النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ وفيات سنة ٥٨هـ أَحبُّ عندي من أبي وجاري وصاحبِ الدِّرهم والدِّينار أخشى إذا غَدَرْتُ حرَّ النَّار قال : فضحك معاوية وأمر له بعشرة آلاف درهم ومركب ووطاءٍ ، ولما انقضت عدَّتها زوَّجه بها وسلَّمها إليه . حذفنا منها أشعاراً كثيرة مطوَّلهُ(١) . وجرت في هذه السنة فصول طويلة بين عبيد الله بن زياد والخوارج ، فقتل منهم خلقاً كثيراً وجماً غفيراً ، وحبس منهم آخرين ، وكان صارماً كأبيه مقداماً في أمرهم . ذكر من توفي من الأعيان في هذا العام : سَعيد بن العاص (٢): ابن [ سعيد بن العاص ٣٦) بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيُّ الأمويّ . قتل أبوه يوم بدر كافراً ، قتلَه علي بن أبي طالب ، ونشأ سعيد في حجر عثمان بن عفّان ، وكان عمر سعيد يوم مات رسول الله وَّلل تسع سنين. وكان من سادات المسلمين والأجواد المشهورين. وكان جدُّه سعيد بن العاص - ويكنى بأبي أَحَيْحةُ(٤) - رئيساً في قريش ، يقال له : ذو التاج ، لأنه كان إذا اعتمَّ لا يعتمُّ أحد يومئذ إعظاماً له . وكان سعيد هذا من عمّال عمر على السَّواد ، وجعله عثمان فيمن يكتب المصاحف لفصاحته . قالوا: وكان أشبه الناس لهجةُ(٥) برسول الله وَله. وكان في جملة الاثني عشر رجلاً [ الذين يستخرجون (١) مختصر تاريخ دمشق (٢٩ /٢٥٠ - ٢٥٣). (٢) طبقات ابن سعد (٣٠/٥) نسب قريش (١٧٦) تاريخ خليفة (١٦٣، ١٦٥، ١٦٦، ١٦٨، وغيرها) المحبر (٥٥، ١٥٠، ١٧٤) تاريخ البخاري الكبير (٥٠٢/٣) المعارف (٢٩٦، ٦١٤) المعرفة والتاريخ (٢٩٢/١) أنساب الأشراف (٤٣٣/٤) تاريخ الطبري (٢٩٣/٥) الجرح والتعديل (٤٨/٤) مشاهير علماء الأمصار (ت٤٤٦) الأغاني (٢٢٤/١٧) معجم الطبراني الكبير (٧٣/٦) جمهرة أنساب العرب (٨٠) الاستيعاب (٦٢١/٢) الجمع بين رجال الصحيحين (١٧٤/١) تاريخ ابن عساكر (٢/١٢٧/٧) أسد الغابة (٣٩١/٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢١٨/١/١) مختصر تاريخ دمشق (٣٠٥/٩) تهذيب الكمال (٥٠١/١٠) تاريخ الإسلام (٢٨٦/٢) العبر (٦٤/١) سير أعلام النبلاء (٤٤٤/٣) الكاشف (٢٢٨/١) تجريد أسماء الصحابة (١/ ت٢٣٢٤) إكمال مغلطاي (٢ / ورقة ٨٧) الوافي بالوفيات (٢٢٧/١٥) العقد الثمين (٥١٧/٤) نهاية السول (ورقة ١١٧) تهذيب التهذيب (٤٨/٤) الإصابة (٤٧/٢) خلاصة الخزرجي (١٣٩) شذرات الذهب (٢٦٨/١) تهذيب ابن عساكر (١٣٣/٦). (٣) سقط من ( أ) وط . (٤) تحرفت في ( أ) وط إلى : أجنحة . (٥) وقعت في الأصول : لحية وما أثبته من مصادر ترجمته ، فقد أخرج ابن أبي داود في المصاحف (ص٢٤) عن سعيد ابن عبد العزيز أنه قال: إن عربية القرآن أقيمت على لسان سعيد بن العاص لأنه كان أشبههم لهجة برسول الله وَطهر . ١٢٢ وفيات سنة ٥٨هـ القرآن ويعلمونه ويكتبونه ]١) منهم أَبيُّ بن كعب ، وزيدُ بن ثابت . واستنابه عثمان على الكوفة بعد عزله الوليد بن عُقْبة ، فافتتح طَبرستان وجُرجان ، ونقض العهد أهل أَذْرَبيجان فغزاهم ففتحها ، ولمّا مات عثمان اعتزل الفتنة فلم يشهد الجمل ولاصفِّين ، فلمّا استقرَّ الأمر لمعاوية وفد إليه ، فعتب عليه ، فاعتذر إليه ، فعذره ... في كلام طويل جدّاً، وولّاه المدينة مرتين ، وعزله عنها مرتين بمروان بن الحكم . وكان سعيد هذا لا يسبُّ عليًّا ، ومروان يسبُّه. وروى عن النبي ◌َّله، وعن عمر بن الخطاب، وعثمان، وعائشة ، وعنه ابناه: عَمرو بن سعيد الأَشْدَق ، وأبو سعيد ، وسالم بن عبد الله بن عمر ، وعروة بن الزبير ، وغيرهم . وليس له في ((المسند )) ولا في الكتب الستة شيء. وقد كان حسن السِّيرة ، جيِّد السَّريرة . وكان كثيراً ما يجمع أصحابه في كل جمعة فيطعمهم ويكسوهم الحلل ، ويرسل إلى بيوتهم بالهدايا والتحف والبرّ الكثير ، وكان يصرُّ الصُّرَر فيضعها بين يدي المصلِّين من ذوي الحاجات في المسجد . قال ابن عساكر: وقد كانت له دار بدمشق تُعرف بعده بدار نعيم بنواحي الديماس، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها إلى أن مات . وكان كريماً جواداً ممدَّحاً . ثم أورد شيئاً من حديثه من طريق يعقوب بن سفيان : حدّثنا أبو سعيد الجُعْفي ، حدّثنا عبد الله بن الأَجْلح ، حدّثنا هشام بن عروة ، عن أبيه أن سعيد بن العاص قال: إن رسول الله وسلّم قال: ((خِيَارُكم في الإسلام خِيَارُكم في الجاهليَّة(٢). ومن طريق الزبير بن بكّار: حدّثني رجل ، عن عبد العزيز بن أبان ، حدّثني خالد بن سعيد ، عن أبيه ، عن ابن عمر قال: جاءت امرأة إلى رسول الله وَّهَ بُيُرْد فقالت: إني نويت أن أُعطي هذا الثوبَ أكرمَ العرب، فقال: ((أعطيه هذا الغلام)) يعني سعيد بن العاص، وهو واقف، فلذلك سمِّيت الثياب السَّعيديَّةُ(٣) . وأنشد للفرزدق فيه : إذا ما الخطبُ في الحَدَثانِ عَالا تَرَى الغُرَّ الجَحَاجِحَ من قُرَيْشٍ كأنَّهُمُ يَرَوْنَ بِهِ هِلاَلَ(٤) قِياماً يَنْظِرونَ إلى سَعيدٍ وذكر أن عثمان عزل عن الكوفة المغيرةَ وولّها سعيد بن العاص(٥)، ثم عزله وولَّى الوليد بن (١) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٢) أخرجه يعقوب في المعرفة والتاريخ (٢٩٢/١ - ٢٩٣) وابن عساكر في تاريخه (٩/ ٣٠٥) مختصره، ومتن الحديث المشهور في هذا هو حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري (٣٤٩٦) ومسلم (٢٥٢٦)، ولفظ البخاري: ((والناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ... إلخ)). (٣) مختصر تاريخ دمشق (٣٠٦/٩). (٤) البيتان في ديوان الفرزدق (٦١٥، ٦١٨) ورواية البيت الأول فيه: إذا ما الأمر ذو الحدثان عالا . وفي سير أعلام النبلاء (٤٤٥/٣) تخريج موسع لهما . (٥) وقع في المطبوع : سعيد بن أبي وقاص . ١٢٣ وفيات سنة ٥٨هـ عُقبة(١) ، ثم عزله وولَّى سعيد بن العاص ، فأقام بها حيناً ، ولم تُحمد سيرتُه فيهم ولم يحبُّوه ، ثم ركب مالك بن الحارث - وهو الأشتر النَّخعي - في جماعة إلى عثمان وسألوه أن يعزل عنهم سعيداً ، فلم يعزله ، وكان عنده بالمدينة ، فبعثه إليه ، وسبق الأشترُ إلى الكوفة ، فخطب الناسَ وحثَّهم على منعه من الدخول إليهم ، وركب الأشترُ في جيش يمنعوه من الدخول ، قيل : تلقَّوه إلى العُذَيب ، وقد نزل سعيد بالرعثة(٢) ، فمنعوه من الدخول إليهم ، ولم يزالوا به حتى ردُّوه إلى عثمان، وولَّى الأشترُ أبا موسى الأشعري على الصلاة والثغر ، وحذيفة بن اليَمَان على الفيء ، فأجاز ذلك أهلُ الكوفة وبعثوا إلى عثمان في ذلك ، فأمضاه وسرّه ذلك فيما أظهره ، ولكن هذا كان أول وهن دخل على عثمان . وأقام سعيد بن العاص بالمدينة حتى كان زمن حصر عثمان فكان عنده بالدار ، ثم لمّا ركب طلحة والزبير مع عائشة من مكة يريدون قتَلَة عثمان ركب معهم ، ثم انفرد عنهم هو والمغيرة بن شعبة وغيرهما ، فأقام بالطائف حتى انقضت تلك الحروب كلّها ، ثم ولّه معاوية إمرة المدينة سنة تسع وأربعين ، وعزل مروان ، فأقام حينا٣ً) ثم ردَّ مروان . وقال عبد الملك بن عُمير : عن قبيصة بن جابر قال : بعثني زياد في شغل إلى معاوية ، فلمّا فرغتُ من أموري قلت : يا أمير المؤمنين لمن يكون الأمرُ من بعدك ؟ فسكت ساعة ثم قال : يكون بين جماعة : أما كريم(٤) قريش فسعيد بن العاص ، وأما فتى قريش حياءً ودهاءً وسخاءً فعبد الله بن عامر ، وأما الحسن (٥) بن علي فرجل سيِّد كريم ، وأما القارىء لكتاب الله الفقيهُ في دين الله الشديدُ في حدود الله فمروان بن الحكم ، وأما رجل فقيه فعبد الله بن عمر ، وأما رجل يرد الشريعة مع دواهي السِّباع ويروغ رَوَغان الثعلب فعبد الله بن الزبير . وروينا أنه استسقى يوماً في بعض طرق المدينة ، فأخرج له رجل من داره ماءً فشرب ، ثم بعد حين رأى ذلك الرجل يَعرِض داره للبيع ، فسأل عنه لمَ يبيعُ داره ؟ فقالوا : عليه دين أربعة آلاف دينار ، فبعث إلى غريمه فقال: هي لك عليّ ، وأرسل إلى صاحب الدار فقال: استمتع بدارك(٦). وكان رجل من القراء الذين يجالسونه قد افتقر وأصابته فاقة شديدة ، فقالت له امرأته : إن أميرنا هذا (١) وقع في المطبوع : عتبة . (٢) كذا في الأصول . والذي في مختصر تاريخ دمشق (٩/ ٣٠٧) وغيره من المصادر التاريخية : الجَرَعة بين الكوفة والحيرة . معجم البلدان (٢/ ١٢٧ - ١٢٨). (٣) كذا في أ ، ووقعت في ط : سبعاً ، وفي ب وم : خمساً . (٤) في ب : كريمة ، وفي تاريخ أبي زرعة الدمشقي : كرمة . كذا في الأصول ، وهو كذلك في تاريخ أبي زرعة الدمشقي (١/ ٥٩٣) وقال محققه: المعروف أن الحسن بن علي (٥) تنازل عن الخلافة سنة ٤٠ هـ ، ولاشك أن المقصود أخوه الحسين . (٦) مختصر تاريخ دمشق (٩/ ٣١٣ - ٣١٤). ١٢٤ وفيات سنة ٥٨هـ يوصف بكرم ، فلو ذكرتَ له حالك فلعلَّه يسمح لك بشيء ، فقال: ويحك! لا تُخْلِقيُ(١) وجهي ، فألحَّت عليه في ذلك ، فجاء فجلس إليه ، فلمّا انصرف الناس عنه مكث الرجل جالساً في مكانه ، فقال له سعيد : أظن جلوسك لحاجة ، فسكت [ الرجل ، فقال سعيد لغلمانه : انصرفوا ، ثم قال له سعيد : لم يبقَ غيري وغيرك، فسكت (٢) فأطفأ المصباح ثم قال له : رحمك الله لست ترى وجهي فاذكر حاجتك ، فقال : أصلح الله الأمير ! أصابتنا فاقة وحاجة فأحببت ذكرها لك فاستحييت ، فقال له : إذا أصبحت فالقَ وكيلي فلاناً ، فلمّا أصبح الرجل لقي الوكيل ، فقال له الوكيل : إن الأمير قد أمر لك بشيء فأتٍ بمن يحملُه معك، فقال : ما عندي من يحملُه ، ثم انصرف الرجل إلى امرأته فلامَها وقال : حملتيني على بذل وجهي للأمير ، فقد أمر لي بشيء يحتاج إلى مَنْ يحملُه، وما أراه أمَرَ لي إلّا بدقيق أو طعام ، ولو كان مالاً لما احتاج إلى من يحملُه ولأعطانيه . فقالت له المرأة : فمهما أعطاك فإنه يقوتنا فخذه ، فرجع الرجل إلى الوكيل ، فقال له الوكيل : إني أخبرت الأمير أنه ليس لك أحد يحملُه ، وقد أرسل بهؤلاء الثلاثة السُّودان يحملونه معك ، فذهب الرجل أمامهم ، فلمّا وصل إلى منزله إذا على رأس كل واحد منهم عشرة آلاف درهم ، فقال للغِلْمان: ضَعُوا ما معكم وانصرفوا ، فقالوا : إن الأمير قد أطلقَنا لك ، فإنه ما بعث مع خادم هدية إلى أحد إلّا كان الخادم الذي يحملها من جملتها . قال : فحسن حال ذلك الرجل . وذكر ابن عساكر : أن زياد بن أبي سفيان بعث إلى سعيد بن العاص هدايا وأموالًا وكتاباً ذكر فيه أنه يخطُب إليه ابنته أمّ عثمان من آمنة بنت جرير بن عبد الله البَجَلي ، فلمّا وصلت الهدايا والأموال والكتاب قرأه ، ثم فرَّق الهدايا في جلسائه ، ثم كتب إليه كتاباً لطيفاً فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، قال الله تعالى: كَلَّ إِنَّ الْإِنْسَنَ لَطْفَىّ ﴿ أَنْ رََّاهُ أَسْتَغْنَ﴾ [ العلق: ٦ -٧] والسلام. وروينا أنَّ سعيداً خطب أمّ كلثوم بنت علي من فاطمة ، التي كانت تحت عمر بن الخطاب ، فأجابت إلى ذلك ، وشاورت أخويها ، فكرها ذلك - وفي رواية : إنما كره ذلك الحسين وأجاب الحسن - فهيَّأت دارها ، ونصبت سريراً ، وتواعدوا للكتاب ، وأمرت ابنها زيد بن عمر أن يزوِّجها منه ، فبعث إليها بمئة ألف - وفي رواية : بمئتي ألف - مَهْراً، واجتمع الناس عنده ليذهبوا معه ، فقال: إني أكره أن أُحرج ابني(٣) فاطمة ، فترك التزويج ، وأطلق جميع ذلك المال لها . وقال ابن مَعِين وعبد الأعلى بن حمّاد : سأل أعرابيٌّ سعيد بن العاص ، فأمر له بخمسمئة ، فقال الخادم : خمسمئة درهم أو دينار ؟ فقال : إنما أمرتك بخمسمئة درهم ، وإذ قد جاش في نفسك أنها تحرفت في ( أ) و (ط) إلى: تحلقي . وفي اللسان : أخلق الدهر الشيء : أبلاه . وكذلك أخلق السائل وجهه . (١) (٢) ما بين حاصرتين سقط من ا، وسقط بعضه من ب . في بعض النسخ : أمي . (٣) ١٢٥ وفيات سنة ٥٨هـ دنانير فادفع إليه خمسمئة دينار . فلمّا قبضها الأعرابيُّ جلس يبكي ، فقال له : مالك ، ألم تقبض نوالك ؟ قال : بلى والله، ولكن أبكي على الأرض كيف تأكل مثلك(١). وقال عبد الحميد بن جعفر: جاء رجل في حَمَالهُ(٢) أربع دِيَات سأل فيها أهل المدينة ، فقيل له : عليك بالحسن بن علي ، أو عبد الله بن جعفر ، أو سعيد بن العاص ، أو عبد الله بن عباس ، فانطلق إلى المسجد ، فإذا سعيد داخل إليه ، فقال : مَنْ هذا؟ فقيل : سعيد بن العاص ، فقصده فذكر له ما أقدمه ، فتركه حتى انصرف من المسجد إلى المنزل ، فقال الأعرابي : ائتِ بمن يحمل معك ، فقال : رحمك الله! إنما سألتك مالاً لا تمراً ، فقال : أعرف ، ائتِ بمن يحمل معك ، فأعطاه أربعين ألفاً ، فأخذها الأعرابي وانصرف ، ولم يسأل غير!٣) . وقال سعيد بن العاص لابنه : يا بني! أخزى الله(٤) المعروف إذا لم يكن ابتداءً من غير مسألة ، فأمّا إذا أتاك الرجل تكاد ترى دمه في وجهه ، أو جاءك مخاطراً لا يدري أتعطيه أم تمنعه ، فوالله لو خرجتَ له من جميع مالك ما كافأتَه . وقال سعيد : لجليسي عليَّ ثلاث: إذا دنا رخَبتُ به، وإذا جلس أوسعتُ له ، وإذا حدَّث أقبلتُ عليه . وقال أيضاً : يا بني! لا تُمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدَّنيء فتهون عليه - وفي رواية : فيجتریء عليك . وخطب يوماً فقال : مَنْ رزقه الله رزقاً حسناً فليكن أسعد الناس به ، إنما يتركه لأحد رجلين : إمّا مصلح فيسعد بما جمعتَ له وتخيب أنت ، والمصلح لا يقلُّ عليه شيء [ وإمّا مفسد فلا يبقى له شيء (٩) . فقال معاوية : جمع أبو عثمان طرف الكلام . وروى الأصمعي ، عن حكيم بن قيس قال : قال سعيد بن العاص : موطنان لا أستحيي من رفقي فيهما والتأنِّي عندهما : مخاطبتي جاهلاً أو سفيهاً ، وعند مسألتي حاجة لنفسي . ودخلت عليه امرأة من العابدات - وهو أمير الكوفة - فأكرمها وأحسن إليها ، فقالت : لا جعل الله لك حاجة إلى لئيم ، ولا زالت المنَّة لك في أعناق الكرام ، وإذا أزال عن كريم نعمة جعلك سبباً لردِّها عليه . (١) مختصر تاريخ دمشق (٣١٤/٩). ((الحمالة)) : الغرامة التي يحملها قوم عن قوم . (٢) (٣) مختصر تاريخ دمشق (٣١٤/٩) . في المطبوع : أجر لله. والخبر بنحوه في العقد الفريد (٢٣٨/١) ولفظه فيه: قبح الله المعروف. (٤) (٥) ما بين حاصرتين سقط من ب . ١٢٦ وفيات سنة ٥٨هـ وقد كان له عشرة من الولد ذكوراً وإناثاً ، وكانت إحدى زوجاته أم البنين بنت الحكم بن أبي العاص - أخت مروان بن الحكم - ولمّا حضرت سعيداً الوفاةُ جمع بنيه وقال لهم : لا يفقدن أصحابي غير وجهي ، وصِلُوهم بما كنت أصلهم به ، وأجروا عليهم [ ما كنت أُجري عليهم }(١) واكفوهم مؤنة الطلب ، فإن الرجل إذا طلب الحاجة اضطربت أركانه وارتعدت فرائصه مخافة أن يُردّ ، فوالله لرجل يتململُ على فراشه يراكم موضعاً لحاجته أعظم منة عليكم مما تعطونه . ثم أوصاهم بوصايا كثيرة منها : أن يوفوا ما عليه من الدَّين والوعود ، وألا يزوِّجوا أخواتهم إلّا من الأكفاء ، وأن يسوِّدوا أكبرهم. فتكفَّل بذلك كله ابنه عمرو بن سعيد الأَشْدق ، فلمّا مات دفنه بالبقيع ، ثم ركب عمرو إلى معاوية فعزّاه فيه ، واسترجع معاوية وحزن عليه وقال : هل ترك من دين عليه ؟ قال : نعم ، قال : وكم هو ؟ قال : ثلاثمئة ألف درهم - وفي رواية : ثلاثة آلاف ألف درهم - فقال معاوية: هي عليّ ، فقال ابنه : يا أمير المؤمنين ! إنه أوصاني ألَّ أقضي دينه إلا من ثمن أراضيه ، فاشترى منه معاوية أراضي بمبلغ الدَّين ، وسأل منه عمرو أن يحملها له إلى المدينة ، فحملها له . ثم شرع عمرو يقضي ما على أبيه من الدَّين حتى لم يبق أحد ، فكان من جملة من طالبه شاب معه رقعة من أديم فيها عشرون ألفاً ، فقال له عمرو : كيف استحققت هذه على أبي ؟ فقال الشاب : إنه كان يوماً يمشي وحده ، فأحببت أن أكون معه حتى يصل إلى منزله ، فقال : ابغني رقعة من أدم ، فذهبت إلى بعض الجزّارين فأتيته بهذه ، فكتب لي فيها هذا المبلغ ، واعتذر بأنه ليس عنده اليوم شيء . فدفع إليه عمرو ذلك المال ، وزاده شيئاً كثيراً . ويروى أن معاوية قال لعمرو بن سعيد : من ترك مثلك لم يَمُت ، ثم قال : رحم الله أبا عثمان ثم قال : قد مات من هو أكبر منِّي ومن هو أصغر مني . ثم أنشد قول الشاعر : إذا سَارَ مَنْ دونَ امرىءٍ وأمامَهُ وأُوْحِشَ مِنْ إخوانه فهو سَائِر(٢) وكانت وفاة سعيد بن العاص في هذه السنة ، وقيل : في التي قبلها ، وقيل : في التي بعدها ، وقال بعضهم : كانت وفاته قبل عبد الله بن عامر بجمعة . فالله أعلم . شَدَّاد بن أَوْس(٣) : ابن ثابت بن المنذر بن حرام، أبو يعلى الأنصاريُّ الخزرجيّ . صحابي جليل ، وهو ابن أخي حسان بن ثابت . (١) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٢) البيت في مختصر تاريخ دمشق (٣١٥/٩) وقد خرجه محققه من التعازي والمراثي (ص٥٢) والكامل للمبرد (٢٧/٤). (٣) طبقات ابن سعد (٤٠١/٧) طبقات خليفة (٨٨، ٣٠٣) تاريخ خليفة (٢٢٧) مسند أحمد (١٢٢/٤) تاريخ البخاري الكبير (٢٢٤/٤) التاريخ الصغير (٨٩/١) المعارف (٣١٢) المعرفة والتاريخ (٣٥٦/١ ٣٢٠/٢، ٧١٩) الجرح والتعديل (٣٢٨/٤) ثقات ابن حبان (١ / ورقة ١٨٥) مشاهير علماء الأمصار (ت٣٢٥) مستدرك الحاكم (٥٠٦/٣) الاستبصار (٥٤) حلية الأولياء (٢٦٤/١) الاستيعاب (٦٩٤/٢) الجمع لابن القيسراني (٢١١/١) أسد الغابة (٥٠٧/٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢٤٢/١) مختصر تاريخ دمشق (٢٧٦/١٠) تهذيب الكمال (٣٨٩/١٢) تاريخ= ١٢٧ وفيات سنة ٥٨ هـ وحكى ابن مَنْده ، عن موسى بن عقبة أنه قال : شهد بدراً . قال ابن مَنْده : وهو وَهْم . وكان من الاجتهاد في العبادة على جانب عظيم ، كان إذا أخذ مضجعه يقلَقُ(١) على فراشه ، ويتلوّى كما تتلوّى الحيَّة ويقول: اللهمَّ إنَّ خوف النار قد أقلَقَني ، ثم يقوم إلى صلاته . قال عُبادة بن الصامت : كان شدّاد من الذين أوتوا العلم والحلم . نزل شدّاد فلسطين وبيت المقدس ، ومات في هذه السنة عن خمس وسبعين سنة . وقيل : مات سنة أربع وستين . وقيل : سنة إحدى وأربعين . فالله أعلم . عبدُ اللهِ بنُ عامر(٢) : ابن كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف بن قُصيّ القرشيُّ العَبْشَمي ، ابن خال عثمان بن عفّان . ولد في حياة رسول الله بَ له وتَفَل في فيه، فجعل يبتلع ريق رسول الله وَلَه، فقال(٣): ((إنه لمُسْقىّ)). فكان لا يُعالج أرضاً إلّا ظهر له الماء . وكان كريماً ممدَّحاً ميمون النَّقيبة . استنابه عثمان على البصرة بعد أبي موسى ، وولّاه فارس بعد عثمان بن أبي العاص - وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة - ففتح خراسان كلَّها ، وأطراف فارس ، وسِجِسْتان ، وكَرْمان ، وبلاد غَزْنة . وقتل كسرى - ملك الملوك في أيامه، وهو يَزْدَجِزْ(٤) - ثم أحرم عبد الله بن عامر بحجّة - وقيل : بعمرة - من تلك البلاد شكراً لله عز وجل ، وفرّق في أهل المدينة أموالاً كثيرة جزيلة . الإسلام (٢٩١/٢) العبر (٦٢/١) الكاشف (٥/٢) سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٦٠) تجريد أسماء الصحابة = (١/ ت٢٦٦٨) تذهيب التهذيب (٢/ ورقة ٧١) إكمال مغلطاي (٢ / ورقة ١٥٨) نهاية السول (ورقة ١٣٨) الإصابة (٥٢/٥) تهذيب التهذيب (٣١٥/٤) خلاصة الخزرجي (١٦٤) شذرات الذهب (٢٦٦/١) تهذيب ابن عساكر (٦ / ٢٩٠) . (١) تحرفت في المطبوع إلى: تعلق . طبقات ابن سعد (٤٤/٥) نسب قريش (١٤٧) المحبر (الفهرس)، المعارف (٣٢٠) فتوح البلدان (٣٩٦) الأخبار (٢) الطوال (١٣٩ وغيرها) تاريخ الطبري (١٧٠/٥) مستدرك الحاكم (٦٣٩/٣) جمهرة أنساب العرب (٧٥) الاستيعاب (٩٣١/٣) الإكمال لابن ماكولا (١٦٧/٧) تاريخ ابن عساكر (٢٢٩/٩/ب) أسد الغابة (٢٨٨/٣) الكامل لابن الأثير (٩٩/٣) مختصر تاريخ دمشق (٢٨٤/١٢) تاريخ الإسلام (٢٦٦/٢) العبر (٦٤/١) سير أعلام النبلاء (١٨/٣) العقد الثمين (١٨٥/٥) الإصابة (ت٦١٨١) تهذيب التهذيب (٢٧٢/٥) شذرات الذهب (٢٦٩/١). (٣) يعني النبي وَّر. والخبر في نسب قريش (ص١٤٨) والاستيعاب (٩٣١/٣ - ٩٣٢) ورواه الحاكم في المستدرك (٦٣٩/٣) من طريق مصعب الزبيري ، وإسناده ضعيف . (٤) مقتل يزدجرد بأوسع مما هنا في تاريخ الطبري (٢٩٣/٤) وما بعدها . ١٢٨ وفيات سنة ٥٨هـ وهو أول من لبس الخَزَّ بالبصرة . وهو أول من اتخذ الحِيَاض بعرفة وأجرى إليها الماء المَعين(١). ولم يزل على البصرة حتى قتل عثمان ، فأخذ أموال بيت المال وتلقّى بها طلحة والزبير وحضر معهم الجمل ، ثم سار إلى دمشق . ولم يُسمع له بذكر في صفِّين ، ولكن ولّاه معاوية البصرة بعد . وتوفي في هذه السنة [ بأرضه بعرفات ]٢) وأوصى إلى عبد الله بن الزبير. له حديث واحد ، وليس له في الكتب شيء . روى مصعب الزُّبيري ، عن أبيه ، عن جدِّه ، عن حنظلة بن قيس، عن عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عامر: أنَّ رسول الله وَ لَه قال: ((مَنْ قُتِلَ دونَ مالِهِ فهو شَهيد (٣) . وقد زوَّجه معاوية بابنته هند ، وكانت جميلة ، فكانت تلي خدمته بنفسها من محبتها له ، فنظر يوماً في المرآة فرأى صَباحة وجهها وشيبة في لحيته ، فطلَّقها ، وبعث إلى أبيها أن يزوِّجها بشاب كأن وجهه ورقة مصحف . توفي في هذه السنة . وقيل : بعدها بسنة . عبدُ الرحمن بنُ أبي بكر الصدِّيق(٤) : وهو أكبر ولد أبي بكر ، قاله الزبير بن بكّار . قال : وكانت فيه دُعَابة ، وأمُّه أم رومان ، وأُّ عائشة ، فهو شقيقها . بارز يوم بدر وأُحُد مع المشركين [ وأراد قتل أبيه أبي بكر ]°) فتقدَّم إليه أبوه أبو بكر ، فقال له رسول اللهِ وَّهُ: ((أَمْتِعْنا بنفسِك)(٦) . ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك في الهُدْنة، وهاجر قبل الفتح، ورزقه رسول الله وَّله من خيبر كل سنة أربعين وَسْقاً، وكان من سادات المسلمين. وهو الذي دخل على رسول الله وَل﴿ يوم مات وعائشةُ مسندتُه إلى صدرها، ومع عبد الرحمن سِواٌ الأوائل لابن قتيبة (ص ٣٧) . (١) (٢) ليس في ب . أخرجه الحاكم في المستدرك (٦٣٩/٣) وإسناده ضعيف، ولكن في الباب ما يقويه . نسب قريش (ص١٤٨) وسير (٣) أعلام النبلاء (١٨/٣). (٤) طبقات خليفة (١٨، ١٨٩) تاريخ خليفة (٢١٩) مسند أحمد (١٩٧/١) تاريخ البخاري الكبير (٢٤٢/٥) ثقات العجلي (٢٨٨) المعارف (١٧٤) المعرفة والتاريخ (٢٨٥/١) الجرح والتعديل (٢٤٧/٥) مشاهير علماء الأمصار (ت٤٥) مستدرك الحاكم (٤٧٣/٣) الاستيعاب (٨٢٤/٢) أسد الغابة (٤٦٦/٣) مختصر تاريخ دمشق (٢٧٩/١٤) تهذيب الكمال (ورقة ٧٧٨) تاريخ الإسلام (٣٠٣/٢) العبر (٥٨/١) الكاشف (١٤٠/٢) سير أعلام النبلاء (٤٧١/٢) الإصابة (٢٩٥/٦) تهذيب التهذيب (١٤٦/٦) خلاصة الخزرجي (٢٢٤) شذرات الذهب (٢٥١/١). (٥) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٦) أخرجه الواقدي في مغازيه (٢٥٦/١ - ٢٥٧) ومن طريقه الحاكم في المستدرك (٤٧٤/٣)، والبيهقي في السنن (١٨٦/٨). ١٢٩ وفيات سنة ٥٨هـ رَطْب، فأمدَّه بصَرَه [ فأخذتْ عائشةُ ذاك السِّواك، فقضَمَتْه وطيِّبَتْه، ثم دفعَتْه إلى رسول الله ◌َِّ فاستَنَّ به أحسنَ اسْتِنان ثم قال: ((اللهمَّ في الرَّفيق الأعلى)). ثم قَضى. قالت: فجمعَ اللهُ ريقي وريقه ، ومات بين سَحري ونَحري في بيتي ويومي ، لم أظلم فيه أحداً ﴾(١) . وقد شهد عبد الرحمن فتح اليَمَامة ، وقَتل يومئذ سبعة، وهو الذي قتل مُحَكَّم بن الطُّفيل (٢) صديق مُسَيْلمة على باطله ، كان محكّم واقفاً في ثُلْمة حائط، فرماه عبد الرحمن فسقط محكّم ، فدخل المسلمون من الثُّلْمة فخلصوا إلى مُسَيلمة فقتلوه . وقد شهد فتح الشام ، وكان معظّماً بين أهل الإسلام . ونُقُل ليلى بنت الجُودي ملك عرب الشام ، نفلَه إياها خالد بن الوليد عن أمر عمر بن الخطاب كما سنذكره مفصّلاً . وقد قال عبد الرزاق : عن مَعْمر ، عن الزُّهري ، عن سعيد بن المسيِّب قال : حدّثني عبد الرحمن بن أبي بكر - ولم نجرب عليه كذبة قط ــ ذكر عنه حكاية : أنه لما جاءت بيعة يزيد بن معاوية إلى المدينة قال عبد الرحمن لمروان : جعلتُموها والله هِرَقْلِيَّة وكِسْرويَّة - يعني : يجعل الملِكُ المُلْك لمن بعده من ولده - فقال له مروان: اسكتْ ، فإنك أنت الذي أنزل الله فيك: ﴿ وَاُلَّذِى قَالَ لِوَلِدَيْهِ أُفٍ لَّكُمَا أَتَعِدَ انِىّ أَنْ أُخْرَجَ ﴾ [الأحقاف: ١٧] فقالت عائشة: ما أنزل الله فينا شيئاً من القرآن إلّا أنَّه أنزل عُذري. ويروى أنها بعثت إلى مروان تؤنِّبه وتخبره بخبر [ فيه ذٌّ له ولأبيه لا يصح عنها . قال الزبير بن بكّار: حدّثني إبراهيم بن محمد بن ]٣) عبد العزيز الزّهري، عن أبيه ، عن جدِّه قال: بعث معاوية إلى عبد الرحمن بن أبي بكر بمئة ألف درهم بعد أن أَبَى البيعة ليزيد بن معاوية ، فردَّها عبد الرحمن [ وأَبَى أن يأخذها وقال: أَبيعُ ديني بدُنياي ؟! وخرج إلى مكة فمات بها ]٤) . وقال أبو زرعة الدمشقي(٥): حدّثنا أبو مُسْهر، حدّثنا مالك قال: توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومةٍ نامها . ورواه أبو مصعب عن مالك عن يحيى بن سعيد فذكره وزاد : فأَعتقت عنه عائشة رقاباً . ورواه الثَّوري عن يحيى بن سعيد عن القاسم فذكره . (١) ما بين حاصرتين لم يرد في أ، وفيها مكانه: إلى آخر الحديث. والحديث في البخاري رقم (٤٤٥٠) . (٢) ويعرف بمحكّم اليمامة . كان أحد قادة جيش مسيلمة . والمشهور ماقاله المؤلف من أن الذي قتله هو عبد الرحمن بن أبي بكر كما في تاريخ الطبري (٢٨٨/٣) وابن الأثير (٣٦٥/٣) وغيرهما . وورد في القاموس المحيط مادة (حکم) : محكم اليمامة ، قتله خالد بن الوليد . (٣) ما بين حاصرتين سقط من آ. (٤) ما بين حاصرتين سقط من آ. والخبر في تاريخ ابن عساكر، مختصره (١٤/ ٢٨٤). (٥) تاريخ أبي زرعة الدمشقي (٢٢٨/١). ١٣٠ وفيات سنة ٥٨هـ ولما توفي كانت وفاته بمكان يقال له الحُبْشِي - على ستة أميال من مكة، وقيل اثني عشر ميلاً - فحملَه الرجال على أعناقهم حتى دُفن بأعلى مكة ، فلمّا قدمتْ عائشة مكة زارته وقالت : أما والله لو شهدتُك لم أبكِ عليك، ولو كنت عندك لم أنقلك من موضعك الذي مثَّ فيه ، ثم تمثّلت بشعر مُتَمِّم بن نُوَيرة في أخيه مالك : وكنّا كَنْدمانَيْ جَذِيمةَ بُرْهةً مِنَ الدَّهر حتّى قيلَ لنْ يتصَدَّعا فلمّا تفرَّقنا كأنِّي ومالكاً لطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةٌ مَعَا رواه الترمذي وغيره(١) . وروى ابن سعد : أن ابن عمر رأى فُسْطاطاً مضروباً على قبر عبد الرحمن - ضربته عائشةُ بعد ما ارتحلت - فأَمر بنزعه وقال: إنَّما يُظِلُّه عملُه . وكانت وفاته في هذا العام في قول كثير من علماء التاريخ ، ويقال : إن عبد الرحمن توفي سنة ثلاث وخمسين ، قاله الواقدي وكاتبه محمد بن سعد وأبو عبيد وغير واحد ، وقيل : سنة أربع وخمسين . فالله أعلم . قصَّتُه مع لَيْلى بنت الجُوديّ ملك عرب الشّام قال الزبير بن بكّار : حدّثني محمد بن الضحّاك الحزامي عن أبيه : أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق قدم الشام في تجارة - يعني في زمان جاهليته - فرأى هنالك امرأة يقال لها ليلى ابنة الجُوديّ على طِنْفِسَةُ(٢) لها وحولها ولائدها(٣)، فأعجبته - قال ابن عساكر: رآها بأرض بصرى - فقال فيها: فما(٤) لا بنة الجوديِّ لیلی وماليا تذكّرتُ لَيْلِى والسَّمَاوَةُ دونَها تَؤُمَّنَّ بُصْرى أو تَحُلُّ الجَوابيا وأنَّى تُعاطِي قلبَه حارثِيَّةٌ إنِ الناسُ حَجُوا قابلاً أنْ تُوافيا وأنَّى تُلاقيها بَلى ولعلَّها قال : فلمّا بعث عمر بن الخطاب جيشه إلى الشام قال للأمير على الجيش : إنْ ظفرتَ بليلى بنت (١) أخرجه الترمذي (١٠٥٥) في الجنائز: باب زيارة النساء للقبور. وإسناده ضعيف، لأن فيه عنعنة ابن جريج، لكن رواه عبد الرزاق في مصنفه رقم (٦٥٣٥) وفيه تصريح ابن جريج بالسماع ، فانتفت العلة وثبت الحديث . وأورده صاحب الأغاني (٣٠٩/١٥) ضمن ترجمة متمم بن نويرة . (٢) ((الطنفسة)): البساط الذي له خمل رقيق. (٣) ((الولائد)): الجواري والخدم. (٤) تحرف رسمها في المطبوع فوقعت فيه : فمالُ ابنة . مما أخل بالمعنى . ١٣١ وفيات سنة ٥٨هـ الجُودي فادفعها إلى عبد الرحمن بن أبي بكر ، فظفر بها ، فدفعها إليه ، فأُعجب بها وآثرها على نسائه حتى جعلن يشكونَها إلى عائشة ، فعاتبته عائشة على ذلك ، فقال : والله كأني أَرشِفُ بأنيابها حبَّ الزمان ، فأصابها وجع سقط له فُوها ، فجفاها حتى شكَتْه إلى عائشة ، فقالت له عائشة : يا عبد الرحمن! لقد أحببتَ ليلى فأَفرطت، وأبغَضْتَها فأَفرطت، فإمّا أن تُنْصفها وإما أن تُجهّزها إلى أهلها ١) . قال الزبير : وحدّثني عبد الله بن نافع ، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : إنَّ عمر بن الخطاب نفل عبد الرحمن بن أبي بكر ليلى بنت الجُودي حين فتح دمشق ، وكانت ابنة ملك دمشق - يعني ابنه ملك العرب الذين حول دمشق . عُبيد الله بنُ عباس بن عبد المطّلب(٢): القرشيُّ الهاشميّ، ابن عمِّ النبي ◌َّ وكان أصغر من أخيه عبد الله بسنة ، وأمُّهما أمُّ الفضل لبابة بنت الحارث الهلاليّة . وكان عُبيد الله كريماً جميلاً وسيماً يشبه أباه في الجمال . روينا أن رسول الله وَ﴿ كان يَصُفُّ عبد الله وعبيد الله وكَثيراً صفّاً ويقول: مَنْ سبقَ إليَّ فله كذا وكذا. فيستبقون إليه ، فيقعون على ظهره وصدره ، فيقبّلهم ويلتزمهم(٣) . وقد استنابه علي بن أبي طالب - في أيام خلافته - على اليمن . وحج بالناس سنة ست وثلاثين وسنة سبع وثلاثين ، فلما كان سنة ثمان وثلاثين اختلف هو ویزید بن شجرة٤) الرّهاوي الذي قدم على الحج من جهة معاوية ، ثم اصطلحا على شيبة بن عثمان الحَجَبي ، فأقام للناس الحج عامئذ ، ثم لما صارت الشوكة لمعاوية تسلَّط على عبيد الله بسر بن أبي أَزْطاة فقتل له ولدين ، وجرت أمور باليمن قد ذكرنا بعضها . (١) الخبر بطوله في تاريخ دمشق، مختصره (٢٨٢/١٤ - ٢٨٣)، ووردت الأبيات أيضاً في نسب قريش (ص٢٧٦) والأغاني (١٧ /٣٥٨) وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤٧٣). (٢) نسب قريش (٢٧) طبقات خليفة (ت١٩٧٢) مسند أحمد (٢١٤/١) المحبر (١٧، ١٠٧، ١٤٦، ٢٩٢، ٤٥٦) تاريخ البخاري الصغير (١٤٢/١) ثقات العجلي (٣١٧) المعارف (١٢١) المعرفة والتاريخ (٣٢٢/٣) العقد الفريد (٢٩٤/١) جمهرة أنساب العرب (١٨) الاستيعاب (١٠٠٩/٣) أسد الغابة (٥٢٤/٣) تهذيب الأسماء واللغات (٣١٢/١/١) مختصر تاريخ دمشق (٣٢٢/١٥) تهذيب الكمال (ورقة ٨٨٣) تاريخ الإسلام (٣٠٤/٢ ٢٨١/٣) العبر (٦٣/١) تذهيب التهذيب (١/٢٦٥/٢) سير أعلام النبلاء (٥١٢/٣) الكاشف (١٩٩/٢) مرآة الجنان (١٣٠/١) العقد الثمين (٣٠٩/٥) الإصابة (٤٣٧/٢) تهذيب التهذيب (١٩/٧) خلاصة الخزرجي (٢٥١) شذرات الذهب (٢٦٦/١) خزانة الأدب (٢٥٦/٣، ٥٠٢). (٣) أخرجه أحمد في مسنده (٢١٤/١) وإسناده ضعيف . (٤) تحرفت في (أ) و ( ط ) إلى: سمرة. ١٣٢ وفيات سنة ٥٨هـ وكان يقدم هو وأخوه عبد الله المدينة ، فيوسعهم عبد الله علماً ويوسعهم عبيد الله كَرَماً . وقد روي أنه نزل في مسيرٍ له مع مولى له على خيمة رجل من الأعراب ، فلمّا رآه الأعرابيُّ أعظمه وأجلَّه ، ورأى حسنه وشكله ، فقال لامرأته : ويحكِ ماذا عندك لضيفنا هذا ؟! فقالت : ليس عندنا إلّا هذه الشُّويهةُ(١) التي حياةُ ابنتِك من لبنها ، فقال : إنه لا بدَّ من ذبحها ، فقالت : أتقتلُ ابنتَك ؟ فقال : وإن ، فأخذ الشفرة والشاة وجعل يذبحُها ويسلخُها وهو يقول مرتجزاً : يا جَارَتي لا تُوْقِظِي الْبُنيَّهْ إِنْ تُوْقِظيها تَنْتَحِبْ عَلَيَّهْ وتَنْزِعِ الشَّفْرَةَ من يَدَيَّهْ ثم هيَّأها طعاماً ، ثم حملَها فوضعها بين يدي عبيد الله ومولاه ، فعشّاهما . وكان عبيد الله قد سمع محاورته مع امرأته في الشاة ، فلمّا أراد الارتحال قال لمولاه : ويلك ماذا معك من المال ؟ فقال : معي خمسمئة دينار فضَلَت من نفقتك ، فقال : ادفعها إلى الأعرابي ، فقال : سبحان الله ! تعطيه خمسمئة دينار وإنما ذبح لك شاةً واحدة تساوي خمسة دراهم ؟! فقال : ويحك! والله لهو أسخى منّا وأجود ، لأنَّا إنما أعطيناه بعض ما نملك [ وجاد علينا بجميع ما يملك }٢) وآثَرَنا على مُهْجة نفسه وولده . فبلغ ذلك معاوية فقال : لله درُّ عبيد الله من أي بيضة خَرَج [ومن أي عُشِّ دَرَج ]٣). قال خليفة بن خياط(٤) : توفي سنة ثمان وخمسين . وقال غيره : توفي في أيام يزيد بن معاوية . قال أبو عبيد القاسم بن سلام : توفي في سنة سبع وثمانين . وكانت وفاته بالمدينة ، وقيل : باليمن . وله حديث واحد. قال أحمد : حدّثنا هُشيم ، حدّثنا يحيى بن [ أبي °) إسحاق ، عن سليمان بن يسار، عن عُبيد الله بن عباس قال: جاءت الغُمَيْصاء(٦) - أو الرُّمَيْصاء - إلى رسول الله وَ له تشكو زوجَها تزعمُ أنَّه لا يصلُ إليها ، فما كان إلَّ يسيراً حتّى جاء زوجُها فزعم أنَّها كاذبة وأنَّها تريد أن ترجعَ إلى زوجها الأوَّل، فقال رسول الله بَّهِ: ((ليسَ لَكِ ذُلكَ حتَّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ رجلٌ غيرُه(٧) . (١) ((الشويهة)): تصغير شاة، العُنيزة. (٢) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٣) ما بين حاصرتين سقط من أ. والخبر في الجليس الصالح (٥٤٨/١) وتاريخ ابن عساكر، مختصره (٣٢٧/١٥ - ٣٢٩) مع اختلاف ببعض الألفاظ . (٤) في تاریخه (ص٢٢٥) . سقطت من الأصول ، فاستدركناها من المسند وغيره . (٥) (٦) تحرفت في ( أ) و (ط ) إلى : العميصاء . (٧) أخرجه أحمد في مسنده (٢١٤/١) وهو حديث صحيح. وقوله: ((حتى يذوق عسيلتك)) كناية عن الجماع. ١٣٣ وفيات سنة ٥٨هـ وأخرجه النَّسائي (١)، عن علي بن حُجْر(٢)، عن هُشيم به . وممن توفي في هذه السنة : أم المؤمنين عائشةُ بنتُ أبي بكر الصِّدِّيق (٣): [زوجة رسول الله وَلّهِ وأحبُّ أزواجه إليه، المبرّأة من فوق سبع سماوات رضي الله عنها (٤) وأمُّها هي أمُّ رُومان بنت عامر بن عُويمر الكِنَانيّة. تكنى عائشة بأمِّ عبد الله، قيل: كنّاها بذلك رسول الله وَّه بابن أختها عبد الله بن الزبير . وقيل : إنها أَسقطت من رسول الله وَلَّ سِقْط٥ُ) فسمّاه عبد الله . ولم يتزوَّج رسول الله وَّرَ بِكْراً غيرها ، ولم ينزل عليه الوحيُّ في لحاف امرأة غيرها ، ولم يكن في أزواجه أحبّ إليه منها . تزوَّجها بمكة بعد وفاة خديجة. ((وقد أتاه المَلَك بها في المنام في سَرَقةٍ(٦) من حرير مرتين أو ثلاثاً فيقول : هذه زوجتُك. قال: فأكثِفُ عنكِ فإذا هي أنت، فأقول: إنْ يكن هذا من عند الله يُمْضِه (٧) . فخطبها من أبيها ، فقال : يا رسول الله أوَ تحلُّ لك ؟ قال : نعم . قال : أولستُ أخاك؟ قال : بلَى في الإسلام ، وهي لي حلال(٨). فتزوَّجها رسول الله وَ لّ فحظِيَتْ عنده. وقد قدمنا ذلك في أول السيرة ، وكان ذلك قبل الهجرة بسنتين ، وقيل : بسنة ونصف ، وقيل : بثلاث سنين . وكان عمرها إذ ذاك ست سنين ، ثم دخل بها وهي بنت تسع سنين بعد بدر من شوال من سنة اثنتين من الهجرة ، فأحبَّها . ولما تكلّم فيها أهل الإفك بالزُّور والبُهْتان غار الله لها فأنزل براءتها في عشر آيات من القرآن تُتلى على (١) (١٤٨/٦) في الطلاق: باب إحلال المطلقة ثلاثاً. (٢) تحرف في (أ) و (ط ) إلى : حجرة. طبقات ابن سعد (٥٨/٨) تاريخ ابن معين (٧٣/٢) مسند أحمد (٢٩/٦) الزهد لأحمد (٢٤٠) تاريخ خليفة (٢٢٥) (٣) طبقات خليفة (٣٣٣) ثقات العجلي (٥٢١) المعارف (١٣٤) المعرفة والتاريخ (٢٦٨/٣) مستدرك الحاكم (٤/٤) حلية الأولياء (٤٣/٢) الاستيعاب (١٨٨١/٤) طبقات الشيرازي (٤٧) جامع الأصول (١٣٢/٩) أسد الغابة (١٨٨/٧) تهذيب الكمال (ورقة ١٦٨٨) طبقات علماء الحديث (ص ٨٧) سير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٥) تذكرة الحفاظ (٢٧/١) العبر (٦٢/١) تاريخ الإسلام (٢٩٤/٢) الكاشف (٤٣٠/٣) مجمع الزوائد (٢٢٥/٩) تهذيب التهذيب (١٢/ ٤٣٣) الإصابة (٣٨/١٣) طبقات الحفاظ (ص٨) خلاصة الخزرجي (٤٩٣) كنز العمال (٦٩٣/١٣) شذرات الذهب (٢٥٨/١) أعلام النساء لكحالة (٩/٣) وقد استلت ترجمتها من سير أعلام النبلاء وطبعت في كتاب مستقل بدمشق سنة ١٩٤٥ م . (٤) ما بين حاصرتين ليس في ب . السقط - بالفتح والضم والكسر ، والكسر أكثر - الولد الذي يسقط من بطن أمه قبل تمامه . (٥) ((السرقة)) : قطعة من جيد الحرير . (٦) أخرجه البخاري (٧٠١٢)، ومسلم (٢٤٣٨) في الفضائل : باب فضل عائشة . (٧) (٨) رواه البخاري رقم (٥٠٨١) وانظر الفتح. ١٣٤ وفيات سنة ٥٨هـ تعاقب الأزمان . [ وقد ذكرنا ذلك مفصّلاً فيما سلف، وشرحنا الآياتِ والأحاديثَ الواردة في ذلك في غزوة المُرَيْسِيع ، وبسطنا ذلك أيضاً في كتاب التفسير بما فيه كفاية ومَقْنع ولله الحمد والمنّة ]١) . وقد أجمع العلماء على تكفير مَنْ قذفها بعد براءتها ، واختلفوا في بقيّة أمهات المؤمنين : هل يكفر مَنْ قذفهنّ أم لا؟ على قولين، وأصخُّهما أنه يكفر لأن المقذوفة زوجة رسول الله وَله، والله تعالى إنَّما غضب لها لأنَّها زوجة رسول الله وَّر ، فهي وغيرها منهن سواء . ومن خصائصها - رضي الله عنها - أنها كان لها في القَسْم يومان يومها ويوم سَودة [ حين وهبتها ذلك تقرُّباً إلى رسول الله (وَلِيمٍ}(٢). وأنه مات في يومها وفي بيتها وبين سَحرها ونَحرها ، وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته من الدنيا وأول ساعة من الآخرة ، ودُفن في بيتها ٣) . وقد قال الإمام أحمد(٤) : حدّثنا وكيع ، عن إسماعيل ، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة ، عن عائشة، عن النبي ◌َّه قال: ((إنَّه ليُهَوّنُ عليَّ أنِّي رأيتُ بياضَ كفِّ عائشَةَ في الجنَّة)) . تفرد به أحمد . [ وهذا في غاية ما يكون من المحبَّة العظيمة أن يرتاح لأنه رأى بياض كفِّ عائشة أمامه في الجنَّة ]٥) . ومن خصائصها أنها أعلم نساء النبي ◌َّ بل هي أعلم النساء على الإطلاق. قال الزُّهري: لو جُمع علمُ عائشةَ إلى علم جميع أزواجه وعلم جميع النساء لكان علمُ عائشةَ أفضل(٦). وقال عطاء بن أبي رباح : كانت عائشةُ أفقهَ الناس ، وأعلمَ الناس ، وأحسنَ الناس رأياً في العامة . وقال عُروة : ما رأيت أحداً أعلم بفقهٍ ولا طبٍّ ولا شعرٍ من عائشة ، ولم تروِ امرأة ولا رجل - غير أبي هريرة - عن رسول الله وَ لّر من الأحاديث بقدر روايتها . وقال أبو موسى الأشعري : ما أشكلَ علينا - أصحابَ محمد - حديثٌ قطّ فسألنا عائشةَ إلَّ وجدنا عندها منه عِلماً . رواه الترمذي(٧). وقال أبو الضّحى عن مَسْروق : رأيت مشيخة أصحاب محمد الأكابر يسألونها عن الفرائض . (١) ما بين حاصرتين ليس في أ . ما بين حاصرتين ليس في أ . وقد تقدم ذلك خلال ترجمة سودة بنت زمعة . (٢) تقدم ذلك ضمن حديث صحيح خلال ترجمة عبد الرحمن بن أبي بكر . (٣) (٤) في مسنده (١٣٨/٦) وفي إسناده ضعف . (٥) ما بين حاصرتين ليس في أ . أخرجه الحاكم في مستدركه (٤/ ١١). (٦) (٣٨٨٣) في المناقب: باب من فضل عائشة ، وهو حديث صحيح . (٧) ١٣٥ وفيات سنة ٥٨هـ وأما ما يلهَجُ به كثير من الفقهاء وعلماء الأصول من إيراد حديث: (( خُذُوا شَطْر دينكم عن هذه الحُمَيْراء)) فإنه ليس له أصل ، ولا هو مثبت في شيء من أصول الإسلام ، وسألت عنه شيخنا أبا الحجّاج المزِّي ، فقال : لا أصلَ له (١) . ثم لم يكن من النساء أعلم من تلميذاتها : عَمْرة بنت عبد الرحمن ، وحَفْصة بنت سِيرين ، وعائشة بنت طَلْحة . وقد تفرَّدت أمُّ المؤمنين عائشةُ بمسائلَ عن الصحابة لم توجد إلَّ عندها ، وانفردت باختيارات أيضاً وردت أخبارٌ بخلافها بنوع من التأويل . وقد جمع ذلك غير واحد من الأئمة . وقال الشعبي : كان مسروقٌ إذا حدَّث عن عائشة قال: حدّثتني الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق ، حبيبةٌ رسول الله ، المبرّأة من فوق سبع سماوات . وثبت في ((صحيح البخاري)) من حديث أبي عثمان النَّهْدي، عن عمرو بن العاص أنه قال: (( قلت يا رسول الله، أيُّ الناسِ أحبُّ إليك؟ قال: عائشة، قلت: ومن الرجال؟ قال: أبوها)(٢). وفي ((صحيح البخاري)) أيضاً عن أبي موسى قال: قال رسول الله وَّرُ: « كَمُلَ من الرِّجالِ كَثِير ، ولم يكمُّلْ من النِّساء إلَّا مريمُ بنتُ عمران، وخديجة بنت خُوَيلد، وآسِيَةُ امرأةٌ فرعون ، وفضلُ عائشةَ على النِّساءِ كفضلِ الثَّرِيد على سائِر الطَّعام)(٣) . وقد استدل كثير من العلماء ممَّن ذهب إلى تفضيل عائشة على خديجة بهذا الحديث وقال : فإنه دخل فيه سائر النساء الثلاث المذكورات وغيرهن . ويعضُد ذلك أيضاً الحديث الذي رواه البخاري أيضاً : حدّثنا إسماعيل بن خليل ، حدّثنا علي بن مُسْهر، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : استأذنتْ هالَةُ بنت خُوَيلد - أخت خديجة - على رسول الله وَّر فعرف استئذان خديجة ، فارتاع لذلك ، فقال : اللهمَّ هالَة . قالت عائشة : فغرت وقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشِّدقين هلكتْ في الدهر الأول ، قد أبدلكَ اللهُ خيراً منها ؟!)) . هكذا رواه البخاري(٤) ، فأما ما يُروى فيه من الزيادة: ((واللهِ ما أبدلَني خيراً منها)) فليس يصحُّ سندها. وقد ذكرنا ذلك مطوَّلاً عند وفاة خديجة ، وذكرنا حُجَّة من ذهب إلى تفضيلها على عائشة بما أغنى عن إعادته هاهنا . (١) ولذلك ساقه أصحاب كتب الموضوعات، فذكره السيوطي في الدرر المنتثرة ص(٧٩)، وعلي القاري في الأسرار المرفوعة ص (١٩٠). والشوكاني في الفوائد المجموعة ص (٣٩٩). (٢) أخرجه البخاري رقم (٤٣٥٨) ومسلم (٢٣٨٤) في فضائل الصحابة : باب من فضائل أبي بكر . (٣) أخرجه البخاري رقم (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١) في فضائل الصحابة : باب فضل خديجة . (٤) هو في البخاري معلقاً رقم (٣٨٢١) قال الحافظ في الفتح : كذا في جميع النسخ التي اتصلت إلينا بصيغة التعليق ، لكن صنيع المزي - وعنه تلميذه المؤلف - يقتضي أنه أخرجه موصولاً، وصله أبو عوانة، ومسلم رقم (٢٤٣٧). ١٣٦ وفيات سنة ٥٨هـ وروى البخاري عن عائشة: أنَّ النبي ◌َِّ قال يوماً: ((يا عائِشُ، هذا جبريلُ يُقرِتُكِ السَّلام، فقالت : وعليهِ السَّلام ورحمةُ اللهِ وبركاتُه، تَرى ما لا أرى)(١) . وثبت في ((صحيح البخاري)) أن الناس كانوا يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة، فاجتمع أزواج النبي ◌ِّيه إلى أمِّ سلَمة وقلنَ لها : قُولي له يأمر الناس أن يُهْدوا له حيث كان . فقالت أمّ سلَمة : فلمَّا دخل عليَّ قلتُ له ذلك ، فأعرض عني . ثم قلنَ لها ذلك ، فقالت له ، فأعرض عنها . ثم لمّا دار إليها قالت له ، فقال : (( يا أمَّ سلَمة لا تُؤْذيني في عائشة، فإنَّه واللهِ ما نزلَ عليَّ الوحيُّ وأنا في لِحَاف امرأةٍ منكنَّ غيرها)» . وذكر أنهنَّ بعثنَ فاطمةَ ابنتَه إليه فقالت : إنَّ نساءَك يَنْشُدْنَكَ العدلَ في ابنة أبي بكر بن أبي قُحافة ، فقال : يا بُنَّة ، ألا تُحبِّين مَنْ أُحِبُّ؟ قالت: قلت: بلى، قال: فَأَحِّي هذه)). ثم بعثنَ زينب بنت جحش، فدخلت على رسول الله وَ له وعنده عائشة، فتكلَّمت زينبُ ونالتْ من عائشة [ فانتصرتْ عائشةُ منها وكلَّمتها حتى أَفْحمتها، فجعل رسول اللهِّه ينظرُ إلى عائشةَ}٢) ويقول: ((إنَّها ابنةُ أبي بكر)(٣). وذكرنا أن عمّاراً لما جاء يستصرخ الناسَ ويستنفرهم إلى قتال طَلْحة والزُّبير أيام الجَمَل ، صَعِد هو والحسن بن عليٍّ على منبر الكوفة ، فسمع عمّارٌ رجلاً ينال من عائشة ، فقال له: اسكُتْ مَقْبوحاً مَنْبوذاً ، والله إنَّها لَزوجةُ رسول اللهِّهِ في الدنيا والآخرة، ولكنَّ اللهَ ابتلاكم ليعلمَ إيّاهُ تطيعونَ أو إيّاها٤). وقال الإمام أحمد: حدّثنا معاوية بن عمرو ، حدّثنا زائدة ، حدّثنا عبد الله بن خُثيم، حدّثني عبد الله بن أبي مليكة أنه حدّثه ذكوان - حاجب عائشة - أنه جاء عبد الله بن عباس يستأذن على عائشة ، فجئت - وعند رأسها ابن أخيها عبدُ الله بن عبد الرحمن - فقلت: هذا ابنُ عباس يستأذن ، فأكبَّ عليها ابن أخيها عبد الله فقال : هذا عبد الله بن عباس يستأذن - وهي تموت - فقالت: دَعْني من ابن عباس ، فقال : يا أمّاه إنَّ ابن عباس من صالح بَنيك يسلِّم عليك ويودِّعك ، فقالت : ائذنْ له إن شئت ، قال : فأدخلته ، فلمّا جلس قال : أبشري ، فقالت : بماذا ؟ فقال : ما بينك وبين أن تلقَي محمداً والأحبّة إلَّ أن تخرج الروح من الجسد ، وقد كنتِ أحبَّ نساء رسول الله وَّهَ إليه، ولم يكن رسول الله وَّه يحبُّ إلَّ طِيّاً، وسقطتْ قِلادتُك ليلة الأبواء فأصبح رسول الله وَ لَه وأصبح الناس وليس معهم ماء، فأنزل الله آية التيقُمُ(٥)، فكان ذلك في سَببك ، وما أنزل الله من الرخصة لهذه الأمة . وأنزل الله براءَتَك من فوق سبع سماوات ، جاء بها الروح الأمين ، فأصبح ليس مسجدٌ من مساجد الله إلّا تُتْلى فيه آناء الليل وآناء النهار . (١) أخرجه البخاري (٣٧٦٨) في فضل عائشة، ومسلم (٢٤٤٧) (٩١). (٢) ما بين حاصرتين سقط من أ. أخرجه البخاري رقم (٢٥٨١) في الهبة: باب من أهدى إلى صاحبه وتحرى بعض نسائه دون بعض . (٣) (٤) أخرجه البخاري رقم (٣٧٧٢) في الفضائل : باب فضل عائشة. (٥) يعني قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [ النساء: ٤٣]. ١٣٧ أحداث سنة ٥٩هـ فقالت : دَعْني منك يا بن عباس ، والذي نفسي بيده لوددتُ أني كنتُ نَسْياً مَنْسِيَّ(١). والأحاديث في فضائلها ومناقبها كثيرة جدّاً . وقد كانت وفاتها في هذا العام سنة ثمان وخمسين، وقيل: قبلَه بسنة ، وقيل : بعده بسنة ، والمشهور في رمضان منه وقيل : في شوال ، والأشهر ليلة الثلاثاء السابع عشر من رمضان . وأوصت أن تُدفن بالبقيع ليلاً. وصلى عليها أبو هريرة بعد صلاة الوتر . ونزل في قبرها خمسة وهم : عبد الله وعروة ابنا الزبير بن العوّام من أختها أسماء بنت أبي بكر، والقاسم وعبد الله ابنا أخيها محمد بن أبي بكر ، و [ عبد الله بن ]٢) عبد الرحمن بن أبي بكر . وكان عمرها يومئذ سبعاً وستين سنة، لأنه توفي رسول الله وص له وعمرها ثمان عشرة سنة ، وكان عمرها عام الهجرة ثماني سنين أو تسع سنين ، فالله أعلم . ثم دخلت سنة تسع وخمسين فيها كان مشتى عمرو بن مرَّة الجُهَني في أرض الروم في البرّ . قال الواقدي : ولم يكن فيها غزوٌ [ في البحر ، وقال غيره : بل غزا في البحر عامئذ جُنادة بن أبي أميَّة (٣) . وفيها عزل معاويةُ ابنَ أمّ الحكم عن الكوفة لسوء سيرته فيهم ، وولَّى عليه النُّعمان بن بشير . وفيها ولَّى معاويةُ عبد الرحمن بن زياد ولاية خراسان ، وعزل عنها سعيد بن عثمان بن عفّان ، فصار عبيد الله على البصرة، وعبّاد بن زياد على سِجسْتان، وعبد الرحمن بن زياد على خراسان . ولم يزل عبد الرحمن عليها إلى زمن يزيد، فقدم عليه بعد مقتل الحسين ، فقال له : كم قدمتَ به من المال ؟ قال : عشرون ألف ألف ، فقال له: إن شئتَ حاسبناك، وإن شئتَ سوَّغناكها وعزلناك عنها على أن تعطي عبد الله بن جعفر خمسمئة ألف درهم ، قال : بل سَوِّغها ، وأما عبد الله بن جعفر فأُعطيه ما قلتَ ومثلَها معها، فعزله وولَّى غيره ، وبعث عبد الرحمن إلى عبد الله بن جعفر بألف ألف درهم وقال : خمسمئة ألف من جهة أمير المؤمنين ، وخمسمئة ألف من قِبَلي . وفي هذه السنة وفد عبيد الله بن زياد على معاوية ومعه أشراف أهل البصرة والعراق ، فاستأذن لهم عبيد الله(٤) عليه على منازلهم منه، وكان من آخر مَنْ أدخله على معاوية الأحنفُ بن قيس - ولم يكن عبيد الله يجُّه - فلما رأى معاوية الأحنف رحّب به وعظّمه وأجلَّه وأجلسه معه على السرير، ثم تكلّم القوم فأثنوا على عبيد الله والأحنفُ ساكت ، فقال له معاوية : مالك يا أبا بحر لا تتكلّم ؟ فقال له : إن تكلمتُ خالفتُ (١) أخرجه أحمد في مسنده (٢٧٦/١) وهو حديث صحيح . (٢) سقط من أ . والخبر في طبقات ابن سعد (٨/ ٧٧) . (٣) ما بين حاصرتين سقط من أ. وقد أورده الطبري في تاريخه (٣١٥/٥). (٤) تحرف في المطبوع إلى : عبد الله . ١٣٨ قصة یزید الحميري مع ابني زياد القوم، فقال معاوية: انهضوا فقد عزلتُه عنكم فاطلبوا والياً ترضَوْنه ، فمكثوا أياماً يتردّدون إلى أشراف بني أميَّة يسألون كل واحد منهم أن يتولَّى عليهم ، فلم يقبل أحد منهم ذلك . ثم جمعهم معاوية فقال : من اخترتم ؟ فاختلفوا عليه والأحنفُ ساكت ، فقال له معاوية : مالك لا تتكلّم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن ولَّيت علينا من أهل بيتك فإنا لا نعدل بعبيد الله بن زياد أحداً ، وإن ولَّيت علينا من غيرهم فانظر لنا في ذلك ، فقال معاوية : قد أعدتُه إليكم . ثم إن معاوية أوصى عُبيد الله بن زياد بالأحنف خيراً ، وقبَح رأيه في مباعدته ، فكان الأحنف بعد ذلك من أخص أصحاب عبيد الله ، ولمّا وقعت الفتنة لم يَفِ لعبيد الله غيرُ الأحنف بن قيس . قصة يَزيد بن ربيعة بن مُفَرِّغ الحميري مع ابني زياد : عُبيد الله وعبّاد ذكر ابن جرير(١) عن أبي عبيدة معمر بن المثنّ وغيره : أن هذا الرجل كان شاعراً وكان مع عبّاد بن زياد بسِجِسْتان ، فاشتغل عنه بحرب الترك ، وضاق على الناس عَلَف الدواب ، فقال ابن مفرِّغ شعراً يهجو به ابن زياد على ما كان منه فقال : أَلَا ليتَ اللَّحَى كانَتْ حَشِيشاً فَنَعْلِفَها خيولَ المُسْلمينا وكان عبّاد بن زياد عظيم اللحية كبيرها جدّاً، فبلغه ذلك ، فغضب وتطلَّبه ، فهرب منه وقال فيه قصائد يهجوه بها كثيرة ، فمن ذلك قوله : فَبَشِّر شِعْبَ قَعْبِكَ بِانْصِدَاع إذا أَوْدى معاويةُ بنُ حَرْبٍ أبا سُفيانَ واضعَةَ القِنَاعِ فأَشْهَدُ أنَّ أمَّكَ لم تُباشِزْ عَلَى خَوْفٍ شَدِيدٍ وازْتِيَاع ولكنْ كانَ أمراً فیه لَبْسٌ وقال أيضاً : مُغَلْغَلَةً من الرَّجُلِ اليَمَاني ألَا أَبِلِغْ مُعاويةً بنَ حَرْبٍ وتَرْضى أنْ يُقالَ أبوكَ زاني أَتَغْضَبُ أنْ يُقالَ أبوكَ عَفّ کرِحْمِ الفيلِ من وَلَدِ الأَتان فَأَشْهَدُ أنَّ رِحْمَكَ من زيادٍ فكتب عبّاد بن زياد إلى أخيه عبيد الله وهو وافد على معاوية بهذه الأبيات ، فقرأها عبيد الله على معاويةً واستأذنه في قتله ، فقال : لا تقتله ولكن أَدِّبه ولا تبلغ به القتل . فلمّا رجع عُبيد الله إلى البصرة استحضره ، وكان قد استجار بوالد زوجة عبيد الله بن زياد وهو المُنْذر بن الجارود ، وكانت ابنتُهُ بَجْريّة (١) في تاريخه (٣١٧/٥ - ٣٢١). ١٣٩ قصة یزید الحميري مع ابني زیاد عند عُبيد الله، فأجاره وآواه إلى داره. وجاء الجارود مسلِّماً على عبيد الله، وبعث عبيد الله الشُّرَط إلى دار المنذر ، فجاؤوا بابن مفرِّغ فأوقف بين يديه ، فقال المنذر : إني قد أجرتُه ، فقال : يمدحك ويمدح أباك فترضى عنه ، ويهجوني ويهجو أبي ثم تُجيره عليّ ؟! ثم أمر عبيد الله بابن مفرِّغ فسُقي دواءٌ مُسْهلاً ، وحملوه على حمار عليه إكاف وجعلوا يطوفون به في الأسواق وهو يَسْلَح والناس ينظرون إليه ، ثم أمر به فنُفي إلى سِجِسْتان إلى عند أخيه عبّاد ، فقال ابن مفرِّغ لعبيد الله بن زياد : يَغْسِلُ الماءُ ما صَنَعْتَ وقَوْلي راسخٌ منكَ في العِظامِ البَوَالي فلما أَمر عبيد الله بنفي ابن مفرِّغ إلى سِجِسْتان كلَّم اليمانيّون معاوية في أمر ابن مفرِّغ: أنَّه إنَّما بعثه إلى أخيه ليقتلَه ، فبعث معاوية إلى ابن مفرِّغ وأحضره ، فلمّا وقف بين يديه بكى وشكا إلى معاوية ما فعل به ابن زياد ، فقال له معاوية : إنك هجوتَه ، ألستَ القائل كذا ؟ ألستَ القائل كذا ؟ فأنكر أن يكون قال من ذلك شيئاً ، وذكر أن القائل ذلك هو عبد الرحمن بن الحكم أخو مروان وأحبّ أن يُسْندها إليّ ، فغضب معاوية على عبد الرحمن بن الحكم ومنَعَه العطاء حتى يرضى عنه عبيد الله بن زياد . وأنشد ابنُ مفرِّغ ما قاله في الطريق في معاوية يخاطب راحلته : عَدَسْ مالعبّاد عليكِ إمارةٌ نَجَوْتٍ وهذا تحمِلِينَ طَلِيقٌ(١) إمامٌ وحَبْلٌ للأنام وَثِيقُ لَعَمْري لقَدْ نجّاكِ من هُوَّةِ الرَّدی ومثلي بشُكْرِ المُنْعِمِينَ حَقِيقُ سأَشكُرُ ما أَوْليتَ من حُسْنِ نِعمةٍ فقال له معاوية : أما لو كنّا نحن الذين هَجَوْتنا لم يكن من أذانا شيء يصل إليك ولم نتعرض لذلك ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إنه ارتكب فيَّ ما لم يرتكب مسلمٌ من مسلم على غير حَدَثٍ ولا جُرْم ، قال : ألستَ القائل كذا ؟ ألستَ القائل كذا ؟ فقد عفونا عن جُزْمك ، أما إنك لو إيانا تعامل لم يكن مما كان شيء ، فانظر الآن من تخاطب ومن تشاكل ، فليس كل أحد يحتمل الهجاء ، ولا تعامل أحداً إلّ بالحُسْنى ، وانظر لنفسك أي البلاد أحبّ إليك تقيم بها حتى نبعثك إليها ، فاختار المَوْصل ، فأرسله إليها ، ثم استأذن عبيد الله في القدوم إلى البصرة والمقام بها ، فأذن له . ثم إن عبد الرحمن ركب إلى عُبيد الله فاسترضاه ، فرضي عنه ، وأنشده عبد الرحمن : لأَنتَ زيادةٌ في آلِ حَرْبٍ أحبُّ إليَّ من إحدَى بَناني أراكَ أخاً وعمّاً وابنَ عمَّ فلا أَدْرِي بغَيْبٍ ما تَراني (١) ((عدس)): اسم البغلة، أو: كلمة زجر للبغال. والبيت شاهد مشهور في النحو على أن هذا بمعنى الذي . مغني اللبيب (ص٥١٤) وخزانة الأدب (٢/ ٥١٤). ١٤٠ وفيات سنة ٥٩هـ فقال له عبيد الله: أراك واللهِ شاعر سَوْء، ثم رضي عنه، وأعاد إليه ما كان منعه من العطاء (١). قال أبو معشر والواقدي : وحجَّ بالناس في هذه السنة عثمان بن محمد بن أبي سفيان . وكان نائب المدينة الوليد بن عُتبة بن أبي سفيان ، وعلى الكوفة النُّعمان بن بشير وقاضيها شُريح ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد [ وقاضيها هشام بن هُبيرة ]٢) وعلى سِجسْتان عبّاد بن زياد ، وعلى كَرْمان شَريك بن الأعور الحارثي ، من قِبَل عبيد الله بن زياد . ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان : قال ابن الجوزي : توفي فيها أسامة بن زيد ، والصحيح قبلها كما تقدم(٣) . الخُطَيئَةُ الشاعر(٤) : واسمه : جَزْول [ بن أوس ]°) بن مالك بن جُؤَيّة بن مخزوم بن مالك بن قُطَيعة ابن عَبْس(٦)، أبو (٧) مُلَيكة، الشاعر الملقَّب بالخُطَيئة لِقِصَرِه . أدرك الجاهلية ، وأسلم في زمن الصدِّيق . وكان كثير الهجاء حتى يقال: إنَّه هجا أباه وأمَّه، وخاله وعمَّه، ونفسه وعِرْسه(٨) . فمما قال في أمِّه : أَراحَ اللهُ منكِ العالَمِينا تَنَخَيْ فاقعُدي عَنِّي بَعِيداً وكانُوناً على المُتحدِّثينا أَغِزْبالا إذا استُودِعْتِ سِرّاً ولقَّاكِ العُقُوقَ منَ الْبَنِين(٩) جَزاكِ اللهُ شَرّاً من عَجُوزٍ وقال في أبيه وعمِّه وخاله : (١) الخبر بطوله أيضاً في الكامل لابن الأثير (٥٢٢/٣ _ ٥٢٥) وهو أيضاً في: الأغاني (١٨ /٢٥٦) وما بعدها ، والشعر والشعراء (٣٦٠/١ - ٣٦٤) ولسان العرب: مادة (عدس ). (٢) ما بين حاصرتين سقط من ط . (٣) الترجمة في وفيات سنة ٥٤هـ . (٤) مقدمة ديوانه بتحقيق نعمان أمين طه، طبقات ابن سلام (١/ ١١٠) المعمرون والوصايا (١٣٤) الشعر والشعراء (٣٢٢/١) المعارف (٥٩٤) الاشتقاق (٢٧٩) العقد الفريد (٢٨٣/١) الأغاني (١٥٧/٢) رسالة الغفران (٣٠٧) أسد الغابة (٢/ ٣٢) مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٢٠) فوات الوفيات (٢٧٦/١) خزانة الأدب (٤٠٩/١). ليس في الأصول ، واستدركته من مصادر ترجمة الشاعر . (٥) تحرف في (أ) و (ط ) إلى : عيسى . (٦) في أو ط : بن . وهو خطأ ، فكنية الحطيئة : أبو مليكة ، نسبة إلى ابنته . (٧) (٨) يعني : امرأته . (٩) ديوان الحطيئة (ص ٢٧٧).