النص المفهرس
صفحات 101-120
١٠١ أحداث سنة ٥٥هـ ـ وفيات سنة ٥٥هـ ذكر ابن الجوزي وفاتها في هذه السنة ، وقال ابن أبي خَيْئمة : توفيت في آخر خلافة عمر بن الخطاب ، فالله أعلم . ثم دخلت سنة خمس وخمسين فيها عزل معاوية عبد الله [ بن عمرو (١) بن غَيْلان عن البصرة وولَّى عليها عبيد الله بن زياد ، وكان سبب عزله أنه كان يخطّب الناس ، فحصَبه رجل من بني ضَبَّة ، فأمر بقطع يده ، فجاء قومه إليه فقالوا له : إنه متى بلغ أمير المؤمنين أنك قطعتَ يد صاحبنا في هذا الصَّنيع فعل به وبقومه نظير ما فعل بحُجر بن عدي ، فاكتب لنا كتاباً أنك قطعت يده في شُبهة ، فكتب لهم ، فتركوه عندهم حيناً ، ثم جاؤوا معاوية فقالوا له : إنَّ نائبك قطع يد صاحبنا في شُبهة فأَقِدْنا منه ، قال : لا سبيل إلى القَوَد من نوّابي ولكن الدِّية، فأعطاهم الدية [ من بيت المال (٢) وعزل عنهم ابن غَيْلان ، وقال لهم : اختاروا مَنْ تريدون ، فذكروا رجالاً ، فقال : لا ، ولكن أولِّي عليكم ابنَ أخي عبيد الله بن زياد ، فولّاه ، فاستخلف ابن زياد على خراسان أسلم بن زرعة ، فلم يغزُ ولم يفتح شيئاً من البلاد . وجاء ابن زياد إلى البصرة فولَّى قضاءها لزرارة بن أَوْفى، ثم عزله وولَّى ابن أُذينة العبدي، وولَّی شرطتها عبد الله بن حصن وحجَّ بالناس في هذه السنة مروان بن الحكم نائب المدينة . وفيها عزل معاوية عبد الله بن خالد بن أَسِيد عن الكوفة ، وولَّى عليها الضحاك بن قيس الفِهْري . ذكر من توفي في هذه السنة من الأعيان : الأَرْقم بنُ أبي الأَرْقم(٤) : عبد مناف بن أسَد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . أسلم قديماً - يقال: سابع سبعة - وكانت داره كهفاً للمسلمين يأوي إليها رسول الله وَّهُ ومَنْ أسلم معه (١) ليس في ط . (٢) ليس في ط . (٣) في ط : الحصين . طبقات ابن سعد (٢٤٢/٣) طبقات خليفة (٢١) مسند أحمد (٤١٧/٣) تاريخ البخاري الكبير (٤٦/٢) الجرح والتعديل (٣٠٩/٢) مشاهير علماء الأمصار (ت١٦٢) معجم الطبراني الكبير (٢٨٤/١) مستدرك الحاكم (٥٠٢/٣) الاستبصار (١١٧) الاستيعاب (١٣١/١) أسد الغابة (٧٤/١) سير أعلام النبلاء (٤٧٩/٢) تاريخ الإسلام (٢١٣/٢) العبر (٦١/١) الإصابة (٤٠/١) كنز العمال (٢٦٩/١٣) شذرات الذهب (٢٥٦/١). (٤) ١٠٢ وفيات سنة ٥٥هـ من قريش ، وكانت عند الصَّفا ، وقد صارت فيما بعد ذلك للمهدي ، فوهبها لا مرأته الخَيْزُران أمِّ موسى الهادي وهارون الرشيد ، فَبَنَتْها وجدَّدتها فعُرفت بها ، ثم صارت لغيرها . وقد شهد الأرقم بدراً وما بعدها من المشاهد . ومات بالمدينة في هذه السنة ، وصلَّى عليه سعد بن أبي وقاص أوصى به رضي الله عنهما ، وله بضع وثمانون سنة . سَحْبان بنُّ زُفَر بن إياس(١): ابن عبد شمس بن الأحب(٢) الباهلي الوائلي ، الذي يضرب بفصاحته المثل فيقال : أفصح من سَحْبان وائل . ووائل : هو ابن مَعْن(٣) بن مالك بن أعصُر بن سعد بن قيس بن عَيْلان(٤) بن مضر بن نزار . وباهلة امرأة مالك بن أعصُر ، ينسب إليها ولدها ، وهي : باهلة بنت صَعب بن سعد العَشيرة . قال ابن عساكر : سَخْبان المعروف بسَحْبان وائل ، بلغني أنه وفد على معاوية فتكلَّم ، فقال معاوية : أنت الشيخ ؟ فقال : إي والله وغير ذلك . ولم يزد ابن عساكر على هذا . وقد نسبه ابن الجوزي في كتابه ((المنتظم)) كما ذكرنا، ثم قال : وكان بليغاً يُضرب المثل بفصاحته ، دخل يوماً على معاوية وعنده خطباء القبائل ، فلمّا رأوه خرجوا لعلمهم بقصورهم عنه ، فقال سَحْبان : لقَدْ عِلِمَ الحِيُّ اليَمانُون أنَّني إذا قلتُ : أمَّا بعدُ ، أَنِّي خطيبُها فقال له معاوية : اخطب ، فقال : انظروا لي عَصاً تُقيم من أَوَدي ، فقالوا : وما تصنع بها وأنت بحضرة أمير المؤمنين ؟ فقال : ما كان يصنع بها موسى وهو يخاطب ربَّه عزَّ وجل ، فأخذها وتكلم من الظّهر إلى أن قاربت العصر ، ما تنحنح ولا سعَل ولا توقَّف ولا ابتدأ في معنى فخرج عنه وقد بقيتْ عليه بقيةٌ فيه ، فقال معاوية : الصلاة ، فقال : الصلاة أمامك ، ألسنا في تحميد وتمجيد ، وعِظة وتنبيه ، وتذكير ووعد ووعيد ؟! فقال معاوية : أنت أخطب العرب ، قال : العرب وحدَها ؟! بل أخطب الجنِّ والإنس ، قال : أنت كذلك . (١) المعارف (٦١١) الاشتقاق (٢٧٣) العقد الفريد (٢/ ٢٤٠) مجمع الأمثال (٢٤٩/١) تاريخ ابن عساكر (تهذيبه: ٦٥/٦)، لسان العرب: (سحب)، بلوغ الأدب (١٥٦/٣) خزانة الأدب (٣٤٧/٤) أعلام الزركلي (٧٩/٣). (٢) تحرف في المطبوع إلى : الأجب . (٣) تحرف في المطبوع إلى : معد . (٤) تحرف في المطبوع إلى : غيلان. ١٠٣ وفيات سنة ٥٥هـ سعد بن أبي وقّاص(١): واسمه(٢) مالك بن أُهَيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب ، أبو إسحاق القرشي الزُّهري . أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الستة أصحاب الشُّورى الذين توفي رسول الله ◌َ لل وهو عنهم راض. أسلم سعد قديماً ، قالوا : وكان عمره يوم أسلم سبع عشرة سنة . وثبت عنه في الصحيح أنه قال : ما أسلمَ أحدٌ في اليوم الذي أسلمتُ فيه، ولقد مكثتُ سبعة أيام وإني لثلُث الإسلامُ(٣) سابع سبعة (٤) . وهاجر ، وشهد بدراً وما بعدها . وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله(٥). وكان فارساً شجاعاً ، من أمراء رسول الله وع الجله. وكان في أيام الصدِّيق معظّماً جليل القدر ، وكذلك في أيام عمر ، وقد استنابه عمر على الكوفة ، وهو الذي كوَّف الكوفة ، ونفى عنها الأعاجم . وكان مجاب الدعوة . وهو الذي فتح المدائن ، وكانت بين يديه وقعة جَلُولاء(٦) . وكان سيِّداً مطاعاً . وعزله عمر عن الكوفة عن غير عجز ولا خيانة ، ولكن للمصلحة التي ظهرتْ لعمر في ذلك ، وقد ذكره في الستة أصحاب الشُّورى . ثم ولّاء عثمان الكوفة ، ثم عزله عنها . (١) طبقات ابن سعد (١٣٧/٣ و١٢/٦) نسب قريش (٢٦٣ وغيرها) طبقات خليفة (١٥، ١٢٦) تاريخ خليفة (٢٢٣) مسند أحمد (١٦٨/١) تاريخ البخاري الكبير (٤/ ت١٩٠٨) التاريخ الصغير (٩٩/١ وغيرها) ثقات العجلي (١٨٠) المعارف (٢٤١) فتوح البلدان (٢١٥) الجرح والتعديل (٩٣/٤) ثقات ابن حبان (١ / ورقة ١٥٤) مشاهير علماء الأمصار (ت١٠) حلية الأولياء (٩٢/١) الاستيعاب (٦٠٦/٢) تاريخ بغداد (١٤٤/١) تاريخ ابن عساكر (٧/ ٦٦/ ب) جامع الأصول (١٠/٩) أسد الغابة (٣٦٦/٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢١٣/١) مختصر تاريخ دمشق (٢٥٠/٩) تهذيب الكمال (٣٠٩/١٠) طبقات علماء الحديث (٨٤/١) سير أعلام النبلاء (٩٢/١) تذكرة الحفاظ (٢٢/١) دول الإسلام (١/ ٤٠) تاريخ الإسلام (٢/ ٢٨١) تذهيب التهذيب (٢ / ورقة ١١) الكاشف (١/ ٢٨٠) تجريد أسماء الصحابة (١/ ت٢٢٧٢) العبر (٦٠/١) نكت الهميان (١٥٥) مجمع الزوائد (٩/ ١٥٣) العقد الثمين (٥٣٧/٤) غاية النهاية (٣٠٤/١) الإصابة (١٦٠/٤) تهذيب التهذيب (٤٨٣/٣) النجوم الزاهرة (١٤٧/١) طبقات الحفاظ (٥) حسن المحاضرة (٢٠٥/١) خلاصة الخزرجي (١٣٥) كنز العمال (٢١٢/١٣) شذرات الذهب (٢٥٦/١) تهذيب ابن عساكر (٩٥/٦) . (٢) يعني اسم أبي وقاص . (٣) رواه البخاري (٣٧٢٧). (٤) رواه البخاري رقم (٥٤١٢) . (٥) الأوائل لابن قتيبة (ص ٦٣). (٦) وتسمى جلولاء الوقيعة ، كانت سنة ١٦ هـ، وكان النصر فيها للمسلمين . وموضع جلولاء اليوم بالعراق . وخبر هذه الوقعة في تاريخ الطبري (٢٤/٤) وما بعدها. وأيضاً في معجم البلدان (١٥٦/٤) وبلدان الخلافة الشرقية (ص ٨٧) . ١٠٤ وفيات سنة ٥٥هـ وقال الحميدي : عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار قال : شهد سعد بن أبي وقاص وابن عمر دومة الجندل يوم الحکَمَیْن . وثبت في ((صحيح مسلم)(١) أن ابنه عُمر جاء إليه وهو معتزل في إبله فقال : الناسُ يتنازعون الإمارة وأنت هاهنا؟! فقال: يا بني إني سمعت رسول الله وَ لَه يقول: ((إنَّ اللهَ يحبُّ العبدَ الغَنْيَّ التَّقيَّ الخَفيّ )). قال ابن عساكر : وذكر بعض أهل العلم أن ابن أخيه هاشم بن عتبة بن أبي وقّاص جاءه فقال : يا عم هاهنا مئة ألف سيف يَرَوْنك أحقَّ الناس بهذا الأمر ، فقال : أريد من مئة ألف سيف سيفاً واحداً إذا ضربتُ به المؤمن لم يؤذه ولم يقطع فيه شيئاً ، وإذا ضربتُ به الكافر قطع . [ أو قال : أريد سيفاً يعرف المؤمن من غيره حتى لا أؤذيه ٢٤) . وقال عبد الرزاق: [ عن معمر ]٣) عن ابن جُريج، حدثني زكريا بن عمرو أنَّ سعد بن أبي وقّاص وفد على معاوية ، فأقام عنده شهر رمضان يقصر الصلاة ويفطر(٤) . وقال غيره : فبايعه وما سأله سعد شيئاً إلّ أعطاه إياه . وقال أبو يعلى(٥): حدّثنا زهير، حدّثنا إسماعيل بن عُلَيَّة ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم قال : قال سعد : إني لأولُ رجل رمى بسهم في سبيل الله في المشركين ، وما جمع رسول الله ◌َّ أبويه لأحدٍ قبلي، ولقد سمعتُه يقول: «إِزْمِ فداكَ أبي وأُمي)). وقال أحمد٦) : حدّثنا يزيد بن هارون ، حدّثنا إسماعيل ، عن قيس سمعت سعد بن مالك يقول: والله إني لأول العرب رمى بسهم في سبيل الله، ولقد كنا نغزو ومالنا طعام نأكله إلّ ورق الحُبْلَة وهذا السَّمُر(٧) حتى إنَّ أحدنا ليضع كما تضع الشاة ماله خلط ، ثم أصبحتْ بنو أسد تعزِّرني على الدِّين ، لقد خبتُ إذاً وضلَّ عملي . رواه شعبة ووكيع وغير واحد عن إسماعيل بن أبي خالد به . رقم (٢٩٦٥) في الزهد . (١) ما بين حاصرتين من ( أ ) فقط . (٢) (٣) ليس في (ط) و (ب) . أخرجه عبد الرزاق برقم (٤٣٥١). (٤) في مسنده (٢/ رقم ٧٥٢) وإسناده صحيح . (٥) هو في مسند أحمد (١٨٦/١) والبخاري رقم (٥٤١٢) ومسلم رقم (٢٩٦٦). (٦) ((ورق الحبلة والسمر)» : نوعان من شجر البادية . (٧) ١٠٥ وفيات سنة ٥٥هـ وقال الإمام أحمد : حدّثنا [ يحيى بن سعيد }(١) عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيِّب ، عن سعد قال: ((جمعَ لي رسولُ الله ◌َلاَل أبوَيْه يومَ أُحد)). ورواه أحمد [ أيضاً عن غُنْدَر }٢) ، عن شعبة ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري . [ وقد رواه الليث وغير واحد عن يحيى الأنصاري }(٣). ورواه غير واحد عن سعيد بن المسِّيب ، عن سعد . ورواه الناس من حديث عامر بن سعد ، عن أبيه . وفي بعض الروايات: ((فداك أبي وأمي)). وفي رواية: ((فقال: إِرْم وأنتَ الغلامُ الحَزَوَّر )(٤). وقال أحمد(٥) : حدّثنا وكيع ، حدّثنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن عبد الله بن شدّاد ، سمعت علياً يقول: ما سمعتُ رسول الله وَ ل يفدي أحداً بأبويه إلَّ سعد بن مالك، فإني سمعتُه يقول له يوم أُحد : ((إِزْمٍ سعدُ فداكَ أبي وأُمي )). ورواه البخاري(٦) عن أبي نعيم عن مِسْعَر ، عن سعد بن إبراهيم به . ورواه شعبة ، عن سعد بن إبراهيم . ورواه سفيان بن عيينة وغير واحد ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيِّب ، عن علي بن أبي طالب ، فذكره . وقال الأعمش : عن أبي خالد ، عن جابر بن سَمُرة قال : أول الناس رمى بسهم في سبيل الله سعدٌ رضي الله عنه . وقال عبد الرزاق : أخبرنا مَعْمر ، عن أيوب أنه سمع عائشةَ بنت سعد تقول : أنا ابنةُ المهاجر الذي فدَّاه رسول الله رَّ بالأبوين . وقال الواقدي : حدّثتني عبيدة بنت نابل (٧) ، عن عائشة بنت سعد ، عن أبيها قال : لقد رأيتني أرمي بالسَّهم يوم أُحد فيردّه عليَّ رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه ، حتّى لمّا كان بعد ذلك ظننتُ أنه مَلَك. (١) سقط من أ، وهو في مسند أحمد (١/ ١٨٠) وإسناده صحيح. (٢) سقط من ا، وهو فى مسند أحمد (١٧٤/١) وغندر : هو محمد بن جعفر. (٣) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٤ ) ((الحزوّر)): الغلام إذا اشتد وقوي . مسند أحمد (١٢٤/١) وإسناده صحيح . (٥) البخاري رقم (٤٠٥٨) . (٦) (٧) في أ، ط : حدثني عبيدة بن نابل وهو تصحيف. تهذيب التهذيب (١٢ / ٤٣٧) وغيره . ١٠٦ وفيات سنة ٥٥هـ وقال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي ، حدّثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه [ عن أبيه}(١) عن سعد بن أبي وقّاص قال: لقد رأيت عن يمين رسول الله وَل وعن يساره يوم أَحدٍ رجلين عليهما ثيابٌ بيض يقاتلان عنه كأشدِّ القتال ، ما رأيتُهما قبلُ ولا بعدُ . ورواه الواقدي: حدّثني [ أبو ]٢) إسحاق بن أبي عبد الله، عن عبد الواحد(٣) - جد ابن أبي عون - عن زياد مولى سعد ، عن سعد قال : رأيتُ رجلَين يوم بدرٍ يقاتلان عن رسول الله وَلّر أحدُهما عن يمينه ، والآخر عن يساره ، وإني لأراهُ ينظرُ إلى ذا مرةً وإلى ذا مرةً مسروراً بما ظفَّره الله عز وجل (٤) . وقال الأعمش : عن إبراهيم ، عن(٥) علقمة ، عن ابن مسعود قال : لقد رأيتُ سعدَ بن أبي وقّاص يقاتل يوم بدرٍ قتالَ الفارس للرّاجل . وقال سفيان : عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة بن(٦) عبد الله بن مسعود ، عن أبيه قال : اشتركتُ أنا وسعدٌ وعمّار يوم بدر فيما أصبنا من الغنيمة ، فجاء سعد بأَسِيرين ، ولم أَجىء أنا وعمّار بشيء . وقال مالك : عن يحيى بن سعيد أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول : قالت عائشة : بات رسول الله ◌َّ أَرِقاً ذات ليلة ثم قال: ((ليتَ رجلاً صالحاً يحرسُني الليلة)) قالت: فبينما نحن كذلك إذ سمعنا صوت السِّلاح، فقال رسول الله: (( مَنْ هذا)» ؟ قال : أنا سعد بن أبي وقاص جئت أحرسُكَ يا رسول الله، قالت: فنام رسول الله وَ ل حتى سمعتُ غَطِيطه(٧). أخرجاه(٨) من حديث يحيى بن سعيد . وفي رواية : فدعا له رسول الله رَّلر ثم نام. وقال أحمد: حدّثنا قتيبة، حدّثنا رِشْدين بن سعد، عن الحجّاج(٩) بن شدّاد، عن أبي صالح (١) سقط من الأصول، وهو في مسند أحمد (١/ ١٧١) وإسناده صحيح، وهو في البخاري رقم (٤٠٥٤) ومسلم رقم (٢٣٠٦) . (٢) سقط من المطبوع . تحرف في المطبوع إلى : عبد العزيز . (٣) (٤) مغازي الواقدي (٧٨/١) . (٥) في المطبوع بن ، وهو خطأ . في الأصل : عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود ، وهو خطأ . (٦) (( الغطيط)) : صوت النائم المرتفع. (٧) البخاري (٢٨٨٥) في الجهاد: باب الحراسة في الغزو، ومسلم (٢٤١٠) في الفضائل : باب فضائل سعد . (٨) (٩) في المطبوع : يحيى بن الحجاج ، خطأ . ١٠٧ وفيات سنة ٥٥هـ الغِفَاري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله وَّ قال: ((أولُ مَنْ يدخلُ مِنْ هذا الباب رجلٌ مِنْ أهلِ الجنَّة )) فدخل سعد بن أبي وقّاص(١) . وقال أبو يعلى: حدّثنا محمد بن المثنى [ حدّثنا عبد الله (٢) بن قيس الرَّقاشي الخرّاز بصري، حدّثنا أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنّا جلوساً عند رسول الله وسلّم فقال: « يدخلُ عليكم مِنْ هذا الباب رجلٌ من أهل الجنَّة)) ، قال: فليس منا أحد إلا وهو يتمنَّى أن يكون من أهل بيته ، فإذا سعدُ بن أبي وقّاص قد طلَعُ(٣) . وقال حَرْملة : عن ابن وَهْب ، أخبرني حَيْوة ، أخبرني عقيل ، عن ابن شِهاب ، حدّثني مَنْ لا أَثَّهم، عن أنس بن مالك قال: بينا نحن جلوسٌ عند رسول اللهَوَّرَ فقال: «يطلُعُ الآنَ عليكُم رجلٌ من أهل الجنَّة)) فاطَّلع سعد بن أبي وقّاص، حتى إذا كان الغد قال: رسول الله بِ ◌ّ مثل ذلك ، قال: فاطّلع سعد بن أبي وقّاص على ترتيبه الأول. حتى إذا كان الغد قال رسول الله وَ ◌ّ مثل ذلك، قال: فطلَع على ترتيبه الأول. فلمّا قام رسول الله وَ ل﴿ ثار عبد الله بن عمرو بن العاص [ إلى سعد ]٤) فقال : إني غاضبتُ أبي فأقسمتُ ألَّ أدخلَ عليه ثلاث ليال ، فإن رأيتَ أن تُؤويني إليكَ حتى تنحلَّ يميني فعلت . قال أنس : فزعم عبد الله بن عمرو أنه بات معه ليلة حتى إذا كان مع الفجر فلم يقم تلك الليلة شيئاً ، غير أنه كان إذا انقلب على فراشه ذكر الله وكبّره حتى يقوم مع الفجر، فإذا صلَّى المكتوبة أسبغ الوضوء وأتمَّه ثم يصبح مفطراً . قال عبد الله بن عمرو: فرمقتُه ثلاث ليال وأيامَهُنَّ لا يزيد على ذلك، غير أني لم أسمعه يقول إلَّا خيراً ، فلمّا مضت الليالي الثلاث وكدتُ أحتقر عمله ، قلتُ : إنه لم يكن بيني وبين أبي غضبٌ ولا هجر، ولكني سمعتُ رسول الله وَ ﴿ قبل ذلك يقول ثلاث مرات في ثلاثة مجالس: (( يطلع عليكم رجلٌ من أهلِ الجنَّة)) فاطَّلعتَ أنت ، فأردتُ أن آوي إليك حتى أنظرَ ما عملك فأَقتدي بكَ لأنال ما نلتَ ، فلم أرَ لك كثير عمل ، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله وَله؟ فقال: ما هو إلّ ما رأيتَ. قال: فانصرفتُ ، فدعاني حين ولَّيت ، فقال : ما هو إلَّ ما رأيتَ غيرَ أني لا أجد في نفسي سوءاً لأحد من المسلمين ، ولا أنوي له شرّاً ، ولا أقوله . قال : قلت : هذه التي بلغتْ بك وهي التي لا أُطيق(٥). (١) رواه أحمد (٢٢٢/٢) وإسناده ضعيف لضعف رشدين بن سعد، وبشارة سعد بن أبي وقاص بالجنة . ثابتة في أحاديث صحيحة ، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة . (٢) سقط من ( أ) و (ب) . (٣) قال العقيلي في الضعفاء : عبد الله بن قيس الرقاشي ، عن أيوب حديثه غير محفوظ ، ولا يتابع عليه ، ولا يعرف إلا به . ثم أورد حديثه هذا .. . (٤) من ( أ) فقط . (٥) وإسناده ضعيف ، وهو في مسند أحمد (١٦٦/٣) من حديث أنس أيضاً، وفيه أن الرجل من الأنصار وسعد ليسَ أنصارياً ، بل هو قرشيّ ، والحديث صحيح في مسند أحمد ، وهو بمعناه . ١٠٨ وفيات سنة ٥٥هـ هكذا رواه صالح المُرِّي ، عن عمرو بن دينار - مولى [ آل (١) الزبير - عن سالم ، عن أبيه ، فذكر مثلَه من رواية أنس بن مالك . وثبت في (( صحيح مسلم )(٢) من طريق سفيان الثَّوري، عن المِقْدام بن شُريح ، عن أبيه ، عن سعدٍ في قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَطَرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوْةِ وَالْعَشِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢ ]نزلت في ستة أنا وابن مسعود منهم . وفي رواية: أنزل الله فيّ: ﴿وَإِن جَهَدَالَكَ لِمُشْرِكَ بِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَاً﴾ [العنكبوت: ٨] وذلك أنه لما أسلم امتنعتْ أمُّه من الطعام والشراب أياماً ، فقال لها سعد : تعلمين والله لو كانت لك مئة نفس فخرجتْ نفساً نفساً ما تركتُ ديني هذا لشيء ، إن شئتِ فَكُلِي واشرَبي ، وإن شئتِ فلا تأكُلي ولا تَشْربي [ فلمّا رأتْ ذلك أكلتْ ﴾٣) فنزلت هذه الآية. وأما حديث الشهادة للعشرة بالجنَّة فثبت في الصحيح(٤) من حديث سعيد بن زيد(٥). وجاء من حديث سُهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة في قصة حِرَاء(٦) ذكرُ سعد بن أبي وقّاص منهم . وقال هشيم وغير واحد: عن مجالد ، عن الشَّعبي، عن جابر قال: كنا مع رسول الله وَّل فأقبل سعد ، فقال رسول الله وَّرَ: ((هُذا خالي، فَلْيُرِني امرُؤٌ خالَه)). رواه الترمذي(٧). وقال الطبراني(٨): حدّثنا الحسين بن إسحاق التُّسْتَري، حدّثنا عبد الوهاب بن الضحّاك، حدّثنا إسماعيل بن عيّاش، عن صفوان بن عمرو، عن ماعز التَّميمي، عن جابر قال: كنا مع رسول الله وَلَّ إِذ أقبل سعد ، فقال: ((هذا خالي)) . وثبت في (( الصحيحين)) من حديث مالك وغيره ، عن الزُّهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه ((أنَّ رسول الله وَل جاءه يعودُه عام حجَّة الوداع من وجع اشتدَّ به . فقلت: يا رسول الله! إني ذو مال (١) سقطت من ط . (٢) رقم (٢٤١٣) في الفضائل: باب فضائل سعد . (٣) ليس في ط . كأنه يريد: في الحديث الصحيح، وليس كتاباً بعينه، فهو ليس في الصحيحين، كما سيأتي في تخريجه . (٤) (٥) رواه أحمد (١٨٨/١) وأبو داود رقم (٤٦٤٩) والترمذي رقم (٣٧٥٧) وهو حديث صحيح . (٦) أخرجه مسلم (٢٤١٧) من طريق يحيى بن سعيد، عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة : أن رسول الله وَّلو كان على جبل حراء، فتحرك، فقال رسول الله وَ لقوله: ((اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيد)» وعليه النبي ◌َّ وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص ، رضي الله عنهم. (٧) برقم (٣٧٥٢) في المناقب: باب مناقب سعد، وقوله: ((هذا خالي)) لأن أم النبي ◌َّ زهرية، وهي آمنة بنت وهب بن عبد مناف ، ابنة عم أبي وقاص ، وهو حديث صحيح . (٨) في معجمه الكبير برقم (٣٢٣) . ١٠٩ وفيات سنة ٥٥هـ ولا يَرثني إلا ابنة ، أفأتصدَّق بثلُثي مالي ؟ قال : لا ، قلت : فالشطر يا رسول الله ؟ قال : لا ، قلت : فالثلث ؟ قال : الثلث والثلث كثير ، إنكَ أن تَذَر ورثتَكَ أغنياء خيرٌ من أن تذرَهم عالةً يتكفَّفون الناس ، وإنك لن تُنفق نفقةً تبتغي بها وجه الله إلّا أُجرت بها، حتى ما تجعلُ في في امرأتِك - وفي رواية : حتى اللقمة تضعُها في فم امرأتك - قلتُ: يا رسول الله أُخلَّف بعد أصحابي ؟ فقال : إنك لن تخلَّف فتعملَ عملاً تبتغي به وجهَ الله إلّ ازددتَ به درجةً ورِفعَة، ولعلَّك أن تخلَّف حتى يَنتفِعَ بك أقوام ويُضَرَّ بك آخرون. ثم قال: اللهمَّ أَمضِ لأصحابي هجرتَهم ولا تردّهم على أعقابهم، لكن البائسُ سعدُ بن خَوْلَة » يرثي له رسول الله وَ اللّ أنْ مات بمكة(١). ورواه أحمد (٢) ، عن يحيى بن سعيد، عن الجَعْد بن أوس ، عن عائشة بنت سعد ، عن أبيها فذكر نحوه، وفيه : قال : (( فوضعَ يدَهُ على جبهتِهِ فمسحَ وجهَه وصدرَه وبطنَه وقال : اللهمَّ اشْفِ سعداً وأتمّ لهُ هجرتَه)». قال سعد: فما زلتُ يخيَّل إليَّ أني أجدُ برد يده على كبدي حتى السّاعة . وقال ابن وهب: حدّثني موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه أنَّ رسول اللهِ وَ لِ عاد سعداً فقال: ((اللهمَّ أَذهِبْ عنه الباس ، إلَهَ الناس مَلِك الناس، أنتَ الشّافي لا شافيَ له إلَّ أنت، بسم الله أَزْقِيكَ من كلِّ شيء يُؤْذيك، من حَسَدٍ وعَيْن ، اللهمَّ أَصِحَّ قلبَهُ وجسمَه، واكشِفْ سَقَمَه، وأَجِبْ دَعْوَتَه)). وقال ابن وهب: أخبرني عمرو، عن بكر بن الأَشَجّ قال: سألت عامر بن سعد عن قول رسول الله وَل لسعد: ((وعسى أَنْ تبقى ينتفع بكَ أقوام ويُضَرّ بك آخرون)) فقال: أُمّر سعدٌ على العراق ، فقتل قوماً على الرِّدَّة فضرَّهم، واستتاب قوماً كانوا سجعُو(٣) سجع مُسَيْلمة الكذّاب ، فتابوا ، فانتفعوا به . وقال الإمام أحمد(٤): حدّثنا أبو المغيرة، حدّثنا مُعان(٥) بن رِفاعة، حدّثني علي بن يزيد (٦)، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامة قال: جلسنا إلى رسول الله وَّ فذكّرنا ورقَّقَنا، فبكى سعد بن أبي وقّاص فأكثر البكاء ، وقال: يا ليتني متّ، فقال رسول الله وَلّ: [ ((يا سعد! أعندي تتمنّى الموت)»؟ فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال ]٧) (( يا سعد! إنْ كنتَ للجنَّة خُلقتَ ، فما طالَ من عُمركَ أو حسُنَ من عملكَ فهو خيرٌ لك)) . (١) رواه البخاري رقم (١٢٩٥) ومسلم رقم (١٦٢٨) وقوله: يرثي له رسول الله وي طيل أن مات بمكة، هو من كلام الزهري كما ذكر الحافظ في الفتح . (٢) في مسنده (١/ ١٧١) وهو حديث صحيح . سجعوا سجع فلان : أشبهوه وساروا على قصده . (٣) في مسنده (٢٦٧/٥) وإسناده ضعيف . (٤) (٦) تحرف في ط إلى : زيد . (٥) تحرف في ط إلى : معاذ . (٧) ما بين حاصرتين سقط من الأصول ، واستدركته من المسند . ١١٠ وفيات سنة ٥٥هـ وقال موسى بن عقبة وغيره: عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس عن سعد: أن رسول الله وَات. قال : ((اللهمَّ سَدِّدْ رميتَهَ، وأَجِبْ دَعْوَتَه )) . ورواه سيار بن بشير، عن قيس، عن أبي بكر الصدِّيق قال: سمعت رسول الله وَّله يقول لسعد: ((اللهمَّ سَدِّدْ سهمَه، وأَجِبْ دعوتَه، وحبِّبْهُ إلى عبادك)). وروي من حديث ابن عباس - وفي رواية : محمد بن عائذ الدمشقي - عن الهيثم بن حميد ، عن مطعم ، عن المقدام وغيره: أن سعداً قال: يا رسول الله! ادع الله أن يجيب دعوتي، فقال: ((إنَّ اللهَ لا يستجيبُ دعوةَ عبدٍ حتى يطيبَ مطعَمَه)) فقال: يا رسول الله ! ادع الله أن يطيب مطعمي ، فدعا له . قالوا : فكان سعد يتوزَّع من السنبلة يجدها في زرعه ، فيردّها من حيث أخذت . وقد كان سعد مجاب الدعوة ، لا يكاد يدعو بدعاء إلا استجيب له ، فمن أشهر ذلك ما ثبت في ((الصحيحين)) من طريق عبد الملك بن عُمير، عن جابر بن سَمُره(١) : أنَّ أهل الكوفة شكَوا سعداً إلى عمر في كلِّ شيءٍ حتى قالوا: لا يحسن يصلِّي، فقال سعد: أما إني لا آلو أن أصلِّي بهم صلاة رسول الله وله أُطيل في الأُولَين وأَحذف [في ]٢) الأُخْرَيين، فقال عمر: ذاك الظنُّ بِكَ يا أبا إسحاق (٣). وكان قد بعث مَنْ يسأل عنه بمحالِّ الكوفة ، فجلعوا لا يسألون أهل مسجد إلّ أثنَوا خيراً ، حتى مرُوا بمسجد لبني عبس ، فقام رجل منهم يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة فقال : إن سعداً كان لا يسير في السَّريَّة ، ولا يقسم بالسَّويَّة ، ولا يعدل في القضيَّة . فبلغ سعداً قولُه، فقال: اللهمَّ إن كان عبدُك هذا قام مقام رياء وسمعة فأَطلْ عمرَه ، وأَدم فقرَه ، وأَعم بصرَه ، وعرِّضه للفتن . قال : فأنا رأيته بعد ذلك شيخاً كبيراً قد سقطت حاجباه على عينيه ، يقف في الطريق فيغمز الجواري ، فيقال له في ذلك ، فيقول : شيخ مفتونٌ أصابته دعوةٌ سعد ، وفي رواية غريبة : أنه أدرك فتنة المختار بن أبي عُبيد ، فقتل فيها٤) . وقال الطبراني(٥): حدّثنا يوسف القاضي، حدّثنا عمرو بن مرزوق، حدّثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم ، عن سعيد بن المسيِّب قال : خرجتْ جاريةٌ لسعد يقال لها زبراء ، وعليها قميص جديد ، (١) تحرفت في المطبوع إلى : سلمة. (٢) سقطت من المطبوع. وقوله : أحذف في الأخريين يعني : أقصرهما عن الأوليين ، لا أنه يخل بالقراءة ويحذفها كلها . (٣) أخرجه أحمد في مسنده (١٧٦/١، ١٧٩، ١٨٠) والبخاري (٧٧٠) باب يطوِّل في الأوليين ويحذف في الأخريين ، ومسلم (٤٥٣) في الصلاة : باب القراءة في الظهر والعصر . (٤) سير أعلام النبلاء (١/ ١١٣ - ١١٤). (٥) في الكبير برقم (٣٠٩) . ١١١ وفيات سنة ٥٥هـ فكشفها الريح ، فشدَّ عليها عمر بالدِّرَّة ، وجاء سعد ليمنعَه ، فتناوله عمر بالدِّرَّة ، فذهب سعد يدعو على عمر ، فناوله الدِّرَّة وقال : اقتصَّ مني ، فعفا عن عمر . وروي أيضاً : أنه كان بين سعد وابن مسعود كلام ، فهمَّ سعدٌ أن يدعوَ عليه ، فخاف ابن مسعود وجعل يشتدُّ في الهرب . وقال سفيان بن عيينة : لمّا كان يوم القادسيَّة كان سعد على الناس ، وقد أصابته جراح فلم یشهد يوم الفتح - يعني : فتح القادسيَّة - فقال رجل من بَجِيلَة : وسعدٌ ببابِ القادسيَّةِ مُعْصَمُ أَلمْ تَرَ أنَّ اللهَ أظهرَ دِینَهُ ونِسْوةُ سعدٍ ليسَ فيهنَّ أَيِّمُ(١) فأُبْنا وقد آمَتْ نسَاءٌ كثيرةٌ فقال سعد : اللهمَّ اكفنا يدَهُ ولسانَه ، فجاء سهمُ غَرب(٢) ، فخرسَ ويبستْ يداه جميعاً . وقد أسند زياد البكّائي وسيف بن عمر ، عن عبد الملك بن عُمير ، عن قَبيصة بن جابر ، عن ابن عمر (٣) .. فذكر مثله ، وفيه : ثم خرج سعد فأرى القوم ما به من القروح في ظهره ليعذر إليهم . وقال هشيم : عن أبي بلح ، عن مصعب بن سعد أن رجلاً نال من علي ، فنهاه سعد ، فلم ينته ، فقال سعد : أدعو عليك ، فلم ينته ، فدعا الله عليه [ فما برح }٤) حتى جاء بعير ناء٥ٌ) فتخبَّطه . وجاء من وجه آخر : عن عامر بن سعد: أنَّ سعداً رأى جماعة عكوفاً على رجل ، فأدخل رأسه من بين اثنين ، فإذا هو يسبُّ علياً وطلحة والزبير ، فنهاه عن ذلك ، فلم ينته ، فقال : أدعو عليك ، فقال الرجل : تتهدَّدني كأنك نبيّ ؟! فانصرف عنه سعد ، فدخل دار آل فلان ، فتوضأ وصلَّى ركعتين ، ثم رفع يديه فقال : اللهمَّ إن كنتَ تعلم أن هذا الرجل قد سبَّ أقواماً قد سبقت لهم منك سابقة الحسنى ، وأنه قد أسخطك سبُّه إياهم ، فاجعلْه اليوم آيةً وعبرة . قال: فخرجتْ بُخْتِيَّةُ(٦) ناذَة من دار آل فلان لا يردُّها شيء حتى دخلتْ بين أضعاف الناس ، فافترق الناس عنها ، فأخذته بين قوائمها ، فلم تزل تتخبّطه حتى مات . قال : فلقد رأيت الناس يشتدُّون وراء سعد يقولون : استجاب الله دعاءك يا أبا إسحاق . (١) البيتان في العقد الفريد (٤٤/١) وتاريخ ابن عساكر، مختصره (٢٦٤/٩) والكامل لابن الأثير (٤٦٩/٢) وسير أعلام النبلاء (١١٥/١). (٢) ((سهم غرب)): أي لا يعرف راميه . هكذا في الأصول ، وكذلك في السير (١١٥/١). (٣) (٤) ليس في ط . (٥) (( ناد)) : شارد . (٦) ((البختية)): الناقة. ١١٢ وفيات سنة ٥٥هـ ورواه حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيِّب . . فذكر نحوه . وقال ابن أبي الدنيا : حدّثني الحسن بن داود بن محمد بن المنكدر القرشي ، حدّثنا عبد الرزّاق ، عن أبيه ، عن مِينا١ً) - مولى عبد الرحمن بن عوف ـ : أنَّ امرأة كانت تطّلع على سعد ، فنهاها ، فلم تنته ، فاطَّلعتْ يوماً وهو يتوضأ ، فقال : شاهَ وجهُكِ ، فعاد وجهُها في قفاها . وقال كثير النَّاء : عن عبد الله بن بديل قال : دخل سعد على معاوية ، فقال له : مالكَ لم تقاتل معنا ؟ فقال: إني مرَّت بي ريح مظلمة فقلت: إخْ إِخُ(٢) ، فأنختُ راحلتي حتى انجلتْ عني ، ثم عرفتُ الطريق فسرت، فقال معاوية : إنه ليس في كتاب الله إخْ إِخْ، ولكن قال تعالى: ﴿ وَإِن طَيِفَنَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَأَ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَثُهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَدِلُواْ الَّتِى تَبْغِى حَّى نَفِىَّ إِلَى أَمْرِ اَللَّهِ ﴾ [ الحجرات: ٩] فوالله ما كنتَ مع الباغية على العادلة ، ولا مع العادلة على الباغية . قال سعد: ما كنت لأقاتل رجلاً قال له رسول الله وَّهُ: ((أنتَ منّي بمنزلة هارونَ من موسى غيرَ أنَّهُ لا نبيَّ بعدي)). فقال معاوية: مَنْ سمع هذا معك؟ فقال: فلان وفلان وأُّ سلمة. فقال معاوية: أما إنِّي لو سمعتُه منه ◌ِّ لما قاتلتُ علياً. وفي رواية من وجه آخر : أن هذا الكلام كان بينهما وهما بالمدينة في حجَّة حجّها معاوية ، وأنهما قاما إلى أمّ سلمة ، فسألاها ، فحدَّثتهما بما حدَّث به سعد ، فقال معاوية : لو سمعتُ هذا قبلَ هذا اليوم لكنتُ خادماً لعلي حتى يموت أو أموت . وفي إسناد هذا ضعف(٣) ، والله أعلم . وقد روي عن سعد : أنه سمع رجلاً يتكلّم في علي وفي خالد ، فقال: إنَّه لم يبلغ ما بينَنا إلى ديننا . وقال محمد بن سيرين : طاف سعد على تسع جوارٍ في ليلة ، فلما انتهى إلى العاشرة أخذه النوم ، فاستحيتْ أن توقظه . ومن كلامه الحسن أنه قال لابنه مصعب : يا بُنيَّ إذا طلبتَ شيئاً فاطلبه بالقناعة ، فإنه مَنْ لا قناعةَ له لم يُغنه المال . وقال حماد بن سلمة : عن سِمَاك بن حرب ، عن مصعب بن سعد قال : كان رأس أبي في حجري وهو يقضي ، فبكيت ، فقال : ما يبكيك يا بُنيّ ؟ والله إنَّ الله لا يعذّبني أبداً، وإني لمن أهل الجنَّة، إنَّ (١) هو مينا بن أبي مينا الزهري ، متروك، قال ابن حبان في المجروحين (٢٢/٣): منكر الحديث ... وجب التنكب عن روايته . مترجم أيضاً في ميزان الاعتدال للذهبي (٢٣٧/٤). ((إخ)) : تقال لزجر البعير ليبرك . (٢) لكن حديث: ((أنت مني بمنزلة هارون ... )) حديث صحيح، أخرجه البخاري رقم (٤٤١٦) في المغازي: باب (٣) غزوة تبوك ، وفي فضائل الصحابة : باب مناقب علي بن أبي طالب ، ومسلم (٢٤٠٤) في فضائل الصحابة أيضاً . ١١٣ وفيات سنة ٥٥هـ الله يدين للمؤمنين بحسناتهم ، فاعملوا لله خالصاً . وأمّا الكفار فيخفِّف عنهم بحسناتهم ، فإذا نَفِدَت قال : ليطلُبْ كل عامل ثواب عمله ممَّن عمل له(١). وقال الزهري : لما حضرتْ سعداً الوفاة دعا بخَلَقِ جُبَّة فقال : كفّنوني في هذه فإني لقيتُ فيها المشركين يوم بدر ، وإنَّما خبَّأتها لهذا اليوم . [ وقال سعد: كنّا مع رسول الله وَ ل بمكة يُصيبنا شدَّة العيش، فخرجتُ ليلةً أبول، فإذا شيء يُقَعْقع تحت بولي ، فإذا قطعة جلد بعير ، فأخذتُها فغسلتُها ثم أحرقتُها ، ثم وضعتُها بين حَجَرين ، فسحقتُها ثم استففتُها ، وشربتُ عليها من الماء فقويت عليها ثلاثاً (٢) . وكانت وفاة سعد بالعَقيق خارج المدينة ، فحمل إلى المدينة على أعناق الرجال ، فصلَّى عليه مروان ، وصلَّى بصلاته عليه أمهات المؤمنين الباقيات الصالحات ، ودُفن بالبقيع ، وكان ذلك في هذه السنة - سنة خمس وخمسين ـ على المشهور الذي عليه الجمهور ، وقد جاوز الثمانين على الصحيح . قال علي بن المديني : وهو آخر العشرة وفاة . وقال غيره : كان آخر المهاجرين السابقين الأوَّلين وفاة ، رضي الله عنهم أجمعين . وقال الهيثم بن عدي : مات سنة خمسين . وقال أبو معشر وأبو نعيم وقَعْنَب(٣) بن المحرَّر: توفي سعد سنة ثمان وخمسين، وزاد قَعْنَب(٣): وفيها توفي الحسن بن علي وعائشة وأم سلمة . والصحيح الأول - سنة خمس وخمسين . قالوا : وكان سعدٌ قصيراً، غليظاً ، شَفْن(٤) الكفَّين ، أفطس ، أشعر الجسد ، يخضِبُ بالسَّوا(٥) . وكان ميراثُه مئتي ألفٍ وخمسين ألفاً . فَضَالة بن عُبيد الأنصاريُّ الأَوْسي(٦): أول مشاهده أُحد ، وشهد بيعة الرّضوان ، ودخل الشام ، وتولَّى القضاء بدمشق في أيام معاوية بعد أبي الدرداء . (١) طبقات ابن سعد (١٤٧/٣). (٢) ما بين حاصرتين من (أ) فقط . وقد أورده أبو نعيم في الحلية . (٣) تحرف في الأصول إلى: مغيث. والخبر في إكمال ابن ماكولا (٢١٨/٧) وسير أعلام النبلاء (١٢٤/١) وقد تحرف فيه المحرر إلى المحرز ، فيتنبه لذلك . (٤) ((الشئن)) : الغليظ . ورواه الحاكم (٤٩٦/٣) وإسناده ضعيف . (٥) طبقات ابن سعد (٤٠١/٧) طبقات خليفة (ت٥٤٦) مسند أحمد (١٨/٦) المحبر (٢٩٤) تاريخ البخاري الكبير (١٢٤/٧) (٦) التاريخ الصغير (١١٩/١) المعرفة والتاريخ (٣٤١/١) أخبار القضاة (٢٠٠/٣) الجرح والتعديل (٧/ ٧٧) مشاهير علماء الأمصار (ت٣٣٩) مستدرك الحاكم (٤٧٣/٣) حلية الأولياء (١٧/٢) الاستيعاب (١٢٦٢/٣) تاريخ ابن عساكر (١٤/ ١١١/ ب) أسد الغابة (٣٦٣/٤) تهذيب الأسماء واللغات (٥٠/٢/١) مختصر تاريخ دمشق (٢٧٠/٢٠) تهذيب الكمال (ورقة ١٠٩٨) تاريخ الإسلام (٣١١/٢) العبر (٥٨/١) سير أعلام النبلاء (١١٣/٣) الكاشف (٣٢٧/٢) تذهيب التهذيب (١٣٦/٣/ ب) الإصابة (٢٠٦/٣) تهذيب التهذيب (٢٦٧/٨) خلاصة الخزرجي (٣٠٨) شذرات الذهب (٢٥٢/١). ١١٤ أحداث سنة ٥٦ هـ قال أبو عبيد : مات سنة ثلاث وخمسين . وقال غيره : سنة سبع وستين . وقال ابن الجوزي في (( المنتظم)»: توفي في هذه السنة، والله أعلم. قُثَم بن العبّاس بن عبد المطّلب(١): كان أشبَهَ الناس برسول الله وَّل . تولّى نيابة المدينة في أيام علي . وشهد فتح سَمَرْقند [ ممّا وراء النهر (٢) فاستُشْهد بها، رحمه الله . كعبُ بنُ عَمْرو(٣) : أبو اليَسَر الأنصاري السَّلَمي. شهد العقبة وبدراً، وأَسَرَ يومئذ العباس بن عبد المطّلب، وشهد ما بعد ذلك من المشاهد مع رسول الله وَله . قال أبو حاتم(٤) وغيره : مات سنة خمس وخمسين . وزاد غيره : وهو آخر من مات من أهل بدر . [ قال أبو اليَسَر: أشهدُ لسمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أو وضَعَ له أظلَّه اللهُ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه)) }٥) . ثم دخلت سنة ست وخمسين ففيها شتا جُنادة بن أبي أميّة بأرض الروم . وقيل : عبد الرحمن بن مسعود . (١) طبقات ابن سعد (٣٦٧/٧) نسب قريش (٢٧) طبقات خليفة (ت١٩٧٣) المحبر (١٧، ٤٦، ١٠٧) تاريخ البخاري الكبير (١٩٤/٧) التاريخ الصغير (١٤٢/١) أنساب الأشراف (٦٥/٣) الجرح والتعديل (١٤٥/٧) مشاهير علماء الأمصار (١٩، ٤١٧) جمهرة أنساب العرب (١٩) الاستيعاب (١٣٠٤/٣) الجمع بين رجال الصحيحين (٤٢٧/٢) أسد الغابة (٣٩٢/٤) تهذيب الأسماء واللغات (٥٩/٢/١) تهذيب الكمال (ورقة ١١٢٦) تاريخ الإسلام (٣١١/٢) تذهيب التهذيب (١٥٧/٣/ ب) العبر (٦١/١) سير أعلام النبلاء (٤٤٠/٣) مرآة الجنان (١٣٨/١) العقد الثمين (٦٧/٧) الإصابة (٢٢٦/٣) تهذيب التهذيب (٣٦١/٨) خلاصة الخزرجي (٣١٨) شذرات الذهب (٢٥٧/١). (٢) من ( أ) فقط. طبقات ابن سعد (٥٨١/٣) طبقات خليفة (١٠٢) تاريخ خليفة (٢٢٣) مسند أحمد (٤٢٧/٣) تاريخ البخاري الكبير (٢٢٠/٧) (٣) المعارف (٣٢٧) المعرفة والتاريخ (٣١٩/١) الجرح والتعديل (٧/ ١٦٠) مشاهير علماء الأمصار (ت٦٩) مستدرك الحاكم (٥٠٥/٣) الاستبصار (١٦٣) الاستيعاب (١٣٢٢/٣) تاريخ ابن عساكر (٢٧٧/١٤/ب) أسد الغابة (٤٨٤/٤ و٣٣٢/٦) تهذيب الكمال (ورقة ١١٤٧) سير أعلام النبلاء (٥٣٧/٢) تاريخ الإسلام (٣٣٩/٢) العبر (٦١/١) الكاشف (٨/٣) مجمع الزوائد (٣١٦/٩) تهذيب التهذيب (٤٣٧/٨) الإصابة (٣٠١/٨) خلاصة الخزرجي (٣٢١) شذرات الذهب (٢٥٦/١). (٤) الجرح والتعديل (٧/ الترجمة ٩٠١). (٥) ما بين الحاصرتين من ( أ) فقط. وهو قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم (٣٠٠٦) في الزهد: باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر . ١١٥ أحداث سنة ٥٦ هـ وقيل : فيها غزا في البحر يزيد بن شجرة(١) ، وفي البرِّ عِياض بن الحارث. وفيها اعتمر معاوية في رجب ، وحج بالناس الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . وفيها ولَّى معاويةُ سعيد بن عثمان بلاد خراسان ، وعزل عنها عبيد الله بن زياد ، فسار سعيد إلى خراسان ، والتقى مع الترك عند صُغد سَمَرْقند ، فقتل منهم خلقاً كثيراً واستشهد معه جماعة منهم - فيما قيل - قُثَم بن العبّاس بن عبد المطّلب. [ قال ابن جرير: سأل سعيدُ بن عثمان بن عفّان معاوية أن يولِّيه خراسان، فقال: إنَّ بها عبيد الله بن زياد ، فقال سعيد لمعاوية : أما لقد اصطنعك أبي ورقّاك حتى بلغتَ باصطناعه المدى الذي لا يُجارى ولا يُسامى ، فما شكرتَ بلاءه، ولا جازيتَه بآلائه، وقدَّمتَ عليَّ هذا - يعني: يزيد بن معاوية - وبايعتَ له ، ووالله لأنا خير منه أباً وأمّاً ونفساً . فقال له معاوية : أمّا بلاء أبيك عندي فقد يحقُّ عليَّ الجزاء به ، وقد كان من شكري لذلك أنِّي طلبتُ بدمه حتى تكشَّفت الأمور ، ولستُ بلائم لنفسي في التَّشمير . وأمّا فضل أبيك على أبيه، فأبوكَ خيرٌ مني وأقربُ برسول الله وَّه. وأمّا فضل أمِّك على أمِّه فما لا يُنكر، فإنَّ امرأةً من قريش خيرٌ من امرأة من كلب . وأمّا فضلك عليه ، فوالله ما أحبُّ أنَّ الغوطةَ دُحِسَتْ ليزيد رجالاً مثلك - يعني أنَّ الغوطة لو مُلِئت رجالاً مثل سعيد بن عثمان كان يزيد خيراً وأحبّ إليَّ منهم . فقال له يزيد : يا أمير المؤمنين ! ابنُ عمِّك وأنت أحقُّ مَنْ نظر في أمره ، وقد عَتَب عليك فيَّ فَأَعْتبه . فولّاه حرب خراسان ، فأتى سَمَرْقند ، فخرج إليه أهل الصُّغد من الترك ، فقاتلهم وهزمهم وحصرهم في مدينتهم ، فصالحوه وأعطَوْه رُهُناً خمسين غلاماً يكونون في يده من أبناء عظمائهم ، فأقام بالتِّرمذ ولم يفِ لهم ، وجاء بالغلمان الرُّهُن معه إلى المدينة (٢) . وفيها دعا معاويةُ الناس إلى البيعة لیزید ولده أن یکون وليّ عهده من بعده ، وكان قد عزم قبل ذلك على هذا في حياة المغيرة بن شعبة ، فروى ابن جرير(٣) من طريق الشَّعبي: أنَّ المغيرة كان قد قدم على معاوية واستعفاه من إمرة الكوفة ، فأعفاه لكبره وضعفه ، وعزم على توليتها سعيد بن العاص ، فلمّا بلغ ذلك المغيرة كأنه ندم ، فجاء إلى يزيد بن معاوية ، فأشار عليه أن يسأل من أبيه أن يكون وليّ العهد من بعده ، فسأل يزيدُ ذلك من أبيه ، فقال : مَنْ أمرك بهذا؟ قال : المغيرة ، فأَعجب ذلك معاويةً من المغيرة ، وردّه إلى عمل الكوفة ، وأمره أن يسعى في ذلك ، فعند ذلك سعى المغيرة في توطيد ذلك ، وكتب معاوية إلى زياد يَسْتشيره في ذلك ، فكره زياد ذلك لما يعلم من لعب يزيد وإقباله على اللعب (١) تحرفت في المطبوع إلى : سمرة . (٢) الخبر بكامله سقط من ب، وهو في تاريخ الطبري (٣٠٥/٥ -٣٠٦). في تاريخه (٣٠١/٥) وما بعدها . (٣) ١١٦ أحداث سنة ٥٦ هـ والصَّيد ، فبعث إليه من يَثْني رأيه عن ذلك وهو عبيد بن كعب النُّميري - وكان صاحباً أكيداً لزياد - فسار إلى دمشق ، فاجتمع بيزيد أولًا، فكلَّمه عن زياد، وأشار عليه بألّاً يطلب ذلك [ولا يقبله }(١) فإنَّ تركَهُ خير له من السَّعي فيه ، فانزجر يزيدُ عما يريد من ذلك ، ثم اجتمع بأبيه واتَّفقا على ترك ذلك في هذا الوقت ، فلمّا مات زياد وكانت هذه السنة شرَعَ معاوية في نظم ذلك ليزيد والدعاء إليه ، وعقد البيعة لولده يزيد ، وكتب إلى الآفاق بذلك ، فبايع له الناس في سائر الأقاليم إلّ عبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد الله ابن عمر ، والحسين بن علي ، وعبد الله بن الزبير ، وابن عبّاس ، فركب معاوية إلى مكة معتمراً ، فلما اجتاز بالمدينة - مرجعه من مكة - استدعى كل واحد من هؤلاء الخمسة فأوعده وتهدَّده بانفراده ، فكان من أشدهم عليه ردّاً وأجلدهم في الكلام عبد الرحمن بن أبي بكر الصدِّيق ، وكان ألينَهم كلاماً عبد الله بن عمر بن الخطاب ، ثم خطب معاويةُ وهؤلاء الخمسة حضورٌ تحت منبره ، وبايع الناس ليزيد وهم قعود ، لم يوافقوا ولم يُظهروا خلافاً لما تهدَّدهم وتوغَّدهم ، فاتَّسَقت البيعة ليزيد في سائر البلاد ، وقدمت الوفود من سائر الأقاليم إلى يزيد ، فكان فيمن قدم الأحنفُ بن قيس ، فأمره معاوية أن يحادث يزيد ، فجلسا ، ثم خرج الأحنف ، فقال له معاوية : ماذا رأيتَ من ابن أخيك ؟ فقال: إنا نخاف اللهَ إنْ كذَبْنا ، ونخافكم إِنْ صَدَقنا ، وأنت أعلم به في ليله ونهاره ، وسرِّه وعلانيته ، ومدخله ومخرجه ، وأنت أعلم بما أردت ، وإنَّما علينا أن نسمع ونطيع ، وعليك أن تنصح للأمّة . وقد كان معاوية لمّا صالح الحسن بن علي عهد للحسن بالأمر من بعده ، فلمّا مات الحسن قوي أمر يزيد عند معاوية ، ورأى أنه لذلك أهل ، وذاك من شدّة محبة الوالد لولده ، ولما كان يتوسّم فيه من النَّجابة الدنيوية ، وسيما أولاد الملوك ومعرفتهم بالحروب وترتيب الملك والقيام بأَبَّهته ، وكان يظن أنه لا يقوم أحدٌ من أبناء الصحابة في هذا المعنى مقامَه ، ولهذا قال لعبد الله بن عمر فيما خاطبه به : إني خفتُ أن أذرَ الرعيَّة من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع . فقال له ابن عمر : إذا بايعه الناس كلُّهم بايعتُه ولو كان عبداً حبشيّاً مجدّع الأطراف . وقد عاتب معاويةَ في ولايته يزيدَ سعيدُ بنُ عثمان بن عفّان ، وطلب منه أن يولِیه مكانه - يعني مكان ابنه يزيد - وقال له [ سعيد فيما قال: إنَّ أبي لم يزل معتنياً بك حتى بلغتَ ذروة المجد والشرف ، وقد قدَّمتَ ولدك عليَّ وأنا خير منه أباً وأمَّا ونفساً . فقال له : أمّا ما ذكرتَ من إحسان أبيك إليَّ فإنه أمر لا يُنكر ، وأمّا كون أبيك خيراً من أبيه فحقّ ، وأمك قرشيّة وأمه كلبيّة فهي خير منها ، وأما كونك خيراً منه (٢) فوالله لو مُلئت إلي الغوطة رجالاً مثلك لكان يزيدُ أحبّ إليَّ منكم كلكم . (١) من (أ) فقط. (٢) ما بين حاصرتين ليس في أ . ١١٧ أحداث سنة ٥٦ هـ وروينا عن معاوية أنه قال يوماً في خطبته : اللهمَّ إن كنتَ تعلم أني ولَّته لأنه فيما أراه أهل لذلك فَأَتِمَّ له ما ولَّته ، وإن كنتَ تعلم أني إنَّما ولَّيتُه لأني أحبُّه فلا تتمَّ له ما ولَّيته . وذكر الحافظ ابن عساكر(١) : أن معاوية كان قد سَمَرَ ليلة ، فتكلَّم أصحابه في المرأة التي يكون ولدها نجيباً ، فذكروا صفة المرأة التي يكون ولدها نجيباً ، فقال معاوية : وددتُ لو عرفت بامرأة تكون بهذه المثابة ؟! فقال أحد جلسائه : قد وجدت ذلك يا أمير المؤمنين . قال : ومَن ؟ قال : ابنتي يا أمير المؤمنين . فتزوَّجها معاوية ، فولدت له يزيد بن معاوية ، فجاء نجيباً ذكيّاً حاذقاً . ثم خطب امرأة أخرى فحَظِيت عنده وولدت له غلاماً آخر ، وهجر أمّ يزيد فكانت عنده في جنب داره ، فبينما هو في النظارة ومعه امرأته الأُخرى إذا نظر إلى أمِّ يزيد وهي تسرِّحُه ، فقالت امرأته: قبَّحها الله وقبَح ما تسرِّح . فقال : ولمَ ؟ فوالله إنَّ ولدها لأنجبُ من ولدك ، وإن أحببتِ بيَّنتُ لكِ ذلك ، ثم استدعى ولدها فقال له : إنَّ أمير المؤمنين قد عنَّ له أن يُطْلِقِ لك ما تتمنّاه عليه فاطلب مني ما شئت . فقال : أسأل من أمير المؤمنين أن يُطْلِقِ لي كلاباً للصَّيد وخيلاً ورجالاً يكونون معي في الصَّيد . فقال معاوية: قد أمرنا لكَ بذلك . ثم استدعى يزيد فقال له كما قال لأخيه ، فعال يزيد : أو يعفيني أمير المؤمنين في هذا الوقت عن هذا ؟ فقال : لا بدَّ لك أن تسأل حاجتك ، فقال: أسأل ــ وأطال الله عمر أمير المؤمنين - أن أكون وليَّ عهده من بعده ، فإنه بلغني أنَّ عدل يوم في الرعيَّة كعبادة خمسمئة عام . فقال : قد أجبتك إلى ذلك . ثم قال لامرأته : كيف رأيت ؟ فعلمتْ وتحققتْ فضل يزيد على ولدها . وقد ذكر ابن الجوزي في هذه السنة وفاة أمّ حرَام بنت مِلْحان الأنصاريّة امرأة عبادة بن الصامت ، والصحيح الذي لم يذكر العلماء غيره أنها توفيت سنة سبع وعشرين [ في خلافة عثمان ، وكانت هي وزوجها (٢) مع معاوية حين دخل قبرص، وَقَصَتْها (٣) بغلتُها فماتت هناك، وقبرها بقبرص . والعجب أن ابن الجوزي أورد في ترجمتها حديثها المخرَّج في (« الصحيحين» في قيلولة النبي ◌ُّ في بيتها ورؤياه في منامه قوماً من أمته يركبون تَج(٤) البحر مثل الملوك على الأسرّة غزاة في سبيل الله ، وأنها سألته أن يدعو لها أن تكون منهم ، فدعا لها ، ثم نام فرأى كذلك ، فقالت : ادعُ الله أن يجعلني منهم ، فقال : (( لا، أنت من الأوَّلين )(٥) وهم الذين فتحوا قبرص فكانت معهم وذلك في سنة سبع وعشرين ، ولم تكن من الآخرين الذين غزوا بلاد الروم سنة إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية [ ومعهم أبو أيوب ، وقد توفي (١) مختصر تاريخ دمشق (٢٠/٢٨) ضمن ترجمة يزيد . (٢) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٣) ((وقصتها)): أوقعتها وكسرت عنقها. (( ثبج البحر)) : وسطه ومعظمه . (٤) (٥) رواه البخاري رقم (٢٧٨٨) ومسلم رقم (١٩١٢). ١١٨ أحداث سنة ٥٧ هـ ـ أحداث سنة ٥٨هـ هناك، فقبره قريب من سور القُسْطنطينيّة . وقد ذكرنا هذا مقرراً في دلائل النبوة (١) . ثم دخلت سنة سبع وخمسين فيها كان مَشْتی عبد الله بن قیس بأرض الروم . قال الواقدي : وفي شوّالها عزل معاويةُ مروان بن الحكم عن المدينة ، وولَّى عليها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وهو الذي حجَّ بالناس في هذه السنة ، لأنه صارت إليه إمرة المدينة ، وكان على الكوفة الضحّاك بن قيس ، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد ، وعلى خراسان سعيد بن عثمان . قال ابن الجوزي : وفيها توفي عثمان بن حُنَيف الأنصاريُّ الأوسيّ ، وهو أخو عبادة وسهل ابني حُنَيَف . بعثه عمر لمساحة خَرَاج السَّواد بالعراق ، واستنابه عمر على الكوفة ، فلمّا قدم طلحة والزبير صحبة عائشة ، وامتنع من تسليم دار الإمارة نُتِفِتْ لحيتُه وحواجبُه وأشفارُ عينيه ومُثِّل به ، فلمّا جاء عليٍّ وسلَّمه البلد ، قال له : يا أمير المؤمنين فارقتُك ذا لحيةٍ واجتمعتُ بك أمرد ، فتبسَّم علي رضي الله عنه وقال : لك أجرُ ذلك عند الله . وله في ((المسند)) و ((السنن)) حديث الأعمى الذي سأل رسول الله وَّل أن يدعوَ له ليردَّ اللهُ عليه ضوء بصره ، فردّه الله عليه (٢) . وله حديث آخر عند النَّسائي(٣) ولم أر أحداً أرَّخ وفاته بهذه السنة سوى ابن الجوزي ، والله أعلم . ثم دخلت سنة ثمان وخمسين فيها غزا مالك بن عبد الله الخَشْعَمي أرض الروم . (١) ما بين حاصرتين ورد بدلاً عنه في أ: وقد تقدم هذا كله. وترجمة أم حرام في سير أعلام النبلاء (٣١٦/٢) والحديث مخرج هناك . (٢) أخرجه أحمد في مسنده (١٣٨/٤) والترمذي (٣٥٧٨) في الدعوات ، والنسائي في الكبرى رقم (١٠٤٩٥) وابن ماجه (١٣٨٥) في إقامة الصلاة ... كلهم من طريق عثمان بن عمر ، عن شعبة ، عن أبي جعفر المدني ، عن عمارة بن خزيمة بن ثابت ، عن عثمان بن حنيف: ((أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي وَّ فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال : إن شئت دعوت ، وإن شئت صبرت فهو خير لك . قال : فادعه . قال : فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء : اللهم إني أسألك وأتوجه بنبيك محمد نبي الرحمة . يامحمد إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي هذه لتقضى. اللهم فشفعه فيّ)). وقال الترمذي : حسن صحيح وهو كما قال . (٣) رواه النسائي في الكبرى رقم (٩٧٦٥) هو في النهي عن التصاوير . ١١٩ قصة غريبة وفيها قُتل يزيد بن شَجَرة في البحر . [ وقيل : بل غزا البحر وبلاد الروم جُنادة بن أبي أميّة . وقيل : إنما شتا بأرض الروم عمرو بن يزيد الجُھَني . قال أبو معشر والواقدي }(١) : وحجَّ بالناس فيها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان . وفيها ولَّى معاويةُ الكوفة لعبد الرحمن بن عبد الله بن عثمان بن ربيعة الثَّقفي - ابن أمّ الحكم [ وأمّ الحكم هي أخت معاوية - وعزل عنها الضحّاك بن قيس ، فولّى ابنُ أمّ الحكم (٢) على شرطته زائدة بن قدامة . وخرجت الخوارج في أيام ابن أمِّ الحكم ، وكان رئيسهم في هذه الوقعة حيّان بن ظَبْيان السُّلمي ، فبعث إليهم جيشاً فقتلوا الخوارج جميعاً . ثم إن ابن أمّ الحكم أساء السيرة في أهل الكوفة ، فأخرجوه من بين أظهرهم طريداً ، فرجع إلى خاله معاوية ، فذكر له ذلك ، فقال : لأولينَك مصراً خيراً منها ، فولّاه مصر ، فلمّا سار إليها تلقّاه معاوية بن حُدَيج(٣) على مرحلتين من مصر فقال له : ارجع إلى خالك معاوية ، فلَعَمري لا ندعُك تدخلها فتسير فيها وفينا سيرتَك في إخواننا من أهل الكوفة ، فرجع ابن أمّ الحكم إلى معاوية ، ولحقه معاوية بن حُدَيج وافداً على معاوية ، فلمّا دخل عليه وجد عنده أخته أمَّ الحكم - وهي أم عبد الرحمن الذي طرده أهل الكوفة وأهل مصر - فلمّا رآه معاوية قال: بخ بخٍ ، هذا معاوية بن حُدَيج ، فقالت أمُّ الحكم : لا مَرْحباً به ، تسمع بالمُعَيْديِّ خيرٌ من أنْ تراه(٤) ، فقال معاوية بن حُدَيج : على رِسْلِكِ يا أمَّ الحكم ، أما والله لقد تزوَّجتِ فما أكرمتِ ، وولدتِ فما أَنجبتِ ، أردتِ أن يليَ ابنُك الفاسق علينا فيسير فينا كما سار في إخواننا من أهل الكوفة ، فما كان الله ليريَه ذلك ، ولو فعل لضربناه ضرباً يطأطِىء منه رأسه ، وإن كره ذلك الجالس - يعني معاوية - فالتفت إليها معاوية فقال: كُفِّي. قصَّة غريبَة ذكرها ابن الجوزي في كتابه «المنتظم » بسنده . وهو أنَّ شاباً من بني عُذرة جرت له قصَّة مع ابن أمّ الحكم [وهو والٍ على الكوفة في هذه السنة }°) وملخّصُها: أنَّ معاوية بينما هو يوماً على السِّماط(٦) إذا شاب من بني عُذرة قد مثَل بين يديه ، فأنشده شعراً مضمونه التشوّق إلى زوجته سعاد ، فاستدناه معاويةٌ واستحكاه عن أمره ، فقال : يا أمير المؤمنين ! إني كنت مزوَّجاً بابنة عمّ لي ، وكان لي إبل وغنم ، (١) ما بين حاصرتين سقط من آ. والخبر في تاريخ الطبري (٣٠٩/٥). (٢) ما بين حاصرتين سقط من ب . (٣) تصحف في غير موضع من الأصول إلى : خديج . (٤) قولها : تسمع بالمعيدي ... ، مثل يضرب لمن خبره خير من مرآه. مجمع الأمثال للميداني (١٢٩/١ - ١٣١). (٥) ما بين حاصرتين من ب فقط . (٦) في مختصر تاريخ دمشق : فوقف بين السماطين . وسماط القوم : صفهم . ١٢٠ قصة غريبة فأنفقتُ ذلك عليها ، فلمّا قلَّ ما بيدي رغب عني أبوها وشكاني إلى عاملك بالكوفة - ابن أمّ الحكم - وبلغه جمالها ، فحبسَني في الحديد ، وحملَني على أن طلَّقتُها ، فلمّا انقضت عدَّتُها أعطاه عاملك عشرة آلاف درهم فزوَّجه بها ، وقد أتيتك يا أمير المؤمنين وأنت غياث المحزون الملهوف المكروب ، وسند المسلوب ، فهل من فَرَج ؟ ثم بكى وأنشأ يقول : والنَّارُ فيها شَرَارُ في القلب منِّيَ نارُ واللَّونُ فيه اصْفِرارُ والجسمُ مِنِّي نَحيلٌ فدَمْعُها مِدْرارُ والعينُ تبكي بشَجْوٍ فيه الطَّيبُ يَحَارُ(١) والحبُّ داءٌ عسِيرٌ فما علَيهِ اصْطبارُ حُمِّلتُ فيه عَظِيماً فليسَ ليلي بلَيلٍ ولا نهاري نهـرُ قال : فرقَّ له معاوية ، وكتب إلى ابن أمّ الحكم يؤنِّبُه على ذلك ويعيبه عليه ويأمره بطلاقها قولًاً واحداً ، فلمّا جاءه كتاب معاوية تنفَّس الصُّعَداء وقال : وددتُ أن أمير المؤمنين خلَّى بيني وبينها سنة ثم عرضني على السَّيف ، وجعل يؤامر نفسه على طلاقها فلا يقدر على ذلك ولا تُجيبه نفسه . وجعل الرسول الذي ورد عليه بالكتاب يستحثُّه ، فطلَّقها وأخرجها عنه ، وسيّرها مع الوفد إلى معاوية . فلمّا وقفت بين يديه رأى منظراً جميلاً ، فلما استنطقها فإذا أفصح الناس ، وأحلاهم كلاماً ، وأكملهم جمالاً ودلالًا ، فقال لابن عمِّها : يا أعرابيّ! هل من سُلُوَّ عنها بأفضل الرَّغبة ؟ قال : نعم، إذا فرقتَ بين رأسي وجسدي ، ثم أنشأ يقول : كالمُستغيثِ من الرَّمضاء بالنَّار لا تجعلَنِّيَ والأمثالُ تُضربُ بي يُمسي ويُصبحُ في همٍّ وتَذْکار اردُدْ سُعادَ على حَيْرانَ مُكتئبٍ وأُسعر القلبُ منه أيّ إسْعار قد شَفَّهُ قلقٌ ما مثلُهُ قلقٌ حتى أُغْيَّبَ في رَمْسٍ وأحجار واللهِ واللهِ لا أَنسى محبَتَها وأصبحَ القلبُ عنها غيرَ صَبَّار کیف السُّلوُ وقد هام الفؤادُ بها فقال معاوية : فإنا نخيِّرها بيني وبينك وبين ابن أمّ الحكم ، فأنشأتْ تقول : وكان في نقصٍ من اليَسَار لهذا وإنْ أصبحَ في أَطْمار(٢) (١) ورد الشطر الأول من هذا البيت في النسخ المطبوعة كما يلي: والحب ذا عبر وهذا تحريف فظيع : إذ يختل المعنى ولا يستقيم الوزن . (٢) تحرفت في المطبوع إلى: إطار. ((والأطمار)): جمع طمر، وهو الثوب الخلَق - -