النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
مقتل عمار بن ياسر
أبي هشامُ(١)، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله قال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)).
وروى مسلم(٢) من حديث شعبة، عن [ أبي مسلمة ، عن (٣) أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال :
حدَّثني من هو خير مني - يعني أبا قتادة - أن رسول الله وَ ليل قال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)).
( وروى مسلمٌ(٤) أيضاً : من حديث شعبة ، عن خالد الحذاء ، عن الحسن وسعيد بن أبي الحسن عن
أمهما خيرة عن أم سلمة أن رسول الله وَل قال لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)).
ورواه®) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن ابن علية ، عن ابن عون ، عن الحسن ، عن أمه عن أم سلمة
به ) وفي رواية : وقاتله في النار .
وروى البيهقي(٦) عن الحاكم ، وغيره ، عن الأصم ، عن أبي بكر محمد بن إسحاق الصغاني ، عن
أبي الجوَّاب ، عن عمار بن رزيق ، عن عمّار الدُّهني ، عن سالم بن أبي الجعد ، عن ابن مسعود قال :
سمعت رسول الله و لو يقول (لعمار): ((إذا اختلف الناس كان ابن سُمية مع الحق)).
وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في (( سيرة علي)): حدَّثنا يحيى بن عبيد(٧) الله الكرابيسي، حدَّثنا
أبو كريب ، حدَّثنا أبو معاوية ، عن عمّار بن رزيق ، عن عمّار الدُّهني ، عن سالم بن أبي الجعد قال :
جاء رجل إلى ابن مسعود فقال : إن الله قد أَمَّننا أن يظلمنا ولم يؤمنا أن يفتننا ، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف
أصنع ؟ قال : عليك بكتاب الله ، قلت : أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله ؟ فقال سمعت
رسول الله وَل يقول: ((إذا اختلف(٨) الناس كان ابن سُمية مع الحق)).
وروى ابن ديزيل عن عمرو بن العاص نفسه حديثاً في ذكر عمار وأنه مع الحق ، وإسناده غريب .
وروى البيهقي(٩) : أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد الأسفاطي ، حدَّثنا
أبو مصعب، حدَّث ◌ُ(١) يوسف بن الماجشون ، عن أبيه ، عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر ،
في المسند : عن هشام .
(١)
صحيح مسلم ( ٢٩١٥) (٧٠) في الفتن وأشراط الساعة .
(٢)
ما بينهما ساقط من أ ، ط .
(٣)
صحيح مسلم (٢٩١٦) (٧٢) في الفتن وأشراط الساعة وتحرفت ( خيرة) في أ، ط إلى ( حرة) وهي خيرة مولاة
(٤)
أم سلمة . تقريب التهذيب .
صحيح مسلم (٢٩١٦) (٧٣) في الفتن وأشراط الساعة وهو في مصنف ابن أبي شيبة (٣٠٢/١٥).
(٥)
دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٤٢٢) .
(٦)
(٧)
في أ : عبد الله .
في أ : اختلفت .
(٨)
(٩) دلائل النبوة للبيهقي (٦/ ٤٢١).
(١٠) مكان السند في أ: من طريق يوسف بن الماجشون.

٤٦٢
مقتل عمار بن ياسر
عن مَوْلاةٍ لعمّار قالت: (( اشتكى عمار شكوى أرق منها فغُشي عليه ، فأفاق ونحنُ نبكي حوله ، فقال :
ما تبكون ؟ أتخشون أن أموت على فراشي ؟ أخبرني حبيبي ◌َ يثير أنه تقتلني الفئة الباغية ، وأن آخر أدمي من
الدنيا مذقة من لبن)) .
وقال أحمد(١): حدّثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا
رسول الله 18 ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة، وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتترب رأسه قال :
فحدثني أصحابي ولم أسمعه من رسول الله مَ لل أنه جعل ينفض رأسه ويقول: (( ويحك يابن سمية تقتلك
الفئة الباغية)). تفرد به أحمد، وما زاده الروافض(٢) في هذا الحديث بعد قوله ((الباغية)): لا أنالها والله
شفاعتي يوم القيامة، فهو كذب وبهت على رسول الله وَ لّ فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه صلوات الله عليه
وسلامه بتسمية الفريقين مسلمين ، كما سنورده قريباً إن شاء الله .
قال ابن جرير(٣) وقد ذكر أن عماراً لما قُتل قال علي لربيعة وهمدان : أنتم درعي ورمحي ، فانتدب له
نحو من اثني عشر ألفاً ، وتقدمهم علي ببغلته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد ، فلم يبق لأهل الشام
صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلي يقاتل ويقول(٤): [من الرجز ]
أَضْرِبُهم ولا أرى مُعاوية الجاحظَ العَيْنِ عَظيم الحاوية
قال : ثم دعى عليٍّ معاوية إلى أن يبارزه فأشار عليه عمرو بن العاص [ أن يبرز إليه ] فقال له معاوية:
إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل ( قط ) إلا قتله ، ولكنك طمعت فيها بعدي ، ثم قدم علي ابنه محمداً في
عصابة كثيرة ( من الناس ) ، فقاتلوه قتالاً شديداً ثم تبعه علي في عصابة أخرى ، فحمل بهم فقُتِلَ في هذا
الموطن خلقٌ كثير من الفريقين ( لا يعلمهم إلا الله ) وقتل من العراقيين خلق كثير أيضاً ، وطارت أكفّ
ومعاصمُ ورؤوسٌ عن كواهلها ، رحمهم الله . ثم حانت صلاة المغرب فما صلَّى بالناس إلَّ إيماءً صلاتي
العشاءِ واستمرّ القتال في هذه الليلة كلها وهي من أعظم الليالي شراً بين المسلمين ، وتسمى ( هذه الليلة )
ليلة الهرير ، وكانت ليلة الجمعة تقصفت [ فيها ] الرماح ونفدت النبال ، وصار الناس إلى السيوف ،
وعليٍّ رضي الله عنه يحرّضُ القبائل، ويتقدَّم إليهم يأمر بالصَّبْر والثبات(٥) وهو أمام الناس في قلب
الجيش ، وعلى الميمنة الأشتر [ النخعي ]، تولاها بعد قتل (٦) عبد الله بن بُدَيْل عشية الخميس ليلة
الجمعة - وعلى الميسرة ابن عباس ، والناس يقتتلون من كل جانب [ وذلك لما قتل عمار عرف أهل العراق
(١) مسند الإمام أحمد (٥/٣) وهو حديث صحيح .
في أ : وما رواه بعض الرواة في هذا الحديث ، وهو قوله : لا أنا لها الله .
(٢)
(٣)
تاريخ الطبري (٤١/٥) .
الأبيات في الطبري (٤٢/٥) وهو مع ثلاثة أشطر أخرى في هامشه منسوباً للأشتر عن كتاب صفين (٤٥٤).
(٤)
في أ : ويتقدم إليهم بالأمر بالثبات والصبر .
(٥)
(٦) في أ : مقتل .

٤٦٣
مقتل عمار بن ياسر
أن أهل الشام بغاة ليس معهم حق ] فذكر غير واحد من علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى
تقصفت(١)، وبالنبال حتى فنيت ، وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي والرمي
بالحجارة والتراب في الوجوه ، وتعاضُّوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا٢) ثم يجلسان يستريحان ،
وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا [ ولا يتمكن أحدهما الفرار من
الآخر ] فإنا لله وإنا إليه راجعون . ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك
وصلى الناس الصبح إيماءً وهم٣) في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق(٤) على أهل
الشام ، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة [ وكان من الشجعان الأبطال الذين يعرفون
الحروب ولا يهابون القتل ] ، فحمل بمن معه على أهل الشام وتبعه علي فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا
ينهزمون(٥) ، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح : وقالوا : هذا بيننا وبينكم قد فني الناس
فمن للثغور ؟ ومن لجهاد المشركين والكفار(٦)
وذكر ابن جرير(٧) وغيره من أهل التاريخ أن الذي أشار برفع المصاحف (٨) عمرو بن العاص ، وذلك
لما رأى أن أهل العراق قد ظهروا وانتصروا٩) في ذلك الموقف ، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الأمر
فإن كلاً من الفريقين صابر للآخر ، والناس يتفانون . فقال لمعاوية : إني قد رأيت أمراً لا يزيدنا هذه
الساعة إلا اجتماعاً ولا يزيدهم"(١) إلا فرقة ، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها ، فإن أجابوا كلهم
إلى ذلك برد القتال [ هذه الساعة] وإن اختلفوا فيما بينهم بأن يقول بعضهم نجيبهم وبعضهم(١)
لا نجيبهم ، فشلوا وذهب ريحهم .
وقال الإمام أحمد (١٢) ، حدَّثنا يعلى بن عبيد، عن عبد العزيز بن سياه ، عن حبيب بن أبي ثابت
قال :
(١)
في أ : تكسَّرت .
في أ : فكان يقتتل الرجلان حتى يثخنان ثم يجلسان .
(٢)
(٣)
في أ : واستمروا في القتال .
في أ : وتوجه لأهل العراق على الشام .
(٤)
في أ : فانقضت غالب صفوف أهل الشام ولم يبق إلا الهزيمة والكسر والفرار ... مكراً منهم بأهل العراق وخديعة .
(٥)
(٦)
في أ : والكافرين .
تاريخ الطبري (٤٨/٥) .
(٧)
في ط : بهذا هو .
(٨)
(٩) في ط : استظهروا .
(١٠) في أ : ولا يزيد أهل الشام إلا فرقة واختلافاً.
(١١) في ط : فمن قائل نجيبهم وقائل .
(١٢) مسند الإمام أحمد ( ٤٨٥/٣) وهو حديث صحيح .

٤٦٤
ذكر رفع أهل الشام المصاحف
أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم عليٌّ بالنهروان فيما استجابوا له وفيما
فارقوه ، وفيما استحلَّ قتالهم فقال : كنا بصفّين فلما استحرّ القتال بأهل الشام اعتصموا بتل فقال عمرو بن
العاص لمعاوية : أرسل إلى علي بمصحف فادعُهُ إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك [ الإجابة إلى كتاب الله ]
فجاء به رجل [ منهم ] فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْنَصِيبًا مِنَ الْكِتَبِ يُدْعَوْنَ إِلَ كِنَبٍ
اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ﴾ [ آل عمران: ٢٣ ] فقال علي: نعم! أنا أولى بذلك بيننا وبينكم
كتاب الله ، قال : فجاءته الخوارجُ ونحن ندعوهم يومئذ القُرّاء وسيوفهم على عواتقهم ، فقالوا : يا أمير
المؤمنين ، ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التلّ ألا نمشي إليهم بسيوفنا حتى يحكم الله بيننا وبينهم ؟
فتكلم سهل بن حُنيف فقال : يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبية - يعني(١) الصلح الذي
كان بين رسول الله وبين المشركين - ولو نرى قتالاً لقاتلنا، فجاء عمر إلى رسول الله، فقال: (يا رسول الله)
ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ [ قال: ((بلى)) ] وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه .
[ ذكر ] رفع أهل الشام المصاحف(٢)
فلما رُفعت المصاحفُ قال أهل العراق : نُجيب إلى كتاب الله ونُنيب إليه .
قال أبو مخنف(٣) : حدَّثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن علياً قال :
عباد الله أمضوا إلى حقّكم وصدقكم وقتال عدوكم ، فإنَّ معاويةَ وعمرو بن العاص وابنَ أبي مُعَيْط
وحبيب بن مسلمة وابن أبي سَرْح والضّحّاك بن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن ، أنا أعرف بهم منكم ،
صحبتهم أطفالاً ، وصحبتهم رجالاً ، فكانوا شرَّ أطفالٍ وشرَّ رجالٍ ، ويحكم والله إنهم ما رفعوها أنهم
يقرؤونها ولا يعملون بما فيها وما رفعوها إلا خديعة ودهاءً ومكيدة . [ ومكراً وتخذيلاً لكم وكسراً
لحدتكم وقتالكم ، ولم يبق إلا هزيمتهم وفرارهم ونصركم عليهم ] فقالوا له : ما يسعنا أن نُدعى إلى
كتاب الله فنأبى أن نقبله ، فقال لهم: ( إني ) إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عَصَوا الله فيما
أمرهم به ، وتركوا عهده ، ونبذوا [ أمره ] وكتابه . فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين
الطائي ثم السبائي في عصابة معهما من القُرّاء الذين صاروا بعد ذلك خوارج : يا علي أجب إلى كتاب الله
إذا دعيتَ إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان ، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله
فقتلناه ، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك . قال : فاحفظوا عني نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي ، أما أنا فإن
تطيعوني فقاتلوا ، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم ، قالوا : فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكفّ عن
القتال ، فبعث إليه علي ليكفَّ عن القتال .
في أ : يوم .
(١)
جاء هذا العنوان في هامش أبخط مغاير .
(٢)
●تاريخ الطبري ( ٤٨/٥) .
(٣)

٤٦٥
ذكر رفع أهل الشام المصاحف
وقد ذكر الهيثم بن عدي(١) في كتابه الذي صنَّفه في الخوارج فقال: قال ابن عباس: فحدَّثني(٢)
محمد بن المنتشر الهمداني ، عمن شهد صفين وعن ناس من رؤوس الخوارج ممن لا يتهم(٣) على
كذب :
أن عمار بن ياسر كره ذلك وأبى ، وقال في علي بعض ما أكره ذكره ، ثم قال : من رائح إلى الله قبل
أن يبتغي غير الله حكماً ؟ فحمل فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه . وكان ممن دعا إلى ذلك [ في ذلك اليوم
من ] سادات الشاميين عبد الله بن عمرو بن العاص قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة والكف وترك
القتال والائتمار بما في القرآن ، وذلك عن أمر معاوية له بذلك(٤) رضي الله عنهما، وكان ممن أشار على
علي بالقبول والدخول في ذلك الأشعث بن قيس الكندي رضي الله عنه .
فروى أبو مخنف (٥) من وجه آخر أن علياً لما بعث إلى الأشتر قال : قل له إنه ( ليس ) هذه ساعة
ينبغي أن ( لا ) تزيلني عن موقفي فيها ، إني قد رجوت أن يفتح الله علي ، فلا تعجلني ، فرجع الرسول
- وهو يزيد بن هانىء - إلى علي فأخبره عن الأشتر بما قال(٦)، وصمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة ،
فارتفع الهرج وعلت الأصوات فقال أولئك القوم لعلي : والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل ، فقال :
أرأيتموني ساررت الرسول(٧) ؟ ألم أبعثْ إليه جهرةً وأنتم تسمعون ؟ فقالوا : فابعث إليه فليأتك وإلا والله
اعتزلناك ، فقال : عليٍّ لزيد بن هانىء : ويحك ! قل له أقبل إلي ، فإن الفتنة قد وقعت ، فلما رجع إليه
يزيد بن هانىء فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه ( ينصرف عن القتال و) يقبل إليه ، جعل [ الأشتر ] يتململ(٨)
ويقول : ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر ولم يبق إلا القليل ؟ فقلت له : أيهما أحب إليك أن
تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان ؟ ثم ماذا يغني عنك نصرتك هاهنا ؟ قال : فأقبل الأشتر إلى
علي وترك القتال فقال :
يا أهل العراق ! يا أهل الذل والوهن(٩) أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف
(١) هو الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن ، البحتري ، الكوفي ، مختص بمجالس الخلفاء - وكتابه الخوارج مفقود -
ترجمته في كشف الظنون (٦ / ٥١١ ).
في أ : وحدثني . وفي النص خلافات كثيرة لا تخرج عن المعنى المراد ضربنا عنها صفحاً لكثرتها .
(٢)
في أ : لم يتهم .
(٣)
(٤)
في أ : في ذلك .
تاريخ الطبري ( ٤٩/٥) .
(٥)
في أ : فأخبره بما قال الأشتر .
(٦)
في ط : سارته .
(٧)
في أ : يتمثل .
(٨)
(٩) في أ : والدهب.

٤٦٦
ذكر رفع أهل الشام المصاحف
يدعونكم إلى ما فيها ، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها ، وسنة من أنزل عليه [ القرآن }١)، فلا
تجيبوهم ، ( أمهلوني ) فإني قد أحسست بالفتح ، قالوا : لا ! قال : أمهلوني عدوَ الفَرَسِ فإني قد
طمعت في النصر ، قالوا إذاً ندخل معك في خطيئتك ، ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى
إجابة أهل الشام بما حاصله : إن كان أول قتالكم هؤلاء حقاً فاستمروا عليه ، وإن كان باطلاً فاشهدوا
لقتلاكم بالنار ، فقالوا : دعنا منك فإنا لا نطيعك ولا صاحبك أبداً، ونحن قاتلنا هؤلاء في الله ، وتركنا
قتالهم الله ، فقال لهم الأشتر : خُدعتم والله فانخدعتم ، ودُعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم ، يا أصحاب
السوء كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقاً إلى لقاء الله ، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ،
يا أشباه النيب الجَلالة ما أنتم بربانيين بعدها . فابعدوا كما بعد القوم الظالمون . فسبّوه وسبَّهم فضربوا
وجه دابته بسياطهم ، وجرت بينهم أمور طويلة ، ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى
المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين ، فإن الناس تفانوا في هذه المدة ،
ولا سيما في هذه الثلاثة أيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير . كل من الجيشين فيه
من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله ، ولهذا٢) لم يفرّ أحدٌ عن أحد ، بل صبروا حتى قتل من
الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفاً : خمسة وأربعون ألفاً من أهل الشام ، وخمسة وعشرون ألفاً من
أهل العراق .
قاله غير واحد منهم [ محمد ] بن سيرين وسيف وغيره . وزاد أبو الحسن بن البراء - وكان في أهل
العراق - خمسة وعشرون بدرياً ، قال : وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفاً واختلفوا٣) في مدة المقام
بصفين ، فقال سيف : سبعة أشهر أو تسعة أشهر . وقال أبو الحسن بن البراء مئة [ يوم ] وعشرة أيام .
قلت : ومقتضى كلام أبي مخنف أنه كان من مستهلّ ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من
صفر وذلك سبعة وسبعون يوماً ، فالله سبحانه أعلم .
وقال الزُّهري : بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفساً . هذا كله ملخص من كلام ابن
جرير وابن الجوزي في المنتظم(٤)
وقد روى البيهقي (٥) : من طريق يعقوب بن سفيان ، عن أبي اليمان ، عن صفوان بن عمرو : كان
أهل الشام ستين ألفاً فقتل منهم عشرون ألفاً ، وكان أهل العراق مئة وعشرين ألفاً فقتل منهم أربعون ألفاً .
في أ : وسنة من أنزلت عليه .
(١)
في أ : التي كان آخرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهزيز ، وقد صبر كل من الجيشين للآخر صبراً لم ير مثله لما كان فيهم
(٢)
من الشجعان والأبطال مما ليس يوجد مثلهم في الدنيا ولهذا . .
(٣)
في ط : واختلفا .
المنتظم لابن الجوزي (١١٧/٥-١٢٣) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت -
(٤)
دلائل النبوة للبيهقي ( ٤١٩/٦).
(٥)

٤٦٧
ذكر رفع أهل الشام المصاحف
وحمل البيهقيّ هذه الوقعة على الحديث الذي أخرجاه في الصحيحين(١) ( من طريق عبد الرزاق ، عن
مَعْمر ، عن هَمّام بن منبِّه ) عن أبي هريرة .
ورواه البخاري (٢) ( من حديث شعيب، عن الزهري ، عن أبي سلمة ) عن أبي هريرة ، ( ومن
حديث شعيب ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج عن أبي هريرة) عن رسول الله وسلم أنه قال :
(( لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة)).
ورواه مجالد عن أبي الحواري عن أبي سعيد مرفوعاً مثله(٣) .
ورواه الثوري عن ابن جدعان عن أبي نضرة عن أبي سعيد. قال: قال رسول الله وَليقول: ((لا تقوم
الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما٤) واحدة فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى
الطائفتين بالحق )).
وقد تقدم ما رواه الإمام أحمد(٥) عن مهدي وإسحاق عن سفيان عن منصور عن ربعي بن حِراش عن
البراء بن ناجية الكاهلي عن ابن مسعود. قال: قال رسول الله وَاليه :
((إن رحى الإسلام ستزول لخمس وثلاثين أو ست وثلاثين ، فإن يهلكوا فسبيل(٦) من هلك ، وإن
يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاماً)) فقال عمر: يا رسول الله أممًا مضى أم مما بقي؟ قال: (( بلى مما
بقي )) .
وقد رواه إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتاب جمعه في (( سيرة علي)) [ رواه عن إبراهيم ] عن
أبي نعيم الفضل بن دكين عن شريك عن منصور به مثله .
وقال أيضاً : حدَّثنا أبو نعيم ، حدَّثنا شريك بن عبد الله النخعي ، عن مجالد ، عن عامر الشعبي ،
عن مسروق، عن عبد الله. قال: قال لنا رسول الله اَليم:
((إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة فإن يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا ( الدنيا ) سبعين
عاماً رغداً ، وإن يقتتلوا يركبوا سنن منْ كان قبلهم؟)).
(١) صحيح البخاري (٣٦٠٩) في المناقب، وصحيح مسلم (٢٢١٤) (١٧ ) في الفتن.
(٢)
صحيح البخاري ( ٣٦٠٨) في المناقب ومن الطريق التي تليها (٧١٢١) في الفتن .
(٣)
مسند الإمام أحمد ( ٣٢/٣ و٤٨) وصحيح مسلم (١٠٦٤) (١٥٠) في الزكاة.
(٤)
في أ : دعواهما .
(٥)
مسند الإمام أحمد (٣٩٥/١).
في المسند : فكسبيل .
(٦)

٤٦٨
ذكر رفع أهل الشام المصاحف
وقال ابن ديزيل : حدَّثنا عبد الله بن عمر، حدَّثنا عبد الله بن خراش الشيباني ، عن العَوّام بن
حَوْشَب، عن إبراهيم التيمي(١). قال قال رسول الله ◌ِّ :
(( تدور رحى الإسلام عند قتل رجل من بني أمية )) - يعني عثمان رضي الله عنه - .
وقال أيضاً : حدَّثنا الحكم عن نافع عن صفوان بن عمرو عن الأشياخ :
أن رسول الله وَّله دعي إلى جنازة رجل من الأنصار فقال - وهو قاعد ينتظرها - ((كيف أنتم إذا رأيتم
خليفتين(٢) في الإسلام؟)) قال أبو بكر(٣) : أو يكون ذلك في أمة إلَهها واحد ونبيها واحد ؟ قال:
((نعم))! قال: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: ((لا!)) قال عمر : أفأدرك ذلك يا رسول الله ؟ قال:
((لا!)) قال عثمان: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: (( نعم ! بك ينشبون الحرب)(٤) وقال أيضاً
عمر [ بن الخطاب ] لابن عباس : كيف يختلفون وإلّههم واحد وكتابهم واحد وملتهم(٥) واحدة ؟ فقال :
إنه سيجيء قوم لا يفهمون القرآن كما نفهمه(٦) ، فيختلفون فيه فإذا اختلفوا فيه اقتتلوا . فأقرّ عمر بن
الخطاب بذلك .
وقال أيضاً: حدَّثنا أبو نعيم ، حدَّثنا سعيد بن عبد الرحمن - أخو أبي حمزة - حدَّثنا محمد بن سيرين
قال :
لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم : لا ينتطح في قتله عنزال(٧) فلما كان يوم صفين فقئت عينه فقيل :
لا ينتطح في قتله عنزال(٨) ، فقال : بلى وتُفقأ عيون كثيرة .
وروي عن كعب الأحبار أنه مر بصفين فرأى حجارتها فقال : لقد اقتتل في هذا الموضع بنو إسرائيل
تسع مرات ، وإن العرب ستقتتل فيها العاشرة ، حتى يتقاذفوا بالحجارة التي تقاذف بها٩) بنو إسرائيل
ويتفانوا كما تفانوا .
في الأصل والمطبوع : التميمي ، وهو خطأ ، صوابه : التيمي .
(١)
في ط : إذا راعيتم جيلين .
(٢)
(٣)
في أ : قالوا .
في ط : يفتنون وقال .
(٤)
(٥)
في أ : وقبلتهم .
(٦)
في أ : نفهم .
هذا المثل في معجم الأمثال العربية لرياض مراد ( نطح - عنز) وفيه المصادر القديمة التالية: الفاخر ( ٣١٢)
(٧)
ومجمع الأمثال (٢٢٥/٢) وجمهرة الأمثال (٣٧٦/٢ و٤٠٣) والمستقصى (٢٧٧/٢).
في أ : فقيل له ينتطح في قتله عنزان قال . .
(٨)
في ط : فيها .
(٩)

قصة التحكيم
٤٦٩
وقد ثبت في الحديث (١) أن رسول الله وَ لي قال: ((سألت ربي أن لا يهلك أمتي بسنة عامة فأعطانيها،
وسألته أن لا يسلط عليهم عدواً من غيرهمُ(٢) فيستبيح بيضتهم فأعطانيها ، وسألته أن لا يسلط بعضهم على
بعض فمنعنيها)) .
ذكرنا ذلك(٣) عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ يَلْسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ [الأنعام: ٦٥] قال
رسول الله : هذا أهون .
(٤)
قصة التحكيم(٤)
ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم ، وهو أن يحكّم كل واحد من
الأميرين - علي ومعاوية - رجلاً من جهته . ثم يتفق الحكمان على ما فيه المصلحة للمسلمين . فوكّل
معاوية عمرو بن العاص ، وأراد عليّ أن يوكل عبد الله عباس - وليته فعل - ولكنه منعه القُرّاء [ الخوارج ]
ممن ذكرنا وقالوا : لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري .
وذكر الهيثم بن عدي(٥) في كتاب (( الخوارج)): أنَّ أولَ من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن
قيس ، وتابعه أهل اليمن ، ووصفوه أنه كان ينهى الناس عن الفتنة والقتال ، وكان أبو موسى قد اعتزل في
بعض أرض الحجار . قال علي : فإني أجعل الأشتر حكماً ، فقالوا : وهل سعر الحرب وسعر الأرض إلا
الأشتر ؟ قال : فاصنعوا ما شئتم ، فقال الأحنف لعلي : والله لقد رميت بحجر ، إنه لا يصلح لهؤلاء القوم
إلا رجل منهم ، يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ، ويبتعد حتى (٦) يصير بمنزلة النجم ، فإن أبيت أن
تجعلني حكماً فاجعلني ثانياً أو ثالثاً ، فإنه لن يعقد عقدة إلا أحلها١) ، ولا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت
لك أخرى مثلها أو أحكم منها . قال : فأبوا إلا أبا موسى الأشعري فذهبت الرسل إلى أبي موسى
الأشعري - وكان قد اعتزل ــ فلما قيل له إن الناس قد اصطلحوا قال : الحمد لله ، قيل له : وقد جُعلت
حكماً ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم أخذوه حتى أحضروه إلى علي رضي الله عنه وكتبوا بينهم كتاباً
هذه صورته(٨)
٠
(١) الحديث رواه سعد بن أبي وقاص وأخرجه أحمد في المسند (١/ ١٨١-١٨٢) ومسلم فى صحيحه (٢٨٩٠)
(٢٠) في الفتن .
(٢)
في ط : من سواهم .
تفسير ابن كثير ( ٢/ ١٤١ ).
(٣)
(٤) العنوان ساقط من أومكانه فيها : قال .
(٥)
في أ : الهيثم بن علي ؛ خطأ .
في أ : رجل يدنو منهم حتى يصير في أكفهم ويبعد عنهم حتى .
(٦)
في أ : إلا حللتها .
(٧)
(٨) صورة الكتاب في تاريخ الطبري (٥٣/٥-٥٤).

٤٧٠
قصة التحكيم
بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما قاضى(١) عليه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين ، فقال عمرو بن
العاص : اكتب اسمه واسم أبيه ، هو أميركم وليس بأميرنا ، فقال الأحنف : لا تكتب إلا أمير المؤمنين ،
فقال علي : امح أمير المؤمنين(٢) واكتب هذا ما قاضى عليه علي بن أبي طالب ثم استشهد علي بقصة(٣)
الحديبية حين امتنع أهل مكة [ من قوله ] (( هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله)) فامتنع المشركون من ذلك
وقالوا : اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ، فكتب الكاتب : هذا ما تقاضى عليه علي بن
أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان ، قاضى عليّ على أهل العراق ومنْ معهم من شيعتهم والمسلمين ،
وقاضى معاوية على أهل الشام ومنْ كان معه من المؤمنين والمسلمين ، إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ونحيي
ما أحيى الله عزَّ وجلَّ ، ونميت ما أمات الله ، فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى الأشعري
وعمرو بن العاص - عملا به، وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة(٤) .
ثم أخذ الحكمان من علي ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما٥) آمنان على أنفسهما
وأهلهما ، والأمة لهما أنصار على الذي يتقاضيان عليه (٦) ، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين
كليهما عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة ، وأجَّلا القضاء إلى رمضان ، وإن أحبّا أن يؤخِّرا
ذلك على تراضٍ منهما ، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين ، على أن
يوافي علي ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان ، ومع كل واحد من الحكمين أربعمئة من
أصحابه ، فإن لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح ، وقد ذكر الهيثم [ بن عدي ] في كتابه في
الخوارج أنَّ الأشعث بن قيس لما ذهب إلى معاوية بالكتاب وفيه : هذا ما قاضى عبد الله علي أمير
المؤمنين ومعاوية بن أبي سفيان .
قال معاوية : لو كان أمير المؤمنين لم أقاتله ، ولكن ليكتب اسمه ، وليبدأ به قبل اسمي لفضله
وسابقته ، فرجع إلى علي فكتب كما قال معاوية .
وذكر الهيثم : أن أهل الشام أبوا أن يبدؤو(٧) باسم علي قبل معاوية ، وباسم أهل العراق قبلهم ،
حتى كُتب كتابان ، كتاب لهؤلاء فيه تقديم معاوية على علي ، وكتاب ( آخر لأهل العراق بتقديم اسم علي
(١)
في أ : تقاضي .
(٢)
في أ : امحه واكتب .
في أ : بقضية .
(٣)
في أ : المفرقة .
(٤)
في أ : ومن الجندين العهود والمواثيق على أنهما .
(٥)
في أ : لهما أنصاراً على الذي يتقاضيان عليه ويتفقان .
(٦)
في ط : يبدأ .
(٧)

٤٧١
قصة التحكيم
وأهل العراق على معاوية وأهل الشام(١) وهذه تسمية من شهد على هذا التحكيم(٢) من جيش علي :
عبد الله بن عباس ، والأشعث بن قيس الكندي ، وسعيد(٣) بن قيس الهمداني ، وعبد الله بن الطفيل
( المعافري )، وحجر بن عدي(٤) الكندي ، وورقاء بن سمي العجلي ، وعبد الله بن بلال العجلي ،
وعقبة بن زياد الأنصاري ، ويزيد بن جحفة التميمي ، ومالك بن كعب الهمداني ، فهؤلاء عشرة .
وأما من الشاميين فعشرة آخرون ، وهم : أبو الأعور السُّلمي ، وحبيب بن مسلمة ، وعبد الرحمن بن خالد
العدوي ، وعلقمة بن يزيد الحضرمي ، وحمزة
ابن الوليد ، ومخارق بن الحارث الزبيدي ، ووائل بن علقمة،
ابن مالك الهمداني ، وسُبيعُ(٦) بن يزيد الحضرمي ، وعتبة بن أبي سفيان أخو معاوية ، ويزيد بن الحُرّ العبسي .
وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب يقرؤه على الناس ويعرضه على الطائفتين . ثم شرع الناس في
دفن قتلاهم .
قال الزُّهري : بلغني أنه كان يدفن(٧) في كل قبر خمسون نفساً ، وكان علي قد أسر جماعة من أهل
الشام ، فلما أراد الانصراف [ عن صفين ] أطلقهم ، وكان مثلهم أو قريباً منهم [ قد أسرهم أهل الشام ]
وكان معاوية قد عزمُ(٨) على قتلهم لظنه أنه(٩) قد قتل أسراهم ، فلما جاءه أولئك الذين أطلقهمُ(١) أطلق
معاوية الذين في يده ، ويقال إن رجلاً يقال له عمرو بن أوس - من الأزد - كان من الأسارى فأراد معاوية
قتله فقال : امنن علي فإنك خالي ، فقال له : ويحك ! من أين أنا خالك ؟ فقال : إن أم حبيبة زوجة
رسول الله ◌َّه وهي أم المؤمنين وأنا ابنها وأنت أخوها فأنت خالي ، فأعجب ذلك معاوية وأطلقه .
وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وذكر أهل صفين - فقال : كانوا عرباً يعرف بعضهم بعضاً في
الجاهلية فالتقوا في الإسلام معهم على(١١) الحمية وسنة الإسلام ، فتصابروا واستحيوا من الفرار ، وكانوا
إذا احتجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء ، ( وهؤلاء في عسكر هؤلاء ) فيستخرجون قتلاهم فيدفنوهم
وقال الشعبي : هم أهل الجنة ، لقي بعضهم بعضاً فلم يفر أحد من أحد .
(١) مكان القوسين في أ: لهؤلاء بما أرادوا .
(٢)
في أ : الكتاب والتحكيم .
في أ : وسعد ؛ وما هنا موافق للطبري .
(٣)
(٤)
في ط : يزيد ؛ خطأ .
في أ : بن عمر ؛ وهذا الاسم غير موجود في الطبري .
(٥)
في أ : وشبيبة ؛ خطأ وما هنا موافق للطبري .
(٦)
(٧)
في ط : أنه دفن في .
في ط : قريب منهم في يد معاية وكان قد عزم على قتلهم .
(٨)
في أ : لظنه أن علياً .
(٩)
(١٠) في أ : أطلقهم علي .
(١١) في أ : بتلك الحمية ونهية الإسلام .

٤٧٢
ذكر خروج الخوارج
[ ذكر ] خروج الخوارج
وذلك أن الأشعث بن قيس مزّ على ملأ من بني تميم فقرأ عليهم الكتاب فقام إليه عروة بن أذينة وهي
أمه وهو عروة بن جرير من بني ربيعة بن حنظلة وهو أخو أبي بلال ( بن ) مرداس بن جرير فقال :
أتحكمون في دين الله الرجال ؟ ثم ضرب بسيفه عجزَ دابة الأشعث بن قيس ، فغضب الأشعث وقومه ،
وجاء الأحنف بن قيس وجماعة من رؤسائهم(١) يعتذرون إلى الأشعث ( بن قيس ) من ذلك ، قال
الهيثم بن عدي : والخوارج يزعمون أن أول من حكم عبد الله بن وهب الراسبي .
( قلت ): والصحيح الأول وقد أخذ هذه الكلمة من هذا الرجل(٢) طوائف من أصحاب علي من
القراء وقالوا : لا حكم إلا لله، فسُمُّوا المُحكَّمية . وتفرَّق الناسُ إلى بلادهم من صفين . وخرج معاوية
إلى دمشق بأصحابه، ورجع علي إلى الكوفة على طريق هيت فلما دخل الكوفة (٣) سمع رجلاً يقول: ذهب
علي ورجع في غير شيء . فقال علي: لَلَّذين فارقناهم [ آنفاً ] خيرٌ من هؤلاء، وأنشأ يقول(٤): [ من
الطويل ]
أخوك الّذي إنْ أحْرَجَتْك(٥) مُلِمَّةٌ مِنَ الدَّهْرِ لم يَبْرح لبثَّك راحماً)
عليك أمور(٧) ظلَّ يلحاكَ لائما
وليس أخوك بالذي إن تَشَعَّبَتْ
ثم مضى فجعل يذكر الله حتى دخل قصر الإمارة من الكوفة ، ولما كان قد قارب دخول الكوفة
اعتزل(٨) من جيشه قريبٌ من - اثني عشر ألفاً - وهم الخوارج، وأبوا أن يساكنوه في بلده ، ونزلو(٩)
بمكان يقال له حروراء وأنكروا عليه أشياء فيما يزعمون ( أنه ) ارتكبها ، فبعث إليهم عليٍّ رضي الله عنه
عبدَ الله بن عباس فناظرهم فرجع اكثرُهم وبقي بقيتهم ، فقاتلهم عليٍّ بن أبي طالب وأصحابه كما سيأتي
بيانه ( وتفصيله ) قريباً إن شاء الله تعالى .
والمقصود أن هؤلاء الخوارج ( هم) المشار إليهم في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله وعليه :
في أ : من رؤساء بني تميم .
(١)
(٢)
في أ : عن الرجل .
في أ : من صفين فرجع علي إلى الكوفة على طريق هيت ورجع معاوية إلى الشام بأصحابه فلما دخل علي الكوفة ..
(٣)
(٤)
البيتان في تاريخ الطبري (٦٣/٥).
(٥)
في أ : أجر ستك .
في الطبري : واجماً .
(٦)
في أ : وليس أخاً لك بالذي قد تشعبت عليك الأمور .
(٧)
في أ : انخزل .
(٨)
في أ : فنزلوا .
(٩)

٤٧٣
ذكر خروج الخوارج
(( قال تمرقُ مارقةٌ على حين فرقة من الناس - وفي رواية من المسلمين ، وفي رواية من أمتي - فيقتلها أولى
الطائفتين)(١) . وهذا الحديث له طرق متعددة وألفاظ كثيرة .
قال الإمام أحمد (٢): حدَّثنا وكيع وعفان (٣) حدَّثنا القاسم بن الفضل ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد
قال: قال رسول الله وَير: ((تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق)) ورواه
مسلم(٤) عن شيبان بن فَرُوخ ، عن القاسم بن الفضل(٥)، به.
وقال أحمد(٦): حدّثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، عن
رسول الله عَ ل :
(( تكون أمتي فرقتين تخرج بينهما مارقة تلي قتلها أولاهما )) .
ورواه مسلم(٧) من حديث قتادة وداود(٨) بن أبي هند عن أبي نضرة به .
وقال أحمد(٩): حدَّثنا ابن أبي عدي ، عن سليمان ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد : أن
رسول الله وَ لي ذكر قوماً يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق: (( هم شر الخلق
- أو من شر الخلق - يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق)) . قال أبو سعيد : فأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.
وقال أحمد(١٠): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا عوف (١١) ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد
(الخدري). قال قال رسول الله وَل :
((تفترق أمتي فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها١٢) أولى الطائفتين بالحق)) ورواه [ أيضاً ] عن يحيى
القطان عن عوف (١٣) الأعرابي به مثله .
(١) في أ : وفي رواية : أولى طائفتين بالحق .
(٢) مسند الإمام أحمد ( ٣٢/٣ و٩٧).
(٣) في ط : وعفان بن القاسم بن الفضل ؛ خطأ . وما هنا عن (أ) والمسند.
صحيح مسلم ( ١٠٦٥) (١٥٠) في الزكاة .
(٤)
في ط: ((محمد)) خطأ، وما هنا يعضده ما في صحيح مسلم، ولا نعرف لشيبان بن فروخ رواية عن رجل اسمه
(٥)
(٦)
القاسم بن محمد ، وروايته عن القاسم بن الفضل الحداني ثابتة في تهذيب الكمال (١٢ / ٥٩٩).
مسند الإمام أحمد ( ٤٥/٣) وفي سنده: حدَّثنا بهز، حدَّثنا أبو عوانة. وفي متنه: أولاهما بالحق.
(٧)
صحيح مسلم ( ١٠٦٥) (١٥١ و١٥٢) في الزكاة .
(٨) في أ : عن قتادة عن داود بن أبي هند ؛ خطأ ، بل هما طريقان عند مسلم ذكرناهما آنفاً .
(٩) مسند الإمام أحمد ( ٥/٣) وأخرجه مسلم رقم (١٠٦٥).
(١٠) مسند الإمام أحمد (٧٩/٣) وهو حديث صحيح .
(١١) في أ: عون ؛ تحريف.
(١٢) في أ: فتقتلها ، وما هنا كالمسند .
(١٣) في أ: عون، تحريف ، وإنما هو عوف بن أبي جميلة العبدي ، المعروف بالأعرابي. من رجال التهذيب .

٤٧٤
ذكر خروج الخوارج
فهذه طرق متعددة عن أبي نضرة المنذر بن مالك بن قُطَعَة العبدي ، وهو أحد الثقات الرفعاء .
ورواه مسلم(١) أيضاً من حديث سفيان الثوري ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن الضحاك المشرقيِّ ،
عن أبي سعيد بنحوه .
فهذا الحديث من دلائل النبوة ، إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به عليه الصلاة والسلام ، وفيه الحُكْمُ
بإسلام الطائفتين أهل الشام وأهل العراق ، لا كما تزعمه(٢) فرقة الرافضة والجهلة الطعام(٣) ، من
تكفيرهم أهل الشام ، وفيه أن أصحاب علي أدنى الطائفتين إلى الحق ، وهذا هو مذهب أهل السنة
والجماعة أن علياً هو المصيب وإن كان معاوية مجتهداً [ في قتاله له وقد أخطأ فهو ] مأجور إن شاء الله،
ولكن علي هو الإمام [ المصيب ] فله أجران [ إن شاء الله تعالى ] كما ثبت في صحيح البخاري (٤) ( من
حديث عمرو بن العاص أن رسول الله وَ ل* قال: ) ((إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ
فله أجر)) وسيأتي بيان كيفية قتال ( علي رضي الله عنه ) للخوارج ، وصفة المخدج الذي أخبر عنه عليه
السلام فوجد كما أخبر ففرح بذلك علي رضي الله عنه وسجد شكراً لله عزَّ وجلَّ(٥) .
فصل
قد تقدم أن علياً رضي الله عنه لما رجع من الشام بعد وقعة صفين ، ذهب إلى الكوفة ، فلما دخلها
انعزل(٦) عنه طائفة من جيشه ، قيل ستة عشر ألفاً وقيل اثني عشر ألفاً ، وقيل أقل من ذلك ، فباينوه
وخرجوا عليه وأنكروا [ عليه ] أشياء ، فبعث إليهم ( عبد الله ) بن عباس فناظرهم فيها ورد عليهم
ما توهموه شبهة ، ولم يكن له حقيقة ( في نفس الأمر ) ، فرجع بعضهم واستمر بعضهم على ضلالهم(٧)
حتى كان منهم ما سنورده قريباً [ إن شاء الله ]، ويقال إن علياً رضي الله عنه ذهب إليهم فناظرهم ( فيما
نقموا عليه ) حتى استرجعهم عما كانوا عليه ، ودخلوا معه الكوفة ، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه
وتعاهدو(٨) فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والقيام على الناس في ذلك ثم
تحيزوا إلى موضع يقال له النهروان ، وهناك قاتلهم(٩) علي كما سيأتي .
صحيح مسلم ( ١٠٦٥) (١٥٣) في الزكاة .
(١)
(٢)
في أ : تزعمه .
في أ : أهل الجهل والجور .
(٣)
صحيح البخاري (٧٣٥٢) في الاعتصام ، وأوله : إذا حكم الحاكم فاجتهد . .
(٤)
(٥)
في ط : للشكر .
(٦)
في أ : اعتزله .
في أ : على ضلالة .
(٧)
في أ : عادوا فنكثوا ما عاهدوه عليه وتعاقدوا .
(٨)
(٩) في أ : ثم تحيزوا لناحية إلى مكان يقال له النهروان وفيه قاتلهم .

٤٧٥
ذكر خروج الخوارج
قال الإمام أحمد(١): حدَّثنا إسحاق بن عيسى الطّباع، حدَّثني يحيى بن سليم ، عن عبد الله بن
عثمان بن خثيم ، عن عبيد الله(٢) بن عياض بن عمرو القارىء قال : جاء عبد الله بن شدَّاد فدخل على
عائشة ونحن عندها مرجعه من العراق ليالي قُتل(٣) علي ، فقالت : له يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي
عما أسألك عنه؟ حدِّثني(٤) عن هؤلاء القوم الذي قتلهم علي ، فقال : وما لي لا أصدقك ؟ قالت :
فحدثني عن قصتهم ، قال : فإن علياً لما كاتب معاوية وحكَّم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قُراء
الناس فنزلوا بأرضٍ يقال لها حروراء من جانب الكوفة ، وأنهم عتبوا عليه فقالوا : انسلخت من قميصٍ
ألبَسَكُهُ اللهُ، واسمٍ سمّاك له اللهُ ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا الله ، فلما أن بلغ علياً ما عتبوا
عليه وفارقوه عليه ، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين (رجل ) إلا رجلاً قد حمل القرآن ،
فلما ( أن ) امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظیم فوضعه بین یدیه فجعل یصکه بيده
ويقول : أيها المصحفّ حدث الناس فناداه الناس ( فقالوا ) يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في
ورق ، ونحن نتكلم بما روينا منه ، فماذا تريد ؟ قال : أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب
الله، يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل: ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِمَا فَأَبْعَثُواْ حَكَمَا مِّنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمًا مِّنْ
أَهْلِهَاْ إِن يُرِيدَآ إِصْلَحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء: ٣٥] فأمة محمد بَ لّ أعظم دماً وحرمة من امرأة ورجل ،
ونقموا عليَّ أن كاتبت معاوية كتبت علي بن أبي طالب ، و(قد ) جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع
رسول الله ◌َله بالحديبية حين صالح قومه قريشاً فكتب رسول الله وَل بسم الله الرحمن الرحيم، فقال
سهيل : لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، قال : كيف تكتب ؟ قال : أكتب باسمك اللهم ! فقال
رسول الله وَالر: ((اكتب)) فكتب، فقال: ((اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله)) فقال: لو أعلم
أنك رسول الله لم أخالفك ، فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشاً ، يقول الله تعالى في
كتابه: ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةُ حَسَنَّهُ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْاللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾ [ الأحزاب: ٢١] فبعث إليهم
عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطت عسكرهم فقام ابن الكوا فخطب الناس فقال يا حملة
القرآن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرفه ، هذا
ممن نزل فيه وفي قومه ﴿بَلَّ هُمْ قَوْمُ خَصِمُونَ﴾ [ الزخرف: ٥٨ ] فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله ،
فقال بعضهم : والله لنواضعنه فإن جاء بحق نعرفه لنتبعنه وإن جاء بباطل لنكبتنه بباطله ، فواضعوا عبد الله
الكتاب ثلاثة أيام ، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب ، منهم ابن الكوا ، حتى أدخلهم على عليّ
(١) مسند أحمد (٨٦/١).
في أ ، ط : عبد : خطأ .
(٢)
(٣)
في أ ، ط : قبل ، تحريف .
(٤) في ط : فحدثني .

٤٧٦
ذكر خروج الخوارج
الكوفة ، فبعث علي إلى بقيتهم فقال : قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم ، فقفوا حيث شئتم حتى
تجتمع أمة محمد صلّ بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دماً حراماً أو تقطعوا سبيلاً أو تظلموا(١) ذمة فإنّكم إن فعلتم
فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَيِنِينَ﴾ [ الأنفال: ٥٨ ] فقالت له عائشة: يا بن شداد
فقتلهم فقالوا والله ما بعثت إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء واستحلوا أهل الذمة ، فقالت الله ،
قال : الله الذي لا إله إلا هو قد كان ذلك، قالت: فما شيء بلغني(٢) عن أهل العراق يقولون ذو الثدي
وذو الثدية ؟ قال : قد رأيته وكنت مع علي في القتلى (٣) فدعا الناس فقال : أتعرفون هذا؟ فما أكثر من
جاء يقول : قد رأيته في مسجد بني فلان [ يصلي ويقرأ ] ورأيته في مسجد بني فلان يصلي ولم يأتوا فيه
بثبت يعرف إلا ذلك . قالت : فما قول علي حين قام عليه كما يزعم أهل العراق ؟ قال سمعته يقول صدق
الله ورسوله قالت : هل سمعت منه أنه قال غير ذلك ؟ قال : اللهم لا ! قالت أجل ! صدق الله ورسوله ،
يرحم الله علياً إنه كان لا يرى شيئاً يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله ، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه
ويزيدون عليه في الحديث .
تفرد به أحمد وإسناده صحيح ، واختاره الضياء ، ففي هذا السياق ما يقتضي أن عدتهم كانت (٤)
ثمانية آلاف ، لكن من القُرّاء ، وقد يكون واطأهم على مذهبهم آخرون من غيرهم حتى بلغوا اثني
عشر ألفاً ، أو ستة عشر ألفاً . ولمّا ناظرهم ابن عباس رجع منهم أربعة آلاف وبقي بقيتهم على ما هم
عليه .
وقد رواه يعقوب بن سفيان ، عن موسى بن مسعود ، عن عكرمة بن عمار ، عن سماك أبي(٥) زميل،
عن ابن عباس فذكر القصة وأنهم عتبوا عليه في كونه حكَّم الرجال ، وأنه محا اسمه من الإمرة ، وأنه غزا
يوم الجمل فقتل الأنفس الحرام ولم يقسم الأموال والسبي ، فأجاب عن الأولين بما تقدم ، وعن الثالث
بأن قال : قد كان في السبي أم المؤمنين [ عائشة ] فإن قلتم ليست لكم بأم فقد كفرتم ، وإن استحللتم
سبي أمكم(٦) فقد كفرتم . قال : فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فتقاتلوا . وذكر غيره أن ابن عباس لبس
حلة لما دخل(٧) عليهم، فناظروه في لبسه إياها، فاحتج بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِىِّ أَخْرَجَ
لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية.
(١) في أ : ولا تظلموا .
(٢) في أ : فإنني بلغني.
في مسند أحمد : وقمت مع علي عليه في القتلى .
(٣)
(٤)
في ط : كانوا .
في أ: (( سماك بن زميل)». خطأ، فهو أبو زميل سماك بن الوليد الحنفي ، من رجال التهذيب.
(٥)
(٦)
في ط : أمهاتكم .
(٧) في أ : لما خرج إليهم .

٤٧٧
اجتماع الحكمين بدومة الجندل
وذكر ابن جرير (١) : أن علياً خرج بنفسه إلى بقيتهم فلم يزل يناظرهم حتى رجعوا معه إلى الكوفة
وذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى شك الراوي في ذلك ، ثم جعلوا يعرضون (٢) له في الكلام ويسمعونه
شتماً ويتأولون بتأويل في أقواله(٣).
قال الشافعي رحمه الله: قال رجل من الخوارج لعلي وهو في الصلاة: ﴿ لَبِنْ أَشْرَّكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ
وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [ الزمر: ٦٥ ] فقرأ علي: ﴿فَأَصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾
[ الروم : ٦٠ ] .
وقد ذكر ابن جرير(٤) أن هذا [ الكلام إنما قاله ] وعلي في الخطبة [ لا في الصلاة ] . وذكر ابن جرير
أيضاً أن علياً بينما هو يخطب يوماً إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال : يا علي أشركت في دين الله الرجال
ولا حكم إلَّ لله، فتنادوا من كل جانب لا حكم إلَّ لله، لا حكم إلّ لله، فجعل علي يقول: هذه كلمة
حق يراد(٥) بها باطل ، ثم قال : إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئاً ما دامت أيديكم معنا ، وأن لا نمنعكم
مساجد الله ، وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدؤونا ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة وتحيزوا إلى النهروان
على ما سنذكره بعد حكم الحكمين .
اجتماع الحكمين أبي موسى(٦) وعمرو بن العاص
بدومة الجندل
و[ كان ] ذلك في شهر رمضان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين، وقال الواقدي (٧):
اجتمعوا في شعبان . وذلك أن علياً رضي الله عنه لما كان مجيء رمضان بعث أربعمئة فارس مع شريح بن
هانىء ، ومعهم أبو موسى ، وعبد الله بن عباس ، وإليه الصلاة ، وبعث معاوية عمرو بن العاص في
أربعمئة فارس من أهل الشام ومنهم عبد الله بن عمرو(٨) ، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح ـ وهي نصف
[ المسافة ] بين الكوفة والشام، بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل - وشهد [ ذلك ] معهم جماعة من
رؤوس الناس ، كعبد الله بن عمر [ بن الخطاب ]، وعبد الله بن الزبير ، والمغيرة بن شعبة ،
(١) تاريخ الطبري (٧٢/٥).
في أ : ثم جعلوا بعد ذلك يعرضون له .
(٢)
(٣)
في ط : قوله .
(٤)
تاريخ الطبري ( ٧٣/٥ ) .
في أ : أريد ، وفي تاريخ الطبري : يلتمس .
(٥)
في أ : صفة اجتماع الحكمين وهما أبو موسى الأشعري .
(٦)
تاريخ الطبري ( ٥/ ٧١ ) .
(٧)
(٨) في ط : بن عمر ؛ خطأ .

٤٧٨
اجتماع الحكمين بدومة الجندل
وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبي جهم بن
حذيفة . وزعم بعض الناس أن سعد بن أبي وقاص شهدهم ( أيضاً ) ، وأنكر حضوره آخرون .
وقد ذكر ابن جرير (١) : أن عمر بن سعد خرج إلى أبيه وهو على ماءٍ لبني سليم بالبادية معتزل ؛ فقال
يا أبة : قد بلغك ما كان من الناس بصفين ، وقد حكم الناس أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص ، وقد
شهدهم نفر من قريش ، فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله وم لير وأحد أصحاب الشورى ولم تدخل في شيء
كرهته هذه الأمة فاحضر إنك أحق الناس بالخلافة . فقال : لا أفعل! إني سمعت رسول الله وسلم يقول:
((إنه ستكون فتنة خير الناس فيها الخفي التقي)) والله لا أشهد شيئاً من هذا الأمر أبداً.
وقد قال الإمام أحمد(٢) : حدَّثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد ، حدَّثنا بكير(٣) بن
مسمار ، عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجاً من المدينة فلما رآه سعد قال :
أعوذ بالله من شر هذا الراكب ، فلما أتاه حدَّثنا : يا أبة أرضيت أن تكون أعرابياً في غنمك والناس
يتنازعون في الملك بالمدينة ؟ فضرب سعد صدر عمر وقال: اسكت فإني سمعت رسول الله وَل يقول:
((إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي)).
وهكذا رواه مسلم في صحيحه ( ٤)
وقال أحمد(٥) ( أيضاً): حدَّثنا عبد الملك بن عمرو، حدَّثنا كثير بن زيد الأسلمي ، عن المطلب ،
عن عمر بن سعد ، عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: يا أبة: الناس يتقاتلون(٦) على الدنيا وأنت هاهنا(٧)
؟ فقال : يا بني أفي الفتنة تأمرني أن أكون رأساً ؟ لا والله حتى أعطى سيفاً إن ضربت به مؤمناً نبا عنه وإن
ضربت به كافراً قتله، سمعت رسول الله وَلَه يقول: ((إن الله يحب الغني الخفي التقي)). وهذا السياق
كان عكس الأول ، والظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم
لعلهم يعدلون عن معاوية وعلي ويولونه ؛ فامتنع سعد من ذلك وأباه أشد الإباء ، وقنع بما هو فيه من
الكفاية والخفاء، كما ثبت في صحيح مسلم(٨) أن رسول الله وَ لي قال: (( قد أفلح من أسلم ورزق كفافا
وقنعه الله بما آتاه )) وكان عمر بن سعد هذا يحب [ الدنيا و] الإمارة ، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير
تاريخ الطبري ( ٦٧/٥ ) .
(١)
مسند الإمام أحمد (١٦٨/١).
(٢)
في الأصل والمطبوع : بكر ، والتصحيح من مسند أحمد .
(٣)
(٤)
صحيح مسلم ( ٢٩٦٥) (١١) في الزهد والرقائق.
(٥)
مسند الإمام أحمد (١/ ١٧٧ ).
(٦)
في ط : يقاتلون .
قوله: ((يا أبة: الناس يتقاتلون على الدنيا وأنت هاهنا)) ليست في مسند الإمام أحمد .
(٧)
صحيح مسلم (١٠٥٤) (١٢٥) في الزكاة .
(٨)

٤٧٩
اجتماع الحكمين بدومة الجندل
السرية(١) التي قتلت الحسين بن علي رضي الله عنه كما سيأتي بيانه في موضعه ، ولو قنع بما كان أبوه عليه
لم يكن شيء من ذلك ، والله أعلم .
والمقصود أن سعداً رضي الله عنه لم يحضر أمر التحكيم ولا أراد ذلك ولا همَّ به ، وإنما حضره من
ذكرنا . فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين ، ونظرا في تقدير أمور ثم اتفقا على أن
يعزلا علياً ومعاوية ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما ، وقد
أشار أبو موسى بتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب ، فقال له عمرو : فولِّ ابني عبد الله فإنه يقاربه في العلم
والعمل والزهد . فقال له أبو موسى : إنك قد غمست ابنك في الفتن [ والدنيا ] معك ، وهو مع ذلك
رجل صدق .
قال أبو مخنف(٢): فحدَّثني محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمرو بن
العاص : إن هذا الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم . وكان ابن عمر فيه غفلة ، فقال له ابن
الزبير : افطن وانتبه ، فقال ابن عمر : لا والله لا أرشو عليها شيئاً أبداً، ثم قال: ياابن العاص إنَّ العرب
قد أسندت إليكَ أمرَها بعدما تقارعت بالسيوف ، وتشاكت (٣) بالرماح ، فلا تردنهم في فتنة مثلها أو أشدّ
منها ، ثم إن عمرو بن العاص حاول أبا موسى على أن يقر معاوية وحده على الناس فأبى عليه ، ثم حاوله
ليكون ابنه عبد الله ( بن عمرو ) هو الخليفة ، فأبى أيضاً ، وطلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد الله بن
عمر [ بن الخطاب ] فامتنع(٤) عمرو أيضاً ، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية وعلياً ويتركا الأمر شورى
بين الناس ليتفقوا على منْ يختاروه(٥) لأنفسهم ، ثم جاءا إلى المجمع الذي فيه الناس - وكان عمرو
لا يتقدم بين يدي أبي موسى، بل يقدمه في كل الأمور أدباً وإجلالاً - فقال له : يا أبا موسى قم فأعلم
الناس بما اتفقنا عليه ، فخطب أبو موسى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم صلَّى على رسول الله وَ ل#لهثم قال:
أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمراً أصلحَ لها ولا ألمّ لشعثها من رأي [ قد ] اتفقت أنا
وعمرو عليه ، وهو أنّ نخلعُ علياً ومعاوية ونتركُ الأمر شورى، وتستقبلُ الأمةُ هذا الأمر فيولوا عليهم من
أحبوه [واختاروه ] وإني قد خلعت علياً ومعاوية . ثم تنخَّى ، وجاء عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه
ثم قال : إن هذا [ قد ] قال ما [ قد ] سمعتم، وإنه قد خلعَ صاحبه، وإني قد خلعته [ أيضاً ] كما خلعه
وأثبتُّ صاحبي معاويةَ فإنَّ وليّ عثمان بن عفان ، والطالب بدمه ، وهو أحقُّ الناس بمقامه - وكان
عمرو ( بن العاص ) رأى [ من المصلحة ] أن ترك الناس بلا إمام والحالة هذه يؤدي إلى مفسدة طويلة
(١) في أ : كان من السرية .
(٢)
تاريخ الطبري ( ٦٩/٥).
(٣)
في تاريخ الطبري : وتناجزت الرماح .
(٤) في أ : فأبى .
(٥) كذا في أ ، ط وفيها مخالفة للسياق النحوي .

٤٨٠
اجتماع الحكمين بدومة الجندل
عريضة أربى(١) مما الناس فيه من الاختلاف، فأقرَّ معاوية لما رأى [ في ] ذلك من المصلحة، [ فاجتهد ]
والاجتهاد يخطىء ويصيب . ويقال إن أبا موسى تكلّم معه (٢) بكلام فيه غلظة ورد عليه عمرو بن العاص
مثله .
وذكر ( ابن جرير (٣) : أن شريح بن هانىء - مقدم جيش علي - وثب على عمرو بن العاص فضربه
بالسوط وقام إليه ابنٌّ لعمرو فضربه ( بالسوط ) ، وتفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم ، فأما عمرو
وأصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة ، وأما أبو موسى فاستحيى من علي فذهب إلى
مكة ، ورجع ابن عباس وشريح بن هانىء إلى علي فأخبراه بما فعل أبو موسى وعمرو ، فاستضعفوا رأي
أبي موسى وعرفوا أنه لا يوازن عمرو بن العاص .
فذكر أبو مخنف (٤) ، عن أبي جناب(٥) الكلبي أن علياً لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته
معاوية ، وعمرو ( بن العاص)٦) ، وأبا الأعور السلمي ، وحبيب بن مسلمة ، والضحاك بن قيس ،
وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، والوليد بن عقبة (٧) ، فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته علياً
وحسناً وحسيناً وابن عباس والأشتر ( النخعي ) ، ولا يصح هذا [ عنهم رضي الله عنهم ] والله أعلم.
فأما الحديث الذي قال البيهقي في ((الدلائل)(٨): أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن
عبيد الصفّار ، حدَّثنا إسماعيل بن الفضل ، حدَّثنا قتيبة بن سعيد ، عن جرير ، عن زكريا بن يحيى ، عن
عبد الله بن يزيد ، وحبيب بن يسار ، عن سويد بن غفلة قال :
إني لأمشي مع علي بشط (٩) الفرات فقال: قال رسول الله بَله: ((إن بني إسرائيل اختلفوا فلم يزل
اختلافهم بينهم حتى بعثوا١٠) حكمَيْن فَضَلاً وأضَلا ، وإن هذه الأمة ستختلف ؛ فلا يزال اختلافهم بينهم
حتى يبعثوا حكمين فيَضلان ويُضِلان من اتبعهما )) فإنه حديث منكر ورفعه موضوع ، والله أعلم . إذ لو كان
هذا معلوماً عند علي لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سبباً لإضلال الناس ، كما نطق به
في أ : أعظم .
(١)
في أ : مع عمرو .
(٢)
تاريخ الطبري (٧١/٥).
(٣)
تاريخ الطبري ( ٧١/٥).
(٤)
في الأصل والمطبوع : عن أبي حباب ، والتصحيح من كتب الرجال .
(٥)
(٦)
في أ : وعمراً .
في ط : عتبة ؛ تحريف .
(٧)
دلائل النبوة (٦/ ٤٢٣).
(٨)
(٩) في أ : على شط.
(١٠) في أ : فلم يزل اختلافهم حتى يبعثوا حكمين فيَضلان ويُضلان.