النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
صفة قتله - رضي الله عنه -
وكذبوا إنما قصدهم الدنيا ، فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال ) وكان فيه شيء كثير جداً(١) .
وقد ذكر الحافظ ابن عساكر(٢) في ترجمة سهم بن خنبش أبو خنبش أو [ أبو ] خنيس (٣) الأزدي - وكان
قد شهد الدار - ورواه محمد بن عائذ عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن يزيد الرحبي عنه ، وكان قد
استدعاه عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان فسأله عن مقتل عثمان فذكر ما ملخصه :
أنَّ وفدَ الأشقياء - وهم وفد مصر - كانوا قدموا على عثمان رضي الله عنه فأجازهم وأرضاهم فانصرفوا
راجعين ثمَّ كروا إلى المدينة فوافوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر فحصبوه بالحصباء والنعال
والخفاف فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الأخنس في
أناس ، وأطاف وفد مصر بداره ، فاستشار الناس فقال عبد الله بن الزبير : يا أمير المؤمنين ؛ إني أشير
بإحدى ثلاث خصال ، إما أن نُحرمَ بعمرةٍ فتحرم عليهم دماؤنا ، وإما أن نركبَ معك إلى مأمننا بالشام ،
وإما أن نخرج فنضرب بالسيف حتى يحكم الله بيننا فإنا على الحق وهم على الباطل . فقال عثمان : أما
ما ذكرت من الإحرام بعمرة ليحرموا دماءنا فإنهم يرونا حلالاً الآن وحال الإحرام وبعد الإحرام ، وأما
الذهاب إلى الشام ، فإني أستحيي [ أن آتي أهل الشام هارباً (٤) من بلدي خائفاً ليؤمنني أهل الشام ، وأما
القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة(٥) دم .
قال : ثم صلينا معه صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال : إني رأيتُ أبا بكرٍ وعمرَ
الليلةَ فقالا : صم يا عثمان إنك تفطر عندنا ، وأنا أشهدكم أني قد أصبحت صائماً ، وإني أعزم على منْ
كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالماً مسلوماً منه . فقلنا : يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم
نأمنهم علينا ، فأذن لنا أن نكون في بيت من الدار يكون لنا فيه جماعةٌ ومنعةٌ ، فأذن لهم وأمر بباب الدار
ففتح ودعا بالمصحف فأكبَّ عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة الكلبية وبنت شيبة ؛ فكان أول من دخل عليه
محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته فقال : دَعْها يا بن أخي ، فوالله لقد كان أبوك ليتلطف بها بأدنى من هذا ؛
فاستحيا فخرج فقال : قد أشعرته لكم . وأخذ عثمان ما أُسْقِطَ(٦) من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه ، ثم
دخل رومان بن سودان رجل أزرق قصير مخدد(٧) عدادُه من مرادٍ ، ومعه جرز(٨) من حديد فاستقبله فقال
بعد هذه اللفظة سقط في ط بقدر ورقة وأخر إلى ما قبل ( بعض الأحاديث الواردة في فضائل عثمان ) .
(١)
(٢)
الخبر في مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٢٧/١٠ -٢٢٩) بخلاف في الرواية .
في الأصول : سهم بن حنيش أو حنش أو جنيش الأزدي ، والتصحيح من مختصر ابن عساكر لابن منظور .
(٣)
الاستدراك عن مختصر ابن منظور .
(٤)
((المحجم والمحجمة)) : قارورة الدم . اللسان ( حجم ) .
(٥)
(٦)
في مختصر ابن عساكر : ما امتعط .
مخدد من خدد لحمه وتخدد : هزل ونقص . اللسان ( خدد ) .
(٧)
الجُرْزُ : العمود من الحديد . اللسان ( جرز ) .
(٨)

٣٤٢
صفة قتله - رضي الله عنه -
على أي ملة يا نَعْثَلُ . فقال : لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان ، وأنا على ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما
كنت من المشركين . فقال : كذبت فضربه بالجرز على صدغه الأيسر فقتله فخر .
وأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها - وكانت امرأةً جسيمةً ضليعةٌ(١) - وألقت بنت شيبة
نفسَها على ما بقي من جسده ودخل رجل من [ أهل ]٢) مصر بالسيف مصلتاً فقال : والله لأقطعن
أنفه فعالج المرأة عنه فغلبته ، فكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى متنها ؛ فلما لم يصل إليه
أدخل السيف بين درعها ومنكبها فقبضت على السيف فقطع أناملها . فقالت : يا رباح - لغلام لعثمان
أسود - يا غلام اغن عني(٣) هذا الرجل ، فمشى إليه الغلام فقتله وخرج أهل البيت فقاتلوا عن أنفسهم
فقُتل المغيرةُ بن الأخنس وجُرح مروان . قال : فلما أمسينا قلنا : إن تركتم صاحبكم حتى يصبح
مَثَّلوا به ، فاحتملناه إلى بقيع الغَرْقَد في جوف الليل ، وغشينا سواد من خلفنا حتى هبناهم ، وكدنا
أن نتفرق عنه ، فنادى منادٍ منهم ألَّ رَوْعَ عليكم ، اثبتوا وإنما جئنا لنشهده معكم ، فكان أبو خنيس
يقول : هم ملائكة الله ؛ فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا [ فلقينا أهل الشام ]٤) بوادي القرى
عليهم حبيب بن مسلمة(٥) قد أتوا في نُصرة عثمان ، فأخبرناهم بقتله ودفنه .
فصل
ولما وقع هذا الأمر العظيم ، الفظيع الشنيع ، أسقط في أيدي الناس ، فأعظموه(٦) جداً ، وندم أكثرُ
هؤلاء الجهلة الخوارج بما٧) صنعوا ، وأشبهوا من تقدمهم ممن قصّ الله علينا خبرهم في كتابه العزيز ،
من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى: ﴿وَلَا سُقِطَ فِى أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ قَالُواْ لَيِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا
وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَسِرِينَ﴾ [ الأعراف: ١٤٩].
ولما بلغ الزبيرَ مقتلُ عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم ترحّم
على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبّاً لهم، ثم تلا قوله تعالى: ﴿ مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَحِدَةً
تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِمُونَ ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ [ يس: ٤٩ - ٥٠] وبلغ علياً قتلهُ فترحّم
عليه . وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى: ﴿ كَمَثَلِ الشَّيْطَنِ إِذْ قَالَ لِلْإِنِسَنِ أَكْفُرْ فَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِى
بَرِىٌّ مِنكَ إِنَّّ أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحشر: ١٦] ولما بلغَ سعد بن أبي وقاصٍ قتلُ عثمان استغفر له
((الضليع)) : العيظم الخلق الشديد . اللسان ( ضلع ) .
(١)
(٢)
عن المختصر .
في المختصر : أعن على هذا فمشى .
(٣)
(٤)
الاستدراك من المختصر .
هنا نهاية السقط .
(٥)
(٦)
في أ : وعظموه .
في أ : وندم أكثر هؤلاء الجهلة على ما صنعوا .
(٧)

٣٤٣
صفة قتله - رضي الله عنه -
ـا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِى الْحَيَّوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
وترحّم عليه ، وتلا في حق الذين قتلوه : ﴿ قُلْ هَلْ نُنِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِ ينَ أَعْمَلًا
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٤ ] ثم قال سعد: اللهم أنْدِمْهم ثمّ خُذْهم. وقد أقسم بعض
السلف بالله إنه ما مات أحد من قتله(١) عثمان إلا مقتولاً. رواه ابن جرير(٢)
وهكذا ينبغي أن يكون لوجوهٍ : ( منها ) دعوةُ سعد المستجابة كما ثبت في ( الحديث ) الصحيح .
وقال بعضهم : ما مات أحد منهم حتى جن .
وقال الواقدي : حدَّثني عبد الرحمن بن أبي الزّناد ، عن عبد الرحمن بن الحارث قال : الذي قتل
عثمان كنانة بن بشر بن عتّاب(٣) التجيبي ، وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول : خرجنا إلى الحج
وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمَرْج سمعنا رجلاً يُغني تحت الليل (٤): [ من الطويل ]
ألا إنَّ خيرَ النّاس بعد ثلاثةٍ قتيلُ التُّجَيْبي الذي جاء من مِصْر
ولما رجع الحج وجدوا عثمان رضي الله عنه قد قُتل ، وبايع الناسُ عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه .
ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أنَّ عثمان قد قُتل ، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحواً من أربعة
أشهر كما سيأتي .
فصل
كانت مدة حصار(٥) عثمان رضي الله عنه في داره أربعين يوماً على المشهور ، وقيل كانت بضعةً
وأربعين يوماً . وقال الشعبي : كانت ثنتين وعشرين ليلةً . ثم كان قتله رضي الله عنه في يوم الجمعة بلا
خلاف . قال سيف بن عمر عن مشايخه : في آخر ساعة منها ، ونص عليه مصعب(٦) بن الزبير وآخرون.
وقال آخرون ضحوة ( نهارها ) ، وهذا أشبه ، وكان ذلك لثماني عشرة ليلة خلت من ذي الحجة على
المشهور ، وقيل في أيام التشريق ، رواه ابن جرير(٧): حدَّثني أحمد بن زهير ، حدَّثنا أبو خيثمة ، حدَّثنا
وهب بن جرير ، سمعت يونس بن يزيد ، عن الزُّهري . قال : قُتل عثمان ، فزعم بعضُ الناس أنه قُتل في
أيام التشريق [ ورواه عبد الله بن أحمد بن عبيد الله بن معاذ، عن معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن
في أ : ممن قتل .
(١)
في تاريخه (٣٩٢/٤) .
(٢)
في أ : غياث ؛ تحريف ، والخبر في تاريخ الطبري (٤/ ٣٩٤).
(٣)
(٤)
البيت في تاريخ الطبري (٣٩٤/٤).
في أ : كان مدة حصار . .
(٥)
في أ : مصعب الزبيري .
(٦)
في تاريخه (٤ / ٤١٧).
(٧)

٣٤٤
صفة قتله - رضي الله عنه -
أبي عثمان قال : قتل عثمان في أوسط أيام التشريق ] ، وقال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث خلت من ذي
الحجة . وقيل قتل يوم النحر ، حكاه ابن عساكر ويستشهد له بقول الشاعر :
ضَحّوا بأشمط عنوان السجودِ بهِ يقطّعُ الليلَ تسبيحاً وقرآناً
قال : والأول هو الأشهر ، وقيل(١) إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس
وثلاثين على الصحيح المشهور، وقيل سنة ست وثلاثين ، قال مصعب بن الزبير(٢) وطائفة : وهو غريب.
فكانت خلافته ثنتي عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً ، لأنه بويع له في مستهلّ المحرم سنة أربع وعشرين .
فأما٣) عُمره رضي الله عنه فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة ، وقال صالح بن كيسان : توفي عن اثنتين
وثمانين سنة وأشهر، وقيل: أربع وثمانون سنة٤) ، وقال أحمد(٥) عن حسن بن موسى (حدثنا أبو
هلال)٦) عن قتادة : توفي عن ثمانٍ وثمانين أو تسعين سنة. وفي رواية عنه توفي عن ثنتين(٧) وثمانين
سنة . وعن هشام بن الكلبي [ أنه ] توفي عن خمس وسبعين سنة، وهذا غريب جداً، وأغرب منه ما رواه
( سيف ) بن عمر عن مشايخه ، وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا : قتل عثمان رضي
الله عنه عن ثلاث وستين سنة (٨).
وأما موضع قبره فلا خلاف أنه ( دفن ) بحشّ كوكب - شرقي البقيع - وقد بني عليه في زمنُ(٩) بني أمية
قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم . قال الإمام مالك رضي الله عنه : بلغني أن عثمان رضي الله عنه كان يمرّ
بمكان قبره من حشّ كوكب فيقول : إنه سيدفن هاهنا رجل صالح .
وقد ذكر ابن جرير(١٠) أن عثمان رضي الله عنه بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن.
قلت : وكأنه اشتغل الناس عنه بمبايعة علي رضي الله عنه حتى تَمَّتْ ، وقيل إنه مكث ليلتين ، وقيل
بل دفن من ليلته ، ثم كان دفنه [ في ] ما بين المغرب والعشاء خيفة ١١) من الخوارج ، وقيل : بل استؤذن
في أ : وهو أنه قتل .
(١)
في أ : مصعب الزبيري .
(٢)
(٣)
في أ : وأما .
اضطرب النص في أوط اضطراباً شديداً ، فتكررت العبارات وتداخلت ، والصواب ما أثبتناه إن شاء الله تعالى .
(٤)
(٥)
مسند أحمد (٧٤/١)، وإسناده منقطع.
(٦)
إضافة من مسند أحمد لا بد منها ، وهو محمد بن سليم الراسبي .
(٧)
في أ : عن ست .
الخبر في تاريخ الطبري (٤١٨/٤) .
(٨)
في ط : زمان .
(٩)
(١٠) في تاريخه (٤١٢/٤).
(١١) في أ : خفية.

٣٤٥
صفة قتله - رضي الله عنه -
فى ذلك بعض رؤسائهم ، فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة، فيهم(١) حكيم بن حزام ، وحُوَيْطب بن
عبد العُزّى ، وأبو الجهم بن حذيفة ، ونيار(٢) بن مكرم الأسلمي، وجُبَيْر بن مُطْعم ، وزيد بن ثابت ،
وكعب بن مالك ، وطلحة والزبير ، وعلي بن أبي طالب وجماعة من أصحابه ونسائه ، منهن امرأتاه نائلة
وأم البنين بنت عتبة بن حصين ، وصبيان . - وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي
[ وقال أحمد(٣) : حدثنا عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة قال : صلى الزبير على عثمان ودفنه وكان
أوصى إليه ] .
وروى عبد الله(٤) من طريق إبراهيم بن عبد الله بن فروخ ( عن أبيه قال: ((٥) : شهدت عثمان دفن في
ثيابه بدمائه ولم يغسل ][ وقيل: إن ] جماعة من خدمه حملوه على باب بعدما غسّلوه وكفَّنوه . وزعم
بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن ، والصحيح الأول . وصلى عليه جُبَيْر بن مطعم ، وقيل الزبير بن العوام ،
وقيل حكيم بن حزام ، وقيل مروان بن الحكم ، وقيل المسور بن مَخْرَمة ، وقد عارضه بعض الخوارج
وأرادوا رجمه ، وإلقاءه عن سريره ، وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع ، حتى بعث علي رضي
الله عنه إليهم من نهاهم عن ذلك .
وحمل جنازته حكيم بن حزام ، ( وقيل مروان بن الحكم ، وقيل المسور بن مخرمة ) ، وأبو جهم بن
حذيفة ونيار بن مكرم ، وجبير بن مطعم .
وذكر الواقدي(٦) أنه لما وضع ليُصَلَّى عليه - عند مصلَّى الجنائز - أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من
ذلك ، فقال أبو جهم بن حذيفة : ادفنوه فقد صلَّى الله عليه وملائكته ثم قالوا : لا يدفن في البقيع ، ولكن
ادفنوه وراء الحائط ، فدفنوه شرقي البقيع تحت نخلات هناك .
وذكر الواقدي(٧) أن عمير بن ضابىء نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعاً من أضلاعه
وقال : أحبست ضابئاً حتى مات في السجن . وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابىء هذا وقال
البخاري في (( التاريخ)(٨): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، عن عيسى بن منهال، حدَّثنا غالب ، عن
محمد بن سيرين قال : كنتُ أطوفُ بالكعبة وإذا رجلٌ يقول : اللهم اغفر لي ، وما أظن أن تغفر لي ،
(١)
في أ : منهم .
في أ : بيان ، خطأ .
(٢)
مسند أحمد (١/ ٧٤) وإسناده منقطع .
(٣)
(٤)
مسند أحمد (٧٢/١) .
إضافة من مسند أحمد لا بد منها .
(٥)
الخبر في تاريخ الطبري (٤١٣/٤) .
(٦)
المصدر نفسه .
(٧)
لم أجده في تاريخ البخاري .
(٨)

٣٤٦
ذكر صفته - رضي الله عنه -
فقلت : يا عبد الله ما سمعت أحداً يقول ما تقول ، قال : كنتُ أعطيتُ الله عهداً إن قدرتُ أن ألطم وجهَ
عثمان إلا لطمته ، فلما قُتل ووضع على سريره في البيت والناس يجيئون فيصلون عليه ، فدخلتُ كأنّي
أصلّي عليه ، فوجدت خلوة فرفعتُ الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني . قال ابن سيرين :
فرأيتها يابسة كأنها عود .
ثم خرجو(١) بعَبْدَي عثمان اللذين قتلا في الدار، وهما صبيح ونجيح ، رضي الله عنهما ، فدفنا إلى
جانبه بحشّ كَوْكَب ، وقيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما ، بل جرُّوهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط
فأكلتهما٢) الكلاب ، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان ، ورفع الجدار بينه وبين البقيع ، وأمر
الناس أن يدفنوا موتاهم حوله ( حتى اتصلت بمقابر المسلمين ) .
ذکر صفته رضي الله عنه
كان رضي الله عنه حسنَ الوجه دقيقَ البشرة، كبير(٣) اللحية ، معتدلَ القامة ، عظيم الكراديس ،
بعيد ما بين المنكبين ، كثيرَ شعر الرأس ، حسنَ الثغر، فيه سمرة (٤) ، وقيل كان في وجهه شيء من آثار
الجدري ، رضي الله عنه. وعن الزهري : كان حسنَ الوجه والثغر، مربوعاً، أصلع، أزوحُ(٥) الرجلين
( يخضب بالصفرة ، وكان قد شد أسنانه بالذهب وقد كسى ذراعيه الشعر ) .
وقال الإمام أحمد٦): حدَّثنا عبد الصمد ، حدَّثنا سالم أبو جُمَيع ، حدَّثنا الحسن - وذكر عثمان
وشدة حيائه - فقال : إن كان ليكون بالبيت والباب عليه مغلق فما يضع عنه الثوب ليفيض عليه الماء ،
يمنعه الحياء أن يقيم صلبه .
وقال عبد الله(٧): حدَّثنا زياد بن أيوب، حدَّثْنا هُشَيْم ، قال : زعم أبو المقدام ، عن الحسن بن أبي
الحسن ، قال : دخلت المسجد فإذا بعثمان بن عفان متوكىء على ردائه ؛ فأتاه سقاءان يختصمان فقضى
بينهما ثم أتيته فنظرت إليه ؛ فإذا رجل حسن الوجه ، بوجنتيه نكتات جدريّ ، وإذا شعره قد كسا ذراعيه .
وقال واقد بن عبد الله(٨): حدَّثني من رأى عثمان بن عفان أنه ضبب أسنانه بالذهب.
في ط : ثم أخرجوا .
(١)
(٢)
في أ : فأكلتهم .
في أ : رقيق البشرة كثير اللحية .
(٣)
في أ : سمرة وقيل بيان .
(٤)
أزوح من زاح : إذا تباعد . اللسان ( زاح ) .
(٥)
مسند الإمام أحمد (٧٣/١ - ٧٤).
(٦)
مسند أحمد (٧٣/١) وإسناده ضعيف .
(٧)
مسند أحمد (٧٣/١) وهو من رواية عبد الله.
(٨)

٣٤٧
ذكر صفته - رضي الله عنه -
وقال الواقدي (١): حدَّثنا ابن أبي سبرة ، عن سعيد بن أبي زيد ، عن الزهريّ ، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة قال : كان لعثمان عند خازنه يوم قتل ، ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمئة ألف درهم ،
[ وخمسون ] ومئة ألف دينار ، فانْتُهبتْ وذهبت، وترك ألف بعير بالرَّبَذَة ، وترك صدقات كان تصدق
بها، بئر أريس، وخيبر، ووادي القرى، فيه مئتا ألف دينار. (وبئر رومة كان اشتراها في حياة النبي بَله
وسبَّلها ) .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا أبو المغيرة، حدَّثنا أرطاة بن المنذر ، حدَّثنا أبو عون الأنصاري : أن
عثمان قال لابن مسعود : هل أنت مُنتهٍ عما بلغني عنك ؛ فاعتذر بعض العذر ؛ فقال عثمان : إني قد
سمعت وحفظت وليس كما سمعت، سمعت رسول الله وَالله يقول: إنه سيقتل أمير، وينتزي منتز(٣) وإني
أنا المقتول وليس عمر ، إن عمر قتله واحد ، وإنه سيجتمع عليَّ .
وقال أحمد(٤): حدَّثنا وكيع ، عن إسماعيل ، عن قيس قال: حدَّثني أبو سهلة أن عثمان قال يوم
الدار: إن رسول الله ◌َّ عهد لي عهداً فأنا صابر عليه . قال قيس : فكانوا يرونه ذلك اليوم.
ورواه الترمذي(٥) من حديث وكيع ويحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد به . وفي مسند
أبي يعلى من طريق أبي سهلة قال: قال لي رسول الله وَّر: ستبتلى بعدي فلا تقاتل.
فصل
قال الأعمش عن زيد بن وهب ، عن حذيفة أنه قال : أول الفتن قتل عثمان ، وآخر الفتن الدجال .
وروى ( الحافظ ) ابن عساكر(٦) من طريق شبابة ، عن حفص بن مورِّق الباهلي ، عن حَجّاج بن
أبي عثمانُ(٧) الصوَّاف عن زيد بن وهب عن حذيفة . قال :
أول الفتن قتل عثمان ، وآخر الفتن خروج الدجال ، والذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال
حبة من حُبِّ قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه ، وإن لم يدركه آمن به في قبره .
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا وغيره : ( أخبرنا محمد بن سعد ) ، أخبرنا عمرو بن عاصم الكلابي ،
حدَّثنا أبو الأشهب ، حدَّثني عوف ، عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال :
طبقات ابن سعد ( ٧٦/٣ ) .
(١)
مسند الإمام أحمد (٦٦/١) وإسناده ضعيف .
(٢)
في الأصول : إنه سيقتل امرؤ ، ويتبرأ متبرىء ، وهو خطأ ، والصحيح من مسند أحمد .
(٣)
مسند الإمام أحمد ( ٥٨/١) .
(٤)
سنن الترمذي ( ٣٧١١) في الفضائل ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
(٥)
تاريخ دمشق - ترجمة عثمان - ( ٢٦٦ ).
في ط : بن أبي عمار ، وهو تحريف ، والتصحيح من تقريب التهذيب ( ١٥٣) .
(٧)
(٦)

٣٤٨
ذكر صفته - رضي الله عنه -
اللهمَّ إن كان قتل عثمان بن عفان خيراً ، فليس لي فيه نصيب ؛ وإن كان قتله شراً فأنا منه بريء ، والله
لئن كان قتله خيراً ليحلبنه لبناً ، وإن كان قتله شراً ليمتصن(١) به دماً . وقد ذكره البخاري في
((صحيحه )(٢) .
طريق أخرى عنه
قال محمد بن عائذ: ذكر يحيى(٣) بن حمزة، حدَّثني أبو عبد الله النَّجْراني(٤) ، أن حذيفة بن اليمان
في مرضه الذي هلك فيه ، كان عنده رجلٌ من إخوانه ، وهو يناجي امرأته ، ففتح عينيه فسألهما فقالا
خيراً ، فقال : شيئاً تسرانه دوني ما هو بخير ، قال : قتل الرجلُ - يعني عثمانَ - قال: فاسترجع ثم قال :
اللهم إنّي كنت من هذا الأمر بمعزلٍ ، فإن كان خيراً فهو لمن حضره ، وأنا منه بريء ، وإن كان شراً فهو
لمنْ حضره وأنا منه بريء ، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان ، الحمد لله الذي سبق بي الفتن قادتها
وعلوجها ، الحَظيُّ من تردّى بعيره فشبع شحماً وقلَّ عمله .
وقال الحسن بن عرفة : حدَّثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عُلَية ، عن سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ،
عن أبي موسى الأشعري ، قال :
لو كان قتل عثمان هُدًى لاحتلبت به الأُمَّةُ لبناً، ولكنّه كان ضلالاً فاحتلبت به الأُمَّةُ دماً . وهذا منقطع.
وقال محمد بن سعد(٥): أخبرنا عارمُ(٦) بن الفضل، أخبرنا الصَّعق بن حَزْن ، حدَّثنا قتادة ، عن
زَهْدم الجَرْمي . قال : خطب ابن عبّاس فقال : لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من
السماء . وقد رُوي من غير هذا الوجه عنه .
وقال الأعمش وغيره عن ثابت بن عبيد بن أبي جعفر(٧) الأنصاري . قال :
لما قُتل عثمان جئت علياً وهو جالس في المسجد ، وعليه عمامةٌ سوداءُ ، فقلت له : قُتل عثمان ،
فقال : تباً لهم آخر الدهر(٨) - وفي رواية: خيبة لهم - .
في أ : لتحتلبنه لبناً ولئن كان قتله شراً لنمتصن به دماً .
(١)
هكذا قال ، وما أظنه صواباً ، فإننا لم نقف عليه في صحيح البخاري .
(٢)
(٣)
في ط: ((محمد)) محرف ، وهو من رجال التهذيب .
في أ: البحراني ، وفي ط : الحرّاني، وما هنا عن تاريخ دمشق (٤٨٨) وهو يزيد بن عبد الله النجراني .
(٤)
(٥)
الطبقات ( ٨٠/٣ ) .
في ط : حازم ؛ تحريف وهو محمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي ، البصري ، المعروف بعارم . سير أعلام
(٦)
النبلاء (١٠/ ٢٦٥) .
في أ : ثابت بن عبد عن أبي جعفر ؛ خطأ . وانظر تقريب التهذيب ( ١٣٢).
(٧)
الخبر في تاريخ دمشق (٤٦٠ ) .
(٨)

ذکر صفته - رضي الله عنه -
٣٤٩
وقال أبو القاسم البغوي : أنبأنا علي بن الجعد ، أخبرنا شريك ، عن عبد الله بن عيسى ، عن ابن
أبي ليلى . قال :
سمعت علياً وهو بباب المسجد ، أو عند أحجار الزَّيت ، رافعاً صوته يقول : اللهم إني أبرأ إليك من
دم عثمان .
وقال أبو هلال : عن قتادة ، عن الحسن . قال :
قُتل عثمان وعليٍّ غائب في أرض له ، فلما بلغه قال: اللهم إني لم أرض ولم أمالىء(١).
وروى الربيع بن بدر ، عن سيّار بن سلامة عن أبي العالية :
أن علياً دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكي حتى ظنّوا أنه سيلحق به .
وقال الثوري وغيره عن ليث ، عن طاووس ، عن ابن عباس قال : قال علي يوم قتل عثمان :
والله ما قتلت ولا أمرتُ ولكني غُلبت . ورواه غير ليث ، عن طاووس ، عن ابن عباس ، عن علي
نحوه(٢) .
وقال حبيب بن أبي العالية ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : قال علي : إن شاء الناس حلفت لهم
عند مقام إبراهيم بالله ما قتلتُ عثمان ولا أمرت بقتله ، ولقد نهيتهم فعصوني ، وقد رُوي من غير وجه عن
علي بنحوه .
وقال محمد بن يونس الكُدَيْمي(٣): حدَّثنا هارون بن إسماعيل، حدَّثنا قرَّة بن خالد، عن الحسن،
عن قيس بن عباد . قال : سمعت علياً يوم الجمل يقول :
( اللهم ) إني أبرأ إليك من دم عثمان ، ولقد طاش عقلي يوم قُتل عثمان ، وأنكرت نفسي ، وجاؤوني
للبيعة فقلت: والله إني لأستحيي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال فيه رسول الله وَ له: ((إني لأستحيي
ممن تستحي منه الملائكة)) وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل ( في ) الأرض لم يُدْفَن بعد ،
فانصرفوا ، فلما دُفن رجع الناس يسألوني(٤) البيعة فقلت : اللهم إني أشفق(٥) مما أقدم عليه ، ثم جاءت
عزمة فبايعت . فلما قالوا : أمير المؤمنين كان صدع قلبي وأسكت نفرة من ذلك .
وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر(٦) بجمع الطرق الواردة عن علي أنه تبرأ من دم
(١) جملة هذه الأخبار في تاريخ دمشق (٤٦١) ترجمة عثمان.
(٢)
في أ : بنحوه .
في أ : المكرمي ؛ تحريف . انظر تقريب التهذيب ( ٥١٥ ) .
(٣)
(٤)
في أ : فسألوني .
في أ : لمشفق .
(٥)
تاريخ دمشق ( ٤٦١ - ٤٦٢) - ترجمة عثمان -.
(٦)

٣٥٠
ذكر صفته - رضي الله عنه -
عثمان ، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ولا أمر بقتله لا مالاً ولا رضي به ، ولقد نهى
عنه فلم يسمعوا منه . ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث ولله الحمد والمنة .
وثبت عنه أيضاً من غير وجه أنه قال : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم :
وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ عِلِ إِخْوَنًا عَلَى سُرُرٍ مَُّقَبِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧ ] وثبت عنه (١) أيضاً من غير وجه أنه
قال: ﴿ إِذَا مَا أَتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَّ أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ ثُمَ اتَّقَواْ وَأَحْسَنُواْ﴾ [ المائدة : ٩٣ ] وفي رواية أنه قال:
كان عثمان رضي الله عنه خيرنا وأوصلنا للرحم ، وأشدنا حياء ، وأحسننا طهوراً ، وأتقانا للرب
عزَّ وجلَّ .
وروى يعقوب بن سفيانٌ(٢) ، عن سليمان بن حرب ، عن حماد بن زيد ، عن مجالد ، عن عمير بن
زوذي(٣) أبي كثير . قال :
خطب علي فقطع الخوارج عليه خطبته فنزل فقال : إنَّ مَثَلي ومَثَل عثمان كمثل أثوارٍ ثلاثةٍ ، أحمر
وأبيض وأسود، ومعهم في أجَمةٍ أسدٌ، فكان كلما أراد قتلَ أحدهم منعَه الآخران ، فقال للأسود والأحمر:
إنّ هذا الأبيضَ قد فضحنا في هذه الأجمة فخلِّيا عنه حتى آكله ، ( فخلَّيا عنه فأكله ) ، ثم كان كُلَّما أرادَ
أحدَهما منعَه الآخرُ فقال للأحمر : إن هذا الأسود قد فضحنا ( في هذه الأجَمة ) ، وإنَّ لوني على لونك ،
فلو خَلَّيْتَ عنه أكلته، فَخَلَّى عنه الأحمر فأكله، ثم قال للأحمر(٤): إنّي آكلُكَ، فقال: دَعْني حتى
أصبحَ ثلاثَ صيحاتٍ ، فقال دونك، فقال: ألا إني إنما أُكلتُ يومَ أُكلَ الأبيضُ(٥) ثلاثاً (فلو أنّي نَصَرْتُه
لما أُكِلْتُ ) ثم قال علي : وإنما أنت وهنت يوم قُتِلَ عثمان ، ( ولو أني نصرته لما وهنت ) قالها ثلاثاً .
وروى ابنُ عساكر(٦) من طريق محمد بن هارون الحَضْرمي ، عن سَوّار بن عبد الله العَنْبَرِيّ(٧)
القاضي ، عن ( ابن ) مهدي ، عن حمّاد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المُسَيّب . قال :
وكانت(٨) المرأةُ تجيءُ في زمان عثمان إلى بيتِ المال فتحملُ وَقَرَها وتقول : اللهم بدِّلْ ، اللهم
غَيِّر . فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان رضي الله عنه(١) : [ من الرمل ]
في أ : وثبت أيضاً عنه أنه سُئل عن عثمان فقال : كان من الذين آمنوا وعملوا . .
(١)
المعرفة والتاريخ (١١٨/٣)، وهو في تاريخ دمشق أيضاً.
(٢)
في ط: ((رودي)) بالراء المهملة، مصحف. ينظر الجرح والتعديل (٦/ الترجمة ٢٠٧٨) .
(٣)
(٤)
في أ : الآخر فأكله ثم قال للآخر .
(٥)
في ط : البيض .
تاريخ دمشق ( ٤٨٣ ) - ترجمة عثمان - .
(٦)
في أ، ط : سويد ، وفي ط : القشيري، وكلاهما تحريف . وانظر تقريب التهذيب (٢٥٩).
(٧)
(٨)
في أ ، ط : كانت ، والواو عن تاريخ دمشق .
البيتان أربعة في ديوان حسان (١/ ١٢٢).
(٩)

٣٥١
ذكر صفته - رضي الله عنه -
سَنةً حَرَّى وحَرْباً كاللَّهبْ
قُلْتُمُ بَدِّنْ فُبُدّلتُمْ بِه (١)
وعَبِيدٍ وإماءٍ وذَهَبْ
ما نَقَمْتُمْ من ثيابٍ خِلْفَةٍ
قال : وقال أبو حميد أخو بني ساعدة - وكان ممن شهد بدراً ، وكان ممن جانب عثمان - فلما قتل
قال : والله ما أردنا قَتْلَه ، ولا كُنّا نرى أن يبلغ منه القتلُ، اللَّهُمّ إنَّ لكَ عليّ أن لا أفعل كذا وكذا(٢)
ولا أضحك حتى ألقاك .
وقال محمد بن سعد (٣) : أخبرنا عبد الله بن إدريس ، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن
أبي حازم ، عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفَيْل . قال :
لقد رأيتُني وإنَّ عمرَ مُوثقي وأختَه على الإسلام ، ولو ارفضَّ أحَدٌ فيما صنعتم بابن عفّان لكان حقيقاً .
وهكذا رواه البخاري في ((صحيحه)(٤) .
وروى محمد بن عائد(٥) ، عن إسماعيل بن عياش ، عن صفوان بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن
جُبَيْر . قال : سمع عبد الله بن سلام رجلاً يقول لآخر : قتل عثمان بن عفان فلم ينتطح فيه عنزان . فقال
ابن سلام أجل ! إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة ، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح ، والله ليُقْتلنَّ
به أقوامٌ إنهم لفي أصلابِ آبائهم ما ولدوا بعدُ .
وقال ليث (٦) : عن طاووس . قال : قال ابن سلام:
يحكّم عثمان يوم القيامة في القاتل والخاذل .
وقال أبو عبد الله المحاملي : حدَّثنا أبو الأشعث ، حدَّثنا حزم بن أبي حزم ، سمعت أبا الأسود
يقول: سمعت أبا بكرة يقول(٧) : لأن أخرَّ من السماء إلى الأرض أحبُّ إليَّ من أن أَشْرَكَ في قتل عثمان .
وقال أبو يعلى(٨): حدَّثنا إبراهيم بن محمد بن عَرْعَرة ، حدَّثنا محمد بن عباد الهنائي، حدَّثنا
البراء بن أبي فضالة ، حدَّثنا الحضرمي ، عن أبي مريم رضيع الجارود . قال :
كنت بالكوفة فقام الحسن بن علي خطيباً فقال : أيها الناس! رأيتُ البارحةَ في منامي عجباً ، رأيتُ
في ط والديوان : فقد بد لكم .
(١)
(٢)
ليست اللفظة في أولا في تاريخ دمشق .
(٣)
الطبقات الكبرى ( ٧٩/٣) والخبر أيضاً في تاريخ دمشق (٤٨٥) - ترجمة عثمان -.
صحيح البخاري ( ٣٨٦٢) في مناقب الأنصار، وقال ابن حجر رحمه الله : ارفضَّ أي زال عن مكانه ، وفي رواية :
(٤)
انقض بالنون والقاف بدل الراء والفاء أي سقط .
(٥)
الخبر في تاريخ دمشق ( ٤٩٠ ).
(٦)
المصدر السابق ( ٤٩١ ).
تاريخ دمشق ( ٤٩٢ ).
(٧)
مسند أبي يعلى الموصلي (٦٧٦٧/١٢) والخبر في تاريخ دمشق (٤٩٥) - ترجمة عثمان - وإسناده ضعيف.
(٨)

٣٥٢
ذكر صفته - رضي الله عنه -
الربَّ تباركَ وتعالى فوقَ عرشه فجاء رسول الله وَل* حتى قام عند قائمةٍ من قوائم العرش ، فجاء أبو بكر
فوضع يده على منكب النبي ◌َّ ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبي بكر، ثم جاء عثمان فكان بيده(١)
- يعني رأسه - فقال: ربِّ سلْ عبادَكَ فيم قتلوني؟ فانبعثَ من السماء ميزابان من دم في الأرض . قال :
فقيل لعلي ألا ترى ما يحدِّثُ به الحسن ؟! فقال : حدَّثَ بما رأى .
ورواه أبو يعلى (٢) أيضاً: عن سفيان بن وكيع، عن جُميع بن عُمَير(٣) بن عبد الرحمن : عن مجالد ،
عن طُحْرُب(٤) العِجْلي : سمعت الحسن بن علي يقول :
ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها ، رأيت العرش ورأيت رسول الله وم ﴿ متعلقاً بالعرش، ورأيت أبا بكر
واضعاً يده على ( منكب رسول الله ، وكان عمر واضعاً يده على منكب أبي بكر ، ورأيت عثمان واضعاً
يده على ) منكب عمر ، ورأيت دماً دونهم ، فقلت : ما هذا؟ فقيل : دم عثمان يطلب الله به .
وقال مسلم بن إبراهيم : حدَّثنا سلام بن مسكين ، عن وهب بن شبيب ، عن زيد بن صوحان أنه
قال : يوم قتل عثمان نفرت القلوب منافرها ، والذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة .
وقال محمد بن سيرين(٥) : قالت عائشة : مُصتموه مَوْصَ(٦) الإناء ثم قتلتموه ؟
وقال خليفة بن خياط (٧): حدَّثنا أبو قتيبة ، حدَّثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن عون بن عبد الله بن
عتبة . قال : قالت عائشة : غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف ؟! استَعْتبتُموه حتى إذا
تركتموه كالقُلْب(٨) المُصَفَّى قتلتموه .
وقال أبو معاوية(٩) : عن الأعمش ، عن خَيْثمة ، عن مسروق ، قال : قالت عائشة رضي الله عنها
حين قتل عثمان :
تركتموه كالثوب النقيِّ من الدَّنسِ ثمَّ قتلتموه . وفي رواية : ثم قربتموه فذبحتموہ کما يُذْبحَ
الكَبْشُ ؟ فقال لها مسروقٌ : هذا عملكِ ، أنتِ كتبتِ إلى الناس تأمرينهم أن يخرجوا إليه ، فقالتْ :
(١) في تاريخ دمشق ( ٤٩٥) : فكان نَبْذَةً - وفي حديث ابن حمدان: فكان بيده - يعني رأسه ، وهو وهم - ثم اتفقا -
فقال .. .
مسند أبي يعلى الموصلي (١٢ / ٦٧٦٨) والخبر في تاريخ دمشق (٤٩٤) - ترجمة عثمان - وإسناده ضعيف.
(٢)
في أ ، ط : عمير عن عبد الرحمن ؛ خطأ .
(٣)
في ط: ((حرب)» محرف، وتنظر ترجمته في ميزان الذهبي (٣٣٥/٢) .
(٤)
(٥)
تاريخ دمشق ( ٤٩٥ ) .
(٦)
المَوْص والغسل واحد . تاريخ دمشق (٤٩٨ ).
تاريخ خليفة بن خياط ( ١٧٥ ) والخبر في تاريخ دمشق (٤٩٥).
(٧)
القلب: السِّوار من الفضة . اللسان ( قلب ) والنهاية (٤ /٩٨).
(٨)
تاريخ دمشق ( ٤٩٦ ).
(٩)

٣٥٣
ذكر بعض ما رثي به عثمان بن عفان
لا والذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ، ما كتبتُ لهم سوداءَ في بيضاءَ حتى جلست مجلسي هذا .
قال الأعمش : فكانوا يرون أنه كتب على لسانها . وهذا إسنادٌ صحيحٌ إليها . وفي هذا وأمثاله دلالة
ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم الله ، زوَّروا كتباً على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على
قتال عثمان ، كما قدمنا بيانه ولله الحمد والمنة .
وقال أبو داود الطيالسي(١): حدَّثنا حزم القُطَعي، حدَّثنا أبو الأسود [والد] سوادةً(٢) أخبرني
طلق بن خشاف (٣) قال :
قال قتل عثمان فتفرَّقنا في أصحاب محمد بَّه نسألهم عن قتله ، فسمعت عائشة تقول : قُتل مظلوماً
لعن الله قَتَلَتَهُ .
وروى محمد بن عبد الله الأنصاري(٤) : عن أبيه ، عن ثُمامة ، عن أنس . قال : قالت أم سليم لما
سمعت بقتل عثمان رحمه الله ، أما إنه لم يحلبوا بعده إلَّ دماً .
وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جداً يطول ذكرنا له ، فمن ذلك قول أبي مسلم الخولاني
حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله(٥): إنكم مثلهم أو أعظم جرماً ، أما مررتم ببلاد ثمود قالوا : نعم !
قال : فأشهد أنكم مثلهم ، لخليفة الله أكرم عليه من ناقته .
وقال ابن علية : عن يونس بن عبيد ، عن الحسن . قال(٦):
لو كان قتلُ عثمان هدى لاحتلبتْ به الأمةُ لبناً ، ولكنه كان ضلالاً فاحتلبت به الأمة دماً .
وقال أبو جعفر الباقر (٧):
كان قتل عثمان [ بن عفان ] على غير وجه الحق.
وهذا ذكر بعض ما رُثي به رضي الله عنه
قال مجالد: عن الشعبي: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك(٨): [من الطويل]
(١) الخبر في تاريخ دمشق ( ٤٩٧) - ترجمة عثمان - من طريق الطيالسي.
(٢)
في ط : أبو الأسودبن سوادة ، خطأ .
(٣)
في ط : حسان ، خطأ .
تاريخ دمشق لابن عساكر مجلد عثمان ( ٤٩٩).
(٤)
(٥)
المصدر السابق .
تاريخ دمشق لابن عساكر ( ٥٠٠ ) .
(٦)
(٧) المصدر السابق .
(٨) الأبيات في تاريخ دمشق لابن عساكر (٥٤٧ - ٥٤٨) وديوان كعب بن مالك (٩١ - ٩٢).

٣٥٤
ذكر بعض ما رثي به عثمان بن عفان
وأيْقَن أَنَّ اللهَ ليسَ بغافِلِ
فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَق بابَهُ
عفا اللهُ عن كُلِّ امرِىءٍ لم يُقاتلِ
وقالَ الأهلِ الدّارِ لا تقتلوهُمُ (١)
سعداوةَ والبَغْضاءَ بَعْدَ التَّواصلِ
فكيفَ رأيتَ اللهَ صبَّ عليهمُ الـ
عنِ الناسِ إدبار٢ٌ) النَّعامِ الجَوافِلِ
وكيفَ رأيتَ الخَيْرَ أدبرَ بعدهُ
وقد نسب هذه الأبيات سيف بن عمر إلى المغيرة [ بن ] الأخنس(٣) بن شريق.
وقال سيف بن عمر : وقال حسان بن ثابت (٤) : [ من الطويل ]
يدُ اللهِ فِي ذاكَ الأديمِ المُقَدَّدِ
ماذا أرَدْتُمْ منْ أخي الدِّين باركتْ
وجئتُمْ بأمْرٍ جائرٍ غَيْرِ مُهْتَدٍ
وَأَوْفَيْتُمُ بِالعَهْدِ عَهْدِ مُحمَّدٍ
وأوْفاكُمُ عهداً) لدى كُلِّ مَشْهدٍ
على قَتْلِ عُثْمانَ الرَّشيدِ المُسدَّدِ
قَتَلْتُمْ وليَّ اللهَ في جَوْفِ دارِهِ
فَهِلَا رَعَيْتُمْ ذمَّةَ اللهِ بينكمُ(٥)
أَلَمْ يَكُ فيكمْ ذا بَلاءٍ ومَصْدَقٍ
فَلَا ظَفِرَتْ أَيْمانُ قَوْمٍ تَبَايَعُوا(٧)
وقال ابن جرير(١): وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه (٩): [ من البسيط ]
منْ سرَّهُ الموتُ صِرْفاً لا مِزَاجَ لهُ فَلْيَأْتِ مَأْسَدَةٌ(١) في دارِ عُثْمانا
فَوْقَ المَخَاطِم بيضُ(١١) زان أبدانا
مُسْتَحْقِبِي حَلَق الماديّ قد شَفَعَتْ
ضَخُوا بأشْمَطِ عُنوانُ الشُّجودِ بهِ
يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبيحاً وقُرآنا
قد يَنْفِعُ الصَّبْرُ في المَكْروهِ أَحْياناً
صَبْر١٢ٌ) فِدِىَّ لَكُمُ أمّي وما وَلَدتْ
وبالأمير وبالإخوانِ إخوانا
فقد رضينا٤١ً بأرض الشَّامِ نافرةً
في ديوان كعب بن مالك : ( وقال لمن في داره لا تقاتلوا ... ) .
(١)
في أ : أدبر عنهم وولى كإدبار . .
(٢)
في ط : إلى أبي المغيرة الأخنس ، وما هنا عن أوتاريخ دمشق وهو الصواب .
(٣)
(٤)
الأبيات في تاريخ دمشق ( ٥٤٥) وديوان حسان بن ثابت (٣٢٠/١) .
(٥)
في ديوان حسان : سطكم .
في تاريخ دمشق : وأوفاكم قدماً .
(٦)
في الديوان : تظاهرت .
(٧)
في تاريخه (٤/ ٤٢٥) .
(٨)
ديوان حسان ( ١ / ٩٦ ).
(٩)
(١٠) في أ : مأدبة .
(١١) في الديوان : بيضاً.
(١٢) في الديوان : ويهاً .
(١٣) في الديوان : وقد رضيت بأهل الشام زافرة.

٣٥٥
ذكر بعض ما رثي به عثمان بن عفان
إنّي لَمِنْهُمْ وإنْ غابوا وإنْ شَهِدوا
لتسمعنَّ وشيكاً في ديارهمُ
يا ليتَ (٢) شِعْري وَلَيْتَ الطَّيْرَ تُخْبرني
(وهو القائل أيضا٣ً): [ من البسيط ]
إنّ تُمْسِ دارُ ابن أروى (٤) منهُ خاويةً
فقدْ يُصادفُ باغي العرفِ(٥) حاجَتهُ
يا مَعْشَرَ النّاسِ(٧) أبدوا ذات أنْفسكُم
وقال الفرزدق (٨): [من البسيط ]
إنَّ الخِلافةَ لما أَظْعنتْ ظَعَنَتْ
صارتْ إلى أهلها منهمْ ووارثها
عنْ أهلِ يثربَ إذْ غيرَ الهُدى سَلكوا
لما رأى الله في عثمانَ ما انتهكوا
أيُّ دم - لا هُدوا - من غَيّهم سفكوا
السّافكي دَمهُ ظُلْماً ومَعْصیةً
وقال راعي الإبل النميري في ذلك(٩): [ من الوافر ]
على مُتوكّلٍ أوفى وطابا
عَشِيَّةَ يَدْخلون بغَيرِ إذنٍ
ورابعُ خيرٍ مَنْ وطىء التُّرابا
خليلُ محمّدٍ ووزيرُ صدقٍ
فصل
إن قالَ قائلٌ : كيفَ وقعَ قتلُ عثمان رضي الله عنه بالمدينة ، وفيها جماعةٌ من كبار الصحابة رضي الله
عنهم ؟ فجوابه من وجوه :
أحدها : أن كثيراً منهم بل أكثرهم أو كلّهم لم يكن يظنّ أنه يبلغ الأمر إلى قتله ، فإن أولئك الأحزاب
لم يكونوا يحاولون قتله عيناً ، بل طلبوا منه أحدَ أمورٍ ثلاثةٍ ، إما أن يَعْزلَ نَفْسَه ، أو يُسْلمَ إليهم مروانَ بن
في الديوان : حتى الممات وما .
(١)
(٢)
في الديوان : بل ليت شعري .
الأبيات خمسة في ديوان حسان ( ٢٠٦).
(٣)
(٤)
في الديوان : بني عفان .
(٥)
في الديوان : باغي الخير .
في الديوان : الذكر والحسب .
(٦)
في الديوان : يا أيها الناس .
(٧)
لم أجد الشعر في ديوانه ولا في تاريخ دمشق .
(٨)
البيتان في تاريخ دمشق (٥٥٥) مجلد عثمان .
(٩)
ما دمتُ حيّأ١ْ) وما سُمّيتُ حسانا
الله أكبر يا ثاراتٍ عثمانا
ما كانَ شَأْنُ عليٍّ وابنِ عَفّانا
نابٌ صريعٌ وبابٌ مُحْرَقٌ خَرِبُ
فيها ويأوي إليها المَجْدُ(٦) والحَسَبُ
لا يستوي الصِّدْقُ عندَ اللهِ والكَذِبُ

٣٥٦
ذكر بعض ما رئي به عثمان بن عفان
الحكم ، أو يقتلوه ، فكانوا يرجون أن يسلِّم إلى الناس مروان ، أو أن يعزل ( نفسه ) ويستريح من هذه
الضائقة الشديدة . وأما القتل فما كان يظن أحد(١) أنه يقع، ولا أنَّ هؤلاء يجترئون عليه إلى ما هذا حدّه،
حتى وقع ما وقع ، والله أعلم .
الثاني : أنَّ الصحابةَ مانعوا دونه أشدَّ المُمانعة ، ولكن لمّا وقعَ التَّضييقِ الشديد ، عزم عثمانُ على
الناس أن يكفّوا أيديهم ويغمدوا أسلحتَهم ففعلوا ، فتمكَّنَ أولئك مما أرادوا ، ومع هذا ما ظن ( أحد من )
الناس أنه يقتل بالكلية .
الثالث : أنَّ هؤلاء الخوارجَ لمّا اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة [ أو أكثرهم ] في أيّام الحجّ ، ولم
تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة ، بل لمَّا اقترب مجيئهم ، انتهزوا فرصتهم ، قبحهم الله ، وصنعوا
ما صنعوا من الأمر العظيم .
الرابع : أنَّ هؤلاء الخوارج كانوا قريباً من ألفي مقاتل من الأبطال ، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه
العدَّة من المقاتلة، لأنَّ الناسَ كانوا في الثُّغور وفي الأقاليم في كل جهة [وفي الحج ] ، ومع هذا كان
كثير من الصحابة [ قد ] اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتَهم ، ومنْ كان يحضرُ منهم المسجدَ لا يجيء إلا ومعه
السيف ، يضعه على حبوته إذا احتبى ، والخوارجُ محدقون بدار عثمان رضي الله عنه ، وربما لو أرادوا
صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك ، ولكن [ كان ] كبار الصحابة قد بعثوا أولادَهم إلى الدار يحاجفون (٢)
عن عثمان رضي الله عنه ، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته ، فما فوجىء الناس إلا وقد ظفر أولئك
بالدار من خارجها ، وأحرقوا بابها ، وتسوَّروا عليه حتى قتلوه ، وأما ما يذكره بعضُ الناس من أنَّ بعضَ
الصحابة أسلمه ورضي بقتله ، فهذا لا يصحّ عن (٣) أحد من الصحابة أنّه رضي بقتل عثمان رضي الله عنه،
بل كلهم كرهه ، ومقته وسب من فعله ، ولكن ( بعضهم ) كان يودّ لو خلع نفسه من الأمر ، كعمّار بن
ياسر ، ومحمد بن أبي بكر ، و ( عمرو ) بن الحمق وغيرهم(٤) .
قال أبو عمر بن عبد البر(٥) : دفنوا عثمان رضي الله عنه . بحش کو کب - وكان قد اشتراه وزاده في
البقيع .
ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول (٦) وقد سئل عن عثمان : هو أمير البررة ، وقتيل الفجرة ، مخذول
من خذله ، منصور من نصره .
في أ : ما كان أحد يظن أنه يقع .
(١)
(٢)
حاجفت فلاناً إذا عارضته ودافعته . اللسان ( حجف ) .
(٣)
في أ : من .
بعد هذه اللفظة يرد حديث سهم بن حنيش أبي خنيس عن يوم الدار رواه ابن عساكر وقد تقدم .
(٤)
الاستيعاب (١٠٤٨/٣) واللفظ مختلف. وكوكب : رجل من الأنصار ، وحش : البستان.
(٥)
في أ : حيث يقول .
(٦)

٣٥٧
بعض الأحاديث الواردة في فضائل عثمان
وقال ( شيخنا ) أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله(١) - بعد حكايته هذا الكلام : الذين
قتلوه أو ألَّبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته ، والذين خَذلوه خُذلوا وتنَغَّصَ عيشهم، وكان الملك بعده في
نائبه معاوية وبنيه (١) ، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته ، استطالوا حياته وملُّوه مع فضله وسوابقه ،
فتملك عليهم من هو من بني عمه بضعاً وثمانين سنة ، فالحكم الله العلي الكبير . وهذا لفظه بحروفه .
بعض(٣) الأحاديث الواردة في فضائل [ أمير المؤمنين ] عثمان بن عفان
هو عثمان(٤) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّة بن
كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب بن فِهْر بن مالك بن النَّضْر بن كنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكة بن إلياس بن مُضَر بن
نزار بن مَعَد بن عدنان ، أبو عمرو وأبو عبد الله ، القرشي ، الأموي ؛ أمير المؤمنين ، ذو النورين ،
وصاحب الهجرتين ، وزوج الابنتين ، وأمُّه أروى بنت كُرَيْز بن ربيعة بن عبد شمس . وأمُّها أمُّ حكيم
وهي البَيْضاء بنت عبد المطلب عمةُ رسول الله وَّله، وهو أحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحد الستة
أصحاب الشورى ، وأحدُ الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستّة ، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين
والأنصار رضي الله عنهم، فكان(٥) ثالثَ الخلفاء الراشدين، والأئمة المَهْديين، المأمور(١) باتباعهم
والاقتداء بهم .
أسلم عثمانُ رضي الله عنه قديماً على يدي أبي بكر الصّدّيق ، وكان سبب إسلامه عجيباً(٧) فيما ذكره
الحافظ ابن عساكر(٨)، وملخص ذلك أن لما بلغه أن رسول الله وَ لوزوج ابنته رقية - وكانت ذات جمال -
من ابن عمها عتبة بن أبي لهب ، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها ، فدخل على أهله مهموماً فوجد عندهم
خالته سعدى بنت كريز - وكانت كاهنة - فقالت له (٩): [ من الرجز ]
تاريخ الإسلام (٤٧٨) - عهد الخلفاء الراشدين - ط : دار الكتاب العربي.
(١)
(٢)
في أ : وكان الملك بعده نائبه معاوية واستديم في وزيره .
(٣) في أ : فصل في الإشارة إلى شيء من فضائل عثمان ...
(٤) ترجمة - عثمان رضي الله عنه - في طبقات ابن سعد ( ٥٣/٣) ونسب قريش (٢٣٦) حلية الأولياء (٥٥/١)
والاستيعاب (١٠٤٨/٣) وأسد الغابة (٢٧٦/٣) وتاريخ دمشق لابن عساكر (مجلد كامل) والإصابة (٢/ ٤٦٢)
وتهذيب التهذيب ( ١٢٩/٧) والعقد الثمين (٣٢/٦) والرياض النضرة (١٩٢/١).
(٥)
في أ : فصار .
في ط : والمأمور .
(٦)
في أ : عجباً .
(٧)
تاريخ دمشق ( ٢٠) مجلد عثمان .
(٨)
(٩) الأبيات في تاريخ دمشق (٢٠) وقد جاءت في ط وكأنها نثر لا شعر .

٣٥٨
بعض الأحاديث الواردة في فضائل عثمان
ثم ثلاثاً وثلاثاً أخرى
أَبْشِرْ وحبيّتَ ثلاثاً تترى
أتاك خيرٌ ووقيتَ شرّا
ثم بأخرى كي تتم عشراً
وأنت بكر ولقيت بكرا
أُنكحتَ والله حصاناً زَهْرا
بنيتَ أمرا١ً) قد أشاد ذكرا
وافيتها بنتَ عظيم قدرا
قال عثمان : فعجبت من أمرها حيث تبشرني بامرأة قد تزوجت غيري فقلت : يا خالة ما تقولين ؟
فقالت : عثمانُ ( من الرجز )
هذا نبي(٢) معه البرهانُ
لك الجمال ولك اللسان
أرسله بحقّه الديانُ وجاءه التنزيل والفرقان
فاتبعه لا تغتالك الأوثان
قال : فقلت إنك لتذكرين أمراً ما وقع ببلدنا . فقالت : محمد بن عبد الله ، رسول من عند الله ، جاء
بتنزيل الله، يدعو به إلى الله، ثم قالت: [ مجزوء الرجز ]
ودينُهُ فلاحُ
مصباحُهُ مصباح
وقرنُه نطّاعُ
وأمرُه نجاحُ
ما ينفع الصّاح(٣
ذَلَّتْ له البطاحُ
وسُلَّتِ الصفاح
لو وقع الذّباح
ومُدَّتِ الرّماحُ
قال عثمان : فانطلقت مفكراً فلقيني أبو بكر فأخبرته ، فقال : ويحكَ يا عثمانُ إنَّك لرجلٌ حازمٌ ،
ما يخفى عليك الحقُّ من الباطل ، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا ؟ أليست من حجارة صم لا تسمع
ولا تبصر ولا تضرُّ ولا تنفع ؟ قال : قلت بلى ! والله إنها لكذلك ، فقال : والله لقد صدقتك خالتك ،
هذا رسول الله محمد بن عبد الله ، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته ، هل(٤) لك أن تأتيه ؟ فاجتمعنا
برسول الله و سلم فقال: (( يا عثمان أجب الله إلى جنته(٥) فإنّي رسول الله إليك وإلى خلقه)). قال: فوالله
ما تمالكتُ حين سمعت(٦) قوله أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ثم لم ألبث أن
في أ : بنت امرىء قد أشار ذكراً .
(١)
(٢)
في ط : هذا النبي .
في أ : المصباح .
(٣)
في أ : فهل لك .
(٤)
في ط : إلى حقه .
(٥)
في ط : ما تمالكت نفسي منذ سمعت رسول الله وص له . وما هنا عن أوتاريخ دمشق .
(٦)

٣٥٩
بعض الأحاديث الواردة في فضائل عثمان
تزوجت رقية بنت رسول الله مَ ◌ّر فكان يقال: [ أحسن زوج رقية وعثمان . قال عمارة بن زيد وكان
يقال : ١ من الرجز |
أحسنُ زوجٍ رآهُ إنسانُ رقيّةٌ وزوجُها عثمانُ
فقالت في ذلك سعدى بنت كريز(٢): [ من الطويل ]
وأرْشَدَهُ واللهُ يَهْدي إلى الحقِّ
هَدَى اللهُ عُثماناً بِقَوْلي إلى الهُدى
وكان برأيٍ لا يَصُد٣ُ) عن الصِّدْقِ
فَتَابِعَ بِالزَّأيِ السَّديدِ مُحمَّداً
فكانا كبدْرٍ مازَجَ الشَّمْسَ في الأُفْقِ
وأَنْكحَهُ المَبْعوثُ بالحقِّ بنتَهُ
وأنتَ أمينُ اللهِ أُرسِلْتَ للخَلْقِ
فِداؤكَ يا بنَ الهاشِمِيِّينَ مُهْجتي
قال : ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مَظْعون ، وبأبي عبيدة ، وعبد الرحمن بن عوف ،
وأبي سلمة بن عبد الأسد ، والأرقم بن أبي الأرقم ، فأسلموا، وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله ثمانية
وثلاثون رجلا .
وهاجر إلى الحبشة أوّلَ الناس ومعه زَوْجتهُ رقية بنت رسول الله بَّة، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى
المدينة ، فلما كانت وقعةُ بدرٍ اشتغلَ بتمريض ابنة رسول الله وَ له، وأقام بسببها في المدينة ، فضرب له
رسول الله وَّهُ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدودٌ فيمن شهدها. فلما تُوفِّيت زوَّجهُ رسولُ اللهِوَّهِ بِأُخْتها
أمّ كلثوم فتوفيت أيضاً في صحبته، وقال رسول الله مَّير: ((لو كان عندنا أخرى لزوجناها لعثمان)(٤) .
وشهد أُحداً وفر يومئذ فيمن تولَّى، وقد نصَّ اللهُ على العفو عنهم ، وشهد الخندق والحديبية ، وبايع
عنه رسول الله مَ لله يومئذ بإحدى يديه ، وشهد خيبر وعمرة القضاء ، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة
تبوك ، وجهز جيش(٥) العسرة .
وتقدّم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمئة بعير بأقتابها وأحلاسها ، وعن
عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبّها في حجر رسول الله وََّ (فقال: (( ما ضرّ عثمانَ
ما فعلَ بعد هذا اليوم)(٦) مرتين ) .
وحجَّ مع رسول الله وَِّ حجةَ الوداع، وتوفي وهو عنه راضٍ ، وصحب أبا بكرٍ فأحسنَ صُحْبته ،
(١) الاستدراك عن تاريخ دمشق ( ٢١).
(٢)
الأبيات في تاريخ دمشق (٢١).
(٣)
في أ : وكان برأي لا بعيد عن الصدق .
(٤)
الحديث رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق ( ٣٨).
في أ : وجهز فيها جيش العسرة .
(٥)
(٦) الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده ( ٥/ ٦٣) والترمذي رقم (٣٧٠١) وهو حديث حسن .

٣٦٠
ما ورد في فضائل عثمان مع غيره
وتوفي وهو عنه راضٍ ، وصحب عمر فأحسنَ صحبتَهُ وتوفي وهو عنه راضٍ ، ونصّ عليه في أهل الشورى
الستة ، فكان خيرَهم كما سيأتي .
فولي الخلافة بعده ففتح الله على يديه كثيراً من الأقاليم والأمصار ، وتوسعت المملكة الإسلامية ،
وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق
قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ
وَلَيُمَكِنَّنَّلَهُمْ ◌ِنَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَيِّلَهُ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمَّنَّا يَعْبُدُ ونَنِى لَا يُشْرِكُونَ بِ شَيْئًا﴾ [ النور: ٥٥] وقوله تعالى:
هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلَّهِ، وَلَوْ كَرِهِ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] وقوله
وَلّ: ((إن الله زوى لي مشارق الأرض ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها)(١) وقوله وَله: ((إذا
هلكَ قيصرٌ فلا قيصرَ بعده ، وإذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في
سبيل الله )(٢) وهذا كله تحقَّق وقوعه وتأكَّدَ وتوطَّد في زمان عثمان رضي الله عنه .
وقد كان رضي الله عنه حسنَ الشكل ، مليحَ الوجه ، كريمَ الأخلاق ، ذا حياءٍ كثير ، وکرمٍ غزيرٍ ،
يُؤْثرُ أهلَه وأقاربَه(٣) في الله ، تأليفاً لقلوبهم من مَتاعِ الحياةِ الدُّنيا الفاني ، لعله يرغِّبهم في إيثارً ما يبقى
على ما يفنى ، كما كان النبيُّ وَّهِ يُعطي أقواماً ويدَعُ آخرين، يعطي أقواماً خشيةَ أن يَكَبَّهُمْ اللّهُ على
وجوههم في النار ، وَيَكلُ آخرين إلى ما جَعلَ اللهُ في قلوبهم من الهُدى والإيمان ، وقد تَعنَّتَ عليه بسب
هذه الخصلة أقوامٌ، كما تَعنَّتَ بعضُ الخوارج على رسول اللّه ◌ِوَ له في الإيثار . وقد قدمنا ذلك في غزوة
حُنين حيث قسم غنائمها . وقد وردت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل عثمان رضي الله عنه نذكر ما تيسر منها إن
شاء الله وبه الثقة وهي قسمان :
الأول : فيما ورد في فضائله مع غيره
فمن ذلك الحديثُ الذي رواه البخاريّ في صحيحه(٤): حدَّثْنا مُسدد ، حدَّثنا يحيى بن سعيد ، عن
سعيد ، عن قتادة أن أنساه) حدَّثهم قال :
((صعدَ النبيُّ أُحداً ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجفَ فقال : اسكن أحد - أظنُّه ضربَه برجله -
فليس عليك إلَّ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدان )) تفرد (٦) به دون مسلم .
(١) قطعة من حديث رواه ثوبان ، أخرجه مسلم في صحيحه رقم (٢٨٨٩) في الفتن ، وابن حبان في صحيحه رقم
(٦٧١٤) في التاريخ .
الحديث عن أبي هريرة أخرجه أحمد في مسنده (٢/ ٢٤٠) ومسلم في صحيحه (٢٩١٨) (٧٥) في الفتن .
(٢)
١
في أ : يؤثر أقاربه وأهله .
صحيح البخاري ( ٣٦٩٩) في فضائل الصحابة .
في ط : إنساناً ؛ خطأ .
١
في أ : انفرد .