النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
من كلامه الحَسَنِ رضي الله عنه
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدَّثني شريح بن يونس ، حدَّثنا هشيم ، عن إسماعيل بن(١) سالم ، عن
عمار الحضرمي ، عن زاذان أبي عمر أن رجلاً حدّث علياً بحديث فقال [ له علي ] : ما أراك إلا قد
كذبتني ، قال : لم أفعل قال : أدعو عليك إن كنت كذبت ، قال : ادع ! فدعا ، فما برح حتى عمي .
وقال ابن أبي الدنيا : حدَّثنا خلف بن سالم ، حدَّثنا محمد بن بشر ، عن أبي مكين قال : مررت أنا
وخالي أبو أمية على دار في محل حي من مراد ، قال : ترى هذه الدار ؟ قلت : نعم ! قال : فإن علياً مرّ
عليها وهم يبنونها فسقطت عليه قطعة فشجته فدعا الله أن لا يكمل بناؤها ، قال : فما وضعت [ فيها بعد
ذلك ] لبنة ، قال : فكنت فيمن يمر عليها لا تشبه الدور . وقال ابن أبي الدنيا : حدَّثني عبد الله بن يونس
ابن بكير الشيباني ، عن أبيه ، عن عبد الغفار بن القاسم الأنصاري ، عن أبي بشير الشيباني . قال :
شهدت الجمل مع مولاي فما رأيت يوماً قط أكثر ساعداً نادر(٢) ، وقدماً نادرة من يومئذ ، ولا مررت بدار
الوليد قط إلا ذكرت يوم الجمل قال : فحدَّثني الحكم بن عتيبة أن علياً دعا يوم الجمل فقال : اللهم خذ
أيديهم وأقدامهم .
ومن كلامه الحسنِ رضي الله عنه(٣)
قال ابن أبي الدنيا : حدَّثنا علي بن الجعد ، أنا عمرو بن شمر ، حدَّثني إسماعيل السدّي سمعت
أبا أراكة يقول : صليت مع علي صلاة الفجر فلما انفتل عن يمينه مكث كأن عليه كآبة حتى إذا كانت
الشمس على حائط المسجد قيد رمح صلى ركعتين ثم قلب يده فقال: والله لقد رأيت أصحاب محمد ێ.
فما أرى اليوم شيئاً يشبههم ، لقد كانوا يصبحون صفراً شعثاً غبراً بين أعينهم كأمثال رُكبِ المِعْزى ، قد
باتوا لله سجداً وقياماً يتلون كتاب الله يتراوحون بين جباههم وأقدامهم ، فإذا أصبحوا فذكروا مادوا كما
يميد(٤) الشجر في يوم الريح ، وهملت أعينهم حتى تبلّ ثيابهم ، والله لكأن القوم باتوا غافلين . ثم نهض
فما رؤي بعد ذلك مفترًاً يضحك حتى قتله ابن ملجم عدو الله الفاسق .
وقال وكيع : عن عمرو بن منبه ، عن أوفى بن دلهم ، عن علي بن أبي طالب أنه قال : تَعلَّموا العلم
تُعْرفوا به ، واعملوا تكونوا من أهله ، فإنَّه يأتي من بعدكم زمان ينكر فيه من الحق تسعة أعشاره ، وإنه
لا ينجو منه إلا كل أواب منيب، أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المَذايعُ(٥) البُذْرِ(٦).
في أ : عن ، تحريف وإسماعيل بن سالم من رجال التهذيب .
(١)
(٢)
نَدَر الشيء : سقط . اللسان ( ندر ).
(٣)
ليس هذا العنوان في أومكانه بياض في المصورة .
في أ : كما يميل الشجر في يوم ريح ، ومهلت أعينهم حتى تبل .
(٤)
المذابيع: جمع مذياع من أذاع الشيء إذا أفشاه. وقيل: أراد الذين يشيعون الفواحش وهو بناء مبالغة. اللسان (ذيع).
(٥)
البُذْرُ: جمع بذور يقال: بذرت الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب ، اي: أفشيته وفرقته . النهاية ( ١/ ١١٠).
(٦)

٦٠٢
من كلامه الحَسَنِ رضي الله عنه
ثم قال: ألا وإنّ الدنيا قد ارتحلت مدبرة وإن الآخرة قد أتت(١) مقبلة ، ولكل واحدة بنون فكونوا من
أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا ، ألا وإن الزاهدين في الدنيا اتخذوا الأرض بساطاً ، والتراب
فراشاً ، والماء طيباً ، ألا من اشتاق إلى الآخرة سلا عن الشهوات ، ومن أشفق من النار رجع عن
المحرمات ، ومن طلب الجنة سارع إلى الطاعات ، ومن زهد في الدنيا هانت عليه المصيبات(٢)، ألا وإن
لله عباداً كم رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين (٣) ، وأهل النار في النّار معذَّبين ، شرورهم مأمونة ،
وقلوبهم محزونة ، وأنفسهم عفيفة ، وحوائجهم خفيفة ، صبروا أياماً قليلة لعقبى راحة طويلة ، أما الليل
فصافُون أقدامهم ، تجري دموعهم على خدودهم ، يجأرون إلى الله في فكاك رقابهم(٤) . وأما النهار
فظماء حكماء بررة أتقياء ، كأنَّهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول مرضى وما بالقوم من مرض ، وخولطوا
ولقد خالط القوم أمر عظيم .
وعن الأصبغ بن نباتة قال : صعد علي ذات يوم المنبر فحمد الله وأثنى عليه وذكر الموت فقال : عبد الله
الموت ليس منه فوت ، إن أقمتم له أخذكم ، وإن فررتم منه أدرككم ، فالنجا النجا ، والوحا الوحـ٥) ،
إن وراءكم طالب حثيث ، القبر، فاحذروا ضغطته وظلمته ووحشته (٦) ، ألا وإن القبر حفرة من حفر النار
أو روضة من رياض الجنة ، ألا وإنه يتكلم في كل يوم ثلاث مرات فيقول : أنا بيت الظلمة ، أنا بيت
الدود ، أنا بيت الوحشة ، ألا وإن وراء ذلك يوم يشيب فيه الصغير ويسكر فيه الكبير، ﴿ وَتَضَعُ كُلُّ
ذَاتِ حَمْلٍ خَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَرَىْ وَمَا هُم بِسُكَرَىْ وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] ألا وإن وراء ذلك
ما هو أشد منه ، نار حرها شديد ، وقعرها بعيد ، وحليها ومقامعها حديد ، وماؤها صديد ، وخازنها
مالك ليس لله فيها رحمة . قال : ثم بكى وبكى المسلمون حوله ، ثم قال : ألا وإن وراء ذلك جنة عرضها
السموات والأرض أعدت للمتقين ، جعلنا الله وإياكم من المتقين ، وأجارنا وإياكم من العذاب الأليم.
ورواه ليث بن أبي سليم : عن مجاهد ، حدَّثني منْ سمع علياً فذكر نحوه .
وقال وكيع : عن عمر بن منبه ، عن أوفى بن دلهم ، قال : خطب علي فقال : أما بعد فإن الدنيا قد
أدبرت وآذنت بوداع ، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع ، وإن المضمار اليوم وغداً السباق ، ألا
وإنكم في أيام [ أمل ] من ورائه أجل، فمن قصر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خاب عمله(٧) ، ألا
في أ : أقبلت .
(١)
في ط : المصائب ، وما أثبتناه يوافق السجعة .
(٢)
في أ : عباداً لم رأى أهل الجنة في الجنة خالدين منعمين .
(٣)
(٤)
في أ : فكاك رقابهم ربنا ربنا يطلبون منه .
الوحا الوحا : أي : السرعة السرعة ويمد ويقصر ، وهو منصوب على الإغراء بفعل مضمر. النهاية (٥/ ١٦٣).
(٥)
(٦)
في ط: ((ضغطته ووحشته))، وما هنا من أ، وهو الصواب .
في أ : عمله فأجله .
(٧)

٦٠٣
من كلامه الحَسَنِ رضي الله عنه
فاعملوا لله في الرغبة كما تعملون له في الرهبة ، ألا وإنه لم أر كالجنة نام طالبها ، ولم أر كالنار نام
هاربها ، وإنه من لم ينفعه الحق ضره الباطل ، ومن لم يستقم به الهدى حاد به الضلال ، ألا وإنكم قد
أمرتم بالظعن ، ودُللتم على الزاد ، ألا أيها الناس إنما الدنيا عرض حاضر يأكل منها البر والفاجر ، وإن
الآخرة وعد صادق ، يحكم فيها ملك قادر ، ألا إن الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم الفحشاء ، والله يعدكم
مغفرة منه وفضلاً والله واسع عليم . أيها الناس : أحسنوا في أعماركم تحفظوا في أعقابكم ، فإن الله قد
وعد جنته من أطاعه ، وأوعد ناره منْ عصاه . إنها نار لا يهدأ زفيرها ، ولا يفكّ أسيرها ، ولا يجبر
كسيرها١) ، حرها شديد ، وقعرها بعيد ، وماؤها صديد ، وإن أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى
وطول الأمل . وفي رواية : فإن اتباع الهوى يصد عن الحق ، وإن طول الأمل يُنسي الآخرة .
وعن عاصم بن ضمرة قال : ذم رجل الدنيا عند علي فقال علي : الدنيا دار صدق لمن صدقها ، ودار
نجاة لمن فهم عنها ، ودار غناء وزاد لمن تزود منها ، ومهبط وحي الله ، ومصلى ملائكته ، ومسجد
أنبيائه ، ومتجر أوليائه ، ربحوا فيها الرحمة ، واكتسبوا فيها الجنة ، فمن ذا يذمها وقد آذنت بفنائها٢)
ونادت بفراقها ، وشابت بشرورها السرور ، وببلائها الرغبة فيها والحرص عليها ترغيباً وترهيباً ، فيا أيها
الذام للدنيا المعلل نفسه بالأمالي(٣) متى خدعتك الدنيا أو متى استدمت إليك ؟ أبمصارع آبائك في البلا ؟
أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى ؟ كم مرضت بيديك ، وعللت بكفيك ، ممن تطلب له الشفاء ،
وتستوصف له الأطباء ، لا يغني عنه دواؤك ، ولا ينفعه بكاؤك .
وقال سفيان الثوري والأعمش : عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، قال : جاء رجل إلى علي
فأطراه - وكان يبغض علياً - فقال له (٤) : لست كما تقول ، وأنا فوق ما في نفسك .
وروى ابن عساكر(٥) أن رجلاً قال لعلي : ثبتك الله قال : على صدرك .
وقال ابن أبي الدنيا : حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدَّثنا سفيان بن عيينة ، عن أبي حمزة ، عن
يحيى بن عقيل ، عن يحيى بن يعمر قال قال علي: إن الأمر ينزل إلى (٦) السماء كقطر المطر لكل نفس
ما كتب الله لها من زيادة أو نقصان في نفس أو أهل أو مال ، فمن رأى نقصاً في نفسه أو أهله أو ماله ،
ورأى لغيره عثرة فلا يكونن ذلك له فتنة (٧) ، فإن المسلم ما لم يعش دُناه يظهر تخشعاً لها إذا ذكرت ،
في أ : ولا يحتار سعيرها .
(١)
(٢)
في ط : بغيلها .
(٣)
في أ : بأماني .
(٤)
في أ : فقال له علي .
تاريخ دمشق (ص ٥١٩. ط. دار الفكر ).
(٥)
في أ : من .
(٦)
في أ : ورأى بغيره عثرة أو ثروة فلا يكونن ذلك فتنة له .
(٧)

٦٠٤
من كلامه الحَسَنِ رضي الله عنه
ويغرى به لئام الناس ، كالبائس العالم ينتظر(١) أول فورة من قداحه توجب له المغنم، وتدفع عنه المغرم
فكذلك المسلم البريء من الخيانة بين إحدى الحسنيين ، إذا ما دعا الله ، فما عند الله خير له ، وإما أن
يرزقه الله مالاً فإذا هو ذو أهل ومال معه حسبه ودينه ، وإما أن يعطيه ٢) الله في الآخرة فالآخرة خير وأبقى ،
الحرث حرثان فحرث الدنيا المال والتقوى(٣) ، وحرث الآخرة الباقيات الصالحات ، وقد يجمعهما
الله تعالى لأقوام .
قال سفيان الثوري : ومن يحسن أن يتكلم بهذا الكلام إلا علي رضي الله عنه ؟
وقال : عن زبيد(٤) اليامي ، عن مهاجر العامري (٥) ، قال : كتب علي بن أبي طالب عهداً لبعض
أصحابه على بلد فيه : أما بعد فلا يطولن حجابك على رعيتك ، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة
الضيق ، وقلة علم بالأمور ، والاحتجاب يقطع عنهم(٦) علم ما احتجبوا دونه ، فيضعف عندهم الكبير ،
ويعظم الصغير ، ويقبح الحسن ، ويحسن القبيح ، ويشاب الحق بالباطل ، وإنما الوالي بشر لا يعرف
ما يواري عنه الناس به من الأمور ، وليس على القوم سمات(٧) يعرف بها ضروب الصدق من الكذب ،
فتحصن من الإدخال في الحقوق بلين الحجاب ، فإنما أنت أحد الرجلين ، إما امرؤ شحت نفسك بالبذل
في الحق ففيم احتجابك من حق واجب عليك أن تعطيه؟ أو خلق كريم تسدُ(٨) به ؟ وإما مبتلى بالمنع
والشح فما أسرع زوال نعمتك(٩) ، وما أسرع كف الناس عن مسألتك إذا يئسوا من ذلك ، مع أن أكثر
حاجات(١٠) الناس إليك ما لا مؤنة فيه عليه من شكاية مظلمة أو طلب إنصاف ، فانتفع بما وصفت لك
واقتصر على حظك ورشدك إن شاء الله .
وقال المدائني : كتب علي إلى بعض عماله : رويداً فكأن قد بلغت المدى ، وعرضت عليك أعمالك
بالمحل الذي ينادي المغتر بالحسرة ، ويتمنى المضيع التوبة ، والظالم الرجعة .
وقال هشيم : أنا عمر بن أبي زائدة ، عن الشعبي قال : كان أبو بكر يقول الشعر ، وكان عمر يقول
الشعر ، وكان علي يقول الشعر ، كان علي أشهر الثلاثة .
في أ : ذا البائس ينظر أول .
(١)
(٢)
في أ : يعصمه .
في أ : فإن الحرث ... المال والعافية .
(٣)
في أ : يزيد ؛ تحريف ، وزبيد اليامي من رجال التهذيب .
(٤)
(٥)
في أ : العمري .
في أ : عن الولاة .
(٦)
في أ : سمات .
(٧)
في أ : تسدد .
(٨)
في أ : دولتك .
(٩)
(١٠) في أ: من خيرك ومع ذلك في أكثر حاجات .

٦٠٥
من كلامه الحَسَنِ رضي الله عنه
ورواه هشام بن عمار ، عن إبراهيم بن أعين ، عن عمر بن أبي زائدة ، عن عبد الله بن أبي السفر ،
عن الشعبي فذكره .
وقال أبو بكر بن دريد : قال : وأخبرنا عن دماد ، عن أبي عبيدة ، قال : كتب معاوية إلى علي :
يا أبا الحسن إن لي فضائل كثيرة ، وكان أبي سيداً في الجاهلية ، وصرت ملكاً في الإسلام، وأنا صهر(١)
رسول الله ، وخال المؤمنين ، وكاتب الوحي . فقال علي : يا أبا الفضائل يفخرُ عليَّ ابن آكلة الأكباد ؟
ثم قال : اكتب يا غلامٌ(٢) . [ من الوافر ]
وحمزةُ سيِّدُ الشُّهداءِ عَمِّي
محمدٌ النبيُّ أخي وصهري
يَطيرُ مع الملائكةِ ابنُ أمِّي
وجعفرٌ الذي يُمْسي ويُضْحي(٣)
مَسُوط٤ٌ) لحمُها بدمي ولَحْمي
وبنتُ مُحمَّدٍ سَكَني وعِرْسي
فأيّكمُ(٥) لهُ سهمٌ كسهمي
وسبطا أحمدٍ ولداي منها
صغيراً ما بلغتُ أوانَ حلميٍ(٦)
سَبَقْتُكُمُ إلى الإسلامِ طُرّاً
قال : فقال معاوية : أخفوا هذا الكتاب لا يقرؤه أهل الشام فيميلون إلى ابن أبي طالب . وهذا منقطع
بين أبي عبيدة وزمان علي ومعاوية .
وقال الزبير بن بكار وغيره : حدَّثني بكر بن حارثة ، عن الزُّهري ، عن عبد الرحمن بن كعب بن
مالك ، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت علياً ينشد ورسول الله وَلم يسمعُ(١): [من البسيط ]
معهُ ربيتُ وسبطاءُ هما ولدي
أنا أخو المصطفى لا شكّ في نَسَبي
وفاطمٌ زوجتي لا قولَ ذي فندٍ
جدّي وجدُّ رسولِ اللهِ منفر(1)
من الضلالةِ والإشراكِ والنكدِ
صدقتُه وجميعُ الناسِ فِي بُهُمْ(٩)
البرُّ بالعبدِ والباقي بلا أمدٍ
فالحمدُ للهِ شكراً لا شريك لهُ
قال: فتبسم رسول الله وَّر وقال: ((صدقت يا علي)).
في أ : وصرت أنا ملكاً في الإسلام صهر ، وما هنا يعضده ما في تاريخ دمشق (ص ٥٢١ . ط. دار الفكر ) .
(١)
(٢)
الأبيات في ديوان الإمام علي ( ١٨٨) ، وتاريخ دمشق .
(٣)
في الديوان : يضحي ويمسي .
مسوط : أي ممزوج ومخلوط . النهاية (٢/ ٤٢١) وفي الديوان مشوب .
(٤)
(٥)
في الديوان : فمن منكم .
(٦)
في الديوان بعد هذا البيت خمسة أبيات .
الأبيات في الديوان - طبعة دار الكتب العلمية - ( ٥٩) - وطبعة إيران - (٨١)، وتاريخ دمشق.
(٧)
في الديوان : متحد .
(٨)
في أ : في ظلم .
(٩)

٦٠٦
من كلامه الحَسَنِ رضي الله عنه
وهذا بهذا الإسناد منكر والشعر فيه ركاكة. وبكر هذا لا يُقبل منه تفردُه بهذا السند والمتن والله أعلم.
وروى الحافظ ابن عساكرُ(١)، من طريق أبي زكريا الرملي: حدَّثنا يزيد بن هارون ، عن نوح بن
قيس ، عن سلامة الكندي ، عن الأصبغ بن نباتة ، عن علي أنه جاءه رجل فقال : يا أمير المؤمنين إن لي
إليك حاجة فرفعتها إلى الله قبل أن أرفعها إليك ، فإن أنت قضيتها حمدت الله وشكرتك ، وإن أنت لم
نقضها حمدت الله وعذرتك . فقال علي : اكتب حاجتك على الأرض فإني أكره أن أرى ذل السؤال في
وجهك ، فكتب : إني محتاج ، فقال عليٍّ: عليَّ بحلّة ، فأُتي بها فأخذها الرجل فلبسها ، ثم أنشأ
يقول : [ من البسيط ]
فسوفَ أكسوكَ من حسْنِ الثَّنَا حُلَلا
كَسَوْتني حلةً تَبْلى مَحاسِنُها
ولستُ أبغي بما قدْ قلتهُ بدلا
إنْ نلتَ حسنَ ثنائي نلتَ مكرمةً
كالغيثِ يحيي نداهُ السهلَ والجبلا
إِنَّ الثناء ليحيي ذكرَ صاحبهِ
فكلُّ عبدٍ سيجزى بالذي عملا
لا تزهدِ الدهرَ في خيرٍ تواقعُهُ
فقال علي : عليَّ بالدنانير فأتي بمئة دينار فدفعها إليه ، قال الأصبغ : فقلت يا أمير المؤمنين حلة ومئة
دينار؟ قال: نعم! سمعت رسول الله وَ ل# يقول: ((أنزلوا الناس منازلهم)) وهذه منزلة هذا الرجل عندي.
وروى الخطيب البغدادي من طريق أبي جعفر أحمد بن إسحاق بن إبراهيم بن نبيط بن شريط ، عن
أبيه ، عن جده قال: قال علي بن أبي طالبٌ(٢) : [ من الوافر ]
وضاقَ بما٣) به الصدرُ الرحيبُ
إذا اشتملتْ على الناسِ القلوبُ
وأرستْ في أماكنها الخطوبُ
وأوطنتِ المكارهُ واطمأنتْ
ولا أغنى بحيلتهِ الأريبُ
ولم ترَ لانكشافِ الضرِ وجهاً
يمنُّ) به القريبُ المستجيبُ
أتاكَ على قُنوطٍ منكَ غوثٌ
فموصولٌ بها الفرجُ القريبُ
وكلُّ الحادثاتِ إذا تناهت
ومما أنشده أبو بكر محمد بن يحيى الصولي لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب [قوله(٥): [من الوافر]
ألا فاصبر على الحدثِ الجليلِ وداوِ جواكَ بالصبرِ الجميلِ
تاريخ دمشق (ص ٥٢٣ . ط. دار الفكر ) .
(١)
(٢)
الأبيات في ديوان علي (١٥ - ١٦) ط دار الكتب، و(ص٤٦) ط إيران . وهي أيضاً في تاريخ دمشق - ترجمة
علي - (٣٠٢/٣).
(٣)
في الديوان : لما به .
في أ : فضل ... يمن به اللطيف .
(٤)
الأبيات في ديوان الإمام علي - ط دار الكتب العلمية - ( ١٥٠ - ١٥١).
(٥)

٦٠٧
من كلامه الحَسَن رضي الله عنه
فقدْ أيسرتَ في الزمن (٢) الطويلِ
ولا تجزعْ وإن١) أعسرتَ يوماً
فإنَّ الله أولى بالجميلِ
ولا تظنن بربكَ ظنَّ سوٍ(٣)
وقولُ اللهِ أصدقُ كل قيلِ
فإن٤ّ) العسر يتبعُه يسارٌ
لكانَ الرزقُ عند ذوي العقولِ
فلو أنَّ العقول تجر رزقاً
سيُروى (٥) من رحيقِ السلسبيلِ
فكمْ من مؤمنٍ قد جاعَ يوماً
من هوان الدنيا على الله أنه سبحانه يجيع المؤمن مع نفاسته ، ويشبع الكلب مع خساسته ، والكافر
يأكل ويشرب ، ويلبس ويتمتع ، والمؤمن يجوع ويعرى ، وذلك لحكمة اقتضتها حكمة أحكم الحاكمين.
ومما أنشده علي بن جعفر الورّاق لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب(٦) : [ من الكامل ]
زينُ الرجالِ بها تُعُّ وتكرمُ
أجدُ الثيابَ إذا اكتسیتُ فإنها
فالله يعلمُ ما تجنُّ وتكتم
ودعِ التواضعَ في الثيابِ تخشعاً
عندَ الإلهِ وأنتَ عبدٌ مجرمُ
فَرَثَاتُ ثوبكَ لا يزيدك زلفةً
تخشى الإله وتتقي ما يحرمُ
وبهاءُ ثوبكَ لا يضركَ بعد أنْ
وهذا كما جاء في الحديث : ((إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى ثيابكم وإنما ينظر إلى قلوبكم
وأعمالكم (٧) وقال الثوري : ليس الزهد في الدنيا بلبس العبا ولا بأكل الخشن ، إنما الزهد في الدنيا
قصر الأمل .
وقال أبو العباس محمد بن يزيد بن عبد الأكبر المبرد : كان مكتوباً على سيف علي(٨) رضي الله عنه :
[ من البسيط ]
وفي مرادِ الهوى عقلٌ وتشميرُ
للناسِ حرصٌ على الدنيا وتدبيرُ
فالعقلُ منهمْ عنِ الطاعاتِ مأسورُ
وإنْ أتوا طاعةً للهِ ربِهِمُ
صفاءُ عيشاتها همٌ وتكديرُ
لأجلِ هذا وذاك الحرصِ قد مزجت
في ط : فإن عن أويوافق ما في ديوانه .
(١)
في ط : في الدهر ؛ وما هنا عن أويوافق ما في الديوان .
(٢)
(٣)
في الديوان : غير خير .
(٤)
في الديوان : وإن .
في أ : جاع دهراً سيسقى ..
(٥)
الأبيات في ديوانه - ط دار الكتب العلمية - ( ١٨٩).
(٦)
الحديث يرويه أبو هريرة وأخرجه أحمد في مسنده ( ٥٣٩/٢) ومسلم في صحيحه (٢٥٣٤) (٣٤) في البر
(٧)
والصلة . وغيرهما .
الأبيات في تاريخ دمشق - ترجمة علي - (٣٠٣/٣).
(٨)

٦٠٨
من كلامه الحَسَنِ رضي الله عنه
لكنهم رزقوها بالمقادير(١)
لم يرزقوها بعقلٍ عندَ ما قسمت
ومائقٍ نالَ دنياهُ بتقصيرٍ
كمْ من أديبٍ لبيبٍ لا تساعدُهُ
لو كانَ عن قوةٍ أو عنْ مغالبةٍ
طارَ البزاةُ بأرزاقِ العصافيرِ
وقال الأصمعي : حدثنا سلمة بن بلال ، عن مجالد، عن الشعبي ، قال : قال علي بن أبي طالب
لرجل كره له صحبة رجل(٢): [ من الهزج ]
وإياكَ وإياهُ
فلا تصحبْ أخا الجهلِ
حليماً حينَ آخاهُ
فكم من جاهلٍ أردى
إذا ما المرءُ ما شاهُ
يُقاسُ المرءُ بالمرءِ
مقاييسٌ وأشباهُ
وللشيءٍ على الشيء
دليلٌ حين يلقاهُ
وللقلب على القلبِ
وعن أبي عمرو بن العلاء ، عن أبيه قال: وقف عليّ على قبر فاطمة فأنشأ يقول (٣): [ من الطويل ]
بردِّ الهُمومِ الماضياتِ وكيلُ (٤)
ذكرتُ أبا أزوى فبتُ كأنَّني
وكلُّ الذيّ قبلَ المماتِ قليلٌ
لكُلِّ اجتماعٍ من خليلينٍ فرقةٌ
دليلٌ على أنْ لا يدومُ خليلُ
وإنّ افتقادي واحداً بعد واحدٍ(٥)
ويحدث(٦) بعدي للخليلِ خليلٌ (٧)
سَيُعرضُ عن ذكري وتُنسى مَوَذَّتي
فإنَّ غناء(٨) الباكياتِ قليلُ
إذا انقطعتْ يوماً من العيشِ مدتي
وأنشد بعضهم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه (٩): [ من الوافر ]
حقيقٌ بالتواضع من يموتُ ويكفي المرءَ منْ دنياهُ قوتُ
وحرصٍ ليسَ تدركهُ النعوت
فما للمرءِ يصبحُ ذا همومٍ
في أ : لكن ما رزقوا قسم وتقدير .
(١)
الأبيات في ديوانه - ط دار الكتب العلمية - ( ٢٠٥).
(٢)
الأبيات في ديوانه ( ١٤٩ - ١٥٠) وفي ط إيران (١٢٩ -١٣٠).
(٣)
(٤)
البيتان الأول والثاني لم يردا في طبعة إيران .
في الديوان - ط إيران - : وإن افتقادي فاطماً بعد أحمد .
(٥)
في الديوان - ط إيران - : ويظهر .
(٦)
(٧)
جاء هذا البيت في الديوان بعد الذي يليه .
في الديوان - ط إيران - : بكاء .
(٨)
الأبيات في ديوانه - ط دار الكتب العلمية - ( ٥١ ).
(٩)

٦٠٩
غريبة من الغرائب
وما أرزاقهُ(١) عنا تفوتُ
صنيعُ مليكنا حسنٌ جميلٌ
إلى قومٍ كلامُهُمُ السكوتُ
فيا هذا سترحلُ عن قريب(٢)
وهذا الفصل يطول استقصاؤه وقد ذكرنا منه ما فيه مقنع لمن أراده ولله الحمد والمنة .
وقال حماد بن سلمة : عن أيوب السختياني أنه قال : من أحبَّ أبا بكر فقد أقام الدين ، ومن أحبَّ
عمر فقد أوضح السبيل ، ومن أحب عثمان فقد استنار بنور الله ، ومن أحب علياً فقد استمسك بالعروة
الوثقى، ومن قال الحسنى في أصحاب رسول الله مَ له فقد برىء من النفاق.
غريبة من الغرائب وآبدة ٣) من الأوابد
قال ابن أبي خيثمة : حدَّثنا أحمد بن منصور بن يسار ، حدَّثنا عبد الرزاق قال : قال معمر مرة وأنا
مستقبله وتبسم وليس معنا أحد فقلت له : ما شأنك ؟ قال : عجبت من أهل الكوفة ، كأن الكوفة إنما
بنيت على حُبِّ علي ، ما كلَّمت أحداً منهم إلا وجدت المُقْتَصِد منهم الذي يفضل علياً على أبي بكر
وعمر ، منهم سفيان الثوري ، قال : فقلت لمعمر ورأيته ؟ - كأني أعظمت ذاك - فقال معمر : وما ذاك ؟
لو أن رجلاً قال علي أفضل عندي منهما ما عبته٤) ، إذا ذكر فضلهما ، ولو أن رجلاً قال : عمر عندي
أفضل من علي وأبي بكر ما عنفته . قال عبد الرزاق : فذكرت ذلك لوكيع بن الجراح ونحن خاليال(٥)
فاستهالها من سفيان وضحك وقال : لم يكن سفيان يبلغ بنا هذا الحد ، ولكنه أفضى إلى معمر بما لم
يفض إلينا ، وكنت أقول لسفيان : يا أبا عبد الله أرأيت إن فضلنا علياً على أبي بكر وعمر ما تقول في
ذلك؟ فسكت (٦) ساعة ثم قال : أخشى أن يكون ذلك طعناً على أبي بكر وعمر ولكننا نقف . قال
عبد الرزاق : وأما ابن التيمي - يعني معتمراً - فقال: سمعت أبي يقول : فَضَلَ عليّ بن أبي طالب
[ أصحاب رسول الله وَل] بمئة منقبة وشاركهم في مناقبهم، وعثمان أحبُّ إليَّ منه.
هكذا رواه ابن عساكر في (( تاريخه (٧) بسنده عن ابن أبي خيثمة به . وهذا الكلام فيه تخبيط كثير
ولعله اشتبه على معمر فإن المشهور عن بعض الكوفيين تقديم عليّ على عثمان ، فأمّا على الشيخين فلا ،
ولا يخفى فضل الشيخين على سائر الصحابة إلَّ على غبيّ، فكيف يخفى على هؤلاء الأئمة ؟ بل قد قال
في الديوان : أرزاقنا .
(١)
في ط : قليل ؛ وما هنا عن أوهو يوافق ما في الديوان .
(٢)
(٣)
الآبدة : الباقية على الأبد . اللسان ( أبد ).
في أ : ما عنفته إذا ذكر فظلهما إذ قال عندي ..
(٤)
في ط : خاليين ؛ وهو مخالف للسياق النحوي .
(٥)
في ط : فيسكت ثم يقول .
(٦)
تاريخ دمشق - ترجمة علي - ( ٣١٢/٣).
(٧)

٦١٠
غريبة من الغرائب
غير واحد من علماء ( الأمصار ) - كأيوب والدار قطني [وغير واحد ] - من قدَّم علياً على عثمان فقد أزرى
بالمهاجرين والأنصار . وهذا الكلام حق وصدق وصحيح ومليح .
وقال يعقوب بن سفيان: حدَّثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي(١)، حدَّثنا إبراهيم بن سعيد٢) ، عن
شعبة ، عن أبي عون - محمد بن عبد الله الثقفي - عن أبي صالح الحنفي قال: رأيت عليّ بن أبي طالب
أخذ المصحف فوضعه على رأسه حتى إني لأرى ورقه يتقعقع ثم قال : اللهم إنهم منعوني أن أقوم في الأمة
بما فيه فأعطني ثواب ما فيه ، ثم قال : اللهم إني قد مللتهم وملوني وأبغضتهم وأبغضوني ، وحملوني
على غير طبيعتي(١) وخلقي ، وأخلاق لم تكن تعرف لي ، اللهم فأبدلني بهم خيراً منهم ، وأبدلهم بي شراً
مني ، اللهم أمت قلوبهم موت الملح في الماء . قال إبراهيم : - يعني أهل الكوفة -
وقال ابن أبي الدنيا : حدَّثني عبد الرحمن بن صالح ، حدَّثنا عمرو بن هشام الخبي أبو الحُباب ، عن
أبي عونٌ(٤) الثقفي ، عن أبي عبد الرحمن السلمي . قال : قال لي الحسن بن علي قال لي علي : إن
رسول الله ◌َّ سنح لي الليلة في منامي فقلت : يا رسول الله ما لقيت من أمتك من الأودواللدد ؟ قال : أدع
عليهم فقلت : اللهم أبدلني بهم من هو خير لي منهم ، وأبدلهم بي من هو شر [ لهم ] مني ، [ قال ]
فخرج فضربه الرجل .
الأود : العوجُ°) واللدد : الخصومة .
وقد قدمنا الحديث الوارد بالأخبار بقتله(٦) وأنه يخضب لحيته من قرن رأسه ، فوقع كما أخبر صلوات
الله وسلامه على رسوله .
وروى أبو داود في كتاب القدر أنه لما كان أيام الخوارج كان أصحاب علي يحرسونه كل ليلة عشرة
- يبيتون في المسجد بالسلاح - فرآهم علي فقال: ما يجلسكمُ(٢) ؟ فقالوا : نحرسك ، فقال: من أهل
السماء ؟ ثم قال : إنه لا يكون في الأرض شيء حتى يقضى في السماء ، وإن علي من الله جنة حصينة .
وفي رواية : وإن الرجل جنة محصونةُ(٨) ، وإنه ليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك فلا تريده دابة
ولا شيء إلا قال : اتقه اتقه . فإذا جاء القدر خلا عنه . وفي رواية : ملكان يدفعان عنه فإذا جاء القدر خليا
في ط : الأريسي ؛ تحريف وعبد العزيز بن عبد الله الأويسي ؛ من رجال التهذيب .
(١)
في أ : سعد ؛ وإبراهيم بن سعيد من رجال التهذيب .
(٢)
في أ : طبيعتي وفطرتي وخلقي .
(٣)
في أ : عن أبي حباب عن أبي عون ، خطأ وانظر تقريب التهذيب ٤٩٤، ٦٣١، ٦٦٢ .
(٤)
(٥)
في أ : المعوج .
في أ : بمقتله وأنه تخضب .
(٦)
(٧)
في أ : ما أجلسكم .
في أ : حصينة .
(٨)

٦١١
غريبة من الغرائب
عنه ، وإنه لا يجد عبد حلاوة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه
[ وفي رواية أنه قال : حارس كل امرىء أجله ] .
وكان علي يدخل المسجد كل ليلة فيصليّ فيه ، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها قلق تلك
الليلة، وجمع أهله ، فلما خرج إلى المسجد صرخ الإوزُّ في وجهه فسكتوهن (١) عنه فقال : ذروهن فإنهن
نوائح ، فلما خرج إلى المسجد ضربه ابن ملجم فكان ما ذكرنا٢) قبل . فقال الناس : يا أمير المؤمنين ألا
نقتل مراداً كلها ؟ فقال: لا ولكن احبسوه وأحسنوا إساره(٣) ، فإن مت فاقتلوه وإن عشت فالجروح
قصاص . وجعلت أم كلثوم بنت علي تقول : ما لي ولصلاة الغداة ، قتل زوجي عمر أمير المؤمنين [ في ]
صلاة الغداة ، وقتل أبي [علي ] أمير المؤمنين [ في ] صلاة الغداة ، رضي الله عنها . وقيل لعلي : ألا
تستخلف؟ فقال: لا ولكن أترككم (٤) كما ترككم رسول الله وَير، فإن يرد الله بكم خيراً يجمعكم على
خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله وَلّر ، فهذا اعتراف منه في آخر وقت الدنيا بفضل الصديق.
وقد ثبت عنه بالتواتر(٥) أنه خطب بالكوفة في أيام خلافته ودار إمارته ، فقال : أيها الناس إن خير هذه
الأمة بعد نبيّها أبو بكر ، ثم عمر ، ولو شئت أن أسمي الثالث لسميت . وعنه أنه قال وهو نازل من
المنبر : ثم عثمان ثم عثمان . ولما مات علي ولي غسله ودفنه أهله ، وصلَّى عليه ابنه الحسن وكبّر
أربعا٦ً) ، وقيل أكثر من ذلك . ودفن علي بدار الخلافة وقيل تجاه الجامع من القبلة في حجرة من دور آل
جعدة بن هبيرة ، بحذاء باب الوراقين وقيل بظاهر الكوفة ، وقيل بالكناسة ، وقيل دفن بالبرية [ وقيل
بحائط جامع الكوفة ] .
وقال شريك القاضي وأبو نعيم الفضل بن دكين : نقله [ ابنه ] الحسن بن علي بعد صلحه مع معاوية
من الكوفة فدفنه بالمدينة (٧) بالبقيع إلى جانب [زوجته ] فاطمة بنت رسول الله وَله.
وقال عيسى بن دأب : بل لما تحملوا به حملوه في صندوق(٨) على بعير ، فلما مروا به ببلاد طيِّىء
أضلوا ذلك البعير فأخذته طيِّىء تحسب فيه مالاً ، فلما وجدوا بالصندوق(٩) ميتاً دفنوه في بلادهم فلا
يعرف قبره إلى الآن ، والمشهور أن قبره إلى الآن بالكوفة كما ذكر عبد الملك بن عمران أن خالد بن
في أ : فسكنوهن .
(١)
(٢)
في أ : ما تقدم .
في أ : أسره .
(٣)
في أ : بل أترككم .
(٤)
في أ : بالتوتر عنه .
(٥)
(٦)
في أ : فكبر عليه أربعاً .
في أ : إلى المدينة .
(٧)
في أ : دأب عنه عمه : بل لما أرادوا أن يحملونه إلى المدينة ليدفنوه بها جعلوه في صندوق .
(٨)
(٩) في أ: طيء ذلك البعير بما عليه يحسبونه مالاً فلما وجدوا بذلك ميتاً دفنوه بالصندوق.

٦١٢
غريبة من الغرائب
عبد الله القسري - نائب بني أمية في زمان هشام - لما هدم دوراً ليبنيها وجد(١) قبراً فيه شيخ أبيض الرأس
واللحية فإذا هو علي [ بن أبي طالب ] ، فأراد أن يحرقه بالنار فقيل له : أيها الأمير إن بني أمية لا يريدون
منك هذا كله [ أي هذه المبالغة في طاعتهم قال ] فلفه في قباطي ودفنه هناك .
قالوا : فلا يقدر أحد أن يسكن تلك الدار التي هو فيها إلا ارتحل منها . رواه(٢) ابن عساكر . ثم إن
الحسن بن علي استحضر عبد الرحمن بن ملجم من السجن ، فأحضر الناس النفط والبواري ليحرقوه(٣) ،
فقال لهم أولاد علي : دعونا نشتفي منه ، فقطعت يداه ورجلاه فلم يجزع ولا فتر عن الذكر ، ثم كحلت
عيناه وهو في ذلك يذكر الله وقرأ سورة اقرأ باسم ربك [ الذي خلق خلق الإنسان من علق ] إلى آخرها ،
وإن عينيه لتسيلان على خديه ، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعاً شديداً ، فقيل له في ذلك
فقال : إني أخاف أن أمكث في الدنيا فواقا٤) لا أذكر الله فيه . فقتل عند ذلك وحرق بالنار ، قبّحه الله .
قال محمد بن سعد(٥): كان ابن ملجم رجلاً أسمر حسن الوجه أبلج (٦) شعره مع شحمة أذنه ، في جبهته
أثر السجود . قال العلماء : ولم ينتظر بقتله بلوغ العباس بن علي فإنه كان صغيراً يوم قتل أبوه ، قالوا :
لأنه كان قتل محاربة لا قصاصاً ، والله أعلم .
وكان طعن علي رضي الله عنه يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين بلا خلاف فقيل مات من
يومه قيل يوم الأحد التاسع عشر منه .
قال الفلاس : وقيل ضرب (٧) ليلة إحدى وعشرين ومات ليلة أربع وعشرين [ منه ] عن بضع أو ثمان
وخمسين سنة ، وقيل عن ثلاث وستين سنة وهو المشهور ، قاله محمد بن الحنفية [ ابنه ] ، وأبو جعفر
الباقر ، وأبو إسحاق السبيعي ، وأبو بكر بن عياش . وقال بعضهم : عن ثلاث أو أربع وستين سنة ،
وعن أبي جعفر الباقر خمس وستين سنة .
وكانت خلافته خمس سنين إلَّ ثلاثة أشهر ، وقيل أربع سنين [ وتسعة أشهر وثلاثة أيام وقيل : وستة
أيام ، وقيل : وأربعة عشر يوماً ، وقيل أربع سنين ] وثمانية أشهر وثلاثة وعشرين يوماً ، رضي الله عنه
[ وأرضاه]. وقال جرير : عن مغيرة قال: لما جاء نعي علي بن أبي طالب إلى معاوية وهو نائم(٨) مع
في أ : في زمن هشام بن عبد الملك لما كان أميراً على العراق هدم دوراً ليبنيها فوجد .
(١)
في أ : كذا ذكره ابن عساكر. والخبر في تاريخ دمشق - ترجمة علي - (٣٧٦/٢).
(٢)
في أ : أحضر عبد الرحمن بن ملجم المرادي من الحبس ثم أحضر النفط والبواري .
(٣)
فواق : ما بين الحلبتين من الوقت . القاموس ( فوق ) .
(٤)
(٥)
الطبقات الكبرى ( ٤٠/٣ ).
(٦)
في الطبقات : أفلج .
(٧)
في أ : ضربه .
في أ : وكان ذلك في وقت القائلة وكان نائماً .
(٨)

٦١٣
غريبة من الغرائب
امرأته فاختة بنت قرظة في يوم صائف ، جلس وهو يقول : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وجعل يبكي فقالت له
فاختة : أنت بالأمس تطعن عليه واليوم تبكي عليه ، فقال : ويحك إنما أبكي لما فقد الناس من حلمه
وعلمه وفضله وسوابقه وخيره .
وذكر ابن أبي الدنيا - في كتاب مكايد الشيطان (١) - أن رجلاً من أهل الشام(٢) من أمراء معاوية
[ وجلسائه ] غضب ذات ليلة على ابنه فأخرجه من منزله ، فخرج الغلام لا يدري أين يذهب ، فجلس
وراء الباب من خارج فنام ساعة ثم استيقظ وبابه يخمشه هر أسود بري ، فخرج إليه الهر الذي في منزلهم
فقال له البري : ويحك ! افتح فقال : لا أستطيع ، فقال : ويحك ائتني بشيء أتبلغ به فإني جائع وأنا
تعبان ، هذا أوان مجيئي من الكوفة ، وقد حدث الليلة حدث عظيم ، قتل علي بن أبي طالب ، قال فقال
له الهر الأهلي : والله إنه ليس هاهنا شيء إلا وقد ذكروا اسم الله عليه ، غير سفود كانوا يشوون عليه
اللحم ، فقال : ائتني به ، فجاء به فجعل يلحسه حتى أخذ حاجته وانصرف ، وذلك بمرأى من الغلام
ومسمع ، فقام إلى الباب فطرقه فخرج إليه أبوه فقال : من ؟ فقال له : افتح ، فقال : ويحك مالك ؟
فقال : افتح ، ففتح فقص عليه خبر ما رأى ، فقال له : ويحك أمنام هذا ؟ قال : لا والله ، قال :
ويحك ! أفأصابك جنون بعدي ؟ قال : والله ، ولكن الأمر كما وصفت لك ، فاذهب إلى معاوية الآن
فاتخذ عنده بما قلت لك ، فذهب الرجل فاستأذن على معاوية فأخبره خبر ما ذكر له ولده . فأرّخوا ذلك
عندهم قبل مجيء البُرُد ، ولما جاءت البُرُد وجدوا ما أخبروهم به مطابقاً لما كان أخبر به أبو الغلام ، هذا
ملخص ما ذكره .
وقال أبو القاسم : حدَّثنا علي بن الجعد ، حدَّثنا زهير بن معاوية ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن
الأصم قال : قلت للحسين بن علي : إن هذه الشيعة يزعمون أن علياً مبعوث قبل يوم القيامة ، فقال :
كذبوا والله ما هؤلاء بالشيعة ، لو علمنا أنه مبعوث ما زوجنا نساءه ولا قسمنا ماله . ورواه أسباط بن محمد
عن مطرف عن إسحاق ، عن عمرو بن الأصم ، عن الحسن بن علي بنحوه . والله سبحانه أعلم(٣).
لم أجد هذا الخبر في كتاب مكائد الشيطان لابن أبي الدنيا - طبعة القاهرة مكتبة القرآن .
(١)
في أ : من أهل دمشق ؛ وثمة خلافات كثيرة في هذا الخبر بين أوط لم نجد في إثباتها أي فائدة . لم أجده في كتب
(٢)
الطبراني وهو في تاريخ دمشق - ترجمة علي - ( ٢١٠/٣).
بعد هذه اللفظة في أ الزيادات التالية من كلام الإمام علي : فصل نذكر فيه كلمات زيادة على ما نص عليه المؤلف :
(٣)
عن سَلَمة بن كُهَيْل ، عن مجاهد قال : إنما شيعة علي العلماء الحكماء الذَّبل الشفاه الأبرار الأخيار الزهاد الذين
يُعرّفوك بأثر العبادة .
وقال علي بن الحسين : شيعتنا الذُّبل الشفاه والإمام منا من دعى إلى طاعة الله .
وقال الطبراني : حدَّثنا محمد بن زكريا الغُلابي، حدَّثنا العباس بن بكار الضَّبي، حدَّثنا عبد الواحد بن أبي عمير
الأسدي ، عن محمد بن السائب الكلبي ، عن أبي صالح قال : دخل ضرار بن ضمرة الكناني على معاوية ، فقال
له : صف لي علياً . قال : أو تعفيني يا أمير المؤمنين ؟ قال : لا أعفيك . قال : أما إذ لا بد من وصفي له ، كان=

٦١٤
غريبة من الغرائب
والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلاً ، ويحكم عدلًا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من
=
نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته ، كان والله غزير العبرة ، طويل الفكر ، يقلب
كفه ، ويخاطب نفسه ، يعجبه من اللباس ما قصر ومن الطعام ما خشن ، كان والله كأحدنا يدنينا إذا أتيناه ، ويجيبنا
إذا سألناه ، وكنا مع قُرْبنا لا نكلمه هيبة له فإن تبسم فعن مثل اللؤلؤ المنظوم ، يعظم أهل الدين ، ويحب
المساكين ، لا يطمع القوي في باطله ولا يُبْئس الضعيف من عدله ؛ فأشهد بالله لقد رأيته في بعض مواقفه ، وقد
أرخى الليل سدوله ، وغارت نجومه ، يتمثل في محرابه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ، ويبكي بكاء
الحزين فكأني أسمعه الآن وهو يقول : يا ربنا يا ربنا ، يتضرع إليه ، ثم يقول للدنيا إليَّ تعرضت أم ليّ تشوَّقت
هيهات هيهات غرّي غيري ، قد بتتك ثلاثاً ، فعمرك قصير ، ومجلسك حقير ، وخطرك كبير آه آه من قلة الزاد وبعد
السفر ووحشة الطريق .
قال : فوكفت دموع معاوية على لحيته ما يملكها وجعل ينشفها بكمه ؛ وقد اختنق القوم بالبكاء ، فقال : كذلك كان
أبو الحسن رحمه الله فكيف وجدك عليه يا ضرار؟ قال: وَجْدُ من ذبح أَوْحَدُها من حجرها لا ترقأ دمعتها ولا يسكن
حزنها ثم قام فخرج [ الخبر في مختصر تاريخ دمشق ١١ / ١٥٨ ] .
وقال علي : أشد الأعمال ثلاثة؛ إعطاء الحق من نفسك ، وذكر الله على كل حال ، ومواساة الأخ في المال .
وقال علي : إن الله لم يرض من أهل القرآن بالإذعان والسكوت والله يُعصى .
وروى الثوري : عن عمرو بن قيس قال : قيل لعلي : يا أمير المؤمنين ؛ لم ترقع قميصك ! قال : يخشع القلب ،
ويقتدي بي المؤمن .
وعن زياد بن ميلح : أن علياً أتى بشيء من خبيص فوضعه بين أيديهم فجعلوا يأكلون ولا يأكل . فقال : إن الإسلام
ليس ببكر ضال ، ولكن قريش رأت هذا العيش هَذَّاً فتناحرت عليه .
وقد كان لعلي رضي الله عنه ظبية - أي جراب جلد غزال - يكون فيه سويق ليشربه بالماء وقت القائلة هو طعامه لا يزيد
عليه ، وكان يختم عليه لئلا يختلط بغيره . وعاتبه رجل في لبوسه . فقال له : مالك وللبوسي إن لبوسي أبعد من
الكبر وأجدر أن يقتدي بي المسلم .
وعن عبد الله بن شريك عن جده عن علي أنه أتي بفالوذج ؛ فوضع بين يديه فقال : إنك طيب الريح ، حسن اللون ،
طيب الطعم ، ولكن أكره أن أعوِّد نفسي ، ما لم تعتد .
وعن مجمع التيمي قال: كان علي يقسم مال بيت المال ويكنسه ويصلي فيه يتخذه مسجداً رجاء أن يشهد له يوم القيامة.
وقال الإمام ... حدَّثنا وهب بن سعيد ، حدَّثنا محمد بن قيس عن علي بن ربيعة الوالبي عن علي بن أبي طالب أنه
جاءه ابن النَّّاج فقال : يا أمير المؤمنين امتلأ بيت المال من صفراء وبيضاء ؛ فقال : الله أكبر فقام متوكئاً على ابن
النّاج حتى قام على بيت المال فقال :
ووكل جان يده إلى فيه
هذا جناي وخياره فيه
يا ابن النباج عليَّ بأشياع الكوفة فنودي في الناس فأعطاه جميع ما في بيت المال وهو يقول : يا صفراء ويا بيضاء
غرّي غيرها وها حتى ما بقي منه دينار ولا درهم ، ثم أمر بنضحه وصلى فيه ركعتين .
وقال الطبراني : حدَّثنا أبو مسلم الكشي ، حدَّثنا عبد العزيز بن الخطاب ، حدَّثنا سهل بن شعيب ، عن أبي علي

٦١٥
خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه
خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه
[ وعن أبيه وعن أمه ]
قد ذكرنا أن علياً رضي الله عنه لما ضربه ابن ملجم قالوا له : استخلف يا أمير المؤمنين . فقال : لا
ولكن أدعكم كما ترككم رسول الله وَّ ـ يعني بغير استخلاف - فإن يرد الله بكم خيراً يجمعكمُ(١) على
خيركم كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله وَّر. فلما توفي(٢) وصلى عليه ابنه الحسن - لأنه [ كان ]
الصيقل ، عن عبد الأعلى عن نوف البكالي قال : رأيت علي بن أبي طالب خرج ليلة فنظر إلى النجوم فقال :
=
يا نوف أراقد أنت أم رامق ؟ قلت : بل رامق يا أمير المؤمنين . فقال : يا نوف طوبى للزاهدين في الدنيا الراغبين في
الآخرة أولئك قوم اتخذوا الأرض بساطاً وترابها فراشاً وماءها طيباً والقرآن والدعاء دثاراً وشعاراً فرضوا الدنيا على
منهاج المسيح عليه السلام ، يا نوف ؛ إن الله عزَّ وجلَّ أوحى إلى عيسى أن مر بني إسرائيل أن لا يدخلوا بيتاً من
بيوتي إلا بقلوب طاهرة وأبصار خاشعة وأيد من الآثام نقية فإني لا أستجيب لأحد منهم ولأحد من خلقي عنده
مظلمة . يا نوف لا تكن شاعراً ولا عريفاً ولا شرطياً ولا جابياً ولا عشاراً شطرحياً فإن داود عليه السلام قام في ساعة
من الليل فقال : يا لها [ من ] ساعة لا يدعو فيها عبد ربَّه إلا استجاب له فيها إلا أن يكون عريفاً أو شرطياً أو جابياً أو
عشاراً أو صاحب عربطة - وهو الطنبور - أو صاحب كوبة - وهو الطبل - أو صاحب الشاه - وهو الشطرنج - .
.
وروى عمرو بن قيس : عن عمر بن مرة ، عن علي قال : كونوا ينابيع العلم معادن الحكمة ، مصابيح الليل ، خلقان
الثياب ، جدد القلوب ، تعرفون في أهل السماء وتخفون في أهل الأرض وتذكرون عند ربكم .
وروى نحو ذلك عن ابن مسعود .
وقال عاصم بن ضمرة : عن علي قال : ألا إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يُقنط الناس من رحمة الله ، ولا يؤمنهم من
عذاب الله ، ولا يرخص لهم في معاصي الله ، ولا يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره ، ولا خير في عبادة لا علم فيها ،
ولا خير في علم لا فهم فيه ، ولا خير في قراءة لا تدبر فيها .
وقال أبو بكر بن خزيمة : حدَّثنا علي بن حجر، حدَّثنا يوسف بن زياد ، عن يوسف بن أبي المتيد ، عن
إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم قال : قال علي : كونوا لقول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل ؛ فإنه
لن يقل عمل مع التقوى ، وكيف يقل عمل يُقبل .
وعن عبد خير ، عن علي قال : ليس الخير أن يكثر مالك وولدك ولكن الخير أن يكثر علمك ويعظم حلمك ، وأن
تباهي الناس بعبادة ربك ؛ فإن أحسنت حمدت الله وإن أسأت استغفرت الله ولا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين رجل
أذنب ذنوباً فهو يتدارك ذلك بتوبة ؛ ورجل يسارع في الخيرات ، ويعمل في الدرجات ، ولا يقل عمل مع التقوى
وكيف يقل ما يُقب . وروي نحو هذا عن أبي الدرداء .
وروى ثابت بن أبي صفية ، عن أبي الزاهر قال : قال علي : احفظوا عني خمساً لو ركبتم الإبل في طلبهن لما
أصبتموهن ولأضنيتم الإبل قبل أن تدركوهن : لا يرجو عبد إلا ربه ، ولا يخاف إلا ذنبه ، ولا يستحي جاهل أن
يسأل عما لا يعلم ، ولا يستحيي عالم إذا سئل عما لا يعلم أن يقول : الله أعلم ، والصبر من الإيمان بمنزلة الرأس
من الجسد ولا إيمان لمن لا صبر له .
(١)
في أ : فسيجمعكم .
(٢) في أ : مات .

٦١٦
خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه
أكبر بنيه رضي الله عنهم - ودفن كما ذكرنا بدار الإمارة [ بالكوفة ] على الصحيح من أقوال الناس ، فلما
فرع (١) من شأنه كان أول من تقدم إلى الحسن بن علي رضي الله عنه قيس بن سعد بن عبادة فقال له :
ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه ، فسكت الحسن فبايعه ثم بايعه الناس بعده ، وكان ذلك يوم
مات علي ، وكان موته يوم ضرب على قول وهو يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين ، وقيل
إنما مات بعد الطعنة (٢) بيومين ، وقيل مات في العشر الأخير من رمضان ، ومن يومئذ ولي الحسن بن
علي ، وكان(٣) قيس بن سعد على إمرة أذربيجان ، تحت يده أربعون ألف مقاتل ، قد بايعوا علياً على
الموت ، فلما مات علي ألح قيس بن سعد على الحسن في النفير(٤) لقتال أهل الشام ، فعزل قيساً عن
إمرة أذربيجان ، وولَّى(٥) عبيد الله بن عباس عليها ، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحداً ، ولكن
غلبوه على رأيه ، فاجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يسمع بمثله[ لأن الناس مالوا إلى الحسن ميلاً عظيماً
محبة وطاعة إذ هو ابن بنت رسول الله وَلَ* وريحانته] فأمر الحسن بن علي قيس بن سعد بن عبادة على
المقدمة في اثني عشر ألفاً بين يديه ، وسار هو بالجيوش في أثره قاصداً بلاد الشام ، ليقاتل معاوية وأهل
الشامُ(٦) فلما اجتاز بالمدائن نزلها وقدم المقدمة بين يديه ، فبينما هو في المدائن معسكراً بظاهرها ، إذ
صرخ في الناس(٧) صارخ : ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل ، فثار الناس فانتهبوا أمتعة بعضهم(٨)
بعضاً حتى انتهبوا سرادق الحسن ، حتى نازعوه بساطاً كان جالساً عليه ، وطعنه بعضهم حين ركب طعنة
أثبتوه وأشوته فكرههم الحسن كراهية شديدة ، وركب(٩) فدخل القصر الأبيض من المدائن فنزله وهو
جريح ، وكان عامله على المدائن سعد بن مسعود الثقفي - أخو أبي عبيد صاحب يوم الجسر(١٠) - فلما
استقر الحسن بالقصر قال المختار بن أبي عبيد قبَّحه الله لعمه سعد بن مسعود : هل لك في الشرف
والغنى ؟ قال : ماذا؟ قال: تأخذ الحسن بن علي فتقيده وتبعثه (١١) إلى معاوية ، فقال له عمه :
قبحك(١٢) الله وقبح ما جئت به، أغدر بابن بنت رسول الله وَلير؟ ولما رأى الحسن بن علي تفرق جيشه
(١) في أ : فرغوا .
(٢)
في أ : أن طعن .
في أ : ويوم دفن ولي الحسن ابنه مكانه .
(٣)
(٤)
في أ : التجهيز .
(٥)
في أ : ولى عليها .
في أ : الحرب معاوية بن أبي سفيان .
(٦)
في أ : بالناس .
(٧)
في أ : فانتهب بعضهم .
(٨)
في أ : ثم ركب .
(٩)
(١٠) في أ : عم المختار.
(١١) في أ: وتبعث به.
(١٢) في ط : قبحكم .

٦١٧
خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه
عنه (١) مقتهم مقتاً شديداً وكتب عند ذلك إلى معاوية بن أبي سفيان - وكان قد ركب في أهل الشام [ لقتال
أهل العراق ] فنزل مسكن [ وجعل ] - يراوضه على الصلح بينهما ، فبعث إليه معاوية عبد الله بن عامر
وعبد الرحمن بن سمرة ، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال ، فاشترط أن يأخذ من مال بيت
مال الكوفة خمسة آلاف ألف درهم ، وأن يكون خراج دار أبجرد له [ في أشياء ذكرها ] وأن لا يُسبَّ عليّ
وهو يسمع ، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية ، ويحقن الدماء بين المسلمين . فاصطلحوا على ذلك
واجتمعت الكلمة على معاوية على ما سيأتي بيانه وتفصيله ، وقد لام الحسين أخاه٢) الحسن على هذا
الرأي فلم يقبل منه ، والصواب مع الحسن رضي الله عنه كما سنذكر دليله قريباً . وبعث الحسن بن علي
إلى أمير المقدمة(٣) قيس بن سعد أن يسمع ويطيع [ لمعاوية ] ، فأبى قيس بن سعد من قبول ذلك ،
وخرج عن طاعتهما جميعاً ، واعتزل بمن أطاعه ثم راجع الأمر فبايع معاوية بعد قريب كما سنذكره .
ثم المشهور أن مبايعة الحسن لمعاوية كانت في سنة أربعين ، ولهذا يقال له عام الجماعة ، لاجتماع
الكلمة فيه على معاوية ، والمشهود عند ابن جرير(٤) وغيره من علماء السير أن ذلك كان في أوائل سنة
إحدى وأربعين كما٥) سنذكره إن شاء الله .
وحج بالناس(٦) في هذه السنة - أعني سنة أربعين - المغيرة بن شعبة، وزعم ابن جرير(٧) فيما رواه
عن إسماعيل بن راشد : أن المغيرة بن شعبة افتعل كتاباً على لسان معاوية ليلي إمرة الحج عامئذ ، وبادر
إلى ذلك عتبة بن أبي سفيان ، وكان معه كتاب من أخيه بإمرة الحج ، فتعجل المغيرة فوقف بالناس يوم
الثامن ليسبق عتبة إلى الإمرة . وهذا الذي نقله ابن جرير لا يقبل ، ولا يظن بالمغيرة رضى الله عنه ذلك ،
وإنما نبهنا على ذلك ليعلم أنه باطل ، فإن الصحابة أجل قدراً من هذا ، ولكن هذه نزغة شيعية .
قال ابن جرير(٨) : وفي هذه السنة بويع لمعاوية بإيلياء - يعني لما مات علي - قام أهل الشام فبايعوا
معاوية على إمرة المؤمنين لأنه لم يبق له عندهم منازع ، فعند ذلك أقام أهل العراق الحسن بن علي رضي
الله عنه ليمانعوا به أهل الشام فلم يتم لهم ما أرادوه وما حاوله ، وإنما كان خذلانهم من قبل تدبيرهم
وآرائهم المختلفة المخالفة لأمرائهم ، ولو كانوا يعلمون لعظموا ما أنعم الله به عليهم من مبايعتهم٩) ابن
في ط : عليه .
(١)
(٢)
في ط : لأخيه .
في أ : مقدمة جيشه .
(٣)
(٤)
تاريخ الطبري ( ١٦٢/٥ ) .
في أ : على ما سنذكره إن شاء الله تعالى .
(٥)
ثمة خلافات كثيرة في هذا الخبر بين أ ، ط لم أجد فائدة من إثباتها .
(٦)
تاريخ الطبري (١٦٠/٥).
(٧)
المصدر نفسه ( ١٦١/٥ ).
(٨)
(٩) في أ : متابعتهم .

٦١٨
خلافة الحسن بن علي رضي الله عنه
بنت رسول الله مَ له، وسيد المسلمين، وأحد علماء الصحابة وحلمائهم وذوي آرائهم. والدليل على أنه
أحد الخلفاء الراشدين الحديث الذي أوردناه في دلائل النبوة من طريق سفينة مولى رسول الله وَ ل# أن
رسول الله مَليّ قال: (( الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكاً)(١) وإنما كملت الثلاثون بخلافة
الحسن بن علي رضي الله عنه ، فإنه نزل عن الخلافة لمعاوية في ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ،
وذلك كمال ثلاثين سنة من موت رسول الله وَلي ، فإنه توفي في ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة،
وهذا من [ أكبر ] دلائل النبوّة صلوات الله وسلامه عليه وسلم تسليماً. وقد مدحه رسول الله وَ ليل على
صنيعه هذا وهو تركه الدنيا الفانية ، ورغبته في الآخرة الباقية (٢) ، وحقنه دماء هذه الأمة ، فنزل عن
الخلافة وجعل الملك بيد معاوية حتى تجتمع(٣) الكلمة على أمير واحد . وهذا المدح قد ذكرناه [ فيما
تقدم ] وسنورده في حديث أبي بكرة الثقفي أن رسول الله وَل صعد المنبر يوماً وجلس الحسن بن علي إلى
جانبه ، فجعل ينظر إلى الناس مرة وإليه أخرى ثم قال: (( أيها الناس إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به
بين فئتين عظيمتين من المسلمين )) رواه البخاري(٤).
[ بعونه تعالى وتوفيقه تم الجزء السابع من كتاب البداية والنهاية ، ويليه الجزء الثامن وأوله : ثم
دخلت سنة إحدى وأربعين من الهجرة النبوية ... والحمد لله رب العالمين ] .
الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( ٢٢١/٥) وأبو داود في سننه (٤٦٤٦) في السنة ، والترمذي في جامعه
(١)
(٢٢٢٦) في الفتن ، وغيرهم وهو أيضاً في صحيح ابن حبان ( ٦٦٥٧ ) الإحسان ، وهو حديث حسن .
(٢)
في أ : الباقية الفائقة .
في أ : لأجل اجتماع الكلمة على أمير واحد وحقن دماء المسلمين .
(٣)
صحيح البخاري ( ٢٧٥٤) في الصلح، و (٣٦٢٩) في المناقب، و (٣٧٤٦) في فضائل الصحابة ،
(٤)
و (٧١٠٩) في الفتن .

٦١٩
الفهرس
الفهرس
الموضوع
أحداث سنة ١١ هـ
خلافة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه
فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيد
مقتل الأسود العنسي المتنبىء الكذاب
صفة خروج الأسود العنسي وتمليكه ومقتله
خروج الأسود العنسي
تصدِّي الصدِّيق لقتال أهل الردة ومانعي الزكاة
خروج الصدِّيق إلى ذي القصة
مسيرة الأمراء من ذي القصة
وقعة أخرى
قصة الفجاءة
قصة سجاح وبني تميم
خبر مالك بن نويرة اليربوعي التميمي
مقتل مسيلمة الكذاب لعنه الله
ردة أهل البحرين وعودهم إلى الإسلام
ردة أهل عمان ومهرة اليمن
وفيات سنة ١١ هـ
محمد بن عبد الله ◌َ چ
فاطمة رضي الله عنها
بركة بنت ثعلبة ( أم أيمن )
ثابت بن أقرع بن ثعلبة
ثابت بن قيس بن شماس
حزن بن أبي وهب المخزومي
زيد بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي
سالم بن عبيد
سماك بن خرشة ( أبو دجانة )
شجاع بن وهب الأسدي
الطفيل بن عمرو الدوسي
الصفحة
٥
٥
٩
١١
١٢
١٤
١٧
٢٢
٢٤
٢٧
٢٧
٢٨
٣٠
٣٢
٣٧
٤١
٤٣
٤٤
٤٦
٤٧
٤٩
٥٠
٥١ ,٥٥
٥١

٦٢٠
الفهرس
الموضوع
عباد بن بشر الأنصاري
السائب بن عثمان بن مظعون
السائب بن العوام
عبد الله بن سهل بن عمرو
عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول
عبد الله بن أبي بكر الصديق
عكاشة بن محصن
معن بن عدي البلوي
الوليد بن عمارة بن الوليد
أبو عبيدة بن عمارة بن الوليد
عتبة بن ربيعة العبشمي
مالك بن عمرو
یزید بن ر قیش
الحكم بن سعيد العاص
جبير بن مالك
عامر بن البكير الليثي
مالك بن ربيعة
صفوان بن أمية
یزید بن أوس
حيي بن حارثة الثقفي
حبيب بن أسيد بن حارثة الثقفي
الوليد بن عبد شمس المخزومي
عبد الله بن عمرو العدوي
أبو قيس بن الحارث السهمي
عبد الله بن الحارث بن قيس
عبد الله بن مخرمة العامري
عمرو بن أويس العامري
سليط بن سليط بن عمرو العامري
ربيعة بن أبي خرشة العامري
عبد الله بن الحارث بن رحضة
عمارة بن حزم البخاري
عقبة بن عامر السلمي
ثابت بن هزال
الصفحة
٥٢
٥٣
٥٤
٥٥
٥٦
٥٧