النص المفهرس

صفحات 141-160

١٤١
وفيات سنة ٥٩هـ
لَحَاكَ اللهُ ثمَّ لَحَاكَ حقّاً
فنعمَ الشَّيخُ أنتَ لدَى المَخَازي
أَباً ولَحَاكَ منْ عِمِّ وخال
وبئسَ الشَّيخُ أنتَ لدَى المَعَالي (١)
ومما قال في نفسه يذمُها :
أَبَتْ شَفَتَايَ اليومَ إلّا تَكلّما بِشَرِّ فما أَدري لمَنْ أَنا قَائِلُهُ
أرىُ لَيَ وجهاً شَوَّهَ اللهُ خَلْقَهُ فَقُتُّحَ من وجهٍ وَقُبُّحَ حامِلُهُ(٢)
وقد شكاه الناس إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فأحضره وحبسه ، وكان سبب ذلك
الزِّبْرقان بن بدر ، شكاه لعمر أنه قال له يهجوه :
دَعِ المكارمَ لا ترحلْ لِبُغْيَتها واقعُدْ فإنَّكَ أنتَ الطَّاعمُ الكاسي (٣)
فقال له عمر : ما أراه هجاك ، أما ترضى أن تكون طاعماً كاسياً ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ! إنه
لا يكون هجاء أشدّ من هذا ، فبعث عمر إلى حسان بن ثابت فسأله عن ذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين !
ما هجاه ولكنْ سلَح عليه . فعند ذلك حبسه عمر وقال : يا خبيث ! لأشغلنَّك عن أعراض المسلمين . ثم
شفّع فيه عمرو بن العاص ، فأخرجه وأخذ عليه العهد أن لا يهجو الناس واستتابه ، ويقال : إنه أراد أن
يقطع لسانه ، فشفّعوا فيه حتى أطلقه .
وقال الزبير بن بكّار: حدثني محمد بن الضحاك عن عثمان الحِزَامي(٤) ، عن عبد الله بن مصعب ،
حدثني عن ربيعة بن عثمان ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال: أمر عمر بإخراج الخُطَيئة من الحبس ، وقد
كلَّمه فيه عمرو بن العاص وغيره ، فأُخرج وأنا حاضر ، فأنشأ يقول :
ماذا تقولُ لأَفراخٍ بذي مَرَخٍ
زُغْبِ الحواصِلِ لا ماءٌ ولا شَجَرُ
فارحَمْ هداكَ مليكُ الناسِ يا عُمَرُ
غادرتَ كاسِبَهم في قَعْر مُظْلمةٍ
أَلقى إليكَ مقاليدَ النُّهىِ البَشَرُ
أنتَ الإمامُ الذي من بعد صاحِبِهِ
لكنْ لأنفسِهم كانتْ بكَ الأَثَرُ
لم يُؤْثروكَ بها إذ قدَّموك لها
بينَ الأباطح يَغْشِاهُم بها القَدَرُ
فامنُنْ على صِبيةٍ بالرّملِ مْكنُهُمْ
من عَرضٍ داويَّةٍ يعمى بها الخَبَر(٥)
نفسي فداؤُكَ كم بيني وبينَهُمُ
(١) ديوان الحطيئة (ص٢٧٦) . وقوله: لحاك الله يعني: قَبَّحك ولعنك.
(٢) ديوان الحطيئة (ص ٢٨٢) .
(٤) تحرفت في المطبوع إلى : الحرامي .
(٣)
دیوان الحطيئة (ص ٢٨٣ - ٢٨٤).
(٥) الأبيات في ديوان الحطيئة (ص٢٠٨ -٢٠٩) مع اختلاف ببعض الألفاظ. ((والداويّة)): المفازة.

١٤٢
وفيات سنة ٥٩هـ
قال : فلما قال الخُطيئة : ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ، بكى عمر ، فقال عمرو بن العاص :
ما أظلَّت الخضراء ولا أقلَّت الغبراء أعدل من رجل يبكي على تركه الحُطيئة . ثم ذكر أنه أراد قطع لسان
الخُطَيئة لئلاّ يهجو به الناس ، فأجلسه على كرسي وجيَّ بالموسى ، فقال الناس : لا يعود يا أمير
المؤمنين ، وأشاروا إليه قل: لا أعود ، فقال له عمر : النَّجاء ، فلمّا ولَّى قال له عمر: ارجع يا حُطيئة ،
فرجع ، فقال له : كأني بك عند شاب من قريش قد كسَر لك نُمْرُقَهُ(١) وبسَط لك أخرى وقال: يا حُطيئة
غنّنا ، فاندفعتَ تغنِّيه بأعراض الناس . قال أسلم : فرأيت الخُطيئة بعد ذلك عند عبيد الله بن عمر وقد
كسَر له نُمْرُقَة وبسط له أخرى وقال: يا حُطيئة غنِّنا ، فاندفع حُطيئة يغني ، فقلت له: يا حُطيئة ! أتذكر
يوم عمر حين قال لك ما قال ؟ ففزع وقال : رحم الله ذلك المرء ، لو كان حيًّا ما فعلنا هذا، فقلت
لعبيد الله : إني سمعت أباك يقول كذا وكذا فكنتَ أنت ذلك الرجل .
وقال الزبير : حدّثني محمد بن الضحّاك عن أبيه قال : قال عمر للحُطيئة : دع قول الشعر ، قال :
لا أستطيع، قال : لمَ ؟ قال: هو مَأْكلة عيالي وعلََّ لساني، قال: فدع المِدْحة المُجْحفة ، قال :
وماهي يا أمير المؤمنين ؟ قال : تقول : بنو فلان أفضل من بني فلان ، امدح ولا تفضِّل ، فقال : أنت
أشعر مني يا أمير المؤمنين .
ومن مديحه الجيّد المشهور قوله :
من اللَّوْم أو سُدُّوا المكانَ الذي سَدُّوا
أَقِلُوا علیھِمْ لا أَبا لاَّبِيكُمُ
وإِنْ عاهَدُوا أَوْفَوْا وإنْ عقَدُوا شَدُّوا.
أولئِكَ قومٌ إِنْ بَنَوا أحسَنُوا البُنا
وإنْ أنعَمُوا لا كَذَّرُوها ولا كَدُّو(٢)
وإنْ كانتِ النَّعماءُ فيهم جَزَوْا بها
قالوا : ولما احتضر الخُطيئة قيل له : أَوصٍ ، قال : أُوصيكم بالشعر ، ثم قال :
الشِّعر صَعْبٌ وطويلٌ سُلَّمُهْ إذا ارتَقى فيهِ الذي لا يَعْلَمُهْ
زَلَّتْ بهِ إلى الحَضِيضِ قَدَمُهْ والشِّعر لا يَسْطِيعُهُ مَنْ يَظْلِمُهْ
يُريدُ أنْ يُعْرِبَهُ فَيُعْجِمُهُ(٣)
قال أبو الفرج ابن الجوزي في (( المنتظم)): توفي الحطيئة في هذه السنة . وذكر أيضاً فيها وفاة
عبد الله بن عامر بن كريز ، وقد تقدَّم في التي قبلها .
(١) ((النمرقة)): الوسادة الصغيرة.
(٢)
ديوان الحطيئة (ص ١٤٠).
(٣) ديوان الحطيئة (ص٣٥٦) ضمن وصية أدبية ظريفة .

١٤٣
وفيات سنة ٥٩هـ
عبد الله بن مالك بن القِشْب (١): واسمه جُنْدُب بن نَضْلَة بن عبد الله بن رافع الأَزدي ، أبو محمد ،
حليف بني عبد المطلب ، المعروف بابن بُحَيْنَة [وهي أمُّه بُحَيْنة (٢) بنت الأَرَتّ بن المطّلب بن
عبد مناف .
أسلم قديماً ، وصحب رسول الله ◌َّله، وكان ناسكاً صوّاماً قوّاماً، وكان ممَّن يسرُد صوم الدهر كله.
قال ابن سعد : كان ينزل بطنَ رِيم على ثلاثين ميلاً من المدينة ، ومات في عمل مروان في المرّة
الثانية ، ما بين سنة أربع وخمسين إلى ثمان وخمسين .
والعجب أن ابن الجَوْزي نقل من كلام محمد بن سعد ، ثم إنه ذكر وفاته في هذه السنة - يعني سنة تسع
وخمسين ، فالله أعلم .
قيس بن سَعد بن عُبَادة الأنصاريُّ الخَزْرجي(٣): صحابي جليل كأبيه. له في (( الصحيحين)) حديث
القيام للجنازة٤)، وله في (( المسند)) حديث في صوم عاشوراء(٥)، وحديث غسل رسول الله وَّر في
دارهمُ(٦) ، وغير ذلك(٧) .
(١) طبقات ابن سعد (٣٤٢/٤) مسند أحمد (٣٤٤/٥) تاريخ البخاري الكبير (٥/ ت١٧) المعارف (٣٢٥) المعرفة
والتاريخ (٢١٣/٢، ٢١٤) الجرح والتعديل (١٥٠/٥) ثقات ابن حبان (٢١٦/٣) مشاهير علماء الأمصار (ت٤٧)
الاستيعاب (٩٨٢/٣) الجمع لابن القيسراني (٢٤٢/١) أنساب السمعاني (٢٢٦/١) أسد الغابة (٣٧٥/٣) تهذيب
الأسماء واللغات (٢٦١/١) تهذيب الكمال (٥٠٨/١٥) تذهيب التهذيب (٢/ ورقة ١٧٨) تجريد أسماء الصحابة
(١/ ت٣٥١٥) الكاشف (١٠٩/٢) إكمال مغلطاي (٢ / ورقة ٤١٥) نهاية السول (ورقة ١٨٥) الإصابة (٢ / ت٤٩٢٨)
تهذيب التهذيب (٣٨١/٥) خلاصة الخزرجي (٢١١).
(٢)
ليس في ب .
طبقات ابن سعد (٦/ ٥٢) طبقات خليفة (ت٦٠٣، ٩٧٣، ٢٥٥٦، ٢٧٢٢) مسند أحمد (٤٢١/٣ و٦/٦) المحبر
(٣)
(١٥٥، ١٨٤، ٢٣٣، ٢٩٢، ٣٠٥) تاريخ البخاري الكبير (١٤١/٧) المعارف (٢٥٩، ٥٩٣) المعرفة والتاريخ
(٢٩٩/١) تاريخ الطبري (٥٤٦/٤ و١٦٣/٥) الجرح والتعديل (٩٩/٧) مروج الذهب (٢٥/٣) مشاهير علماء
الأمصار (ت٤١٨) الولاة والقضاة (٢٠) جمهرة أنساب العرب (٣٦٥) الاستيعاب (١٢٨٩/٣) تاريخ بغداد
(١٧٧/١) الجمع بين رجال الصحيحين (٤١٧/٢) تاريخ ابن عساكر (٢٢٤/١٤/ب) جامع الأصول (١٠١/٩) أسد
الغابة (٤٢٤/٤) الكامل في التاريخ (٢٦٨/٣) تهذيب الأسماء واللغات (٦١/٢/١) مختصر تاريخ دمشق
(١٠٢/٢١) تهذيب الكمال (ورقة ١١٣٥) تاريخ الإسلام (٣١١/٢) سير أعلام النبلاء (١٠٢/٣) تذهيب التهذيب
(١٦٣/٣/ ب) الكاشف (٣٤٨/٢) تهذيب التهذيب (٣٩٥/٨) الإصابة (٢٤٩/٣) النجوم الزاهرة (٩٥/١) حسن
المحاضرة (٢٢٧/١) خلاصة الخزرجي (٣١٧).
٤) رواه البخاري رقم (١٣١٢) ومسلم رقم (٩٦١).
(٥) رواه أحمد (٦/٦) والنسائي (٤٩/٥) وهو حديث صحيح .
(٦) رواه أحمد (٦/٦) وابن ماجه رقم (٤٦٦) وهو حديث ضعيف.
(٧) تنظر أحاديثه في تحفة الأشراف للمزي (٥٢٦/٧ - ٥٣١)، والمسند الجامع (٥٢٢/١٤ -٥٣٢).

١٤٤
وفيات سنة ٥٩هـ
وخدم رسول الله الحلخلال عشر سنين .
وثبت في ((صحيح البخاري)(١) عن أنس قال: كان قيس بن سعد من النبي ◌َّه بمنزلة صاحب
الشُّرطة من الأمير .
وحمل لواء رسول الله وَ له في بعض الغزوات، واستعمله على الصَّدَقَة.
ولما بعث رسول الله وَليّ أبا عبيدة بن الجرّاح ومعه ثلاثمئة من المهاجرين والأنصار ، فأصابهم ذلك
الجهد الكثير ، فنحر لهم قيس بن سعد تسع جزائر ، حتى وجدوا تلك الدابة على سيف البحر ، فأكلوا
منها وأقاموا عليها شهراً حتى سمنوا .
وكان قيس سيِّداً مطاعاً كريماً ممدَّحاً شجاعاً .
ولّاه علي نيابة مصر ، وكان يقاوم بدهائه وخديعته وسياسته لمعاوية وعمرو بن العاص ، ولم يزل
معاوية يعمل عليه حتى عزله [علي (٢) عن مصر وولَّى عليها محمد بن أبي بكر الصدِّيق ، فاستخفَّ
معاوية ولم يزل حتى أخذ منه مصر كما قدمنا . وأقام قيس عند عليٍّ فشهد معه صفِّين والنهروان ولزمه حتى
قُتل ، ثم صار إلى المدينة ، فلما اجتمعت الكلمة على معاوية جاءه ليبايعه كما بايعه أصحابه .
قال عبد الرزاق : عن ابن عُيينة قال : قدم قيس بن سعد على معاوية ، فقال له معاوية : وأنت يا قيس
تُلحِمُ عليَّ مع من أَلحم؟! أما والله لقد كنتُ أحبُّ ألَّ تأتيني هذا اليوم إلّ وقد ظفر بك ظفر من أظفاري
مُوجع ، فقال له قيس : وأنا والله قد كنت كارهاً أن أقوم في هذا المقام فأُحيِّيك بهذه التحيَّة ، فقال له
معاوية : ولمَ؟ وهل أنت إلّا حَبرٌ من أحبار يهود؟ فقال له قيس : وأنت يا معاوية كنتَ صنماً من أصنام
الجاهلية ، دخلتَ في الإسلام كارهاً وخرجت منه طائعاً ، فقال معاوية : اللهم غفراً، مدَّ يدك ، فقال له
قیس بن سعد : إن شئت زدت وزدت .
وقال موسى بن عقبة : قالت عجوز لقيس : أشكو إليك قلَّة فأر بيتي ، فقال قيس : ما أحسن هذه
الكناية ! املؤوا بيتها خبزاً ولحماً وسمناً وتمر؟٣) .
وقال غيره : كانت له صحفة (٤) يُدار بها حيث دار ، وكان ينادي له منادٍ: هلمُّوا إلى اللحم والثَّريد .
وكان أبوه وجدُّه من قبله يفعلان كفعله .
(١) رقم (٧١٥٥) في الأحكام .
سقط من أ. والخبر في حسن المحاضرة (١/ ٥٨٢ - ٥٨٣).
(٢)
(٣) العقد الفريد (٢٥٦/١) .
(٤) ((الصحفة)): الجفنة والقصعة.

١٤٥
وفيات سنة ٥٩هـ
وقال عروة بن الزبير : باع قيس بن سعد من معاوية أرضاً بتسعين ألفاً ، فقدم المدينة فنادى منادیه :
من أراد القرض فليأتِ ، فأقرض منها خمسين ألفاً ، وأطلق الباقي ، ثم مرض بعد ذلك فقلَّ عُوّاده ، فقال
لزوجته قُريبة بنت أبي عتيق أخت أبي بكر الصدِّيق : إني أرى قلَّة عُوّادي في مرضي هذا ، وإني لأرى ذلك
من أجل مالي على الناس من القرض ، فبعث إلى كل رجل ممّن كان له عليه دَيْن بصكِّه المكتوب عليه ،
فوهبهم ماله عليهم . [ وقيل : إنه أمر مناديَه فنادى: من كان لقيس بن سعد عليه دَيْن فهو منه في حلّ ،
فما أمسى حتى كُسرت عتبة بابه من كثرة العوّاد (١) . وكان يقول : اللهمَّ ارزقني مالًا وفَعَالاً ، فإنه
لا تصلح الفَعَال إلّ بالمال(٢).
وقال سفيان الثوري : اقترض رجل من قيس بن سعد ثلاثين ألفاً ، فلمّا جاء ليوفيَه إياها قال له قيس :
إنا قومٌ ما أعطينا أحداً شيئاً فنرجع فيه .
وقال الهيثم بن عديّ : اختلف ثلاثة عند الكعبة في أكرم أهل زمانهم ، فقال أحدهم : عبد الله بن
جعفر ، وقال الآخر : قيس بن سعد ، وقال الآخر : عَرَابة الأوسي . فتمارَوْا في ذلك حتى ارتفع
ضجيجهم عند الكعبة ، فقال لهم رجل : فليذهب كل رجل منكم إلى صاحبه الذي يزعم أنه أكرم من
غيره ، فلينظر ما يعطيه ، وليحكم على العِيان . فذهب صاحب عبد الله بن جعفر إليه ، فوجده قد وضع
رجلَه في الغَرْزُ(٣) ليذهب إلى ضيعة له ، فقال له : يا بن عمِّ رسول الله! ابنُ سبيل ومُنْقَطَع به . قال :
فأخرج رجلَه من الغَرْز وقال : ضع رجلك واستَرِ عليها فهي لك بما عليها ، وخُذْ ما في الحقيبة ،
ولا تخدعن السّيف فإنه من سيوف علي . فرجع إلى أصحابه بناقة عظيمة ، وإذا في الحقيبة أربعة آلاف
دينار ، ومطارف وخزّ وغير ذلك ، وأجلُّ ذلك سيف علي بن أبي طالب رضي الله عنه . ومضى صاحب
قيس بن سعد إليه ، فوجده نائماً ، فقالت له الجارية : ما حاجتُك إليه؟ قال : ابنُ سبيل ومنقَطَّع به ،
قالت : فحاجتك أيسرُ من إيقاظه ، هذا كيس فيه سبعمئة دينار ، ما في دار قيس مال غيره اليوم ، واذهب
إلى مولانا في مَعَاطن الإبل(٤) فخذ لك ناقةً وعبداً واذهب راشداً . فلمّا استيقظ قيس من نومه أخبرتْه
الجارية بما صنعت ، فأعتقها [ شكراً على صنيعها ذلك (٥) وقال : هلّ أيقظتيني حتى أُعطيَه ما يكفيه ،
فلعلَّ الذي أعطيتيه لا يقع منه موقع حاجته . وذهب صاحب عَرَابة الأوسي إليه ، فوجده وقد خرج من
منزله يريد الصلاة وهو يتوّأ على عبدَين له - وكان قد كُفَّ بصره - فقال له : يا عَرَابة ، فقال : قل ،
فقال : ابنُ سبيل ومنقَطَعٌ به ، قال: فخلَّى عن العبدين ، ثم صفَّق بيده اليمنى على اليسرى ، ثم قال :
(١) ما بين حاصرتين سقط من ب.
تاریخ ابن عساكر (٢٢٩/١٤/ب).
(٢)
(٣)
((الغرز)): الركاب من الجلد.
(( معاطن الإبل)) : مبركها حول الحوض.
(٤)
(٥) سقط من ب .

١٤٦
وفيات سنة ٥٩هـ
أوَه أوه ، والله ما أصبحتُ ولا أمسيتُ وقد تركتِ الحقوقُ من مال عَرَابة شيئاً ، ولكن خذ هذين العبدَين ،
قال : ما كنت لأفعل ، فقال : إن لم تأخذهما فهما حرّان ، فإن شئت فأعتق ، وإن شئت فخذ . وأقبل
يلتمس الحائط بيده . قال : فأخذهما وجاء بهما إلى صاحبيه . قال : فحكم الناس على أنَّ ابن جعفر قد
جاد بمال عظيم ، وأنَّ ذلك ليس بمستنكر له ، إلَّ أن السّيف أجلها . وأن قيساً أحد الأجواد ، حكّم
مملوكته في ماله بغير علمه ، واستحسن فعلها ، وعتقها شكراً لها على ما فعلت . وأجمعوا على أن
أسخى الثلاثة عَرَابة الأوسي [ لأنه جاد بجميع ما يملكه، وذلك }(١) جهد من مقلّ.
وقال سفيان الثوري: عن عمرو ، عن (٢) أبي صالح قال: قسم سعد بن عبادة ماله بين أولاده ، وخرج إلى
الشام فمات بها ، فوُلد له ولد بعد وفاته ، فجاء أبو بكر وعمر إلى قيس بن سعد فقالا : إن أباك قسم ماله ولم
يعلم بحال هذا الولد إذ كان حَمْلاً ، فاقسِمُوا له معكم . فقال قيس : إنِّي لا أغيِّر ما فعله سعد ، ولكن نصيبي له.
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن محمد بن سيرين ، فذكره .
ورواه عبد الرزاق عن ابن جُريج : أخبرني عطاء ، فذكره .
وقال ابن أبي خَيْئمة : حدثنا أبو نعيم ، حدثنا مِسْعَر ، عن مَعْبد بن خالد قال : كان قيس بن سعد
لا يزال هكذا رافعاً أصبُعَه المسبحة - يعني يدعو(٣).
وقال هشام بن عمّار : حدّثنا الجرّاح بن مَليح ، حدّثنا أبو رافع ، عن قيس بن سعد قال : لولا أني
سمعت رسول الله وَ ﴿ يقول: ((المكرُ والخَدِيعَةُ في النار)) لكنت من أمكر هذه الأمّةُ(٤).
وقال الزهري : دُهاة العرب حين ثارت الفتنة خمسة : معاوية ، وعمرو بن العاص ، والمُغيرة بن
شُعبة، وقيس بن سعد ، وعبد الله بن بُدَيل(٥) وكان(٦) مع علي ، وكان المغيرة معتزلا بالطائف حتى حُكِّم
الحكمان(٧) فصار إلى معاوية .
(١) سقط من ب .
(٢) وقعت في المطبوع بن وهو خطأ. والخبر في سير أعلام النبلاء (٣/ ١٠٧).
(٤) أخرجه ابن عدي في الكامل (٥٨٤/٢) والبيهقي في ((الشعب)) رقم (٥٢٦٨) وهو حديث حسن بسند قال فيه الحافظ
(٣)
تاریخ ابن عساكر (١٤/ ٢٣٠/ ب).
في الفتح (٢٩٨/٤) لا بأس به . وأخرجه الطبراني في الصغير من حديث ابن مسعود، والحاكم في مستدركه من
حديث أنس، وإسحاق بن راهويه في مسنده من حديث أبي هريرة. وفي إسناد كل منها مقال، لكن مجموعها يدل
على أن للمتن أصلاً، فهو حسن. ومعنى الحديث: أن المكر والخديعة يؤديان بقاصدهما إلى النار .
(٥)
تحرف في ب إلى: هذيل. والخبر في تاريخ الطبري (١٦٤/٥). وعبد الله بن بديل هو ابن ورقاء الخزاعي . صحابي
جليل ، انتهت إليه رئاسة خزاعة ، وكان فصيحاً لسناً ، قتل يوم صفين .
(٦)
يعني الأخيرين: قيس بن سعد، وعبد الله بن بديل.
(٧) في المطبوع: الخصمان.

١٤٧
وفيات سنة ٥٩هـ
وقد تقدم أن محمد بن أبي حذيفة كان قد تغلّب على مصر وأخرج منها عبد الله بن سعد بن أبي سرح -
نائب عثمان بعد عمرو بن العاص - فأقرّه عليٌّ مدة يسيرة ، ثم عزله بقيس بن سعد ، فلما دخلها سار فيها
سيرة حسنة وضبطها ، وذلك سنة ست وثلاثين ، فثقل أمره على معاوية وعمرو بن العاص ، فكاتباه
ليكون معهما على علي ، فامتنع وأظهر للناس مُناصحتَه لهما ، وفي الباطن هو مع علي ، فبلغ ذلك علياً ،
فعزله وبعث إلى مصر الأشتر النَّخعي [ فمات ]١) الأشتر في الرملة قبل أن يصل إليها ، فبعث علي
محمد بن أبي بكر ، فخفَّ أمره على معاوية وعمرو ، فلم يزالا حتى أخذا منه الديار المصرية ، وقتل
محمد بن أبي بكر هذا وأحرق في جيفة حمار . ثم سار قيس إلى المدينة ، ثم صار إلى علي بن أبي طالب
بالكوفة ، فكان معه في حروبه حتى قُتل علي ، ثم كان مع الحسن بن علي حين سار إلى معاوية ليقاتلَه ،
فكان قيس على مقدمة الجيش ، فلما بايع الحسن معاوية ساء قيساً ذلك وما أحبَّه ، وامتنع من طاعته
معاوية ، ثم ارتحل إلى المدينة ، ثم قدم على معاوية في وفد الأنصار ، فبايع معاوية بعد معاتبة شديدة
وقعت بينهما وكلام فيه غلظة ، ثم أكرمه معاوية وقدَّمه ، وحظي عنده .
وبينما هو مع الوفود عند معاوية إذ قدم كتاب ملك الروم على معاوية وفيه : أن ابعث إليَّ بسراويل
أطول رجل من العرب ، فقال معاوية : ما أرانا إلّ قد احتجنا إلى سراويلك - وكان قيس مديد القامة جداً -
فقام قيس فتنخَّى ثم خلع سراويلَه فألقاها إلى معاوية ، فقال له معاوية : لو ذهبتَ إلى منزلك ثم أرسلتَ
بها إلينا ، فأنشأ قيس يقول عند ذلك :
سَراويلُ قيسٍ والوفودُ شُهُودُ
أَردتُ بها كي يعلمَ الناسُ أنَّها
سَراويلُ عاديٍّ نَمَتْهُ ثَمُودُ
وأنْ لا يقولوا غابَ قَيْسٌ وهذه
وما النَّاسُ إلّا سَيِّدٌ ومَسُودُ
وإِنِّي منَ الحِيِّ اليَمَاني لَسَيِّدٌ
شديدٌ وخلْقي في الرِّجال مَدِيدُ
فكِدْهُمْ بمثلي إنَّ مثلي عَلَيهِمُ
وياٌ به أَعُلُو الرِّجالَ مَدِيدُ
وفَضَّلَني في النَّاس أصلٌ ووالدٌ
قال : فأمر معاوية أطول رجل في الوفد فوضعها على أنفه ، فوقفت بالأرض (٢).
وفي رواية : أن ملك الروم بعث إلى معاوية برجلين من جيشه يزعم أنَّ أحدهما أقوى الروم ، والآخر
أطول الروم ، فانظر هل في قومك من يفوقُهما في قوة هذا وطول هذا؟ فإن كان في قومك من يفوقهما
بعثتُ إليك من الأسارى كذا وكذا ومن التحف كذا وكذا ، وإن لم يكن في جيشك من هو أقوى وأطول
(١) سقطت من المطبوع.
(٢) الخبر بطوله فى تاريخ ابن عساكر (٢٣٢/١٤) وأيضاً، مختصره (١١٣/٢١) والسير (١١٢/٣).

١٤٨
وفيات سنة ٥٩هـ
منهما فهادني ثلاث سنين . فلمّا حضرا عند معاوية قال : من لهذا القوي ؟ فقالوا : ماله إلّ أحد رجلين :
إما محمد ابن الحنفيّة ، أو عبد الله بن الزبير ، فجيء بمحمد ابن الحنفيّة وهو ابن علي بن أبي طالب ،
فلمّا اجتمع الناس عند معاوية قال له معاوية : أتعلم فيمَ أرسلتُ إليك ؟ قال : لا ، فذكر له أمر الرومي
وشدة بأسه ، فقال للرومي : إما أن تجلسَ لي أو أجلس لك ، وتناولني يدك أو أُناولُك يدي ، فأينا قدّر
على أن يُقيم الآخر من مكانه غلَبَه ، وإلّا فقد غُلب . فقال له : ماذا تريد ، تجلس أو أجلس؟ فقال له
الرومي : بل اجلس أنت ، فجلس محمد ابن الحنفيّة وأعطى الرومي يدَه ، فاجتهد الرومي بكل ما يقدر
عليه من القوة أن يزيلَه من مكانه أو يحركه ليقيمه فلم يقدر على ذلك ، ولا وجد إليه سبيلاً ، فغُلب الرومي
عند ذلك ، وظهر لمن معه من الوفود من بلاد الروم أنه قد غُلب . ثم قام محمد ابن الحنفيّة فقال
للرومي : اجلس لي ، وأعطى محمداً يده ، فما أمهله أن أقامه سريعاً ، ورفعه في الهواء ثم ألقاه على
الأرض ، فسُرَّ بذلك معاوية سروراً عظيماً .
ونهض قيس بن سعد ، فتنحَّى عن الناس ثم خلع سراويله ، وأعطاها لذلك الرومي الطويل ، فلبسها
فبلغت إلى ثَدْيَيْه وأطرافها تخُطُ بالأرض ، فاعترف الروم بالغلب . وبعث ملكهم ما كان التزمه لمعاوية .
وعاتب الأنصار قيس بن سعد في خلعه سراويله بحضرة الناس ، فقال ذلك الشعر المتقدم معتذراً به
إليهم ، وليكون ذلك ألزم للحَّة التي تقوم على الروم وأقطع لما حاولوه(١) .
وروى الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : كان قيس بن سعد رجلاً ضخماً
جسيماً ، صغير الرأس ، [ ليست]٢) له لحية في ذقنه ، وكان إذا ركب الحمار العالي خطت رجلاه
بالأرض .
وقال الواقدي(٣) وخليفة بن خياط(٤) وغير واحد: توفي بالمدينة في آخر خلافة معاوية . وذكر ابن
الجوزي وفاته في هذه السنة ، فتبعناه في ذلك .
(١) قال ابن عبد البر في الاستيعاب (١٢٩٣/٣): خبره في السراويل مع معاوية كذب وزور مختلق ليس له إسناد ،
ولا يشبه أخلاق قيس ولا مذهبه في معاوية ، ولا سيرته في نفسه ونزاهته ، وهي حكاية مفتعلة وشعر مزور، والله
أعلم .
(٢) سقطت من النسخ جميعاً، وقد أثبتها من ترجمته في المصادر. قال ابن الأثير في أسد الغابة (٤٢٦/٤) وكان ليس في
وجهه لحية ولا شعرة ، فكانت الأنصار تقول : وددنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا . وكان مع ذلك جميلاً .
(٣)
طبقات ابن سعد (٦/ ٥٣).
(٤) طبقاته (ص ٩٧) .

١٤٩
وفيات سنة ٥٩هـ
مَعْقِل بن يَسَار المُزَنيُ(١): صحابي جليل، شهد الحُديبية ، وكان هو الذي يرفع أغصان الشجرة عن
وجه رسول الله وَّ وهو يبايع الناس تحتها، وكانت من السَّمُرة، وهي المذكورة في القرآن الكريم في
قوله تعالى: ﴿﴿ لَقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨].
وقد ولاه عمر إمرة البصرة ، فحفر بها النهر المنسوب إليه ، فيقال : نهر مَعْقل . وله بها دار .
قال الحسن البصري : دخل عُبيد الله بن زياد على مَعْقل بن يَسَار يعوده في مرضه الذي مات فيه ،
فقال له مَعْقل: إني محدِّثُك حديثاً سمعته من رسول الله وَّر لو لم أكن على حالي هذه لم أحدثك به ،
سمعته يقول: (( مَن اسْترعاهُ اللهُ رعيَّةً فلم يخُطها بنصيحة لم يَجِدْ رائحةَ الجنَّة، وإنَّ ريحَها ليُوجد من
مَسِيرة مئة عام)(٢).
وممن توفي في هذه السنة :
أبو هُرَيْرَة الدَّوْسي(٣) رضي الله عنه: وقد اختُلِف في اسمه في الجاهلية والإسلام واسم أبيه على أقوال
متعدِّدة، وقد بسطنا أكثرها في كتابنا ((التكميل))، وقد بسط ذلك ابن عساكر في ((تاريخه)). والأشهر
أنَّ اسمه عبد الرحمن بن صَخْر ، وهو من الأزد ثم من دَوْس . ويقال : كان اسمه في الجاهلية
عبد شمس ، وقيل: عبد نُهْم، وقيل: عبد غَنْم. ويكنى بأبي الأسود. فسمّاه رسول الله وَّرِ عبد الله -
وقيل : عبد الرحمن - وكناه بأبي هريرة .
(١) طبقات ابن سعد (١٤/٧) طبقات خليفة (٣٧، ١٧٦) تاريخ خليفة (٢٥١) مسند أحمد (٢٥/٥) تاريخ البخاري
الكبير (٣٩١/٧) ثقات العجلي (٤٣٤) المعارف (٢٩٧) المعرفة والتاريخ (٣١٠/١) الجرح والتعديل (٢٨٥/٨)
مشاهير علماء الأمصار (ت٢١٩) مستدرك الحاكم (٥٧٧/٣) الاستيعاب (١٤٣٢/٣) أنساب السمعاني (٢٨٣/١١)
معجم البلدان (٣٢٣/٥) أسد الغابة (٢٣٢/٥) تهذيب الكمال (ورقة ١٣٥٢) تاريخ الإسلام (٣١٧/٢) سير أعلام
النبلاء (٥٧٦/٢) الكاشف (١٤٤/٣) مجمع الزوائد (٣٧٩/٩) تهذيب التهذيب (٢٣٥/١٠) الإصابة (٢٥٩/٩)
خلاصة الخزرجي (٣٨٣).
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢٧/٥) والبخاري رقم (٧١٥٠) ومسلم (١٤٢) (٢٢٩) ..
(٣) طبقات ابن سعد (٣٦٢/٢ و٣٢٥/٤) طبقات خليفة (١١٤) تاريخ خليفة (٢٢٥، ٢٢٧) مسند أحمد (٢٢٨/٢ و١١٤/٥)
الزهد لأحمد (٢٢٤) تاريخ البخاري الكبير (١٣٢/٦) ثقات العجلي (٥١٣) المعارف (٢٧٧) المعرفة والتاريخ (٤٨٦/١
و١٦٠/٣، ١٦١، ١٦٢) أخبار القضاة (١١١/١) مشاهير علماء الأمصار (ت٤٦) مستدرك الحاكم (٥٠٦/٣) حلية الأولياء
(٣٧٦/١) الاستيعاب (١٧٦٨/٤) أنساب السمعاني (٣٦٢/٥) تاريخ ابن عساكر (١٠٥/١٩/أ) جامع الأصول (٩٥/٩) أسد
الغابة (٣١٨/٦) مختصر تاريخ دمشق (١٧٩/٢٩) تهذيب الكمال (ورقة ١٦٥٤) طبقات علماء الحديث (٩١/١) سير أعلام
النبلاء (٥٧٨/٢) تذكرة الحفاظ (٣٢/١) تاريخ الإسلام (٣٣٣/٢) العبر (٦٣/١) معرفة القراء الكبار (٤٣/١) الكاشف
(٣٤١/٣) مجمع الزوائد (٣٦١/٩) غاية النهاية (٣٧١/١) تهذيب التهذيب (٢٦٢/١٢) الإصابة (٦٣/١٢) النجوم الزاهرة
(١٥١/١) حسن المحاضرة (٢٥٠/١) طبقات الحفاظ (٩) خلاصة الخزرجي (٤٦٢) شذرات الذهب (٢٦١/١) كتاب
(أبو هريرة) من سلسلة أعلام العرب للدكتور محمد عجاج الخطيب.

١٥٠
وفيات سنة ٥٩هـ
وروي عنه أنه قال : وجدتُ هريرة وحشيَّة ، فأخذت أولادها ، فقال لي أبي : ما هذه في حجرك ؟
فأخبرته ، فقال : أنت أبو هريرة .
وثبت في ((الصحيح(١) أن رسول الله مح له قال له: ((أبا هِرّ)). وثبت أنه قال له(٢): ((يا أبا هُريرة)).
قال محمد بن سعد وابن الكلبي والطَّبراني: اسم أمِّه مَيْمونة بنت صُفَيح(٣) بن الحارث بن
أبي صعب بن هبة(٤) بن سعد بن ثعلبة . أسلمت وماتت مسلمة .
وروى أبو هريرة عن رسول الله بَّه الكثير الطيّب، وكان من حفّاظ الصحابة ، وروى عن أبي بكر،
وعمر ، وأُبيّ بن كعب، وأسامة بن زيد، وبَصْرة بن أبي بَصْرةُ(٥) ، والفضل بن العباس ، وكعب
الأحبار ، وعائشة أمّ المؤمنين .
وحدث عنه خلائق من أهل العلم قد ذكرناهم مرتبين على حروف المعجم في (( التكميل )) كما ذكره
شيخنا في (( تهذيبه )) .
قال البخاري: روى عنه نحو من ثمانمئة رجل أو أكثر من أهل العلم، من الصحابة والتابعين وغيرهم.
وقال عمرو بن علي الفلاّس : كان ينزل المدينة ، وكان إسلامه سنة خَيْبر .
وقال الواقدي : وكان له بذي الحُلَيفة دار .
وقال غيره : كان آدم اللون ، بعيد ما بين المَنْكبين، ذا ضَفيرتين، أفرق (٦) الثَِّيَّتين .
وقال أبو داود الطيالسي وغير واحد : عن أبي خَلْدة خالد بن دينار ، عن أبي العالية ، عن أبي هريرة
قال: لمّا أسلمت قال رسول الله بَّل: ((ممَّن أنت؟)) فقلت: من دَوْس، فوضع يده على جبهته وقال:
(( ما كنتُ أرى أنَّ في دوسٍ رجلاً فيه خَيْرِ )(٧).
وقال الزهري : عن سعيد، عن أبي هريرة قال: شهدت مع رسول الله تَّ خَيْير .
وروى عبد الرزاق ، عن سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل ، عن قيس قال : قال أبو هريرة : جئت
يوم خَيْير بعدما فَرَغوا من القتال .
صحيح البخاري (٦٢٤٦) في الاستئذان .
(١)
صحيح مسلم (٣١) (٥٢) في الإيمان و(١٧٨٠) (٨٦) في الجهاد والسير.
(٢)
في ا: صبيح وهذا صحيح أيضاً. وترجمتها في أسد الغابة (٧/ ٢٧٥).
(٣)
(٤)
في طبقات ابن سعد: هُنّة .
تحرف في الأصول إلى: نضرة بن أبي نضرة.
(٥)
(٦)
في المطبوع: أقرن.
(٧) رواه الترمذي رقم (٣٨٣٨) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وهو كما قال .

١٥١
وفيات سنة ٥٩هـ
وقال يعقوب بن سفيان: حدّثنا سعيد بن أبي مريم، حدّثنا الدَّراوَزدي قال: حدّثني خُثَيم بن (١)
عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله وَ لير واستخلف على المدينة سِبَاع بن
عُرْفُطَة ، قال أبو هريرة : وقدمت المدينة مُهاجر(٢) فصلَّيت الصبح وراء سِبَاع ، فقرأ في السجدة الأولى
سورة مريم، وفي الثانية ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ قال أبو هريرة: فقلت في نفسي: ويلٌ لأبي فلان - لرجلٍ كان
بأرض الأزد ، وكان له مِكْيالان: مكيال يَكيل به لنفسه، ومكيال يَبْخس به الناس (٣).
وقد ثبت في ((صحيح البخاري)) أنه ضلَّ غلام له في الليلة التي اجتمع في صبيحتها برسول الله وَه
وأنه جعل ينشد :
ياليلةٌ مِنْ طُولِهَا وعَنَائِهَا عَلَى أنَّها مِنْ دارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
فلما قدم على رسول الله بَ لَّه قال له: ((هذا غلامُك)) فقال: هو حرِّ لوجه الله عزَّ وجلّ(٤) .
وقد لزم أبو هريرة رسول الله ول# فلم يفارقه في حضر ولا سفر ، وكان أحرص شيء على سماع
الحديث منه وتفهُّمه عنه . وكان يلزمه على شِبَع بطنه .
وقال أبو هريرة - وقد تمخَّط يوماً في قميص عليه من كتّان: بَخْ بَخُ(٥)، أبو هريرة يتمخَّط في
الكتان! لقد رأيتُنِي أَخرُ فيما بين المنبر والحُجَر من الجوع ، فيمرُّ المارُ فيقول : به جنون ، وما بي إلّا
الجوع ، والله الذي لا إله إلّ هو لقد كنتُ أعتمدُ بكبدي على الأرض من الجوع ، وأشُدُّ الحجر على بطني
من الجوع ، ولقد كنتُ أستقرىء أحدهم الآية وأنا أعلم بها منه وما بي إلّا أن يستتبعَني إلى منزله فيطعمَني
شيئا٦ً). وذكر حديث اللبن مع أهل الصُفَّة كما قدَّمناه في ((دلائل النبوّة)).
وقال الإمام أحمد (٧): حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا عكرمة بن عمّار(٨)، حدّثني أبو كثير - وهو
في المطبوع: خيثم عن ، خطأ .
(١)
(٣) وهو حديث حسن. وهو في المعرفة والتاريخ (١٦٠/٣) وسير أعلام النبلاء (٥٨٩/٢).
(٢)
في المطبوع: فهاجروا ، خطأ .
(٤) أخرجه البخاري رقم (٢٥٣١) في العتق: باب إذا قال لعبده: هو الله، ونوى العتق . وأحمد في مسنده
(٢٨٦/٢) .
((بخ بخْ، وبخ بخ)) : تقال عند تعظيم الإنسان لشيء أو تعجبه منه.
(٥)
أخرجه بنحوه مختصراً، البخاري رقم (٧٣٢٤) والترمذي (٢٣٦٧) في الزهد، وابن سعد في طبقاته (٣٢٦/٤ -
(٦)
٣٢٧) والذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٩٠ - ٥٩١).
في مسنده (٣١٩/٢ _٣٢٠) .
(٧)
تحرف في ( أ) و( ط ) إلى: عامر.
(٨)

١٥٢
وفيات سنة ٥٩هـ
يزيد بن عبد الرحمن بن أذينة السُّحَيمي الأعمى - حدّثني أبو هريرة قال : والله ما خلق اللهُ مؤمناً يسمع بي
ولا يراني إلّ أحبَّني، قلت : وما علمُك بذلك يا أبا هريرة؟ قال: إنَّ أمي كانت امرأة مشركة ، وإني
كنتُ أدعوها إلى الإسلام وكانت تأبى عليّ، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله وَ لّ ما أكره، فأتيتُ
رسول الله وَ ﴿ وأنا أبكي ، فقلت: يا رسول الله إني كنتُ أدعو أمي إلى الإسلام فكانت تأبى علَيّ، وإني
دعوتها اليوم فأسمعتني فيكَ ما أكره، فادعُ اللهَ أن يهديَ أمَّ أبي هريرة، فقال رسول الله وَّةِ: «اللهُمَّ اهدِ
أمّ أبي هريرة)). فخرجتُ أعدو أَبشِّرها بدعاء رسول الله بََّ لها، فلمّا أتيتُ الباب إذا هو مُجَاف ،
وسمعتُ خَضْخَضَة الماء ، وسمعتْ خشف رجل - يعني وَقْعها - فقالت: يا أبا هريرة كما أنت ، ثم فتحتِ
الباب وقد لبستْ درعها وعجِلَتْ عن خمارها أن تلبسَه ، وقالت: إني أشهد أن لا إله إلّا الله وأن محمداً
عبدُه ورسولُهُ. فرجعتُ إلى رسول الله وَ ◌ّ ر أبكي من الفرح كما بكيتُ من الحزن ، فقلت : يا رسول الله
أبشِرْ فقد استجاب الله دعاءك ، قد هدى اللهُ أمَّ أبي هريرة ، وقلت : يا رسول الله ادعُ الله أن يحبَِّني وأمي
إلى عباده المؤمنين ويحيبهم إلينا، فقال رسول الله وَ له: «اللهُمَّ حَبِّب عُبَيْدَك هذا وأُمَّه إلى عبادك
المؤمنين ، وحبِّبْهم إليهما )) . قال أبو هريرة : فما خلق اللهُ من مؤمن يسمع بي ولا يراني أو يرى أمي إلّ
وهو يحبُّني .
وقد رواه مسلم(١) من حديث عكرمة بن عمّار بإسناد نحوه .
وهذا الحديث من دلائل النبوة ، فإن أبا هريرة محبَّب إلى جميع الناس ، وقد شهر الله ذكره بما قدَّره
من إيراد هذا الخبر عنه على رؤوس الناس في الجوامع المتعدِّدة في سائر الأقاليم في الإنصات يوم الجمعة
بين يدي الخطبة والإمامُ على المنبر ، وهذا من تقدير الله العزيز العليم ، ومحبة الناس له رضي الله عنه .
وقال هشام بن عمار : حدثنا سعيد ، حدثنا عبد الحميد بن جعفر ، عن المَقْبُري ، عن سالم مولى
النصْريّينُ(٢) أنه سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله ◌َّه يقول: ((إنَّما محمدٌ بَشَر، أغضبُ كما
يغضبُ البشر ، وإنِّي قد اتَّخذتُ عندكَ عَهْداً لن تخلفَنِيه ، فأيُّما رجلٍ من المسلمينَ آذيتُه أو شتمتُه أو
جلدتُه فاجعلْها له قربةً تقرَّبُه بها عندَكَ يوم القيامة(٣). قال أبو هريرة: لقد رفع عليَّ رسول الله بَّ ار يوماً
الدِّرَّة ليضربني بها فلأَنْ يكونَ ضَرَبني بها أَحبُّ إليَّ من حُمر النَّعَم ، ذلك بأني أرجو أن أكون مؤمناً ، وأن
يستجاب لرسول الله وَّل دعوته.
وقال ابن أبي ذئب : عن سعيد المَقْبُري ، عن أبي هريرة قال : قلت : يا رسول الله إني أسمع منك
برقم (٢٤٩١) في فضائل الصحابة : باب فضائل أبي هريرة .
(١)
(٢) قوله: ((النصريين)) تحرف في ط إلى: ((النضريين)). انظر تهذيب الكمال (١٠ / ١٥٤).
(٣) أخرجه أحمد في مسنده (٤٩٣/٢)، ومسلم (٢٦٠١) (٩١) في البر والصلة .

١٥٣
وفيات سنة ٥٩هـ
حديثاً كثيراً فأنساه، فقال: ((ابسُطْ رداءَك)) فبسطتُه، ثم قال: ((ضُمَّه)) فضممتُه، فما نسيتُ حديثاً
بعدُ . رواه البخاري(١).
وقال الإمام أحمد : حدّثنا سفيان ، عن الزُّهري ، عن عبد الرحمن الأعرج قال : سمعت أبا هريرة
يقول: إنكم تزعمون أنَّ أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله وَّله واللهُ الموعِد، إني كنتُ امرأً مسكيناً
أصحب رسول الله وَّل على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغَلُهم الصَّفْقُ في الأسواق، وكانت الأنصار
يشغَلُهُم القيام على أموالهم، فحضرت من رسول الله وَّله يوماً مجلساً فقال: ((من بسطَ رداءَهُ حتى أقضيَ
مَقالتي ثم يقبضُه إليه فلن ينسى شيئاً سمعَه مِنِّي)) فبسطتُ بردة عليَّ حتى قضى مقالتَه ثم قبضتُها إليّ ،
فوالذي نفسي بيده ما نسيتُ شيئاً سمعتُه منه(٢) .
وقد رواه ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيِّب ، عن أبي هريرة . وله طرق
أُخر عنه .
وقد قيل : إن هذا كان خاصاً بتلك المقالة ، لم ينس منها شيئاً ، بدليل أنه نسي بعض الأحاديث كما
هو مصرَّح به في الصحيح، حيث نسي حديث ((لا عَدْوَى ولا طِيَرَة)) مع حديثه (( لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على
مُصِحّ (٣) . وقيل : إن هذا كان عامّاً في تلك المقالة وغيرها ، والله أعلم .
وقال الدَّراوردي : عن عمرو بن أبي عمرو ، عن سعيد المَقْبُري ، عن أبي هريرة أنه قال :
يا رسول الله مَنْ أسعدُ الناسِ بشفاعتِك يوم القيامة؟ فقال: ((لقد ظننتُ ــ يا أبا هريرة - أنَّ أحداً لا يسألُني
عن هذا الحديث أولَ منك لما رأيتُ منْ حرصِكَ على الحديث . إنَّ أسعدَ الناسِ بشَفاعتي يوم القيامةِ مَنْ
قال لا إلَهَ إلَّ الله خالصاً من قِبَلِ نفسِه(٤).
ورواه البخاري(٥) من حديث عمرو بن أبي عمرو به .
وقال ابن أبي ذئب: عن سعيد المَقْبُري، عن أبي هريرة أنه قال: حفظتُ من رسول الله وَيهد
وعاءَين: فأمّا أحدُهما فبثَثْتُه في الناس، وأمّا الآخر فلو بثَثْتُه لقُطِعَ هذا البلعوم . رواه البخاري(٦) من
حديث ابن أبي ذئب . ورواه غير واحد عن أبي هريرة .
(١) رقم (١١٩) في العلم ، باب حفظ العلم .
(٢) أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٤٠) والبخاري رقم (٧٣٥٤) ومسلم (٢٤٩٢) (١٥٩).
(٣) أخرجه البخاري رقم (٥٧٧١) في الطب: باب لا هامة ... ، ومسلم (٢٢٢١) في السلام: باب لا عدوى
ولا طيرة . وأورده ابن القيم في زاد المعاد (١٤٩/٤) وفيه كلام مفيد.
رواه ابن أبي عاصم في السنة رقم (٨٢٥) وإسناده جيد.
(٤)
رقم (٩٩) في العلم: باب الحرص على الحديث ورقم (٦٥٧٠) في الرقاق.
(٥)
(٦) رقم (١٢٠) في العلم: باب حفظ العلم.

١٥٤
وفيات سنة ٥٩هـ
وهذا الوعاء الذي كان لا يتظاهر به هو الفتن والملاحم وماوقع بين الناس من الحروب والقتال ،
وماسيقع ، التي لو أخبر بها قبلَ كونِها لبادر كثيرٌ من الناس إلى تكذيبه وردُوا ما أخبر به من الحق ، كما قال :
لو أخبرتكم أنكم تقتلون إمامَكم وتقتتلون فيما بينكم بالسيوف لما صدَّقتموني . وقد يتمسّك بهذا الحديث
طوائف من أهل الأهواء والبدع الباطلة ، ويسندون ذلك إلى هذا الجراب الذي لم يقله أبو هريرة ، ويعتقدون
أنَّ ما هم عليه كان في هذا الجراب الذي لم يخبر به أبو هريرة ، وما من مُبطل مع تضادّ أقوالهم إلّ وهو يدَّعي
هذا ، وكلُّهم يكذبون ، فإذا لم يكن أبو هريرة قد أخبر به فمن علمه من بعده ؟! وإنما الذي فيه شيء من الفتن
والملاحم ، قد أخبر بها هو وغيره من الصحابة مما ذكرناه ومما سنذكره في كتاب الفتن والملاحم .
وقال حمّاد بن زيد : حدّثنا عمرو بن عبيد الأنصاري ، حدّثنا أبو الزعيزعة كاتب مروان بن الحكم :
أن مروان دعا أبا هريرة، وأقعده (١) خلف السّرير، وجعل مروان يسأل وجعلتُ أكتب ، حتى إذا كان
رأس الحول دعا به وأقعده من وراء الحجاب ، فجعل يسأله عن ذلك الكتاب ، فما زاد ولا نقص ،
ولا قدَّم ولا أخَّر (٢).
وروى أبو بكر بن عيّاش وغيره ، عن الأعمش ، عن أبي صالح قال : كان أبو هريرة من أحفظ
أصحاب رسول الله وَّلي ولم يكن بأفضلهم(٣).
وقال الربيع : قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ مَنْ روى الحديث في دهره(٤) .
وقال أبو القاسم البَغَوي : حدّثنا أبو خَيْئمة ، حدّثنا الوليد بن مسلم ، حدّثنا سعيد بن عبد العزيز ،
عن مكحول قال : تواعد الناس ليلة من الليالي إلى قُبَّة من قباب معاوية ، فاجتمعوا فيها ، فقام فيهم
أبو هريرة، فحدَّثهم عن رسول الله وَ ل حتى أصبح(٥) .
وقال سفيان بن عُيَيْنة: عن عمرو(٦) ، عن وهب بن منبِّه، عن أخيه هَمّام بن منبِّه قال : سمعت
أبا هريرة يقول: ما من أحد من أصحاب رسول الله وَ ل فر أكثر حديثاً عنه مني ، إلا ما كان من عبد الله بن
عمرو ، فإنه كان يكتبُ ولا أكتب(٧) .
(١) يعني أقعد كاتبه أبا الزعيزعة.
(٢) رواه الحاكم في مستدركه (٣/ ٥١٠) .
تاريخ ابن عساكر مختصره (١٩٠/٢٩).
(٣)
تاريخ ابن عساكر مختصره (٢٩/ ١٩١).
(٤)
(٥)
المصدر السابق.
تحرف في (أ) و(ط ) إلى: معمر، وعمرو : هو ابن دينار المكي.
(٦)
(٧) أخرجه البخاري رقم (١١٣) في العلم: باب كتابة العلم. وللأستاذ شعيب الأرناؤوط تعليق مفيد عليه في سير أعلام
النبلاء (٢ /٥٩٩) .

١٥٥
وفيات سنة ٥٩هـ
وقال أبو زرعة الدمشقي : حدّثني محمد بن زرعة الرُّعَيْني ، حدّثنا مروان بن محمد، حدّثنا
سعيد بن عبد العزيز ، عن إسماعيل بن عبيد(١) الله ، عن السّائب بن يزيد قال : سمعت عمر بن الخطاب
يقول لأبي هريرة: لتتركن الحديث عن رسول الله وَ له أو لأُلحقنَّك بأرض [ دوس، وقال لكعب الأحبار:
لتتركن الحديث أو لأَلحقَّك بأرض ]٢) القِرَدة . قال أبو زرعة: وسمعت أبا مُسْهر يذكر عن سعيد بن
عبد العزيز نحواً منه ولم يسنده(٣) .
وهذا محمول من عمر على أنه خشي من الأحاديث التي قد يضعها الناس على غير مواضعها [ وأنهم
يتكلمون على ما فيها من أحاديث الرُّخص ، وأن الرجل إذا أكثر من الحديث ربما وقع في أحاديثه بعض
الغلط أو الخطأ فيحملها الناس عنه ، أو نحو ذلك ]٤) .
وقد جاء أن عمر أَذن له بعد ذلك في التحديث ، فقال مسدَّد : حدّثنا خالد الطحّان ، حدّثنا يحيى بن
عبيد(٥) الله ، عن أبي هريرة قال: بلغَ عمرَ حديثي ، فأرسل إليَّ ، فقال : كنتَ معنا يوم كّا مع
رسول الله وَّ في بيت فلان ؟ قال : قلتُ: نعم، وقد علمتُ لمَ تسألُني عن ذلك؟ قال: ولمَ سألتُك ؟
قلتُ: إن رسول الله وَّرَ قال يومئذ: ((مَنْ كذَبَ [عليَّ متعمِّداً فَلْيتبوَّأْ مَفْعَدَه مِنَ النّار)) قال: أما إذاً
فاذهب فحدِّث .
وقال(٦) الإمام أحمد : حدّثنا عفّان، حدّثنا عبد الواحد - يعني ابن زياد - حدّثنا عاصم بن كُلَيب،
حدّثني أبي قال: سمعت أبا هريرة يقول - وكان يبتدِىء حديثه بأن يقول: قال رسول الله وَّهُ الصادقُ
المصدوق: ((مَنْ كَذَبَ عليَّ متعمَّداً فليتبوَّأُ مقعَدَه من النّار)(٧).
وروي مثله من وجه آخر عنه .
وقال ابن وهب : حدّثني يحيى بن أيوب ، عن محمد بن عَجْلان : أن أبا هريرة كان يقول : إني
لأحدِّث أحاديث لو تكلَّمتُ بها في زمان عمر - أو عند عمر - لشجّ رأسي(٨).
(١) تحرف في المطبوع إلى: عبد.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من أ .
(٣)
تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٥٤٤/١) .
(٤) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٥) تحرف في المطبوع إلى: عبد . ويحيى هو ابن عبيد الله بن عبد الله بن موهب التيمي ، من الضعفاء المتروكين ،
وأبوه عبيد الله لم يوثقه غير ابن حبان . والخبر في تاريخ ابن عساكر (١٩/ ١١٧/ ب).
(٦) ما بين حاصرتين سقط من أ .
(٧) رواه أحمد في مسنده (٢/ ٤١٣) وإسناده قوي .
(٨) رجاله ثقات ، إلا أنه منقطع ، لأن ابن عجلان لم يسمع من أبي هريرة .

١٥٦
وفيات سنة ٥٩هـ
وقال صالح بن أبي الأخضر : عن الزهري ، عن أبي سلمة : سمعت أبا هريرة يقول : ما كنّا نستطيع
أن نقول: قال رسول الله وَل، حتى قُبض عمر (١)
وقال محمد بن يحيى الذُّهلي: حدّثنا عبد الرزاق، عن مَعْمر، عن الزُّهري قال: قال عمر: أَقِلُّوا
الرواية عن رسول الله وَ لَهَ إلّ فيما يُعمل به. قال: ثم يقول أبو هريرة: أفكنتُ محدِّثَكم بهذه الأحاديث
وعُمر حيّ؟ أما والله إذاً لأيقنت أن المِخْفَقَةُ(٢) ستباشر ظهري. [ فإن عمر كان يقول: اشتغلوا بالقرآن
فإنَّ القرآن كلام الله ، ولهذا لما بعث أبا موسى إلى العراق قال له : إنك تأتي قوماً لهم في مساجدهم دوٌّ
بالقرآن كدويٍّ النحل ، فدعهم على ما هم عليه ولا تَشْغلهم بالأحاديث ، وأنا شريكك في ذلك . وهذا
معروف عن عمر رضي الله عنه (٣) .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا هُشَيم ، عن يعلَى بن عطاء ، عن الوليد بن عبد الرحمن ، عن ابن عمر:
أنه مَّ بأبي هريرة وهو يحدِّث عن النبيِ نَّ أنه قال: « مَنْ تَبَعَ جنازةٌ فصلَّى عليها فلَهُ قِيراط ، فإنْ شَهِدَ
دفنَها فلَهُ قيراطان، القيراطُ أعظمُ مِنْ أُحُد)) فقال له ابن عمر: أبا هرّ انظر ما تحدِّث عن رسول الله وَّةِ،
فقام إليه أبو هريرة حتى انطلق به إلى عائشة فقال لها: يا أمَّ المؤمنين أَنشُدُكِ بالله أسمعتِ رسول الله وَله
يقول : ((مَنْ تَبعَ جنازةً فصلَّى عليها فلَهُ قيراط، فإنْ شَهِدَ دفنَها فَلَهُ قيراطان))؟ فقالت: اللهمَّ نعم . فقال
أبو هريرة: إنه لم يكن يَشْغَلُني عن رسول الله وَ[ غرسُ الوَدِيُّ(٤) ولا صَفْقٌ بالأسواق ، إني إنما كنت
أطلب من رسول الله وَ ﴿٣°) كلمةً يعلِّمُنيها أو أكلةً يُطعمُنيها. فقال له ابن عمر: يا أبا هرّ كنتَ ألزَمَنا
لرسول الله ◌َّهِ وأعلَمنا بحديثه (٦).
وقال الواقدي : حدّثني عبد الله بن نافع ، عن أبيه قال : كنت مع ابن عمر في جنازة أبي هريرة ، وهو
يمشي أمامَها ويكثر الترُم عليه ويقول: كان ممَّن يحفظ حديث رسول اللهِوَ ل﴿ على المسلمين(٧).
وقد روي : أن عائشة تأوّلت أحاديث كثيرة من رواية أبي هريرة ، ووهَّمته في بعضها ، وفي الصحيح
أنها عابت عليه سرد الحديث والإكثار منه في الساعة الواحدة .
(١) صالح بن أبي الأخضر ضعيف. وأخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٩/ ١١٧/ ب).
المخفقة: شيء يضرب به نحو سير أو دِرَّة. والخبر في مصنف عبد الرزاق برقم (٢٠٤٩٦).
(٢)
(٣)
ما بين حاصرتين سقط من ب .
تحرفت في ط وب إلى: الوادي. ((والودي)): صغار النخل ، واحدتها : ودية .
(٤)
ما بين حاصرتين سقط من أ .
(٥)
رجاله ثقات . وهو في مسند أحمد (٢/٢ - ٣) وهو حديث صحيح ، وأخرج المرفوع منه البخاري رقم (٤٧) ومسلم
(٦)
(٩٤٥) .
(٧) في إسنادها الواقدي ، وقد اتفقوا على ضعفه وعدم الاعتداد بروايته .

١٥٧
وفيات سنة ٥٩هـ
وقال أبو القاسم البغوي : حدّثنا بشر بن الوليد الكِنْدي، حدّثنا إسحاق بن سعيد(١) ، عن سعيد :
أن عائشة قالت لأبي هريرة: أكثرتَ الحديث عن رسول الله وَلَ يا أبا هريرة، قال: إني والله ما كانت
تَشْغَلُني عنه المُكْحُلة والخِضاب ، ولكن أرى ذلك شَغَلكِ عما استكثرتِ من حديثي. قالت: لعلَّه (٢) .
وقال أبو يَعْلى : حدّثنا إبراهيم الشامي، حدّثنا حمّاد بن سلمة ، عن ثابت، عن أبي رافع، أن رجلاً
من قريش أتى أبا هريرة في حُلَّة وهو يتبختر فيها فقال: يا أبا هريرة إنك تكثر الحديث عن رسول الله وَّل
فهل سمعته يقول في حُلَّتي هذه شيئاً ؟ قال : والله إنكم لتُؤْذوننا ، ولولا ما أخذ الله على أهل الكتاب
لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧] ما حدَّثتكم بشيء، سمعت أبا القاسمِ وَ لَّ يقول: ((إنَّ
رجلاً ممَّن كانَ قبلَكُم بينما هو يتبخترُ في حُلَّةِ إذ خسفَ اللهُ بهِ الأرضَ فهو يَتَجَلْجَلُ (٣) فيها حتّى تقومَ
السّاعة)) فوالله ما أدري لعلَّه كان من قومك - أو من رهطك - شكَّ أبو يَعْلى (٤) .
وقال محمد بن سعد : حدّثنا محمد بن عمر، حدّثني كثير بن زيد ، عن الوليد بن رباح قال :
سمعت أبا هريرة يقول لمروان : والله ما أنت بِوالٍ ، وإن الوالي لغيرُك ، فدعه - يعني حين أرادوا دفن
الحسن مع رسول الله وَ ل ـ ولكنَّك تدخل فيما لا يعنيك، إنما تريد بهذا إرضاء من هو غائب عنك - يعني
معاوية - قال : فأقبل عليه مروان مُغْضَباً فقال : يا أبا هريرة إن الناس قد قالوا : إنك أكثرتَ على
رسول الله ◌َّ الحديث، وإنما قَدِمْتَ قبل وفاة النبي وَّل بيسير. فقال أبو هريرة: نعم قدمتُ
ورسولُ اللهِ وَلَه بخيبر سنة سبع، وأنا يومئذ قد زدتُ على الثلاثين سنة سنوات، وأقمتُ معه حتى توفي،
أدور معه في بيوت نسائه وأخدُمُه - وأنا والله يومئذ مُقِلّ - وأصلِّي خلفه، وأحُ وأغزو معه ، فكنت - والله
- أعلمَ الناس بحديثه، قد والله سبقني قوم بصحبته والهجرة إليه من قريش والأنصار، وكانوا يعرفون لزومي
له فيسألوني عن حديثه ، منهم عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ، فلا والله ما يخفى عليَّ كلُّ حديث كان
بالمدينة ، وكل من أحبَّ الله ورسوله ، وكل من كانت له عند رسول الله ◌َّله منزلة ، وكل صاحب له ،
فكان أبو بكر صاحبَه في الغار وغيره ، وقد أخرجه رسول الله بَّل أن يساكنه - يعرِّض بأبي مروان الحكم بن
العاص . ثم قال أبو هريرة : ليسألني أبو عبد الملك عن هذا وأشباهه فإنَّه يجد عندي منه علماً جمّاً
ومقالاً . قال : فوالله ما زال مروان يقصر عن أبي هريرة ، ويتَّقيه بعد ذلك، ويخافُه ويخاف جوابَهُ(٥) .
[ وفي رواية : أن أبا هريرة قال لمروان: إني أسلمتُ وهاجرتُ اختياراً وطوعاً، وأحببتُ
(١) تحرف في الأصول إلى: سعد وسعيد الذي يروي عنه هو أبوه .
(٢)
أخرجه ابن عساكر في تاريخه (١٩/ ١/١٢٠) والذهبي في سير أعلام النبلاء (٦٠٤/٢ - ٦٠٥).
(٣)
((يتجلجل)): يسوخ ويغوص في الأرض .
تاريخ ابن عساكر ، مختصره (١٩٦/٢٩) وأخرج المرفوع منه أحمد (٤١٣/٢) ومسلم رقم (٢٠٨٨) (٥٠).
(٤)
سير أعلام النبلاء (٢/ ٦٠٥) .
(٥)

١٥٨
وفيات سنة ٥٩هـ
رسول الله وَ ل حبّاً شديداً، وأنتم - أهل الدار وموضع الدعوة - أخرجتم الداعيَ من أرضه، وآذيتموه
وأصحابه، وتأخَّر إسلامُكم عن إسلامي إلى الوقت المكروه إليكم. فندم مروان على كلامه له، واتَّقاه}(١) .
وقال ابن أبي خيثمة : حدّثنا هارون بن معروف ، حدّثنا محمد بن سلمة ، حدّثنا محمد بن إسحاق ،
عن عمر - أو عثمان - بن عروة ، عن أبيه - يعني عروة بن الزبير بن العوام - قال: قال لي أبي الزبير : أَدْنني
من هذا اليماني - يعني أبا هريرة - فإنه يكثر الحديث عن رسول الله وَّ، قال: فَأَدْنَيْتُه منه ، فجعل
أبو هريرة يحدِّث وجعل الزبير يقول : صدق ، كذب ، صدق ، كذب . قال : قلت : يا أبة ما قولك :
صدق ، كذب؟ قال: يا بني أمّا أن يكون سمع هذه الأحاديث من رسول الله وَّ فلا أشكُ ، ولكن منها
ما وضعه على مواضعه ، ومنها ما وضعه على غير مواضعه ٢) .
وقال علي بن المديني : عن وهب بن جرير ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن
إبراهيم ، عن أبي أنس (٣) بن أبي عامر قال: كنت عند طلحة بن عُبيد الله إذ دخل رجل فقال : يا أبا محمد
والله ما ندري هذا اليماني أعلم برسول الله منكم، أم هو يقول على رسول الله وَّر ما لم يسمع أو ما لم
يَقُل ؟ فقال طلحة: والله ما نشكُ أنه قد سمع من رسول الله وَّر ما لم نسمع ، وعلم منه ما لم نعلم . إنا
كنّا قوماً أغنياء، لنا بيوتاتٌ وأهلون، وكنّا نأتي رسول الله وَ ل طرفي النهار ثم نرجع، وكان هو مسكيناً
لا مال له ولا أهل، وإنما كانت يده مع رسول الله وَلَه، وكان يدور معه حيث ما دار ، فما نشكُّ أنه قد
علم ما لم نعلم ، وسمع ما لم نسمع . وقد رواه الترمذي (٤) بنحوه .
وقال شُعبة : عن أشعث بن سليم ، عن أبيه قال : سمعت أبا أيوب يحدِّث عن أبي هريرة ، فقيل
له: أنت صاحب رسول الله وّله وتحدِّث عن أبي هريرة؟ فقال: إنَّ أبا هريرة قد سمع ما لم نسمع ، وإني
أن أحدِّث عنه أحبُّ إليَّ من أن أحدِّث عن رسول الله ◌َ ◌ّهِ - يعني ما لم أسمعه منه.
وقال مسلم بن الحجّاج : حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، حدّثنا مروان الدمشقي ، عن
الليث بن سعد ، حدّثني بُكَير بن الأشَجّ قال: قال لنا بُسْر(٥) بن سعيد: اتقوا الله وتحفّظُوا من الحديث،
فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدِّث عن رسول الله وَ له ويحدِّثنا عن كعب الأحبار، ثم يقوم فأسمع
بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله وَ ل عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله وَله. وفي
(١) هذه الرواية ليست في ب .
تاريخ ابن عساكر: مختصره (٢٩ / ١٩٧) .
(٢)
وقع في (أ) و(ط ): اليسر وفي ب: البشر وكله تحريف. وأبو أنس: هو مالك بن أبى عامر ، جد مالك بن أنس
(٣)
الفقيه .
(٤) (٣٨٣٧) في المناقب: باب مناقب أبي هريرة ، وإسناده ضعيف.
(٥) تحرف في الأصول إلى: بشر .

١٥٩
وفيات سنة ٥٩هـ
رواية: يجعل ما قاله كعبٌ عن رسول الله، وماقاله رسول الله عن كعب . فاتقوا الله وتحفّظوا في الحديث.
وقال يزيد بن هارون : سمعت شعبة يقول : أبو هريرة كان يدلِّس - [ أي يروي ما سمعه من کعب وما
سمعه من رسول الله وَ ﴿ ولا يميز هذا من هذا }(١) - ذكره ابن عساكر(٢).
وكأنَّ شعبة يشير بهذا إلى حديثه (( مَنْ أصبح جُنباً فلا صِيامَ له )) فإنه لما حُوقق عليه قال : أخبرنيه
مخبر، ولم أسمعه من رسول الله وَالِ﴾(٣).
وقال شَريك : عن مُغيرة ، عن إبراهيم قال : كان أصحابنا يَدَعُون من حديث أبي هريرة .
[ وروى الأعمش ، عن إبراهيم قال: ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة ](٤).
وقال الثوري : عن منصور ، عن إبراهيم قال : كانوا يَرَوْن في أحاديث أبي هريرة شيئاً ، وما كانوا
يأخذون من حديثه [ إلَّا ما كان من حديث (٥) صفة جنَّة أو نار ، أو حثٍّ على عمل صالح ، أو نهي عن
شرِّ جاء القرآن به .
وقد انتصر ابن عساكر لأبي هريرة ، وردّ هذا الذي قاله إبراهيم النَّخعي . وقد قال ما قاله إبراهيم
طائفةٌ من الكوفيِّين ، والجمهورُ على خلافهم .
وقد كان أبو هريرة من الصِّدق والحفظ والدِّيانة والعبادة والزَّهادة والعمل الصالح على جانب عظيم .
قال حمّاد بن زيد : عن عباس الجُريري ، عن أبي عثمان النَّهدي قال : كان أبو هريرة يقوم ثلث
الليل ، وامرأتُه ثلثه ، وابنتُه ثلثه ، يقوم هذا ثم يوقظ هذا ، ثم يوقظ هذا هذا(٦) .
وفي (( الصحيحين)) عنه أنه قال: أوصاني خَليلي وَّ بصيام ثلاثة أيام من كلِّ شهر، وركعَتّي
الضُّحى ، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنامٌ(٧) .
(١) ما بين حاصرتين ليس في ب .
(٢) في تاريخه (١٢٢/١٩). وأورده الذهبي في السير (٦٠٨/٢) ثم عقب عليه بقوله: تدليس الصحابة كثير ، ولا عيب
فيه؛ فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم ، والصحابة كلهم عدول .
(٣) في هذا المعنى أخرج مسلم في صحيحه (١١٠٩) في الصيام: باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب .
(٤) ما بين حاصرتين من المطبوع فقط. سير أعلام النبلاء (٢/ ٦٠٨) حاشية (٤).
(٥) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٦) أخرجه أحمد في الزهد ص٢٥٩ ، وإسناده صحيح .
(٧) أخرجه البخاري (١١٧٨) في التهجد : باب صلاة الضحى في الحضر ، وفي الصوم: باب صيام أيام البيض ،
ومسلم (٧٢١) في صلاة المسافرين: باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان ، وأبو داود (١٤٣٢) في
الصلاة: باب في الوتر قبل النوم ، والترمذي (٧٦٠) في الصوم: باب ما جاء في صوم ثلاثة أيام من كل شهر ،
والنسائي (٢٢٩/٣) في قيام الليل: باب الحث على الوتر قبل النوم.

١٦٠
وفيات سنة ٥٩هـ
وقال ابن جُرَيج عمّن حدثه قال : قال أبو هريرة : إني أجزِّىء الليل ثلاثة أجزاء : فجزءاً لقراءة
القرآن ، وجزءاً أنام فيه، وجزءاً أتذكّر فيه حديث رسول الله(١).
وقال محمد بن سعد : حدّثنا مسلم بن إبراهيم ، حدّثنا إسحاق بن عثمان القرشي ، حدّثنا أبو أيوب
قال : كان لأبي هريرة مسجد في مَخْدَعه ، ومسجد في بيته ، ومسجد في حجرته ، ومسجد على باب
داره، إذا خرج صلَّى فيها جميعها ، وإذا دخل صلَّى فيها جميعها٢) .
وقال عكرمة : كان أبو هريرة يسبِّح كل ليلة اثني عشر ألف تسبيحة ، ويقول : أسبِّح على قدر
ديتي(٣).
وقال هُشيم : عن يَعْلى بن عطاء ، عن ميمون بن(٤) مَيْسرة قال : كانت لأبي هريرة صيحتان في كل
يوم ، أول النهار صيحة يقول : ذهب الليل وجاء النهار وعُرض آل فرعون على النار ، وإذا كان العشيُّ
يقول : ذهب النهار وجاء الليل وعُرض آل فرعون على النار . فلا يسمع أحدٌ صوته إلّ استعاذ بالله من
النار .
وقال عبد الله بن المبارك : حدّثنا موسى بن عبيدة ، عن زياد بن ثوبان ، عن أبي هريرة قال :
لا تَغْبِطَنَّ فاجراً بنعمة فإنَّ من ورائه طالباً حثيثاً طلبُه، جهنَّم كلما خَبَتْ زدناهم سعيرأ٥) .
وقال ابن لَهِيعة : عن أبي يونس ، عن أبي هريرة : أنه صلَّى بالناس يوماً ، فلمّا سلَّم رفع صوته
فقال : الحمدُ لله الذي جعل الدّين قواماً ، وجعل أبا هريرة إماماً، بعدما كان أجيراً لابنة غَزْوان على شبع
بطنه، وحَمُولة رِجْله(٦) .
[ وقال إبراهيم بن إسحاق الحَرْبي: حدّثنا عفّان، حدّثنا سليم بن حيان قال: سمعت أبي يحدِّث عن
أبي هريرة قال: نشأت يتيماً، وهاجرت مسكيناً ، وكنت أجيراً لابنة غزوان بطعام بطني ، وعُقْبة رجلي (٧)،
أحدو بهم إذا ركبوا ، وأحتطب إذا نزلوا ، فالحمدُ لله الذي جعل الدّين قواماً ، وجعل أبا هريرة
تاريخ ابن عساكر ، مختصره (١٩٩/٢٩).
(١)
(٢) أخرجه أحمد فى الزهد (ص ٢٦١ - ٢٦٢)، والمخدع: مكان النوم.
(٣)
مثله في تاريخ ابن عساكر ، مختصره (١٩٩/٢٩)، ووقع في أ ، ب : ديني .
١
في الأصول: ميمون بن أبي ميسرة، وماأثبته من الجرح والتعديل (٢٣٥/٨) وغيره . والخبر في تاريخ ابن عساكر ،
(٤)
مختصره (١٩٩/٢٩) .
تاريخ ابن عساكر ، مختصره (٢٠٠/٢٩) .
(٥)
أخرجه أبو نعيم في الحلية (٣٧٩/١).
(٦)
(٧) يعني: نوبة ركوبه .