النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
وفيات سنة ٥٠هـ
شُعبة - وكان معتزلًا - وقيس بن سعد بن عُبَادة ، وعبد الله بن بُدَيل بن ورقاء ، وكانا مع علي .
قلت: والشّيعة يقولون: الأشياح١ُ) خمسة: رسول الله وَل وعلي، وفاطمة ، والحسن ،
والحسين . والأضداد خمسة : أبو بكر ، وعمر ، ومعاوية ، وعمرو بن العاص ، والمُغيرة بن شُعبة .
وقال الشعبي : سمعت المغيرة بن شعبة يقول : ما غلبني أحدٌ إلّ فتىّ، مرة ، أردت أن أتزوَّج
امرأة ، فاستشرته فيها ، فقال : أيها الأمير ! لا أرى لك أن تتزوَّجها ، فقلت له : لم ؟ فقال : إني رأيت
رجلاً يقبّلُها . ثم بلغني عنه أنه تزوَّجها ، فقلت له : ألم تزعم أنك رأيتَ رجلاً يقبِّلها ؟ فقال : نعم ،
رأيت أباها يقبّلها وهي صغيرً) .
[ وقال أيضاً: سمعت قَبيصة بن جابر يقول : صحبتُ المغيرة بن شعبة ، فلو أن مدينة لها ثمانيةٌ
أبواب لا يُخرج من باب منها إلا بمكرٍ لخرج المغيرة من أبوابها كلِّها .
وقال ابن وهب : سمعت مالكاً يقول (R) : كان المغيرة بن شعبة يقول : صاحبُ المرأة الواحدة
تَحِيض فيَحيض معها ، وتمرض فيمرض معها ، وصاحب المرأتين بين نارين تشتعلان ، وصاحب الأربعة
قرير العين . وكان يتزوَّج أربعاً معاً ويطلِّقهنَّ معاً .
وقال عبد الله بن نافع الصّائغ : أَحصن المغيرةُ ثلاثمئة امرأة . وقال غيره : ألف امرأة . وقال قتادة :
مئة امرأة . وقيل : ثمانين امرأة . فالله أعلم .
وأما جُوَيْرِيَة بنت الحارث(٤) بن أبي ضِرار الخُزاعيَّة المُصْطلقيّة، أمّ المؤمنين، فكان سباها رسول الله وَخيال
في غزوة المُرَيْسِيع، وهي غزوة بني المُصْطلق، وكان أبوها ملكَهُم، فأسلمت، فأعتقها رسول الله وَ له
وتزوّجها . وكانت قد وقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس، فكاتَبَها، فأتتْ رسول الله مَّلا تستعينُه في
كتابتها، فقال: ((أو خيرٌ مِنْ ذلك))؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: ((أَشتريك، وأُعتقك،
وأَتزوَّجك)) فأعتقها، فقال الناس: أصهار رسول الله وَ له فأعتقوا ما بأيديهم من سَبْي بني المُصْطلق ،
وكان نحواً من مئة أهل بيت . قالت عائشة : فما أعلمُ امرأةً كانت أعظمَ بركةً على أهلها منهُهْ)
تحرفت في المطبوع إلى : الأشباح .
(١)
(٢)
مختصر تاریخ دمشق (١٧٤/٢٥ - ١٧٥) .
(٣)
ما بين حاصرتين سقط من ( أ)، ومكانه بياض في ب . مختصر تاريخ دمشق (١٧٤/٢٥ و١٧٧).
طبقات ابن سعد (١١٦/٨) طبقات خليفة (٣٤٢) تاريخ خليفة (٢٢٤) مسند أحمد (٣٢٤/٦ و٤٤٩) المعارف
(٤)
(١٣٨) المعرفة والتاريخ (٣٢٢/٣) مستدرك الحاكم (٢٥/٤) الاستيعاب (١٨٠٤/٤) أنساب السمعاني (٣٤٥/١١)
أسد الغابة (٥٦/٧) تهذيب الكمال (ورقة ١٦٨٧) تاريخ الإسلام (٢٧٥/٢) سير أعلام النبلاء (٢٦١/٢) الكاشف
(٤٢٢/٣) العبر (٦١/١) مجمع الزوائد (٩/ ٢٥٠) تهذيب التهذيب (٤٠٧/١٢) الإصابة (١٨٢/١٢) خلاصة
الخزرجي (٤٨٩) كنز العمال (٧٠٦/١٣) شذرات الذهب (٢٥٧/١) أعلام النساء (٢٢٧/١).
(٥) أخرجه أحمد (٢٧٧/٦)، وأبو داود (٣٩٣١) في العتق من حديث عائشة ، وهو حديث حسن.

٦٢
وفيات سنة ٥٠هـ
وكان اسمها بَرَّة، فسمّاها رسول الله وَ لَه جُوَيْرِيَةُ(١).
وكانت امرأة مُلاَّحة - أي : حلوة الكلام.
توفيت في هذه السنة كما ذكره ابن الجَوْزي وغيره عن خمس وستين سنة . وقال الواقدي : سنة ست
وخمسين ، رضي الله عنها وأرضاها .
وأما صَفِيَّة بنتُ حُبَيٍ(٢) بن أَخطَب بن سَعْيةُ(٣) بن ثعلبة بن عبيد(٤) بن كعب بن الخزرج بن أبي حبيب
ابن النَّضير بن النحام بن نحوم ، أمّ المؤمنين ، النَّضَريَّة ، من سلالة هارون أخي موسى عليهما السلام .
وكانت مع أبيها وعمها حُدَي بن أخطب بالمدينة، فلما أجلى رسول الله وَله بني النَّضير ساروا إلى خيبر،
وقُتل أبوها حُبّي مع بني قريظة صَبْراً كما قدَّمنا، فلما فتح رسول الله وَّ خيبر كانت صَفيَّة من جملة
السَّبي ، فوقعت في سهم دِخْية بن خليفة الكَلْبِي ، فذكر لرسول الله وَّل جمالها وأنها بنت ملكهم ،
فاصطفاها لنفسه ، وعوَّض دِخْية عنها ، وأسلمت، فأعتقها وتزوَّجها، فلما حلَّت بالصَّهْباء(٥) بنى بها ،
وكانت ماشطتَها أمُ سُلَيم .
وقد كانت تحت ابن عمِّها كنانة بن أبي الحُقَيْق، فقُتل في المعركة بخيبر، ووجد رسول الله وَله
بخدِّها لطمةً فقال : ما هذه ؟ فقالت : إني رأيت كأن القمرَ أقبل من يثرب فسقط في حِجْري ، فقصصتُ
المنام على ابن عمي ، فلطمني وقال : أتتمنَّيْنَ أن يتزوَّجك ملك يثرب ؟ فهذه من لطمته .
وكانت من سيِّدات النساء عبادةً وورعاً وزهادة وبرّاً وصَدَقة . رضي الله عنها .
قال الواقدي : توفيت سنة خمسين . وقال غيره : سنة ست وثلاثين . والأول أصح ، والله أعلم .
وأما أمُّ شَرِيك الأَنصَارِيَّةُ(٦) : - ويقال: العامريَّة - فهي التي وهبت نفسها للنبي وَّرَ فقيل: قَبِلَها ،
(١) أخرجه مسلم (٢١٤٠) في الآداب: باب استحباب تغيير الاسم القبيح إلى حسن ...
(٢) طبقات ابن سعد (٨/ ١٢٠) تاريخ خليفة (٨٢، ٨٣، ٨٦) مسند أحمد (٣٣٦/٦) المعارف (١٣٨) المعرفة والتاريخ
(الفهرس)، مستدرك الحاكم (٢٨/٤) الاستيعاب (١٨٧١/٤) جامع الأصول (٩/ ١٤٣) أسد الغابة (٧/ ١٦٩)
تهذيب الكمال (ورقة ١٦٩٤) تاريخ الإسلام (٢٢٨/٢) العبر (٥٦/١) سير أعلام النبلاء (٢٣١/٢) الكاشف
(٤٢٩/٣) مجمع الزوائد (٢٥٠/٩) تهذيب التهذيب (٤٢٩/١٢) الإصابة (١٤/١٣) خلاصة الخزرجي (٤٩٢) كنز
العمال (٦٣٧/١٣، ٧٠٤) شذرات الذهب (٢٤٥/١) أعلام النساء (٣٣٣/٢).
(٣) وردت في المطبوع شعبة وقد اختلفت المصادر في تقييد هذا الاسم على أقوال منها: شعبة، وسعية، وسعنة ... إلخ وأثبت ما
في (أ)، ب وهو أقربها إلى الصحة فيما وصلت إليه، وهو الذي اختاره الأمير ابن ماكولا في الإكمال (٥/ ٦٧).
(٥) ((الصهباء)): موضع قرب خيبر .
(٤)
تحرف في المطبوع إلى : عبد .
(٦) تاريخ ابن معين (٧٤٢) طبقات ابن سعد (١٥٤/٨) طبقات خليفة (٣٣٥) مسند أحمد (٤٢١/٦، ٤٦٢) الجرح
والتعديل (٤٦٤/٩) مستدرك الحاكم (٣٤/٤) الاستيعاب (١٩٤٣/٤) أسد الغابة (٣٥٢/٧) تهذيب الكمال (ورقة=

٦٣
أحداث سنة ٥١هـ
وقيل : لم يقبلْها . ولم تتزوج حتى ماتت(١) [ ترجو بذلك أن تكون من أزواجه ]٢).
وهي التي سُقيتْ بدلو من السماء لمّا منعها المشركون الماء ، فأَسلموا عند ذلك .
واسمها غزيَّة - وقيل : غُزَيلة - بنت دودان بن عمرو بن عامر [ بن رواحة بن مُنقذ بن عمرو بن
مَعِيص بن عامر بن لؤي .
أسلمت قديماً .
قلت: قد ذكر ابن الجوزي والمؤلّف في ((جامع المسانيد)) أن رسول الله وَليل دخل بها لمّا وهبت
نفسها له . وروت أحاديث . وقيل : لما رأى كبر سنِّها طلَّقها ، والله أعلم .
ماتت في هذه السنة (٣) على الصحيح . وقال ابن الجوزي : ماتت سنة خمسين . ولم أره لغيره .
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين
فيها كان مقتل حُجْر بن عديّ وأصحابه ، وهو :
حُجْرِ بنُ عَديّ(٤) بن جَبَلَة بن عديّ بن ربيعة بن معاوية الكرمُ(٥) بن الحارث بن معاوية بن ثور بن
مُزْتِع بن كنده(٦) الكوفي، ويقال : حُجر الخير ، ويقال له : حُجر بن الأَدْبَر ، لأن أباه عَديّاً ◌ُعن مولِّياً
فسمِّي الأَدْبر . [ ويُكنى حُجر بأبي عبد الرحمن (٧) . وهو من كِنْدة ، من رؤساء أهل الكوفة .
١٧١١) تاريخ الإسلام (٣٣٠/٢) سير أعلام النبلاء (٢٥٥/٢) الكاشف (٤٤٢/٣) الإصابة (٢٣٥/١٣) تهذيب
=
التهذيب (١٢/ ٤٧٢) خلاصة الخزرجي (٤٩٨) أعلام النساء (٢٩٦/٢).
(١) مثله في طبقات ابن سعد ووقعت في ط : مات .
(٢) ما بين حاصرتين من ( أ) فقط.
(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ط)، (ب)، وذكر ابن الأثير الخلافُ في اسمها ونسبها في أسد الغابة (٧/ ٣٥٢).
(٤) طبقات ابن سعد (٢١٧/٦) طبقات خليفة (ت١٠٤٢) المحبر (٢٩٢) تاريخ البخاري الكبير (٧٢/٣) التاريخ الصغير
(٩٥/١) المعارف (٣٣٤) المعرفة والتاريخ (٣٢٠/٣)، الأخبار الطوال (٢٢٣)، تاريخ الطبري (٢٥٣/٥) الجرح
والتعديل (٢٦٦/٣) مروج الذهب (١٢/٣) مشاهير علماء الأمصار (ت٦٤٨) الأغاني (١٧/ ١٣٣) معجم الطبراني
الكبير (٣٩/٤) مستدرك الحاكم (٤٦٨/٣) جمهرة أنساب العرب (٤٢٦) الاستيعاب (٣٢٩/١) تاريخ ابن عساكر
(٤/ ١٣١/ ب) أسد الغابة (١/ ٤٦١) الكامل في التاريخ (٤٧٢/٣) مختصر تاريخ دمشق (٢٣٥/٦) تاريخ الإسلام
(٢٧٥/٢) سير أعلام النبلاء (٤٦٢/٣) العبر (٥٧/١) مرآة الجنان (١٢٥/١) الإصابة (٣١٤/١) شذرات الذهب
(٢٤٧/١) تهذيب ابن عساكر (٨٧/٤).
(٥) وقعت في ط : الأكبر . وفي مصادر الترجمة : الأكرمين.
(٦) في الأصل : ابن كندي ، والتصحيح من جمهرة الأنساب .
(٧) سقط من ط .

٦٤
أحداث سنة ٥١ هـ
قال ابن عساكر(١): وفد إلى النبي وَّرَ. وسمع عليّاً، وعمّاراً، وشراحيل بن مرّة - ويقال: شرحبيل
ابن مرّة . وروى عنه أبو ليلى مولاه ، وعبد الرحمن بن عباس ، وأبو البَخْتري الطائي . وغزا الشام في
الجيش الذين افتتحوا عَذْراء(٢) ، وشهد صفِّين مع عليّ أميراً، وقُتل بعَذْراء من قرى دمشق ، ومسجد قبره
بها معروف . ثم ساق ابن عساكر بأسانيده إلى حُجْر فذكر طرفاً صالحاً من روايته عن علي وغيره .
وقد ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة ، وذكر له وفادة على النبي ◌َّ ثم ذكره في
الأولى من تابعي أهل الكوفة . قال : وكان ثقة معروفاً ، ولم يرو عن غير(٣) علي شيئاً .
قال ابن عساكر : بل قد روى عن عمّار ، وشراحيل بن مرَّة .
وقال أبو أحمد العسكري: أكثر المحدثين لا يُصحّحون له صحبة . شهد القادسية ، وافتتح مرج(٤)
عَذْراء، وشهد الجمل وصفِّين، وكان مع علي حُجْر الخير - وهو حُجْر بن عديّ هذا - وحُجْرِ الشَّر(٥) -
وهو حُجْر بن يزيد بن سلمة بن مُرَّة .
وقال المرزباني : قد روي أن حُجْر بن عديّ وفد إلى رسول الله وَ الر مع أخيه هانىء بن عديّ . وكان
هذا الرجل من عُبّاد الناس وزُهّادهم، وكان بارّاً بأمِّه ، وكان كثير الصلاة والصيام . قال أبو مَعْشر :
ما أحدثَ قطُّ إلّا توضأ ، ولا توضأ إلّا صلَّى ركعتين . وهكذا قال غير واحد .
وقال الإمام أحمد : حدّثنا يعلى بن عُبيد، حدّثني الأعمش ، عن أبي إسحاق قال : قال سلمان
لحُجر : يا بن أمِّ حُجْر ، لو تقطّعت أعضاؤك ما بلغت الإيمان .
وكان ينكر على المغيرة بن شعبة - إذ كان المغيرة على الكوفة - إذا ذكر عليّاً في خطبته فتنقَّصه بعد مدح
عثمان وشيعته فيغضب حُجْر هذا ويظهر الإنكار عليه ، ولكن كان المغيرة فيه حِلْم وأناة ، فكان يصفح عنه
ويَعِظُه فيما بينه وبينه، ويحذِّره ◌ِبٌ(٦) هذا الصَّنيع، فإنَّ معارضة ذي السلطان شديدٌ وبالُها . فلم يرجع
حُجْر عن ذلك . فلمّا كان في آخر أيام المغيرة قام حُجْر يوماً ، فأنكر عليه في الخطبة ، وصاح به ، وذمَّه
بتأخيره العطاء عن الناس ، وقام معه فِئَام من الناس(٧) لقيامه ، وتبعه قومه فشنَّعوا على المغيرة ، فدخل
تاریخ دمشق (١٢/ ٢٠٧ - ٢٠٨) .
(١)
وتلفظ العامة اسمها اليوم عَدْرا وهي من قرى غوطة دمشق ، تقع في الشمال الشرقي منها ، وتبعد عنها خمسة عشر
(٢)
ميلاً تقريباً .
(٣) سقطت لفظة غير من آ. طبقات ابن سعد (٢٢٠/٦).
(٤)
وقعت في ط : برج .
في الأصول : حجر الشرف . ترجمته في سير أعلام النبلاء (٤٦٧/٣).
(٥)
((غب الأمر ومغبته)): عاقبته .
(٦)
((الفئام)» : الجماعة . ووقعت في ط : فقام الناس .
(٧)

٦٥
أحداث سنة ٥١هـ
المغيرة القصر بعد الصلاة ، ودخل معه جمهور الناس من الأمراء ، فأشاروا على المغيرة أن يردَع حُجْراً
هذا عما يتعاطاه من الجرأة على السلطان وشقِّ العصا والقيام على الأمراء ، وذمّروه وحثُّوه على التنكيل
به . فصفح عنه وحَلُم به .
وذكر يونس بن عبيد : أن معاوية كتب إلى المغيرة يستمدُّه بمال يبعثه من بيت المال ، فبعث عِيراً
تحمل مالاً ، فاعترض لها حُجْر ، فأمسك بزِمام أوَّلها وقال : لا والله حتى تعطيَ كل ذي حقٍّ حقَّه . فقال
شباب ثقيف للمغيرة : ألا نأتيك برأسه ؟ فقال : ما كنت لأفعل ذلك بحُجْر ، فتركه ، فلما بلغ معاوية
ذلك عزل المغيرة وولَّى زياداً .
والصحيح أن المغيرة ما زال والياً حتى مات ، فلما مات جمع معاوية الكوفة مع البصرة لزياد ،
فدخلها وقد التف على حُجْر جماعات من شِيعة عليٍّ يقوُّون أمره ، ويشدُّون على يده ، ويسبُّون معاوية
ويتبرّؤون منه . فلما كان أول خطبة خطبها زياد بالكوفة ذكر في آخرها فضائل عثمان ، وذمَّ مَنْ قتله أو
أعان على قتله ، فقام حُجْر كما كان يقوم في أيام المغيرة ، وتكلّم بما كان يكلِّم به المغيرة ، فلم يعرض له
زياد . ثم ركب زياد إلى البصرة ، وأراد أن يأخذ حُجْراً معه إلى البصرة لئلاّ يحدث حدثاً ، فقال : إني
مريض ، فقال : والله إنك لمريض الدين والقلب والعقل، والله لئن أحدثتَ شيئاً لأسعينَّ في ذلك إلى
معاوية . ثم سار زياد إلى البصرة ، فبلغه أن حُجْراً وأصحابه أنكروا على نائبه بالكوفة - وهو عمرو بن
حُريث - وحصبوه وهو على المنبر يوم الجمعة ، فركب زياد إلى الكوفة ، فنزل القصر ، ثم خرج إلى
المنبر وعليه قباء سُنْدس ومطرف خزّ أحمر ، قد فَرَق شعره ، وحُجْر جالس وحوله أصحابه أكثر ما كانوا
[ يومئذ، وكان مَنْ لبس من أصحابه يومئذ نحو من ثلاثة آلاف، وجلسوا حوله }(١) في المسجد في
الحديد والسلاح . فخطب زياد ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن غِبَّ البغي والغيِّ
وخيم ، وإن هؤلاء القوم أَمِنُوني فاجترؤوا علَيّ ، وايم الله لئن لم تستقيموا لأُداوينَّكم بدوائكم . ثم قال :
ما أنا بشيء إن لم أمنع ساحة الكوفة من حُجْر وأدعه نكالاً لمن بعده، ويلُ امِّكَ يا حُجْر ، سقط بك العشاءُ
على سِرْحان . ثم قال :
أَبْلِغْ نَصِيحَةَ أنَّ راعيَ إبْلِها سَقَطَ العَشَاءُ به على سِرْحالُ(٢)
وجعل زياد يقول في خطبته : إنَّ من حقِّ أمير المؤمنين [ إنَّ من حقِّ أمير المؤمنين ، فقال حُجْر :
كذبتَ ، فسكت زياد ونظر إليه ثم عاد : إن من حق أمير المؤمنين ، إن من حق أمير المؤمنين ]٣) - يعني
(١) من المطبوع فقط.
(٢) ((السرحان)): الذئب، وهذا مثل يضرب في طلب الحاجة يؤدي صاحبها إلى التلف . وهو في مجمع الأمثال
للميداني (٣٢٨/١).
(٣) سقط من المطبوع .

٦٦
أحداث سنة ٥١ هـ
كذا وكذا - فأخذ حُجْر كفّاً من حصى ، فحصبه بها وقال : كذبتَ ، عليك لعنة الله . فانحدر زياد ،
فصلَّى ، ثم دخل القصر ، واستحضر حُجْراً .
ويقال : إن زياداً لما خطب طوَّل الخطبة وأخَّر الصلاة ، فقال له حُجْر : الصلاة ، فمضى في
خطبته (١)، فلمّا خشي حُجْر فوت الصلاة عمد إلى كفٍّ من حصى، ونادى : الصلاة [ بصوت عالٍ
وصيحة عظيمة حتى سمعها أهل المسجد ومَنْ هو خارج منه (٢) وثار الناس معه ، فلما رأى ذلك زیاد
نزل فصلَّى بالناس ، فلمّا انصرف من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه ، فكتب إليه معاوية :
أن شُدَّه في الحديد واحملْه إلي ، فبعث إليه زياد والي الشرطة - وهو شدّاد بن الهيثم - ومعه أعوانه فقال
له : إن الأمير يطلبك ، فامتنع عن الحضور إلى زياد ، وقام دونه أصحابه ، فرجع الوالي إلى زياد
فأعلمه ، فاستنهض زيادٌ جماعاتٍ من القبائل ، فركبوا مع الوالي إلى حُجْر وأصحابه ، فكان بينهم قتال
بالحجارة والعِصيّ ، فعجزوا عنه ، فندب له محمد بن الأشعث ، وأمهله ثلاثاً ، وجهَّز معه جيشاً ،
فركبوا في طلبه ، ولم يزالوا في طلبه حتى أحضروه إلى زياد ، وما أغنى عنه قومه ولا مَنْ كان يظن أنه
ينصره ، فعند ذلك قيَّده زياد ، وسجنه عشرة أيام ، ثم بعث به إلى معاوية ، وبعث معه جماعة يشهدون
عليه أنه سبَّ الخليفة ، وأنه حارب الأمير ، وأنه يقول : إن هذا الأمر لا يصلُح إلَّ في آل علي بن
أبي طالب .
وكان من جملة الشهود عليه أبو بُرْدة بن أبي موسى ، ووائل بن حجر ، وعمر بن سعد بن
أبي وقّاص ، وإسحاق وإسماعيل وموسى بنو طلحة بن عبيد الله، والمنذر بن الزُّبير ، وكَثِير بن شهاب ،
وشَبَثُ(٣) بن رِبْعي ... في سبعين رجلاً}) . ويقال : إنه كتبت شهادة شُريح القاضي فيهم ، وإنه أنكر
ذلك وقال : إنما قلت لزياد : إنه كان صوّاماً قوّاماً .
ثم بعث زياد حُجْراً وأصحابه مع وائل بن حُجْر وكَثِير بن شهاب إلى الشام .
وكان مع حُجْر بن عديٍّ من أصحابه جماعة ، قيل : عشرون ، وقيل أربعة عشرة رجلاً ، منهم :
الأرقم بن عبد الله الكندي ، وشريك بن شدّاد الحَضْرمي ، وصَيْفي بن فَسيل(٥) ، وقَبِيصة بن ضُبيعة بن
حرملة العبسي ، وكريم بن عفيف الخَثْعمي ، وعاصم بن عوف البَجَلي ، وورقاء بن سُمَيّ البَجَلي ،
(١) من (أ) فقط .
(٢) من ( أ) فقط .
(٣)
تحرف في المطبوع إلى : ثابت .
(٤)
تفصيل ذلك في تاريخ الطبري (٢٦٩/٥ - ٢٧٠) .
الأغاني (١٧ / ١٤٤) .
(٥)

٦٧
أحداث سنة ٥١ هـ
وكِدَام بن حيار(١) وعبد الرحمن بن حسان العَنَزيّان من بني هُمَيمُ(٢) ، ومحرز بن شهاب التَّميمي ،
وعبد(٣) الله بن حَوِيَّة السَّعدي التَّميمي أيضاً. فهؤلاء أصحاب حُجْر الذين وصلوا معه إلى معاوية . ثم إن
زياداً أتبعهم برجلين آخرين : عتبة بن الأخنس - من بني سعد - وسعيد بن نمرال(٤) الهَمْداني ، فكملوا
أربعة عشر رجلاً ، فساروا بهم إلى الشام .
ويقال : إن حُجراً لما دخل على معاوية قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين . فغضب معاوية غضباً شديداً .
وأمر بضرب عنقه هو ومن معه . ويقال : إن معاوية ركب فتلقاهم إلى مرج عَذْراء . ويقال : بل بعث إليهم مَن
تلقاهم إلى عَذْراء تحت الثنيَّة - ثنيّة العقاب - فقتلوا هنالك . بعث إليهم معاوية من دمشق ثلاثة نفر وهم :
هُذْبة بن فيّاض القَضاعي، وحُصينُ(٥) بن عبد الله الكِلابي، وأبو شريف البدوي(٦) ، فجاؤوا إليهم عشاءً ، فبات
◌ُجر وأصحابه يصلُّون طول الليل ، فلما صلَّوا الصبح قتلوهم . وهذا هو الأشهر ، والله أعلم .
وذكر محمد بن سعد : أنهم دخلوا على معاوية فردَّهم ، فقُتلوا بعَذْراء .
وكان معاوية قد استشار الناس فيهم حين وصل بهم إلى مرج عَذْراء - [ وقيل: إنهم حُبسوا
فيها (٧) - فمن مُشير بقتلهم ، ومن مُشير بتفريقهم في البلاد ، فكتب معاوية إلى زياد كتاباً آخر في
أمرهم ، فأشار عليه بقتلهم إن كانت له حاجة في ملك العراق . فعند ذلك أمر بقتلهم ، فاستوهب منه
الأمراء واحداً بعد واحد حتى استوهبوا منه ستة [ وقتل منهم ستة (٨) أولهم حُجر بن عدي ، ورجع
آخر ، فعفا عنه معاوية ، وبعث بآخر نال من عثمان وزعم أنه أول من جار في الحكم ومدح علياً ، فبعث
به معاوية إلى زياد وقال : لم تبعث إليَّ فيهم أردى من هذا . فلما وصل إلى زياد دفنه في الناطف(٩) حيًّا -
وهو عبد الرحمن بن حسان العَنَزي١٠ّ) .
(١) تحرف في المطبوع إلى : حبان .
قوله : العنزيان من بني هميم ... ، ورد بدلا عنه في ( أ) : الغنوي . وفي ب : العنزيان من بني هيثم . وفي ط :
(٢)
العريان من بني تميم . وكلها تحريف ، والمثبت من تاريخ الطبري (٢٧١/٥) وأيضاً من اللباب لابن الأثير مادة
(الهميمي) .
(٣)
تحرف في المطبوع إلى : عبيد .
(٤)
تحرف في المطبوع إلى : عمران .
(٥)
تحرف في المطبوع إلى : حضير .
كذا في الأصول، وورد في تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير : أبو شريف البدّي وفي الأغاني: أبو صريف البدري.
(٦)
(٧)
من ( أ ) فقط .
(٨)
سقط من ب .
في الأغاني (١٧ / ١٥٣) قس الناطف . وقُس الناطف : موضع قريب من الكوفة على شاطىء الفرات الشرقي ، كما
(٩)
في معجم البلدان (٣٤٩/٤) .
(١٠) تحرفت هذه النسبة في أ، ب إلى: العنبري. وفي ط إلى: الفري.

٦٨
أحداث سنة ٥١هـ
وهذه تسمية الذين قُتلوا بعَذْراء : حُجر بن عديّ ، وشريك بن شدّاد ، وصيفي بن فَسيل الشيباني ،
وقَبيصة بن ضُبَيعة العبسي، ومُحْرز بن شهاب المِنْقري السَّعدي، وكدام بن حيانٌ(١) العَنَزي [ وعبد
الرحمن بن حسان العَنَزي المبعوث إلى زياد المدفون في الناطف }٢) .
ومن الناس من يزعم أنهم مدفونون بمسجد القَصَب في غربيّه (٣) [ ومنهم من يزعم أنهم مدفونون
بمسجد السَّبعة خارج باب تُوما - وإنما نسبت السبعة إليهم لأنهم سبعة - في شرقيّه ]٤) . والصحيح أنهم
مدفونون بعَذْراء من غوطة دمشق ، رحمهم الله .
ويُذكر أن حُجراً لما أرادوا قتله قال : دعُوني حتى أتوضأ ، فقالوا : توضأ ، فقال : دعُوني حتى
أصلِّي ركعتين، فصلاّهما وخفّف فيهما ثم قال: والله ما صلَّيت صلاة قطُّ أخفَّ منهما ، ولولا أن
يقولوا أن ما بي جزءٌ من الموت لأطلتُهما ، ثم قال: قد تقدم لهما صلوات كثيرة . ثم قدَّموه للقتل - وقد
حُفرت قبورهم ، ونُشرت أكفانهم - فلما تقدم إليه السَّاف ارتعدت فرائصُه ، فقيل له : إنك قلت لست
بجازع من القتل ! فقال : ومالي لا أجزع وأنا أرى قبراً محفوراً، وكفناً منشوراً ، وسيفاً مشهوراً .
فأرسلها مثلاً . ثم تقدَّم إليه السَّاف ، وهو أبو شريف البدوي ، وقيل: تقدم إليه رجل آخر ، فلما أراد
ضرب عنقه قال له : ارفع عنقك واشدُده، فقال : لا أُعين على قتل نفسي فأُسأل عن ذلك يوم
القيامة ، فضربه فقتله . وكان قد أوصى أن يُدفن في قيوده ، ففُعل به ذلك ، وقيل: بل غسّلوه وصلَّوا
عليه .
وروي أن الحسن بن علي لما بلغه قتل حُجر وأصحابه قال : أَصلَّوا عليهم ، وغسَّلوهم ، واستقبلوا
بهم القِبلة ، ودفنوهم في قيودهم ؟ قالوا : نعم ، قال : حَجُوهم(٥) وربّ الكعبة . والظاهر أن قائل هذا
هو الحسين بن علي [ أو الحسن البَصْري}(٦) فإن حُجراً إنما قتل في سنة إحدى وخمسين ، وقيل : سنة
ثلاث وخمسين ، وعلى كل تقدير فالحسن كان قد مات قبلَه ، والله أعلم .
وروينا أن معاوية لما دخل على أمّ المؤمنين عائشة فسلّم عليها من وراء الحجاب - وذلك بعد مقتل
(١) تحرف في المطبوع إلى : حبان .
(٢) سقط من ط ، ب .
(٣) تحرفت لفظة غربيه في المطبوع إلى : عرفة . وحي مسجد القصب معروف بدمشق ، ويقع شرقي حي العمارة.
(٥) حجَّه يحُّه حجّاً: غلبه بالحُجة.
(٤)
ما بين حاصرتين من ( أ ) فقط .
(٦) ما بين حاصرتين سقط من ط، ب، وهو ما قاله ابن الأثير في الكامل (٤٨٦/٣).

٦٩
أحداث سنة ٥١ هـ
حجر وأصحابه - قالت له : أين ذهب عنك حِلْمُك يا معاوية حين قتلتَ حُجراً وأصحابَه ؟ فقال لها : فقدتُه
حين غاب عنِّي من قومي مثلُكِ يا أمّاه ، ثم قال لها : فكيف برِّي بك يا أمّاه ؟ فقالت : إنك بي لبارّ ،
فقال : يكفيني هذا عند الله ، وغداً لي ولحُجر موقف بين يدي الله عزَّ وجل . وفي رواية : أنه قال لها :
إنما قتله الذين شهدوا عليه .
وروى ابن جرير(١) أن معاوية لما حضره الموتُ جعل يُغَرْغر بروحه وهو يقول : إنَّ يومي بكَ
يا حُجر بن عديٍّ لطويل . قالها ثلاثاً ، فالله أعلم .
وقال محمد بن سعد في ((الطبقات)(٢): ذكر بعض أهل العلم أن حُجراً وفد إلى رسول الله ◌َّر مع
أخيه هانىء بن عديّ ، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب ، فلمّا قدم زياد بن أبي سفيان والياً على
الكوفة دعا حُجر بن عديٍّ فقال له : تعلم أني أعرفك ، وقد كنت أنا وإيّاك (٣) على ما قد علمت - يعني من
حبِّ علي - وإنه قد جاء غير ذلك، وإني أنشدك اللهَ أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كلّه ، املِكْ عليك
لسانَك وليَسَعْك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسُك، وحوائجك مقضيّة لديّ، فاكفني نفسَك فإني
أعرف عجلتك، فأنشدك الله في نفسك، وإياك وهذه السَّفَلَة٤ُ) وهؤلاء السُّفهاء أن يَسْتزلُّوك عن
رأيك ... فقال حُجر : قد نصحتَ ونهيت ، ثم انصرف إلى منزله ، فأتاه الشّيعة فقالوا : ما قال لك ؟
قال : قال لي كذا وكذا [ قالوا: ما نصح لك }°). وسار زياد إلى البصرة، فجعل الشّيعة يتردّدون إلى
حُجر ويقولون له : أنت شيخنا وذو رأينا . وإذا جاء المسجد مَشَوا معه ، فأرسل إليه عمرو بن حُريث
- وكان نائب زياد على الكوفة - يقول: ما هذه الجماعة وقد أَعطيتَ الأمير ما قد علمت ؟! فقال
للرسول : إنهم يُنكرون ما أنتم عليه، إليك وراءك أوسع لك. فكتب عمرو بن حُريث إلى زياد: إن
كانت لك حاجة بالكوفة فالعَجَل . فأعجلَ زياد السّير إلى الكوفة ، فلما وصل بعث إلى حُجر بن عديٍّ
عديَّ بن حاتم ، وجرير بن عبد الله البَجَلي، وخالد بن عُرْفُطَة في جماعة من أشراف أهل الكوفة ليَنْهَوه
عن هذه الجماعة ، فأتوه فجعلوا يكلِّمونه ، وجعل لا يردُّ عليهم شيئاً ، وإنما جعل يقول : يا غلام !
اعلفِ البِكْر - لبكر مربوط في الدار - فقال له عديُّ بن حاتم : أمجنون أنت ؟ نكلِّمك وأنت تقول: يا غلامُ
اعلفِ البِكر ، ثم قال عدٌّ لأصحابه : ما كنت أظنُّ هذا البائس بلغ به الضعف كلَّ ما أرى . ثم نهضوا
فأخبروا زياداً ببعض الخبر وكتموه بعضاً، وحسَّنوا أمر حُجر عنده ، وسألوه الرِّفق به ، فلم يقبل ، بل
في تاريخه (٢٧٩/٥) .
(١)
(٢)
الطبقات الكبرى (٢١٧/٦ - ٢٢٠) .
(٣)
في ط : وأباك ، وهو تحريف .
(٤) وقعت في ط : السقطة .
(٥) سقط من ط .

٧٠
أحداث سنة ٥١ هـ
بعث إليه الشُّرَطَ والبخاريّةُ(١) ، فأتي به وبأصحابه ، فقال له زياد : ويلك مالك ؟ فقال : إني على بيعتي
لمعاوية . فجمع زياد سبعين من وجوه أهل الكوفة فقال : اكتبوا شهاداتكم على حُجر وأصحابه ،
ففعلوا ، ثم أوفدهم على معاوية . وبلغ الخبر عائشة ، فأرسلت عبد الرحمن بن الحارث بن هشام إلى
معاوية تسأله أن يخلي سبيلهم ، فوجدهم قد قتلوا منهم سبعة وأطلقوا السبعة الباقين ، ولكن كان حُجر
فيمن قُتل ، وكان قد سألهم أن يصلِّي ركعتين قبل أن يقتلوه ، فضلَّى ركعتين طوَّلهما وقال : إنها لأخفتُ
صلاة صلَّيتها . وجاء رسول عائشة بعد ما فُرغ من شأنهم ، فلما حجَّ معاويةُ قالت له عائشة: أين عَزَب(٢)
عنك حلمُكَ حين قتلتَ حُجراً ؟ فقال : حين غابٍ عنِّي مثلُكِ من قومي .
ويروى أن عبد الرحمن بن الحارث قال لمعاوية : أقتلتَ حُجر بن الأَدبر ؟ فقال معاوية : قتلُه أحبُ
إليَّ من أن أقتل معه مئة ألف .
وقد ذكر ابن جرير وغيره عن حُجر بن عدي وأصحابه أنهم كانوا ينالون من عثمان ، ويطلقون فيه
مقالة الجَوْر ، وينتقدون على الأمراء ، ويسارعون في الإنكار عليهم ، ويبالغون في ذلك ، ويتولَّون شيعة
علي ، ويتشدَّدون في الدين .
ويروى أنه لما أُخذ في قيوده سائراً من الكوفة إلى الشام تلقته بناتُه في الطريق وهن يبكين ، فمال
نحوهنّ ، فسكت ساعة ثم قال : إن الذي يُطعمكنَّ ويَسْقيكنَّ ويكسيكنَّ هو الله ، وهو حيٌّ باقٍ لا يموت ،
وهو لكُنَّ بعدي ، فعليكنَّ بتقوى الله وعبادته ، والصبر ابتغاء وجهه ، والتوكل عليه [ وإني لأرجو من ربي
عز وجل في وجهي هذا إحدى الحسنيّيْن : إما الشهادة وهي السعادة الكبرى ، وإما الانصراف إليكنَّ في
عافية ، وإني لأرجو من الله الذي كان يكفيني مؤنتكنَّ ألَّ يضيعَكنَّ، وأن يحفظني فيكنّ . ثم انصرف ،
فمرّ بقومه ، فجعلوا يدعون الله له بالعافية ، فأتوا به وبأصحابه مرج عَذْراء ، فقُتلوا ودفنوهم مستقبلي
القِبلة ، رحمهم الله وعفا عنهم (٣)
وقد قالت امرأة من المتشيِّعات تَرثي حُجراً - وهي هند بنت زيد بن مَخْرمة الأنصاريَّة - ويقال : إنها
لهند أخت حُجر ، فالله أعلم :
تَبَصَّرْ هَلْ تَرَى حُجْراً يَسِيرُ
ترفَّخْ أَيُّها القمرُ المُنیرُ
ليقتُلَهُ كما زَعَمَ الأَمِيرُ
يَسِيرُ إلى معاويةَ بِنِ حَرْبٍ
(١) هكذا في أ، ب وطبقات ابن سعد. ووقعت في ط : المحاربة .
(٢) ((عزب)) : غاب.
(٣) ما بين حاصرتين لفظُه من النسخة أ، وما جاء في ب ، ط في المعنى نفسه ، إلا أن فيه تقديماً وتأخيراً وتبديلاً في
بعض الألفاظ والجمل .

٧١
أحداث سنة ٥١ هـ
يرى قتلَ الخيارِ عليهِ حقًّا لَهُ مِنْ شَرِّ أُمَّتِهِ وزيرُ
أَلَا يا ليتَ حُجْراً ماتَ مَوْتاً
تجبَّرَتِ الجبابرُ بعدَ حُجْرٍ
وأَصبحتِ البلادُ لهُ مُحُولًا
أَلَا يا حُجْرُ حُجْرَ بني عَدِيٍّ
ولَمْ يُنْحَز كما نُحِرَ البَعيرُ
وطابَ لها الخَوَرْنَقُ والسَّدِيرُ(١)
كأنْ لمْ يُحْبِها مُزْنٌ مَطِيرٌ
تَلَقَّتْكَ السَّلامَةُ والسُّرورُ
وسَبْعاً في دمشقَ له زَئي(٢)
أخافُ عليكَ ما أردی عَدیًّا
منَ الدُّنيا إلى هُلكِ يَصِيرُ
فإنْ تهلِكْ فكلُّ زعیمٍ قَومٍ
وجناتٌ بها نِعَمٌ وحُورُ(٣)
فرضوانُ الإِلّهِ عليكَ مَيْتاً
وقد ذكر ابن عساكر له مراثي كثيرة .
وقال يعقوب بن سفيال(٤) : حدّثني حَزْملة ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني ابن لَهِيعَة ، عن أبي الأسود
قال : دخل معاوية على عائشةَ فقالت: ما حملكَ على قتل أهل عَذْراء : حُجراً وأصحابه؟ فقال : يا أمَّ
المؤمنين إني رأيتُ في قتلهم صلاحاً للأمة، وفي بقائهم فساداً للأمة. فقالت: سمعت رسول الله وَيه
: يقول: ((سَيُقتلُ بعَذْراء ناسٌ يغضبُ اللهُ لهم وأهلُ السَّماء)) ...
وهذا إسناد ضعيف منقطع .
وقد رواه عبد الله بن المبارك، عن ابن لَهِيعة ، عن أبي الأسود: أن عائشة قالت: (( بلغني أنه سَيُقتل
بِعَذْراء أناسٌ سبعةُ(٥) يغضبُ اللهُ لهم وأهلُ السماء)) .
وقال يعقوب بن سفيان : [ حدّثني ابن بُكير أ) حدّثني ابن لَهِيعة، حدّثني الحارث بن يزيد ، عن
عبد الله بن أبي رزين الغافقي قال : سمعت عليّ بن أبي طالب يقول: يا أهل العراق ! سَيُقتل منكم سبعةُ
نفر بعَذْراء ، مثلُهم كمثل أصحاب الأُخدود . قال : فقتل حُجر وأصحابه .
(١) ((الخورنق والسدير)): قصران قرب الحيرة ، لهما ذكر كثير في أشعار العرب.
(٢) رواية البيت في الأغاني كما يلي :
وشيخاً في دمشق له زئير
أخاف عليك سطوة آل حرب
(٣) الأبيات - ما عدا الأخير منها - في طبقات ابن سعد (٦/ ٢٢٠) والأغاني (١٧ / ١٥٤ - ١٥٥) والطبري (٢٨٠/٥) وابن
الأثير (٤٨٨/٣) ومختصر تاريخ دمشق (٢٤٠/٦) وسير أعلام النبلاء (٤٦٥/٣ - ٤٦٦) وشاعرات العرب (٤٦٢ -
٤٦٣) وغيرها من المصادر .
المعرفة والتاريخ (٣٢٠/٣-٣٢١).
(٤)
(٥) سقطت هذه اللفظة من ط .
(٦) سقط من ط، ب. والخبر في المعرفة والتاريخ (٣٢٠/٣ -٣٢١).

٧٢
أحداث سنة ٥١ هـ
ابن لهيعة ضعيف .
وروى الإمام أحمد ، عن ابن عُلَيَّةٍ ، عن ابن عون ، عن نافع قال : كان ابن عمر في السوق ، فنُعي له
حُجر ، فأطلق حبوته وقام ، وغلب عليه النَّحيب(١) .
وروى الإمام أحمد أيضاً ، عن عفان ، عن ابن عُلَيَّة ، عن أيوب ، عن عبد الله بن أبي مُلَيكة - أو
غيره - قال : لمّا قدم معاوية المدينة دخل على عائشة، فقالت: أقتلتَ حُجراً؟ فقال: يا أمَّ المؤمنين
[ إني وجدتُ قتل حُجر فيه صلاح للأمّة - أو قال: صلاح الناس. وفي رواية ]٢) : إني وجدت قتل رجل
في صلاح الناس خيرٌ من استحيائه في فسادهم(٣) .
وقال حمّاد بن سلَمة : عن علي بن زيد ، عن سعيد بن المسيِّب ، عن مروان بن الحكم قال : دخلت
مع معاوية على أمّ المؤمنين عائشة ، فقالت : يا معاوية قتلتَ حُجراً وأصحابَه وفعلتَ الذي فعلت ، أما
خشيتَ أن أخبأ لك رجلاً يقتلك؟ فقال: لا، إني في بيت أمان، سمعت رسول الله وَّل يقول: (( الإيمانُ
قَيِّدَ(٤) الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مُؤْمن)) . يا أمَّ المؤمنين كيف أنا فيما سوى ذلك من حاجاتك وأمرك ؟ قالت :
صالح . قال : فدعيني وحُجراً حتى نلتقي عند ربنا عزَّ وجل (٥).
[ وفي رواية: أنها حجَبتْه وقالت: لا يدخل عليَّ أبداً، فلم يزل يتلطّف حتى دخل ، فلامَتْه في قتله
حُجراً لوماً عنيفاً ، فلم يزل يعتذر حتى عَذَرَتْه ]٦) .
وفي رواية أخرى : أنها كانت تتوَّدُه كثيراً وتقول : لولا يغلبنا سفهاؤنا لكان لي ولمعاوية في قتله
حُجراً شأن. فلما اعتذر إليها عذَرَتْه [على إغماض، والله أعلم ]٧) (٨).
(١) إسناده صحيح. وهو في السير (٤٦٦/٣).
(٢) ما بين حاصرتين من ( أ) فقط.
(٣) السير (٤٦٦/٣ - ٤٦٧).
وقعت فى أ، ط : ضد وما أثبته من ب ومصادر التخريج .
(٤)
(٥) أخرجه أحمد في مسنده (٩٢/٤) وأبو داود (٢٧٦٩) في الجهاد: باب في العدو يؤتى على غرّة ، وهو حديث
صحيح .
((والفتك)) : أن يأتي الرجلُ الرجلَ وهو غارّ غافل فيشد عليه فيقتله .
وقوله: ((الإيمان قيّد الفتك)) يعني : أن الإيمان يمنع القتل كما يمنع القيد عن التصرف.
ما بين حاصرتين ليس في ب .
(٧) ما بين حاصرتين من (أ) فقط. والإغماض ــ كما جاء في اللسان - المسامحة والمساهلة.
(٦)
(٨) هنا تنتهي ترجمة حجر بن عدي ، ويتابع المؤلف ذكر أحداث هذه السنة ، لكن ما سيأتي مضطرب - من حيث
الترتيب - في النسخ ، وقد أثبت ما ورد في النسخة ( أ) لكونه أقرب إلى الصواب .

٧٣
وفيات سنة ٥١هـ
قال المؤلف : قال ابن جرير(١) : وفي هذه السنة ولَّى زيادٌ على خراسان بعد موت الحكم بن عمرو
الربيعَ بن زياد الحارثي ، ففتح بلخ صُلحاً ، وكانوا قد أغلقوها بعدما صالحهم الأحنف بن قيس ، وفتح
قوهِسْتان عَنْوة، وكان عندها أتراك، فقتلهم ولم يبقَ منهم إلَّ نَيْز( ٢) طَرْخان ، فقتله قتيبة بن مسلم بعد
ذلك كما سيأتي .
وفيها غزا الربيع - هذا المذكور - ما وراء النهر ، فغَنِمَ وسَلم .
وفيها حج بالناس يزيد بن معاوية - فيما قاله أبو مَعْشر والواقدي .
وذكر ابن الجوزي في (( المنتظم)) أنه توفي في هذه السنة من الأكابر : جرير بن عبد الله البَجَلي ،
وجعفر بن أبي سفيان بن الحارث ، وحارثة بن النعمان ، وحُجر بن عدي ، وسعيد بن زيد بن عمرو بن
نُفيل ، وعبد الله بن أُنيس ، وأبو بكرة نُفَيع بن الحارث الثقفي ، رضي الله عنهم .
فأما جَرِير بنُ عبد الله البَجَلي(٣) : فأسلم بعد نزول المائدة في رمضان سنة عشر، وكان قدومه
ورسول الله وَل﴿ يخطُب، وكان قد قال في خطبته: ((إنَّه يقدمُ عليكم رجلٌ من هذا الفَجِّ من خير ذي يَمَن ،
وإنَّ على وجهه مسحةَ مَلَك)) فلما دخل جرير رماه الناس بأبصارهم، فكان كما وصف رسول الله وَل
فأخبروه بذلك ، فحمِدَ الله تعالى (٤) .
ويُروى أن رسول اللهِ لَه لمّا جالسَهُ بسطَ له رداءه وقال: ((إذا جاءَكم كريمُ قومٍ فأكرِمُوه (٥).
وبعثه رسول الله وَله إلى ذي الخَلَصَة - وهو بيت كانت تعظّمه دَوْس في الجاهليّة - فذكر للنبي وَّ أَنه
لا يَثْبُتُ على الخيل، فضرب في صدره وقال: ((اللهمَّ ثبّتْهُ واجعلْهُ هادياً مَهْديًّا)(٦) فذهب إليه فهدَمه .
(١) في تاريخه (٢٨٥/٥ - ٢٨٦).
(٣) طبقات ابن سعد (٢٢/٦) طبقات خليفة (١١٦، ١٣٨) تاريخ خليفة (٢١٨) مسند أحمد (٣٥٧/٤) تاريخ البخاري
(٢)
تحرفت في ط إلى : ترك .
الكبير (٢١١/٢) المعارف (٢٩٢) المعرفة والتاريخ (الفهرس)، الجرح والتعديل (٥٠٢/٢) ثقات ابن حبان
(٥٤/٣) مشاهير علماء الأمصار (ت٢٧٥) معجم الطبراني الكبير (٣٢٦/٢) مستدرك الحاكم (٤٦٤/٣) الاستيعاب
(٢٣٦/١)، تاريخ بغداد (١٨٧/١)، جامع الأصول (٨٥/٩) أسد الغابة (٣٣٣/١) تهذيب الأسماء واللغات
(١٤٧/١) تهذيب الكمال (٥٣٣/٤) تاريخ الإسلام (٢٧٤/٢) سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٣٠) العبر (٥٧/١) الكاشف
(١٢٦/١) تذهيب التهذيب (١/ ورقة ١٠٤) إكمال مغلطاي (٢ / ورقة ٧٢) تهذيب التهذيب (٢/ ٧٣) الإصابة
(٧٦/٢) خلاصة الخزرجي (٦١) شذرات الذهب (٢٤٧/١ و٢٥٠).
(٤) أخرجه أحمد في مسنده (٤/ ٣٦٤) وهو صحيح .
(٥) أخرجه البزار برقم (٢٧٣٩) . وقال الهيثمي : رواه الطبراني والبزار ، وفيه جماعة لم أعرفهم . وللحديث شواهد
عن غيره من الصحابة فهو بها حسن .
(٦) أخرجه أحمد فى مسنده (٣٦٥/٤) والبخاري رقم (٣٠٤٠)، ومسلم (٢٤٧٦) في فضائل الصحابة.

٧٤
وفيات سنة ٥١هـ
وفي ((الصحيحين)) عنه أنه قال: (( ما حَجَبَني رسول اللهِوَ لَ منذ أسلمتُ، ولا رآني إلا تَبَسَّم)(١)
وكان عمر بن الخطاب يقول : جريرٌ يوسفُ هذه الأمّة .
وقال عبد الملك بن عُمَير : رأيت جريراً كأنَّ وجهَه شِقَّة قمر .
وقال الشعبي : كان جرير هو وجماعة مع عمر في بيت ، فاشتمَّ عمر من بعضهم ريحاً ، فقال :
عزمتُ على صاحب هذه الرِّيح إلّا قام فتوضَّأ . فقال جرير: أوَ نقوم كلّنا فنتوضَّأ يا أمير المؤمنين ؟ فقال
عمر : نعمَ السَّيدُ كنتَ في الجاهلية ، ونعمَ السيِّدُ أنتَ في الإسلامُ(٢) .
وقد كان عاملاً لعثمان على هَمَذان(٣) وبلادها - ويقال: إنه أُصيبت عينُه هناك - فلما قُتل عثمان اعتزل
عليّاً ومعاوية ، ولم يزل مقيماً بالجزيرة حتى توفي بالشَّراة سنة إحدى وخمسين . قاله الواقدي . وقيل :
سنة أربع ، وقيل : سنة ست وخمسين .
وأما جعفر بن أبي سفيان(٤) بن الحارث بن عبد المطّلب ، فأسلم مع أبيه حين تلقَّياه بين مكة والمدينة
عام الفتح ، فلما ردَّهما قال أبو سفيان : والله لئن لم يأذن لي عليه لآخذنَّ بيد بُنيّ هذا فلأذهبنَّ في الأرض
فلا يُدرى أين أذهب، فلما بلغ ذلك رسول الله بَّهَ رقَّ له، وأَذن له ، وقَبل إسلامهما، فأسلما إسلاماً
حسناً بعدما كان أبو سفيان يؤذي رسول الله و # أذى كثيراً.
حُنيناً ، وكان ممَّن ثبت يومئذ .
وشهد ◌ُ
وأما حارثة بن النُّعمان الأنصاريُّ النجّاري(٥): فشهد بدراً وأُحداً والخندق والمشاهد كلَّها ، وكان من
فضلاء الصحابة ، ويُروى أنه رأى جبريل مع رسول الله مَ ل# بالمقاعد يتحادثان بعد خَيْبر ، وأنه رآه يوم بني
قُريظة في صورة دِخْية الكلبي(٦) .
أخرجه أحمد في مسنده (٣٦٥/٤) والبخاري رقم (٣٨٢٢)، ومسلم (٢٤٧٥) في فضائل الصحابة .
(١)
تهذيب الكمال (٥٣٩/٤) .
(٢)
(٣)
تحرفت في الأصول إلى : همدان . معجم البلدان (٥/ ٤١٠) .
طبقات ابن سعد (٥٥/٤) الجرح والتعديل (٤٨٠/٢) الاستيعاب (٢٤٥/١) أسد الغابة (٣٤١/١)، سير أعلام
(٤)
النبلاء (٢٠٥/١) العقد الثمين (٤٢٣/٣) الإصابة (٨٥/٢).
(٥) طبقات ابن سعد (٤٨٧/٣) طبقات خليفة (٩٠) مسند أحمد (٤٣٣/٥) تاريخ البخاري الكبير (٩٣/٣) الجرح
والتعديل (٢٥٣/٣) معجم الطبراني الكبير (٢٥٦/٣) مستدرك الحاكم (٢٠٨/٣) الاستبصار (٥٩) الاستيعاب
(٣٠٦/١) أسد الغابة (٤٢٩/١) تاريخ الإسلام" (٢١٥/٢) سير أعلام النبلاء (٣٧٨/٢) مجمع الزوائد (٣١٣/٩)
الإصابة (٢ /١٩٠).
(٦) طبقات ابن سعد (٤٨٨/٣).

٧٥
وفيات سنة ٥١هـ
وفي الصحيح(١): أن رسول الله وَل﴿ سمع قراءتَه في الجنَّة(٢).
قال محمد بن سعد : حدّثنا عبد الرحمن بن يونس ، حدّثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فُديك ، حدّثنا
محمد بن عثمان عن أبيه : أن حارثة بن النعمان كان قد كُفَّ بصرهُ ، فجعل خيطاً من مُصَلاّه إلى باب
حُجْرته ، [ وكان يضع عنده مِكْتَلاً فيه تمرٌ وغيره ]٣) فإذا جاءه المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ يُمسك
بذلك الخيط حتى يضع ذلك في يد المسكين . وكان أهله يقولون له : نحن نكفيك ذلك ، فيقول :
سمعت رسول الله وَّل﴿ يقول: ((إنَّ مُناولةَ المسكينِ تَفي مِيْتَةَ السُّوء)(٤).
وأما حُجر بن عدي فقد تقدَّمت قصته مطولةً مبسوطة .
وأما سعيدُ بنُ زيد(٥) بن عمرو بن نُفيل: القرشي [ أبو الأعور العدوي ]٦) فهو أحد العشرة المشهود
لهم بالجنَّة، وهو ابن عمِّ عمر بن الخطّاب، وأختُه عاتكة زوجة عمر، [وأخت عمر فاطمة زوجة سعيد](٧) .
أسلم سعيد قبل عمر هو وزوجته فاطمة ، وهاجرا ، وكان من سادات الصحابة .
قال عروة والزهري وموسى بن عُقبة ومحمد بن إسحاق والواقدي وغير واحد : لم يشهد بدراً لأنه كان
قد بعثَه رسول الله وَ لو هو وطلحة بن عبيد الله بين يديه يتحسَّسان أخبار قريش فلم يَرْجعا حتى فرغ من بدر ،
فضرب لهما رسول الله وَل بسهمهما وأجرهما. ولم يذكره عمر في أهل الشُّورى لئلاّ يُحابي قرابته
(١) هكذا قال، وهي عادته في الإشارة إلى صحيح البخاري أو مسلم، وهو ليس فيهما، فلعله أراد: في الحديث
الصحیح، وهو بعید، فإن كان ذلك كذلك، فكلامه صحيح .
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٢٠١١٩) وأحمد (١٥١/٦ و١٥٢ و١٦٦ و١٦٧)، والنسائي في الكبرى (٨٢٣٣)، وابن حبان
(٧٠١٥) من حديث عمرة عن عائشة، وهو حديث صحيح .
(٣) ما بين حاصرتين سقط من المطبوع. و((المكتل)): الزبيل - القفة - الذي يحمل فيه التمر أو العنب.
(٤) طبقات ابن سعد (٤٨٨/٣) ورواه الطبراني الكبير رقم (٣٢٢٨) قال الهيثمي في ((مجمع الزوائد )) وفيه من لم أعرفه ، ويغني
عنه ، حديث (( صنائع المعروف تقي مصارع السوء)» وهو حديث حسن ، رواه الطبراني في الكبير عن أبي أمامة .
(٥) طبقات ابن سعد (٣٧٩/٣ و١٣/٦) نسب قريش (٤٣٣) طبقات خليفة (٢٢، ١٢٧) تاريخ خليفة (٢١٨) مسند
أحمد (١٨٧/١) تاريخ البخاري الكبير (٣/ ت ١٥٠٩) التاريخ الصغير (١٠١/١) المعارف (٢٤٥) المعرفة والتاريخ
(٢٩١/١) وغيرها، الجرح والتعديل (٢١/٤) ثقات ابن حبان (١ / ورقة ١٥٧) مشاهير علماء الأمصار (ت١١) حلية
الأولياء (٩٥/١) جمهرة أنساب العرب (١٥١، ١٧٠) الاستيعاب (٦١٤/٢) تاريخ ابن عساكر (١١٥/٧/ ب) أسد
الغابة (٣٨٧/٢) تهذيب الأسماء واللغات (٢١٧/١) مختصر تاريخ دمشق (١٩٨/٩) تهذيب الكمال (٤٤٦/١٠)
تاريخ الإسلام (٢٨٥/١) سير أعلام النبلاء (١٢٤/١) تذهيب التهذيب (٢ / ورقة ١٩) الكاشف (٢٨٦/١) إكمال
مغلطاي (٢ / ورقة ٨٤) العقد الثمين (٥٥٩/٤) نهاية السول (ورقة ١١٥) تهذيب التهذيب (٣٤/٤) الإصابة
(١٨٨/٤) خلاصة الخزرجي (١٣٨) شذرات الذهب (٢٤٦/١) تهذيب ابن عساكر (١٢٩/٦).
(٦) ليس في ط .
(٧) ليس في أ .

٧٦
وفيات سنة ٥١هـ
من عمر فيولَّى، فتركه لذلك، وإلّا فهو ممَّن شهد له رسول الله وَاللّه بالجنة في جملة العشرة كما صحت
بذلك الأحاديث المتعددة الصحيحة .
ولم يتولَّ بعد رسول الله وَ لل ولاية، ومازال كذلك حتى مات بالكوفة - وقيل: بالمدينة وهو الأصح -
قال الفلاس وغيره : سنة إحدى وخمسين [ وقيل: سنة ثنتين وخمسين ]١) والله أعلم .
وكان رجلاً طُوالا أشعر ، وقد غسَّله سعد بن أبي وقّاص ، وحُمل من العَقيق على أعناق الرجال إلى
المدينة ، وكان عمره يومئذ بضعاً وسبعين سنة .
وأما عبد الله بن أُنَيْس الجُهَني(٢) : أبو يحيى المدني ، فصحابي جليل ، شهد العقبة ، ولم يشهد
بدراً ، وشهد ما بعدها ، وكان هو ومعاذ يكسِران أصنام الأنصار .
له في الصحيح حديث : أن ليلة القدر ليلة ثلاث وعشرين(٣).
وهو الذي بعثه رسول الله وَّلَه إلى خالد بن سفيان الهُذَلي، فقتلَه بعُرَنَه (٤)، وأعطاه رسول الله وَه
مِخْصرة(٥) وقال: ((هذهِ آيَةُ ما بَيْنِي وبَيْنَكَ يومَ القيامة)) فأَمر بها فدُفنت معه في أكفانه (٦) .
وقد ذكر ابن الجوزي أنه توفي سنة إحدى وخمسين . وقال غيره : سنة أربع وخمسين [ وقيل : سنة
ثمان وخمسين ]٧) وقيل : سنة ثمانين . والله أعلم .
وأما أبو بَكْرة نُفَيْع بن الحارث (٨): ابن كَلَدة بن عمرو بن عِلاج بن أبي سلمة الثَّقفي ، فصحابيٌّ
(١)
ليس في أ .
(٢) سيرة ابن هشام (٦١٩/٢) طبقات خليفة (١١٨) مسند أحمد (٤٩٥/٣) تاريخ البخاري الكبير (٥/ ت ٢٦) المعارف
(٢٨٠) المعرفة والتاريخ (٢٦٨/١) الجرح والتعديل (١/٥) ثقات ابن حبان (٢٣٣/٣) مشاهير علماء الأمصار
(ت٣٨١) الاستيعاب (٨٦٩/٣) الجمع لابن القيسراني (٢٤٥/١) أنساب السمعاني (١٦٥/٢ - ١٦٦، البركي)،
أسد الغابة (١٧٨/٣) تهذيب الأسماء واللغات (٢٦٠/١) تهذيب الكمال (٣١٣/١٤) الكاشف (٦٥/٢) تجريد
أسماء الصحابة (١/ت٣١٥٠) العبر (٥٩/١) تاريخ الإسلام (٢٩٩/٢) تذهيب التهذيب (٢ / ورقة ١٣١) إكمال
مغلطاي (٢ / ورقة ٢٤٥) نهاية السول (ورقة ١٦٣) توضيح المشتبه (٤٦٨/١) الإصابة (٢/ ت٤٥٥٠) تهذيب
التهذيب (١٤٩/٥) خلاصة الخزرجي (١٩١) شذرات الذهب (٢٥٥/١).
(٣)
أخرجه مسلم (١١٦٨) في الصيام : باب فضل ليلة القدر .
(٤)
وقعت في أ : بعرفة . وبطن عرنة - كهمزة - واد بحذاء عرفات.
(٥) ((المخصرة)): شيء يأخذه الرجل بيده ليتوكأ عليه ، مثل العصا ونحوها.
(٦)
أخرجه أحمد فى المسند مطولا (٤٩٥/٣ -٤٩٦) وإسناده ضعيف .
(٧)
من ( أ ) فقط .
(٨)
طبقات ابن سعد (١٥/٧) طبقات خليفة (ت٣٦٧، ٩٨٢، ١٤٢٠) مسند أحمد (٣٥/٥) المحبر (١٢٩، ١٨٩)
تاريخ البخاري الكبير (١١٢/٨) المعارف (٢٨٨) الجرح والتعديل (٤٨٩/٨) مشاهير علماء الأمصار (ت٢٢٠)
الاستيعاب (١٥٣٠/٤) الجمع بين رجال الصحيحين (٥٣٣/٢) تاريخ ابن عساكر (٣١٦/١٧/آ) أسد الغابة=

٧٧
وفيات سنة ٥١هـ
جليل ، كبير القدر، ويقال : كان اسمه مَسْروح ، وإنما قيل له أبو بَكْرة لأنه تدلَّى في بَكْرة يوم الطائف
فأعتقه رسول الله وَّ وكل من نزل من مواليهم يومئذ .
وأمه سُميَّة هي أمُّ زياد .
وكان ممَّن شهد على المغيرة بن شعبة بالزنى هو وأخوه زياد، ومعهما شِبْلُ(١) بن مَعْبد ونافع بن
الحارث ، فلمّا تلكَّأ زياد في الشهادة جلد عمر الثلاثة الباقين ، ثم استتابهم فتابوا إلَّ أبا بَكْرة فإنه صمّم
على الشهادة [ وقال المغيرة: يا أمير المؤمنين اشفِني من هذا العبد ، فنهرَه عمر وقال له : اسكت ! لو
كملت الشهادة لرجمتُك بأحجارك }٢) . وكان أبو بكرة خير هؤلاء الشهود .
وكان ممَّن اعتزل الفتن ، فلم يحضر شيئاً منها .
ومات في هذه السنة - وقيل : قبلها بسنة ، وقيل : بعدها بسنة - وصلَّى عليه أبو بَرْزة الأَسْلمي ،
وكان قد آخى بينهما رسول الله ێلته .
وفيها توفيت :
أم المؤمنين مَيْمونة بنت الحارث الهلاليَّةُ(٣): تزوَّجها رسول الله وَّر في عمرة القضاء(٤) سنة سبع .
قال ابن عباس - وكان ابنَ أختها أمّ الفضل -: تزوَّجها رسول الله وَ له وهو مُحْرمُ(٥). وثبت في (( صحيح
مسلم)(٦) عنها : أنهما كانا حلالَيْن . وقولها مقدَّم عند الأكثرين على قول ابن عباس .
(٣٥٤/٥ و٣٨/٦) تهذيب الأسماء واللغات (الجزء الثاني من القسم الأول : ١٩٨) مختصر تاريخ دمشق
=
(٢٦/ ١٨٠) تهذيب الكمال (ورقة ١٤٢٦) تاريخ الإسلام (٣٢٩/٢) تذهيب التهذيب (٢/٢٠٥/٤) سير أعلام النبلاء
(٥/٣) الكاشف (١٨٤/٣) العبر (٥٨/١) العقد الثمين (٣٤٧/٧ و٢٩/٨) تهذيب التهذيب (٤٦٩/١٠) الإصابة
(ت٨٧٩٥) خلاصة الخزرجي (٤٠٤) شذرات الذهب (٢٥٠/١).
(١) تحرف في المطبوع إلى: سهل. ترجمته في أسد الغابة (٢/ ٥٠٣).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من ب .
(٣) طبقات ابن سعد (١٣٢/٨) طبقات خليفة (٣٣٨) تاريخ خليفة (٨٦، ٢١٨) مسند أحمد (٣٢٩/٦) المعارف
(١٣٧) مستدرك الحاكم (٣٠/٤) الاستيعاب (١٩١٤/٤) أسد الغابة (٢٧٢/٧) تهذيب الكمال (ورقة ١٧٠٥) تاريخ
الإسلام (٣٢٤/٢) سير أعلام النبلاء (٢٣٨/٢) الكاشف (٤٣٥/٣) العبر: (٤٥/١، ٥٧) مجمع الزوائد
(٢٤٩/٩) تهذيب التهذيب (٤٥٣/١٢) الإصابة (١٣٨/١٣) خلاصة الخزرجي (٤٩٦) كنز العمال (٧٠٨/١٣)
شذرات الذهب (٢١٩/١، ٢٤٨) أعلام النساء (١٣٨/٥).
(٤) ويقال لها أيضاً: عمرة القضية. قال السهيلي: سميت عمرة القضاء لأنه قاضى فيها قريشاً. زاد المعاد (٢/ ٩٠ -
٩١) .
(٥) رواه البخاري رقم (٥١١٤) ومسلم رقم (١٤١٠).
(٦) برقم (١٤١١).

٧٨
أحداث سنة ٥٢ هـ ـ وفيات سنة ٥٢هـ
وروى الترمذي(١) عن أبي رافع - وكان السَّفير بينهما ـ((أنهما كانا حلالَيْن)).
ويقال: كان اسمها برَّة، فسمّاها رسول الله وَلَه مَيْمونة.
وتوفيت بسَرِف بين مكة والمدينة - حيث بنى بها رسول الله وَّ ر ـ في هذه السنة، وقيل: في سنة
ثلاث وستين ، [ وقيل: سنة ست وستين (٢) والمشهور الأول. وصلَّى عليها ابن أُختها عبد الله بن
عباس رضي الله عنهما .
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين
ففيها غزا بلاد الروم وشتا بها سفيان بن عوف الأزدي ، فمات هنالك ، واستخلف على الجند بعده
عبد الله بن مَسْعدة الفَزاري . وقيل : إن الذي كان أمير الغزو ببلاد الروم في هذه السنة بُسْر بن أبي أَرْطاة ،
ومعه سفيان بن عوف .
وحج بالناس في هذه السنة سعيد بن العاص نائب المدينة . قاله أبو مَعْشر والواقدي وغيرهما .
وغزا الصائفة محمد بن عبد الله الثَّقفي .
وعمّال الأمصار في هذه السنة عمالها في السنة الماضية .
ذكر من توفي فيها من الأعيان :
خالد بن زَيْد بن كُلَيْب (٣): أبو أيوب الأنصاري الخزرجي . شهد بدراً والعقبة والمشاهد كلَّها،
وشهد مع علي قتال الحروريّة .
(١) برقم (٨٤١) .
(٢) ما بين حاصرتين ليس في أ.
(٣) طبقات ابن سعد (٤٨٤/٣) طبقات خليفة (٨٩، ٣٠٣) تاريخ خليفة (٢١١) مسند أحمد (١١٣/٥) تاريخ البخاري
الكبير (١٣٦/٣) المعارف (٢٧٤) المعرفة والتاريخ (٣١٢/١) الجرح والتعديل (٣٣١/٣) ثقات ابن حبان
(١٠٢/٣) مشاهير علماء الأمصار (ت ١٢٠) معجم الطبراني الكبير (١٣٨/٤) مستدرك الحاكم (٤٥٧/٣) حلية
الأولياء (٣٦١/١) جمهرة ابن حزم (٤٣٨) الاستيعاب (٤٢٤/٢) تاريخ بغداد (١٥٣/١) الجمع لابن القيسراني
(١١٨/١) تاريخ ابن عساكر (٢١٣/٥/ ب) أسد الغابة (٩٤/٢) مختصر تاريخ دمشق (٣٣٦/٧) تهذيب الكمال
(٦٦/٨) تاريخ الإسلام (٣٢٧/٢) العبر (٥٦/١) تذهيب التهذيب (١ / ورقة ١٨٧) الكاشف (٢٠٣/١) سير أعلام
النبلاء (٤٠٢/٢) تجريد أسماء الصحابة (١٥٠/١) إكمال مغلطاي (١/ ورقة ٣١١) نهاية السول (ورقة ٨٢) مجمع
الزوائد (٣٢٣/٩) تهذيب التهذيب (٩٠/٣) الإصابة (٥٦/٣) خلاصة الخزرجي (١٠٠) كنز العمال (٦١٤/١٣)
شذرات الذهب (٢٤٦/١) تهذيب ابن عساكر (٣٩/٥).

٧٩
وفيات سنة ٥٢هـ
وفي داره كان نزول رسول الله وَ يل حيث قدم المدينة مهاجراً من مكة ، فأقام عنده شهراً حتى بنى
المسجد ومساكنه حوله ، ثم تحوَّل إليها ، وقد كان أبو أيوب أنزل رسول الله وم ثير في أسفل داره ، ثم
تحرّج من أن يعلو فوقه ، فسأل رسول الله وَ ل # أن يصعد إلى أعلى الدار ، وأن يكون هو وأم أيوب في
الشُّفل ، فأجابه إلى ذلك .
وقد روينا عن ابن عباس أنَّ أبا أيوب لما قدم عليه البصرة - وكان ابن عباس نائبها - خرج له عن داره
وأنزله بها ، فلمّا أراد الانصراف خرج له عن كل شيء بها ، وزاده تُحفاً وخدماً كثيراً : أعطاه أربعين ألفاً
وأربعين عبداً إكراماً له ومجازاة له عمّا فعل مع رسول الله وَلّ من إنزاله له في داره ، ومافعله معه هو من
أعظم الشرف لأبي أيوب .
وهو القائل لزوجته أمّ أيوب حين قالت له : أما تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ فقال لها : أكنتٍ
فاعلة ذلك يا أمَّ أيوب ؟ فقالت: لا والله، فقال: والله لَهي خيرٌ منكِ، فأنزل الله ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ
الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا ﴾ [النور: ١٢] الآية.
وكانت وفاته ببلاد الروم قريباً من سور القُسْطنطينية من هذه السنة ، وقيل : في التي قبلها ، وقيل :
في التي بعدها . وكان في جيش يزيد بن معاوية ، وإليه أوصى ، وهو الذي صلَّى عليه .
وقد قال الإمام أحمد(١): حدّثنا عفّال(٢)، حدّثنا همام، حدّثنا عاصمُ(٣) ، عن رجل من أهل مكة:
أن يزيد بن معاوية كان أميراً على الجيش الذي غزا فيه أبو أيوب ، فدخل عليه عند الموت ، فقال له : إذا
أنا متُّ فاقرؤوا على الناس مني السلام، وأخبروهم أنِّي سمعت رسول اللهَوَ لَه يقول: (( مَنْ ماتَ لا يُشْركُ
بالله شيئاً جعلَه اللهُ في الجنَّة )) ولْينطلقوا بجنازتي ولْيبعدُوا في أرض الروم ما استطاعوا . قال : فحدَّث
الناس لما مات أبو أيوب بهذا الحديث ، فاستلأم(٤) الناس وانطلقوا بجنازته .
وقال الإمام أحمد(٥) : حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا أبو بكر، عن الأعمش ، عن أبي ظَبْيان قال :
غزا أبو أيوب مع يزيد بن معاوية ، فقال أبو أيوب : إذا متُّ فأَدْخلوني في أرض العدو ، فادْفِنوني تحتَ
أقدامكم حيث تلقَوْن العدو. قال: ثم قال: سمعت رسول الله بِّله يقول: ((مَنْ ماتَ لا يُشركُ باللهِ شَيْئاً
دخلَ الجنَّة )).
(١) في مسنده (٤١٦/٥) وإسناده ضعيف ، لجهالة الرجل من أهل مكة، ولكن له طرق يقوى بها .
(٢) تحرفت في ط إلى: عثمان .
(٣) وقعت في ط : أبو عاصم ، وهو خطأ.
(٤) لم ترد هذه اللفظة في أ، وتحرفت في ط إلى: فأسلم . وقوله : استلأم الناس ، يعني : لبسوا عدة القتال.
(٥) في مسنده (٤٢٣/٥) وهو حديث صحيح .

٨٠
وفيات سنة ٥٢هـ
ورواه أحمد (١) أيضاً عن ابن نمير ويعلى بن عبيد، عن الأعمش: سمعت أبا ظَبْيان فذكره ، وقال
فيه: سأحدِّثكم حديثاً سمعتُه من رسول الله وَل ◌َر لولا حالي هذا ما حدَّثتُكموه، سمعت رسول الله وله
يقول: (( مَنْ ماتَ لا يُشْرِكُ باللهِ شَيْئاً دخلَ الجنَّةَ)).
وقال الإمام أحمد (٢): حدّثنا إسحاق بن عيسى [ حدّثني ليث ]٣) حدّثني محمد بن قيس قاصّ(٤)
عمر بن عبد العزيز، عن أبي صِرْمَة ، عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال حين حضرته الوفاة : قد كنتُ كتمتُ
عنكم شيئاً سمعتُه من رسول الله وَّ﴿ سمعته يقول: ((لو لا أنكم تُذنبونَ لخَلَقَ اللهُ قوماً يُذْنِبونَ فَيَغْفِرِ لهُم)).
وعندي أن هذا الحديث والذي قبلَه هو الذي حمل يزيد بن معاوية على طرف من الإرجاء [ وما كان
يتعاطاه من القبائح }°) وركبَ بسببه أفعالًا كثيرة أنكرت عليه كما سنذكره في ترجمته ، والله أعلم .
قال الواقدي : مات أبو أيوب بأرض الروم سنة ثنتين وخمسين ، ودُفن عند القُسْطنطينية ، وقبره هناك
يَسْتَسْقي به الروم إذا قَحَطُوا . وقيل : إنه مدفون في حائط القُسْطنطينية وعلى قبره مزار ومسجد ، وهم
يعظّمونه . وقال أبو زُزعة الدمشقي : توفي سنة خمس وخمسين . والأول أثبت ، والله أعلم .
[ وقال(٦) أبو بكر بن خلّد: حدّثنا الحارث بن أبي أسامة، حدّثنا داود بن المحبّر، حدّثنا مَيْسرة بن
عبد ربه ، عن موسى بن عبيدة ، عن الزُّهري ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي أيوب الأنصاري ، عن النبي
وَ﴿ قال: ((إنَّ الرجلَينِ ليتوجَّهانِ إلى المسجد فيصلِّان، فينصرف أحدُهما وصلاتُه أوزنُ من صلاة
الآخر ، وينصرف الآخر وما تعدِلُ صلاتُه مثقال ذرّة ، إذا كان أورعهما عن محارم الله ، وأحرصهما على
المسارعة إلى الخير (٧) .
وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله وَلَه لرجل سألَه أن يعلِّمه ويوجز، فقال له: ((إذا صلَّيتَ صلاةً
فَصَلِّ صلاةَ مُوَدِّع، ولا تَكلَّمن بكلامٍ تَعتذرُ منه، وأجمعِ اليأسَ ممّا في أيدي النّاس (٨)].
(١) في مسنده (٤١٩/٥) وهو حديث صحيح .
(٢) في مسنده (٤١٤/٥) ومسلم رقم (٢٧٤٨) .
(٣) ما بين حاصرتين سقط من الأصول ، واستدركته من المسند .
كذا في ب ومثله في المسند ، ووقعت في ( أ) و( ط ) : قاضي .
(٤)
(٦) من هنا وحتى آخر ترجمة أبي أيوب سقط من ب .
(٥)
ما بين حاصرتين من ( أ) فقط.
إسناده ضعيف ؛ أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (٣٧٦٢١) .
(٧)
أخرجه أحمد (٤١٢/٥)، وابن ماجه (٤١٧١) في الزهد، والطبراني في الكبير (٣٩٨٧)، والمزي في تهذيب الكمال
(٨)
(٣٤٧/١٩)، كلهم من طريق عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن عثمان بن جبير، عن أبي أيوب، وإسناده ضعيف
لجهالة عثمان بن جبير كما في تحرير التقريب (٤٣٤/٢)، وكذا ضعفه الحافظ البوصيري في مصباح الزجاجة ،
ولكن للحديث شواهد يكون حسناً لغيره بها .