النص المفهرس
صفحات 381-400
٣٨١ ذكر شيء من سيرة عثمان بن عفان .(٢) صلاة طلحة بن عبيد الله [ قال: إن شئت ] أخبرتك عن (١) عنْ ٢) رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التيمي صلاة عثمان قال : نعم ! قال : قلت : لأغلبنَّ الليلةَ النفرَ على الحجر - يعني المقام - فلما قمتُ فإذا رجلٌ يزحمني مُقَنَّعاً قال : فالتفت فإذا بعثمان(٣)، فتأخرت(٤) عنه فصلَّى فإذا هو يسجد بسجود القرآن، حتى إذا قلت هذا هو أذان الفجر أوتر بركعة لم يصلّ غيرها ثم انطلق . وقد روي هذا٥) من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود ، أيام الحج ، وقد كان هذا من دأبه رضي الله عنه . ولهذا روينا عن ابن عمر(٦) أنه قال في قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَنِتُ ءَانَآءَ الَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمَا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهٌ﴾ [الزمر: ٩]قال: هو عثمان بن عفان. وقال ابن عباس(٧) في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِى هُوَوَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِّ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦] قال: هو عثمان. وقال حسان (٨): [ من البسيط ] ضَخُوا بأشْمط عُنْوانُ السُّجودِ به يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحاً وقُرْآنا وقال سفيان بن عيينة : حدَّثنا إسرائيل بن موسى ، سمعت الحسن يقول قال عثمان : لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا ، وإني لأكره أن يأتي عليّ يوم لا أنظر في المصحف . وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه . وقال أنس ومحمد بن سيرين(٩) : قالت امرأة عثمان يوم الدار : اقتلوه أو دعوه ، فوالله لقد كان يحيي الليل بالقرآن في ركعة . وقال غير واحد(١٠) : إنه رضي الله عنه كان لا يوقظ أحداً من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه ، إلا أن يجده يقظاناً(١) ، وكان يصوم الدهر ، وكان يعاتب فيقال : لو أيقظت بعض الخدم ؟ (١) في ط : التميمي ؛ تحريف . (٢) في ط : أهي صلاة طلحة ... ، وليست اللفظة لا التي تليها في أ . (٣) في ط : فإذا بعثمان يزحمني ولم ترد اللفظة في أ . في تاريخ دمشق (٢٢٦) فأخرت ؛ وما هنا موافق لراوية عبد الرزاق في مصنفه . (٤) (٥) تاريخ دمشق ( ٢٢٦). (٦) الخبر في تاريخ دمشق (٢٢٤). (٧) المصدر نفسه (٢١٠). (٨) ديوان حسان (٩٦/١ ). (٩) تاريخ دمشق ( ٢٢٨). (١٠) المصدر نفسه (٢٢٩). (١١) كذا في الأصلين ، وفي لغتنا اليوم ممنوعة من الصرف. ٣٨٢ ذكر شيء من خطب عثمان بن عفان فيقول : لا ! الليل لهم يستريحون فيه . وكان (١) إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه ، ولا يرفع صلبه جيداً من شدة حيائه رضي الله عنه . [ فصل في ذكر ] شيء من خطبه قال الواقدي(٢): حدَّثني إسماعيل بن إبراهيم(٣) بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، عن أبيه . أن عثمانَ لمّا بويع خرجَ إلى الناس فخطبهم ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه ، ثم قال : أيها النّاس أولُ كلِّ مركبٍ صعبٌ ، وإنَّ بعد اليوم أيّاماً ، وإن أعشُ تأتِكُم الخطبة على وجهها ، وما كنا خطباء وسيُعلمُنا الله . وقال الحسن : خطبَ عثمان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أيها الناس ! اتَّقوا الله فإنَّ تقوى الله غُنْمٌ ، وإن أكيسَ الناس من دانَ نفسَهُ ، وعملَ لما بعدَ الموتِ ، واكتسب من نورِ اللهِ نوراً لظلْمَةِ القَبْرِ ، ولَيَخْشَ عبدٌ أن يحشرَه الله أعمى ، وقد كان بصيراً ، وقد يلقي الحكيم جوامع الكلم ، والأصمُّ ينادى من مكانٍ بعيدٍ ، واعلموا أنَّ منْ كانَ الله له لم يَخَفْ شيئاً ، ومنْ كانَ الله عليه فمنْ يرجو بعدَه؟. وقال مجاهد : خطب عثمان فقال : ابنَ آدمَ !، اعلم أنَّ ملكَ الموتِ الذي وكل بك لم [ يزل ]٤) يُخْلفكَ ويَتَخطَّى إلى غيركَ منذ أنتَ في الدنيا، وكأنه قد تَخطَّى غيرَك إليكَ، وَقَصَدكَ، فخُذْ حِذْرِكَ ، واستعدّ له، ولا تَغْفُلْ فإنّه لا يَغْفُلُ عنكَ، واعلم ابنَ آدم إنْ غفلتَ عن نفسكَ ولم تستعدَّ لها لم يستعدّ لها غيرُكَ ، ولا بدَّ من لقاء الله، فخُذْ لنفسك ولا تَكِلْها إلى غيركَ والسلام . وقال سيف بن عمر : عن بدر بن عثمان ، عن عمه ، قال : آخر خطبةٍ خطبها عثمانُ في جماعة : إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرةَ ، ولم يعطكموها لتركنوا إليها ، إن الدنيا تَفْنى وإن الآخرة تَبْقى ، لا تُبْطرنكم الفانية ، ولا تشغلنَّكم عن الباقية، فآثروا ما يَبْقى على ما يَفْنى، فإنَّ الدنيا منقطعةٌ وإن المصيرَ إلى الله ، اتَّقوا اللهَ فإنَّ تقواه جُنّةٌ من بأسه ، ووسيلةٌ عنده واحذروا من الله الغِيَرَ ، والزموا جماعتكم لا تصيروا أحزاباً: ﴿ وَأَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُمْ أَعْدَاءً فَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَنَا﴾ [ آل عمران: ١٠٣] إلى آخر الآيتين . (١) تاريخ دمشق (٢٣٠). (٢) طبقات ابن سعد (٦٢/٣) والخبر أيضاً في تاريخ دمشق (٢٣٠). في ط : إبراهيم بن إسماعيل ؛ خطأ . وما هنا عن أومصادره . وهو من رجال التهذيب . (٣) (٤) زيادة من تاريخ دمشق (٢٣١) والمطبوع. ٣٨٣ ذكر شيء من خطب عثمان بن عفان فصل قال الإمام أحمد(١): حدَّثنا هُشيم، حدَّثنا محمد بن قيس الأسدي ، عن موسى بن طلحة . قال : سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر والمؤذن يقيم الصلاة وهو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم ، (٢) وأسعارهم(٢) وقال أحمد(٣) : حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدَّثنا يونس - يعني بن عُبَيْد - حدَّثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين : أن عثمان اشترى من رجلٍ أرضاً فأبطأ عليه فلقيه فقال : ما منعكَ من قبض مالكَ ؟ قال : إنك غَبْنتني ، فما ألقى من الناس أحداً إلا وهو يلومني ، قال : أذلك يمنعك ؟ قال : نعم ! قال : فاختر بين أرضكَ ومالكَ، ثم قال: قال رسول الله مَ له: ((أدخل الله الجنةَ رجلاً كان سهلاً مشترياً وبائعاً، وقاضياً مقتضياً)). وروى ابنُ جرير(٤) أنَّ طلحة لقيَ عثمانَ وهو خارجٌ إلى المسجد فقال له طلحة : إن الخمسين ألفاً التي لك عندي قد حصلت فأرسل من يقبضهاء) ، فقال له عثمان : إنا قد وهبناكها لمروءتك . وقال الأصمعي(٦) : استعمل ابنُ عامر قَطَنَ بن عوف الهلالي على كرمان ، فأقبل جيشٌ من المسلمين - أربعة آلاف ـ وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم ، وخشي قَطَنُّ الفوتَ فقال : من جاز الوادي فله ألفُ درهم ، فحملوا أنفسهم على العومُ(٧) ، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قَطنٌ: أعطوه جائزَتَهُ ، حتى جازوا جميعاً وأعطاهم أربعةَ آلافِ ألفِ درهم ، فأبى ابنُ عامر أن يَحْسِبَها له ، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان ، فكتب عثمان : أن أحْسِبْها له ، فإنه إنَّما أعانَ المسلمين في سبيل الله . فمن ذلك اليوم سُمِّيتِ الجوائزَ لإجازةِ الوادي ، فقال الكناني في ذلك : [ من الوافر ] على عِلاتِهِمْ أهلي ومالِي فِدَىّ للأكْرَمين بني هِلالٍ فَعادَتْ سُنّةً أخرى اللَّيالي هُمُوا سَنّوا الجَوائِزَ في مَعَدِّ وعَشْرٍ قَبْلَ تَرْكِيبِ النِّصالِ رماحُهُمُ تَزِيدُ على ثَمَانٍ (١) مسند الإمام أحمد (١/ ٧٣) وهو حديث صحيح . (٢) في ط : وأسفارهم ؛ وما هنا عن المسند . (٣) مسند الإمام أحمد (٥٨/١) وهو حديث حسن . (٤) تاريخ الطبري (٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥). (٥) في أ : يقتضيها ، وما هنا عن الطبري . (٦) الخبر في تاريخ دمشق (٢٢٢ - ٢٢٣) والكامل لابن الأثير ( ١٨٤/٣) مع بعض الخلاف في الرواية. (٧) في أ : على العُظْم ، وما هنا عن مصادره . ٣٨٤ فصل من مناقب عثمان - رضي الله عنه - فصل : [ من مناقبه ] ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنَّ جمعَ الناسَ على قراءة واحدةٍ ، وكتب المصحفَ على العرضة الأخيرة، التي درسَها جبريل على رسول الله وَلّ في آخر سنيٍّ حياته، وكان سبب ذلك أن حُذَيْفَة بن اليمان كان في بعض الغزوات ، وقد اجتمع فيها خلقٌ من أهل الشام ، ممَّنْ يقرأُ على قراءةِ المِقْدادِ بن الأسود ، وأبي الدَّرْداء ، وجماعة من أهل العراق ، ممَّنْ يَقْرأُ على قراءة عبد الله بن مسعود ، وأبي موسى ، وجعل من لا يعلم بَسَوغان القراءة على سبعة أحرف ، يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خَطَّأ الآخر أو كَفَّره ، فأدى ذلك إلى اختلاف شديد ، وانتشار في الكلام السيء بين الناس ، فركبَ حُذَيْفَة إلى عثمان فقال : يا أمير المؤمنين أدْرِكْ هذه الأمةَ قبلَ أن تختلف في كتابها كاختلافِ اليهود والنصارى في كتبهم . وذكر له مشاهدَ من اختلاف الناس في القراءة ، فعند ذلك جمعَ عثمانُ الصحابةَ وشاورهم في ذلك ، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد ، وأن يجمعَ الناسَ في سائر الأقاليم على القراءة به ، دون ما سواه ، لما رأى في ذلك من مصلحةِ كفِّ المنازعةِ ، ودفع الاختلافِ ، فاستدعى بالصُّحف التي كان الصّديقُ أمر زيد بن ثابت بجمعها ، فكانت عند الصديق أيام حياته ، ثم كانت عند عمر ، فلما توفي صارت إلى حفصة أم المؤمنين ، فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتبَ وأن يمليَ عليه سعيدُ بن العاص الأموي ، بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي ، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغةٍ قريشٍ ، فكتبَ لأهل الشام مصحفاً ، ولأهل مصر آخر ، وبعث إلى البصرة مصحفاً وإلى الكوفة بآخر ، وأرسل إلى مكة مصحفاً وإلى اليمن مثله ، وأقر بالمدينة مصحفاً . ويقال لهذه(١) المصاحف الأئمة ، وليست كلها بخطّ عثمان ، بل ولا واحد منها ، وإنما هي بخطّ زيد بن ثابت ، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبةً إلى أمره وزمانه ، وإمارته ، كما يقال دينار هرقلي ، أي ضُرب في زمانه ودولته . قال الواقدي(٢): حدَّثنا ابن أبي سبرة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة . ورواه غيره من وجه آخر عن أبي هريرة قال : لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصَبْتَ ووُفِّقْتَ، أشهد لسمعتُ رسولَ الله وَّل يقول : (( إنَّ أشدَّ أمتي حُبّاً لي قومٌ يأتون من بعدي يؤمنون بي ولم يروني ، يعملون بما في الورق المُعلَّق)) (٣) فقلت : أيّ ورق؟ حتى رأيت المصاحف ، قال: فأعجب ذلك عثمان ، وأمر لأبي هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمتُ أنّك لتحبس علينا حديث نبينا اَّه. (١) في أ : ويقال لها . تاريخ دمشق ( ٢٣٧ ) . (٢) رواه ابن عساكر في ترجمة عثمان صفحة (٢٣٧) من طريق الواقدي ، وهو ضعيف جداً . (٣) ٣٨٥ فصل من مناقب عثمان - رضي الله عنه - ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه ، لئلا يقع بسببه اختلاف . فقال أبو بكر بن أبي داود - في كتاب ((المصاحف)(١) - حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن قالا : حدَّثنا شعبة، عن علقمة بن مَرْئِد(٢) عن رجل عن سُوَيْد بن غَفَلة قال : قال لي عليٍّ حين حرق عثمان المصاحف : لو لم يصنعْه هو لصنعته . وهكذا رواه أبو داود الطَّيالسي(٣) وعمرو بن مرزوق، عن شُعبة مثله. وقد رواه البَيْهقي (٤) وغيره من حديث محمد بن أبان - زوج أختِ حسين - عن علقمة بن مرثد قال : سمعتُ العَيْزار بن جرول سمعت سُويد بن غَفَلة قال : قال علَيٍّ : أيها الناس! إياكم والغُلُوَّ في عثمان تقولون حرّق المصاحف، والله ما حرّقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد بَّر، ولو وليت مثل ما ولي لفعلتُ ( مثل ) الذي فعل . وقد روي عن ابن مسعود(٥) أنه تعتّب لما أخذ منه مصحفه فحرِّق ، وتكلّم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الذي كتب المصاحف ، وأمر أصحابه أن يغلُّو(٦) مصاحفهم ، وتلا قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] فكتب إليه عثمان رضي الله عنه يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك ، وجمع الكلمة ، وعدم الاختلاف ، فأناب وأجاب إلى المتابعة وترك المخالفة رضي الله عنهم أجمعين . وقد قال أبو إسحاق : عن عبد الرحمن بن يزيد : أن عبد الله بن مسعود دخل مسجد منى فقال كم صلَّى أميرُ المؤمنين الظهرَ؟ قالوا : أربعاً ، فصلَّى ابنُ مسعود أربعاً، فقالوا: ألم تُحدِّثنا أن رسول الله وَّر وأبا بكر وعمر صلّوا ركعتين؟ فقال: نعم! وأنا أحدثكموه الآن ، ولكني أكره الاختلاف . وفي الصحيح(٧) أن ابن مسعود قال : ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين . وقال الأعمش(٨): حدَّثني معاوية بن قرة - بواسط - عن أشياخه قالوا: (١) المصاحف (١٢) والخبر أيضاً في تاريخ دمشق (٢٤١). (٢) في أ : يزيد ؛ تحريف وما هنا عن مصادره . (٣) مسند أبي داود الطيالسي ( ص١٩). سنن البيهقي (١١٩/٩) والخبر أيضاً بهذا السند في تاريخ دمشق ( ٢٣٨). (٤) (٥) خبره في تاريخ دمشق ( ٢٣٩). (٦) في أ : أن تعلق . صحيح البخاري ( ١٠٨٤ ) تقصير الصلاة ، ومسلم ( ٦٩٥) (١٩) في صلاة المسافرين. (٧) (٨) الخبر والذي قبله في تاريخ دمشق (٢٤٨ - ٢٤٩). ٣٨٦ ذكر زوجاته وبنيه وبناته صلى عثمان الظهر بمنى أربعاً فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه ، ثم صلى بأصحابه العصرَ في رَحْلِهِ أربعاً ، فقيل له : عَتبتَ على عثمان وصليتَ أربعاً ؟ فقال : إني أكره الخلاف - وفي رواية : الخلاف شر - فإذا كان هذا متابعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن ؟ والاقتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرؤوا بها لا بغيرها ؟ وقد حكى الزُّهري(١) وغيره : أن عثمان إنما ( أتم ) خشية على الأعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان ، وقيل : بل قد تأهل بمكة . فروى أبو يعلى (٢)، وغيره من حديث عكرمة بن إبراهيم، حدَّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبي ذباب(٣) ، عن أبيه : أنَّ عثمانَ صلَّى بهم بمنى أربع ركعات، ثم أقبل عليهم فقال: إني سمعتُ رسولَ الله ◌ِوَ لَه يقول: ((إذا تزوَّجَ الرجلُ ببلد فهو من أهله)) وإني أتممت لأني تزوجتُ بها منذ قدمتها . وهذا الحديث لا يصح ، وقد تزوَّجَ رسول الله ◌َّ في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث ولم يتمّ الصلاة ، وقد قيل إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان، وهكذا تأولت عائشة فأتمت، وفي هذا التأويل نظر، فإن رسول الله وَ له هو رسول الله حيث كان ، ومع هذا ما أتمَ الصلاةَ في الأسفار . ومما كان يعتمده عثمان بن عفان أنه كان يُلْزمُ عُمَّاله بحضور الموسم كلَّ عام ، ويكتب إلى الرعايا : منْ كانتْ له عند أحدٍ منهم مَظْلمةٌ فليوافٍ إلى الموسم فإني آخذُ له حقَّه من عامله ، وكان عثمانُ قد سمحَ لكثيرٍ من ( كبار ) الصحابة في المسير حيث شاؤوا من البلاد ، وكان عمر يحجر عليهم في ذلك ، حتى ولا في الغزو ، ويقول : إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم(٤) أبناؤها، فلما خرجوا في زمان عثمان اجتمع عليهم الناس ، وصار لكل واحد أصحاب ، وطمع كل قوم في تولية صاحبهم الإمارةَ العامةَ بعد عثمان ، فاستعجلوا موته ، واستطالوا حياته ، حتى وقعَ ما وقعَ من بعض أهلِ الأمصار ، كما تقدَّم ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله العزيز الحكيم ، العلي العظيم . ذكر زوجاته وبنیه وبناته رضي الله عنهم تزوج برُقيّة بنت رسول الله وَ لّ فولد له منها عبد الله، وبه كان يُكنى، بعدما كان يُكنى في الجاهلية بأبي عمرو . تاريخ دمشق ( ٢٤٩) . (١) لم أجده في مسند أبي يعلى، ولعله في الكبير ، والخبر بتمامه في تاريخ دمشق - ترجمة عثمان - ( ٢٥٠). (٢) (٣) في أ : ذياب ؛ تحريف ، وضبطه في تقريب التهذيب (٣١٠). في أ : أن تزول الدنيا أو تراكم . (٤) ٣٨٧ ذكر زوجاته وبنيه وبناته ثُمَّ لما توفيت تزوَّج بأختها أم كلثوم . ثمَّ توفيت فتزوج بفاختة بنت غزوان بن جابر ، فولد له منها عبيد الله الأصغر . وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عَمراً، وخالداً ، وأبانا ، وعمر ، ومريم. وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية . فولدت له الوليد وسعيداً . وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية ، فولدت له عبد الملك ، ويقال : وعتبة . وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو ، بنات عثمان . وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضَمْضَم بن عدي بن حيان بن كليب(١) ، فولدت له مريم ، ويقال : وعنبسة . وقتل رضي الله عنه وعنده أربع : نائلة ، ورملة ، وأم البنين ، وفاختة . ويقال : إنه طلق أم البنين وهو محصور . فصل تقدم في دلائل النبوة الحديث الذي رواه الإمام أحمد (٢) وأبو داود(٣) من حديث سفيان الثَّوري عن منصور عن ربعي بن ناجية الكاهلي، عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله وَ له: ((إن رحا الإسلام ستدور لخمس وثلاثين ، أو ست وثلاثين ، أو سبع وثلاثين ، فإن تهلك (٤) فسبيل ما هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سعبين عاماً)) قال: فقال عمر يا رسول الله أبما مضى أم بما بقي؟ قال: (( بل بما بقي)) وفي لفظ له ولأبي داود ((تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين)) الحديث . وكأن هذا الشك من الراوي ، والمحفوظ في نفس الأمر خمس وثلاثون ، فإن فيها قتل أمير المؤمنين عثمان على الصحيح ، وقيل ست وثلاثين ، والصحيح الأول وكانت أمور شنيعة ولكن الله سلَّم ووقى بحوله وقوّته فلم يكن بأسرع من أن بايع الناس علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، وانتظم الأمر ، واجتمع الشمل ، ولكن جرت(٥) بعد ذلك أمورٌ في يوم الجمل وأيام صفين على ما سنبينه إن شاء الله تعالى . (١) في أ : بن خباب بن كلب . مسند الإمام أحمد (٣٩٣/١) وهو حديث صحيح. (٢) (٣) سنن أبي داود (٤٢٥٤) في الفتن والملاحم . (٤) في أ : يهلك ، وفي المسند : يهلكوا . (٥) في أ : حدث . ٣٨٨ وفيات سنة ٣٥هـ فصل في ذكر من توفي في زمان دولة (١) عثمان ممن لا يعرف وقت وفاته على التعيين [ على ما ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي (٢) ] أنس بن معا(٣) بن أنس بن قيس الأنصاري النجاري ، ويقال له أَنَّيْس أيضاً ، شهد المشاهد كلها رضي الله عنه . أوس بن الصّامت(٤)، أخو عُبادة بن الصّامت الأنصاريانُ(٥) شهدا بدراً، وأوس هو زوجٍ المجادلة المذكور في قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِى تُحَدِلُكَ فِ زَوْجِهَا وَتَشْتَكِنَّ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَّكُمَاْ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ [المجادلة: ١] (وامرأته) خوله (٦) بنت ثعلبة . أوس بن خَوَليُ(٧) الأنصاري من بني الحُبْلى ، شهد بدراً ، وهو المنفرد من بين الأنصار بحضور غسل النبي ◌َّر، والنزول مع أهله في قبره ، عليه الصلاة والسلام. الجدُّ) بن قيس(٩)، كان سيداً في الأنصار ، ولكن كان بخيلاً ومتهماً بالنفاق ، يقال إنه شهد بيعة الرضوان فلم يبايع ، واستتر ببعير له ، وهو الذي نزل فيه قوله تعالى: ﴿ وَمِنْهُم مَن يَقُولُ اثْذَن ◌ِلِ وَلَا نَفْتِنَّ أَا فِ اُلْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [ التوبة: ٩٤] الآية. وقد قيل إنه تاب وأقلع ، فالله أعلم . الخُطَيْنَةُ(١) الشاعر المشهور. قيل اسمه جَرْول ويكنى بأبي مُلَيْكَة ، من بني عبس ، أدرك أيام الجاهلية ، وأدرك صدراً من الإسلام ، وكان يطوف في الآفاق يمتدح الرؤساء من الناس ، ويستجديهم ويقال كان بخيلاً مع ذلك ، سافر مرة فودع امرأته فقال لها : [ من الكامل ] (١) في ط : توفي زمان عثمان ... تاريخ الإسلام (٣٣٧ -٣٦٢) - عهد الخلفاء الراشدين - ط : دار الكتاب العربي. (٢) ترجمة - أنس بن معاذ - في الاستيعاب (١٠٨/١) وأسد الغابة (١٥٤/١) والإصابة (٧٤/١). (٣) ترجمة - أوس بن الصامت - في الاستيعاب (٢١٨/١) وجامع الأصول (٣٧/١٣) وأسد الغابة (١٧٢/١) (٤) وتهذيب الأسماء واللغات (١٢٩/١ - ١٣٠) والوافي (٤٤٧/٩ -٤٤٨) وتهذيب التهذيب (٣٨٣/١). (٥) في أ : الأنصاري . في أ: خويلة؛ تحريف. وترجمتها في الاستيعاب (١٨٣٠) وجامع الأصول (١٣ / ٤٤٨). (٦) ترجمة - أوس بن خَوَليّ - في الاستيعاب (١١٧/١) وأسد الغابة (١/ ١٧٠) والإصابة (٨٤/١) وخوليّ: (٧) محركة وقد تسكن ( القاموس خول ) . في ط: ((الحر)) وهو تحريف قبيح ، فهو صحابي معروف . (٨) (٩) ترجمة - الجدّ بن قيس - في الاستيعاب (٢٦٦/١ -٢٦٧) وأسد الغابة (٣٢٧/١) والإصابة (٢٢٨/١). (١٠) ترجمة - الحطيئة - في الشعر والشعراء (٣٢٢) والاشتقاق لابن دريد (١٧٠) والأغاني (٤١/٢ - ٥٩) و (٣٨/١٩ - ٤٠) والإصابة (٦٣/٢ - ٦٤). ٣٨٩ وفيات سنة ٣٥هـ ودَعي الشهورَ فإنهنَّ قصارُ (١) عدّي السنينَ إذا خرجتُ لغيبةٍ ( وكان مدّاحاً هجّاء ، وله شعر جيد، ومن شعره ما قاله بين يَدَيْ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، فاستجاد منه قوله (٢): [ من البسيط ] من يَفْعلِ الخيرَ لم يَعْدَمْ جَوائِزَةً(٣) لا يَذْهبُ العُزْفُ بينَ اللهِ والنّاسِ ) خُبَيْب بن يساف(٤) بن عتبة الأنصاري أحد من شهد بدراً . سلمان بن ربيعة الباهلي(٥) ، يقال له صحبةٌ ، كان من الشجعان الأبطال ( المذكورين ) ، والفرسان المشهورين ، ولاه عمر قضاء الكوفة ، ثم ولي في زمن عثمان إمرة على قتال الترك ، فقتل بيَلَنْجرُ(٦)، فقبره هناك في تابوت يستسقي به الترك إذا قحطوا . عبد الله بن حُذافة بن قيس القُرشي السَّهْمي(٧) ، هاجر هو وأخوه قيس إلى الحبشة ، وكان من سادات الصحابة، وهو القائل: يا رسول الله من أبي(٨)؟ - وكان إذا لاحى الرجالُ دعي لغير أبيه - فقال: ((أبوك حذافة )(٩) . وكان رسول الله ﴾ أرسله إلى كسرى فدفع كتابه إلى عظيم بصرى فبعث معه من يوصله إلى هرقل كما تقدَّم ، وقد أسرته الرومُ في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، في جملة ثمانين من المسلمين ، فأرادوه على الكفر فأبى عليهم ، فقال له الملك : قبّل رأسي وأنا أطلقك ومن معك من المسلمين ، فقبّل رأسه ( فأطلقهم ، فلما قدم على عمر قال له : حقٌّ على كل مسلم أن يقبّل رأسك ، ثم قام عمر فقبَّل رأسه ) قبل الناس رضي الله عنه . عبد الله بن سراقة ١١) بن المعتمر، العدوي صحابي أُحُديٌّ، وزعم الزهريُّ أنه شهد بدراً، فالله أعلم . في أ : إذا حضرت أفيته . (١) البيت في ديوانه - رواية ابن حبيب - ( ١٠٩ ). (٢) (٣) في الديوان : لا يقدم جوازيه .. ترجمة - خبيب بن يساف ـ في حلية الأولياء (٣٦٤/١) والاستيعاب (١٨٨/٣) وأسد الغابة (١١٨/٢) وسير (٤) أعلام النبلاء (١/ ٥٠١ - ٥٠٢) والإصابة ( ٧٩/٣). ترجمة - سليمان بن ربيعة - في الاستيعاب (٦٣٢) وأسد الغابة (٤١٥/٢ -٤١٦) والإصابة (٦١/٢). (٥) بلنجر : مدينة ببلاد الخزر خلف باب الأبواب . معجم البلدان (٤٨٩/١) . (٦) ترجمة - عبد الله بن حذافة - في الاستيعاب (٨٨٨) وأسد الغابة (٢١١/٢) وسير أعلام النبلاء (٢/ ١١ - ١٦) (٧) والإصابة ( ٢٩٦/٢) . في أ : من لي يا رسول الله . (٨) (٩) الحديث رواه البخاري في صحيحه (٩٢) في العلم، ومسلم في صحيحه (٢٣٥٩) في الفضائل. (١٠) في أ: كان رسول الله بَي بعثه إلى هرقل . (١١) ترجمة - عبد الله بن سراقة بن المعتمر - في الاستيعاب (٩١٦) وأسد الغابة (٢٥٥/٣) والإصابة (٣١٥/٢). ٣٩٠ وفيات سنة ٣٥هـ عبد الله بن قيس (١) بن خالد الأنصاري ، شهد بدراً . عبد الرحمن بن سهل (٢) بن زيد الأنصاري الحارثي ، شهد أحداً وما بعدها . وقال ابن عبد البر : شهد بدراً . استعمله عمر على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان ، وقد نهشته حية فرقاه عمارة بن حزم ، وهو القائل لأبي بكر - وقد جاءته جدتان فأعطى السدس أم الأم وترك الأخرى وهي أم الأب - فقال له : أعطيت التي لو ماتت لم ترثها، (وتركت التي لو ماتت لورثتها ) ، فشرَّك بينهما . عمرو بن سراقةً (٣) بن المعتمر العدوي أخو عبد الله بن سراقة ، وهو بدري كبير ، روي أنه جاع مرة فربط حجراً على بطنه من شدة الجوع ، ومشى يومه ذلك إلى الليل ، فأضافه قوم من العرب ومن معه ، فلما شبع قال لأصحابه : كنت أحسب الرِّجْلَيْن يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرِّجْلَيْن . عمير بن سعد الأنصاري(٤) الأوسي ، صحابي جليل القدر ، كبير المحل ، كان يقال له نسيجَ وحدِهِ ، لكثرة زهادته وعبادته ، شهد فتحَ الشام مع أبي عُبيدة ، ونابَ بحمص وبدمشق أيضاً في زمان عمر ، فلما كانت خلافةُ عثمان عزله وولّى معاويةَ الشامَ بكماله ، وله أخبار يطول ذكرها . عروة بن حزامُ(٥) أبو سعيد العُذري كان شاعراً مُغْرَماً في ابنةِ عم له ، وهي عفراء بنت مهاجر ، يقول فيها الشعر واشتهر بحبها . فارتحل أهلها من الحجاز إلى الشام ، فتبعهم عروة فخطبها إلى عمه فامتنع من تزويجه لفقره، وزوجها بابن عمها الآخر ، فهلك عروة هذا في محبتها ، وهو مذكور في كتاب (( مصارع العشاق )(٦)، ومن شعره فيها قوله(٧): [ من الطويل ] فأبهتُ حتَّى ما أكادُ أجيبُ وما هو(٨) إلا أن أراها فُجاءةً وأنْسَى الَّذي أعْددتُ حينَ تَغِيبُ وأُضْرَفُ عن رَأْبي الذي كنت أرتئي قطبة بن عامر(٩) أبو زيد الأنصاري عَقَبِيٌّ بَدْري . ترجمة - عبد الله بن قيس - في الإصابة (٣٥٩/٢) . (١) ترجمة - عبد الرحمن بن سهل - في الاستيعاب (٨٣٦/٢) وأسد الغابة (٤٥٧/٣) والإصابة (٤٠١/٢ - ٤٠٢). (٢) (٣) ترجمة - عمرو بن سراقة - في الاستيعاب (١١٧٦/٣) وأسد الغابة (٢٢٧/٤) والإصابة (١٧٤/٣). ترجمة - عمير بن سعد - في الاستيعاب ( ١٢١٥/٣) وجامع الأصول (٥٦٦/١٤) وأسد الغابة (٢٩٢/٤ - ٢٩٣) (٤) والإصابة (٣٢/٣). ترجمة - عروة بن حزام - في الشعر والشعراء (٦٢٢) والأغاني (١٥٢/٢٠ - ١٥٨). (٥) (٦) كتاب مصارع العشاق لأبي محمد السَّرَّاج . البيتان في الشعر والشعراء (٦٢٢ - ٦٢٣). (٧) (٨) في ط : هي . ترجمة - قطبة بن عامر - في الاستيعاب (٢/ ١٢٨٢) وأسد الغابة (٤٠٦/٤) والإصابة (٢٣٧/٣). (٩) ٣٩١ وفيات سنة ٣٥هـ قيس بن قهد (١) بن قيس بن ثعلبة الأنصاري النجاري ، له حديث في الركعتين قبل الفجر ، وزعم ابن ماكولا أنه شهد بدراً ، قال مصعب الزبيري : هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري ، وقال الأكثرون : بل هو جد أبي مريم عبد الغفار بن القاسم الكوفي ، فالله أعلم . لبيد بن ربيعة (٢) أبو عقيل العامري الشاعر المشهور. صح أن رسول الله مج له قال(٣): ((أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد )). [ من الطويل ] ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ وتمام البيت : وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ فقال عثمان بن مظعون : إلا نعيم الجنة ، وقد قيل إنه توفي سنة إحدى وأربعين ، فالله أعلم . المسيب بن حزن(٤) بن أبي وهب المخزومي ، شهد بيعة الرضوان وهو والد سعيد بن المسيب سيد التابعين . معاذ بن عمرو بن الجموح(٥) الأنصاري شهد بدراً ، وضرب يومئذ أبا جهل بسيفه فقطع رجله ، وحمل عكرمة بن أبي جهل على معاذ هذا فضربه بالسيف فحل يده من كتفه ، فقاتل بقية يومه وهي معلقة يسحبها خلفه ، قال معاذ : فلما انتهيت وضعت قدمي عليها ثم تمطيت عليها حتى طرحتها رضي الله عنه . ( وعاش بعد ذلك إلى هذه السنة سنة خمس وثلاثين ) . محمد بن جعفر(٦) بن أبي طالب ، القرشي الهاشمي ، ولد لأبيه وهو بالحبشة ، فلما هاجر إلى المدينة سنة خيبر، وتوفي يوم مؤتة شهيداً، جاء رسول الله ويله إلى منزلهم فقال لأمهم أسماء بنت عميس: ((إيتيني ببني أخي)) فجيء بهم كأنهم أفرخ فجعل يقبّلهم ، ويشمهم ويبكي ، فبكت أمهم فقال: (( أتخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟)) ثم أمر الحلاق فحلق رؤوسهم(٧) . وقد (١) في ط : بن مهدي؛ تحريف . وترجمة - قيس بن فهد - في الإكمال (٧/ ٧٧) والاستيعاب (١٢٩٨) وأسد الغابة (٤ /٤٤٠ - ٤٤١) والإصابة (٢٥٧/٣ - ٢٥٨). (٢) ترجمة - لبيد بن ربيعة - في طبقات فحول الشعراء (١٢٣) والشعر والشعراء (٢٧٤) والأغاني (١٥/ ٣٦١) والاستيعاب (١٣٣٥) وجامع الأصول (١٤٤/١٥) وأسد الغابة (٥١٤/٤) وتهذيب الأسماء واللغات (٧١/٢) والإصابة (٣٢٦/٣ - ٣٢٧). الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( ٢٤٨/٢ و٤٤٤) والبخاري في صحيحه (٣٨٤١) في مناقب الأنصار ، (٣) ومسلم (٢٢٥٦) في الشعر من حديث أبي هريرة . ترجمة - المسيب بن حزن - في الاستيعاب ( ١٤٠٠) وأسد الغابة ( ١٧٧/٥) وجامع الأصول (١٩٦/١٥) (٤) والإصابة ( ٤٢٠/٣ ). ترجمة - معاذ بن عمرو - في الاستيعاب (١٤١٣) وجامع الأصول (٢٠٤/١٥) وأسد الغابة (٢٠٥/٥) والإصابة (٥) ( ٣/ ٤٣١ ) . (٦) ترجمة - محمد بن جعفر - في الاستيعاب (١٣٦٧) وأسد الغابة (٨٣/٥ - ٨٤) والإصابة (٣٧٢/٣). (٧) الحديث أخرجه أحمد في مسنده (٢٠٤/١) والنسائي في سننه (٨/ ١٨٢) في الزينة . ٣٩٢ وفيات سنة ٣٥هـ مات محمد وهو شاب في أيام عثمان كما ذكرنا ، وزعم ابن عبد البر(١) أنه توفي في تستر ، فالله أعلم . معبد بن العباس(٢) بن عبد المطلب ابن عم رسول الله وَله، قتل شاباً بإفريقية من بلاد المغرب. مُعَيْقيب بن أبي فاطمة الدَّوْسي(٣)، صاحب خاتم النبي بَّرَ، قيل توفي في أيام عثمان ، وقيل قبل ذلك ، وقيل سنة أربعين ، والله أعلم . منقذ بن عمرو الأنصاري(٤) ؛ أحد بني مازن بن النجار ، كان قد أصابته آمَّهُ(٥) في رأسه فكسرت لسانه، وضعف عقله، وكان يكثر من البيع والشراء، فقال له النبي ◌َّئي(٦): ((من بايعت فقل لا خِلابة، ثم أنت بالخيار في كل ما تشتريه ثلاثة أيام )) قال الشافعي : كان مخصصاً بإثبات الخيار ثلاثة في كل بيع ، سواء اشترط الخيار أم لا . نعيم بن مسعود(٧) ، أبو سلمة الغطفاني ، وهو الذي خذَّل بين الأحزاب وبين بني قريظة كما قدمناه ، فله بذلك اليد البيضاء ، والراية العليا . أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي(٨)، الشاعر، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي وَّل، وشهد يوم السقيفة وصلى على النبي ◌َّر، وكان أشعر هذيل، وهذيل أشعر العرب، وهو القائل (٩): [ من الكامل ] وإِذا المَنِيَّةُ أنشَبَتْ أَظْفَارِها أَلْفَيْتَ كُلَّ تَميمةٍ لا تَنْفِعُ أنّي لِرَيْب الدَّهْرِ لا أَتَضَعْضَعُ وتَجلُّدي للشّامتينَ أریھمُ توفي غازياً بإفريقية في خلافة عثمان . أبو رهم سبرة بن عبد العزى القرشي الشاعر ذكره في هذا الفصل محمد بن سعد وحده ١٠) . (١) الاستيعاب (١٣٦٨). (٢) ترجمة - معبد بن العباس - في الاستيعاب (١٤٢٧) وأسد الغابة (٢٢٠/٥) والإصابة (٣/ ٤٧٥). (٣) ترجمة - ميعقيب بن أبي فاطمة - في الاستيعاب (١٤٧٨) وجامع الأصول (٢١٤/١٥) وأسد الغابة (٢٤٠/٥) وسير أعلام النبلاء (٢/ ٤٩٢) والإصابة ( ٤٥١/٣). (٤) ترجمة - منقذ بن عمرو - في الاستيعاب (١٤٥١) وأسد الغابة (٢٧٣/٥) والإصابة (٤٦٤/٣). وفي ( أ): آفة، وفى الاستيعاب وأسد الغابة : ضربة، والأمّة - بتشديد الميم - الضربة التي تبلغ أم الرأس. (٥) (٦) الحديث في مسند الإمام أحمد (٢/ ٧٢) عن ابن عمر ورواه البخاري رقم (٢١١٧) ومسلم رقم (١٥٣٣). ترجمة - نعيم بن مسعود - في الاستيعاب ( ١٥٠٨) وأسد الغابة (٣٤٨/٥) والإصابة (٥٦٨/٣). (٧) ترجمة - أبي ذؤيب ــ في الشعر والشعراء ( ٦٥٣) والأغاني (٥٦/٦ - ٦١) والاستيعاب (١٤٤٨) والإصابة (٨) ( ٤ / ٦٥ ) . (٩) أشعار الهذليين (٣). (١٠) لم نقف عليه في المطبوع من طبقاته . ٣٩٣ وفيات سنة ٣٥هـ أبو زبيد الطائي (١)، الشاعر ، اسمه حرملة بن المنذر ( كان نصرانياً) وكان يجالس الوليد بن عقبة فأدخله على عثمان فاستنشده شيئاً من شعره ، فأنشده قصيدة له في الأسد بديعة ، فقال له عثمان : تفتأ تذكر الأسد ما حييت ؟ إني لأحسبك جباناً نصرانياً . أبو سبرة بن أبي رهم العامري(٢) ، أخو أبي سلمة بن عبد الأسد ، أمهما برة بنت عبد المطلب ، هاجر إلى الحبشة وشهد بدراً وما بعدها، قال الزبير: لا نعلم بدرياً سكن مكة بعد النبي وَلّ سواه ، قال: وأهله ببدر في ذلك . أبو لبابة(٣) بن عبد المنذر أحد نقباء ليلة العقبة ، وقيل إنه توفي في خلافة علي ، والله أعلم . أبو هاشم بن عتبة تقدم وفاته في سنة إحدى وعشرين ، وقيل في خلافة عثمان ، والله أعلم(٤) (١) ترجمة - أبي زبيد - في الشعر والشعراء (٣٠١ - ٣٠٤) والأغاني (٢٣/١١ - ٣٠) والاشتقاق (٢٣١) والإصابة (٦٠/٢) . (٢) ترجمة - أبي سبرة - في الاستيعاب (١٦٦٦) وأسد الغابة (٦/ ١٣٠) والإصابة (٤/ ٨٤). (٣) ترجمة - أبي لبابة - في الاستيعاب (١٧٤٠) واسد الغابة (٦/ ٢٦٠) والإصابة (١٦٨/٤). بهذه اللفظة ينتهي الجزء الخامس من الكتاب ، ويبدأ الجزء السادس ، وعلى صفحة غلافه جملة التمليكات (٤) والتحبيسات، وعليه ختم المدرسة الأحمدية بحلب ، وعلى الصفحة الأولى وقف عليها . والنسخة مختلفة عن سابقتها بالترقيم ، وبالخط ، وبالتعليقات التي تمتلىء بها الهوامش وسنثبت في الحواشي ما نجده ذا فائدة منها إن شاء الله تعالى . ٣٩٤ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (١) رضي الله عنه ولنذكر شيئا٢ً) من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك . هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - واسمه عبد مناف - بن عبد المطلب - واسمه شيبة - بن هاشم - واسمه عمرو - بن عبد مناف ـ واسمه المغيرة - بن قصي - واسمه زيد بن كلاب بن مُرَّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضر بن كِنانة بن خزيمة بن مُدْركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن مَعدّ بن عدنان ، أبو الحسن والحسين ، ويكنى بأبي تراب ، وأبي القاسم(٣) الهاشمي ، ابن عم رسول الله وَله، وختنه(٤) على ابنته فاطمة الزهراء . وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي، ويقال: إنَّها أولُ هاشميةٍ ولدت هاشمياً°) . وكان له من الأخوة : طالبٌ ، وعقيلٌ ، وجعفر(٦) ، وكانوا أكبرَ منه ، بين كل واحد منهم وبين الآخر عشر سنين ، له أختان ؛ أم هانىء وجمانة ، وكلهم من فاطمة بنت أسد ، وقد أسلمت وهاجرت . وكان عليٍّ أحدَ العشرةِ المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى ، وكان ممن توفي رسول الله وَّل [ وهو ] راضٍ عنهم. وكان رابعَ الخلفاء الراشدين وكان رجلاً آدمَ شديد الأدمة أشكل العينين عظيمهما ، ذو بطن ، أصلع ، وهو إلى القصر أقرب ، وكان عظيم اللحية ، قد ملأت صدره ومنكبيه ، أبيضها ، وكان كثيرَ شعر الصَّدْرِ والكتفين ، حسنَ الوجه ، ضحوكَ السّنِّ ، خفيف المشي على الأرض . أسلم عليٌّ قديماً ، وهو ابن سبع ، وقيل ( ابن ) ثمان ، وقيل تسع ، وقيل عشر ، وقيل إحدى عشرة ، وقيل اثنتي عشرة ، وقيل ثلاث عشرة ، (١) ترجمة - الإمام علي كرم الله وجهه - في نسب قريش (٣٩) وحلية الأولياء (١/ ٦١) والاستيعاب (١٠٨٩) وجامع الأصول (٩/١٢) وفيه قائمة بمصادره، وأسد الغابة (٩١/٤) وتاريخ دمشق لابن عساكر (مجلد منفرد) ومختصر تاريخ دمشق (٢٩٧/١٧) و(٥/١٨ - ٩٩) وتاريخ الإسلام (مجلد الخلفاء الراشدين ) والإصابة (٥٠٧/٢ - ٥١٠ ) . في أ : شيء ، وما هنا للسياق النحوي . (٢) في أ : وأبي القضم . (٣) في هامش أ : يعني زوج بنته . (٤) (٥) في أ : هاشمي ؛ وما هنا للسياق . بعدها في أ : وحرث . (٦) ٣٩٥ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وقيل أربع عشرة ، وقيل ( ابن ) خمس عشرة ، أو ست عشرة سنة قاله عبد الرزاق (١) عن معمر ، عن قتادة ، عن الحسن . ويقال إنه أول من أسلمُ(٢) من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت(٣) من النساء ، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي ، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار(٤) . وكان سبب إسلام عليّ صغيراً أنه كان في كفالة رسول الله بَ له، لأنه كان قد أصابتهم سنةُ مجاعةٍ ، فأخذه من أبيه ، فكان عنده(٥) ، فلما بعثه الله بالحقّ آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم علي ، وكان الإيمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصّدّيق رضي الله عنه . وقد ورد عن علي أنه قال : أنا أولُ من أسلم . ولا يصحّ إسناده إليه . وقد رُوي في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر(٦) [ وهي ] كثيرة منكرة لا يصحّ شيءٌ منها، والله أعلم. وقد روى الإمام أحمد(٧) من حديث شعبة ، عن عمرو بن مُرَّة ، سمعت أبا حمزة - رجلاً من موالي الأنصار - قال : سمعت زيد بن أرقم يقول : أول من أسلم مع رسول الله وَ لَّ عليٍّ. وفي رواية أول من صلَّى. قال عمرو : فذكرت ذلك للنَّخعي فأنكره ، وقال : أبو بكر أول من أسلم(٨) وقال محمد بن كعب القرظي : أول من آمن من النساء خديجة وأول رجلين آمنا أبو بكر وعلي ، ولكن كان أبو بكر يظهر إيمانه وعلي يكتم إيمانه . قلت : يعني خوفاً من أبيه ، ثم أمره أبوه بمتابعة ابن عمه ونصرَته ، وهاجر عليٌّ بعد خروج رسول الله وَّلي من مكة وكان قد أمره بقضاء ديونه وردّ ودائعه، ثم يلحق به ، فامتثل ما أمره به ، ثم هاجر ، وَآخى النبي بَّر. بينه وبين سهل بن حنيف. وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله وَل آخى بينه وبين نفسه (٩)، وقد (١) مصنف عبد الرزاق (٣٢٥/٥) . (٢) زيدت بعدها في ط : والصحيح أنه أول من أسلم . (٣) في أ : أسلم . في هامش أ : وقف مدرسة الأحمدية بحلب المحمية . (٤) (٥) في أ : فكان في كفالته لما بعثه الله . تاريخ دمشق (٤ / ٤٢) وما بعدها . (٦) (٧) مسند الإمام أحمد (٣٦٨/٤) فقد صححه الإمام الترمذي (٣٧٣٥) في المناقب. في هامش أ : يمكن التوفيق بين هذين القولين مما سبق آنفاً في بيان أول من آمن . قلت : يقصد أن أبا بكر أول من (٨) آمن من الرجال ، وعلياً أول من آمن من الغلمان . في أ : ولا يصح . (٩) ٣٩٦ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شيء منها لضعف أسانيدها ، ورِكَّة بعض متونها . فإنَّ في بعضها: (( أنت أخي ووارئي وخليفتي وخير من أَمِّر بعدي)) وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في الصحيحين (١) وغيرهما، والله أعلمُ(٢). وقد شهد علي بدراً وكانت له اليدُ البيضاء فيها ، بارز يومئذ فغلب وظهر وفيه ، وفي عمه حمزة وابن عمه عبيدة بن الحارث وخصومهم الثلاثة - عتبة وشيبة والوليد بن عتبة - نزل قوله تعالى: ﴿﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ﴾ [الحج: ١٩] الآية. وقال الحكم وغيره عن مِقْسَم عن ابن عباس قال(٣): دفعَ النبيُّ الرايةَ يوم بدرٍ إلى عليّ وهو ابن عشرين سنة . وقال الحسن بن عرفة : ( حدَّثني ) عمار بن محمد ، عن سعيد بن محمد الحنظلي ، عن أبي جعفر محمد بن علي قال : نادى منادٍ في السماء يومَ بدر يُقال له رضوان : لا سيفَ إلا ذو الفقار ولا فتىّ إلا علي . قال ابن عساكر(٤): وهذا مرسل وإنما تنفل رسول الله بَّلل سيفه ذا الفقار يوم بدر ثم وهبه من علي بعد ذلك . وقال يونس بن بُكَيْر : عن مسعر(٥) ، عن أبي عوف عن أبي صالح عن علي قال : قيل لي يوم بدر ولأبي بكر قيل لأحدنا معك(٦) جبريل ومع الآخر ميكائيل قال وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل ويكون في الصف . وشهد عليٍّ أَحُداً وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب بن عمير ، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري ، وحمزة بن عبد المطلب على القلب ، وعلى الرَّجَّالة الزبير بن العوام وقيل المقداد بن الأسود ، وقد قاتل علي يوم أحد(٧) قتالاً شديداً ، وقتل خلقاً كثيراً من المشركين ، وغسل عن وجه النبي ◌َّ الدم الذي كان أصابه من الجراح حين شُجَّ في وجههُ(٨) وكُسرتْ(٩) رباعيتُهُ، وشهدَ يوم الخندق فَقَتلَ يومئذ فارسَ العرب ، وأحدَ شجعانهم المشاهير ، عمرو بن عَبْد ودِّ العامري ، كما قدّمنا ذلك في غزوة الخندق ، وشهدَ الحُدَيْبية وبيعةَ الرِّضْوان ، وشهدَ خيبرَ وكانت له بها مواقفُ هائلةٌ ، (١) في أ : في الصحيح وغيرها . في هامش أ : مطلب الأحاديث الواقعة في حق علي وأنها موضوعة . (٢) المعجم الكبير للطبراني (١١/ ٣١١) . (٣) تاريخ دمشق - ترجمة علي - ( ١ / ١٥٨). (٤) (٥) في أ : مسعود . في أ : مع أحدكما جبريل . (٦) في هامش أ : بيان يوم أحد . (٧) في أ : الدم حين شج يومئذ في رأسه . (٨) في هامش أ : معطوف على قوله : وشهد علي بدراً . (٩) ٣٩٧ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ومشاهد طائلة، منها أنَّ رسول الله وَّه قال (١): ((لأعطينَّ الرايةَ غداً رجلاً يحبُّ الله ورسولَه، ويحبُّه الله ورسولُه )) فباتَ الناس [ ليلتهم ] يدوكون أيّهم يعطاها، فدعا علياً - وكان أرمدَ - فدعا له ، وبصقَ في عينه فلم يرمد بعدها ، فبرأ وأعطاه الرايةَ ، ففتح الله على يديه ، وقتل مرحبا٢ً) اليهودي . وذكر محمد بن إسحاق(٣) : عن عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبي رافع أن يهودياً ضرب علياً فطرح ترسه ، فتناول باباً عند الحصن فتترس به ، فلم يزل في يده حتى فتح الله على يديه ثم ألقاه من يده ، قال أبو رافع : فلقد رأيتني أنا وسبعة ( معي ) نجتهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع . وقال ليث : عن أبي جعفر عن جابر أن علياً حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها ، فلم يحمله إلا أربعون رجلاً . ومنها أنه قتل مرحباً فارس يهود وشجعانهم . وشهد عليٍّ عمرة القضاء وفيها قال له النبي ◌ِّي(٤): ((أنت مني، وأنا منك)) وأما [ ما ] يذكره كثير من القصاص في مقاتلة عليّ(٥) الجن في بئر ذات العلم - وهو بئر قريب من الجحفة - فلا أصل له ، وهو من وضع الجهلة من الأخباريين فلا يغتر به (٦) . وشهد الفتح وحنيناً والطائف ، وقاتل في هذه المشاهد قتالاً كثيراً، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله وَّةٍ ولما خرج رسول الله وَ له إلى تبوك واستخلفه على المدينة، قال له : يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال(٧): (( ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي)) . وبعثه رسول الله وَ له أميراً وحاكماً على اليمن، ومعه خالد بن الوليد، ثم وافى رسول الله مُّه عام [ حجة] الوداع، إلى مكة، وساق معه هدياً، وأهلَّ كإهلال النبيّ وََّ، فأشركه في هَدْيِهِ، واستمرَّ على (١) الحديث رواه سهل بن سعد وغيره من الصحابة ، وأخرجه البخاري في صحيحه (٣٧٠١) في فضائل الصحابة ، ومسلم في صحيحه (٢٤٠٦) في فضائل الصحابة ، وأحمد في مسنده (٣٣٣/٥) . (٢) في هامش أ : المرحب : ملك اليهود . (٣) السيرة النبوية لابن هشام (٢٤٥/٣). الحديث رواه البراء بن عازب وأخرجه الإمام أحمد في مسنده (٢٩٨/٤) والبخاري في صحيحه (١٨٤٤) في (٤) جزاء الصيد . (٥) في ط : وما يذكره كثير من القصاص في مقاتلة الجن . . (٦) في أ : فلا يعتبر به . الحديث عن ابن عباس وغيره أخرجه أحمد في مسنده ( ١/ ٣٣١) والبخاري في صحيحه ( ٣٧٠٦) في فضائل (٧) الصحابة . ٣٩٨ خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب إحرامه، ( ونحرا هديهما بعد فراغ نسكهما كما تقدم) ولما مرض رسول الله وَ لو قال له العباس: سلْ رسولَ الله ◌َّه فيمن الأمر بعده ؟ فقال : والله لا أسأله فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبداً ، والأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول الله وَّل# لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوَّح بذكرِ الصدِّيقِ ؛ وأشار [ إشارة ] مفهمة ظاهرة جداً إليه ، كما قدمنا ذلك ولله الحمد . وأما ما يفتريه كثيرٌ من جَهَلةِ الشّيعة والقصاص ( الأغبياء ) ، من أنه أوصى إلى عليٍّ بالخلافة ، فكذبٌ وبهتٌ وافتراءٌ عظيمٌ يلزمُ منه خطأٌ كبيرٌ، من تخوين(١) الصحابة وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى منْ أوصى إليه ، وصرفهم إياها إلى غيره ، لا لمعنى ولا لسبب ، وكلُّ مؤمنٍ بالله ورسوله متحقق (٢) أنّ دينَ الإسلام هو الحق، يعلم بطلان هذا الافتراء ، لأنّ الصحابةَ كانوا خيرَ الخلقِ بعد الأنبياء ، وهم خيرُ قرون هذه الأمة ، التي هي أشرفُ الأمم بنصّ القرآن ؛ وإجماع السلف والخلف ، في الدنيا والآخرة ، ( ولله الحمد ) . وما قد يقصُّه بعضُ القُصّاص من العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها من الوصية لعليّ في الآداب والأخلاق(٣) في المأكل والمشرب والملبس مثل ما يقولون : يا علي لا تعتمّ وأنت قاعد ، يا علي لا تلبس سراويلك وأنت قائم ، يا علي لا تمسك عضادتي الباب ، ولا تجلس على أُسْكُفَّة الباب ، ولا تُخيّطْ ثوبك وهو عليك ، ونحو ذلك ، كل ذلك من الهذيانات ، فلا أصل لشيء منه(٤) ، بل هو اختلاق(٥) ( بعض السَّفلة الجَهلة ، ولا يعوِّل على ذلك ويغتر به إلا غبي عيي ) . ثم لما مات رسول الله مَ لل كان عليٍّ من جملة من غسله وكفنه وولي دفنه كما تقدم ذلك (مفصلاً ولله الحمد والمنة ) . وسيأتي في باب فضائله ذكر تزويج رسول الله وَّليس له من فاطمة بعد وقعة بدر فولد له منها حسن وحسين ومحسن ( كما قدّمنا ) . وقد وردت أحاديثُ في ذلك لا يصحّ شيء منها بل أكثرها من وضع الروافض والقصاص . ولما بويع الصديقُ يومَ السقيفة كان علي من جملة من بايعَ بالمسجد ( كما قدّمنا ) . وكان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضاً عليه ، وأحب الأشياء إليه . ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشيء(٦) على أبي بكر بسبب الميراث الذي فاتها من أبيها عليه السلام ، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون ، فلما في أ : جور الصحابة وتماليهم . (١) (٢) في ط : يتحقق . في أ : بآداب وأخلاق . (٣) في أ : فلا أصل له . (٤) في أ : اختلاق و كذب وزور . (٥) في أ : بعض التغضب . (٦) ٣٩٩ ذكر بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظراً على هذه١) الصدقة ، فأبى ذلك عليها ، فبقي في نفسها شيء كما قدّمنا ، واحتاج عليّ أن يداريها بعض المداراة ، فلما توفيت جدد البيعةَ مع الصديق رضي الله عنهما ، فلما توفي أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبي بكر إليه بذلك : كان علي من جملة من بايعه ، وكان معه يشاوره في الأمور ، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته ، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام ؛ وشهد خطبته بالجابية ، فلما طعن عمر وجعل الأمر شورى في ستةٍ أحدُهم عليٍّ ، ( ثم خلص منهم بعثمان وعلي كما قدمنا ) ، فقدم عثمان على عليٍّ ، فسمع وأطاع . فلما قُتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرةَ خلت من ذي الحجة سنة خمسٍ(٢) وثلاثين على المشهور ، عدل الناس إلى علي فبايعوه ، قبل أن يدفن عثمان . وقيل بعد دفنه كما تقدم ، وقد امتنع علي من إجابتهم(٣) إلى قبول الأمارة حتى تكرر قولهم له وفر منهم إلى حائط بني عمرو بن مبذول ، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه ، وجاءوا معهم بطلحة والزبير ، فقالوا له : إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير ، ولم يزالوا به حتى أجاب . ذكر بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة يقال: إنَّ أولَ من بايعه طلحةُ بيده اليُمنى وكانت شَلاَّ(٤) من يوم أُحدٍ - لما وقى بها رسولَ الله وَال ـ فقال بعضُ القوم : والله إن هذا الأمر لا يتمّ ، وخرج عليٍّ إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزارٌ وعمامةُ خزٍّ ونعلاه في يده ، يتوكأ على قوسه ، فبايَعه عامَّةُ الناس ، وذلك يوم السَّبت التاسع عشر من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين ، ويقال : إن طلحة والزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما وسألاه أن يؤمِّرهما على البصرة والكوفة ، فقال لهما : بل تكونان عندي أستأنسُ بكما . ومن الناس من يزعم أنه لم يبايعه طائفة من الأنصار ، منهم حَسَّان بن ثابتٍ ، وكعبُ بن مالكٍ ، ومسلمة بن مخلدٍ ، وأبو سعيد ، ومحمد بن مسلمة ، والنُّعمان بن بشير ، وزيدُ بن ثابتٍ ، ورافع بن خديجٍ ، وفضالةُ بن عبيد ، وكعب بن عُجْرة . ذكره ابن جرير(٥) من طريق المدائني ، عن شيخ من بني هاشم ، عن عبد الله بن الحسن . قال المدائني : حدَّثني منْ سمع الزهري يقول : هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم يبايعوا (١) في هامش أ: وصرّح في ((رحمة الأمة في اختلاف الأئمة)) حيث قال: إن الأنبياء لا يورثون وإن ما تركوه صدقة في مصالح المسلمين ، ولم يخالف في ذلك إلا الشيعة . لمحرره . (٢) في أ : خمسة ، تحريف . في أ : مبايعتهم وفرّ منهم إلى بني عمرو بن مبذول وأغلق بابه ، وامتنع من قبول الإمارة حتى تقرر قولهم في الناس . (٣) (٤) في هامش أ : تعليق لا يتضح منها إلا بعض كلمات . تاريخ الطبري (٤٢٩/٤-٤٣٠ ) . (٥) ٤٠٠ ذكر بيعة علي رضي الله عنه بالخلافة علياً ، ولم يبايعه قدامة بن مظعون ، وعبد الله بن سلام ، والمغيرة بن شعبة . قلت : وهرب مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وآخرون إلى الشام . وقال الواقدي(١) : بايع الناسُ علياً بالمدينة، وتربص سبعة نفر لم يبايعوا ، منهم ابن عمر ، وسعد بن أبي وقاص، وصهيب، وزيد بن ثابت ، ومحمد بن أبي مسلمة ، وسلمة بن سلامة بن وقش ، وأسامة بن زيد ، ولم يتخلَّف أحدٌ من الأنصار إلَّ بايع فيما نعلم . وذكر سيف بن عمر(٢) عن جماعة من شيوخه قالوا : بقيتِ المدينةُ خمسةَ أيام بعد مقتل عثمان وأميرُها الغافقيُّ بن حرب ، يلتمسون منْ يُجيبهم إلى القيام بالأمر . والمصريون يلخُون على عليّ وهو يهربُ منهم إلى الحيطان ، ويطلب الكوفيون الزُّبير فلا يجدونه ، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم ، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحداً من هؤلاء الثلاثة ، فمضوا إلى سعد بن أبي وقاص فقالوا : إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم ، ثم راحو(٣) إلى ابن عمر فأبى عليهم ، فحاروا في أمرهم ، ثم قالوا : إن نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناسُ في أمرهم ولم نسلم ، فرجعوا إلى عليٍّ فألحوا عليه ، وأخذ الأشترُ بيده فبايعه وبايعه الناسُ . وأهل الكوفةِ يقولون : أولُ من بايعه الأشترُ النَّخعي وذلك يوم الخميس الرابعُ والعشرون من ذي الحجة ، وذلك بعد مراجعة الناس له في ذلك ، وكلهم يقول : لا يصلح لها إلا عليّ ، فلما كان يوم الجمعة وصعد ( عليٌّ ) المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس ، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء ، فقال قائل : إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم الزبير ، ثم قال الزبير: إنما بايعت علياً واللج على عنقي والسلام(٤) ، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر ، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسٍ(٥) بقين من ذي الحجة . وكان أول خطبةٍ(٦) خطبها أنه حمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : إن الله تعالى أنزل كتاباً هادياً بيَّن فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشرّ، إن الله حَرَّم حُرَماً [غير ] مجهولة، وفَضَّلَ حُرْمةَ المُسلم على الحُرَمِ كلِّها ، وشدَّ بالإخلاصِ والتوحيدِ حقوقَ المسلمين ، والمسلمُ من سلم المسلمون (٧) من لسانه ويده إلَّا بالحقّ ، لا يحلّ لمسلم أذى مسلم إلا بما يجبُ، بادروا أمر العامة، وخاصَّة أحدكم الموت(٨)، فإنّ (١) المصدر نفسه (٤ / ٤٣١). المصدر نفسه (٤ / ٤٣٢ ). (٢) (٣) في أ : جاؤوا . في أ : بايعت والسلاح عليّ ثم راح . (٤) في ط : لخمسة . (٥) الخطبة في تاريخ الطبري (٤٣٦/٤). (٦) (٧) في تاريخ الطبري : الناس . في أ : بالموت . (٨)