النص المفهرس

صفحات 401-420

٤٠١
ذكر بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة
الناسَ أمامكم ، وإنما خلفَكم الساعة تحدو كم فتخففوا تلحقوا ، فإنما ينتظر بالناس أخراهم ، اتقوا الله
عباده في عباده وبلاده ، فإنكم مسؤولون ( حتى ) عن البقاع والبهائم ، ( ثم ) أطيعوا الله ولا تعصوه ،
وإذا رأيتم الخير فخذوا به ( وإذا رأيتم الشرّ فدعوه) ﴿ وَأَذْكُرُوَاْ إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِ الْأَرْضِ ﴾
[الأنفال: ٢٦ ] الآية .
فلما فرغ من خطبته قال المصريون (١): [ من الرجز ]
إنّا نُمِرُ الأمْرَ إمْرارَ الرَّسَنْ
خُذْها إِلَيْكَ واحْذَرَنْ أبا الحَسَنْ
بِمَشْرفياتٍ كغُدْرَانِ اللَّبَنْ
صَوْلةُ آساد كآسادِ السُّفُنْ
حَتَّى يُمرَّنَّ على غَيْرِ عَننْ
ونَطْعِنُ المُلْكَ بِلَيْنٍ كالشَّطَنْ
فقال علي مجيباً لهم(٢) :
سوفَ أكيسُ بَعْدها وأسْتمِرْ
إنّي عجزتُ عَجْزةٌ لا أعْتَذِرْ
وأجْمَعُ الأمْر(٣) الشَّتيتَ المُنْشرْ
أزْفَعُ منْ ذَيْليَ ما كُنتُ أجُرْ
أن يَتْرُكُوني(٤) والسّلامُ يُنْتدز
إن لمْ يُشاغِبْني ( العَجول ) المُنْتَصِرْ
وكان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة ، و( على ) الحرب القعقاع بن عمرو ، وعلى
الخراج جابر بن فلان المزني ، وعلى البصرة عبد الله بن عامر ، وعلى مصر عبد الله بن سعد بن
أبي سَرْح ، وقد تغلب عليه محمد بن أبي حذيفة ، وعلى الشام معاوية بن أبي سفيان ، ونوابه على حمص
عبدُ الرحمن بن خالد بن الوليد ، وعلى قِنَّسرين حبيبُ بن مَسْلَمَه، وعلى الأردنّ أبو الأعور ، وعلى
فلسطين حكيم بن علقمة ، وعلى أذْرَبيجان الأشعثُ بن قيس ، وعلى قَرْقيسيا جرير بن عبد الله البجلي ،
وعلى حُلْوان عُتَبةُ(٥) بن النَّاس، وعلى قيسارية(٦) مالك بن حبيب ، وعلى همذان حبيش(٧) ، هذا
ما ذكره ابن جرير من نواب عثمان الذين توفي وهم نواب الأمصار ، وكان على بيت المال عقبة بن عمرو ،
وعلى قضاء المدينة زيد بن ثابت .
ولما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير ومعه قميص عثمان مُضَمَّخٌ بدمه ، ومعه أصابع نائلة
الأبيات في تاريخ الطبري (٤/ ٤٣٧) وقد جاءت الأشعار مضطربة في أ .
(١)
(٢)
ديوان الإمام علي ( ٩٩ ).
(٣)
في أ : وأجمع السهل .
في الديوان : إن لم يباغتني ... أو تتركوني .
(٤)
في أ : عبد الله بن النهاس ؛ خطأ . وما هنا موافق للطبري (٤/ ٤٢٢).
(٥)
في تاريخ الطبري : ماه .
(٦)
في أ : حبيش بن .. وفي الطبري النسير .
(٧)

٤٠٢
ذكر بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة
التي أُصيبتْ حين حاجَفَتْ (١) عنه بيدها، فقُطعتْ مع بعض الكفّ فورد به على معاوية بالشام ، فوضعه
معاوية على المنبر ليراه الناس ، وعلق الأصابع في كم القميص ، وندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر والدم
وصاحبه ، فتباكى الناس حول المنبر ، وجعل القميص يرفع تارة ويوضع تارة ، والناس يتباكون حوله
سنة ، وحث (٢) بعضهم بعضاً على الأخذ بثأره ، واعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام ، وقام في الناس
معاوية وجماعة من الصحابة معه يحرِّضون الناسَ على المطالبة بدم عثمان ، ممَّن قتله من أولئك
الخوارج: منهم عُبادة بن الصّامِت، وأبو الدَّرداء، وأبو أمامة، وعمرو بن عَبَسَةُ(٣) وغيرهم من
الصحابة ، ومن التابعين : شريك بن حباشة ، وأبو مسلم الخولاني ، وعبد الرحمن بن غَنْم ، وغيرهم
من التابعين . ولما استقرَّ أمرُ بيعة عليٍّ دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة رضي الله عنهم ، وطلبوا
( منه ) إقامة الحدود ، والأخذ بدم عثمان . فاعتذر إليهم بأنَّ هؤلاء لهم مدد وأعوان ، وأنه لا يمكنه ذلك
يومه هذا ، فطلب منه الزبير أن يوليه إمرةً الكوفة ليأتيه بالجنود ، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرةَ البصرة ،
ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج ، وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل
عثمان رضي الله عنه، فقال لهما : مهلا٤ً) عليَّ ، حتى أنظر في هذا الأمر . ودخل عليه المغيرة بن شعبة
على إثر ذلك فقال له : إني أرى أن تُقرَّ عمالكَ على البلاد ، فإذا أتتكَ طاعتُهم استبدلتَ بعد ذلك بمن
شئت وتركتَ منْ شئت ، ثم جاءه من الغد ، فقال له : إني أرى أن تعزلهم لتعلمَ من يُطيعكَ ( ممن
يعصيك ) ، فعرضَ ذلك عليّ على ابن عباس فقال: لقد نصحك بالأمس وغشَّك اليومَ ، فبلغ ذلك
المغيرةَ فقال : نعم نصحتُه فلما لم يقبل غششتُه ثم خرج المغيرة فلحق بمكة ، ولحقه جماعة منهم طلحة
والزبير : وكانوا قد استأذنوا عليّاً في الاعتمار فأذن لهم ، ثم إنّ ابن عباس أشار على عليٍّ باستمرار نوابه
في البلاد ، إلى أن(٥) يتمكن الأمر ، وأن يقر معاوية خصوصاً على الشام وقال له : إني أخشى إن عزلته
عنها أن يطلبك(٦) بدم عثمان ولا آمن طلحة والزبير أن يتكلما٧) عليك بسبب ذلك ، فقال علي : إني
لا أرى هذا ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد ولَّيْتُكَها ، فقال ابن عباس لعلي : إنّ أخشى من معاوية أن
يقتلني بعثمان ، أو يحبسني لقرابتي منك، ولكن اكتب ( معي) إلى معاوية فمنِّه وعِدْهُ ، فقال علي: والله
(١) حاجفت : أي دافعت. اللسان ( حجف ).
(٢)
في أ : يحث .
في ط : عنبسة؛ تحريف، وترجمة ابن عَبَسة في الاستيعاب (١١٩٢) وجامع الأصول (١٤ / ٥٥) وأسد الغابة
(٣)
(٤/ ٢٥١) والإصابة (٥/٣-٦).
في أ : امهلا .
(٤)
في أ : إلى حين .
(٥)
في أ : يطالبك .
(٦)
في أ : أن ينكرا .
(٧)

٤٠٣
أحداث سنة ٣٦ هـ
إنَّ هذا ما لا يكون أبداً، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين: ((الحرب خدعة(١) كما قال رسول الله لاَءِ،
فوالله لئن أطعتني لأوردنهم بعد صدرهم(٢) ونهى ابن عباس علياً فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين
يحسّنون إليه الرحيل (٣) إلى العراق، ومفارقة المدينة ، فأبى عليه ذلك كله ، وطاوع أمر أولئك الأمراء من
أولئك الخوارج من أهل الأمصار .
قال ابن جرير(٤) : وفي هذه السنة قصد قسطنطين بن هرقل بلاد المسلمين في ألف مركب ، فأرسل
الله عليه قاصفاً من الريح فغَرَّقه الله بحوله وقوته ، ومن معه ، ولم ينج منهم أحد إلا الملك في شرذمة قليلة
من قومه ، فلما دخل صقلية عملوا له حماماً ( فدخله ) فقتلوه فيه ، وقالوا : أنت قتلت رجالنا .
ثُمَّ دخلت سنة ست وثلاثين من الهجرة
استهلت هذه السنة وقد توَلَّى أميرُ المؤمنين عليّ بن أبي طالب الخلافةَ، وولَّى على الأمصار نواباً ،
فولى عبيد الله(٥) بن عباس على اليمن، وولى سمرة بن جندب(٦) على البصرة ، وعمارة بن شهاب على
الكوفة ، وقيس بن سعد بن عبادة(٧) على مصر، وعلى الشام سهل بن حُنَيْف بدل معاوية ، فسار حتى بلغ
تبوك فتلقَّتْهُ خيلُ معاوية ، فقالوا : منْ أنْتَ ؟ فقال : أميرٌ ، قالوا : على أيِّ شيءٍ ؟ قال : على الشام ،
فقالوا : إن كان عثمانُ بعثَكَ فحيَّهلا بك ، وإن كانَ غيرُه فارجعْ . فقال : أوما سمعتُم الذي كان ؟ قالوا :
بلى ، فرجع إلى عليٍّ .
وأما قيس بن سعد فاختلف عليه أهلُ مصر فبايع له الجمهور ، وقالت طائفةٌ : لا نبايعُ حتى نقتُلَ قتلةً
عثمان ، وكذلك أهل البصرة .
وأما عمارة بن شهاب المبعوثُ أميراً على الكوفة فصدَّه عنها طلحةُ بن خُوَيْلد غضباً لعثمان ، فرجعَ
إلى عليٍّ فأخبره .
(١) حديث ((الحرب خدعة)) من رواية ابن عباس أخرجه ابن ماجه (٢٨٣٤) وأبو يعلى (٢٥٠٤) وإسناده ضعيف جداً فيه
مطر بن ميمون متروك . لكن متن الحديث صحيح عن عدد من الصحابة ، ومنهم جابر بن عبد الله الأنصاري ، فهو في
الصحيحين ؛ البخاري (٣٠٣٠)، ومسلم ( ١٧٣٩) (بشار).
(٢)
في أ : صدورهم .
(٣)
في أ : الدخول .
(٤)
تاريخ الطبري (٤/ ٤٤١) .
في ط : عبد الله ، تحريف ، والتصحيح من أوالطبري .
(٥)
هكذا قال ، وهو وهم بين فإن سمرة لم يتول لعلي رضي الله عنه ، وإنما استخلفه عليها زياد بن أبيه ، وفي تاريخ
(٦)
الطبري : عثمان بن حنيف ، وهو الصواب وهو كذلك في السير للذهبي (٣٢٢/٢) وغيره، وسيأتي في أثناء الكلام
أنه عثمان بن حنيف .
في أ : عباد .
(٧)

٤٠٤
ابتداء وقعة الجمل
وانتشرت الفتنة وتفاقمَ الأمرُ ، واختلفت الكلمةُ ، وكتب أبو موسى إلى علي بطاعة أهل الكوفة
ومبايعتهم إلا القليل منهم .
وبعث عليٌّ إلى معاوية كتباً كثيرة فلم يرد عليه جوابها١) ، وتكرر ذلك مراراً إلى الشهر الثالث من
مقتل عثمان في صفر ، ثم بعث معاوية طومار٢ً) مع رجلٍ فدخل به على عليٍّ فقال : ما وراءك ؟ قال
جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القو(٣) كلهم موتور(٤) ، تركت ستين ألف (٥) شيخ يبكون تحت قميص
عثمان ، وهو على منبر دمشق ، فقال عليٍّ : اللهم إنّي أبرأ إليك من دم عثمان ، ثم خرج رسول معاوية من
بين يدي عليٍّ فهمّ به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله ، فما أفلتَ إلا بعدَ جهدٍ .
وعزم عليٍّ رضي الله عنه على قتالِ أهلِ الشام ، وكتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناسَ
لقتالهم ، وإلى أبي موسى بالكوفة ، وبعث إلى عثمان بن حنيف بذلك ، وخطبَ الناسَ فحثَّهم على
ذلك . وعزم على التّجهُزِ، وخرج من المدينة ، واستخلف عليها قُثَمَ بن العباس ، وهو عازم أن يقاتل
بمن أطاعه منْ عصاه ، وخرج عن أمره ( ولم يبايعه مع الناس ) ، وجاء إليه ابنهُ الحسنُ بن علي فقال :
يا أبتِ دَعْ هذا فإنّ فيه سفكَ دماء المسلمين ، ووقوع الاختلاف بينهم ، فلم يقبل منه ذلك ، بل صمم على
القتال ، ورتب الجيش ، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية ، وجعل ابن العباس على الميمنة ،
وعمر(٦) بن أبي سلمة على الميسرة ، وقيل : ( جعل على الميسرة ) عمرو بن سفيان بن عبد الأسد ،
وجعل على مقدمته أبا ليلى بن عمر(٧) بن الجراح ، ابن أخي أبي عبيدة ، واستخلف ( على المدينة )
قُثَمَ بن العباس ، ولم يبقَ شيء إلا أن يخرج ( من المدينة ) قاصداً ( إلى) الشام، حتى جاء(٨) ما شغله
عن ذلك كله وهو ما سنورده .
ابتداء وقعة الجمل
ولما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق، وكان أزواج النبي ◌ََّ ( أمهات المؤمنين ) قد خرجْنَ إلى
الحج في هذا العام فراراً من الفتنة ، فلما بلغ الناسَ أنَّ عثمانَ قد قُتل ، أقمنَ بمكةَ بعد ما خرجوا منها ،
(١) في أ : لها جوابها.
الطامور والطومار : الصحيفة . القاموس ( طمر ) .
(٢)
(٣)
القود - محركة - القصاص . القاموس ( قود ) .
(٤)
الموتور : من قتل له قتيل فلم يدرك يومه . القاموس ( وتر ) .
في ط : سبعين، والخبر في تاريخ الطبري (٤٤٤/٤).
(٥)
في ط : وعمرو ؛ خطأ وما هنا عن الطبري (٤/ ٤٤٥).
(٦)
في ط : عمرو ؛ خطأ .
(٧)
في أ : من .
(٨)

٤٠٥
ابتداء وقعة الجمل
( ورجعوا إليها وأقاموا بها) وجعلوا ينتظرون ما يصنع ( الناس ويتحسسون الأخبار ) فلما بُويع لعلي وصار
حظ الناس عنده - بحكم الحال وغلبة الرأي ، لا عن اختيار منه لذلك - رؤوس أولئك الخوارج الذين قتلوا
عثمان، مع أن علياً في نفس الأمر يكرههم ، ولكنه تربص بهم الدوائر ، ويود لو تمكن منهم ليأخذ حق الله
منهم ، ولكن لما وقع الأمر هكذا واستحوذوا عليه ، وحجبوا عنه ( عِلْيَةَ ) الصحابة فرّ جماعةٌ من بني أمية
وغيرهم إلى مكة، واستأذنه طلحةُ والزبيرُ في الاعتمار، فأذن لهما فخرجا إلى مكة وتبعهم خلقٌ كثيرٌ،
وجمٌّ غفيرٌ ، وكان علي لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبَوْا عليه ،
فطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب وحرَّضَه على الخروج معه ، فقال : إنما أنا رجلٌ من أهل المدينة ، إن
خرجوا خرجت على السمع والطاعة ، ولكن لا أخرج للقتال في هذا العام ، ثم تجهّز ابنُ عمر وخرج إلى
مكة .
وقدم إلى مكة ( أيضاً في ) هذا العام يَعْلى بن أمية من اليمن ، - وكان عاملاً عليها لعثمان - ومعه
ستمئة بعير وستمئة ألف ( درهم )، وقدم إليها عبد الله بن عامر من البصرة ، وكان نائبها لعثمان ، فاجتمع
فيها١) خلق من سادات الصحابة وأمهات المؤمنين ، فقامت عائشة رضي الله عنها في الناس تخطبهم
وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان ، وذكرتْ ما افْتأتَ به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرامٌ(٢) ،
ولم يراقبوا جوار رسول الله وَ له وقد سفكوا الدماء ، وأخذوا الأموال . فاستجاب الناس لها ، وطاوعوها
على ما تراه من الأمر ( بالمصلحة ) ، وقالوا لها : حيثما سرتِ سرنا معك ، فقال قائل : نذهب إلى
الشام ، فقال بعضهم : إن معاوية قد كفاكم أمرها ، ولو قدموها لغلبوا ، واجتمع الأمر كله لهم ، لأن
أكابر الصحابة معهم . وقال آخرون : نذهب إلى المدينة فنطلب من علي أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا ،
وقال آخرون : بل نذهب إلى البصرة فنتقوى ( من هنالك ) بالخيل والرجال ، ونبدأ بمن هناك من قتلة
عثمان . فاتفق الرأي على ذلك ، وكان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة (٣) ،
فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك وقلن : لا نسير إلى غير المدينة ، وجهز الناس
يعلى بن أمية فأنفق فيهم ستمئة بعير وستمئة ألف درهم(٤) ، وجهزهم ابن عامر أيضاً بمال كثير ، وكانت
حفصة بنت عمر أم المؤمنين قد وافقت عائشة على المسير إلى البصرة ، فمنعها أخوها عبد الله من ذلك ،
وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة ، وسار الناسُ صحبةَ عائشةَ في ألفِ فارسٍ ، وقيل تسعمئة (فارس)
من أهل المدينة ومكة ، وتلاحق بهم آخرون ، فصاروا في ثلاثة آلاف ، وأم المؤمنين(٥) عائشة تُحْملُ في
في أ : فاجتمع بها .
(١)
في أ : في بلد نبي الله في الشهر الحرام .
(٢)
(٣)
في أ : إلى البصرة .
في أ : ستمئة ألف وستمئة بعير .
(٤)
في أ : وأم المؤمنين تحمل - وتحت السطر - : أي عائشة رضي الله عنها .
(٥)

٤٠٦
ابتداء وقعة الجمل
هَوْدجٍ على جملٍ اسمه عسكر ، اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمئتي دينار ، وقيل بثمانين ديناراً ،
وقيل غير ذلك، وسار معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق ففارقنها هنالك وبكين للوداع ، وتباكى الناس،
وكان ذلك اليوم يسمى يوم النحيب، وسار الناس قاصدين البصرة، وكان الذي يُصلِّي بالناس عن أمر عائشة
ابن أختها عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم يؤذن للناس في أوقات الصلوات(١) ، وقد مروا في مسيرهم
ليلاً بماء يقال له الحَوْأَب(٢) ، فنبحتهم كلابٌ عنده ، فلما سمعتْ ذلك عائشة قالت : ما أسم هذا المكان
قالوا الحَوْأب، فضربتْ بإحدى يديها على الأخرى وقالت : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ما أظنني إلا راجعة،
قالوا: ولم؟ قالت: سمعت رسول الله وَ له يقول (لنسائه): (( ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب
الحَوْأَب (٣) ، ثم ضربت عضدَ بعيرها فأناخته ، وقالت : ردّوني ردّوني ، وأنا والله صاحبة ماء الحَوْأب .
وقد أوردنا هذا الحديث بطرقه وألفاظه في دلائل النبوة . كما سبق ، فأناخ الناس حولها يوماً وليلة ،
وقال لها عبد الله بن الزبير : إن الذي أخبرك أن هذا ماء الحَوْأَب قد كذب ، ثم قال الناس : النجا النجا ،
هذا جيش علي بن أبي طالب ، قد أقبل ؛ فارتحلوا نحو البصرة ، فلما اقتربت من البصرة كتبت إلى
الأحنف بن قيس وغيره من رؤوس الناس ، أنها قد قدمت ، فبعث عثمانُ بن حُنَيِّف عمران بن حصين
وأبا الأسود الدؤلي(٤) إليها ليعلما ما جاءت له ، فلما قدما عليها سلَّما عليها واستعلما منها ما جاءت له ،
فذكرت لهما ما الذي جاءت له من القيام بطلب دم عثمان ، لأنه قُتل مظلوماً في شهر حرام وبلدٍ حرام .
وتلت قوله تعالى: ﴿﴿لَّا خَيْرَ فِى كَثِيرٍ مِن نَّجُوَدُهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَجِ بَيْنَ النَّاسِ وَمَّن
يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْثِيهِ أَجْرًّاً عَظِيمًا﴾ [ النساء: ١١٤] فخرجا من عندها فجاءا إلى طلحة فقالا
له : ما أقدمكَ ؟ فقال : الطلبُ بدم عثمان ، فقالا : ما بايعت علياً ؟ قال : بلى والسيف على عنقي ،
ولا أستقيله إن هو لم يُخلِ بيننا وبين قتلةِ عثمان . فذهبا إلى الزبير فقال مثل ذلك ، قال : فرجع عمران
وأبو الأسود إلى عثمان بن حُنَيْف، فقال أبو الأسود(٥): [ من الرجز ]
يا بنَ حُنَيْفٍ(٦) قد أُتيتَ فانْفرٍ وطاعنِ القَوْمَ وجالِدْ واصْبِرِ
وَأَخرِجْ لَهُمْ مُسْتَلْئِماً وَشَمٍِّ(٧)
في هامش أ : مطلب إما عسكر عائشة عبد الله بن الزبير ومروان مؤذنهم .
(١)
في أ: الحوب . وفي معجم ما استعجم ( ٢/ ٤٧٢) : الحؤب ، وتخفف الهمزة فيقال : الحوب ؛ وهو ماء قريب
(٢)
من البصرة على طريق مكة إليها .
الحديث رواه أحمد في مسنده (٥٢/٦ - ٩٧ ) وأبو يعلى (٤٨٦٨) وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان
(٣)
(١٢٦/١٥) رقم (٦٧٣٢) والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٤١٠) وهو حديث صحيح.
(٤)
في أ : الديلي .
(٥)
الأشطر في تاريخ الطبري (٤٦٣/٤).
(٦)
في ط : يا ابن الأحنف ، ولا يستقيم بها الوزن .
لم يرد هذا الشطر في أ ، وروايته في تاريخ الطبري : وابرز لهم مستلئماً وشمّر .
(٧)

٤٠٧
ابتداء وقعة الجمل
فقال عثمان بن حُنيف : إنا لله وإنا إليه راجعون ، دارت رحا الإسلام ورب الكعبة ، فانظروا بأي
زَيَفانٍ نزيف (١)، فقال عمران: إي والله لَنَعْرُكَنَّكُمْ عركاً طويلاً . يشير(٢) عثمان بن حنيف إلى حديث ابن
مسعود مرفوعاً (( تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين)) الحديث كما تقدم ، ثم قال عثمان بن حنيف
العمران بن حصين : أَشِرْ عَلَيَّ ، فقال : أعتزل فإني قاعدٌ في منزلي ، أو قال : قاعد على بعيري ،
فذهب . فقال عثمان : بل أمنعهم حتى يأتيَ أميرُ المؤمنين ، فنادى في الناس يأمرهم بلبس السلاح
والاجتماع في المسجد ، فاجتمعوا فأمرهم بالتجهُّز .
فقام رجل (٣) ( وعثمان على المنبر ) فقال : أيها الناس إن كان هؤلاء القوم جاؤوا خائفين فقد جاؤوا
من بلد يأمنُ فيه الطيرُ ، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلته ، فأطيعوني وردُّوهم من حيث
جاؤوا .
فقام الأسود بن سريع السعدي(٤) فقال : إنَّما جاؤوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منّ ومن غيرنا ،
فحصبه الناس ، فعلم عثمان بن حُنَّيْف أن لقتلة عثمان بالبصرة أنصاراً ، فكره ذلك .
وقدمت أم المؤمنين بمن معها من الناس ، فنزلوا المِزْبد من أعلاه قريباً من البصرة ، وخرج إليها مِن
أهل البصرة منْ أرادَ أن يكونَ معها٥) ، وخرج عثمان بن حُنَيْف بالجيش ، فاجتمعوا بالمِرْبَد ، فتكلَّم
طلحة - وكان على الميمنة - فندب إلى الأخذ بثأر عثمان ، والطَّلب بدمه، وتابعه الزُّبَيْر فتكلَّم بمثل
مقالته، فردَّ عليهما ناسٌ من جيش عثمان بن حُنَيْف (٦)، وتكلَّمت أم المؤمنين فحرَّضَتْ وحثّتْ على
القتال ، فتناور طوائف من أطراف الجيش فترامَوْا بالحجارة ، ثم تحاجزَ الناسُ ، ورجعَ كلُّ فريقٍ إلى
حَوْرتِهِ ، وقد صارت طائفةٌ من جيش عثمان بن حُنَيَّف إلى جيش عائشة ، فكثروا .
وجاء حارثة بن قدامة السعدي فقال : يا أم المؤمنين! والله لقتلُ عثمان أهونُ من خروجكِ من بيتكِ
على هذا الجمل عرضةً للسلاح ، إن كنتِ أتيتنا طائعةً فأرجعي من حيثُ جئتِ إلى منزلك ، وإن كنتِ أتيتنا
مكرهةً فأستعيني بالناس في الرجوع .
وأقبل حكيم بن جبلة - وكان على خيل عثمان بن حُنَيف - فأنشب القتال وجعل أصحابُ أمِّ المؤمنين
يكفُون أيديهم ويمتنعون من القتال ، وجعل حكيمٌ يقتحمُ عليهم فاقتتلوا على فم السّكّةِ ، وأمرت عائشةُ
أصحابها فتيامنوا حتى انتهَوْا إلى مقبرة بني مازن ، وحجزَ الليلُ بينهم .
في أ : بأي زيفان زيف أنتم فقال عمران ..
(١)
(٢)
هذا التعليق من ابن كثير رحمه الله .
هو قيس بن العَقَديّة الحُميسي كما في الطبري (٤٦٣/٤).
(٣)
في أ : الأسود بن سريع ، والخبر في تاريخ الطبري (٤/ ٤٦٣).
(٤)
في أ : وخرج إليها من أراد من أهل البصرة فكان منها .
(٥)
في أ : حبيش بن حنيف .
(٦)

٤٠٨
ابتداء وقعة الجمل
فلما كان اليوم الثاني قَصَدوا للقتال، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، إلى أن زالَ النهارُ ، وقُتل خلقٌ كثيرٌ من
أصحاب ابن حُنَيْف ، وكثرت الجراح في الفريقين ، فلما عضتهم الحرب تداعَوْا إِلى الصلح على أن يكتبوا
بينهم كتاباً ويبعثوا رسولاً إلى أهل المدينة يسأل أهلها ، إن كان طلحة والزبير أكرها على البيعة ، خرج
عثمان بن حنيف عن البصرة وأخلاها ، وإن لم يكونا أكرها على البيعة خرج طلحة والزبير عنها وأخلوها
لهم ، وبعثوا بذلك كعبَ بن سُور القاضي ، فقدمَ المدينة يومَ الجمعة ، فقام في الناس ، فسألهم : هل
بايعَ طلحةُ والزبيرُ طائعين أو مُكْرهين؟ فسكت الناس فلم يتكلم إلا أسامة بن زيد، فقال: بل كانا مُكْرهين،
فثار إليه بعض الناس فأرادوا ضربه ، فحاجف (١) دونه صهيبٌ ، وأبو أيوب ، وجماعة حتى خلصوه ؛
وقالوا له : ما وسعك ما وسعنا من السكوت (٢) ؟ فقال: لا والله ما كنت أرى أن الأمر ينتهي إلى هذا.
وكتب عليٍّ إلى عثمان بن حُنَّف يقول له : إنهما لم يكرها على فرقة ، ولقد أكرها على جماعة وفضل
فإن كانا يريدان الخلعَ فلا عذرَ لهما ، وإن كانا يريدان غيرَ ذلك نظرا ونظرنا ، وقدم كعب بن سُور على
عثمان بكتاب عليٍّ ، فقال عثمان: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، وبعث طلحة والزبير إلى عثمان بن حُنَيَّف
أن يخرج إليهما فأبى ، فجمعا الرجالَ في ليلةٍ مظلمةٍ وشهدا بهم صلاة العشاء في المسجد الجامع ، ولم
يخرج عثمان بن حنيف(٣) تلك الليلة ، فصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد ، ووقع من رعاع
الناس من أهل البصرة كلام وضرب ، فقتل منهم نحواً [ من ] أربعين رجلاً، ودخل الناسُ على عثمان بن
حنيف قصرَهُ فأخرجوه إلى طلحة والزبير ، ولم يبقَ في وجهه شعرة إلا نتفوها ، فاستعظما ذلك وبعثا إلى
عائشة فأعلماها الخبرَ ، فأمرت أن يُخْلى سبيله، فأطلقوه وولَّوْا على بيتِ المال عبد الرحمن بن
أبي بكر ، وقسم طلحة والزبير أموالَ بيتِ المال في الناس وفضَّلوا أهلَ الطاعة ، وأكبَّ عليهم الناسُ
يأخذون أرزاقهم ، وأخذوا الحرسَ ، وأَستَبَُّّوا في الأمر بالبصرة ، فحمي لذلك جماعةٌ من قومٍ قتلةٍ
عثمانَ وأنصارهم ، فركبوا في جيشٍ قريبٍ من ثلاثمئة ، ومقدّمُهُم حكيم بن جبلة ، وهو أحدُ من باشرَ قتلَ
عثمان ، فبارزوا وقاتلوا ، فضربَ رجلٌ رِجلَ حكيم بن جبلة فقطعها ، فزحف حتى أخذها وضربَ بها
ضاربه فقتله ثم اتَّكَأ عليه وجعل يقول(٤): [ من مجزوء الرجز ]
يا ساق (٥) لن تُراعي إنّ لكِ ذراعي
أحمي بها ◌ُراعي(٦)
حاجفت فلاناً إذا عارضته ودافعته . اللسان ( حجف ) .
(١)
في أ : ما وسعك ما وسعنا فقال : ما كنت أرى الأمر .
(٢)
(٣)
في أ : ولم يخرج ابن حنيف .
(٤)
الأشطر في الطبري (٤ / ٤٧١).
في الطبري : یا فخذ .
(٥)
في أ : ذراعي .
(٦)

٤٠٩
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
وقال أيضاً(١): [ من الرجز ]
فليسَ عليَّ أنْ أموتَ عارُ والعارُ في النّاسِ هو الفِرارُ
والمَجْدُ لا يَفْضحُهُ الدَّمارُ
فمر عليه رجل وهو مُتَّكىءٌ برأسه على ذلك الرجل ، فقال له : منْ قتلكَ ؟ فقال له : وسادتي . ثم
مات حكيم قتيلاً هو ونحوٌ من سبعين من قَتلةِ عثمانَ وأنصارهم ( أهل المدينة ) ، فضعف جأشُ منْ خالفَ
طلحة والزبير من أهل البصرة .
ويقال : إنَّ أهل البصرة بايعوا طلحةَ والزبيرَ ، وندب الزبيرُ ألفَ فارسٍ يأخذها معه ، ويلتقي بها علياً
قبل أن يجيء فلم يجبه أحد ، وكتبوا بذلك إلى أهل الشام يبشّرونهم بذلك ، وقد كانت هذه الوقعةُ لخمسٍ
ليالٍ بقينَ من ربيع الآخر سنة ست وثلاثين .
وقد كتبت عائشة إلى زيد بن صُوحان تدعوه إلى نصرتها والقيام معها فإنْ لم یجیء فلیکفّ يده ولیلزم
منزله ، أي : لا يكون عليها ولا لها ، فقال : أنا في نصرتك ما دمت في منزلك ، وأبى أن يطيعها في
ذلك ، وقال : رحمَ اللهُ أمَّ المؤمنين ، أمرَها اللهُ أن تلزمَ بيتَها وأمرنا أن نقاتل ، فخرجت من منزلها وأمرتنا
بلزوم بيوتنا التي كانت هي أحقّ بذلك منا ، وكتبت ( عائشة ) إلى أهل اليمامة والكوفة بمثل ذلك .
[ ذكر ] مسير [ أمير المؤمنين ]
علي بن أبي طالب من المدينة إلى البصرة بدلا٢ً) من [ مسيره إلى ] الشام
بعد أن كان قد تجهّز قاصداً الشام كما ذكرنا ، فلما بلغه قَصْدُ طلحة والزبير البصرةَ ، خطبَ الناسَ
وحثّهم على المسير إلى البصرة ليمنعَ أولئك من دخولها ، إن أمكن ، أو يطردَهم عنها إن كانوا قد
دخلوها ، فتثاقل عنه أكثرُ أهل المدينة ، واستجابَ له بعضُهم .
قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الأمر غيرُ ستة نفرٍ من البَذْريّين ليس لهم سابع. وقال غيره : أربعة.
وذكر ابن جرير(٣) وغيره قال : كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التيهان ،
وأبو قتادة الأنصاري ، وزياد بن حنظلة ، وخزيمة بن ثابت . قالوا : وليس بذي الشهادتين ، ذاك مات
في زمن عثمان رضي الله عنه .
وسار علي من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها ، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن
عباس ( وعلى ) مكة قُثَم بن عبّاس وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين .
(١) الأشطر في الطبري (٤/ ٤٧١).
(٢)
في أ : عن مسيره .
(٣) تاريخ الطبري (٤ / ٤٧٧).

٤١٠
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
وخرج ( علي من المدينة ) في نحو من تسعمئة مقاتل ، وقد لقي عبد الله بن سلام رضي الله عنه علياً
وهو بالرَّبَدَةُ(١) ، فأخذ بعنان فرسه وقال : يا أمير المؤمنين! لا تخرج ( منها ) فوالله لئن خرجت منها
لا يعود إليها سلطان المسلمين أبداً ، فسبَّه بعض الناس ، فقال علي : دعوه فنعمَ الرجلُ من أصحاب
النبي مَلة .
وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق فقال : لقد نهيتُكَ فعَصَيْتني تُقْتُلُ غداً بمضيعةٍ لا ناصر لك .
فقال له علي : إنك لا تزال تحنّ عليَّ حنينَ الجارية ، وما الذي نهيتَني عنه فعَصْيتُكَ ؟ فقال : ألم آمرك
قبل مَقْتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها ، فيقول قائل أو يتحدث متحدث ؟ ألم آمرك أن لا تبايع
الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم ؟ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان
الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك ( كله ) ؟ فقال له علي : أما قولك أني
خرجت(٢) قبل مقتل عثمان فلقد أُحيط بنا كما أُحيط به ، وأما مبايعتي قبل مجيء بيعة الأمصار فكرهتُ أن
يضيعَ هذا الأمر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد مني(٣) أن أكونَ كالضَّبع التي
يحاط بها ، ويقال ليست هاهنا ، حتى يشق عرقوبها فتخرج ، فإذا لم أنظر فيما يلزمني في هذا الأمر
ويعنيني ، فمن ينظر فيه ؟ فكُفَّ عنّي يا بنيّ، ولمّا انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة ( من الأمر الذي
قدمنا ) كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن جعفر ، إني قد اخترتكم على ( أهل )
الأمصار ، فرغبت إليكم وفزعت لما حدث ، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً ، وانهضوا إلينا فالإصلاح
نريد لتعود(٤) هذه الأمة إخواناً ، فمضيا ، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب ، وقام في
الناس خطيباً فقال: إنَّ الله أعزَّنا بالإسلام ، ورفعنا به ، وجعلنا به إخواناً ، بعد ذلّةٍ وقلةٍ وتباغضٍ
وتباعدٍ ، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلامُ دينُهم ، والحقُّ قائمٌ بينهم ، والكتاب إمامُهم ،
حتى أصيبَ هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم(٥) الشيطان لينزغَ بين هذه الأمة، ألا وإنَّ هذه الأمة
لا ( بد ) مفترقة كما افترقتِ الأممُ قبلها، فنعوذ بالله من شرّ ما هو كائن. ثم عاد ثانية فقال: (إنه) لا بدَّ
مما هو كائن أن يكون ، ألا وإنّ هذه الأمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين فرقةً ، شؤُّها فرقة تحبّني ولا تعمل
بعملي ، وقد أدركتم ورأيتم ، فالزموا دينكم ، واهتدوا بهدبي فإنَّ هدي نبيِّكم ، واتبعوا سُنَّته ، وأعرضوا
(١) في هامش أ : اسم موضع . وهي من قرى المدينة على بعد ثلاثة أيام منها على طريق مكة . معجم البلدان
(٢٤/٣) .
(٢)
في ط : أن أخرج .
(٣)
في أ : فتريدني .
في أ : وانهضوا إلينا بالإصلاح لتعود .
(٤)
في أ : أذلهم . ونزع : أغرى وأفسد . اللسان ( نزع ).
(٥)

٤١١
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
عمّا أشكلَ عليكم ، حتى تعرضوه على الكتاب، فما عرفه القرآن فالزموه(١)، وما أنكره فردُّوه ، وارضوا
بالله ربّاً ، وبالإسلام ديناً ، وبمحمد نبياً ، وبالقرآن حكماً وإماماً .
قال : فلما٢) عزم على المسير من الرَّبَدَة قام إليه ابن أبي رفاعة بن رافع ، فقال : يا أمير المؤمنين أي
شيء تريد ؟ وأين تذهب بنا ؟ فقال : أما الذي نريد وننوي فالإصلاح ، إن قبلوا منا وأجابوا إليه ، قال :
فإن لم يجيبوا إليه ؟ قال : ندعهم بغدرهم ونعطيهم الحق ونصبر . قال : فإن لم يرضوا ؟ قال : ندعهم
ما تركونا ، قال : فإن لم يتركونا ؟ قال : امتنعنا منهم ، قال : فنعم إذاً .
فقام إليه الحجاج بن غزية الأنصاري فقال : لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول ، والله لينصرني الله
كما سمّانا أنصاراً .
قال : وأتت جماعة من طيِّءٍ وعليٍّ بالربذة ، فقيل له : هؤلاء جماعة جاؤوا من طيٍِّ منهم منْ يريد
الخروج معك، ومنهم من يريد السلام عليك، فقال : جزى الله كلاًّ خيراً ﴿ وَفَضَّلَ اللّهُ الْمُجَهِدِينَ عَلَى الْفَعِدِينَ
أَجْرًّاً عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥] قالوا: فسار علي(٣) من الربذة على تعبئته وهو راكبٌ ناقةً حمراءَ يقودُ فرساً كميتاً
فلما كان بفَيْد(٤) جاءه جماعة من أسد وطيء ، فعرضوا أنفسهم عليه فقال : فيمن معي كفاية ، وجاء رجل
من أهل الكوفة يقال له عامر بن مطر الشيباني ، فقال له عليٍّ : ما وراءك ؟ فأخبره الخبر ، فسأله عن
أبي موسى فقال : إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه ، وإن أردت القتالَ فليس بصاحبه ، فقال علي :
والله ما أريد إلا الصلح ممن تمرد علينا ، وسار ، فلما اقترب من الكوفة وجاءه الخبر بما وقع من الأمر
على جليَّته ، من قتل ومن إخراج عثمان بن حُنَيْف من البصرة ، وأخذهم أموال بيت المال ، جعل يقول :
اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير ، فلما انتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف مهشماً ، وليس في
وجهه شعرة فقال : يا أمير المؤمنين بعثتني إلى البصرة وأنا ذو لحية ، وقد جئتك أمرد(٥) ، فقال : أصبت
خيراً وأجراً . وقال عن طلحة والزبير : اللهم احْلل ما عَقَد(٦) ، ولا تُبرم ما أحْكما في أنفسهما ، وأرهما
المَسَاءة فيما قد عَمِلا - يعني في هذا الأمر - وأقام عليٍّ بذي قار ينتظر جواب ما كتب به مع محمد بن
أبي بكر وصاحبه محمد بن جعفر - وكانا قد قدما بكتابه على أبي موسى وقاما في الناس بأمره - فلم يجابا
في شيء ، فلما أمسوا دخل أناس من ذوي الحجى على أبي موسى يعرضون عليه الطاعة لعلي ، فقال :
كان هذا بالأمس فغضب محمد ومحمد فقالا له قولاً غليظاً : فقال لهما : والله إن بيعة عثمان لفي
في أ : فما عرفه فاعرفوه .
(١)
(٢)
في هامش أ : مطلب الفرق .
في أ : ثم سار من الربذة .
(٣)
فيد : بليدة في نصف طريق مكة من الكوفة . معجم البلدان (٤/ ٢٨٢).
(٤)
(٥)
كذا في الأصول والأصح : أمرد .
(٦) في أ : ما عقدوا .

٤١٢
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
عنقي وعنق صاحبكما ، فإن لم يكن بد من قتال فلا نقاتل أحداً حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا ومن
كانوا ، فانطلقا إلى عليٍّ فأخبراه الخبرَ ، وهو بذي قار ، فقال للأشتر : أنت صاحبنا في أبي موسى
والمعترض(١) في كل شيء فاذهب أنت وابن عباس فأصْلح ما أفسَدْتَ ، فخرجا فقدما الكوفةَ وكلَّما
أبا موسى واستعانا عليه بنفرٍ من الكوفة فقام في الناس فقال: أيها الناس، إن أصحاب محمد وَّل الذين
صحبوه أعلمُ بالله ورسوله ممن لم يصحبه ، وإن لكم علينا حقاً وأنا مؤذٍّ إليكم نصيحةً ، كان الرأي أن
لا تستحقُّوا بسلطان الله وألا تجترئوا على أمره ، وهذه فتنةٌ النائمُ فيها خيرٌ من اليقظان ، واليقظانُ خيرٌ من
القاعد ، والقاعدُ خير من القائم والقائم خير من ( الراكب ، والراكب خير ) من الساعي فأغمدوا السيوفَ
وأنصلوا الأسنةَ، واقطعوا الأوتار ، وآووا المضطَهَدَ والمظلومَ حتى يلتئم هذا الأمر ، وتنجلي هذه
الفتنة ، فرجع ابنُ عباس والأشتر إلى علي فأخبراه الخبر ، فأرسل الحسنَ وعمّار بن ياسر ، وقال لعمار :
انطلق فأصلح ما أفسدتَ ، فانطلقا حتى دخلا المسجدَ فكان أول من سلم عليهما مسروق بن الأجدع ،
فقال لعمار : علام قتلتم عثمان ؟ فقال : على شتم أعراضنا وضرب أبشارنا٢ً) ، فقال : والله ما عاقبتم
بمثل ما عوقبتم به ، ولو صبرتم لكان (٣) خيراً للصابرين .
قال : وخرج أبو موسى فلقي الحسن بن علي فضمَّه إليه ، وقال لعمار : يا أبا اليقظان أعدوت على
أمير المؤمنين عثمان قتلته ؟ فقال : لم أفعل ، ولم يسؤني ذلك ، فقطع عليهما الحسن بن علي فقال
لأبي موسى : لمَ تثبط الناس عنا ؟ فوالله ما أردنا إلا الإصلاح ، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء ،
فقال: صدقتَ بأبي وأمي، ولكنَّ المستشارَ مؤتمنٌ، سمعتُ النبيِنَّه يقول(٤): ((إنها ستكون فتنةٌ
القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمٌ خيرٌ من الماشي ، والماشي خيرٌ من الراكب)) وقد جعلنا الله إخواناً ،
وحرّم علينا دماءنا وأموالنا، فغضب عمار وسبَّه، وقال: يا أيها الناس، إنما قال له رسولُ الله وَلَه وحدَه
أنت فيها قاعداً خير منك قائماً ، فغضب رجلٌ من بني تميم لأبي موسى ونال من عمارٍ ، وثار آخرون ،
وجعل أبو موسى يكفكف الناس ، وكثر اللَّغط ، وارتفعت الأصوات .
وقال أبو موسى : أيها الناس ، أطيعوني وكونوا خيرَ قوم من خيرِ أمم العرب ، يأوي إليهم المظلوم ،
ويأمن فيهم الخائف ، وإن الفتنة إذا أقبلت شبّهت ، وإذا أدبرت بيّنَتْ(٥) ثم أمر الناس بكفّ أيديهم ولزوم
بيوتهم .
(٢)
في ط : أنت صاحب أبي موسى والمعرض ، وفي أ : والغرض في كل شيء ، والخبر في تاريخ الطبري (٤٨٢/٤).
(١)
أبشارنا : جلودنا ، القاموس ( بشر ) .
(٣)
في أ : ولا صرتم فكان . .
قطعة من حديث أخرجه أحمد في مسنده ( ٤١٦/٤) والترمذي في جامعه ( ٢٢٠٤ ) في الفتن ، وأبو داود في سننه
(٤)
(٤٢٥٩) في الفتن ، وابن حبان في صحيحه كما في الإحسان ( ١٣ / ٢٩٧) رقم (٥٩٦٢) وهو حديث صحيح .
(٥) في ط : تبينت والخبر في تاريخ الطبري (٤/ ٤٨٤).

٤١٣
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
فقام زيد بن صُوحان فقال : أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين ، وسيّد المسلمين ، سيروا إليه
أجمعون .
فقام القعقاع بن عمرو فقال : إن الحقَّ ما قاله الأميرُ ، ولكن لابدَّ للناس من أمير يردع الظالم
ويُعْدِي(١) المظلومَ، وينتظم به شملُ الناس ، وأمير المؤمنين عليٍّ ملي بما ولي، وقد أنصف في
الدعاء (٢) ، وإنما يريدُ الإصلاح ، فانفروا إليه .
وقام عبد خير(٣) فقال : الناس أربع فرق، عليٍّ بمَنْ مَعَهُ في ظاهر الكوفة ، وطلحةُ والزبيرُ بالبصرة ،
ومعاويةُ بالشام ، وفرقةٌ بالحجاز لا تقاتلُ ولا عناء بها ، فقال أبو موسى : أولئك خير الفرق ، وهذه
فتنةٌ . ثم تراسل الناسُ في الكلام ، ثم قام عمّارٌ والحسنُ بن علي في الناس على المنبر يدعوانُ(٤) الناسَ
إلى النَّفير إلى أمير المؤمنين ، فإنه إنما يريد الإصلاحَ بين الناس ، وسمع عمارٌ رجلاً يسبُّ عائشة فقال :
اسكت مقبوحاً منبوحاً ، والله إنها لزوجة رسول الله بَّهَ في الدنيا والآخرة، ولكنَّ الله ابتلاكُمْ بها ليعلم
أتطيعوه أو إياها ، رواه البخاري(٥) .
وقام حجر بن عدي فقال : أيها الناس ، سيروا إلى أمير المؤمنين، ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ
بِأَمْوَلِكُمْ وَفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [ التوبة: ٤١] وجعل الناس كلَّما قام رجل
فحرَّض(٦) الناس على النفير يُشَبِّطُهم أبو موسى من فوق المنبر ، ( وعمار والحسن معه على المنبر ) حتى
قال له الحسن بن علي : ويحك! اعتزْلنا لا أمَّ لكَ ، ودع منبرنا .
ويقال إن علياً بعث الأشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة وأخرجه من قصر الإمارة من تلك الليلة ،
واستجاب الناس للنفير فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البرّ وفي دجلة ، ويقال : سار معه اثنا عشر ألف
رجل ورجل واحد ، وقدمو(٧) على أمير المؤمنين فتلقّاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعةٍ ، منهم ابن
عباس فرخَّبَ بهم وقال : يا أهل الكوفة ! أنتم لقيتُم ملوكَ العجم ففَضَضْتمُ جموعَهم ، وقد دعوتكم
لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة ، فإن يرجعوا فذاك الذي نُريده، وإن أبَوْا داويناهم بالرِّفْقِ حتى
يَبْدؤونا بالظلم ، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى .
فاجتمعوا عنده بذي قار ، وكان ( من ) المشهورين من رؤساء من انضاف إلى عليٍّ : القعقاع بن
في تاريخ الطبري (٤٨٤/٤) : إنه لابد من إمارة تنظم الناس وتنزع الظالم وتعز المظلوم .
(١)
(٢)
في ط : بالدعاء .
(٣)
هو الخيوانيّ صاحب علي رضي الله عنه .
(٤)
في أ : يدعون .
(٥)
صحيح البخاري ( ٣٧٧٢) في فضائل الصحابة .
(٦)
في أ : يحرض .
(٧) في أ : فقدموا .

٤١٤
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
عمرو ، سِعْر (١) بن مالك، وهند بن عمرو ، والهيثم بن شهاب ، وزيد بن صُوحان ، والأشتر ،
وعديُّ بن حاتم ، والمسيّب بن نَجبة ، ويزيد بن قيس ، وحُجْر بن عَدي وأمثالهم .
وكانت عبد القيس بكمالها بين علي وبين البصرة ينتظرونه وهم ألوفٌ ، فبعث عليٍّ القعقاع رسولاً إلى
طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألْفةِ والجماعة ، ويُعظم عليهما الفرقةَ والاختلافَ .
فذهب القعقاعُ إلى البصرة فبدأ بعائشة أمّ المؤمنين ، فقال : أي أماه ! ما أقدمكِ هذا البلدَ ؟ فقالت :
أي بنيّ ! الإصلاحُ بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها، فحضرا، فقال القعقاع:
إنّي سألتُ أمَّ المؤمنين ما أقدمها ؟ فقالت إنما جئت للإصلاح(٢) بين الناس ، فقالا : ونحن كذلك .
قال : فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح ؟ وعلى أي شيء يكون ؟ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن ، ولئن
أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك (٣) كان تركاً للقرآن، فقال قتلتما قتلته(٤) من
أهل البصرة ، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم ، قتلتم ستمئة رجل ، فغضب لهم
ستة آلاف فاعتزلوكم ، وخرجوا من بين أظهركم ، وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف ، فإن
تركتموهم وقعتم فيما تقولون ، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم وفرقتم من هذا الأمر أعظم
مما أراكم تدفعون وتجمعون منه - يعني أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة ، ولكنه يترتب عليه
مفسدة هي أربى منها - وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير ، لقيام ستة آلاف في
منعه ممن يريد قتله ، فَعَليٌّ أعذرُ في تركه الآن قتل قتلة عثمان ، وإنما أخّرَ قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن
منهم ، فإنَّ الكلمة في جميع الأمصار مختلفة (٥) ، ثم أعلمهم أن خلقاً من ربيعة ومضر قد اجتمعو(٦)
لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع .
فقالت له عائشة ( أم المؤمنين ) : فماذا تقول أنت ؟ قال : أقول إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين ،
فإذا سكن اختلجوا ، فإن أنتم بايعتمونا فعلامةُ خيرٍ وتباشيرُ رحمةٍ ، وإدراكُ الثأر ، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرةً
هذا الأمر وائتنافه كانت علامةَ شرِّ وذهابَ هذا الملك ، فآثروا العافية ترزقوها ، وكونوا مفاتيحَ خيرٍ كما كنتم
أولًا، ولا تعرّضونا للبلاء فتتعرضوا له ، فيصرعنا الله وإياكم ، وايم الله إني لأقول قولي هذا وأدعوكم إليه ،
وإني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها ، ونزل بها ما نزل ، فإن هذا الأمر
(١) في ط: ((سعد))، محرف، وما أثبتناه هو الصواب، وهو الذي في تاريخ الطبري (٢٤/٤ و٤٨٨) وقد قيده الأمير
في الإكمال (٢٩٨/٤ -٢٩٩) فلا مجال بعد ذلك إلى الاجتهاد .
(٢)
في أ : فقالت الإصلاح .
(٣)
في أ : إن يترك .
في أ : قتلة عثمان .
(٤)
في أ : مختلفة عليه .
(٥)
في أ : قد أجمعوا .
(٦)

٤١٥
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
الذي قد حدث أمرٌ عظيمٌ ، وليس كقتل الرجل الرجلَ ، ( ولا النفر الرجل ) ، ولا القبيلة القبيلة .
فقالوا : قد أصبتَ وأحسنتَ فارجع ، فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر ، قال : فرجع
إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك ، وأشرف القوم على الصلح ، كره ذلك من كرهه ورضيه من رضيه .
وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للإصلاح(١) ، ففرح هؤلاء وهؤلاء.
وقام عليٌّ في الناس خطيباً فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها ، وذكر الإسلام وسعادة أهل بالألفة
والجماعة ، وأن الله جمعهم بعد نبيه وَّة على الخليفة أبي بكر الصديق ، ثم بعده على عمر بن الخطاب ،
ثم على عثمان ثم حدث هذا الحدث الذي جرَّه على الأمة أقوامٌ طلبوا الدنيا وحسدوا من أنعم الله عليه بها ،
وعلى الفضيلة التي منّ الله بها، وأرادوا ردَّ الإسلام والأشياء على أدبارها، واللهُ بالغُ أمْرِهِ . ثم قال : ألا
إني مرتحلٌ غداً فارتحلوا ، ولا يرتحل معي أحدٌ أعانَ على قتل عثمان بشيء من أمور الناس .
فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كالأشتر النَّخعي ، وشُريح بن أوفى ، وعبد الله بن سبأ
المعروف بابن السوداء ، وسالم بن ثعلبة ، وعِلباء(٢) بن الهيثم ، وغيرهم في ألفين وخمسمئة ، وليس
فيهم صحابي ولله الحمد ، فقالوا : ما هذا الرأي، وعلي - والله - أعلمُ(٣) بكتاب الله [وهو ] ممن يطلب
قتلة عثمان ، وأقرب إلى العمل بذلك ، وقد قال ما سمعتم ، وغداً يجمع عليكم الناس ، وإنما يريد القوم
كلهم أنتم ، فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم ، فقال الأشتر : قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا ، وأما
رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم ، فإن كان قد اصطلح معهم فإنهم اصطلحوا على دمائنا ، فإن كان الأمر
هكذا ألحقنا علياً بعثمان ، فرضي القوم منا بالسكوت ، فقال ابن السوداء : بئس ما رأيت ، لو قتلناه
قتلنا٤) ، فإنا يا معشر قتلة عثمان في ألفين وخمسمئة ، وطلحة والزبير (وأصحابهما) في خمسة آلاف ،
لا طاقة لكم بهم ، وهم إنما يريدونكم ، فقال عِلباء بن الهيثم : دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض
البلاد فنمتنع بها ، فقال ابن السوداء : ( بئس ما قلتَ ، إذاً والله كان يتخطفكم الناس ، ثم قال ابن
السوداء ) قبحه الله : يا قوم إن عِزَّكم في خُلْطة الناس(٥) [ فصانعوهم ]٦) فإذا التقى الناس فانشبوا الحرب
والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون فمن أنتم معه لا يجد بداً من أن يمتنع ، ويشغل الله طلحة والزبير
ومنْ معهما عمّا يُحبّون ، ويأتيهم ما يكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه .
وأصبح عليّ مرتحلاً ومرَّ بعبد القيس فساروا معه حتى نزلوا بالزاوية ، وسار منها يريد البصرة ، وسار
(١)
في ط: ((للصلح)).
في ط : غلاب ؛ وما هنا عن أوالطبري (٤٩٣/٤).
(٢)
(٣)
في أ : وعلي أبصر بكتاب الله .
(٤)
في أ : ما رأيت قلنا لها قتلنا .
في ط : إن عيركم ، وفي ا : إن عزكم في خلطتكم بالناس .
(٥)
(٦) زيادة عن تاريخ الطبري (٤٩٤/٤).

٤١٦
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
طلحة والزبير ومن معهما للقائه ، فاجتمعوا عند قصر عبيد الله بن زياد ، ونزل الناس كلٌّ في ناحية . وقد
سبق علي جيشه وهم يتلاحقون به، فمكثوا ثلاثة أيام والرسل بينهم، فكان ذلك للنصف من جمادى الآخرة
سنة ست وثلاثين ، فأشار(١) بعض الناس على طلحة والزبير بانتهاز الفرصة ، من قتلة عثمان فقالا : إن
علياً أشار بتسكين هذا الأمر ، وقد بعثنا إليه بالمصالحة على ذلك ، وقام عليٍّ في الناس خطيباً .
فقام إليه الأعور بن بُناثُ(٢) المِنْقُري، فسأله عن إقدامه على أهل البصرة ، فقال : الإصلاح ، وإطفاء
الثائرة ليجتمع الناسُ على الخير ، ويلتئم شملُ هذه الأمة ، قال : فإن لم يجيبونا ؟ قال : تركناهم
ما تركونا ، قال : فإن لم يتركونا ؟ قال : دفعناهم عن أنفسنا ، قال : فهل لهم في هذا الأمر مثل الذي
لنا ، قال : نعم !
وقام إليه أبو سلامُ(٣) الدَّالاني، فقال: هل لهؤلاء القوم حجةٌ فيما طلبوا من هذا الدم ، إن كانوا
أرادوا اللّهَ في ذلك ؟ قال : نعم ! قال : فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك ؟ قال : نعم! قال ؛ فما حالنا
وحالهم إن ابتلينا غداً ؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحدٌ نقَّى قلبه لله إلا أدخله اللهُ الجنةَ .
وقال في خطبته : أيها الناس أمسكوا عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم ، وإياكم أن يسبقونا غداً ،
فإن المخصوم غداً مخصوم اليوم .
وجاء في غبون ذلك الأحنفُ بن قيس في جماعةٍ فانضافَ إلى عليٍّ .
وكان قد منع حرقوص بن زهير من طلحة والزبير وكان قد بايع علياً بالمدينة وذلك أنه قدم المدينة
وعثمان محصور فسأل عائشة وطلحة والزبير : إن قتل عثمان من أبايع ؟ فقالوا بايع علياً فلما قتل عثمان
بايع علياً قال : ثم رجعت إلى قومي فجاءني بعد ذلك ما هو أفظع ، حتى قال الناس : هذه عائشة جاءت
لتأخذ بدم عثمان ، فحرتُ في أمري لمن أتبع ، فمنعني الله بحديث سمعتُهُ من أبي بكر قال : قال
رسول الله وَ﴿ وقد بلغه أنَّ الفرس قد ملَّكوا عليهم ابنةَ كسرى فقال: ((لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة))
وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري(٤) .
والمقصود أن الأحنف لما انحاز إلى علي ومعه ستة آلاف [ قوس ، فقال لعلي : إن شئت قاتلت
معك ، وإن شئت كففت عنك عشرة آلاف سيف ، فقال : اكفف عنا ]°) عشرة آلاف سيف ، ثم بعث
علي إلى طلحة والزبير يقول : إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا
في أ : وقد أشار .
(١)
في ط : نيار ، وفي أ: بيان، وما هنا عن تاريخ الطبري (٤٩٥/٤).
(٢)
(٣)
كذا في الأصلين ، وفي الطبري : أبو سلامة .
(٤)
صحيح البخاري ( ٤٤٢٥ ) في المغازي .
ما بينهما ساقط من أ ومستدرك من هامشها .
(٥)

٤١٧
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
الأمر ، فأرسلا إليه في جواب رسالته : إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس ،
فاطمأنت النفوس وسكنت ، واجتمع كل فريق بأصحابه(١) من الجيشين ، فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن
عباس إليهم ، وبعثوا إليه محمد بن طليحة السجّاد وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلةُ عثمان بشرِّ ليلةٍ ،
وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس ، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريبٌ من
ألفي رجلٍ فانصرفَ كلّ فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف ، فثارت(٢) كلُّ طائفة إلى قومهم
ليمنعوهم ، وقام الناسُ من منامهم إلى السلاح، فقالوا : طرقتنا أهلُ الكوفة ليلاً ، وبيتونا وغدروا بنا ،
وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب علي فبلغ الأمر علياً فقال : ما للناس ؟ فقالوا ، بيتنا أهل البصرة ، فثار
كل فريق إلى سلاحه (٣) ولبسوا اللأمة(٤) وركبوا الخيولَ ، ولا يشعر أحدٌ منهم بما وقع الأمرُ عليه في نفس
الأمر ، وكان أمرُ الله قدراً مقدوراً، وقامت الحربُ على ساقٍ وقدم ، وتبارز الفرسان ، وجالت
الشجعان(٥)، فنشبت الحرب، وتواقف الفريقان، وقد اجتمع مع علي عشرون ألفاً، والتفّ(٦) على
عائشة ومن معها نحو من ثلاثين ألفاً ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، والسابئة أصحاب ابن السوداء قبَّحه الله
لا يفترون عن القتل ، ومنادي عليٍّ ينادي: ألا كُفّوا، ألا كُفّوا ، فلا يسمع أحد .
وجاء كعب بن سُور قاضي البصرة فقال : يا أم المؤمنين أدركي الناس لعل الله أن يصلح بك بين
الناس ، فجلست في هودجها فوق بعيرها وستروا الهودج بالدروع ، وجاءت فوقفت بحيث تنظر إلى
الناس عند حركاتهم(٧) ، فتصاولوا وتجاولو(٨) .
وكان في جملة من تبارز الزبير وعمار ، فجعل عمار ينخزه بالرمح والزبير كافٍّ عنه ، ويقول له ،
أتقتلني يا أبا اليقظان؟ فيقول: لا يا أبا عبد الله، وإنما تركه الزبير لقول رسول الله وَ ليل: ((تقتلكَ الفئةُ
الباغيةُ)) وإلا فالزبير أقدر عليه منه عليه ، فلهذا كفَّ عنه .
وقد كان من سنّتهم في هذا اليوم أنه لا يُذَفَّف على جريح ، ولا يتبع مدبر ، وقد قتل مع هذا خلق كثير
جداً ، حتى جعل علي يقول لابنه الحسن : يا بني ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عاماً فقال له :
يا أبتِ قد كنتُ أنهاكَ عن هذا .
(١) في أ : بأصحابهم .
(٢)
في أ : فثار .
في أ : سلاحهم .
(٣)
لبس اللأمة : الدرع . القاموس ( لأم ) .
(٤)
(٥)
جاءت هذه العبارة بعد سطر في أقبل : إنا لله وإنا إليه راجعون .
في أ : مع علي عشرين ألفاً والتقت على عائشة . وفي ط : والتف على عائشة نحواً .
(٦)
في أ : عند معركتهم .
(٧)
في هامش أ : مطلب عدد عسكر علي وعدد عسكر أم المؤمنين عائشة .
(٨)

٤١٨
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
قال سعيد بن أبي عروبة (١) : عن قتادة ، عن الحسن ، عن قيس بن عبادة قال :
قال عليٌّ يوم الجمل : يا حسنُ ليتَ أباك مات منذ عشرين سنة ، فقال له : يا أبهْ قد كنت أنهاك عن
هذا ، قال : يا بني إني لم [ أكن ] أرى أن الأمر يبلغ هذا .
وقال مبارك بن فضالة ، عن الحسن بن أبي بكرة : لما اشتدَّ القتالُ يومَ الجمل ، ورأى عليّ
( الرؤوس ) تُنْدر(٢) أخذ عليٌّ ابنَه الحسنَ فضمَّه إلى صدره، ثم قال: إنا لله يا حسن! أيُّ خيرٍ يُرْجَى بعد
هذا؟ فلما ركبَ الجيشان وتراءى(٣) الجمعان، طلبَ عليٌّ طلحةَ والزبيرَ ليُكَلِّمَهُما، فاجتمعوا حتَّى
التفَّتْ أعناقُ خيولهم ، فيُقال إنه قال لهما: إني أراكما قد جمعتما خيلاً ورجالاً وعدداً ، فهل أعددتما٤)
عذراً يوم القيامة كذلك ؟ فاتَّقيا اللهَ ولا تكونا كالتي نَقَضَتْ غَزْلَها من بعد قوة أنكاثاً ، ألم أكن أخاكما في
دينكما تحرمان دمي وأحرم دمكما، فهل من حديث أحلَّ لكما دم أخيكما٥) ؟ فقال طلحة : [ أنت ]
أَلَّبتَ على عثمان. فقال علي: ﴿ يَوْمَيِذٍ يُوَفِيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ [النور: ٢٥]. ثم قال: لعن الله قتلة
عثمان ، ثم قال : يا طلحة! أجئت بِعِرْسِ رسول الله وَ ل وتقاتل بها ، وخبأت عِرْسكَ في البيت ؟ أما
بايعتني ؟ فقال : بايعتك والسيفُ على عنقي. وقال للزُّبير : ما أخرجكَ؟ قال : أنت ، ولا أراك بهذا
الأمر أولى به منّي . فقال له علي: أما تذكرُ يومَ مررتُ مع رسول اللّهَ بَّهَ في بني غَنْم فنظر إليَّ وضحكَ
وضحكتُ إليه، فقلت: لا يَدعُ(٦) ابن أبي طالب زَهوهُ، فقال لك رسول اللهِّهِ: ((إنه ليس بمزْهُوُ(٧)
لتقاتلنَّه وأنت ظالمٌ له ؟ )) فقال الزبير: اللهم نعم! ولو ذكرت [ ذلك ] ما سرت مَسيري هذا، ووالله
لا أقاتلكَ ، وفي هذا السياق كله نظر .
والمحفوظ منه الحديث ، كما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي(٨) فقال: حدَّثنا أبو يوسف يعقوب بن
إبراهيم الدَّورقي(٩) ، حدَّثنا أبو عاصم ، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرَّقاشيّ ، عن
جده عبد الملك ، عن أبي جرو المازني قال :
شهدت علياً والزُّبير حين تواقفا - [ يعني يوم الجمل ] - فقال له عليٍّ: يا زُبير! أنشدكَ الله أسمعتَ
في ط : عجرة ؛ خطأ. والتصحيح من أوتقريب التهذيب (٢٣٩) وسير أعلام النبلاء (٤١٣/٦).
(١)
(٢)
ندر : سقط . القاموس ( ندر ) .
(٣)
في أ : وترایا .
في أ : فهل اعتدتا ؛ وما هنا أقرب للسياق .
(٤)
(٥)
في ط : دمي .
(٦)
في أ : لا یدین .
في ط : بمتمرد .
(٧)
مسند أبي يعلى الموصلي (٦٦٦/٢): وإسناده ضعيف .
(٨)
في ط : الدوري ، وما هنا عن سير أعلام النبلاء (٢/ ١٤١).
(٩)

٤١٩
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
رسولَ الله ◌َّه يقول: ((إنك تقاتلني وأنت ظالم [ لي]))؟ قال: نعم! ولم(١) أذكره إلا في موقفي هذا،
ثم انصرف .
وقد رواه البيهقي (٢): عن الحاكم ، عن أبي الوليد الفقيه ، عن الحسن بن سفيان ، عن قَطن بن
بشير ، عن جعفر بن سليمان ، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرَّقَّاشي، عن جدِّه ، عن
أبي جرو(٣) المازني ، عن علي والزبير به .
وقال عبد الرزاق (٤) : أخبرنا معمر ، عن قتادة قال :
لما ولَّى الزبير يوم الجمل ، بلغ علياً فقال: لو كان ابن صفيّة يعلم أنه على حق [وخير ] ما ولَّى،
وذلك أن رسول الله وَ لّ لقينا®) في سقيفة بني ساعدة فقال: (( أتحبه يا زبير)) ؟ فقال: وما يمنعني [ أن
أحبه ]؟ قال: ((فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له؟)) قال: فيرون أنَّه إنَّما ولَّى لذلك.
قال البيهقي(٦) : وهذا مرسل .
وقد روي موصولاً من وجه آخر :
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن (٧) القاضي ، أخبرنا أبو عامر(٨) بن مطر، أخبرنا أبو العباس
عبد الله بن محمد بن سؤَّار الهاشمي الكوفي ، أخبرنا منجاب بن الحارث ، حدَّثنا عبد الله بن الأجلح ،
حذَّثنا أبي ، عن يزيد الفقير (٩) ، عن أبيه . قال: وسمعت المُفَضَّل بن فضالة يُحدِّثُ عن حرب بن أبي
الأسود الدُّئلي ، عن أبيه ١٠) - دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه - قال :
لما دنا عليٌّ وأصحابه من طلحة والزُّبير ، ودنت الصفوف بعضها من بعض ، خرجَ عليٍّ وهو على بغلةٍ
رسولِ الله ◌ِّ فنادى: ادعوا لي الزبيرَ بن العوّام فإني عليٍّ، فدُعي له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق
دوابِهما، فقال عليٍّ: يا زبيرُ! نشدتكَ بالله، أتذكرُ يومَ مرّ بك رسول الله وَ له ونحنُ في مكانٍ كذا وكذا ،
في ط : لم ؛ بدون الواو .
(١)
(٢)
دلائل النبوة (٤١٥/٦).
في أ : عن أبي حسن المازني ؛ خطأ، وإنما هو أبو جرو المازني. ميزان الاعتدال (٤/ ٥١٠).
(٣)
(٤)
مصنف عبد الرزاق ( ١١ / ٢٤١).
(٥)
في ط : لقيهما .
دلائل النبوة (٦ / ٤١٤_٤١٥).
(٦)
(٧)
في أ : أبو بكر بن الحسن القاضي ، وفي هامشه : بن أحمد بن .
في أ : أبو عمرو .
(٨)
في ط : مرثد الفقيه ، وما هنا عن تقريب التهذيب (٦٠٢) وسير أعلام النبلاء (٢٧/٢) ولقب بالفقير لأنه كان
(٩)
يشكو فقار ظهره .
(١٠) في ط : عن حرب بن الأسود الدؤلي دخل.

٤٢٠
ذكر مسير علي بن أبي طالب إلى البصرة
فقال: (( يا زبير أتحب(١) علياً))؟ فقلت: ألا أحبُّ ابنَ خالي وابنَ عمّي وعلى ديني؟ فقال: (( يا زبير
أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له؟)) فقال الزبير: بلى! والله لقد نسيتُه منذ سمعته من رسول الله ومَله، ثم
ذكرتُه الآن ، والله لا أقاتلك . فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف ، فعرض(٢) له ابنه عبد الله بن الزبير،
فقال: ذكّرني عليٍّ حديثاً سمعتُه من رسول الله وَله، سمعته يقول ((لتقاتلنه وأنت ظالمٌ له)) فقال: أو
للقتال جئت؟ إنما جئت لتصلحَ بين الناس ويصلح الله بك هذا الأمر ، قال : قد حلفت أن لا أقاتله ،
قال: أعتق غلامكَ سرجس(٣) وقف حتى تصلح بين الناس . فأعتق غلامه ووقف ، فلما اختلف أمر
الناس(٤) ذهب على فرسه. [ وروى البراء، عن أحمد بن عبده(٥) ، عن الحسين بن الحسن ، عن
رفاعة بن إياس بن أبي إياس ، عن أبيه ، عن جده قال ( سمعت علياً رحمه الله يقول يوم الجمل لطلحة :
أنشدك الله يا طلحة أما(٦): سمعت رسول الله وَ لل يقول: ((اللهم وال من والاه وعاد من عاداه)) قال:
بلى ، وانصرف . وقد استغربه البزار(٧) وهو جدير بذلك ]٨) .
قالوا : فرجع الزبير إلى عائشة فذكر لها أنه قد آلى ألا يقاتلَ علياً ، فقال له ابنه عبد الله : إنك [ قد ]
جمعت الناس ، فلما تراءى بعضهم لبعض خرجت من بينهم ، كفِّر عن يمينك واحضر . فأعتق غلاماً ، له
اسمه مكحول ، وقيل غلامه سرجس . وقد قيل إنه إنما رجع عن القتال لمّا رأى عماراً مع علي وقد سمع
رسول الله و لو يقول لعمار: ((تقتلك الفئة الباغية)) فخشي أن يُقْتل عمارٌ في هذا اليوم.
وعندي أن الحديث الذي أوردناه(٩) إن كان صحيحاً عنه فما رجعه سواه ، ويبعد أن يكفِّر عن يمينه ثم
يحضر بعد ذلك لقتال علي (١٠) ، والله أعلم .
والمقصود أن الزبيرَ لمّا رجعَ يومَ الجمل سار فنزل (١١) وادياً يُقال له وادي السباع ١٢) ، فاتبعه (رجل
(١) في أ : ألا تحب.
(٢) في أ : من الصفوف فتعرض .
في أ : جرجس .
(٣)
في أ : فلما رأى اختلاف الأمر من الناس .
(٤)
في أ : عبلة ؛ تحريف ، والتصحيح من مسند البزار .
(٥)
ما بين الحاصرتين إضافة من مسند البزار لا يصح النص إلا بها .
(٦)
(٧) ما بينهما زيادة من أ .
البحر الزخار - المعروف بمسند البزار - ( ١٧١/٣) طبعة مؤسسة علوم القرآن .
(٨)
(٩)
في أ : رويناه .
(١٠) في أ: ويقاتل علياً .
(١١) في أ : حتى نزل.
(١٢) وادي السباع الذي قتل فيه الزبير بن العوام بين البصرة ومكة ، بينه وبين البصرة خمسة أميال . معجم البلدان
(٣٤٣/٥) .