النص المفهرس
صفحات 241-260
٢٤١ وفيات سنة ٢١ هـ تَمَنّى بعدهم قومٌ مداهم فلمْ يدنوا لأسبابِ الكمالِ وفي رواية أنَّ عمر قال لأمّ خالد : أخالداً أو أجره تُرزئين ؟ عزمت عليك أن لا تبيني حتى تسودَّ يداك من الخضاب . وهذا كله (١) يقتضي موته بالمدينة النبوية، وإليه ذهب دُحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي . ولكنّ المشهور عن الجمهور وهم الواقدي ، وكاتبه محمد بن سعد ، وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وإبراهيم بن المنذر ، ومحمد بن عبد الله بن نمير ، وأبو عبد الله العصفري ، وموسى بن أيوب ، وأبو سليمان بن أبي محمد وغيرهم : أنه مات بحمص سنة إحدى وعشرين . زاد الواقدي : وأوصى إلى عمر بن الخطاب . وقد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبي الزناد وغيره قالوا : قدم خالد المدينة بعدما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام ، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى وعشرين . وروى الواقدي أنَّ عمر رأى [ بالمدينة قوماً ] حجاجاً يصلّون(٢) بمسجد قباء فقال : أين نزلتم بالشام ؟ قالوا : بحمص ، قال : فهل من معرفة خبر ؟ قالوا : نعم مات خالد بن الوليد ، قال : فاسترجع عمر وقال : كان والله سداداً لنحور العدو ، ميمون النقيبة . فقال له علي : فلم عزلته ؟ قال : لبذله المال لذوي الشرف واللسان . وفي رواية أنَّ عمر قال لعلي: ندمت على ما كانَ منّي . وقال محمد بن سعد(٣) : أخبرنا عبد الله بن الزبير الحميدي ، حدَّثنا سفيان بن عيينة ، حدَّثنا إسماعيل بن أبي خالد ، سمعت قيس بن أبي حازم يقول : لما مات خالد بن الوليد قال عمر : رحم الله أبا سليمان ، لقد كنا نظن به أموراً ما كانت . وقال جويرية ، عن نافع قال : لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه وغلامه وسلاحه . وقال القاضي المعافى بن زكريا الجريري : حدَّثنا أحمد بن العباس العسكري ، حدَّثنا عبد الله بن أبي سعد ، حدَّثني عبد الرحمن بن حمزة اللّخمي، حدَّثنا أبو علي الحزمازي(٤) قال : دخل هشام بن البَخْتري في ناس من بني مخزوم على عمر بن الخطاب فقال له : يا هشام أنشدني شعرَكَ في خالدٍ . فأنشده فقال : قصَّرتَ في الثناء على أبي سليمان رحمه الله، إنه كان ليحب أن يُذِلَّ الشركِ(٥) وأهله ، وإن كان الشامتُ به لمتعرضاً لمقت الله . ثم قال عمر قاتل الله أخا بني تميم ما أشعره ؛ [ من الطويل ] وَقُلْ للَّذي يبقَى خِلافَ الذي مضى تَهَيَّأْ لأُخرى مثلَها فكأنْ قَدِ في أ : وهذا كله مما يقتضي . (١) (٢) في أ : يقيلون . الطبقات الكبرى (٣٩٧/٧) . (٣) في ط : الحرنازي ؛ تحريف . والتصويب من تاريخ دمشق (١٦ / ٢٧٩). (٤) في أ : الشر . (٥) ٢٤٢ وفيات سنة ٢١ هـ فما عيشُ منْ قد عاش بعدي بنافعي ولا موتُ منْ قد ماتَ يوماً بمخلدي(١) ثم قال عمر : رحم الله أبا سليمان ، ما عند الله خيرٌ له ممّا كان فيه . ولقد مات فقيد(٢) وعاش حميداً ، ولكن رأيت الدهر ليس بقائل(٣). طُلَيْحَة بن خُوَيْلِ(٤) بن نَوْفَل بن نَضْلَةَ بنِ الأشْتَر بن حَجْوان بن فَقْعس بن طَرِيف بن عَمرو(٥) بن فُعَيْن ابن الحارث بن ثَعْلَبة بن دُودَانَ(٦) بن أسد بن خُزيمة الأسَدي الفَفْعسي . كان ممن شهد الخندقَ ، من ناحية المشركين. ثم أسلم سنة تسع، ووفدَ على رسول الله ◌َ ﴿ إلى المدينة. ثم ارتدَّ بعد وفاة رسول الله بَّه في أيام الصديق، وادَّعى النبوةَ كما تقدم - وروى ابن عساكر(٧) أنه ادعى النبوة في حياة رسول الله بِّله وأنّ ابنه خيال (٨) قدم على رسول الله وَّر فسأله: ((ما اسمُ الذي يأتي إلى أبيك؟)) فقال: ذو النون الذي لا يكذب ولا يخون، ولا يكون كما يكون. فقال: ((لقد سمَّى مَلَكاً عظيمَ الشأن)). ثم قال لابنه: (( قتلكَ الله وحرمك الشهادة)) . ورده كما جاء . فقتل خيال في الردّة في بعض الوقائع، قتله عُكّاشَة بن مِحْصَن ثم قَتَلَ طُلَيْحة عُكَّاشة وله مع المسلمين وقائع . ثم خذله الله على يدي خالد بن الوليد ، وتفرق جنده فهرب حتى دخل الشام فنزل على آل جفنة ، فأقام عندهم حتى مات الصديق حياءً منه . ثم رجع إلى الإسلام وأعتمر ، ثم جاء يسلِّمُ(٩) على عمر فقال له : أغرب عنّ فإنك قاتلُ الرجلين الصالحين ، عُكَّاشة بن مِحْصن ، وثابت بن أقْرَم ، فقال : يا أمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما الله على يدي ولم يهني بأيديهما . فأعجبَ عمرَ كلامُه ورضي عنه . وكتب له بالوصاة إلى الأمراء أن يشاوَرَ ولا يُولَّى شيئاً من الأمر، ثم عاد إلى الشام مجاهداً فشهدَ اليرموكَ وبعضَ حروبٍ كالقادسية ونهاوند الفرس ، وكان من الشجعان المذكورين ، والأبطال المشهورين ، وقد حَسُنَ إسلامه بعد هذا كله . في تاريخ دمشق : من قد مات بعدي بمخلد . ويروى : ولا موت من قد مات قبلي . (١) (٢) في ط : سعيداً . وما هنا عن تاريخ دمشق . في تاريخ دمشق : ليس بقابل ؛ وفي هامشه إشارة إلى رواية الجليس الصالح : ليس بقاتل . (٣) ترجمة - طليحة بن خويلد - في تاريخ خليفة (١٠٢ - ١٠٤) والاستيعاب (٢/ ٧٧٣) وتاريخ دمشق - ط دار الفكر - (٤) (١٤٩/٢٥ - ١٧٢) وأسد الغابة (٩٥/٣) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٥٤/١ - ٢٥٥) وسير أعلام النبلاء (٣١٦/١ -٣١٧) والإصابة (٢٤٣/٥) وبدران (٩٣/٧_١٠٦). (٥) في الأصل والمطبوع : عمر ، والتصحيح من كتب الأنساب . في أ : بن فضيلة بن الأشتر بن حمران بن بقعس بن طريف بن عمر بن قعين بن الحارث بن ثعلبة بن داود . وفي (٦) ط : بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمر بن قعير بن الحارث بن ثعلبة بن داود . وما هنا عن مصادره . (٧) تاريخ دمشق - دار الفكر - ( ٢٥ / ١٥٤). في تاريخ دمشق : حبال . وقد ورد مثل هذا الخلاف في اسمه في حروب الردة من هذا الجزء . (٨) في أ : فسلم (٩) ٢٤٣ وفيات سنة ٢١ هـ وذكره محمد بن سعد١) في الطبقة الرابعة من الصحابة وقال : كان يعد بألف فارس لشدّته وشجاعته وبصره بالحرب(٢) وقال أبو نصر بن ماكولا : أسلم ثم أرتدّ ثم أسلم وَحَسُنَ إسلامُهُ ، وكان يعدل بألفِ فارسٍ . ومن شعره أيام ردته وادِّعائه النبوة في قتل المسلمين أصحابه(٣) : [ من الطويل ] أَلَيَسُوا وإنْ لَمْ يُسْلِموا برجالٍ فما ظنُكم بالقوم إذْ تَقْتُلُونَهُمْ فلم يذهبوا فَزَعاً بقتلٍ خيالٍ فإنْ تك أذواد أصبَنُ(٤) ونسوةً معاودةٌ قِيْلَ الكُماةِ نَزالٍ نَصَبْتُ لهم صَدْرَ الحمالةِ إِنَّها ( ويوماً تراها غَيْرَ ذاتِ جلالِ ) فيوماً تراها في الجلال مَصُونةً ويوماً تراها في ظلالِ عوالي ( ويَوْماً تَراها تُضيءُ المَشْرَفيَّة نَحْوها ) عَشِيَّة غادَرتُ ابْنَ أَقْرَم ثاوياً وعُكَّاشَةَ الغَنْمِيِّ(٥) عندَ مجالٍ وقال سيف بن عمر(٦) ، عن مبشر بن الفضيل ، عن جابر بن عبد الله . قال : باللهِ الذي لا إله إلا هو ما اطّلعنا على أحدٍ من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة ، ولقد أتهمنا ثلاثةَ نفرٍ ، فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم وزهدهم : طُلَيْحة بن خُوَيْلد الأسدي ، وعَمْرو بن معدي كرب ، وقيس بن المكشوح. قال ابن عساكر: ذكر أبو الحسين(٧) محمد بن أحمد بن القواس(٨) الورّاق أنّ طليحة استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين مع النُّعمان بن مُقَرِّن ، وعمرو بن معديكرب رضي الله عنهم . عَمْرو بن مَعْدي كَرِب(٩) بن عبد الله بن عَمْرو بن عاصمُ(١٠) بن عمرو بن زُبَيْد الأصغر [ وهو مُنبِّه ] بن (١) لم أجد لطليحة ترجمة في الطبقات وربما كان ضمن الجزء المفقود من الكتاب. والخبر في تاريخ دمشق (١٦ / ١٤٩). (٢) في تاريخ دمشق : وصبره بالحرب . الأبيات في تاريخ دمشق (١٦٦/٢٥ و١٧٧ ) بثلاث روايات ، الأوليان في خمسة أبيات والأخيرة في ستة أبيات (٣) ترتيبها مختلف عما هنا . في أ ، ط : فإن يكن أزواد أصبن . وما هنا عن تاريخ دمشق . (٤) في ط : العمي ؛ تحريف . (٥) (٦) تاريخ دمشق - ط دار الفكر - ( ٢٦ / ١٧٢ ). (٧) كذا في أ ، ط وفي تاريخ دمشق : أبو الحسن . (٨) في ط : الفراس ؛ تحريف . (٩) ترجمة - عمرو بن معديكرب - في الاستيعاب (١٢٠١/٣ - ١٢٠٥) وتاريخ دمشق (٤٦/ ٣٦٣) وأسد الغابة (٢٧٣/٤ - ٢٧٥) والإصابة (١٨/٣ - ٢١). (١٠) كذا في ط ، والاستيعاب وتاريخ دمشق والإصابة. وهي : (خصم) في أوأسد الغابة ، وهي : ( عصم ) في مقدمة ديوانه . ٢٤٤ وفيات سنة ٢١ هـ ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة بن مُنبّه (١) - وهو(٢) زُبَيْد الأكبر - بن الحارث بن صَعْب(٣) بن سَعْد العشيرة بن مَذْحج الزُّبيدي المَذْحجي أبو ثَوْر : أحد الفرسان المشاهير الأبطال ، والشجعان المذاكير . قدمَ على رسول الله ◌ِّ سنة تسعُ(٤)، وقيل عشر مع وفد مُراد، وقيل في وفد زُبَيْدٍ قومه . وقد ارتدَّ مع الأسود العَنْسي ، فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص ، فقاتله فضربه خالد بن سعيد بالسيف على عاتقه فهرب وقومه ، وقد استلب خالد سيفَه الصمصامةَ ، ثم أُسر ودُفع إلى أبي بكر فأنَّبه وعاتبه واستتابه ، ( فتاب ) وحسُنَ إسلامُه بعد ذلك. فسيّره إلى الشام، فشهد اليرموكَ، ثم أمره عمر بالمسير إلى سعدٍ ، وكتب بالوصاة به ، وأن يشاوَرَ ولا يُولَّى شيئاً، فنفعَ اللهُ به الإسلامَ وأهلهُ ؛ وأبلى بلاءً حسناً يوم القادسية . وقيل إنه قُتل بها ، وقيل بنهاوند، وقيل ماتَ عَطَشاً في بعض القُرى يُقال لها روذةً(٥) ، فالله أعلم . وذلك كله في [ سنة ] إحدى وعشرين ، فقال بعض من رثاه من قومه (٦) ( من الطويل ] برُوذةَ شَخْصاً لا جَباناً ولا غَمْرا لَقَدْ غادرَ الرُّكبانَ يومَ تَحَمَّلوا رُزِثْتُمْ أبا ثورٍ فَرِيعَ الوَغى (٧) عَمْرا فَقُلْ لِزُبَيْدٍ بل لمَذْحِجَ كُلُّها وكان عمرو بن معديكرب رضي الله عنه من الشعراء المجيدين، فمن شعره(٨): [ من الوافر ] وَكُلُّ مُقَلَّصٍ سَلِسِ القِيَادِ أعاذلَ عُذَّتي بَدني ورُمْحي إجابتيّ الصَّريخَ إلى المُنادي أعاذلَ إنَّما أُفْني شَبابي وأقرعَ عاتقي حملُ النِّجادِ معَ الأبطالِ حتَّى سُلَّ جسمي وَيَفْني قَبْلَ زادِ القَوْمِ زادي وَيَبْقَى بَعْدَ حِلْمِ القَوْمِ حِلْمي (٩) وَددتُ وأيْنَما منّي وِدادي تَمَنَّى أن يلاقيني قييسٌ في ط والإصابة : ابن شيبة . (١) في أ والاستيعاب : بن زبيد . (٢) (٣) في ط والإصابة : ضعف . (٤) في أ : سبع ؛ تحريف . (٥) روذة: قرية بالزّي، قال ياقوت: ((قالوا : وبها مات عمرو بن معديكرب منصرفاً عن الري ودفن في موضع يقال له كرمانشاه)) . معجم البلدان ( ٧٨/٣) . الأبيات في الاستيعاب وتاريخ دمشق وتاريخ دمشق وأسد الغابة والإصابة ، وأوردهما محقق ديوانه ثلاثة في مقدمته ( ص٣١) . في أ ، والاستيعاب وتاريخ دمشق وتاريخ دمشق وأسد الغابة : قريعكم . وفي مقدمة ديوانه : سنانكم . (٧) (٨) الأبيات في ديوانه ( ص١٠٦ - ١٠٧ ) وقد أورد المحقق حفظه الله روايات مختلفة من مصادر مختلفة ، ولم أجد ضرورة لإثبات هذه الخلافات لسهولة العودة إلى ديوانه . (٦) في أ : حكم القوم حكمي . (٩) ٢٤٥ وفيات سنة ٢١ هـ يرودُ بنفسهِ شرَّ المَرَادِ فَمَنْ ذا عاذري من ذي سَفَاهٍ عَذِيرك منْ خليلكَ منْ مُراد أُريدُ حياتَهُ ويُرِيدُ قتلي له حديث واحد في التلبية رواه شراحيل بن القعقاع عنه ، قال : كُنَّا نقولُ في الجاهلية إذا لَبَّيْنَا٢) : [ من الرجز ] لَّيْكَ تعظيماً إليكَ عُذْرا هذي زُبِيدٌ قَدْ أَتْكَ قَسْرا تَقْطعن خَبْناً وجبالًا وَعْرا يعدو بها مُضمَّراتٌ شُزراً قد تركوا الأوثان خِلْواً صِفرا قال عمرو: فنحنُ نقولُ الآن، ولله الحمد، كما علَّمنا رسولُ اللهِ وَّهِ: لبيك اللهم لبيك، لبّيك لا شريك لك لبيك، إنَّ الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك ، لا شريك لك . العلاء بن الحَضْرميّ(٣) أميرُ البحرين لرسول الله ◌َ له، وأقرَّه عليها أبو بكر ثم عمر. تقدّم أنه تُوفِي سنة أربع عشرة . ومنهم منْ يقول: إنّه تأخّر إلى سنة إحدى وعشرين ، وعزله عمر عن البَحْرين وولَّى مكانه أبا هريرة . وأمره عمر على الكوفة ، فمات قبل أن يصل إليها منصرفَهُ من الحجِّ . كما قدَّمنا ذلك والله أعلم . وقد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء وما جرى له من خرق العادات ولله الحمد . الثُّعْمان بن مُقَرِّن بن عائذ المُزَني(٤) أمير وقعة نهاوند ، صحابيّ جليل . قدم مع قومه من مُزَيْنة في أربعمئة راكب ، ثم سكن البصرة ، وبعثه الفاروقُ أميراً على الجنود إلى نِهاوند ، ففتحَ اللهُ على يديه فتحاً عظيماً . ومكّن الله له في تلك البلاد ، ومكَّنه من رقاب أولئك العباد ، ومكَّن به للمسلمين هنالك إلى يوم التَّناد ، ومنحه النصر في الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وأتاحُ(٥) له بعدما أراه ما أحبَّ شهادةً عظيمةً وذلك غايةُ المراد ، فكان ممَّن قال الله تعالى في حقّه في كتابه المبين وهو صراطه المستقيم: ﴿﴿إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةً يُقَتِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونٌَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في ط : مني المرادي . (١) الأبيات في الاستيعاب (١٢٠٣/٣) وأسد الغابة (٢٧٤/٤) والإصابة (١٩/٣). (٢) ترجمة - العلاء بن الحضرمي - في الاستيعاب (١٠٨٥/٢) وجامع الأصول (١٤ /٥٣٦) وأسد الغابة (٤/ ٧٤ - (٣) ٧٥) وتهذيب الأسماء واللغات (٣٤١/١ -٣٤٢) والإصابة (٤٩٧/٢). (٤) ترجمة - النعمان بن مقرِّن - في تاريخ خليفة (ص١٤٩) والاستيعاب (١٥٠٥/٣) وجامع الأصول (١/ ٤١١) وأسد الغابة ( ٣٤٢/٥) وسير أعلام النبلاء (٣٥٦/٢)، وفي جامع الأصول: مُقَرِّن: بضم الميم ، وفتح القاف ، وتشديد الراء المكسورة وبالنون . وفي أ : النعمان بن مقرن المزني ، بحذف لفظة : عائذ . وفي تقريب التهذيب ( ٥٦٤ ) : ووهم من زعم أنه النعمان بن عمرو بن مقرن؛ فذاك آخر وهو ابن أخي هذا وهو تابعي . (٥) في أ : وأباح . ٢٤٦ أحداث سنة ٢٢ هـ ـ فتح همذان فِي التَّوْرَةِ وَالْإِنِيلِ وَالْقُرْءَانِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ، مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِى بَايَعْتُم بِهِ، وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ ﴾ [ التوبة: ١١١]. وعشرين (١) ثم دخلت سنة اثنتين وفيها كانت فتوحات كثيرة منها٢) : فتح هَمَذان ثانية ثم الرَّيّ وما بعدها ثم أَذْرَبِيجان قال الواقدي وأبو معشر : كانت في سنة اثنتين وعشرين . وقال سيف : كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح هَمَذان والزّيّ وجُرْجان . وأبو معشر يقول بأنّ أَذْرَبيجان كانت بعد هذه البلدان ، ولكن عنده أنّ الجميع كان في هذه السنة (٣) . وعند الواقدي أنَّ فتحَ هَمَذان والرَّيّ في سنة ثلاثٍ وعشرين ، فَهَمذان افتتحها المُغيرة بعد مقتل عُمر بستةِ أشهرٍ ، قال : ويقال كان فتح الزَّيّ قبلَ وفاة عمر بسنتين ، إلا أنَّ الواقديَّ وأبا معشر متفقان على أن أذْرَبيجانَ في هذه السنة ، وتبعهما ابن جرير(٤) وغيره . وكان السبب في ذلك أنّ المسلمين لما فرغوا من نهاوند وما وقع من الحرب المتقدم ، فتحو(٥) حُلوان وهَمَذَان بعد ذلك . ثم إنَّ أهلَ هَمَذان نقضوا عهدهم(٦) الذي صالحهم عليه القعقاعُ بن عمرو ، فكتب عمر إلى نُعَيْم بن مُقَرِّن أن يسير إلى هَمَذان ، وأن يجعل على مقدِّمته أخاه سُوَيْد بن مقَرِّن ، وعلى مَجْنَبَتَيْهِ رِبْعي بن عامر الطّائي، ومُهلهل بن زيد التَّميمي. فسار حتى نزل على ثَنِيَّة العَسَل ، ثم تحدَّر على هَمَذان ، واستولى على بلادها ؛ وحاصرها ، فسألوه الصلحَ فصالحهم ودخلها ، فبينما هو فيها ومعه اثنا١) عشر ألفاً من المسلمين إذ تكاتب(٨) الروم والديلم وأهل الرَّي وأهل أذْرَبيجان ، واجتمعوا على حرب نُعَيْم بن مُقَرِّن في جمع كثير ، فعلى الديلم ملكهم واسمه موتا٩ً) ، وعلى أهل الري أبو الفَرُخان وعلى أذربيجان إسْفَنْدياذ أخوَ رستم ، فخرج إليهم بمنْ مَعهُ من المسلمين ، حتى التَقَوْا بمكانٍ يقال له واج (١) في أ : ثنتين . مكان اللفظة في أ : فيما ذكره ابن جرير وغيره في هذا الشأن . (٢) (٣) بعدها في أ : وتبعهما . جملة هذه الأقوال في تاريخ الطبري (١٤٦/٤ ). (٤) (٥) في أ : فتح . في أ : عهودهم . (٦) في أ، ط : اثني . وما هنا موافق للسياق . (٧) في ط : تكاتف . وما هنا عن الطبري . (٨) في أ : موتى . (٩) ٢٤٧ فتح همذان الؤُوذ ، فاقتتلوا قتالاً شديداً، وكانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند ولم تكُ دونها ، فقتلوا من المشركين جمعاً كثيراً، وجماً غفيراً لا يُحْصَوْن كَثْرَةً، وقتل ملك الديلم موتاوتمزَّق شملُهم ، وانهزموا بأجمعهم ، بعد من قتل بالمعركة منهم . فكان نُعَيْم بن مُقَرِّن أولَ من قاتل الديلم من المسلمين . وقد كان نُعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمَّه ذلك واغتمَّ له . فلم يفجأه إلَّ البريد بالبشارة فحمد الله وأثنى عليه ، وأمر بالكتاب فقُرِىء على الناس ، ففرحوا وحمدوا الله عزَّ وجلَّ . ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثةٌ من الأمراء وهم سِمَاك بن خَرَشَة ، ويعرف بأبي دُجانة ، وسِماك بن عُبَيد ، وسِماك بن مَخْرَمةَ. فلما استسماهم عمر قال(١): اللهم أسمكْ بهمُ الإسلام، وأمدَّ بهم الإسلام ، ثم كتب إلى نُعيم بن مُقَرِّن بأن يستخلف على همذان ويسير إلى الري فامتثل نُعيم . وقد قال نعيم في هذه الوقعة(٢) : [ من الطويل ] وَلَمّا أتاني أنَّ موتا وَرَهْطَهُ نَهَضْتُ إلَيْهِمْ بالجُنودِ مُسامياً فَجِئْنَا إِلَيْهِمْ بِالحَدِيدِ كَأنَّنَا فَلَمّا لَقِينَاهُم بها مُسْتَفيضةً صَدَمْناهُمُ في واجِ رُوذُ بِجَمْعنا فَمَا صَبَرُوا في حَوْمَةِ المَوْتِ سَاعَةً كأنَّهُمُ عِنْدَ انْبَثائِ(٥) جُمُوعِهِمْ أصَبْنا بها موتا٦) ومنْ لَفَّ جَمْعَهُ تَبَعْناهُمُ حَتّى أوَوْا في شِعَابِهِمْ بَني باسلٍ جَرُّوا جُنود الأعاجمِ لِأَمْنَع مِنْهُمْ ذِمَّتي بالقَواصِمُ(٣) جِبالٌ تَراءَى منْ فُروعِ القَلاسمِ وَقَدْ جَعَلُوا يَسْمُونَ فعلَ المُسَاهِمِ غَدَاةَ رَمَيْنَاهُمْ بِإِحْدَى العَظَائِمِ لِحَد٤ّ) الرِّماحِ والسُّيوفِ الصَّوارِمِ جِدَارٌ تَشَظَّى لَبْنُهُ للهوادمِ وفيها نهابٌ قَسْمُهُ(٧) غَيْرُ عَاتِمٍ فَنَقْتُلُهِمْ(٨) قَتْلَ الكِلابِ الجَوَاحِمُ(٩) في أ : قال عمر . (١) الأبيات في تاريخ الطبري (١٤٩/٤) وأورد ياقوت خمسة منها وهي: ١، ٥، ٦، ٨، ١٠ في معجم البلدان (٢) ( واج ، روذ ) . القواصم : جمع قاصمة ، وقاصمة الظهر : البلية والمصيبة . أساس البلاغة ( قصم ) . (٣) في معجم البلدان : بحد الرماح . (٤) بثّه فانبثّ: فرَّقه فَتَفرَّق ونَشَره ، وكذلك بَثَّ الخيلَ في الغارة يبثُّها بثّاً فانبئت . اللسان ( بثث ). (٥) (٦) في معجم البلدان : أصبنابها موثا ومن لفَّ لفَّه . (٧) في معجم البلدن : قسمها غير غانم . (٨) تاريخ الطبري : نُقُتِّلهم . الجواحم جمع جاحم : وهو المصاب بداء يكون منه بين عينيه . اللسان ( جحم ) . (٩) ٢٤٨ فتح الري - فتح قومس - فتح جرجان - فتح أذر بيجان كَأنَّهُمُ في واج رُوذَ وَجَوِّهِ ضَئِينُ(١) أصَابَتْها٢) فُروجُ المَخَارِمُ(٣) فتح الرَّيّ استخلف نُعَيْم بن مُقَرِّن على هَمَذان يزيدَ بن قَيْس الهَمْدَاني وسار بالجيوش حتى لحق بالرَّيّ ، فلقي هناك جمعاً كثيراً من المشركين(٤)، فاقتتلوا عند سفح جبل الرَّيّ فصبروا صبراً عظيماً ثم أنهزموا ، فَقَتلَ منهم نُعِيمُ(٥) بن مُقَرّن مقتلةً عظيمةً بحيث عُدُّوا بالقصب فيها ، وغنموا منهم غنيمة عظيمة قريباً مما غنم المسلمون(٦) من المدائن. وصالح أبو الفَرُخان على الرَّيّ، وكتب له أماناً(٧) بذلك، ثم كتب نُعَيْم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس ، ولله الحمد والمنة . فتح قُومِس ولما ورد البشيرُ بفتح الزَّيّ وأخماسها كتب عمر إلى نُعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سُوَيد بن مُقَرّن إلى قُومِس . فسار إليها سُوَيْد ، فلم يقم له شيء حتى أخذها سلماً وعسكر بها وكتب لأهلها كتاب أمال(٨) ( وصلح ) . فتح جُرْجان لما عسكر سُوَيْد بقُومس بعث إليه أهلُ بلدانٍ شتَّى منها جُرجان وطبرستان وغيرُها يسألونه الصلحَ على الجزية ، فصالحَ الجميعَ وكتبَ لأهل كلِّ بلدةٍ كتابَ أمانٍ وصلحٍ . وحكى المدائني أن جُرجان فُتحت في سنة ثلاثين أيّام عثمان ، فالله أعلم . وهذا فتح أَذْرَبيجان لما افتتح نُعَيْم بن مُقَرِّن همذان ثم الرَّيَّ ، وكان قد بعث بين يديه بُكَيْر بن عبد الله من هَمَذان إلى الضَّئين والضِّئين اسمان لجمع الضأن . اللسان ( ضأن ) . (١) في معجم البلدان : وجره * ضئين أغانتها . (٢) (٣) البيت الأخير ساقط من أ . في أ : جمعاً من المشركين عظيماً . (٤) في ط : النعمان ؛ وهو تحريف . (٥) في أ : مقتلة عظيمة قريباً مما غنموا المسلمون من المدائن . (٦) كتاب الأمان هذا في تاريخ الطبري (٤/ ١٥١) . (٧) نص الكتاب في تاريخ الطبري (٤/ ١٥٢). (٨) ٢٤٩ فتح الباب أَذْرَبيجان وأردفه بسِماك بن خَرَشَة ، فلقي إسفَنْدياذ بن الفرخزاذ بُكَيْراً وأصحابه ، قبل أن يقدم عليهم سِماك ، فأقتلوا فهزم الله المشركين ، وأسر بُكَيْرِ إسفَنْدِياذ ، فقال له إسْفَندياذ: الصلحُ أحبُّ إليكَ أمٍ الحربُ ؟ فقال : بل الصلحُ . قال : فأمسكني عندك . فأمسكه ثم جعل يفتحُ بلداً بلداً وعتبة بن فَرْقَد أيضاً يفتحُ معه بلداً بلداً في مقابلته من الجانب الآخر . ثم جاء كتاب عمر بأن يتقدَّم بُكَيْرِ إلى الباب وجعل سِماك [ بن خَرَشَة ] موضعه نائباً لعتبة بن فرقد، وجمع عمر أذربيجان كلها لعُتبة بن فرقد، وسلَّم إليه بُكَير إِسْفَنْدياذ، وسار كما أمره عمر إلى الباب . قالوا : وقد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد ، فهزمه عتبة وهرب بهرام فلما بلغ ذلك إسفندياذ وهو في الأسر عند بُكير قال : الآن تمَّ الصلح ( وطفئت الحرب . فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم) . وعادت أذربيجان سلماً ، وكتب بذلك عُتبة وبُكير إلى عمر . وبعثوا بالأخماس إليه ، وكتب عتبة حين أنتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتابَ أمانٍ وصلحُ(١) فتح الباب (٢) قال ابن جرير(٣) : وزعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتاباً بالإمرة على هذه الغزوة لسُراقة بن عمرو - المُلقَّب بذي النور(٤) - وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة ، ويقال له - ذو النور أيضاً - وجعل على إحدى المَجْنَبتين حُذْفَة بن أَسِيد، وعلى الأخرى بُكَيْر بن عبد الله الّيثي - وكان قد تقدمهم إلى الباب - وعلى المقاسم سلمان بن ربيعة . فساروا كما أمرهم عمر ، وعلى تعبئته ، فلمَّا انتهى مقدِّم العساكر - وهو عبد الرحمن بن ربيعة - إلى الملك الذي هناك عند الباب وهو شهربراز ملك أرمينية وهو من بيت الملك الذي قتل بني إسرائيل وغزا الشام في قديم الزمان . فكتب شهربراز لعبد الرحمن واستأمنه فأمَّنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أنّ صَغْوَهُ(٥) إلى المسلمين ، وأنه مناصحٌ للمسلمين . فقال له : إنَّ فوقي رجلاً فاذهب إليه . فبعثه إلى سُراقة بن عمرو أمير الجيش ، فسأل من سراقة الأمانَ ، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الأمان ، واستحسنه ، فكتب له سراقة كتاباً بذلك . ثم بعث سُراقة بُكيراً . وحبيب بن مسلمة ، وحُذَيْفة بن أَسيد ، وسلمان بن ربيعة ، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأزمينية جبال اللان وتَفْليس وموقان ، فافتتح بكير موقان ، وکتب لهم کتاب أمان ومات في غضون ذلك أميرُ المسلمين هنالك ، وهو سُراقة بن عمرو ، واستُخلف بعده عبد الرحمن ابن ربيعة ، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك وأمره بغزو الترك . (١) الخبر في تاريخ الطبري (١٥٥/٤). (٢) المقصود به باب الأبواب : وهو الدّربند دربند شروان ؛ مدينة كبيرة على ساحل بحر طبرستان - الخزر - ربما أصاب ماء البحر حائطها ، وفي وسطها مرسى السفن . معجم البلدان (٣٠٣/١ - ٣٠٦). (٣) في تاريخه ( ٤ /١٥٥ ) . في أ: ومعجم البلدان: النون - وما هنا موافق لتاريخ الطبري (١٥٥/٤) والكامل لابن الأثير (٢٨/٣). (٤) صغوه : ميله . اللسان ( صغو ) . ٢٥٠ أول غزو الترك أول غزو الترك وهو تصديق الحديث المُتقدم الثابت في الصحيحُ(١) عن أبي هريرة وعمرو بن تغلب(٢) ، أن رسول الله وَ لّ قال: ((لا تقومُ الساعةُ حتى تقاتلوا قوماً عِرَاض الوجوه، ذُلْفٌ(٣) الأنوف، حمرَ الوجوه، كأنه وجوهَهم المَجان٤ُ) المُطَرَّقَةُ)) وفي رواية (( يَنْتَعِلونُ(٥) الشَّعَر)). لما جاء كتابُ عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك٦) ، سار حتى قطع البابَ قاصداً لما أمره عمر ، فقال له شهربراز : أين تريدُ؟ قال : أريدُ ملك الترك بلنجر ، فقال له شهربراز : إنّا لنرضى منهم بالموادعة ، ونحن من وراء الباب . فقال له عبد الرحمن : إن الله بعث إلينا رسولاً ، ووعدنا على لسانه بالنصر والظفر ، ونحن لا نزال منصورين ، فقاتل الترك وسار في بلاد بلنجر مئتي فرسخ ، وغزا مرات متعددة . ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده ( في موضعه ) إن شاء الله تعالى . وقال سيف بن عمر ، عن الغصن بن القاسم، عن رجل ، عن سلمان بن ربيعةً(٧) . قال : لمّا دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادَهم حال الله بين الترك والخروج عليه ، وقالوا : ما اجترأ علينا هذا الرجلُ إلا ومعهم الملائكة تمنعُهم من الموت . فَتَحصَّنوا منه وهربوا بالغُنْم ( والظّفر) . ثم إنّه غزاهم غزواتٍ في زمن عثمان فظفر بهم ، كما كان يظفر بغيرهم . فلمّا ولّ عثمان على الكوفة بعضَ من كان ارتدّ غزاهم ، فتذامرت التركُ وقال بعضهم لبعض : إنّهم لا يموتون ، ( قال : انظروا ، وفعلوا ) فأختفوا لهم في الغياض فرمى رجل منهم رجلاً من المسلمين على غِزَّةٍ فقتله وهرب عنه ( أصحابه ) ، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أنّ المسلمين يموتون ، فاقتتلوا قتالاً شديداً ، ونادى منادٍ من الجو : صبراً آلُ(٨) عبد الرحمن وموعدكم الجنَّةَ، فقاتل عبدُ الرحمن حتى قُتل، وأنكشف الناس ، وأخذ الرايةَ صحيح البخاري رقم (٢٩٢٨) في الجهاد عن أبي هريرة. ورقم (٢٩٢٧) في الجهاد عن عمرو بن تغلب . (١) (٢) في أ : ثعلب ؛ تحريف . ذلف الأنوف أي صغارها - فتح الباري (١٠٤/٦) - وقال ابن الأثير في النهاية (٢/ ١٦٥): الذَّلَفُ - بالتحريك - (٣) قصر الأنف وانبطاحه وقيل ارتفاع طرفه مع صغر أرنبته ، والذُّلْف - بسكون اللام - جمع أذلف كأحمر وحمر . المجانّ : جمع مجنّ وهو الترس والمُطرّقَة التي ألبست الأطرقة من الجلود وهي الأغشية . فتح الباري (٤) (٦ /١٠٤ ) . في أ، ط : يبتلعون ؛ تحريف . (٥) في أ : بأن يقطع النهر بأن يغزو الترك . (٦) في أ : قال سيف بن عمر عن القبض بن القاسم عن حرحان قال ؛ خطأ . وما هنا موافق لتاريخ الطبري (٤/ ١٥٨. (٧) ١٥٩ ) . (٨) في أ : صبراً لله عبد الرحمن . وما هنا موافق للطبري . ٢٥١ قصة السد سلمان بن ربيعة ، فقاتل بها ، ونادى المنادي من الجو : صبراً آل سلمان بن ربيعة ، فقاتل قتالاً شديداً ثم تحيّز سلمان وأبو هريرة بالمسلمين ، وفروا من كثرة الترك ورميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جُرْجان ، وأجترأت الترك بعدها ، ومع هذا أخذت التركُ عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم ، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم . سيأتي تفصيل ذلك كله . قصة السدّ ذكر ابن جرير(١) بسنده أنَّ شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لمّا قدم عليه حين وصل إلى الباب ، وأراه رجلاً ، فقال شهربراز : أيُّها الأميرُ إنّ هذا الرجلُ كنتُ بعثته نحو السدّ ، وزودته مالاً جزيلاً وكتبتُ له إلى الملوك الذين يلوني(٢)، وبعثتُ لهم هدايا ، وسألتُ منهم أن يكتبوا له إلى منْ يليهم من الملوك حتى ينتهي إلى سدٍّ ذي القرنين ، فينظر إليه ويأتينا بخبره . فسار حتى انتهى إلى الملك الذي السَّد في أرضه ، فبعثه إلى عامله مما يلي السدّ، فبعث معه بازيارة(٣) ومعه عقابه ، فلما انتهَوا إلى السدّ إذا جبلان بينهما سدٌّ مسدودٌ ، حتى أرتفع على الجبلين ، وإذا دون السدّ خندقٌ أشدُّ سواداً من الليل لبعده ، فنظر إلى ذلك كله وتفرَّس فيه ، ثم لمّا همّ بالانصراف قال له البازيارُ على رِسْلكَ ، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء(٤)، وأنقضَّ عليها العقاب. فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شي(٥) ، وإن لم تدركها حتى تقع فذلك شيء . قال : فلم تدركها حتى وقعت في أسفله وأتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة ( وهي هذه) . ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة ، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردّها إليه ، فلمّا ردّها إليه فرح وقال : واللهِ لهذه خيرٌ من مملكة هذه المدينة - يعني مدينة باب الأبواب التي هو فيها - ووالله لأنتم أحبُّ إليَّ اليومَ من مملكة آل كسرى ، ولو كنت في سلطانهم وبلغهم(٦) خبرها لانتزعوها ( مني ) ، وايم الله لا يقوم لكم شيءٌ ما وفيتم ووفى ملككم الأكبر ، ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الذي ذهب على السدّ فقال: ما حالُ هذا الردم ؟ - يعني ما صفته - فأشار إلى ثوب في زرقةٍ وحمرةٍ فقال : مثل هذا . فقال رجل لعبد الرحمن : صدق والله لقد نفذ ورأى . ( فقال : أجل ) وصف صفة الحديد والصُّفْر: قال الله تعالى: ﴿ءَاتُونِ زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّىَ إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَقَيْنِ قَالَ أَنْفُخُواْ حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ ءَانُونِيّ أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ [الكهف: ٩٦]. في تاريخه (١٥٩/٤). (١) في ط : الملوك يولوني . وما هنا عن أ وهو قريب مما عند الطبري . (٢) (٣) البَيْزار الذي يحمل البازي ، ويقال له البازيار ، وكلاهما دخيل والبيازرة جمعه . اللسان (بزر ). (٤) في أ : الوادي . في أ : إن أدركها في الهوي فلا شيء وإن لم تدركها تقع فذاك قال . (٥) في أ : ثم بلغهم . (٦) ٢٥٢ بقية من خبر السد وقد ذكرت صفة السدّ في التفسير ، وفي أوائل هذا الكتاب . وقد ذكر البخاري في صحيحه (١) تعليقاً أنّ رجلاً قال للنبي وَّه رأيت السدَّ. فقال: ((كيف رأيته))؟ قال: مثل البُرْدِ المُحَبرِ. [ ((قال: قد ]٢) رأيته)). قالوا : ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز : كم كانت هديتك ؟ قال : قيمة مئة ألف في بلادي وثلاثة آلاف ألف فى تلك البلدان . بقية من خبر السد أوردَ شيخُنا أبو عبد الله الذَّهبي(٣) الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحبُ كتاب ((مسالك الممالك)) عمّا أملاه عليه سلامٌ الترجمان ، حين بعثه الواثق بأمر الله بن المعتصم - وكان قد رأى في النوم كأنَّ السدَّ قد فُتح - فأرسل سلاماً هذا٤) وكتب له إلى الملوك بالوصاة به ، وبعث معه ألفَيْ بغلٍ تحملُ طعاماً فساروا بين سامراء إلى إسحاق بتَفْليس ، فكتب لهم إلى صاحب السرير ، وكتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان ، فكتب لهم إلى قبلان شاه ، فكتب لهم إلى ملك الخزر ، فوجّه معه خمسة أَدلاء(٥) فساروا ستة وعشرين يوماً . انتهوا إلى أرضٍ سوداءَ منتنةٍ حتى جعلوا يَشُّونَ(٦) الخَلَّ، فساروا فيها عشرةَ أيام ، فأنتهوا إلى مدائن خرابٍ مدة سبعة وعشرين يوماً ، وهي التي كانت يأجوج ومأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين ، وإلى الآن، ثم أنتهوا إلى حصنٍ (١) قريب من السَّدِّ فوجدوا قوماً يعرفون بالعربية وبالفارسية ويحفظون القرآن ، ولهم مكاتب ومساجد ، فجعلوا يعجبون منهم ويسألونهم من أين أقبلوا ، فذكروا لهم أنَّهم من جهة أمير المؤمنين ( الواثق ) فلم يعرفوه بالكلّية. ثم أنتهوا إلى جبلٍ أملسَ ليس عليه خضراء(٨) وإذا السدُّ هنالكَ من لِبْنِ حديد مغيب في نحاس ، وهو مرتفعٌ جداً لا يكادُ البصرُ ينتهي إليه ، وله شرفاتٌ من حديدٍ ، وفي وسطه بابٌ عظيمٌ بمصراعين مغلقين ، عرضُهما مئة ذراع ، في طول مئة ذراع في ثخانة خمسة أذرع ، وعليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع - وذكر أشياء كثيرة - وعند ذلك المكان حرسٌ (١) صحيح الإمام البخاري معلقاً - فتح الباري - (٦/ ٣٨١ عقيب ٣٣٤٥) قال الحافظ : وصله ابن أبي عمر ، والطبراني . ما بين معقوفين ساقط من أ ، ط . (٢) (٣) في تاريخ الإسلام (٤٧/٢ -٤٩) . ط المقدسي . (٤) في أ : فأرسل غلاماً . في ط : أولاد ؛ تحريف . وفي أ : أدلاء فساروا من سامراء إلى إسحاق فساروا في ستة وعشرين . (٥) في أ : يشتمون . (٦) في أ : حصون . (٧) في أ : ليس عليه خضراً . (٨) ٢٥٣ بقية من خبر السد يضربون عند القُفل في كلّ يوم فيسمعون بعد ذلك صوتاً عظيماً مزعجاً [فيعلمون ] أنَّ وراءَ هذا الباب حرسا١ً) وحفظة ، وقريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماءٍ عذبة ، وفي إحداهما بقايا العمارة من مغارف ولِبْنٍ من حديد وغير ذلك ، وإذا طول اللبنة ذراع ونصف في مثله . في سمك شبر . وذكروا أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحداً من يأجوج ومأجوج فأخبروهم أنهم رأوا منهم يوماً أشخاصاً فوق الشرفات ، فهبت الريح فألقتهم إليهم ، فإذا طول الرجل منهم شبرٌ أو نصفُ شبر والله أعلم . قال الواقدي(٢): وفي هذه السنة غزا معاوية الصائفةَ، من بلاد الروم ، وكان معه حمادٌ والصحابة فسار وغنمَ ورجعَ سالماً . وفيها ولد يزيد بن معاوية ، وعبد الملك بن مروان . وفيها حج بالناس عمر بن الخطاب وكان عماله فيها على البلاد ، هم الذين كانوا في السنة ( قبلها ) . وذكر أنّ عمر عزل عماراً في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها وقالوا : لا يحسن السياسة ، فعزله وولّى أبا موسى الأشعري ، فقال أهل الكوفة : لا نريده ، وشكوا من غلامه فقال : دعوني حتى أنظر في أمري ، وذهب إلى طائفة من المسجد ليفكّر من يولّي . فنام من الهمّ فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال ( له ) : إنّ هذا الأمر عظيم يا أمير المؤمنين ، الذي بلغ بك هذا. قال: وكيف [ لا ] وأهل الكوفة مئة ألف لا يرضون عن أميرٍ ، ولا يرضى عنهم أمير . ثم جمع الصحابة واستشارهم ، هل يولّي عليهم قوياً مشدّداً أو ضعيفاً مسلماً ؟ فقال له المغيرة بن شعبة: ( يا أمير المؤمنين )، إنّ القويَّ قوته لك وللمسلمين وتشديده لنفسه ، وأما الضعيف المسلم فضعفه عليك وعلى المسلمين وإسلامه لنفسه . فقال عمر للمغيرة - وأستحسن ما قال ( له) - : أذهب فقد وليّتك الكوفة . فردّه إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدّم حدهم بسبب قذفه ، والعلم عند الله عزَّ وجلَّ . وبعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة ( فقيل لعمار : أساءك العزل ؟ فقال : والله ما سرتني الولاية ، ولقد ساءني العزل. وفي رواية أنّ الذي سأله عن ذلك عمر رضي الله عنه ) ثم أراد عمر أن يبعثَ سعد بن أبي وقاص على الكوفة بدلَ المُغيرة فعاجلته المنيةُ في سنة ثلاثٍ وعشرين على ما سيأتي بيانه ، ولهذا أوصى لسعدٍ به . قال الواقدي : وفي هذه السنة غزا الأحنفُ بن قيس بلادَ خراسان ، وقصد البلد الذي فيه يَزْدجردُ ملكُ الفرس . قال ابن جرير(٣) : وزعم سيفُ أنّ هذا كان في سنة ثماني عشرة . قلت : والأول هو المشهور، والله أعلم . (١) في أ، ط : حرس . وما هنا للسياق. (٢) الخبر في تاريخ الطبري (١٦٠/٤) والكامل لابن الأثير (٣٨/٣). (٣) في تاريخه (١٦٦/٤). ٢٥٤ قصة يزدجرد بن شهريار - غزو المسلمين بلاد خراسان قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى [ الذي كان ملك الفُرس ] لما أستلب سعدٌ من يديه مدينة ملكِهِ ، ودارَ مقرّه ، وإيوانَ سلطانِهِ ، وبساطَ مشورتِه وحواصله ، تحوّل من هناك إلى حُلوان ، ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحوّل إلى الري ، وأخذ المسلمون حلوان ثمَّ أُخذت الريّ ، فتحوّل منها إلى أصبهان ، فأخذت أصبهان فسار إلى كِرمان فقصد المسلمون کرمان فأفتتحوها : فأنتقل إلى خراسان فنزلها ، هذا كلُّه والنارُ التي یعبدُها من دون الله یسیر بها معه من بلد إلى بلد ، ويبني لها في كل بيت توقد فيهم على عادتهم ، وهو يُحمل في اللَّيل في مسيره إلى هذه البلدان على بعيرٍ عليه هودجٌ ينامُ فيه . فبينما هو ذاتَ ليلةٍ في هودجه وهو نائمٌ فيه ، إذ مرّوا به على مخاضة فأرادوا أن ينبّهوه قبلها لئلا ينزعجَ إذا استيقظ في المخاضة ، فلما أيقظوه تغضّب عليهم شديداً وشتَمهم ، وقال : حرمتموني أن أعلم مدةً بقاء هؤلاء في هذه البلاد وغيرها ، إني رأيتُ في منامي هذا أنِّي ومحمداً [ تناجينا ] عند الله، فقال له : ملككم مئة سنة، فقال: زدني. فقال : عشراً ومئة، فقال : زدني فقال : عشرين ومئة سنة . فقال : زدني فقال : لك . وأنبهتموني ، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة . [ غزو المسلمين بلاد ] خراسان مع الأحنف بن قيس وذلك أنّ الأحنفَ بن قيسٍ هو الذي أشار على عمر بأن يتوسّع المسلمونُ(١) بالفتوحات في بلاد العجم ، ويضيِّقوا على كسرى يزدجرد ، فإنّه هو الذي يستحثّ الفرسَ والجنودَ على قتال المسلمين . فأذنَ عمرُ بن الخطاب في ذلك عن رأيه ، وأمَّرَ الأحنفَ ، وأمَرَهُ بغزو بلاد خراسان . فركب الأحنف في جيشٍ كثيفٍ إلى خراسان قاصداً حرب يَزْدجردَ . فدخل خراسان فافتتح هراةً عنوةً واستخلف عليها صُحار بن فُلان العَبْدي، ثم سار إلى مرو الشَّاهْجان وفيها يَزْدجردُ ، وبعث الأحنفُ بين يديه مطرّف بن عبد الله بن الشخِّر إلى نيسابور، والحارث بن حسان إلى سرخس. ولم(٢) أقترب الأحنف من مرو الشاهجان ، ترحل منها يزدجرد إلى مرو الرَّوْذ ( فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها . وكتب يزدجرد حين نزل مرو الروذ) إلى خاقان ملك الترك يستمده وكتب إلى ( ملك ) الصُّغد [ يستمده، وكتب إلى ملك الصين (٣) يستعينه . وقصده الأحنف بن قيس إلى مَرْو الرَّوْذِ وقد استخلف على مَرْو الشّاهْجَان في أ : المسلمين ؛ خطأ . (١) (٢) في أ : فلما . ما بين المعقوفين ساقط من أ ، ط واستدرك من تاريخ الطبري (٤ / ١٦٧). (٣) ٢٥٥ غزو المسلمين بلاد خراسان حارثة١) بن النُّعمان، وقد وفدت إلى الأحنف أمدادٌ من أهل الكوفة مع أربعة أمراء ، فلمّا بلغ مسيره إلى يزدجرد ( ترحل إلى بلخ ، فألتقى معه ببلخ يزدجرد ) فهزمه الله عزَّ وجلَّ وهرب هو ومنْ بقي معه من جيشه فعبر النهر واستوثق ملكَ خراسان على يدي الأحنف بن قيس ، واستخلف في كل بلدة أميراً ، ورجع الأحنف فنزل مرو الروذ ، وكتب إلى عمر بما فتح الله عليه من بلاد خراسان . بكمالها . فقال عمر : وددتُ أنّه كان بيننا وبين خراسان بحرٌ من نار . فقال له علي : ولم يا أمير المؤمنين ؟ فقال : إنّ أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيُجتاحون في الثالثة ، فقال : يا أمير المؤمنين ( لأن يكون ذلك بأهلها ، أحب إليّ من) أن يكون ذلك بالمسلمين ، وكتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور(٢) إلى ما وراء النهر وقال : أحفظ ما بيدك من بلاد خراسان . ولمّا وصل رسول يزدجرد إلى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بأمره ، فلمّا عبر يزدجرد النهر ودخل في بلادهما تعيّن عليهما إنجاده في شرع الملوك ، فسار معه خاقانُ الأعظمُ ملكُ الترك ، ورجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملكُ التتار خاقان ، فوصل إلى بلخ واسترجعها٣)، وفرّ عمالُ الأحنف إليه ( إلى مرو الروذ ، وخرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف ) بمرو الروذ ، فتبرّز٤ُ) الأحنف بمن معه من أهل البصرة وأهل الكوفة والجميع عشرون ألفاً فسمع رجلاً يقول لآخر : إن كان الأمير ذا رأي فإنّه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره ويبقى هذا النهر خندقاً حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة . فلما أصبح الأحنفُ أمرَ المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه ، وكان أمارةَ النصر والرّشد ، وجاءت الأتراك والفرس في جمع عظيم هائل مزعج ، فقام الأحنفُ في الناس خطيباً فقال: إنكم قليلٌ وعدؤُكم كثيرٌ، فلا يُهولَنَّكُمْ، ﴿كَّمْ مِّنْ فِئَةٍ فَلِيلَةٍ غَلَتْ فِئَةً كَثِيرَةٌ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّبِينَ﴾ [البقرة: ٢٤٩] فكانتِ التركُ يُقاتلون بالنهار ولا يدري الأحنف أين يذهبون في الليل . فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان ، فلمّا كان قريبَ الصُّبح خرج فارسٌ من الترك طليعة وعليه طوق وضرب بطبله فتقدم إليه الأحنف ، فأختلفا طعنتين فطعنه الأحنفُ فقتله وهو يرتجز(٥) : 1 من الرجز ] أنْ يَخْضِبَ الصَّعْدَة أو تَنْدَقَّ(٦) إِنَّ عَلَى كُلِّ رَئِيسٍ حَقّاً. سَيْف (٧) أبي حَفْصِ الَّذِي تَبَقَّى إنّ لها شَيْخاً بها مُلَقى في تاريخ الطبري (١٦٧/٤): حاتم بن النعمان الباهلي. وما هنا موافق للكامل لابن الأثير (٣/ ٣٤). (١) (٢) في أ : الغزوة . (٣) في أ : فاسترجعها . (٤) في أ : فينزل . (٥) البيتان في تاريخ الطبري (٤ /١٦٩ ). (٦) في أ، ط : يندقاه . وما هنا عن تاريخ الطبري . في أ ، ط : بسيف . وما هنا عن تاريخ الطبري . (٧) ٢٥٦ غزو المسلمين بلاد خراسان قال : ثم استلب التركيَّ طوقَه ووقف موضعه ، فخرج آخرُ عليه طوقٌ ومعه طبلٌ فجعل يضرب بطبله. فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضاً واستلبه طوقه ، ووقف موضعه فخرج ثالث فقتله وأخذ طوقه ، ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه ولا يعلم بذلك أحدٌ من الترك بالكلية . وكان من عادتهم أنهم لا يخرجون من مبيتهم حتى تخرج ثلاثةٌ من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول بطبله ، ثم الثاني ثم الثالث . ثم يخرجون بعد الثالث. فلما خرجت الترك ( ليلتئذ ) بعد(١) الثالث، فأتَوْا على فرسانهم مُقَتَّلين، تشاءم بذلك الملك خاقان وتَطيَّر ، وقال لعسكره : قد طال مقامنا وقد أصيب (٢) هؤلاء القوم بمكانٍ لم نصب بمثله ، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير ، فأنصرفوا بنا . فرجعوا إلى بلادهم وأنتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا إليهم من شُعَبهم فلم يَرَوْا أحداً منهم ، ثمّ بلغهم انصرافُهم إلى بلادهم راجعين عنهم ( وقد كان يَزْدَجرد - وخاقان في مقابلة الأحنف بن قيس ومقاتلته - ذهب) إلى مرو الشاهجان فحاصرها وحارثة (٣) بن النعمان بها ، واستخرج منها خزانته التي كان دفنها بها ، ثم رجع وانتظره خاقان ببلغ حتى رجع إليه . وقد قال المسلمون للأحنف : ما ترى في أتباعهم ؟ فقال : أقيموا بمكانكم ودعوهم . وقد أصاب الأحنف فِي ذلك ، فقد جاء في الحديث ((اتركوا الترك ما تركوكم )(٤) وقد ﴿رد اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيْظِمْ لَ يَنَالُواْ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالُ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [ الأحزاب: ٢٥]. ورجع كسرى خاسراً الصفقةَ لم يُشْفَ له غَليلٌ ، ولا حصلَ على خيرٍ ، ولا انتصرَ كما كان في زعمه ، بل تخلّى عنه من كان يرجو النصرَ منه، وتنخَّى عنه وتبرَّأ منه أحوجَ ما كانَ إليه، وبقي مذبذباً لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴾ [النساء: ٨٨] وتحيَّر في أمره ماذا يصنع؟ وإلى أين يذهب ؟ وقد أشار عليه بعض أولي التُّهى من قومه حين قال : قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصِّين أو أكون مع خاقان في بلاده. فقالوا: إنا نرى أن نصانع هؤلاء القوم فإنَّ لهم ذمَّة وديناً يرجعون إليه ، فنكون في بعض هذه البلاد وهم مجاورينا(٥) ، فهم خيرٌ لنا من غيرهم . فأبى عليهم كسرى ذلك . ثم بعث إلى ملك الصّين يستغيث به ويستنجده فجعلَ ملكُ الصين يسأل الرسولَ عن صفةِ هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلادَ وقهروا رقابَ العباد ، فجعل يخبره عن صفتهم ، وكيف يركبون الخيل والإبل ، وماذا يصنعون ؟ وكيف يُصلُّون . فكتب معه إلى يزدجرد : إنه لم يمنعني أن أبعثَ إليكَ بجيش أوّلهُ بمرو وآخره بالصّين، الجهالةُ بما يحقُّ عليّ(٦) ، ولكنَّ هؤلاء في ط : سعد ؛ تحريف . (١) (٢) في أ : أصيبت . (٣) فحاصر حارثة بن النعمان بها . رواه أبو داود مختصراً رقم (٤٣٠٢) والنسائي (٤٣/٦) بلفظ (( دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم)) (٤) وهو حديث حسن . كذا في الأصل والمطبوع : وهو مجاورينا ، والصواب : وهم مجاورونا . (٥) في أ : بما نحن عليه . (٦) ٢٥٧ غزو المسلمين بلاد خراسان القوم الذين وصفَ لي رسولُك ( صفتَهم لو يحاولون الجبال لهدُّوها ، ولو جئتُ لنصركَ أزالوني ما داموا ـه على ما وصف لي رسولك ) فسالِمْهُم وأرضَ منهم بالمسالمة . فأقام كسرى وآل كسرى في بعض البلاد مقهورين . ولم يزل ذلك دأبه حتى قُتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه . ولما بعث الأحنف بكتاب الفتح ، وما أفاءَ اللهُ عليهم من أموال الترك ومنْ كانَ معهم ، وأَّهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلةً عظيمةً . ثم ردّهم اللهُ بغيظهم لم ينالوا خيراً . فقام عمرُ على المنبر وقُرىء الكتابُ بين يديه ، ثم قال عمر : إنّ اللهَ بعثَ محمداً بالهدى ووعد على أتباعه من عاجل الثواب وآجله خير الدنيا والآخرة، فقال: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ﴾ [ التوبة: ٣٣] فالحمدُ لله الذي أنجز وعده! ونصرَ جندَه. ألا وإنّ اللهَ قد أهلكَ ملكَ المجوسية ، وفرّق شملَهم ، فليسوا يملكون من بلادهم شِبْراً يُضير بمسلم ، ألا وإنَّ الله قد أورثكم أرضَهم وديارَهم وأموالهم وأبناءَهم ، لينظرَ كيف تعملون !! فقوموا في أمره ، على وَجَلٍ ، يُوفّ لكم بعهده ، ويُؤْتِكم وعدَه ، ولا تغيِّروا يستبدل قوماً غيركم ، فإنّي لا أخاف على هذه الأمة أن تُؤْتى إلا من قبلگُم . وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي الحافظ(١) في تاريخ هذه السنة - أعني سنة اثنتين(٢) وعشرين - : وفيها فتحت أَذْرَ بيجان على يَدَي المُغيرة بن شُعبة . قاله ابن إسحاق : فيقال : إنه صالحهم على ثمانمئة ألف درهم . وقال أبو عبيدةٍ: فتحها حبيب بن مَسْلَمةُ(٣) الفِهْري بأهل الشام عنوةً ، ومعه أهلُ الكوفة فيهم حُذَيْفة فافتتحها بعد قتال شديد ، والله أعلم . وفيها افتتح حذيفة الدينور عنوة - بعد ما كان سعد افتتحها فانتقضوا٤) عهدهم - . وفيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوةً - وكانوا نَقَضُوا أيضاً عهدَ سعد - وكان مع حذيفة أهل البصرة(٥) ( فلحقهم أهل الكوفة ) فاختصموا في الغنيمة ، فكتب عمر : إنَّ الغنيمةَ لمنْ شهدَ الوقعة . قال أبو عبيدة : ثم غزا حذيفة هَمَذان فافتتحها عنوةً ، ولم تكن فُتحت قبل ذلك ، وإليها انتهى فتوح حذيفة . قال : ويقال : افتتحها جريرُ بن عبد الله بأمر المغيرة ويقال : افتتحها المغيرة سنة أربع وعشرين . وفيها افتُتحت جُرجان . (١) في تاريخ الإسلام (٤٥/٢) . (٢) في أ : ثنتين . (٣) في ط : سلمة ؛ تحريف . في أ : فانتقض . (٤) في أ : الشام . (٥) ٢٥٨ أحداث سنه ٢٣ هـ قال خليفةٌ(١) : وفيها افتتح عمرو بن العاص طرابلس المغرب ، ويقال في السنة التي بعدها . قلت : وفي هذا كلّه غرابة لنسبتهُ(٢) إلى ما سلف ، والله أعلم . قال شيخنا : وفيها توفي أَبيّ بن كعب في قول الواقدي وابن نمير والذهلي والترمذي ، وقد تقدم في سنة تسع عشرة . ومعضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان ولا صحبة له . ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين وفيها وفاة عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال الواقدي وأبو معشر٢) : فيها كان فتح إصطخر وهَمَذان . وقال سيف : كان فتحها بعد فتح تَوَّج٤ُ) الآخرة. ثم ذكر أنَّ الذي افتتح تَوّج مجاشعُ بن مسعود ، بعد ما فَتَلَ من الفرس مقتلةً عظيمةً وغنِمَ منهم غنائمَ جمةً ، ثم ضربَ الجزية على أهلها ، وعقدَ لهم الذمةَ ، ثم بعث بالفتح وخُمْسِ الغنائم إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ثم ذكر أنَّ عثمان بن أبي العاص افتتح جُورُ) بعد قتالٍ شديدٍ كان عندها ، ثم افتتح المسلمون إصطخر - وهذه المرة الثانية - ، وكان أهلها قد نقضوا ( العهد ) بعد ما كان جند العلاء بن الحضرمي افتتحوها حين جاز في البحر - من أرض البحرين - والتقواهم والفرس في مكان يقال له طاوس ، كما تقدَّم بسط ذلك في موضعه . ثم صالحه الهِرْبذُ على الجزية ، وأن يضرب لهم الذمة . ثم بعث بالأخماس والبشارة إلى عمر . قال ابن جرير: وكانت الرسل لها جوائز، وتُقْضى لهم حوائج، كما كان رسول الله وَ ل يعاملهم بذلك . ثم إنَّ شهرك خلع العهد ، ونقضَ الذمّة ، ونشَّط الفرسَ ، فنقضوا، فبعث إليهم عثمان بن أبي العاص ابنَه وأخاه الحكم ، فاقتتلوا مع الفرس فهزم الله جيوش المشركين ، وقتلَ الحكمُ بن أبي العاص شهرك، وقتلَ ابنَه معه أيضاً. وقال أبو معشر: كانت فارس الأولى وإصْطَخر الآخرة سنة ثمانٍ وعشرين في إمارة عثمان ، وكانت فارس الآخرة و( وقعة ) جُور في سنة تسعٍ وعشرين . تاريخ خليفة ( ص ١٥٢ ) . (١) (٢) في أ : بالنسبة . (٣) تاريخ الطبري (١٧٤/٤) والكامل لابن الأثير (٣٩/٣ - ٤٠). (٤) توَّج : مدينة بفارس قريبة من كازرون شديدة الحرّ لأنها في غور من الأرض ذات نخل - معجم البلدان (٢/ ٥٦). جور : مدينة بفارس بينها وبين شيراز عشرون فرسخاً ، وهي مدينة نزهة طيبة . معجم البلدان (٢/ ١٨١ - ١٨٢). (٥) في تاريخه ( ١٧٥/٤ ) . (٦) ٢٥٩ فتح فسا ودار ابجرد فتح فَسَا ودَارَ ابِجَرْد وقصة سارية بن زُنَيْم ذكر سيف١ٌ) عن مشايخه أنَّ سارية بن زُنَيْم قصدَ فَسَا ودار ابجَرْد، فاجتمع٢) له جموعٌ - من الفرس والأكراد - عظيمة، ودهمَ المسلمين منهم أمرٌ عظيمٌ وجمعٌ كثيرٌ، فرأى(٣) عمر في تلك الليلة فيما يرى النائمُ معركتَهم وعددَهم في وقتٍ من النهار ، وأنهم في صحراء وهناك جبلٌ إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد ، فنادى من الغد الصلاة جامعة ، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها ، خرج إلى الناس وصعد المنبر ، فخطب الناس وأخبرهم بصفة ما رأى ، ثم قال : يا ساريةُ الجبلَ الجبلَ ، ثم ( أقبل عليهم) وقال : إن لله جنوداً ولعلَّ بعضَها أن يبلغهم . قال : ففعلوا ما قال عمر ، فنصرهم اللهُ على عدوهم ، وفتحوا البلد . وذكر سيف(٤) في رواية أخرى عن شيوخه أنَّ عمر ( بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ) قال : يا سارية بن زُنَيِّم الجبلَ الجبلَ . فلجأ المسلمون إلى جبلٍ هناك فلم يقدر العدو عليهم إلا من جهةٍ واحدةٍ فأظفرهم الله بهم ، وفتحوا البلد . وغنموا شيئاً كثيراً ، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه ساريةٌ من المسلمين لعمر ، فلما وصل إليه مع الأخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائماً في يده عصا وهو يطعم المسلمين سماطهم ، فلما رآه عمر قال له : اجلس - ولم يعرفه - ، فجلس الرجل فأكل مع الناس ، فلمَّا فرغوا انطلق عمر إلى منزله واتبعه الرجل ، فاستأذن فأذن له ، وإذا هو قد وُضع له خبزٌ وزيتٌ وملحٌ ، فقال : ادنُ فَكُلْ . قال : فجلستُ فجعل يقول لامرأته : ألا تخرجين يا هذه فتأكلين ؟ فقالت : إني أسمع حسَّ رجلٍ عندك . فقال : أجل ، فقالت : لو أردتَ أن أبرزَ للرجال اشتريتَ لي غيرَ هذه الكسوة . فقال : أو ما ترضَيْنَ أن يُقال أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر. فقالت : ما أقلَّ غَناء ذلك ( عني ) . ثم قال للرجل : ادنُ فكُل فلو كانت راضية لكانَ أطيبَ مما ترى [ قال ] فأكلا فلما فرغا قال : أنا رسول ساريةَ بن زُنَيِّم يا أمير المؤمنين. فقال: مرحباً وأهلاً. ثم أدناه حتى مست ركبتُه ركبتَه ، ثم سأله عن المسلمين ، ثمّ سأله عن سارية ( بن زُنَيْم ) ، فأخبره ثم ذكر له شأنَ السفط من الجوهر ، فأبى أن يقبله ، وأمر بردِّه إلى الجند . وقد سأل أهل المدينة رسولَ ساريةَ عن الفتح فأخبرهم ، فسألوه : هل سمعوا صوتاً يوم الوقعة ؟ قال: نعم ، سمعنا قائلاً يقول: يا ساريةُ الجبلَ، وقد كدنه) نهلك فلجأنا إليه ، ففتح الله علينا . تاريخ الطبري (١٧٨/٤ ) . (١) (٢) في أ : واجتمع . (٣) في أ : ورأى . الخبر في تاريخ الطبري (١٧٨/٤) والكامل لابن الأثير (٤٢/٣ -٤٣) وتاريخ الإسلام (٤٩/٢). في أ : كنا . وما عنا موافق لتاريخ الطبري . (١٥ ٢٦٠ فتح كرمان وسجستان ومكران ثم رواه سيفٌ ، عن مجالد ، عن الشعبيّ بنحو هذا . وقال عبد الله بن وهب ، عن يحيى بن أيوب ، عن ابن عجلان ، عن نافع ، عن ابن عمر أنَّ عمرَ وجَّه جيشاً ورأَسَ عليهم رجلاً ( يقال له سارية ) قال : فبينما عمرُ يخطب ( فجعل ينادي ) : يا ساري الجبل ( يا ساري الجبل ثلاثاً ) ثم قدم رسولُ الجيش فسأله عمر : فقال : يا أميرَ المؤمنين هُزمنا ، فبينما نحن كذلك إذ سمعنا منادياً : يا سارية الجبلَ ، ثلاثاً - فأسندنا ظهورنا بالجبل ، فهزمهم الله . قال : فقيل لعمر : إنك كنتَ تصيحُ بذلك . وهذا إسناد جيد حسن . وقال الواقدي : حدَّثني نافعُ بن أبي نُعيم، عن نافع مولى ابن عمر . أنَّ عمر قال على المنبر : يا سارية بن زُنَيِّم الجبلَ . فلم يدرِ الناسَ ما يقولُ حتى قدم ساريةُ بن زُنَيَّم المدينةَ على عمر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، كنّا محاصري العدوّ فكنّا نُقيم الأيامَ لا يخرج علينا منهم أحدٌ ، نحن في خفضٍ من الأرض وهم في حصنٍ عالٍ ، فسمعتُ صائحاً يُنادي بكذا وكذا يا سارية بن زُنَّيِّم الجبلَ ، فعلوتُ بأصحابي الجبلَ ، فما كان إلا ساعةً حتى فتحَ اللهُ علينا . وقد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر بنحوه ، وفي صحته من حديث مالك نظر . وقال الواقدي : حدَّثني أسامةُ بن زيد عن أسلم عن أبيه ، وأبو سليمان عن يعقوب بن زيد قالا : خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة إلى الصلاة ، فصعدَ المنبر ، ثم صاح : يا سارية بن زُنَيِّم الجبلَ ( يا سارية بن زُنَيِّم الجبلَ ) ، ظُلِمَ منِ اسْتَرْعى الذئبَ الغنمَ . ثم خطب حتى فرغ ، فجاء كتابُ سارية إلى عمر : إنَّ الله قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا وكذا - لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلمُ(١) على المنبر - قال: سارية فسمعت صوتاً يا سارية بن زُنَّيِّم الجبلَ ، يا سارية بن زنيم الجبل ، ظلم من استرعى الذئب الغنم، فعلوت بأصحابي الجبل ، ونحن قبلَ ذلك في بطن وادٍ ، ونحن محاصرو العدوِّ . ففتحَ الله علينا . فقيل لعمر بن الخطاب : ما ذلك الكلام ؟ فقال : والله ما ألقيت له إلَّ بشيء ألْقِيَ على لساني. فهذه طرقٌ يشد٢ُّ) بعضُها بعضاً . [ فتح كَرْمان وسِجْسِتان ومُكران ] ثم ذكر ابنُ جرير(٣) من طريق سيفٍ عن شيوخه فتحَ كَرْمان على يديْ سُهَيْل بن عدي وأمدَّه عبد الله بن عبد الله بن عِتْبان، وقيل على يَدَيْ عبد الله بن بُدَيْل بن ورقاء الخُزاعي، وذكر فتح سِجْسِتالُ(٤) على (١) في أ : ليتكلم . (٢) في أ : تشدّ . (٣) في تاريخه (٤ / ١٨٠ - ١٨١). سجستان : ناحية كبيرة وولاية واسعة ، تقع جنوبي هراه وبينهما عشرة أيام ثمانون فرسخاً ، وأرضها كلّها رملية = (٤)