النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ فتح بيت المقدس استشار كعباً أين يضعُ المَسْجد؟ فأشار(١) عليه بأن يجعله وراءَ الصخرة ، فضربَ في صدره وقال . يا ابنَ أمّ كعب ضارعتَ اليهود٢ُ) وأمر ببنائه في مُقَدَّم بيت المقدس . قال ( الإمام ) أحمد(٣) : حدَّثنا أسود بن عامر، حدَّثنا حماد بن سلمة ، عن أبي سنان ، عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أنَّ عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس ، قال قال ابن سلمة؛ فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب : أين ترى أن أصلي ؟ قال إن أخذت ( عني ) صليت خلفَ الصخرة وكانت القدسُ كلَّها بين يديك ، فقال عمر : ضاهيتَ اليهوديةَ لا ولكن أصلِّي حيثُ صلَّى رسولُ الله ◌ِ لّه، فتقدَّم إلى القبلة فصلَّى، ثم جاء فبسط رداءَهُ وكَنَس الكُناسة في ردائه وكنسَ الناسُ. وهذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه « المُسْتخرج )» وقد تكلَّمنا على رجاله في كتابنا الذي أفردناه في (( مسند عمر (٤) ما رواه من الأحاديث المرفوعة وما روي عنه من الآثار الموقوفة مبوباً على أبواب الفقه ولله الحمد والمنة . وقد رَوى سيفُ بن عمر(٥) عن شيوخه (٦) عن سالم قال : لمّا دخلَ عمرُ الشامَ تلقاه رجلٌ من يهود دمشق ، فقال السلامُ عليك يا فاروقُ، أنتَ صاحبُ إيلياء؟ لا ها لله لا ترجع حتى يفتح اللهُ عليك إيلياء . وقد روى أحمد بن مروان الدِّينوري(٧) ، عن محمد بن عبد العزيز ، عن أبيه ، عن الهيثم بن عدي ، عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه ، عن جده أسلم - مولى عمر بن الخطاب - أنّه قدم دمشق في تجار من قريش ، فلما خرجوا تخلَّف عمرُ لبعض حاجته ، فبينما هو في البلد إذا ببطْريقٍ يأخذُ بعنقه ، فذهب ينازعه فلم يقدر ، فأدخل داراً فيها ترابٌ وفأس ومجرفةٌ وزنبيلٌ ، وقال له : حوّل هذا من هاهنا إلى هاهنا ، وغلق عليه الباب ، وانصرف فلم يجىء إلى نصف النهار . قال : وجلست مفكراً ولم أفعل مما قال لي شيئاً . فلما جاء قال : مالك لم تفعل ؟ ولكمني في رأسي بيده قال : فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته وخرجت على وجهي فجئت ديراً لراهبٍ فجلستُ عنده من (١) في أ : فشار . (٢) فى أ : اليهودية . (٣) في مسنده (٣٨/١) رقم (٢٦١) ومن طريقه الضياء في المختارة رقم (٢٤١). مسند عمر (١٦٠/١)، وقال هناك: هذا حديث حسن، وهو اجتهاده رحمه الله، وفي إسناده عيسى بن سنان (٤) الحنفي القسملي ، ضعفه ابن معين وأحمد وأبو زرعة ووثقه بعضهم ، وقال أبو حاتم : ليس يقوى في الحديث ، وقال الحافظ ابن حجر في التقريب : ليّن الحديث ، وهو كما قال ، فمثله لا يحتمل التفرد . (٥) تاريخ الطبري ( ٦٠٨/٣). (٦) في أ : عن مبشر عن سالم . (٧) أحمد بن مروان الدِّينوري، محدث، فقيه نزل مصر وبها توفي سنة (٢٩٨) من تأليفه مناقب مالك، والرد على الشافعي ، وكتاب المجالسة . معجم المؤلفين (٢/ ١٧٤ ). ١٦٢ فتح بيت المقدس العشي ، فأشرفَ علي فنزل وأدخلني الدير فأطعمني وسقاني ، وأتحفني ، وجعل يحقّق النظر فيّ ، وسألني عن أمري فقلت : إني أضللت أصحابي . فقال : إنك لتنظر بعينٍ خائفٍ ، وجعل يتوسّمني ثم قال : لقد علم أهل دين النصرانية أني أعلمهم بكتابهم ، وإني لأراك الذي تخرجنا من بلادنا هذه ، فهل لكَ أن تكتبَ لي كتابَ أمانٍ على ديري(١) هذا؟ فقلت: يا هذا لقد ذهبتَ غير مذهب . فلم يزل بي حتى كتبت له صحيفةً بما طلب مني ، فلما كان وقتُ الانصراف أعطاني أتاناً فقال لي : اركبها ، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إليَّ بها وحدَها فإنها لا تمرّ بدير إلا أكرموها . ففعلتُ ما أمرني به ، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب وهو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر واشترط عليه ضيافة من يمرّ به من المسلمين ، وأن يرشدهم إلى الطريق . رواه ابن عساكر(٢) وغيره. وقد ساقه ابن عساكر(٣) من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبد الله بن أسامة القرشي البَلْقاوي عن زيد بن أسلم ، عن أبيه فذكر حديثا٤ً) طويلاً عجيباً هذا ( بعضه ) . وقد ذكرنا الشروطَ العمرية على نصارى الشام مَطوّلاً في كتابنا ((الأحكام)) وأفردنا له مصنفاً على حِدَةٍ ولله الحمد والمنة . ( وقد ) ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها وأسانيدها في الكتاب الذي أفردناه لمسند عمر ، وذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له . وقال أبو بكر بن أبي الدنيا : حدَّثني الربيعُ بن ثَعْلب ، حدَّثنا أبو إسماعيل المؤدّب ، عن عبد الله بن مسلم بن هُرمز المكّي ، عن أبي العالية (٤) الشامي قال : قدمَ عمرُ بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جملٍ أَوْرَقُ(٦) ، تلوحُ صلعتُه للشمس، ليس عليه قلنسوةٌ ولا عمامةٌ ، تصطفقُ رجلاه بين شعبتي الرَّحل بلا ركاب، وِطاؤُهُ(٧) كِساءٌ أنْبِجانيٌّ(٨) ذو صُوف هو وطاؤُه إذا ركب ، وفراشُه إذا نزل ، حقيبته نمرة (٩) أو شملة محشّوة ليفاً ، هي حقيبته إذا ركب ووسادته إذا نزل، وعليه قميصٌ من كرابيس(١٠) قد (١) في أ: على ديني هذا. (٢) في تاريخ دمشق - ترجمة عمر بن الخطاب - ص (٤-٥ ) طبعة مؤسسة الرسالة . (٣) مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (٢٦٩/٢٧ - ٢٧٤). (٤) في أ : خبراً . في ط : أبي الغالية . خطأ . (٥) الأورق من الإبل : الذي في لونه بياض إلى سواد ، الوُرْقة : سواد في غبرة . اللسان ( ورق ) . (٦) (٨) أنبجاني: كساء يتخذ من الصوف له خَمْلٌ ولا علم له، منسوب إلى بلد اسمه أنبجان - بكسر الباء - اللسان (نبج). (٧) الوطاء : خلاف الغطاء . اللسان ( وطأ ) . (٩) النَّمِرَة: بردة من صوف مخطّطة كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض. اللسان (نمر). (١٠) كَرابيس : جمع كِرْباس وهو القطن . اللسان ( كربس ). ١٦٣ فتح بيت المقدس سم(١) وتَخرَّق جنبه . فقال : أدعوا لي رأسَ القوم ، فدعوا له الجلومس ، فقال : اغسلوا قميصي وخَيِّطوه وأعيروني ثوباً أو قميصاً . فأَتي بقميص كتانٍ فقال : ما هذا ؟ قالوا : كتان . قال : وما الكتان ؟ فأخبروه فنزعَ قميصَه فغُسل ورُقع وأتي به فنزعَ قميصَهم ولبس قميصَه . فقال له الجلومس : أنتَ ملكُ العرب وهذه بلادٌ لا تصلح بها الإبلُ ، فلو لبستَ شيئاً غير هذا وركبتَ برذوناً لكان ذلك أعظم في أعين الروم. فقال : نحن قوم أعزَّنا الله بالإسلام فلا نطلب بغير الله بديلاً . فأُتي ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرجٍ ولا رحلٍ فركبه بها فقال : احبسوا احبسوا ، ما كنتُ أرى الناسَ يركبونَ الشيطان قبل هذا فأُتي بجمله فركبه . وقال إسماعيل بن محمد الصَّفّار(٢): حدَّثنا سعدان بن نصر، حدَّثنا سفيان، عن أيوب الطائي ، عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : لمّا قدم عمرُ الشامَ عرضتْ له مخاضةٌ فنزل عن بعيره ونزعَ موقية (٣) فأمسكهما بيد(٤) وخاض الماء ومعه بعيره ، فقال له أبو عبيدة : قد صنعتَ اليوم صنيعاً عظيماً عند أهل الأرض ، صنعت كذا وكذا ، قال : فصكَّ في صدره وقال : أوَ لَوْ غيرك يقولُها يا أبا عبيدة ، إنكم كنتم أذل الناس وأحقر الناس وأقل الناس ، فأعزَّكم الله بالإسلام فمهما تطلبوا العزَّ بغيره يذلكم الله . قال ابن جرير(٥) : وفي هذه السنة - أعني سنة خمس عشرة - كانت بين المسلمين وفارس وقعات في قول سيف بن عمر . وقال ابن إسحاق والواقدي : إنما كان ذلك في سنة ست عشرة ، ثم ذكر ابن جرير وقعاتٍ كثيرةً كانت بينهم ، وذلك حين بعث عمرُ بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن ، وأن يخلف النساء والعيال بالعتيق(٦) في خيل كثيرة كثيفة. فلما تفرّغَ سعدٌ من القادسيَّةِ بعثَ على المقدّمة زُهْرة بن حويَّة ، ثم أتبعه بالأمراء واحداً بعد واحد ، ثم سار في الجيوش ، وقد جعل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص على خلافته مكان خالد بن عُرْفطة . وجعل خالداً هذا على الساقة ، فساروا في خيول عظيمة ، وسلاح كثير ، وذلك لأيام بقينَ من شوّال من هذه السنة ، فنزلوا الكوفة وارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن ، فلقيه بها بُصْبُهرى في جيش من فارس فهزمهم زُهْرة وذهبت الفرس في هزيمتهم (١) الرسم : الأثر . اللسان (رسم ) أراد أن القميص لم يبق منه إلا أثر . تاريخ دمشق لابن عساكر - ترجمة عمر بن الخطاب - ص (٣). (٢) (٣) موقيه : خُفّيْه . اللسان ( موق ) . (٤) في أ : بيده . (٥) تاريخه ( ٦١٨/٣ ). في ط: (( بالعقيق)) وهو تحريف، وما أثبتناه يعضده ما في تاريخ الطبري ، وهو الذي يتفق والسياق الجغرافي (٦) والتاريخي ، فالعتيق : واد بظاهر البصرة مما يلي سفوان (كما في معجم البلدان ٤/ ١٤٠) وغيره ، فأمِن سعد منه ، وهو بالقادسية ! ١٦٤ بَهُرَ سِير إلى بابل ( وبها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرُزان ، فبعث زُهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل ، فسار سعد بالجيوش إلى بابل ) ، فتقابل هو والفيرُزان عند بابل فهزمهم كأسرع من لفَّة الرِّداء ، وانهزموا ( بين يديه ) فرقتين ففرقة ذهبت إلى المدائن ، وأخرى سارت (١) إلى نهاوند، وأقام سعد بيابل أياماً ، ثم سار منها نحو المدائن ، فلقوا جمعاً آخر من الفُرس ، فاقتتلوا قتالاً شديداً وبارزو(٢) أميرَ الفُرس، وهو شهريار ، فبرز إليه رجلٌ من المسلمين يقال له نائل الأعرجي أبو نباتةً(٣) من شجعان بني تميم ، فتجاولا ساعةً بالرّماح ، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما وتصاولا بهما ، ثم تعانقا وسقطا عن فرسَيْهما إلى الأرض ، فوقع شهريار على(٤) صدر أبي نباتة ، وأخرج خنجراً ليذبحه بها ، فوقعت أصبعه في فم أبي نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه ، وأخذ الخنجر فذبح شهريار بها وأخذ فرسه وسِوَارَيْه وسَلبَه ، وانكشف أصحابه فهزموا ، فأقسم سعد على نائل ليلبس سِوَاري شهريار وسلاحه ، وليركبنَّ فرسه إذا كان حربٌ ، فكان يفعل ذلك ، قالوا : وكان أول من تسوَّر بالعراق ، وذلك بمكانٍ يقال له كوثى(٥). وزار المكان الذي حُبس فيه الخَليل وصلَّى عليه وعلى سائر الأنبياء، وقرأ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [ آل عمران: ١٤٠] الآية. بَهُرَ سِير(٦) (٦) قالوا : ثم قدّم سعد زهرة بين يديه من كوثى إلى بَهُر سير فمضى إلى المقدمة وقد تلقاه شيرزاذ إلى ساباط بالصلح والجزية فبعثه إلى سعد فأمضاه ، ووصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط ، فوجدوا هنالك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بورال(٧) ، وهم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا ، ومعهم أسد كبير لكسرى يقال له المقرَّط ، قد أرصدوه في طريق المسلمين ، فتقدم إليه ابن أخي سعد ، وهو هاشم بن عتبة ، فقتل الأسد والناس ينظرون، وسمي يومئذ(٨) سيفه المتين ، وقبّل سعدٌ يومئذ رأسَ هاشم ، وقبَل هاشمٌ قدم سعد. وحملَ هاشمٌ على الفُرس فأزالهم عن أماكنهم وهزمهم وهو في أ : صارت . (١) (٢) في أ : وبارز . في أ : نائل الأعرج أبو نباتة . وفي تاريخ الطبري ( ٦٢١/٣) : أبو نباتة نائل بن جعشم الأعرجي. (٣) في أ : عن . (٤) كوثى - بالضم ثم السكون ، والثاء مثلثة ، وألف مقصورة تكتب بالياء لأنها رابعة الاسم - موضع بسواد العراق في (٥) أرض بابل سار إليها سعد بعد القادسية . معجم البلدان ( ٤/ ٤٨٧) وبلدان الخلافة الشرقية ( ٩٤ ). (٦) في أ، ط: نهرشير، وفي تاريخ الطبري (٦٢٢/٣): بَهُرَ سير وكذلك في معجم البلدان (٥١٥/١) وضبطها ياقوت بالفتح ، ثم الضم ، وفتح الراء ، وكسر السين المهملة ، وياء ساكنة وراء من نواحي سواد بغداد قرب المدائن ، وقيل هي إحدى المدائن السبع التي سميت بها المدائن . (٧) في أ: نوزان؛ تحريف . وهي كما أثبتنا في تاريخ الطبري ( ٦٢٢/٣). في أ : وسمى سيفه يومئذ . (٨) ١٦٥ وفيات سنة ١٥ هـ يتلو(١) قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمُتُم مِّن قَبْلُ مَالَكُم مِّن زَوَالٍ﴾ [إبراهيم: ٤٤] فلما كان الليلُ ارتحل المسلمون ونزلوا بَهُرَ سير فجعلوا كُلَّما وقفوا كَبَّروا ، وكذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين ودخلوا في الثالث وفرغت السنة . قال ابن جرير(٢) : وفيها حجَّ بالنَّاس عُمر، وكان عامله فيها على مكَّة عَتّاب ( بن أسيد ) ، وعلى الشام أبو عُبَيْدة ، وعلى الكوفةُ(٣) والعراق سعد، وعلى الطائف يعلى بن أمية ٤) وعلى البحرين واليمامة عثمان بن أبي العاص ، وعلى عُمان حُذَيْفة بن محصن(٥) قلت : وكانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد وابن لهيعة وأبي معشر والوليد بن مسلم ويزيد بن عبيدة وخليفة بن خَيّاط وابن الكلبي ومحمد بن عائذ وابن عساكر وشيخنا أبي عبد الله الذهبي الحافظ(٦) . وأما سيف بن عمر وأبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة . وقد قدمنا ذكرها هنالك تبعاً لابن جرير ، وهكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ أنها كانت في أواخر هذه السنة - سنة خمس عشرة - وتبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي(٧) . والمشهور أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم . ثم ذكر شيخنا الذهبي(٨): من توفي في هذه السنة مرتبين على الحروف : سعد(٩) بن عبادة الأنصاري الخزرجي : وهو أحد أقوال المؤرخين وقد تقدم . سعد١٠) بن عُبَيْد بن النُّعمان أبو زيد الأنصاري الأوْسي: قُتل بالقادسية، ويقال إنه أبو زيد القارىء أحد الأربعة الذين جَمَعوا القرآنَ على عهد رسول الله وَلَه. وأنكر آخرون ذلك، ويقال إنه والد عُمَيْر بن سَعْد في أ : وهو يتلو له . (١) (٢) في تاريخه ( ٦٢٣/٣ ) . في تاريخ الطبري : وعلى قضائها أبو قرة . (٣) في تاريخ الطبري: منية - وهي أمه - وترجمته في جامع الأصول (٥٤٢/١٥) وسير أعلام النبلاء (٣/ ١٠٠). (٤) (٥) بعده في تاريخ الطبري : وعلى البصرة وأرضها المغيرة بن شعبة . تاريخ خليفة ( ص ١٣٠) وتاريخ الإسلام للذهبي (٢/ ١٠) وقال الذهبي: وقيل سنة ثلاث عشرة وأراه وهماً. (٦) (٧) في تاريخه (٢/ ١١) . (٨) المصدر نفسه (٢ / ١٣ -١٧ ). ترجمة - سعد بن عبادة - في الاستيعاب (٥٩٤) وجامع الأصول (١٤ / ١٦٨). وأسد الغابة (٣٥٦/٢) ومختصر (٩) تاريخ دمشق لابن منظور (٢٣٥/٩) وسير أعلام النبلاء (٢٧٠/١). (١٠) ترجمة - سعد بن عبيد - في الاستيعاب (٦٠٠) وجامع الأصول (١٤ / ١٧٠) وأسد الغابة (٣٥٩/٢) وسير أعلام النبلاء (٩/٥) والإصابة (٣١/٢). ١٦٦ وفيات سنة ١٥ هـ الزاهد أمير حمص . وذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية وقال(١) : كانت في سنة ست عشرة والله أعلم . سهيل بن عمرو(٢) بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن حِسْل بن عامر بن لُؤَيّ أبو يزيد العامري : أحد خطباء قريش وأشرافهم ، أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه وكان سمحاً جواداً فصيحاً كثيرَ الصلاة والصوم والصدقة وقراءة القرآن والبكاء . ويقال إنه قام وصام حتى شحب لونه ، وله سعيٌّ مشكورٌ في صلح الحُدَيبية . ولما مات رسول الله بِّهِ خطب الناسَ بمكة خطبةً عظيمةً تُثبّتُ الناسَ على الإسلام ، وكانت خطبته بمكة قريباً من خطبة الصدّيق بالمدينة ، ثم خرج في جماعةٍ إلى الشام مجاهداً فحضر اليرموكَ وكان أميراً على بعض الكراديس ، ويقال إنه استشهد يومئذ . وقال الواقديّ والشافعي : توفي بطاعون عَمَواس. عامر(٣) بن مالك بن أُهيب الزُّهري أخو سَعْد بن أبي وقَّاص ، هاجر إلى الحبشة ، وهو الذي قدم بكتاب عمر إلى أبي عبيدة بولايته على الشام وعزل خالد عنها ، استشهد يوم اليرموك . عبد الله(٤) بن سفيان بن عبد الأسَدَ المَخْزومي ، صحابي هاجر إلى الحبشة مع عمه أبي سلمة بن عبد الأسد . روى عنه عمرو بن دينار منقطعاً لأنه قتل يوم اليرموك . ( عبد الرحمن(٥) بن العوام ، أخو الزبير بن العوام ، حضر بدراً مشركاً ثم أسلم واستشهد يوم اليرموك في قول ) . عُتْبَة بن غَزْوان توفي فيها في قول(٦) . عكرمة بن أبي جهل استشهد باليرموك في قول (٧) . عمرو بن أم مكتوم استشهد يوم القادسية وقد تقدم(٨) . ويقال بل رجع إلى المدينة . عمرو بن الطفيل(٩) بن عمرو تقدم . (١) الطبقات الكبرى (٣/ ٤٥٨). (٢) في أ: سهل بن عمرو ؛ تحريف . وترجمة - سهيل بن عمرو - في الاستيعاب (٦٦٩) وجامع الأصول (٢٠٦/١٤) وأسد الغابة (٢/ ٤٨٠) والإصابة (٩٣/٢). ترجمة - عامر بن مالك - في الاستيعاب (٧٩٩) وأسد الغابة (٣/ ١٤٠) والإصابة (٢٥٧/٢). (٣) ترجمة - عبد الله بن سفيان - في الاستيعاب (٩٢١) وأسد الغابة (٢٦٣/٣) والإصابة (٣١٩/٢). (٤) ترجمة - عبد الرحمن بن العوام - في الاستيعاب (٨٤٤) وأسد الغابة (٤٧٩/٣) والإصابة (٤١٥/٢). (٥) تقدمت ترجمة المصنف له في وفيات سنة ١٤ هـ وذكر الاختلاف في سنة وفاته ، وتنظر مصادر ترجمته هناك. (٦) تقدمت ترجمته في وفيات سنة ١٣ هـ. وتنظر مصادر ترجمته هناك . (٧) (٨) تقدم في وفيات سنة ١٤ هـ . وتنظر مصادر ترجمته هناك . ترجمة - عمرو بن الطفيل - في الاستيعاب (١١٨٤) وأسد الغابة (٢٤٣/٤) والإصابة (٥٤٤/٢)، وتقدم ذكره (٩) في ترجمة والده في وفيات سنة ١١ هـ . ١٦٧ وفيات سنة ١٥ هـ عيَّاشُ(١) بن أبي ربيعة تقدم . فراس (٢) بن النضر بن الحارث يقال استشهد يوم اليرموك . قيس(٣) بن عدي ( بن سهم ) من مهاجرة الحبشة ) قُتل باليرموك . قيس(٤) بن أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني : شهد العقبة وبدراً ، وكان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك ، وقتل يومئذ ، وله حديث قال : قلت يا رسول الله في كم أقرأ القرآن ؟ قال: ((في خمس عشرة ... )) الحديث(٥)، قال شيخنا أبو عبد الله الذهبي(٦) : ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول الله القاتل . نُضَيْر(٧) بن الحارث بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري ، أسلم عام الفتح ، وكان من علماء قريش، وأعطاه رسول الله وَله يوم حنين مئة من الإبل ، فتوقف في أخذها وقال: لا أرتشي على الإسلام، ثم قال: والله ما طلبتها٨) ولا سألتها، وهي عطية من رسول الله وَ ل ، فأخذها وحسن إسلامه ، واستشهد يوم اليرموك . نوفل (٩) بن الحارث بن عبد المطلب (ابن عم رسول الله اَلر، كان أسن من أسلم من بني عبد المطلب) وكان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباسُ، ويُقال إنه هاجر أيام ١١) الخندق وشهد الحديبية والفتح، وأعان رسول الله وَّل يوم حنين بثلاثة آلاف رمح ، وثبت يومئذ وتوفي سنة خمس عشرة ، وقيل سنة عشرين والله أعلم ، توفي بالمدينة وصلَّى عليه عمر ومشى في جنازته ودُفن بالبقيع وخلف عدة أولاد فضلاء وأكابر . (١) في ط: ((عامر))، وهو تحريف، وما هنا يعضده ما نقله الذهبي، وهو عياش بن أبي ربيعة عمرو بن المغيرة المخزومي . ترجمة - فراس بن النضر - فى الاستيعاب (١٢٦٨) وأسد الغابة (٣٥٤/٤) والإصابة (٢٠٢/٣). (٢) (٣) ترجمة - قيس بن عدي - في الإصابة ( ٣/ ٢٨٤) . ترجمة - قيس بن أبي صعصعة - في الاستيعاب (١٢٩٤) وأسد الغابة (٤٢٩/٤) والإصابة (٢٥١/٣). (٤) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٣٤٤/١٨) رقم (٨٧٧) وقال الهيثمي في المجمع (٢٦٩/٢) وفيه ابن لهيعة (٥) وفيه كلام . في تاريخ الإسلام (١٦/٢). (٦) ترجمة - نضير بن الحارث - في الاستيعاب (١٤٩٣) وأسد الغابة (٣١٧/٥) وفيه : النضر . والإصابة (٧) (٥٥٤/٣ ) . في أ : لا طلبتها ، وما هنا يعضده ما نقله الذهبي . (٨) (٩) ترجمة - نوفل بن الحارث - في الاستيعاب (١٥١٢) وأسد الغابة (٣٦٩/٥) والإصابة (٣/ ٥٧٧ ). (١٠) في أ : يوم . ١٦٨ أحداث سنة ١٦ هـ هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص تقدم(١) وقال ابن سعد(٢) : قتل يوم اليرموك . ثم دخلت سنة ست عشرة استُهِلَّتْ هذه السنة وسعدُ بن أبي وقّاص منازلٌ مدينة بَهُرَسِير ، وهي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلةَ من الغرب وكان قدومُ سعدٍ إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة ، واستُهلت هذه السنة وهو نازل عندها . وقد بعثَ السرايا والخيول في كل وجهٍ ، فلم يجدوا واحداً من الجند ، بل جمعوا من الفلاحين مئة ألفٍ فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم ، فكتب إليه عمر : إنَّ منْ كان من الفلاحين لم يعنْ عليكم وهو مقيمٌ ببلده فهو أمانة ، ومنْ هرب فأدركتموه فشأنكم به . فأطلقهم سعدٌ بعد ما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية . ولم يبقَ من غربي دجلة إلى أرض العرب (٣) أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية والخراج ، وامتنعت بَهُرَسير من سعد أشدَّ الامتناع ، وقد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى الله عزَّ وجلَّ أو الجزية أو المقاتلة ، فأبوا إلا المقاتلةَ والعصيان ، ونصبوا المجانيق والدبَّابات ، وأمر سعد بعمل المجانيق فعُملت عشرون منجنيقاً، ونصبت على بَهُرَسير، واشتدَّ الحصار ، وكان أهل(٤) بَهُرسير يخرجون فيقاتلون قتالاً شديداً ويحلفون أن لا يفرو(٥) أبداً، فأكذبهم الله وهزمهم(٦) زُهْرة بن حَويَّة بعد ما أصابه سهم وقَتَل بعد مصابه كثيرً(٧) من الفرس ، وفرُّوا بين يديه ولجؤوا إلى بلدهم ، فكانو(٨) يحاصرون فيه أشدَّ الحصار ، وقد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلابَ والسنانير ، وقد أشرف رجلٌ منهم على المسلمين فقال : يقول لكم الملك : هل لكم إلى المصالحة على أنَّ لنا ما يلينا من دجلة إلى ( جبلنا ، ولكم ما يليكم من دجلة إلى ) جبلكم ؟ أما شبعتم ؟ لا أشبع الله بطونَكُم . قال : فبدر الناس رجلٌ يُقال له أبو مُفَزِّر(٩) الأسود بن قُطْبةَ فأنطقه الله بكلام لم يَدْرِ ما قال لهم ، قال : فرجع الرجل تقدم في وفيات سنة ١٣ هـ . وتنظر مصادر ترجمته هناك . (١) (٢) الطبقات الكبرى (٤/ ١٩٢ ) . (٣) في أ : المغرب . في أ : وكانوا أهل ؛ وهي لغة مفضولة . (٤) في أ : أن لا ينفرون ؛ خطأ . (٥) في أ : أهزمهم . (٦) في أ : بعد اتصاله به كثير الفرس . (٧) في أ : وكانوا . (٨) (٩) في أ، ط: مقرن؛ تحريف. والتصحيح من تاريخ الطبري (٧/٤) وتاريخ دمشق لابن عساكر (٦٨/٩) - ط دار الفكر -. وينظر إكمال ابن ماكولا (٢٨٣/٧). ١٦٩ ذكر فتح المدائن ورأيناهم يقطعون من بَهُرَسير إلى المدائن . فقال الناس لأبي مُفَرِّز: ما قلت لهم ؟ فقال : والذي بعث محمداً بالحق ما أدري ما قلتُ لهم إلا أن عليَّ سكينة وأنا أرجو أن أكون قد أنطقْتُ بالذي هو خير ، وجعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك ، وكان فيمن سأله سعد بن أبي وقاص ، وجاءه سعد إلى منزله فقال : يا أبا مُفَزِّرٍ ما قلتَ؟ فوالله إنهم هُرَّابٌ . فحلفَ له أنَّه لا يدري ما قال . فنادى سعد في الناس ونهد بهم إلى البلد والمجانيق تضرب في البلد ، فنادى رجل من البلد بالأمان فأمنّاه ، فقال والله ما بالبلد أحد ، فتسور الناس السورَ فما وجدنا فيها أحداً إلا قد هربوا إلى المدائن . وذلك في شهر صفر من هذه السنة فسألنا ذلك الرجل وأناساً من الأسارى فيها لأي شيء هربوا ؟ قالوا بعثَ الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم وبينه صلحٌ أبداً حتى نأكلَ عسل أفريذين بأترج كوثى . فقال الملك : يا ويلاه ! إنَّ الملائكةَ لتتكلمُ على ألسنتهم ، تردُّ علينا وتُجيبنا عن العرب . ثم أمر الناسَ بالرحيل من هناك إلى المدائن ، فجازوا في السفن منها إليها وبينهما دجلة ، وهي قريبة منها جداً ولما دخل المسلمون بَهُرسير لاح لهم القصر الأبيض من المدائن وهو قصر الملك الذي ذكره رسول الله وَاليه أنه سيفتحه اللهُ على أمّتهِ ، وذلك قريب الصباح ، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخَطّاب ، فقال : الله أكبر أبيضُ كِسْرى ، هذا ما وعدنا الله ورسوله . ونظر الناس إليه فتتابعوا التكبير إلى الصبح . ذكر فتح المدائن [ التي هي مستقرّ ملك كسرى ] لمّا فتحَ سعدٌ بَهُرَسِير واستقرَّ بها ، وذلك في صفة لم يجد فيها أحداً ولا شيئاً مما يغنم ، بل قد تحوّلوا بكمالهم إلى المدائن ، وركبوا السفن ( وضمّوا السفنَ إليهم ، ولم يجد سعدٌ رضي الله عنه شيئاً من السفن ) ، وتعذَّرَ عليه تحصيلُ شيء منها بالكُلِّية ، وقد زادت دجلةُ زيادةً عظيمةً واسودّ ماؤها ، ورمت بالزَّبد من كثرة الماء بها ، وأخبر سعدٌ بأنّ كسرى يَزْدَ جرد عازمٌ على أخذ الأموال والأمتعة من المدائن إلى حلوان ، وأنك إن لم تدركه قبلَ ثلاث فات عليك ، وتفارط الأمر . فخطبَ سعدٌ المسلمين على شاطىء دجلة ، فحمدَ اللهَ وأثنى عليه وقال: إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر، فلا تخلصون إليهم معه، وهم يخلصون إليكم إذا شاؤوا١) فَيُناوشونكم في سفنهم ، وليس وراءكم شيء تخافون أن تُؤْتوا منه ، وقد رأيتُ أن تبادروا جهادَ العدو بنيّاتكم قبل أن تحصركم(٢) الدنيا ، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم ، فقالوا جميعاً : عزم الله لنا ولك على الرشد فافعل . فعند ( ذلك ندب سعد الناس إلى العبور ويقول : من يبدأ فيحمي لنا الفراض - يعني ثغرة ) المخاضة من الناحية الأخرى - ليجوز الناس إليهم آمنين ، فانتدب عاصم بن عمرو وذو البأس من الناس قريب من ستمئة ، فأمّر سعد عليهم عاصم بن عمرو ووقفوا على حافّة دجلة فقال عاصم : من ينتدب ( معي ) لنكون قبل الناس دخولاً في هذا البحر ، فى أ : إذا شاؤوا وفي السفن وليس ورائكم . (١) (٢) في أ : أن تبادروا جهاد العدو بنسياكم قبل أن تحصدكم الدنيا . ١٧٠ ذكر فتح المدائن فنحمي الفراض من الجانب الآخر .؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين - والأعاجم وقوف(١) صفوفاً من الجانب الآخر - فتقدم رجل من المسلمين وقد أحجم الناس عن الخوض في دجلة ، فقال : أتخافون من هذه النطفة؟ ثم تلا قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلَا ﴾ [ آل عمران : ١٤٥] ثم أقحم فرسه فيها واقتحم الناس ، وقد افترق الستون فرقتين : أصحاب الخيل الذكور ، وأصحاب الخيل الإناث. فلما رآهم الفُرْس يطفون على وجه الماء قالوا : ديوانا ديوانا ، يقولون : مجانين ( مجانين ) . ثم قالوا : والله ما تقاتلون إنساً بل تقاتلون جنّاً . ثم أرسلوا فرساناً منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء ، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرماحَ ويتَوَخَّوا الأعين ، ففعلوا ذلك بالفُرس فقلعوا عيونَ خيولهم ، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كفَّ خيولهم حتى خرجوا من الماء، واتَّبعهم عاصمٌ وأصحابُه فساقُوا وراءهم حتى طَرَدُوهم عن الجانب الآخر ، ووقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر . ونزل بقيةُ أصحاب عاصم من ( الستمئة ) في دجلة ( فخاضوها ) حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نَفَوْا الفرس عن ذلك الجانب ، وكانوا يُسمُّون الكتيبةَ الأولى كتيبةَ الأهوال، وأميرها عاصم بن عمرو ، والكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء ، وأميرها القعقاع بن عمرو . وهذا كلُّه وسعدٌ والمسلمون ينظرون إلى ما يصنع(٢) هؤلاء الفرسان بالفرس ، وسعد واقع على شاطى(٣) دجلة . ثم نزل سعدٌ ببقية الجيش، وذلك حينَ نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصَّنَ بمَنْ حصلَ فيه من الفرسان المسلمين ، وقد أمر سعدٌ المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا : نستعينُ بالله ونتوكَّلُ عليه ، حسبُنا اللهُ ونعم الوكيل ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم . ثم اقتحم بفرسه دجلةَ واقتحمَ الناس لم يتخلَّفْ عنه أحدٌ ، فساروا فيها كأنّما يسيرون على وجه الأرض حتى ملؤوا ما بين الجانبين ، فلا يرى وجه الماء من الفرسان والرجالة ، وجعل الناس يتحدّثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض ، وذلك لما حصل لهم من الطمأنينة والأمن ، والوثوق بأمر الله ووعده ونصره وتأييده ، ولأنَّ أميرهم سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة ، وقد توفي رسول الله وك ير وهو عنه راضٍ. ودعا له. فقال: ((اللهم أجبْ دعوتَه، وسَدِّدْ رميتَهُ (٤) والمقطوع به أن سعداً دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة والنصر ، وقد رمى بهم في هذا اليَمّ فسدَّدَهُم الله وسلمهم ، فلم يُفْقَدْ من المسلمين في أ : وقوفاً . (١) في أ : ما صنع . (٢) (٣) في أ : شفير . روى هذا الحديث الإمام أحمد في فضائل الصحابة (١٣٠٨)، والترمذي (٣٧٥١)، وابن أبي عاصم في السنة (٤) (١٤٠٨) وابن حبان (٦٩٩٠)، والحاكم (٤٩٩/٣ و٥٠٠) من حديث قيس بن أبي حازم عن سعد مرفوعاً. واقتصر بعضهم على الاستجابة لدعوته حسب. وقد أعله الإمامان الترمذي والدارقطني في العلل (٣٧٨/٤ سؤال ٦٤٠) بالإرسال، فذكرا أنَّ المرسل هو المحفوظ، ليس فيه سعد، وهو الذي أخرجه ابن سعد في طبقاته الكبرى (١٤٢/٣) (بشار). ١٧١ ذكر فتح المدائن رجلٌ واحدٌ غير أنَّ رجلاً (واحداً) يقال له غَرْقَدَهُ(١) البارقي . زلّ عن فرس له شقراء ، فأخذ القعقاعُ بن عمرو بلجامها ، وأخذ بيد الرجل حتى عدَّله على فرسه ، وكان من الشجعان ، فقال : عجزَ النساءُ أن يلدنَ مثل القعقاع بن عمرو . ولم يعدم للمسلمين شيء من أمتعتهم غير قدح من خشبٍ لرجلٍ يُقال له مالك بن عامر ، كانت علاقته رثَّة فأخذه الموج ، فدعا صاحبُه اللهَ عزَّ وجلَّ ، وقال : اللهم لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي ، فردَّه الموج إلى الجانب الذي يقصدونه ، فأخذه الناس ، ثم ردُّوه على صاحبه بعينه. وكان الفَرَسُ إذا أعيا ، وهو في الماء ، يُقيِّضُ الله له مثل النشر المرتفع فيقف عليه فيستريح ، وحتى إنَّ بعضَ الخيل ليسير وما يصلُ الماءُ إلى حزامها ، وكان يوماً عظيماً وأمراً هائلاً، وخطباً جليلاً ، وخارقاً باهراً، ومعجزةً لرسول الله وَّة، خلقها الله لأصحابه لم يُرَ مثلها في تلك البلاد ، ولا في بقعة من البقاع ، سوى قضية العلاء بن الحضرمي المتقدمة ، بل هذا أجلُّ وأعظمُ ، فإن هذا الجيش كانٌ(٢) أضعافَ ذلك . قالوا : وكان الذي يساير سعد بن أبي وقاص في الماء سلمان الفارسي ، فجعلَ سعدٌ يقول: حَسْبُنا اللهُ ونعم الوكيلُ . والله لينصرنَّ الله وليَّه وليظهرنَّ اللهُ دينَه، وليهز منَّ اللهُ عدوَه، إن لم يكن في الجيش بغيٌّ أو ذنوبٌ تغلب الحسنات . فقال له سلمان : إنَّ الإسلام جديد . ذُلِّلَتْ لهم والله البحورُ كما ذُلِّل (لهم) البر ، أما والذي نفسُ سلمانَ بيده ليخرِ جنَّ منه أفواجاً كما دخلوا أفواجاً . فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحدٌ ، ولم يفقدوا شيئاً . ولما استقلَّ المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلةً ، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائنَ ، فلم يجدوا بها أحداً ، بل قد أخذ كسرى أهله ، وما قدروا عليه من الأموال والأمتعة والحواصل ، وتركوا ما عجزوا عنه من الأنعام والثّياب والمتاع ، والآنية والألطاف والأدهان ما لا يدرى قيمتُهُ . وكان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه ، وتركوا ما عجزوا عنه ، وهو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه . فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء ، فأخذوا في سككها٣) لا يلقون أحداً ولا يخشونه غير القصر الأبيض ففيه مقاتلةٌ وهو محصّنٌ . فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي ، فلما كانَ اليوم الثالث نزلوا منه وسكنه سعدٌ، واتّخذ الإيوان مُصلَّى، وحين دخله تلا قوله تعالى: ﴿ كَمْ تَرَكُواْ مِنْ جَنَّتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعِ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيَهَا فَكِينَ (٨) كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴾ [ الدخان: ٢٥ -٢٨] ثم تقدَّم إلى صدره فصلَّى ثمان ركعات صلاةَ الفَتْحِ . فى أ : عروة ؛ تحريف . والخبر في تاريخ الطبري (٤/ ١٢). (١) (٢) في أ : كانوا . (٣) في أ: كتيبة الأولى ثم الكتيبة الخرسا . فأخذوا في سلكها . وما هنا موافق للكامل لابن الأثير (٢/ ٥١٣). ١٧٢ ذكر فتح المدائن وذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمةٍ واحدة وأنه جمَّعَ بالإيوان في صفر (١) من هذه السنة ، فكانت أولَ جمعةٍ جمِّعت بالعراق، وذلك لأنَّ سعداً نوى الإقامة بها، وبعثَ إلى العيالات فأنزلهم دور(٢) المدائن واستوطنوها ، حتى فتحوا جلولاء وتكريت والموصل ، ثم تحوّلوا إلى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره . ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يَزْدَجِرْدَ فلحق بهم(٣) طائفة فقتلوهم وشَرَّدوهم واستَلَبُوا منهم أموالاً عظيمة. وأكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى وتاجه وحليه. وشرعَ سعدٌ في تحصيل ما هنالك من الأموال والحواصل والتحف ، مما لا يقوَّم ولا يُحدِّ ولا يوصف كثرةً وعظمةً. وقد روينا أنه كان هناك(٤) تماثيل من جصٍّ فنظر سعد إلى أحدها وإذا هو يشير بأصبعه إلى مكان، فقال سعد: إن هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يسامت(٥) أصبعه فوجدوا قبالتها كنزاً عظيماً من كنوز الأكاسرة الأوائل ، فأخرجوا منه أموالاً عظيمة جزيلة ، وحواصل باهرة ، وتحفاً فاخرة . واستحوذ المسلمون على ما هنالك أجمع مما لم يَرَ أحدٌ في الدنيا أعجب منه . وكان في جملة ذلك تاج كسرى وهو مُكلَّلٌ بالجواهر النفيسة التي تُحيِّر الأبصار ، ومنطقته كذلك وسيفه وسواره وقباؤه وبساط إيوانه ، وكان مربعاً ستون ذراعاً في مثلها ، من كل جانب ، والبساط مثله سواء ، وهو منسوج بالذَّهب واللآلىء والجواهر الثمينة ، وفيه مصور جميع ممالك كسرى ، بلاده بأنهارها وقلاعها ، وأقاليمها ، وكنوزها ، وصفة الزروع والأشجار التي في بلاده . فكان إذا جلس على كرسيّ مملكته ودخل تحت تاجه، وتاجُه معلَّقٌ بسلاسل الذهب ، لأنه كان لا يستطيع أن يقلَّهُ(٦) ( على رأسه ) لثقله ، بل كان يجيء فيجلسُ تحته ثم يُدخل رأسه تحت التاج والسلاسل الذهب تحمله عنه ، وهو يستره حال لبسه فإذا رفع الحجاب عنه خرَّتْ له الأمراء سجوداً . وعليه المنطقةُ والسواران والسيفُ والقباءُ المُرَصَّعُ بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة ، فيسأل عنها ومن فيها من النواب ، وهل حدث فيها شيء من الأحداث ؟ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه . ثم ينتقل إلى الأخرى ، وهكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت ، لا يهمل أمر المملكة ، وقد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكاراً له بشأن الممالك، وهو إصلاحٌ جيدٌ منهم في أمر السياسة . فلمّا جاءَ قَدَرُ الله زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك ( والأراضي ) وتسلمها المسلمون من أيديهم قسراً ، وكسروا شوكتَهم عنها وأخذوها بأمر الله صافية ( ضافية ) ، ولله الحمد والمنة . في أ : من صفر . (١) (٢) في أ : دون . في أ : فلحقوا . (٣) في أ : هنالك . (٤) يسامت : من السمت ، وهو السير على الطريق بالظن ، والمراد هنا : أنهم بحثوا قبالة إشارة الإصبع . (٥) (٦) في أ : ينقله . ١٧٣ ذكر فتح المدائن وقد جعل سعد بن أبي وقاص على الأقباض(١) عمرو بن عمرو(٢) بن مُقرّن فكان أول ما حصل ما كان فى القصر الأبيض ومنازل كسرى ، وسائر دور المدائن ، وما كان بالإيوان مما ذكرنا ، وما يفد من السرايا الذين في صحبة زُهْرة بن حَوية ، وكان فيما رَدّ زُهْرة بغلٌ كان قد أدركه وغصبه من الفرس ، وكانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم ، وقال : إنَّ لهذا لشأناً فردّه إلى الأقباض وإذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى وحليه ، ولبسه الذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا ، وبغل آخر عليه تاجه الذي ذكرنا في سفطين أيضاً رُدَّ(٣) من الطريق مما استلبه أصحابُ السرايا ، وكان فيما رَدَّتِ السرايا أموالٌ عظيمةٌ وفيها أكثر أثاث كسرى وأمتعته والأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم ، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم . ولم تقدر الفَرَس على حمل البساط لثقله عليهم ، ولا حمل الأموال لكثرتها . فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملآل(٤) إلى أعلاه من أواني الذهب والفضة ، ويجدون من الكافور شيئاً كثيراً ، فيحسبونه ملحاً ، وربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مُرَّاً حتى تبيَّنو(٥) أمره فتحصل الفيء على أمر عظيم من الأموال ، وشرع سعد فخمَّسه وأمر سلمان الفارسي فقسم أربعة (٦) الأخماس بين الغانمين ، فحصل لكلّ واحد من الفرسان اثني عشر ألفاً ، وكانوا كلهم فرساناً ، ومع بعضهم جنائب ، واستوهب سعد أربعة أخماس البساط ولبس كسرى من المسلمين ، ليبعثه إلى عمر والمسلمين بالمدينة لينظروا إليه ويتعجّبوا منه ، فطيبوا له ذلك وأذنوا فيه ، فبعثه سعد إلى عمر مع الخُمس مع بشير بن الخصاصية ، وكان الذي بشَّر بالفتح قبله خنيس(٧) بن فلان الأسدي ، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إنَّ قوماً أدَّوْا هذا لأمناءُ ، فقال له علي بن أبي طالب : إنك عَفَفْتَ فَعَقَّتْ رَعيتُكَ، ولو رَتَعْتَ لرَتَعتْ. ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فأصاب علياً(٨) قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفاً . وقد ذكر سيفُ بن عمر(٩) أنَّ عمر بن الخطاب ألبسَ ثياب كسرى لخشبة ونصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب ، وما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية . وقد روينا أنَّ عمرَ ألبس ثياب كسرى لسُراقة بن مالك بن جُعْشُم أمير بني مُدْلج رضي الله عنه . (١) الأقباض: جمع قَبَض - بفتحتين - وهو ما جمع من الغنيمة قبل أن يُقسم. اللسان ( قبض). في أ: عمر بن عمر ؛ خطأ. وما هنا موافق لتاريخ الطبري (١٦/٤). (٢) (٣) في أ : ردوا . (٤) في ط : ملآنا ؛ وما هنا أقرب للسياق النحوي . (٥) في أ : ثبتوا . في ط : الأربعة الأخماس . (٦) في أ، ط : حليس ؛ خطأ. وما هنا عن تاريخ الطبري (٤/ ٢٢). (٧) في أ : علي . (٨) تاريخ الطبري (٢٢/٤ - ٢٣ ). (٩) ١٧٤ ذكر فتح المدائن قال الحافظ أبو بكر البيهقي في (( دلائل النبوة)( ١) : أخبرنا عبد الله بن يوسف الأصبهاني ، أخبرنا أبو سعيد بن الأعرابي ، قال : وجدت في كتابي بخطّ يدي عن أبي داود ، حدَّثنا محمد بن عُبيد ، حدَّثنا حمّاد ، حدَّثنا يونس ، عن الحسن : أن عمر بن الخطاب أَتي بفروةٍ كسرى فوُضعت بين يديه وفي القوم سراقة بن مالك بن جُعْشُم ، قال فألقى إليه سِوَاري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه، فلما رآهما في يدي سُراقة قال : الحمدُ لله : سواري [ كسرى]٢) بن هرمز في يدي سُراقة بن مالك بن جُعْشُم أعرابي من بني مُدْلج . وذكر الحديث . هكذا ساقه البيهقي . ثم حكى عن الشافعي أنه قال: وإنما ألبسهما سُراقة لأنَّ رسول الله مَ لّ قال لسُراقة ونظر إلى ذراعيه: (( كأني بك وقد ألبست سواري كسرى)» ( قال الشافعي : وقد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى ) : قل : الله أكبر. فقال: الله أكبر . ثم قال: قل الحمدُ لله الذي سلبهما كسرى بن هرمز وألبسهما سراقة بن مالك أعرابي من بني مدلج . وقال الهيثم بن عدي(٣) : أخبرنا أسامة بن زيد اللّيثي، حدَّثنا القاسم بن محمد بن أبي بكر. قال: بعث سعد بن أبي وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى وسيفه ومنطقته وسواريه وسراويله وقميصه وتاجه وخُفَّيه، قال فنظر عمر في وجوه القوم. وكان أجسمهم وأبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جُعْشُم فقال يا سراق: قم فالبس ، قال سراقة : فطمعت فيه فقمت فلبست فقال [ له ] : أدبر فأدبرت ، ثم قال أقبل فأقبلت ، ثم قال بخ بخٍ ، أَعيرابيٌّ من بني مُدْلج عليه قَباء كسرى وسراويله وسيفه ومنطقته وتاجه وخفّاه . رُبَّ يومٍ يا سُراق بن مالك ، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى وآل كسرى ، كان شرفاً لك ولقومك ، انزع. فنزعت. فقال: اللهم إنَّكَ منعتَ هذا رسولك ونبيك، وكان أحبّ إليك مني ( وأكرم عليك مني ). ومنعته أبا بكر وكان أحبَّ إليك مني ، وأكرم عليك مني ، وأعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بي . ثم بكى حتى رحمه من كان عنده . ثم قال لعبد الرحمن بن عوف : أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسي . وذكر سيف بن عمر التميمي (٤) : أن عمر حينَ ملك تلك الملابس والجواهر جيء(٥) بسيف كسرى ومعه عدةُ سيوف منها سيفُ النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة ، وأن عمر قال : الحمدُ الله (١) دلائل النبوة (٣٢٥/٦ -٣٢٦). (٢) ساقطة من الأصل واستدركت من الدلائل . (٣) الهيثم بن عدي بن عبد الرحمن الطائي البحتري الكوفي ، أبو عبد الرحمن ، مؤرخ - عالم بالأدب والنسب - توفي سنة ٢٠٧ هـ وله: ((بيوتات العرب)) و((نزول العرب في خراسان والسواد)) و((نسب طيِّىء)) و((تاريخ الأشراف)) و((التاريخ)) وغيرها. الأعلام (١٠٤/٨)، ولكنه كذاب متروك . (٤) تاريخ الطبري (٢٣/٤) . (٥) مكان اللفظة في أ : مع ذلك بسيف . ١٧٥ وقعة جلولاء الذي جعلَ سيفَ كسرى فيما يضره ولا ينفعه . ثم قال: إن قوماً أدَّوْا هذا لأَمَناءُ ، أو لذووا أمانة . ثم قال : إنَّ كسرى لم يزدْ على أن تشاغلَ بما أوتي عن آخرته فجمع لزوج امرأته ، أو زوج ابنته ، ولم يقدّم لنفسه ، ولو قدَّم لنفسه ووضع الفضول في مواضعها لحصلَ له . وقد قال بعض المسلمين وهو أبو نجيدً(١) نافع بن الأسود ( في ذلك (٢): [ من الخفيف ] بحرُها مثلُ بَرِّهنّ أريضا وأَسَلْ(٣) على المدائن(٤) خيلاً يوم ولّوا وحاصَ منا جريضا فانتثلا٥) خزائن المرء كسرى وقعة جلولاء (٦) لما سار كسرى وهو يَزْدَجِرْد بن شهريار من المدائن هارباً إلى حلوان شرعَ في أثناء الطريق في جمع رجال وأعوان وجنود ، من البلدان التي هناك ، فاجتمع إليه خلقٌ كثير ، وجم غفير من الفرس وأمَّرَ على الجميع مهران، وسار كسرى إلى حلوان(٧) فأقام(٨) الجمع الذي جمعه بينه وبين المسلمين في جلولاء ، واحتفروا خندقاً عظيماً حولها، وأقاموا بها في العَددَ والعُدد٩) وآلات الحصار ، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك . فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن ويبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة ( أميراً على الجيش الذي يبعثه إلى كسرى ، ويكون على المقدمة القعقاع ) بن عمرو ، وعلى الميمنة سعد بن مالك وعلى الميسرة أخوه عمر بن مالك ، وعلى الساقة عمرو بن مرة الجُهني . ففعل سعد ذلك وبعث مع ابن أخيه جيشاً كثيفاً يقارب اثني عشر ألفاً . من سادات المسلمين ووجوه المهاجرين والأنصار ، ورؤوس العرب . وذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن ، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس وهم بجلولاء قد خندقوا عليهم ، فحاصرهم هاشم بن عتبة ، وكانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالًا لم يُسمع بمثله . وجعل كسرى يبعث إليهم الأمداد ، وكذلك سعد يبعث المددَ إلى ابن أخيه ، مرةً بعد أخرى ، وحمي القتالُ، واشتد النزالُ ، واضطرمت نار الحرب ، وقام في الناس هاشمٌ فخطبهم غيرَ في تاريخ الطبري : أبو بجيد - بالباء - وتحتمل الوجهين في أ. (١) (٢) البيتان في تاريخ الطبري (١٠/٤) . في أ: وأملننا ، وفي ط : وأملنا . وما هنا عن تاريخ الطبري والكامل ( ٥١٤/٣). (٣) في أ : على الخزائن خيلاً نحرها . (٤) (٥) في ط : فانتشلنا . جَلولاء : بالمد : طسوج من طساسيج السواد في طريق خراسان ، بينها وبين خانقين سبعة فراسخ ، بها كانت الوقعة (٦) المشهورة على الفرس للمسلمين سنة ١٦ ، فاستباحهم المسلمون ، فسميت جلولاء الوقيعة لما أوقع بهم المسلمون معجم البلدان ( ٢ / ١٥٦ ) . حلوان العراق : موضع في اخر حدود السواد فمايلي الجبال من بغداد. معجم البلدان ( ٢/ ٢٩٠). (٧) في أ : وأقام . (٨) في أ : في العدد والعديد . (٩) ١٧٦ وقعة جلولاء مرةٍ ، فحرّضهم على القتال والتوكل على الله . وقد تعاقدت الفرس وتعاهدت ، وحلفوا بالنار أن لا يفرّوا أبداً حتى يفنوا العرب . فلما كان الموقف الأخير ، وهو يوم الفيصل والفرقان ، تواقفوا من أول النهار ، فاقتتلوا قتالاً شديداً لم يُعْهِدْ مثله حتى فني النُّشَابُ من الطَّرفين ، وتَقَصَّفَت الرماحُ من هؤلاء ومن هؤلاء ، وصاروا إلى السيوف والطبرزينات(١) ، وحانت صلاةُ الظهر فصلَّى المسلمون إيماءً، وذهبت فرقة المجوس وجاءت مكانها أخرى ، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال : أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون ؟ قالوا : نعم إنا كالّون (٢) وهم مريحون ، فقال : بل إنا حاملون عليهم ومُجدُّون في طلبهم ، حتى يحكم الله بيننا ، فاحملوا عليهم حملةً رجلٍ واحدٍ حتى نخالطهم ، فحمل وحمل الناس ، فأما القعقاع فإنه صمّم الحملة في جماعة من الفرسان والأبطال والشجعان ، حتى انتهى إلى باب الخندق ، وأقبل الليل بظلامه ، وجالت بقية الأبطال بمنْ معهم في الناس وجعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل وفي الأبطال(٣) يومئذ طُلَيْحة الأسَدي، وعمرو بن معديكرب الزبيدي ، وقَيْس بن مَكْشوح ، وحجر بن عدي . ولم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل ، ولم يشعروا بذلك ، لولا مناديه ينادي : أين أيها المسلمون (٤) هذا أميركم على باب خندقهم . فلما سمع ذلك المجوس فرّوا وحمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فإذا هو على باب الخندق قد ملكه عليهم ، وهربت الفرس كلَّ مَهْربٍ ، وأخذهم المسلمون من كل وجه ، وقعدوا لهم كل مرصد ، فقتل منهم في ذلك الموقف مئة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى ، فلذلك سميت جلولاء . وغنموا من الأموال والسلاح والذهب والفضة قريباً مما٥) غنموا من المدائن قبلها . وبعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزمَ منهم وراء كسرى ، فساق خلفهم حتى أدرك مِهْران منهزماً ، فقتله القعقاع بن عمرو ، وأفلتهم الفيرزان فاستمرَّ منهزماً ، وأسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة ، وغنموا دوابَّ كثيرة جداً . ثم بعث هاشم بالغنائم والأموال إلى عمه سعد بن أبي وقاص فنفَّل سعد ذوي النجدة ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين . قال الشعبي : كان المال المتحصّل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف . وكان خمسه ستة آلاف ألف وقال غيره : كان الذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن - يعني اثني عشر ألفاً لكل فارس - وقيل أصاب كل فارس تسعة آلاف وتسع(٦) دواب . وكان الذي ولى قسم ذلك بين المسلمين (١) في هامش ط : الطبرزينات: نوع من السلاح يشبه الفأس . وكذا في هامش تاريخ الطبري (٤/ ٢٧) ، وينظر معجم دوزي (٧/ ١٤) من الترجمة العربية . كالّون: جمع كالٌّ وهو من كلَّ يكلُّ إذا أعيا . اللسان ( كلل ) . (٢) (٣) بعدها في أ : إعادة لبعض الكلمات في السطر السابق . (٤) في أ : أيها الناس . في أ : بما . (٥) حفي أ : سبع . (٦) ١٧٧ وقعة جلولاء وتحصيله ، سلمان الفارسي رضي الله عنه . ثم بعث سعد بالأخماس من المال والرقيق والدواب مع زياد بن أبي سفيان ، وقضاعي بن عمرو ، وأبي مفزر(١) الأسود . فلما قدموا على عمر ( سأل عمر) زياد بن أبي سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له ، وكان زياد فصيحاً ، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأحبّ أن يسمعَ المسلمون منه ذلك ، فقال له : أتستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتني به ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك ، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك ؟ فقام في الناس فقصَّ عليهم ( خبر ) الوقعة ، وكم قتلوا ، وكم غنموا ، بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر : إنّ هذا لهو الخطيب المِصْفَعُ(٢) - يعني الفصيح! فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفَعال لساننا . ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجنّ هذا المال الذي جاؤوا به سقف حتى يقسمه ، فبات عبد الله بن أرقم وعبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد ، فلما أصبح جاء عمر في الناس ، بعد ما صلى الغداةَ وطلعتِ الشمس ، ( فأمر ) فكشف عنه جلابيبه ، فلما نظر إلى ياقوته وزبرجده وذهبه الأصفر وفضته البيضاء ، بكى عمر ، فقال له عبد الرحمن : ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ فوالله إن هذا لموطن شكر ، فقال عمر : والله ما ذاك يبكيني ، وتالله ما أعطى الله قوماً ( إلا تحاسدوا وتباغضوا ، ولا تحاسدوا ) إلا ألقى بأسهم بينهم ، ثم قسمه كما قسم أموال القادسية . وروى سيف بن عمر(٣) عن شيوخه أنهم قالوا : وكان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ست عشرة ، وكان بينه وبين فتح المدائن تسعة أشهر . وقد تكلم ابن جرير هاهنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلّق بأرض السواد وخراجها ، وموضع تحرير ذلك كتاب ((الأحكام)). وقد قال هاشم بن عُتبة في يوم جلولاء(٤) : [ من الرجز ] ويومُ زحفِ الكوفةِ المُقَدّمْ يومُ جَلولاءَ ويومُ رُسْتَمُ(٥) وأيامٌ خَلَتْ من بينهنّ صُرَّمُ(٧) ويومُ عَرْضِ النَّهر(٦) المُحرَّم مِثْلُ ثَغامُ(٨) البلدِ المُحرّمْ شَيَّيْنَ أصداغي فهُنَّ هُرّمْ فى أ : مط : مقرن ، تحريف وتقدم الحديث عنه . (١) (٢) المصقع : البليغ . اللسان ( صقع ) . (٣) تاريخ الطبري (٤/ ٣٢) . الأبيات في تاريخ الطبري (٣٣/٤). (٤) جاءت القافية في أ، ط : مكسورة. وما هنا عن الطبري (٤/ ٣٣-٣٤). (٥) (٧) في تاريخ الطبري : من بين أيام خلون صرّم ؛ وهي الأشبه . (٦) في أ ، ط : الشهر . الثغام : نبات أبيض الثمر والزهر يشبّه بياض الشيب به . اللسان ( ثغم ) . (٨) ١٧٨ ذكر فتح حلوان - فتح تكريت والموصل (وقال أبو نجيد١) في ذلك(٢) ): [ من الطويل ] كتائبُنا تَرْدي بأسدٍ عَوابسٍ وَيَوْم جَلولاءَ الوَقيعة أصْبحتْ فتبّأ لأجْسادِ المَجُوسِ النَّجائسِ فضضتُ(٣) جموعَ الفُرْسِ ثم أَنَمتُهُمْ ومِهْرانَ أرْدَتْ يومَ حَزِّ القَوانسِ وأفْلَتَهِنَّ الفيرزانُ بجرعةٍ وللتَّرْبِ تَحْتوها خَجُوج٤ُ) الروامسُ(٥) أقاموا بدارٍ لِلْمَنيَّةِ مَوْعدٍ ذكر فتح حلوان (٦) ولما انقضت الوقعة أقام هاشم بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب - في كتابه إلى سعد - وتقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان ، عن أمر عمر أيضاً ليكون ردءاً للمسلمين هنالك ، ومرابطاً لكسرى حيث هرب . فسار كما قدمنا ، وأدرك أمير الوقعة وهو مِهْران الرازي ، فقتله وهرب منه الفيرزان ، فلما وصل إلى كسرى وأخبره بما كان من أمر جلولاء ، وما جرى على الفرس بعده ، وكيف قتل منهم مئة ألف ، وأدرك مِهْران فقتل ، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري ، واستناب على حلوان أميراً يقال له خسروشُنُومُ(٧) ، ( فتقدم إليه القعقاع بن عمرو ، وبرز إليه خسروشنوم ) إلى مكان خارج من حلوان ، فاقتتلوا هنالك قتالاً شديداً ثم فتحَ اللهُ ونصرَ المسلمين وانهزمَ خسروشنوم ، وساق القعقاع إلى حلوان فتسلمها٨) ودخلها المسلمون فغنموا وسَبَوا، وأقاموا بها ، وضربوا الجزيةَ على منْ حولها من الكُور والأقاليم، بعدما دعو(٩) إلى الدخول في الإسلام فأبَوْا إلَّ الجزيةَ . فلم يزلِ القعقاعُ بها حتى تحوَّل سعد من المدائن إلى الكوفة ، فسار إليها كما سنذكره إن شاء الله تعالى . فتح تَكْريت(١٠) والموصِل لما افتتحَ سعدٌ المدائنَ بلغه أن أهلَ الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له في تاريخ الطبري : أبو بجيد . (١) (٢) الأبيات في تاريخ الطبري (٣٤/٤). في تاريخ الطبري : فَفَضَّتْ . (٣) الخجوج من الرياح : الشديد المرّ ، وقيل هي الشديدة من كل ريح ما لم تثر عجاجاً . اللسان ( خجج ) . (٤) (٥) الروامس : الرياح التي تثير التراب وتدفن الآثار . اللسان ( رمس ) . حلوان : بليدة بقوهستان نيسابور ، وهي اخر حدود خراسان ممايلي أصبهان . معجم البلدان (٢/ ٢٩٤). (٦) في أ: حرسيوم ، وما هنا موافق لتاريخ الطبري (٤/ ٣٤) . (٧) (٨) في أ : فتسلموها . (٩) في أ : دلوا . (١٠) تكريت: بلدة مشهورة بين بغداد والموصل، وهي غربي دجلة. معجم البلدان (٣٨/٢). ١٧٩ فتح تكريت والموصل الأنطاق، فكتب إلى عمر بأمر جلولاء واجتماع الفرس بها، وبأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء ، وما كان من أمرها . وكتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكْريت على الأنطاق، أن يعيِّن جيشاً لحربهم، ويؤمّر عليه عبد الله بن المُعْتَمُ(١) ، وأن يجعل على مقدمته ربعي بن الأفكل العنزي(٢)، وعلى الميمنة الحارث بن حسّان الذّهلي، وعلى الميسرة فرات بن حيان العِجْلي ، وعلى السَّاقة هانىء بن قيس، وعلى الخيل عَرْفَجة بن هَرْثَمة . ففصل عبد الله بن المُعْتمّ في خمسة آلاف من المدائن ! فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الأنطاق، وقد اجتمع إليه جماعة من الروم، ومن الشهارجة، ومن نصارى العرب ، ومن إياد وتغلب والنمر . وقد أحدقوا بتكريت ، فحاصرهم عبد الله بن المعتمّ أربعين يوماً . وزاحفوه(٣) في هذه المدة أربعاً وعشرين مرة . ما من مرة إلا وينتصر عليهم ويفلّ جموعهم ، فضَعُفَ جانبُهم ، وعزمت الرومُ على الذهاب في السفن بأموالهم وراسل عبد الله بن المعتم إلى منْ هنالك من الأعراب ، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد ، ( فجاءت القصاد ) إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك ، فأرسل إليهم : إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأقِرُّوا بما جاء من عند الله. فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا ، فبعث (٤) إليهم : إن كنتُم صادقين فإذا كبّرنا وحملنا على البلد الليلةَ فأمسكوا علينا أبواب السفن ، وامنعوهم أن يركبوا فيها ، وأقتلوا منهم منْ قدرتم على قتله . ثم شدّ عبد الله وأصحابه ، وكبّروا تكبيرة رجلٍ واحدٍ ، وحملوا على البلد ، فكبرت الأعراب من الناحية الأخرى ، فحار أهل البلد ، وأخذوا في الخروج من الأبواب التي تلي دجلة، فتلقتهم(٥) إياد والنمر وتغلب ، فقتلوهم قتلاً ذريعاً، وجاء عبد الله بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأخر فقتل جميعَ أهلِ البلد عن بكرة أبيهم ، ولم يسلم إلا من أسلم من الأعراب من إياد وتغلب والنمر ، وقد كان عمر عهد في كتابه (٦) إذا نُصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الأفكل إلى الحصنين وهي الموصل سريعاً ، فسار إليها ( كما أمر عمر ، ومعه سرية كثيرة ، وجماعة من الأبطال ، فسار إليها ) حتى فجئها قبل وصول الأخبار إليها ، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح(٧) فضربت عليهم الذِّلَّهُ(٨) ( عن يد) وهم صاغرون ، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت ، فبلغ سهم الفارس (١) قيده الأمير ابن ماكولا في الإكمال (٧/ ٢٧٣) وابن ناصر الدين في توضيح المشتبه (٨/ ٢٠٦) بضم أوله وسكون العين المهملة وفتح المثناة تليها ميم مشددة . (٢) تحرفت في ط إلى : الغزي . (٣) في أ : وري وراي حفرة ! في أ : فبعثوا . (٤) في أ : فلقيهم . (٥) في أ : أن إذا . (٦) في أ : المصالحة . (٧) (٨) كذا في (أ) وفي المطبوع : الذمة . ١٨٠ فتح ماسبذان من أرض العراق - فتح قر قيسياء وهيت في هذه السنة ثلاثة آلاف ، وسهم الراجل ألف درهم . وبعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان ، وبالفتح مع الحارث بن حسان ، وولي إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل ، وولي الخراج بها عَرْفَجة بن هَرْثَمة . فتح ماسَبَذان(١) من أرض العراق لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن ، بلغ سعداً أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس ، فكتب إلى عمر في ذلك ، فكتب إليه أن ابعث جيشاً وأمّر عليهم ضرار بن الخطّاب . فخرج ضرار في جيش من المدائن ، وعلى مقدمته ابن الهزيل (٢) الأسدي ، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش ، فالتقى مع آذين وأصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، وأسر آذين بن الهرمزان، وفرّ عنه أصحابه، وأمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، وساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسَبَذان - وهي مدينة كبيرة - فأخذها عنوة ، وهرب أهلها في رؤوس الجبال والشعاب ، فدعاهم فاستجابوا له ، وضرب على منْ لم يسلم الجزيةَ ، وأقام نائباً عليها حتى تحوّل سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي . فتح قَرْقِيسياء وهيت(٣) في هذه السنة قال ابن جرير(٤) وغيره: لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن وكان أهل الجزيرة قد أمدوا هرقل على أهل حمص على قتال أبي عبيدة وخالد - لما كان هرقل بقنسرين - واجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت ، كتب سعد إلى عمر في ذلك ، فكتب إليه أن يبعث إليهم جيشاً ، وأن يؤمِّر عليهم عمر بن مالك بن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم ، فحاصرهم حيناً فلم يظفر بهم ، فسار في طائفة من أصحابه ، واستخلف على محاصرة هيت الحارث بن يزيد ، فراح عمر ابن مالك إلى قرقيسياء فأخذها عنوة، وأنابوا إلى بذل الجزية ، وكتب إلى نائبه على هيت : إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقاً ، ويجعل له أبواباً من ناحيته . فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة . قال شيخنا أبو عبد الله الحافظ الذهبي(٥) : وفي هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه (١) ما سَبَذان: إحدى مدن الفرس، وأصلها ماه سبذان مضاف إلى اسم القمر. معجم البلدان (٤١/٥). (٢) كذا في أ، ط وفي تاريخ الطبري (٣٧/٤): ابن الهذيل . قرقيسياء : بلد على نهر الخابور قرب رحبة مالك بن طوق ، وكان سعد بن أبى وقاص قد أنفذ جيشاً وهو بالمدائن (٣) إلى هيت وقرقيسيا ورئيسهم عمر بن مالك الزهري فنزلوا على حكمه . معجم البلدان (٣٢٨/٤). وهيت : بلدة على الفرات من نواحي بغداد فوق الأنبار ذات نخل كثير وخيرات واسعة ، وهي مجاورة للبرية . معجم البلدان ( ٤٢١/٥ ) . (٤) في تاريخه (٣٧/٤ - ٣٨). (٥) في تاريخ الإسلام (٢/ ٢٠) طبعة مكتبة القدسي.