ت٧) الأغاني (١٣٧/١٦) مقاتل الطالبيين (٥١) مستدرك الحاكم (١٧٦/٣) حلية الأولياء (٣٩/٢) جمهرة أنساب العرب (٥٢) الاستيعاب (٣٩٢/١) تاريخ بغداد (١٤١/١) تاريخ ابن عساكر (٢/٦/٥) أسد الغابة (١٨/٢) الكامل في التاريخ (٤٦/٤) تهذيب الأسماء واللغات (١٦٢/١/١) مختصر تاريخ دمشق (١١٥/٧) تهذيب الكمال (٣٩٦/٦) تاريخ الإسلام (٣٤٠/٢ و٥/٣، ١٣) تذهيب التهذيب (١٤٩/١) العبر (٦٥/١) سير أعلام النبلاء (٢٨٠/٣) الكاشف (١٧١/١) الوافي بالوفيات (٤٢٣/١٢) مرآة الجنان (١٣١/١) العقد الثمين (٢٠٢/٤) غاية النهاية (٢٤٤/١) تهذيب التهذيب (٣٤٥/٢) خلاصة الخزرجي (٨٣) شذرات الذهب (٢٧٣/١) تهذيب ابن عساكر (٤/ ٣١٤) الحسين أبو الشهداء : عباس محمود العقاد. (٢) ما بين الحاصرتين ليس في المطبوع . (٣) ما بين الحاصرتين من م . (٤) أخرجه الترمذي (٣٧٧٩) في المناقب : باب مناقب الحسن والحسين ، وإسناده ضعيف. (٥) أخرجه ابن عساكر، مختصره (٧/ ١١٧)، وهو في المعجم الكبير للطبراني (٢٨٤٥). ٢١٨ قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة وروى محمد بن سيرين وأختُه حفصة عن أنس قال : كنت عند ابن زياد ، فجيء برأس الحسين ، فجعل يقول بقضيب في أنفه ويقول : ما رأيتُ مثلَ هذا حُسْناً ، فقلت له : إنه كان من أشبههم برسول الله وم الي(١). وقال سفيان : قلت لعبيد الله بن أبي يزيد(٢): رأيتَ الحسين؟ قال: نعم ، أسود الرأس واللحية إلَّا شعرات هاهنا في مقدَّم لحيته ، فلا أدري أَخَضَب وترك ذلك المكان تشبُّهاً برسول الله وَّ أو لم يكن شابَ منه غير ذلك . وقال ابن جُريج : سمعت عمر بن عطاء قال : رأيتُ الحسين بن علي يصبُغُ بالوَسْمة(٣) ، أما هو فكان ابن ستين سنة ، وكان رأسه ولحيتُه شديدَي السَّواد . فأما الحديث الذي رُوي من طريقين ضعيفين، أنَّ فاطمة سألت رسول الله بِ ◌ّله في مرض الموت أن ينحل ولَدَيها شيئاً فقال: ((أمّا الحسنُ فَلَه هَيْبَتي وسُؤْددي، وأمّا الحسينُ فلَهُ جُرْأتي وجُودي)» فليس بصحيح ، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة . وقد أدرك الحسين من حياة النبي وَلقر خمس سنين أو نحوها ، وروى عنه أحاديث . وقال مسلم بن الحجّاج(٤): له رؤية من النبي ◌َّل . وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال في الحسن بن علي : تابعي ثقة . وهذا غريب ، فلأن يقول في الحسين : إنه تابعي ، بطريق الأَولى . وسنذكر ما كان رسول الله بَّله يكرمهما به ، وماكان يُظهر من محبَّتهما والحنوِّ عليهما [ في فضائل الحسين إذا فرغنا من ذكر مقتله ٥)، والمقصودُ: أن الحسين عاصر رسول الله وَله وصحبه إلى أن توفي وهو عنه راض ، ولكنه كان صغيراً . ثم كان الصدِّيق يكرمه ويعظّمه ، وكذلك عمر وعثمان . وصحب أباه وروى عنه ، وكان معه في مغازيه كلِّها ، في الجمل وصفِّين ، وكان معظّماً موقّراً ، ولم يزل في طاعة (١) أخرجه البخاري رقم (٣٧٤٨) في الفضائل ، من طريق جرير بن حازم ، عن محمد بن سيرين . وأخرجه الترمذي (٣٧٧٨) في المناقب : باب مناقب الحسن والحسين ، من طريق النضر بن شميل ، أخبرنا هشام بن حسان ، عن حفصة بنت سيرين . (٢) تحرف يزيد في الأصول إلى: زياد. والخبر في مختصر تاريخ دمشق (١١٧/٧) وسير أعلام النبلاء (٢٨١/٣). (٣) الوسمة - بالسين المهملة - نبت يختصب به . وقد وقعت في أ، ط : بالوشمة. (٤) الكنى والأسماء (٤٦٥). (٥) ما بين الحاصرتين من م . ٢١٩ قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة أبيه حتى قُتل . فلمّا آلت الخلافة إلى أخيه الحسن وأراد أن يصالح معاوية شقَّ ذلك عليه ولم يسدِّد رأي أخيه في ذلك ، بل حثَّه على قتال أهل الشام ، فقال له أخوه : والله لقد هممتُ أن أسجنَكَ في بيت وأُطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك . فلمّا رأى الحسين ذلك سكت وسلم . فلمّا استقرَّت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردّد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً ويقول لهما : مرحباً وأهلاً ، ويعطيهما عطاءً جزيلاً ، وقد أطلق لهما في يوم واحد مئتي ألف وقال : خذاها وأنا ابن هند ، والله لا يُعطيكُماها أحد قبلي ولا بعدي . فقال الحسين : والله لن تُعطيَ أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلاً أفضل منا . ولما توفي الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه . وقد كان في الجيش الذين غزوا القُسْطنطينيّة مع يزيد بن معاوية في سنة إحدى وخمسين ، ولما أُخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممَّن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبي بكر وابن عمر وابن عباس ، ثم مات ابن أبي بكر وهو مصمّم على ذلك ، فلمّا مات معاوية سنة ستين، ودُعي الناس إلى البيعةُ(١) ليزيد بايع ابن عمر وابن عباس ، وصمَّم على المخالفة الحسينُ وابنُ الزبير ، وخرجا من المدينة فارَّين إلى مكة ، فأقاما بها ، فعكف الناس على الحسين يغدون إليه ويقدمون عليه ويجلسون حواليه ويسمعون كلامه حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد . وأما ابن الزبير فإنه لزم مصلاّه عند الكعبة ، وجعل يتردّد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس ، ولا يمكنه أن يتحرّك بشيء ممَّا في نفسه مع وجود الحسين لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه عليه ، غير أنه قد تعيَّنت السرايا والبعوث إلى مكة بسببه ، ولكن أظفره الله بهم كما تقدم ذلك آنفاً ، فانقشعت السرايا عن مكة مغلولين ، وانتصر عبد الله بن الزبير على من أراد هلاكه من اليزيديِّين ، وضرب أخاه عَمْراً وسجنه واقتصَّ منه وأهانه . وعظُم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز ، واشتَهَر أمرُه ، وبعد صِيتُه، ومع هذا كلِّه ليس هو عند الناس مثل الحسين ، بل الناس إنما ميلُهم إلى الحسين لأنه السيِّد الكبير ، وابن بنت رسول الله وَ لّ فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه ، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه . وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يدعونه إليهم - وذلك حين بلغهم موت معاوية ، وولاية يزيد ، ومصير الحسين إلى مكة فراراً من بيعة يزيد - فكان أول من قدم عليه عبد الله بن سبع الهَمْداني ، وعبد الله بن وال ، ومعهما كتاب فيه السلام والتهنئة بموت معاوية ، فقَدِما على الحسين لعشر مضَيْن من رمضان من هذه السنة ، ثم بعثوا بعدهما نفراً منهم قيس بن مُسْهر الصّدائي ، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكوا الأَزْحبي ، وعمارة بن عبد الله السَّلولي ، ومعهم نحو من مئة وخمسين كتاباً إلى الحسين ، ثم بعثوا (١) في ط : وبويع ليزيد . ٢٢٠ قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة هانىء بن هانىء السَّبيعي ، وسعيد بن عبد الله الحنفي ، ومعهما كتاب فيه الاستعجال في السَّيْر إليهم . وكتب إليه شَبَت بن رِبْعي، وحَجّار بن أَبْجَر ، ويزيد بن الحارث بن رُوَيم ، وعمرو بن الحجاج الزبيدي ، ومحمد بن عمر بن يحيى التميمي: (( أما بعد ، فقد اخضرَّت الجِنان ، وأَينعت الثِّمار ، ولطمت الجِمام ، فإذا شئت فاقدَم على جندٍ لك مجنّدة ، والسلام عليك)). فاجتمعت الرسل كلُّها بكتبها عند الحسين ، وجعلوا يستحثُّونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضاً عن يزيد بن معاوية ، ويذكرون في كتبهم أنهم قد فرحوا بموت معاوية ، وينالون منه ، ويتكلَّمون في دولته ، وأنهم لمّا يبايعوا أحداً إلى الآن ، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم . فعند ذلك بعث ابنَ عمِّه مسلم بن عقيل بن أبي طالب إلى العراق ليكشف له حقيقة هذا الأمر والاتفاق ، فإن كان متحتماً وأمراً حازماً محكماً بعث إليه ليركب في أهله وذويه ، ويأتي الكوفة ليظفر بمن يعاديه ، وكتب معه كتاباً إلى أهل العراق بذلك . فلمّا سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين ، فسارا به على براري مهجورة المسالك ، فكان أحد الدليلَين منهما أول هالك ، وذلك من شدّة العطش ، وقد أضلُّوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له : المَضيق من بطن خُبيت ، فتطيّر به مسلم بن عَقيل ، فتلبَّث مسلم على ماءٍ هنالك ، ومات الدليل الآخر ، فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره ، فكتب إليه الحسين يعزم عليه أن يدخل العراق ، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ، ويستخبر خبرهم . فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عَوْسجة الأسدي - وقيل : نزل في دار المختار بن أبي عُبيد الثقفي ، فالله أعلم . فتسامع أهل الكوفة بقدومه ، فجاؤوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين ، وحلفوا له لينصرتَّ بأنفسهم وأموالهم ، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفاً ، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفاً ، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والأمور ، فتجهّز الحسين من مكة قاصداً الكوفة كما سنذكره . وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير ، خبَّره رجل بذلك ، فجعل يضرب عن ذلك صفحاً ولا يعبأ به ، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة ، وأمرهم بالائتلاف والسُّنة وقال : إني لا أقاتل من لا يقاتلُني ، ولا أثب على مَنْ لا يثب علي، ولا آخذكم بالظَِّّة، ولكن - والله الذي لا إله إلا هو - لئن فارقتُم إمامكم ونكثُم بيعته لأقاتلنَّكم ما دام في يدي من سيفي قائمتُه(١) . فقام إليه رجل يقال له عبد الله بن مسلم بن شعبة الحَضْرمي فقال له: إنَّ هذا الأمر لا يصلُح إلّا بالغَشْمُ(٢) ، وإن الذي سلكتَه - (١) ((قائم السيف وقائمته)) : مقبضه . (٢) ((الغشم)): الظلم .