النص المفهرس
صفحات 201-220
٢٠١ فتح السوس أهلها فقالوا : يا معشر المسلمين لا تتعبوا في حصار هذا البلد فإنا نأثر فيما نرويه (١) عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجّال أو قوم معهم الدجال ، واتفق أنه كان في جيش أبي موسى الأشعري صاف بن صَيّاد ، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره ، فجاء إلى الباب فدقه (٢) برجله فتقطعت السلاسل ، وتكسرت الأغلاق ، ودخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان ودعوا إلى الصلح فأجابوهم إلى ذلك ، وكان على السوس شهريار أخو الهرمزان ، فاستحوذ المسلمون على السوس ، وهو بلدٌ قديمُ العمارة في الأرض يقال إنه أول بلد وضع على وجه الأرض ، والله أعلم . وذكر ابن جرير(٣) أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس ، وأن أبا موسى لما أقام٤) بها بعد مضيّ أبي سَبْرة إلى جُنْدَيْ سابور، كتب إلى عمر في أمره٥) فكتب إليه أن يدفنه وأن يُغيِّب عن الناس موضعَ قبره ، ففعل . وقد بسطنا ذلك في سيرة عمر ولله الحمد . قال ابن جرير : وقال بعضهم إنَّ فتحَ السوس ورامهرمز وتسيير الهُرمُزان من تُسْتَر إلى عمر في سنة عشرين والله أعلم، وكان الكتاب العمريّ قد ورد بأن النعمان بن مُقَرِّن يذهب إلى أهل نهاوند فسار إليها فمر بماه - بلدة كبيرة قبلها - فافتتحها ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها ولله الحمد . قلت : المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى وعشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك ، وهي وقعةٌ عظيمة وفتحٌ كبيرٌ ، وخبرٌ غريبٌ ، ونبأٌ عجيبٌ ، وفتح زر بن عبد الله الفُقَيْمي مدينة جُنْدَيْ سابور فاستوثقت(٦) تلك البلاد للمسلمين. هذا وقد تحول يَزْدَجرد من بلد إلى بلد [ومن ذلك البلد إلى غيره ] حتى انتهى أمره إلى الإقامة بأصبهان ، وقد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريباً من ثلاثمئة من العظماء(٧) عليهم رجل يقال له سياه ، فكانوا يفرّون من المسلمين من بلدٍ إلى بلدٍ حتى فتح المسلمون تُسْتر وإصطخرَ ، فقال سياه لأصحابه : إنَّ هؤلاء بعد الشقاء والذلّة ملكوا أماكن الملوك الأقدمين ، ولا يلقون جنداً إلا كسروه ، والله ما هذا عن باطل . ودخل في قلبه الإسلام وعظمته فقالوا له : نحن تبعٌ لك . وبعث عمار بن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى الله ، فأرسلوا إلى أبي موسى الأشعري بإسلامهم [ وكتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين ، وفرض لستة منهم في ألفين (١) في أ : ترونه . (٢) في أ : فرفسه . في تاريخه (٤ / ٩٢ ) . (٣) في ط : قدم . (٤) في أ : من أمره بهذا . (٥) في أ : فاستوسقت . (٦) (٧) في أ : العلماء . ٢٠٢ أحداث سنة ١٨ هـ وخمسمئة ، وحسن إسلامهم ١) وكان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصناً فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن(٢) وضمَّخَ ثيابه بدمٍ ، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم ، ففتحوا إليه باب الحصن ليُؤْووه فثار إلى البوّاب فقتله ، وجاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن ، وقتلوا منْ فيه من المَجوس ، إلى غير ذلك من الأمور العجيبة ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وذكر ابن جرير(٣) أنّ عمرَ بن الخطاب عقدَ الألويةَ والرايات الكبيرة في بلاد خراسان والعراق لغزو فارس والتوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنفُ بن قيس ، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه وننبه عليه ولله الحمد والمنة . قال : وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ، ثم ذكر نُوّابه على البلاد ، وهم منْ ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فإن على البصرة بدله أبو موسى الأشعري . قلت : وقد توفي في هذه السنة أقوام قيل إنهم توفوا قبلها وقد ذكرناهم ، وقيل فيما بعدها وسيأتي ذكرهم في أماكنهم ، والله تعالى أعلم . ثم دخلت سنة ثماني عشرة المشهور الذي عليه الجمهورُ أنَّ طاعونَ عَمَواس كان بها ، وقد تبعنا قول سيف بن عمر وابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها ، لكنّا نذكرُ وفاةَ منْ ماتَ في الطّاعون في هذه السنة إن شاء الله تعالى . قال ابن إسحاق وأبو معشر : كان في هذه السنة طاعون عَمَواس وعام الزَّمادة ، فتفانى فيهما الناسُ . قلتُ : كان في عام الرمادة جَدبٌ عمَّ أرضَ الحجاز ، وجاع الناسُ جوعاً شديداً . وقد بسطنا القولَ في ذلك في سيرة عمر ، وسُمِّيتْ عام الرمادة لأنّ الأرضَ اسودّت من قلّة المطر حتى عاد لونها شبيهاً بالرماد. وقيل: لأنها تسفي(٤) الريح تراباً كالرماد . ويمكن أن تكون ( سميت ) لكل (٥) منهما والله أعلم . وقد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز ، وجفلت(٦) الأحياء إلى المدينة ولم يبق عند أحد منهم زاد ، فلجؤوا إلى أمير المؤمنين ، فأنفقَ فيهم من حواصل بيت المال ممَّا فيه من الأطعمة والأموال (١) وضعت هذه العبارة في ط بين معقوفين وكأنها مضافة على النسخة المعتمدة ، وهي واردة في (أ). في أ : باب الحبس . (٢) (٣) في تاريخه (٤ / ٩٤). سفت الريح التراب تسفيه سفياً : ذرته ، وقيل حملته . اللسان ( سفا ) . (٤) (٥) في أ : أن يكون لكل منهما . جفل : ذهب وأسرع . اللسان ( جفل ) . (٦) ٢٠٣ أحداث سنة ١٨ هـ حتى أنفده ، وألزمَ نفسه لأن لا يأكل سمناً ولا سميناً حتى يكشف ما بالناس ، فكان في زمن الخصب يبث(١) له الخبز باللبن والسمن ، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت والخل ، وكان يستمرىء الزيت . وكان لا يشبع مع ذلك ، فاسودّ لون عمر رضي الله عنه وتغيّر جسمه حتى كاد يُخْشى عليه من الضعف . واستمرّ هذا الحال في الناس تسعة أشهرٍ ، ثم تحوّل الحال إلى الخصب والدعة وانشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم . قال الشافعي : بلغني أنّ رجلاً من العرب قال لعمر حين ترحلت (٢) الأحياء عن المدينة : لقد انجلت عنك ولأنّك لابن حرة . أي : واسيت الناس وأنصفتهم وأحسنت إليهم . وقد روينا أن عمر عس (٣) المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجدْ أحداً يضحك ، ولا يتحدّث الناس في منازلهم على العادة ، ولم ير(٤) سائلاً يسأل ، فسأل عن سبب ذلك فقيل له : يا أمير المؤمنين إن السُّؤَّال سألوا فلم يُعْطوا فقطعوا السؤال ، والناسُ في همٍّ وضيقٍ فهم لا يتحدّثون ولا يضحكون . فكتب عمر إلى أبي موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد . وكتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد . فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البُر وسائر الأطعمات ، ووصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة ومن جدة إلى مكة . وهذا الأثر جيد الإسناد، لكنَّ ذِكْرَ عمرو بن العاص في عام الرمادة مُشْكل ، فإن مصر لم تكن فُتحت في سنة ثماني عشرة ، ( فإمّا أن يكونَ عامُ الرمادة بعد سنة ثماني عشرة ) ، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة وهمٌ ، والله أعلم . وذكر سيف عن شيوخه أنّ أبا عبيدة قدم المدينة ومعه أربعة آلاف راحلة تحمل طعاماً ، فأمره عمر بتفريقها٥) في الأحياء حول المدينة ، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها ، فألحَ عليه عمر حتى قبلها . ((٦) وقال سيف بن عمر (٧) ، عن سهل بن يوسف السُّلَمي ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال : كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة ، وأول سنة ثماني عشرة ، أصاب أهلَ المدينةِ وما حولها جوٌ فهلك كثير من الناس ، حتى جعلتِ الوحشُ تأوي إلى الإنس ، فكان(٨) الناس بذلك وعمر (١) كذا في ط ، وفي أ: يبس ، ولعل الصح : يفت. (٢) في أ : ترحل . عَسَّ - يَعُسُّ عَسّاً وعُسّاً - أي طاف بالليل. اللسان ( عسس ) . (٣) (٤) في أ : يجد . (٥) في أ : بتفرقتها . هذه الفقرة جاءت في أبعد الأبيات الرائية . (٦) تاريخ الطبري (٩٨/٤ ) . (٧) (٨) في أ : وكان . ٢٠٤ أحداث سنة ١٨ هـ كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال : أنا رسولُ رسولِ الله إليك، يقول لك رسول الله وَّل: ((لقد عهدتُكَ كيساً، وما زلتَ على ذلك، فما شأنُكَ))؟ قال : متى رأيتَ هذا ؟ قال: البارحةَ . فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة ، فصلَّى بهم ركعتين ثم قام فقال: أيها الناس أنشدكم(١) الله هل تعلمون مني أمراً غيره خير(٢) منه ؟ فقالوا : اللهم لا ، فقال : إن بلال بن الحارث يزعم ذَيَّة وذَيَّةُ(٣) . قالوا : صدق بلال فاستغث بالله ثم المسلمين . فبعث إليهم - وكان عمر عن ذلك محصوراً - فقال عمر : الله أكبر ، بلغ البلاء مدته فانكشف . ما أذنَ لقوم في الطلب إلا وقد رُفعَ عنهم الأذى والبلاء . وكتب إلى أُمراء الأمصار أن أغيثوا أهلَ المدينة ومنْ حولها ، فإنه قد بلغ جَهْدهم . وأخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج وخرج معه (٤) العباس بن عبد المطلب ماشياً ، فخطب وأوجز وصلى ثم جثا لركبتيه وقال : اللهم إياك نعبد وإياك نستعين ، اللهم اغفر لنا وارحمنا وارض عنا . ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغُدْران ) . ثم روى سيف(٥) ، عن مبشر بن الفضيل ، عن جبير بن صخر ، عن عاصم بن عمر بن الخطاب : أن رجلاً من مزينة عام الزّمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال : ليس فيهن شيء . فألحوا عليه ، فذبح شاة فإذا عظامُها حمرٌ. فقال: يا محمداه(٦). فلما أمسى أري في المنام أنَّ رسول الله يقول له: ((أبشرْ بالحياة(٧)، ائت عمر، فأقرئه منّي السلام وقل له : إن عهدي بك وفيُّ العهد شديد العقد ، فالكَيْس الكَيْس يا عمر))، فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه: استأذن لرسول رسول الله وَله . فأتى عمر فأخبره ففزع ثم صعد عمر المنبر فقال للناس : أنشدكم الله الذي (٨) هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئاً تكرهونه ؟ فقالوا : اللهم لا ، وعم ذاك ؟ فأخبرهم بقول المزني (٩) - وهو بلال بن الحارث - ففطنوا ولم يفطن. فقالوا : إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا . فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال : اللهم عجزتْ عنا أنصارُنا ، وعجزَ عنا حولُنا وقوتنا ، وعجزتْ عنا أنفسُنا ، ولا حول ولا قوةَ إلا بكَ ، اللهم اسْقنا وأخي العبادَ والبلادَ . في أ : أنشدتكم . (١) (٢) في أ : خيراً منه . ذيَّة وذيَّة : كيت وكيت . اللسان والقاموس ( ذيت ) . (٣) (٤) في أ : ومعه . (٥) تاريخ الطبري (٩٩/٤ ). (٦) هذه استغاثة بغير الله تعالى ، ولا يجوز ذلك وهي من مرويات سيف . (٧) في تاريخ الطبري : أبشر بالحيا . في أ : أنشدكم بالذي . (٨) (٩) هذا الرجل، لم يثبت أنه بلال بن الحارث ، والرواية التي تقول : إنه بلال بن الحارث ، من رواية سيف وهو متروك . ٢٠٥ أحداث سنة ١٨ هـ وقال الحافظ أبو بكر البيهقي(١): أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا : حدَّثنا أبو عَمْرو (٢) بن مطر ، حدَّثنا إبراهيم بن علي الذُّهلي، حدَّثنا يحيى بن يحيى، حدَّثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن مالك قال : أصاب الناسَ قحطٌ في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجلٌ إلى قبر النبيِ نَ ◌ِّ فقال : يا رسولَ الله استسقِ اللهَ لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله وَله في المنام فقال: انت عمر فأقرئه مني السلامَ وأخبرهم أنهم مُسْقَوْنُ(٣) ، وقل له عليك بالكيس الكَيْس . فأتى الرجل فأخبر عمر فقال : يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه . وهذا إسناد صحيح(٤) وقال الطبراني(٥): حدَّثنا أبو مسلم الكشّي، حدَّثنا محمد الأنصاري (٦)، حدَّثنا أبي، عن ثمامة بن عبد الله بن أنس ، عن أنس : أن عمر خرج يستسقي وخرج بالعباس معه يستسقي يقول : اللهم إنّا كُنّا إذا فُحِطنا على عهد نبيّنا توسَّلنا إليك بنبينا، وإنا نتوسَّل إليك بعمّ نبينا ◌َّه. وقد رواه البخاري(٧) عن الحسن بن محمد ، عن محمد بن عبد الله [ الأنصاري ] به ولفظه عن أنس : أنَّ عمرَ كان إذا قُحِطوا يستسقي بالعباس بن عبد المطلب فيقول : اللهم إنّا كُنّا نتوسَّلُ إليكَ بنبينا وَّ فتسقينا وإنا نتوسَّلُ إليك بعمِّ نبينا فاسْقِنا. قال: فَيُسْقَوْنَ . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا - في كتاب المطر وفي كتاب مجابي الدعوة - حدَّثنا أبو بكر النيسابوري ، حدَّثنا عطاء بن مسلم ، عن العُمري ، عن خوَّات بن جبير قال : خرج عمر يستسقي بهم فصلّى ركعتين فقال : اللهم إنا نستغفرك ونستسقيك فما برحَ من مكانه حتى مُطِروا ، فقدم أعراب فقالوا : يا أمير المؤمنين بينا نحن في وادينا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمامة فسمعنا منها صوتاً : أتاك الغوث أبا حفص ، أتاك الغوث أبا حفص . وقال ابن أبي الدنيا : حدَّثنا إسحاق بن إسماعيل ، حدَّثنا سفيان ، عن مطرف بن طريف ، عن الشَّعبي قال : خرج عمر يستسقي بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع ، فقالوا: يا أمير المؤمنين (١) دلائل النبوة (٧/ ٤٧) والخبر أيضاً في تاريخ ابن عساكر ( ترجمة عمر بن الخطاب/ ٢٤٩). (٢) في ط: (( أبو عمر)) محرف ، وهو أبو عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري المزكي ، ترجمه الذهبي في السير (١٦ / ١٦٢). (٣) في أ : يسقون . أي إلى مالك الدار ، ومالك الدار مجهول ، فالقصة ضعيفة . (٤) (٥) المعجم الأوسط (٢١٨/٣) رقم (٢٤٥٨). في ط: (( أبو محمد الأنصاري)) خطأ، وهو محمد بن عبد الله بن مثنى الأنصاري، من رجال التهذيب ، وجاء على (٦) الصواب في السند الذي بعده . (٧) صحيح البخاري ( ٣٧١٠ ) في فضائل الصحابة . ٢٠٦ أحداث سنة ١٨ هـ ما نراك استسقيتَ . فقال: لقد طلبتُ المطرَ بمجاديحُ(١) السماء التي يستنزل بها المطر(٢) ثم قرأ: ﴿ اُسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا ◌ِلَا يُرْسِلِ السَّمَآءَ عَلَيْكُ مِّدْرَارًا﴾ [ نوح: ١٠ - ١١ ] ثم قرأ: ﴿ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ﴾ [ هود: ٣] . وذكر ابن جرير(٣) في هذه السنة من طريق سيف بن عمر ، عن أبي المجالد والربيع ( وأبي ) عثمان وأبي حارثة ، وعن عبد الله بن شُبرُمة ، عن الشَّعبي قالوا : كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب أن نفراً من المسلمين أصابوا الشراب ، منهم ضرار وأبو جندل بن سهل ، فسألناهم فقالوا : خُيِّرنا فاخْتَرْنا . قال : فهل أنتم مُنْتُهون ؟ ( ولم يعزم . فجمعَ عمرُ الناسَ فأجمعوا على خلافهم ، وأن المعنى : فهل أنتم منتهون ) أي : انتهوا . وأجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين . وأن منْ تأوَّل هذا التأويل وأصرَّ عليه يُقْتل . فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعُهُم فسلهم عن الخمر ، فإن قالوا هي حلال فاقتلهم ، وإن قالوا هي حرام فاجلدهم ، فاعترف (٤) القوم بتحريمها ، فجُلدوا الحدّ ، وندموا على ما كان منهم من اللّجاجة فيما تأولوه(٥) ، حتى وُسْوس أبو جندل في نفسه ، فكتب أبو عبيدة إلى عمر في ذلك ، وسأله أن يكتب إلى أبي جندل(٦) ويذكره ، فكتب إليه عمر بن الخطاب في ذلك : من عمر إلى أبي جندل ، إن الله لا يغفر أن يُشْركَ به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فُتُبْ وارفَعْ رأسَكَ وابرز ولا تقنط فإن الله تعالى يقول ﴿﴿ قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا نَفْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] وكتب عمر إلى الناس : أن عليكم أنفسكم ومن غيَّر فغيِّروا عليه ، ولا تُعيِّروا أحداً فيفشوا فيكم البلاء ، وقد قال أبو الزهراء القشيري في ذلك (٧): [ من الطويل ] ألمْ تَرَ أنَّ الدَّهْرَ يَعْثُرُ بالفَتَى وليسَ على صَرْفِ المَنونِ بَقَادِرٍ(٨) في الأصل والمطبوع : محاديج ، بتقديم الحاء والجيم في اخره، وهو تحريف ، صوابه ( مجاديح ) بتقديم الجيم (١) وفي آخره حاء ، قال ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث)) جدح، المجاديح، واحدها مِجْدَح، والمجدح: نجم من النجوم . وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر، انظر صحيح مسلم رقم (٧١) و(٧٢) و(٧٣) وابن حبان رقم (٦١٣٠) . روى أحمد في مسنده رقم (١٠٩٨٣) (٧/٣) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعاً ( لو أمسك الله القطر عن الناس (٢) سبع سنين ، ثم أرسله ، لأصبحت طائفة به كافرين ، يقولون : مطرنا بنوء المِجْدَح) والمجدح : كوكب وهو عند ابن حبان في صحيحه رقم (٦١٣٠) والدارمي في سننه (٣١٤/٢) وأبي يعلى رقم (١٣١٢) وهو حديث حسن وفي الباب عن أبي هريرة ، انظر مسند أحمد (٣٦٢/٢) ومسلم رقم (٧٢) وعن ابن عباس رقم (٧٣) . (٣) في تاريخه (٤ / ٩٦ - ٩٧ ). في أ : فاعترفوا القوم ؛ وهي لغة مفضولة . (٤) في أ : قالوه . (٥) في أ : إليه عمر ويذكره . (٦) الأبيات في تاريخ الطبري (٤/ ٩٧ - ٩٨ ). (٧) في أ : لقادر ؛ وهي تخرج القافية عن الكسر . (٨) ٢٠٧ وفيات سنة ١٨ هـ ولستُ عن الصَّهباء(١) يوماً بصابِرِ صَبَرْتُ ولمْ أجْزَعْ وقَدْ ماتَ إخْوتي فخُلَّنُها يَبْكُونَ حولَ المَعاصِرِ(٢) رماها أميرُ المُؤْمِنِينَ بِحَتْفُها قال الواقدي(٣) وغيره : وفي هذه السنة في ذي الحجة منها حَوَّلَ عمرُ المقام - وكان مُلْصقاً بجدار الكعبة - فأخّره إلى حيث هو الآن لئلا يشوِّشَ المصلون عنده على الطّائفين . قلت : قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر ولله الحمد ( والمنة ) . قال : وفيها استقضى عمر شريحاً على الكوفة ، وكعب بن سور على البصرة . قال : وفيها حجَّ عمرُ بالناس ، وكان نوابه فيها الذين تقدَّم ذكرهم في السنة ( الماضية ) . وفيها فُتحت الرَّقَّة والرُّها وحَرّان على يدي عياض بن غنم . قال : وفُتحت رأس عين الورد(٤) على يدي عمر بن سعد بن أبي وقاص . وقال غيره خلاف ذلك. وقال شيخنا الحافظ الذهبي في ((تاريخه)(٥) : وفيها - يعني هذه السنة - افتتح أبو موسى الأشعري الرُّها وسُمَيْساطُ(٦) عنوةً، وفي أوائلها وجَّه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحا حران ونصيبين وطائفة من الجزيرة عنوة ، وقيل : صلحاً . وفيها سار عياض إلى الموصل فافتتحها وما حولها عنوة . وفيها بنى سعد جامع الكوفة . وقال الواقدي : وفيها كان طاعون عَمَواس فمات فيه خمسة وعشرون ألفاً . قلت : هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عَمَواس - وهي بين القدس والرملة - لأنها كان أول ما نجم الداء بها ، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها ، فإنّا لله وإنا إليه راجعون . قال الواقدي : توفي في عام طاعون عَمَواس من المسلمين بالشام خمسة وعشرون ألفاً . وقال غيره : ثلاثون ألفاً . وهذا ذكر طائفة من أعيانهم رضي الله عنهم . الحارث بن هشام(٧) ، أخو أبي جهل، أسلم يوم الفتح ، وكان سيداً شريفاً في الإسلام كما كان (١) الصهباء : الخمر . اللسان ( صهب ). في أ، ط : المقاصر ؛ وما هنا عن تاريخ الطبري وهو الأشبه . (٢) (٣) جملة هذه الأخبار في تاريخ الطبري (١٠١/٤) وتاريخ ابن الأثير (٥٦٢/٢). (٤) عين الوردة : مدينة مشهورة بالجزيرة . معجم البلدان ( ٤ / ١٨٠) . (٥) تاريخ الإسلام (٢٦/٢) طبعة القدسي. في ط: ((شمشاط))، وما أثبتناه من خط الذهبي في تاريخه (مجلد أيا صوفيا ٣٠٠٥ مصورتها عند الدكتور بشار) (٦) وهي مدينة على شاطىء الفرات بطرف بلاد الروم على غربي الفرات، وهي غير شمشاط ( ينظر معجم البلدان (٢٥٨/٣ و ٣٦٢ - بيروت). (٧) ترجمة - الحارث بن هشام - في الطبقات الكبرى (٤٤٤/٥) والاستيعاب (٣٠١/١) وجامع الأصول (١٣/ ٣٠٠) وأسد الغابة (٤٢٠/١ - ٤٢١) ومختصر ابن منظور (١٦٩/٦) وسير أعلام النبلاء (٤١٩/٤) والإصابة = ٢٠٨ وفيات سنة ١٨ هـ في الجاهلية ، استشهد بالشام في هذه السنة في قول ، وتزوج عمر بعده بامرأته فاطمة . شُرَحْبِيل ابن حَسَنَةُ(١) ، أحد أمراء الأرباع ، وهو أمير فلسطين ، وهو شُرَحبيل بن عبد الله بن المُطاع ابن قطن الكِنْدي حليف بني زُهْرة ، وحَسَنَةُ أمه ، نسب إليها وغلب عليه ذلك . أسلم قديماً وهاجر إلى الحبشة وجهزه الصّدّيق إلى الشام ، فكان أميراً على ربع الجيش ، وكذلك في الدولة العمرية ، وطعن هو وأبو عبيدة وأبو مالك الأشعري في يوم واحد سنة ثماني عشرة . له حديثان روى ابن ماجه أحدهما في الوضوء وغيره(٢) عامر بن عبد الله بن الجرّاحُ(٣) بن هِلال بن أُهَيْب ( بن ضَبَّة بن الحارث ) بن فِهْرِ القُرَشي أبو عبيدة ( بن الجَرّاح ) الفِهْري ، أمينُ هذه الأمة ، وأحدُ العشرة المشهود لهم بالجنة ، وأحدُ الخمسة الذين أسلموا في يوم واحدٍ ، وهم عُثمان بن مَظْعون، وعُبَيْدة بن الحارث ، وعبد الرحمن بن عَوْف ، وأبو سلمة بن عبد الأسد ، وأبو عُبَيْدة بن الجَرّاح . أسلموا على يدي الصديق . ولما هاجروا آخى رسول الله مَ لّ بينه وبين سعد بن معاذ، وقيل بين محمد بن مسلمة. وقد شهدَ بدراً وما بعدها ، وقال رسول الله وَّ: ((إن لكلِّ أمةٍ أميناً وأمينُ هذه الأمة أبو عُبَيْدة بن الجَرّاح)) ثبت ذلك في الصحيحين(٤) وثبت في الصحيحين(٥) أيضاً أنّ الصّدّيق قال يوم السَّقيفة: وقد رضيتُ لكم أحدَ هذين الرجلين فبايعوه - يعني عمر بن الخطاب وأبا عُبَيْدة . وبعثه الصديق أميراً على ربع الجيش إلى الشام ، ثم لما انتدب خالداً على العراق كان أميراً على أبي عبيد وغيره لعلمه بالحروب(٦) . فلما انتهت الخلافةُ إلى عمر عزلَ خالداً وولَّى أبا عبيدة بن الجراح ، وأمره أن يستشير خالداً ، فجمعَ للأمة بين أمانة أبي عُبَيْدة وشجاعة خالد . قال ابن عساكر : وهو أولُ من سُمِّي أميرَ الأمراء بالشام . قالوا: وكان أبو عبيدة طوالاً نحيفاً أَجْنَةً(٧) (٢٩٣/١) وشذرات الذهب (١٦٩/١). = ترجمة - شرحبيل بن حسنة - في الطبقات الكبرى (١٢٧/٤ - ١٢٨) والاستيعاب (٧٠١/٢) وجامع الأصول (١) (١٤ /٣٠٥) وأسد الغابة (٥١٢/٢ - ٥١٣) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٤٢/١ -٢٤٣) والإصابة (١٤٣/٢). سنن ابن ماجه (٤٥٥) في الطهارة. ونص الحديث عن رسول الله مطية: ((أتموا الوضوء ويل للأعقاب من النار)) (٢) وهو حديث صحيح . (٣) ترجمة - عامر بن عبد الله بن الجراح - في الطبقات الكبرى ( ٤٠٩/٣) والاستيعاب (٧٩٢/٢ - ٧٩٥) وجامع الأصول (٣١٨/١٢ - ٣٢٠) وأسد الغابة (١٢٨/٣ - ١٣٠) وتهذيب الأسماء واللغات (٢٥٩/٢) وسير أعلام النبلاء (٥/١ -٢٣) والإصابة (٢٥٢/٢ - ٢٥٤). صحيح البخاري ( ٣٧٤٤) في فضائل الصحابة ، وصحيح مسلم ( ٢٤١٩) في فضائل الصحابة . (٤) (٥) صحيح البخاري (٦٨٣٠) في المحاربين . وأما مسلم فأخرج طرفاً من حديث عمر لكن ليس فيه قول أبي بكر الصديق (١٦٩١) في الحدود. والحديث في مسند أحمد (٥٦/١) من رواية ابن عباس عن عمر . في أ : بعلمه الحروب . (٦) أجنا : أي أحدب الظهر . اللسان ( جنا ) ، (٧) ٢٠٩ وفيات سنة ١٨ هـ معروف الوجه، خفيف اللحية، أهتم(١)، وذلك لأنه لما انتزع الحلقتين من وَجْنتي رسول الله مَكل يوم أُحد خاف أن يؤلم رسول الله وَّة فتحامل على ثنيتيه فسقطتا، فما رُئيَ أحسن هتماً منه. توفي بالطاعون عام عَمَواس كما تقدم سياقه في سنة ست عشرة عن سيف بن عمر . والصحيح أنّ عَمَواس كانت في هذه السنة - سنة ثماني عشرة - بقرية ( فِحْل) ، وقيل بالجابية . وقد اشتهر في هذه الأعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه ، والله أعلم . وعمره يوم مات ثمانٍ وخمسون سنة . الفضل بن عباس بن عبد المطلب (٢)، كان حسناً وسيماً جميلاً، أردفه رسول الله م # وراءه يوم النحر من حجة الوداع ، وهو شاب حسن ، وقد شهد فتح الشام ، واستُشهد بطاعون عَمَواس ، في قول محمد بن سعد والزبير بن بكار وأبي حاتم وابن البرقي(٣) ، وهو الصحيح . وقيل يوم مرج الصفر ، وقيل بأجنادين . ويقال باليرموك [ ويقال ] سنة ثمان وعشرين . معاذ بن جَبَل(٤) بن عمرو بن أوس بن عائد(٥) بن عَدي بن كَعْب بن عمرو بن أُدَيّ بن [ سعد بن ] علي بن أَسَد بن سارِدَة بن يزيد بن جُشَم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المَدني : صحابيٌّ جليلٌّ كبيرُ القَدْرِ . قال الواقديُّ: كان طُوالًا حسنَ الشَّعرِ والشَّغْرِ بَرَّاق الثّنايا ، لم يولد له . وقال غيره : بل وُلد له ولد وهو عبد الرحمن . شهد معه اليرموك . وقد شهد معاذ العقبة . ولما هاجر الناس آخى رسول الله وَّ بينه وبين ابن مسعود. وحكى الواقديّ الإجماعَ على ذلك. وقد قال محمد بن إسحاق : آخى بينه وبين جعفر بن أبي طالب ، وشهد بدراً وما بعدها . وكان أحدَ الأربعة من الخزرج الذين جمعوا القرآنَ في حياةِ النّبِيّ بَّه، وهم: أُبيّ بن كعبٍ ، وَزَيْدُ بن ثابتٍ ، ومُعاذُ بن جَبَلٍ ، وأبو زيد عمّ أنس بن مالك (٦). وصحَّ في الحديث الذي رواه أبو داود والنّسائي(٧) من حديث حَيْوة بن شُرَيْح، عن عقبة بن مسلم، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلّي، عن الصُّنابحي، عن معاذ أن رسول الله وَيه قال له : (( يا معاذ والله إني لأحبُّكَ، فلا تدعنَّ أن تقولَ في دبرَ كلِّ صلاةٍ: اللَّهُمّ أعني على ذكرك وشكركَ هَتم فاه يَهْتمُهُ : القى مُقدّم أسنانه كأهتمه ، وكفرح : انكسرت ثناياه من أصولها فهو أهتم . القاموس ( هتم ) . (١) (٢) ترجمة - الفضل بن العباس - في الطبقات الكبرى (٥٤/٤) والاستيعاب (١٢٦٩/٣ - ١٢٧٠) وجامع الأصول (٣٠/١٥ - ٣١) وأسد الغابة (٣٦٦/٤) وسير أعلام النبلاء (٤٤٤/٣) مختصر ابن منظور (٢٠ / ٢٧٧) والإصابة (٢٠٨/٣ - ٢٠٩). (٣) في أ : السري . ترجمة - معاذ بن جبل - في الطبقات الكبرى (٣٤٧/٢) والاستيعاب (١٤٠٢/٣) وجامع الأصول (٢٠١/١٥ - (٤) ٢٠٢) وأسد الغابة (١٩٤/٥) وسير أعلام النبلاء (٤٤٣/١) والإصابة (٤٢٦/٣ - ٤٢٧). (٥) في ط والإصابة : عابد ؛ وهو تحريف لأن ابن الأثير ضبطها بالحرف في جامع الأصول . روى هذا الخبر أنس بن مالك وأخرجه أحمد في المسند (٢٧٧/٣) والبخاري في صحيحه ( ٣٨١٠) في مناقب (٦) الأنصار وغيرهما . وأبو زيد هذا قال أنس : هو أحد عمومتي ، واختلف في اسمه . سنن أبي داود رقم (١٥٢٢) في الصلاة، وسنن النسائي (٥٣/٣) رقم (١٣٠٣) في الصلاة ، وهو حديث صحيح. (٧) ٢١٠ وفيات سنة ١٨ هـ وحُسنِ عبادتك)). وفي المُسند والنَّسائي وابن ماجه (١) من طريق أبي قِلابة، عن أنسٍ مرفوعاً: ((وأعْلَمهم بالحلالِ والحرام معاذ بن جبل)) وقد بعثه رسول الله وَّه إلى اليمن وقال له: ((بم تحكمُ))؟ فقال: بكتاب الله ... الحديث(٢). وكذلك أقرَّه الصّديق على ذلك يعلّم الناس الخيرَ باليمن. ثم هاجر إلى الشام فكان بها حتى مات بعد ما استخلفه أبو عبيدة حين طُعن ثم طُعن بعده في هذه السنة . وقد قال عمر بن الخطاب: ((إن معاذاً يبعث أمام العلماء برتوة (٣). ورواه محمد بن كعب مُرْسلا٤ً) . وقال ابن مسعود : كنا نُشبِّهه بإبراهيم الخليل . وقال ابن مسعود : إن معاذاً كان قانتاً لله حنيفاً ولم يك من المشركين(٥) . وكانت وفاته شرقي غور بَيْسان سنة ثماني عشرة . وقيل سنة تسع عشرة ، وقيل ( سبع عشرة ، عن ثمان وثلاثين سنة على المشهور وقيل ) غير ذلك والله أعلم . يزيد بن أبي سفيان(٦) أبو خالد يزيد بن صَخْر بن حَرْب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القُرَشي الأموي ، أخو معاوية ، وكان يزيد أكبرَ وأفضلَ . وكان يقال له يزيد الخير ، أسلم عام الفتح ، وحضر حُنَيناً، وأعطاه رسول الله وَّه مئة (من الإبل) وأربعين أوقية، واستعمله الصّدّيق على ربع الجيش إلى الشام ، وهو أول أمير وصل إليها ، ومشى الصّدّيق في ركابه يوصيه ، وبعث معه أبا عبيدة وعمرو بن العاص وشُرَحْبيل بن حَسَنة ، فهؤلاء أمراء الأرباع . ولما افتتحوا دمشق دخلَ هو من باب الجابية الصغير عنوةً كخالد في دخوله من الباب الشرقي عنوةً ، وكان الصدِّيق قد وعده بإمرتها ، فوليها عن أمر عمر وأنفذ (١) مسند الإمام أحمد (١٨٤/٣ و٢٨١) فضائل الصحابة للنسائي (١٨٢). وسنن ابن ماجه رقم (١٥٤) في المقدمة ، وهو حديث صحيح . (٢) أخرجه أحمد في مسنده ( ٢٣٦/٥ و٢٤٢) وأبو داود في سننه ( ٣٥٩٣) في الأقضية ، والترمذي في جامعه (١٣٢٧) في الأحكام، من طريق ناس من أصحاب معاذ عن معاذ، وقال الترمذي: ((هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وليس إسناده عندي بمتصل)) . وضعَّفه بسبب جهالة من روى عن معاذ جملةٌ من جهابذة أهل العلم ، منهم إمام الصنعة : البخاري ، والعقيلي، والدارقطني ، وابن حزم، والذهبي ، وابن حجر فضلاً عن الإمام الترمذي . وقبله بعض العلماء المتأخرين ، منهم: الخطيب في كتابه الفقيه والمتفقه (١٨٩/١ - ١٩٠)، وابن القيم في أعلام الموقعين (١/ ٢٠٢) . وينظر تعليق الدكتور بشار على طبعته من جامع الترمذي (١٠/٣). (٣) أخرجه ابن سعد (٣/ ٥٩٠)، وأحمد في مسنده (١٨/١)، وفي الفضائل له (١٢٨٧)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة (٨٨٦/٣)، وأبو نعيم في الحلية (٢٢٨/١ و٢٢٩) من طرق مختلفة عن عمر، مرفوعاً، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده. والرتوة: رمية سهم، وقيل: مد البصر. وقد تحرفت في ط إلى ((ربوة)) (بشار). (٤) أخرجه الطبراني في الكبير (٢٠/ حديث ٤١)، وأبو نعيم في الحلية (٢٢٩/١) من طريق عمارة بن غزية عن محمد بن عبد الله الأنصاري ، عن محمد بن كعب القرظي مرسلا (بشار) . (٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ٢٣٠) والحاكم في المستدرك ( ٢٧١/٣) وصححه وهو أيضاً في سير أعلام النبلاء (٤٥١/١ ) . (٦) ترجمة - يزيد بن أبي سفيان - في طبقات ابن سعد (٤٠٥/٧) والاستيعاب (١٥٧٥/٤) وأسد الغابة (٤٩١/٥) وتهذيب الأسماء واللغات (١٦٢/٢) ومختصر ابن منظور (٣٦٢/٢٧) وسير أعلام النبلاء (٣٢٨/١) والإصابة (٣٤١/٦). ٢١١ أحداث سنة ١٩ هـ له ما وعده الصّدّيق ، وكان أولَ من وليها من المسلمين . المشهور أنه مات في طاعون عَمَواس كما تقدم . وزعم الوليد بن مسلم أنه توفي سنة تسع عشرة بعد ما فتح قيسارية . ولما مات كان قد استخلف أخاه معاوية على دمشق فأمضى عمر بن الخطاب له ذلك رضي الله عنهم . وليس له في الكتب شيء ، وقد روى عنه أبو عبد الله الأشعري أن رسول الله مَ ◌ّ قال: (( مثلُ الذي يُصلِّي ولا يُتَمُّ ركوعَهُ ولا سجوده مثلُ الجائعِ الذي لا يأكلُ إلا التمرةَ والتمرتين لا يغنيان عنه شيئاً)(١) أبو جَنْدل بن سُهَيْل(٢) بن عمرو ، وقيل اسمه العاص: أسلم قديماً ، وقد جاء يوم صلح الحديبية مسلماً يرسف في قيوده لأنّه كان قد استضعف فردّه أبوه وأبى أن يصالح حتى يُردّ ، ثم لحق أبو جندل بأبي بَصير(٣) إلى سِيف البحر(٤) ، ثم هاجر إلى المدينة وشهد فتح الشام . وقد تقدم أنه تأول آية الخمر ثم رجعُ(٥) ، ومات بطاعون عَمَواس رحمه الله ورضي عنه . أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد الله تقدم . أبو مالك الأشعري(٦) ، قيل اسمه كعب بن عاصم، قدم مهاجراً سنة خيبر مع أصحاب السفينة، وشهد ما بعدها ، واستُشهد بالطاعون عام عَمَواس هو وأبو عبيدة ومعاذ في يوم واحد رضي الله عنهم أجمعين . ثم دخلت سنة تسع عشرة قال الواقدي وغيره : كان فتحُ المدائن وجلولاء فيها . والمشهورُ خلافُ ما قال كما تقدَّم . وقال محمد بن إسحاق : كان فتحُ الجزيرة والرُّها وحَرّان ورأس العين ونَصيبين في هذه السنة . وقد خالفه غيره(٧). وقال أبو معشر وخليفة(٨) وابن الكلبي: كان فتح قَيْسَارِيّة في هذه السنة وأميرُها معاويةُ . وقال غيره يزيد بن أبي سفيان . وقد تقدّم أن معاوية افتتحها قبل هذا بسنتين . وقال محمد بن إسحاق : كان (١) أخرجه البخاري في تاريخه الكبير (٢٤٧/٤ - ٢٤٨)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (٢٣٩/٦٥)، ورواه الطبراني في الكبير (٤ / ٣٨٤٠) وأبو يعلى الموصلي ، رقم (٧١٨٤) وابن خزيمة في صحيحه رقم (٦٦٥) وغيرهم ، فهو حديث حسن. (٢) ترجمة - أبي جندل ــ في الطبقات الكبرى (٤٠٥/٧) والاستيعاب (١٦٢١/٤) وجامع الأصول ( ٢٧٣/١٣) وأسد الغابة (٥٤/٦ - ٥٦) وسير أعلام النبلاء (١/ ١٩٢) والإصابة (٣٤/٤). (٤) قصة إسلامه مشهورة ذكرها البخاري في صحيحه رقم (٢٧٠٠ ) في الصلح ، وقد أوردها المصنف رحمه الله مطولة (٣) في أ : نصير ، وهو تحريف . في السيرة . تقدم الخبر صفحة ١٤٨ من هذا الجزء . (٥) ترجمة - أبي مالك الأشعري - في الطبقات الكبرى (٣٥٨/٤) والاستيعاب (١٣٢١/٣) وجامع الأصول (٦) (١١١/١٥) وأسد الغابة (٤٧٠/٤) والإصابة (٢٩٣/٣). (٧) قال الطبري في تاريخه (١٠٢/٤) بعد ذكره الخبرين : وقد ذكرنا قول من خالفهم في ذلك قبل . (٨) تاريخ خليفة (ص ١٤١). ٢١٢ أحداث سنة ١٩ هـ فتحُ قَيْسارية من فلسطين ، وهرب هرقل ، وفتح مصر في سنة عشرين . وقال سيف بن عمر : كان فتح قيسارية وفتح مصر في سنة ست عشرة . قال ابن جرير (١) : فأما فتحُ قيسارية فقد تقدم ، وأما فتح مصر فإني سأذكره في سنة عشرين إن شاء الله تعالى . قال الواقدي : وفي هذه السنة ظهرت نارٌ من حرّةٍ ليلى(٢) فأراد عمر أن يخرج بالرجال إليها ، ثم أمر المسلمين بالصدقة فطفئت ولله الحمد . ويقال كان فيها وقعة أرمينية وأميرها عثمان بن أبي العاص ، وقد أصيب فيها صفوان بن المُعَطَّل بن رَحْضَةً(٣) السُّلَمي ثم الذَّكواني، وكان أحد الأمراء يومئذ. وقد قال فيه رسول الله وَلَّه(( ما علمت عليه إلا خيراً)(٤) وهو الذي ذكره المنافقون في قصة الإفك فبرَّأَ اللهُ ساحتَه ، وجنابَ أمّ المؤمنين زوجة رسول الله وَلّ مما قالوا. وقد كان إلى حين قالوا لم يتزوج، ولهذا قال: والله ما كشفت كنف أنثى قط . ثم تزوج بعد ذلك ، وكان كثير النوم ربما غلب عليه عن صلاة الصبح في وقتها ، كما جاء في سنن أبي داود(٥) وغيره . وكان شاعراً ثم حصلت له شهادةٌ في سبيل الله ، قيل بهذا البلد ، وقيل بالجزيرة ، وقيل بسُمَيْساط(٦) . وقد تقدَّم بعضُ هذا فيما سلف . وفيها فُتحت تكريتُ في قولٍ ، والصحيح قبل ذلك . وفيها فيما ذكرنا أسرت الروم عبد الله بن حُذافة(٧) . وفيها في ذي الحجة منها كانت وقعةٌ بأرض العراقِ قتل فيها أميرُ المجوس(٨) شهرك ، وكان أمير المسلمين يومئذ الحكم بن أبي العاص رضي الله عنه . قال ابن جرير(٩) ، وفيها ( حجَّ) بالناس عمرُ ، ونوابه في البلاد وقضاته هم المذكورون قبلها والله أعلم . في تاريخه (١٠٢/٤ - ١٠٣ ) . (١) حرّة ليلى : موضع لبني مرة بن عوف يطؤها الحاج في طريقهم إلى المدينة . معجم البلدان (٢٤٨/٢). (٢) في جامع الأصول : رُبَيْصَة ، وفي الاستيعاب: ربيعة، وفي الإصابة : رُبيعة ، وما أثبتناه هو الصواب، وهو الذي (٣) بخط الذهبي في تاريخ الإسلام ، وفي السير (٥٤٥/٢) . قطعة من حديث أخرجه البخاري في صحيحه رقم (٢٦٦١) في الشهادات ، وأخرجه ابن حبان في صحيحه (٤) (١٦ / ١٣ - ١٩) رقم (٧٠٩٩) في مناقب الصحابة. سنن أبي داود رقم ( ٢٤٥٩) في الصوم من حديث أبي سعيد الخدري ، وهو حديث صحيح . (٥) (٦) في ط : ((بشميشاط)): وما هنا بخط الذهبي في تاريخ الإسلام، وهي كذلك في السير (٥٤٦/٢). (٧) ترجمته في الاستيعاب (٨٨٨/٢) وتاريخ دمشق - (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد _/ ١٢٠ - ١٣٥) وجامع الأصول (١٤ / ٤٤٨ -٤٤٩) وأسد الغابة (٢١١/٣) والإصابة (٥٤/٢). (٨) في أ : أمير الجيوش . والخبر في تاريخ خليفة (ص ١٤١). (٩) في تاريخه (١٠٣/٤) . ٢١٣ وفيات سنة ١٩ هـ ( ذكر من توفي فيها من الأعيان ) وممن توفي فيها من الأعيان : أُبَيُّ بن كعب (١) سيد القراء ، وهو أَبَيّ بن كعب بن قيس بن عبيد بن زَيْد بن معاوية بن عَمْرو بن مالك بن النَّجّار ، أبو المُنْذر وأبو الطُّفَيْل ، الأنْصاري النَّجَّاري سيِّد القُرّاء : شهد العَقَبَة وبدراً وما بعدهما ، وكان سَيِّداً جليلَ القدر . وهو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول الله رَّي وقد قال لعمر يوماً: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه منه جبريل وهو رطب . وفي المسند والنسائي وابن ماجه (٢) من طريق أبي قلابة عن أنس مرفوعاً: ((أقرأُ أُمتي أُبي بن كعب)) وفي الصحيح(٣) أنَّ رسول الله وَّه قال له: ((إنَّ اللهَ أمرني أن أقرأَ عليكَ القرآن)). قال: وسمّاني لكَ؟ قال: ((نعم)) فذرفَتْ عيناه . وقد تكلّمنا على ذلك في التفسير عند سورةٍ ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِينَ حَتَّى تَأْنِيَهُمُ الْبِنَةُ ﴾ [البينة: ١] . قال الهَيْئَم بن عَدِيّ : توفي أُبي سنة تسع عشرة . وقال يحيى بن معين : سنة سبع عشرة أو عشرين . وقال الواقدي عن غير واحد : توفي سنة اثنتين وعشرين . وبه قال أبو عبيد وابن نمير وجماعة . وقال الفلاس وخليفة (٤) : توفي في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه . وفيها مات خَبَّاب(٥) مولى عُْبَة بن غَزْوان من المهاجرين شهد بدراً وما بعدها ، وهو صحابيٌّ من السّابقين وصلَّى عليه عمرُ . ومات فيها صَفْوان بن المُعطّل(٦) في قول كما تقدم ، والله أعلم . (١) ترجمة - أبي بن كعب - في الطبقات الكبرى (٤٩٨/٣) والاستيعاب (١٢٦/١) وجامع الأصول (١٠/١٣ -١١) وأسد الغابة (٦١/١) وسير أعلام النبلاء (٣٨٩/١ -٤٠٢). والإصابة (٢٦/١). (٢) مسند أحمد ( ١٨٤/٣) وفضائل الصحابة للنسائي (ص ١٨٢) وسنن الترمذي رقم (٣٧٩٠). وتمام الحديث : (( أرحم أمتي بأمتي أبو بكر ، وأشدهم في الله عمر ، وأصدقهم حياءً عثمان ، وأقرؤهم لكتاب الله أبي بن كعب ، وأفرضهم زيد بن ثابت ، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ، ألا وإن لكل أمة أميناً ، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجرّاح)) ، وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده . (٣) صحيح الإمام البخاري (٤٩٥٩) في المناقب، وصحيح مسلم (٧٩٩) (١٢١) في فضائل الصحابة . (٥) هو خباب بن الأرت وقد أوردت المصادر نسبه كاملا، وترجمته فى الطبقات الكبرى (٦٤/٣) والاستيعاب (٤٣٧/١) (٤) تاريخ خليفة ( ص ١٦٧ ) . وجامع الأصول (١٣ /٤١٩) وأسد الغابة (١١٤/٢) وسير أعلام النبلاء (٣٢٣/٢ - ٣٢٥) والإصابة (٤١٦/١). (٦) ترجمة - صفوان بن المعطل - في الاستيعاب (٧٢٥/٢) وجامع الأصول (١٤/ ٣٥١) وأسد الغابة (٣٠/٣ -٣١) = ٢١٤ أحداث سنة ٢٠ هـ - صفة فتح بلاد مصر سنة عشرين من الهجرة قال محمد بن إسحاق : فيها كان فتحُ مصر . وكذا قال الواقدي : إنّها فُتحت هي وإسكندرية في هذه السنة . وقال أبو معشر : فُتحت مصر سنة عشرين ، وإسكندرية في سنة خمس وعشرين . وقال سيف : فتحت مصر وإسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الأول منها١) . ورجّح ذلك أبو الحسن بن الأثير في ((الكامل)(٢) لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرّمادة ، وهو معذور فيما رجحه ، والله أعلم . وفيها كان فتح تُسْتَر في قول طائفةٍ من علماء السير بعد محاصرة سنتين وقيل سنة ونصف ، والله أعلم . صفة فتح [ بلاد ] مصر [ مجموعاً من كلام ]٣) ابن إسحاق وسيف [ وغيرهما ] قالوا : لما استكملَ (عمر) والمسلمون فتحَ الشام بعثَ عمرو بن العاص إلى مصرَ . وزعم سيفٌّ أنَّه بعثه بعد فتح بيت المقدس، وأردفه بالزُّبير بن العَوَّام وفي صحبته بُسْر بن أرطاة ٤)، وخارِجَة بن حُذافَة وعُمَيْر بن وَهْب الجُمَحي . فاجتمعا على باب مصر فلقيهم أبو مريم جائليق مصر ، ومعه الأسقفّ(٥) أبو مريام في أهل الثبات (٦)، بعثه المُقَوْقِسُ صاحب إسْكَنْدَرِيَّة لمنع بلادهم ، فلما تصافُّوا قال عمرو بن العاص لا تعجلوا حتى نُعْذرَ ، ليبرز إليَّ أبو مريم وأبو مريام راهبا هذه البلاد ، فبرزا إليه ، فقال لهما عمرو بن العاص : أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا، إن الله بعث محمداً وَ لَه بالحق وأمره به وأمرنا به محمد وَّه، وأدَّى إلينا كلّ الذي أُمر به ، ثم مضى وتركنا على الواضحة، وكان مما أمرنا به الإعذار إلى الناس ، فنحن ندعوكم إلى الإسلام ، فمن أجابنا ( إليه ) فمثلنا ، ومن لم يجبنا٧) عرضنا عليه الجزية وبذلنا له المنعة، وقد أعلمنا [وَّة] أنا مفتتحوكم، وأوصانا بكم حفظاً لرحمنا منكم، وإنَّ لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة. ومما عهد إلينا أميرنا: استوصوا بالقِبْطيِّين خيراً، فإنّ رسول الله وَّهِ أوصانا بالقِبْطَيِّين وسير أعلام النبلاء (٥٤٥/٢ - ٥٥٠) والإصابة (١٩٠/٢ - ١٩١). = (١) جملة هذه الأقوال في تاريخ الطبري (٤ /١٠٤). (٢) الكامل في التاريخ (٥٦٤/٢ ) . (٣) مكان هاتين المعقوفتين لفظة / عن / في ط . في ط : بشر بن أرطأة ؛ خطأ. والتصحيح من الاستيعاب (١/ ١٥٧) وجامع الأصول (١٥٢/١٣) وأسد الغابة (٤) (٢١٣/١) وسير أعلام النبلاء (٤٠٩/٣) والإصابة (١٤٧/١ - ١٤٨). (٥) الأسقف : رئيس النصارى في الدين ، أعجمي تكلّمت به العرب ولا نظير له إلا أُسْرُبّ ، والجمع : أساقف وأساقفة . في تاريخ الطبري (١٠٧/٤) : النيات . (٦) في أ : ومن لم يجب . (٧) ٢١٥ صفة فتح بلاد مصر خيراً ، لأن لهم رحماً وذمةُ(١) . فقالوا : قرابةٌ بعيدةٌ لا يصل مثلها إلا الأنبياءُ معروفة شريفة ، كانت ابنة ملكنا وكانت من أهل مَنْف والملك فيهم ، فأديل (٢) عليهم أهل عين شمس فقتلوهم وسلبوهم ملكهم واغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم(٣) عليه السلام مرحباً به وأهلاً . أمَّنَّا حتى نرجع إليك ، فقال عمرو : إن مثلي لا يخدع ولكنّي أؤجلكما ثلاثاً لتنظرا ولتناظرا قومكما وإلا ناجزتكم . قالا : زدنا ، فزادهم ( يوماً ، فقالا : زدنا . فزادهم يوماً ) فرجعا إلى المُقَوْقِس فأبى أرطبون أن يجيبهما وأمر بمناهدتهم ، فقالا لأهل مصر : أما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم ولا نرجع إليهم . وقد بقيتْ أربعةُ أيام ( قاتلوا ) وأشار عليهم بأن يبيِّتوا٤) للمسلمين ، فقال الملأ منهم : ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى وقيصر وغلبوهم على بلادهم ، فألحّ الأرطبون في أن يبيّتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشيء بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون ، وحاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع . وارتقى الزبير عليهم سورَ البلد ، فلما أحسُّوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه واخترقَ الزُّبير البلدَ حتى خرجَ من الباب الذي عليه عمرو فأمْضوا الصلحَ وكتب لهم عمرو كتاب أمان : (( بسم الله الرحمن الرحيم : هذا ما أعطى عمرو بن العاص أهلَ مصر من الأمان على أنفسهم وملّتهم وأموالهم وكنائسهم وصُلُبهم وبرّهم وبَحْرهم لا يدخل عليهم شيء من ذلك ، ولا يُنتقص ولا يساكنهم النوبة ، وعلى أهل مصر أن يُعْطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح وانتهت زيادةُ نهرهم خمسين ألف ألف وعليهم جَنَى لُصُوتُهمُ(٥) ، فإن أبى أحدٌ منهم أن يجيبَ رُفع عنهم من الجزاء بقدرهم ، وذمّتنا ممن أبى بريئة . وإن نقص نهرهم من غايته [ إذا انتهى ] رفع عنهم بقدر ذلك ومنْ دخل في صلحهم من الروم والنوبة ، فله مثل مالهم وعليه مثل ما عليهم ، ومنْ أبى واختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا ، عليهم ما عليهم أثلاثاً ، ( في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم ) . على ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخليفة أمير المؤمنين وذمم المؤمنين ، وعلى النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا وكذا رأساً ، وكذا وكذا فرساً على أن لا يغزوا ولا يمنعوا من تجارة٦) صادرة ولا واردة ، شهد الزُّبير وعبد الله ومحمد ابناه وكتب وردان وحضر )) فدخل في ذلك أهل مصر كلهم وقبلوا الصلح واجتمعت الخيولُ بمصر وعَمَروا الفسطاط(٧) ، وظهر أبو مريم وأبو مريام فكلَّما عَمْراً في السبايا التي أصيبت بعد (١) في أ: ذمة ورحماً، والحديث رواه مسلم رقم (٢٥٤٣) . (٢) في أ : منهم فتغلب . في أ : فلهذا صارت لإبراهيم . (٣) (٤) في أ : أن يثتبوا . في ط : ما حق لصونهم ؛ تحريف ، واللُّصوت : جمع لصت هو اللص في لغة طيىء . اللسان ( لصت ) . (٥) (1) في أ : ولا يمنعونا من غارة . (٧) ((الفسطاط)): مجتمع أهل الكورة حوالي مسجد جماعتهم، ومنه قيل لمدينة مصر التي بناها عمرو بن العاص. معجم البلدان (٤ / ٢٦٣ - ٢٦٤ ). ٢١٦ صفة فتح بلاد مصر المعركة . فأبى عمرو أن يردّها عليهما، وأمر بطردهما وإخراجهما من بين يديه ، فلما بلغ ذلك أميرَ المؤمنين عمر بن الخطاب أمر أنّ كلّ سبي أخذ في الخمسة أيام التي أمَّنوهم فيها أن يرد عليهم ، وكلّ سبي أخذ ممن لم يقاتل وكذلك منْ قاتل فلا يردّ عليه سباياه . وقيل إنّه أمره أن يخيِّروا منْ في أيديهم من السبي بين الإسلام وبين أن يرجع إلى أهله ، فمنِ اختار الإسلامَ فلا يردّوه إليهم ، ومن اختارهم ردّوه عليهم وأخذوا منه الجزيةَ ، وأما ما تفرّق من سبيهم في البلاد ووصل إلى الحرمين وغيرهما ، فإنه لا يقدر على ردّهم ولا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر(١) الوفاء به . ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين ، وجمع السبايا وعرضوهم وخيَّروهم ، فمنهم من اختار الإسلامَ ، ومنهم من عاد إلى دينه ، وانعقد الصلحُ بينهم . ثم أرسل عمرو جيشاً إلى إسكندرية - وكان المُقَوْقسُ صاحب الإسكندرية قبل ذلك يؤدي خراج بلده وبلد مصر إلى ملك الروم - فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته وأكابر دولته وقال لهم : إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى وقيصر وأزالوهم عن ملكهم ولا طاقة لنا بهم . والرأي عندي أن نؤدي الجزية إليهم . ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول : إني كنت أؤدّي الخراج إلى منْ هو أبغضُ إليَّ منكم - فارس والروم - ثم صالحهم على أداء الجزية ، وبعث عمرو بالفتح والأخماس إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المُقَوْقِس جعل كثير من المسلمين يفرّ من الزحف فجعل عمرو يُذَمِّرهمُ(٢) ويحثهم على الثبات : فقال له رجلٌ من أهل اليمن : إنّا لم نخلق من حجارة ولا حديد . فقال له عمرو : اسكت فإنما أنت كلب . فقال له الرجل : فأنت إذاً أمير الكلاب(٣). فأعرض عنه عمرو ونادى يطلب أصحابَ رسول الله بِّ فلما اجتمع إليه منْ هناك من الصحابة قال لهم عمرو : تقدّموا فَبِكُم ينصرُ اللهُ المسلمين - فنهدوا إلى القوم ففتحَ اللّهُ عليهم وظفروا أتمَّ الظفر. قال سيف: ففتحت مصرُ في ربيع الأول من سنة ستّ عشرة، وقام فيها ملك الإسلام ولله الحمد والمنة. وقال غيره : فُتحت مصر في سنة عشرين ، وفتحت إسكندرية في سنة خمس وعشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوةً ، وقيل صلحاً على اثني عشر ألف دينار . وقد ذكر أنّ المُقَوْقِس سأل من عمرو أن يهادنه أولاً ، فلم يقبل عمرو وقال له : قد علمتم ما فعلنا بملككم الأكبر هرقل . فقال المُقَوْقس لأصحابه : صدقَ فنحن أحقُّ بالإذعان . ثم صالح على ما تقدم . وذكر غيره أن عَمراً والزبير سارا إلى عين شمس(٤) فحاصراها وأن عمراً بعث إلى الفرما٥) أبرهة بن في أ : ما لا يعذر . (١) (٢) يُذَمِّرهم، أي يحضُّهم ويُشجّعهم . وفي بعض النسخ : يزمرهم . (٣) في أ : إذاً أنت كبير الكلاب . عين شمس : اسم مدينة فرعون موسى بينها وبين الفسطاط ثلاثة فراسخ ، كانت مدينة كبيرة ، وبها آثار قديمة (٤) وأعمدة تسميها العامة مسالّ فرعون . معجم البلدان ( ٤/ ١٧٨ ). (٥) الفرما : مدينة على الساحل من ناحية مصر تشرف على بحر القُلزم [الأحمر ]، فتحها عمرو بن العاص عنوة في= ٢١٧ قصة نيل مصر الصباح ، وبعث عوف بن مالك إلى الإسكندرية فقال كل منهما لأهل بلده : إن نزلتم فلكم الأمان . فتربّصوا ماذا يكون من أهل عين شمس ، فلما صالحوا صالح الباقون . وقد قال عوف بن مالك لأهل إسكندرية : ما أحسنَ بلدَكُم ؟ فقالوا : إنّ إسكندر لمّا بناها قال : لأبنينَّ مدينةً فقيرةً إلى الله غنيةً عن الناس . ( فبقيت بهجتها ) . وقال أبرهة لأهل الفرما ، ما أقبحُ(١) مدينتكم ؟ فقالوا: إن الفرما - وهو أخو الإسكندر - لمّا بناها قال لأبنينّ مدينة غنيةً عن الله فقيرةً إلى الناس . فهي لا يزال (٢) ساقطاً بناؤها ، فشوهت بذلك. وذكر سيفٌ أنَّ عبدَ الله بن سعد بن أبي سَرْح لمّا ولي مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رؤوساً من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كلّ سنة ، ويعوّضهم المسلمون بطعام مسمى وكسوةٍ . وأقرّ ذلك عثمان ابن عفان وولاة الأمور بعده ، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضاً نظراً لهم ، وإبقاءً لعهدهمُ(٣) . قلت : وإنما سميت ديار(٤) مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص ، وذلك أنّه نصب خيمتَه وهي الفسطاط موضع مصر اليوم ، وبنى الناس حوله ، وتركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص وإلى اليوم ، ثم رفع الفسطاط وبنى موضعه جامعاً وهو المنسوب إليه اليوم . وقد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة ، وأصيبت أعين كثيرة ، لجودة رمي النوبة فسموهم جند الحدق . ثم فتحها الله بعد ذلك وله الحمد والمنة . وقد اختلف في بلاد مصر فقيل : فتحت صلحاً إلَّ الإسكندرية ، وهو قول يزيد بن أبي حبيب . وقيل : كلّها عنوة ، وهي قول ابن عمر وجماعة . وعن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال : ما قعدت مقعدي هذا ولأحدٍ من القبط عندي عهدٌ إن شئت - قبلت ، وإن شئت بعت ، وإن شئت خمست ، إلا لأهل الطابلس فإنّ لهم عهداً نُوفي(٥) به . قصة نيل مصر روينا من طريق ابن لهيعة ، عن قيس بن الحجاج ، عمن حدَّثه قال : لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص - حين دخل بؤنة من أشهر العجم - فقالوا: أيها الأمير، لنيلنا٦) هذا سُنّة لا يجري إلا زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة ١٨. معجم البلدان (٢٥٥/٤ - ٢٥٦). = في تاريخ الطبري (١٠٨/٤) : ما أخلق . (١) (٢) في أ : فهي لا تزال . الخبر في تاريخ الطبري (١١١/٤) . (٣) (٤) في أ : بلاد مصر . في أ : نفي . (٥) (٦) في أ : إن لنيلنا . ٢١٨ قصة نيل مصر بها . قال : وما ذاك ؟ قالوا : إذا كانت ثنتا١) عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها ، فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضلَ ما يكون ، ثم ألقيناها في هذا النيل . فقال لهم عمرو : إن هذا مما لا يكون في الإسلام ، إن الإسلام يهدم ما قبله . قال : فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى والنيل لا يجري قليلاً ولا كثيراً، حتى همّوا بالجلاء ، فكتب عمرو إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فكتب إليه : إنك قد أصبت بالذي فعلت ، وإني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي (٢) ، فألقها في النيل . فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها (( من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر . أما بعد ، فإن كنتَ إنما تجري من قِبَلِكَ ومن أمركَ فلا تَجْرِ فلا حاجةَ لنا فيكَ ، وإن كنتَ إنّما تجري بأمر الله الواحد القهار ، وهو الذي يُجريكَ فنسألُ الله تعالى أن يجريكَ)) قال : فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعاً في ليلة واحدة وقطع الله [ تلك ] السُّنَّةَ عن أهل مصر إلى اليوم . قال سيف بن عمر (٣) : وفي ذي القعدة من هذه السنة - وهي عنده سنة ست عشرة - جعل عمر(٤) المسالحُ() على أرجاء مصر ، وذلك لأن هرقل أغزا الشام ومصر في البحر . قال ابن جرير(٦): وفي هذه السنة غزا أرض الروم أبو بَحْرِيةُ(٧) عبد الله بن قيس العبدي - وهو أولُ من دخلها فيما قيل - فسلم وغنم . وقيل : أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسي . قال الواقدي : وفيها عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين ( وحدّه(٨) في الشراب ، وولَّى على البحرين ) واليمامة أبا هريرة الدوسي رضي الله عنه . قال : وفيها شكا أهل الكوفة سعداً في كل شيء ، حتى قالوا : لا يُحسن يُصلّ ، فعزله عنها وولى (٩) عليها عبد الله بن عبد الله بن عتبان - وكان نائب سعد - وقيل بل ولاها عمَّار بن ياسرُ وقال الإمام أحمد(١٠): حدَّثنا سفيان، عن عبد الملك، سمعه من جابر بن سَمُرَة . قال : شكا أهل الكوفة سعداً إلى عمر فقالوا: إنه لا يُحسن يصلّي، قال الأعاريب؟ والله ما آلو بهم صلاة رسول الله وَّل في ط : اثنتي ؛ خطأ . (١) (٢) في أ : كتابي هذا . (٣) تاريخ الطبري (٤/ ١١١) . (٤) في ط : عمرو ؛ خطأ . المسالح : جمع مَسْلحة وهي الثغر والقوم ذوو السلاح . القاموس ( السلاح ) . (٥) (٦) في تاريخه (١١٢/٤) . في أ : أبو بحيرة ؛ تحريف . وما هنا موافق لتاريخ الطبري . (٨) (٧) أي أقام عليه الحدّ . في الأصل والمطبوع : عمرو. وهو خطأ ، وسيأتي على الصواب صفحة (٢٣٩). (٩) (١٠) مسند الإمام أحمد (١٧٩/١) وهو في الصحيحين: البخاري (٧٥٥) و(٧٥٨) في الأذان ومسلم (٤٥٣) (١٥٨) في الصلاة عن طريق عبد الملك بن عمير ، به . ٢١٩ قصة نيل مصر في الظهر والعصر ، أردّد في الأوليين وأصرف في الأُخريين (١) . فسمعتُ عمر يقول : كذا الظنّ بك يا أبا إسحاق . وفي صحيح مسلم(٢) أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيراً إلا رجلاً يقال له : أبو سعدة أسامة بن قتادة٣) قام فقال: أما إذ أنشدتنا فإنَّ سعداً لا يقسم بالسَّوية ، ولا يعدل في القضية ، ولا يخرج في السَّريَّة . فقال سعد : اللهمّ إن كان عبدكَ هذا قام مقام رياءٍ وسمعةٍ ، فأطل عمره وأدم فقرَهُ وعرِّضْهُ للفتن . فأصابته دعوةٌ سعد - فكان شيخاً كبيراً يرفع حاجبيه عن عينيه. ويتعرّض للجواري في الطرق فيغمزهن ، فيقال له في ذلك ، فيقول : شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد . وقد قال عمر في وصيته - وذكره في الستة٤ُ) - فإن أصابت الإمرَة سعداً فذاك ، وإلا فليستعنْ به أتّكم ولّي ، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة . قال : وفيها أجلى عمرُ يهودَ خيبر عنها إلى أذرعات وغيرها . وفيها أجلى عمر يهود نجران منها أيضاً إلى الكوفة ، وقسم خيبر ، ووادي القرى ، ونجران بين المسلمين . قال وفيها دوّنَ عمر الدواوين ، وزعم غيره أنّه دوّنها قبل ذلك ، فالله أعلم . قال : وفيها بعث عمر عَلْقَمة بن مُجَزِّز المُدْلجي(٥) إلى الحبشة في البحر فأصيبوا، فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشاً في البحر بعدها . وقد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدى وثلاثين - يعني في خلافة عثمان بن عفان - والله أعلم . قال الواقدي . وفيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد ، التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون ، وهي أخت خالد بن الوليد . قال : وفيها مات هلال(٦) بدمشق . (١) في ط : الأخيرين ؛ خطأ . الذي في مسند أحمد ((أركد في الأوليين، وأحذف في الأخريين)). (٢) هكذا نسب المصنف هذه الزيادة لمسلم، ولم أقف عليها في المطبوع منه ، وإنما أخرجها البخاري (٧٥٥) . وينظر دلائل النبوة للبيهقي (١٨٩/٦ - ١٩٠) (بشار). في ط : قتادة بن أسامة ؛ خطأ. وما هنا موافق للبخاري ولتاريخ الطبري (١٢١/٤) والكامل لابن الأثير (٦/٣). (٣) الستة الذين أوصى عمر رضي الله عنه أن يكون الأمر لأحدهم من بعده وهم عليّ وطلحة ، وعثمان والزبير ، وعبد الرحمن بن عوف وسعد رضي الله عنهم. ونص هذه الوصية في مسند أحمد (١٥/١) وصحيح البخاري رقم (٣٧٠٠) في فضائل الصحابة ، وصحيح مسلم رقم ( ٥٦٧ ) في المساجد : وصحيح ابن حبان - الإحسان - (١٥/ ٣٥٠ -٣٥٥) رقم (٦٩١٧) وثمة تخريج واف لهذه الوصية . (٥) ضبطه عن جامع الأصول (١٤ / ٥٣٧) وفي هامشه قائمة بمصادره . (٦) هو هلال بن مرّة الأشجعي؛ ترجمته في جامع الأصول (٥٠٠/١٥) وأسد الغابة (٤١٢/٥) والإصابة ( ٦٠٧/٣ ) . (٤) ٢٢٠ وفيات سنة ٢٠ هـ وأُسَيْد بن الحُضَيْر في شعبان . وزينب بنت جَحْش أم المؤمنين ، وهي أول منْ مات من أمهات المؤمنين رضي الله عنها . قال : وفيها مات هرقل وقام بعده ولده قسطنطين . قال : وحج بالناس في هذه السنة عمر ، ونُوَّابُه وقضاتُه منْ تقدم في التي قبلها ، سوى منْ ذكرنا أنه عزله وولى غيره . ذكر المتوفين [ في هذه السنة ] من الأعيان أُسَيْد بن الحُضَيْر(١) بن سِمَاك الأنصاري الأشْهلي من الأوس ، أبو يحيى: أحد النقباء ليلة العقبة ، وكان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث، وكان قبل الهجرة بست سنين وكان يقال له حُضَيْر الكتائب . يقال إنه أسلم على يَدَيْ مُصْعب بن عُمَيْر. ولما هاجر الناس آخى رسول الله بَّه بينه وبين زيد بن حارثة ، ولم يشهد بدراً. وفي الحديث الذي صححه الترمذي(٢) عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لّه قال: (( نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أَسَيْد بن الحُضَيْر)) وذكر جماعة . وقدم الشام مع عمر ، وأثنت عليه عائشة ، وعلى سعد بن معاذ ، وعبّاد بن بشر ، رضي الله عنهم ، وذكر ابن بكير أنه توفي بالمدينة سنة عشرين، وأن عمر حمل بين عموديه وصلَّى عليه ودفن بالبقيع ، وكذا أرّخَ وفاته سنة عشرين الواقدي وأبو عبيد وجماعة . أُنَيْس بن مَرْئَد (بن أبي) مَرْتَد الغَنَويّ(٣) هو وأبوه وجده صحابة وكان أنيس ( هذا) عيناً لرسول الله يوم حُنَيْن، ويقال(٤) إنه الذي قال له رسول الله وَّةَ: ((واغْدُ يا أَنَيْس إلى امرأةٍ هذا فإن اعْتَرَفَتْ فارْجُمْها (٥) والصحيح أنه غيره ، فإن في الحديث : فقال لرجل من أسلم ، فقيل: إنه أَنَيْس بن الضَّحاك (١) ترجمة - أسيد بن حضير ـ في الطبقات الكبرى (٦٠٣/٣) والاستيعاب (٩٢/١ - ٩٤) وجامع الأصول (٢٠/١٣ - ٢١) وأسد الغابة (١١١/١ - ١١٣) ومختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٣٩١/٤ - ٣٩٨) وسير أعلام النبلاء (٣٤٠/١ - ٣٤٣) والإصابة (٤٩/١). هكذا قال إن الترمذي صححه ، وهو غلط محض انتقل إليه من شيخه الذهبي في تاريخ الإسلام ، وإنما اقتصر (٢) الترمذي على تحسينه ، فقال: ((هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث سهيل)). ولعل الإمام الترمذي اقتصر على تحسينه لغرابة متنه ولأنه معلول عنده ، وهي عادته عند التحسين ، فقد روى موصولًا ومرسلاً ، فقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١١/١٢ - ١٢ و١٣٦ - ١٣٧ من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن النبي وح لول ليس فيه أبو هريرة ( بشار ) . (٣) ترجمة - أنيس بن مرثد - في الاستيعاب (١١٣/١ - ١١٤) وجامع الأصول (٣٣/١٣). وأسد الغابة (١٥٣/١ - ١٥٤) والإصابة (١/ ٧٣) ويقال في اسمه : أنس . في ط : يقال . (٤) الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده ( ٤/ ١١٥) والبخاري في صحيحه ( ٦٨٥٩ و٦٨٦٠) في الحدود ، ومسلم في (٥)