النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ رستم وربعي بن عامر وقد قال رجل من المسلمين في سعد رضي الله عنه (١): [من الطويل ] نُقاتلُ حَتَّى أنْزَلَ اللهُ نَصْرَهُ وَسَعْدٌ ببابِ القادِسِيَّةِ مُعْصِمُ ونِسْوة سَعْدٍ ليسَ فيهنّ أيّمُ فأُبْنا وَقَدْ آمَتْ نساءٌ كثيرةٌ فيقالُ : إن سعداً نزل إلى الناس فاعتذر إليهم مما فيه من القروح في فخذيه وأليتيه ، فعذره الناسُ . ويذكر أنه دعا على قائل هذين البيتين وقال : اللهم إن كان كاذباً ، أو قال الذي قال رياءً وسمعةً وكذباً فاقطع لسانَهُ ويَدهُ . ( فجاءه سهم ) وهو واقفٌ بين الصَّفَّين فوقعَ في لسانه فبطل شقه فلم يتكلم حتى مات. رواه سيف(٢) عن عبد الملك بن عُمَيْر عن قبيصة بن جابر فذكره . وقال سيف عن المقدام بن شريح الحارثي عن أبيه . قال : قال جرير بن عبد الله البجلي(٣): [ من الرجز ] قدْ فتحَ اللهُ وسعدٌ في القصْر أنا جريرُ كنيتي(٤) أبو عمرو فأشرف سعد من قصره وقال(٥) : [ من الوافر ] أُؤْمِّلُ أَجْرَها٦) يَوْمَ الحِساب وما أرْجو بَجِيْلة غيرَ أنّي وَقَدْ وَقَعَ الفوارسُ في الضِّرابِ(٧) وقدْ لقيتْ خيولُهُم خيولًا كأنّ زهاءَها إبلُ الجِرابُ(١٠) وقد دلفت (٨) بعَرْصَتِهِمْ خُيُولٌ(٩) وحمّالٌ للُوا في الرِّكاب(١٢) فَلْولا(١) جَمْعُ قَعْقاعٍ بن عَمْرو تسيلُ جُموعُكم مِثْل(١٣) الذُّبابِ وَلَوْلا ذاك ألْفَيْتِمْ رعاعاً (١) البيتان في تاريخ الطبري (٥٧٧/٣ و٥٨٠) وتاريخ دمشق لابن عساكر (٣٤٤/٢٠ - ٣٤٥) وسير أعلام النبلاء (١١٥/١) برواية مختلفة. (٢) تاريخ الطبري ( ٣/ ٥٨٠ ). البيت في تاريخ الطبري (٥٧٧/٣) برواية: قد نصر الله. وتاريخ دمشق لابن عساكر (٣٥٣/٢٠) - طبعة دار الفكر -. (٣) (٤) في أ، ط : وكنيتي . وما هنا عن مصادره وهو الأشبه . الأبيات الثلاثة الأولى في تاريخ الطبري (٥٧٧/٣) وهي ستة في تاريخ دمشق (٣٥٣/٢٠) - طبعة دار الفكر - . (٥) في تاريخ الطبري وتاريخ ابن عساكر : أجرهم . (٦) (٧) في تاريخ الطبري : ضراب . (٨) في أ : وقد دهمت . (٩) في تاريخ الطبري : فيول ، وهو جمع فيل . (١٠) في تاريخ الطبري وتاريخ ابن عساكر : جراب ؛ مما أوقع البيت في الإقواء . (١١) في تاريخ دمشق : ولو جمع ؛ وهو خطأ عروضي لابد من تصحيحه . (١٢) في تاريخ دمشق : في الكذاب . وبعده فيه بيت آخر . (١٣) في تاريخ دمشق : سلَّ الذباب. ١٤٢ رستم وربعي بن عامر وقد روى محمد بن إسحاق(١) ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم البجلي - وكان ممن شهد القادسية - قال : كان معنا رجل من ثقيف فلحق بالفُرس مرتداً ، فأخبرهم أن بأسَ الناس في الجانب الذي فيه بجيلة . قال : وكُنَّا رُبْع الناسِ ، قال: فوجَّهوا إلينا ستةَ عشرَ فيلاً، وجعلوا يلقون تحت أرجل خيولنا حسكَ الحديد ، ويرشقوننا بالنُّشّاب ، فلكأنه المطر ، وقرنو(٢) خيولهم بعضها إلى بعض لئلا ينفروا . قال : وكان عمرو بن مَعْدِيكرب الزُّبَيْدِي يَمُرُّ بنا فيقول : يا معشر المهاجرين ، كونوا أُسوداً فإنما الفارسي تيسٌ . قال : وكان فيهم أسوارٌ لا تكاد تسقطُ له نُشَّابةٌ، فقلنا له يا أبا ثور اتَّقٍ(٣) ذاك الفارسيّ(٤) فإنّه لا تسقطُ له نُشَّابةٌ ، فوجه إليه الفارسيّ ورماه بنشابه(٥) فأصاب ترسه ، وحمل عليه عمرو فاعتنقه فذبحه فاستلبه سوارين من ذهب ، ومِنْطقة من ذهبٍ ، ويَلْمقا٦) من ديباجٍ . قال : وكان المسلمون ستةَ آلافٍ أو سبعةَ آلافٍ، فَقَتلَ اللهُ رستما٧ً) ، وكان الذي قتله رجلٌ يقال له هلال بن علقمة (٨) التميمي ، رماه رستم بنُشّابة فأصاب قدمه ، وحمل عليه هلال فقتله واحتزَّ رأسه ، وولت الفرسُ فاتبعهم المسلمون يقتلونهم فأدركوهم في مكانٍ قد نزلوا فيه واطمأنّو(٩) ، فبينما هم سكارى قد شربوا ولعبوا إذ هجمَ عليهمُ المسلمون فقتلوا منهم مقتلةً عظيمةً ، وقُتل هنالك الجالينوس ، قتله زهرة بن حَوِيَّةٌ ١) التميمي. ثم ساروا خلفهم، فكلما تواجه الفريقان نصرَ اللهُ حزبَ الرحمن ، وخذلَ حزبَ الشيطان وعَبَدة النيران . واحتاز المسلمون من الأموال ما يعجزُ عن حَصْرِهِ ميزانٌ وقبَّانٌ ، حتى إنَّ منهم من يقول من يقايضُ(١١) بيضاء بصفراء لكثرة ما غنموا من الفرسان . ولم يزالوا يتبعونهم حتى جازوا الفراتَ وراءهم وفتحوا المدائنَ وجلولاءَ على ما سيأتي تفصيلُه في موضعه إن شاء الله تعالى وبه الثقة . تاريخ الطبري : ( ٥٧٦/٣ ) . (١) (٢) في ط : وقرَّبوا . (٣) في ط : نق . في ط : الفارس . (٤) في أ : فوجه إليه ورماه الفارسي بنشابة . (٥) اليلمق : القباء . القاموس ( يلمق ) . (٦) كذا في الأصلين ، والذي في الطبري ( ٥٧٦/٣) : فقتل الله رستم وهو الأصح لسياق اللغة. (٧) في تاريخ الطبري : هلال بن علقة التيمي . (٨) (٩) في أ : واطمأنوا فيه سكارى . (١٠) الضبط عن تاريخ الطبري (٥٦٥/٣) وتوضيح المشتبه (٥٠٩/٢). (١١) في أ : من يقارص؛ وهو تحريف . ١٤٣ رستم وربعي بن عامر وقال سيفُ بن عمر (١) : عن سليمان بن بشير ، عن أمّ كثير امرأةٍ همام بن الحارث النّخعي قالت : شهدنا القادسيةَ مع سعدٍ مع أزواجنا ، فلما أتانا أن قد فرغ من الناس ، شدَدْنا علينا ثيابنا وأخذنا الهَراوَى ثم أتينا القتلى ، فمن كان من المسلمين سقيناه ورفعناه ، ومن كانَ من المشركين أجهزنا عليه ، ومعنا الصبيانُ فنوليهم ذلك - تعني استلابهم - لئلا يكشفن عن عوراتِ الرجال. وقال سيفٌ بأسانيده عن شيوخه قالو(٢): وكتب سعد إلى عمر يخبره بالفتح وبعدَّةِ منْ قَتَلوا من المشركين . وبعدَّة منْ قُتل من المسلمين ، وبعث(٣) بالكتاب مع سَعْدٍ بن عُمَّيْلَهُ(٤) الفزاري وصورته : أما بعدُ فإنَّ الله نَصرنا على أهل فارس ومنحناهم(٥) سنن منْ كانَ قبلهم من أهل دينهم ، بعد قتالٍ طويلٍ ، وزَلْزالٍ شديد ، وقد لقوا المسلمين بعدَّةٍ لم يَرَ الرّاؤُون مثلَ زُهائها ، فلم ينفعهم الله بذلك ، بل سلبوه ونقله عنهم إلى المسلمين ، واتَّبعهم المسلمون على الأنهار ، وصفوف (٦) الآجام ، وفي الفجاج . وأصيب من المسلمين سعد بن عُبيد القاري وفلان وفلان ، ورجالٌ من المسلمين لا يعلمهم إلا الله ، فإنّه بهم عالمٌ كانوا يُدَؤُون(٧) بالقرآن إذا جنَّ عليهم الليلُ كدويّ النَّحْل ، وهم آسادٌ في النهار لا تشبههم الأسود ، ولم يَفْضل منْ مَضَى منهم منْ بقي إلا بفضل الشهادة إد٨) لم تُكْتبْ لهم . فيقالُ : إنَّ عمر قرأ هذه البشارة على الناس فوق المنبر رضي الله عنهم . ثم قال عمر للناس : إني حريصٌ على أن لا أرى (٩) حاجةً إلا سددتُها ، ما اتسع بعضنا لبعض ، فإذا عجزَ ذلك عنّا تآسينا في عيشنا حتى نَسْتوي في الكَفاف ، ولوددتُ أنَّكم علمتمُ من نفسي مثلَ الذي وقع فيها لكم ، ولستُ معلِّمكُم إلا بالعمل ، إنّي والله لستُ بملكِ فأستعبدكم ، ولكنّي عبدُ الله، عَرَضَ عليَّ الأمانة فإن أبيتُها ورددتُها عليكم واتَّبعتكم حتى تشبعوا في بيوتكم ، وتَروَوْا سعدتُ بكم ، وإنْ أنا حملتُها واستتبعتكم ( إلى بيتي ) شقيتُ بكم ، ففرحتُ قليلاً ، وحزنتُ طويلاً ، فبقيتُ لا أُقال ولا أُرَدّ فأستعتب . وقال سيفٌ عن شيوخه قالوا ١٠): وكانت العربُ من العُذَيْب إلى عَدَنِ أبين ، يتربَّصون وقعةَ القادسية تاريخ الطبري ( ٥٨١/٣ ) . (١) (٢) المصدر نفسه ( ٥٨٣/٣). (٣) في ط : بعث ؛ بلا واو . الضبط عن تاريخ الطبري . (٤) (٥) في بعض النسخ : ومنحهم . في تاريخ الطبري : طفوف ، وهي الأشبه ، لأن الطفوف جمع طفّ وهو جانب البرّ وطرفه . اللسان (طفف ). (٦) (٧) الدَّويّ : صوت ليس بالعالي كصوت النحل ونحوه دَوَّى يُدوّي تَدْوية . اللسان ( دوا). في أ ، ط : إذا ؛ وما هنا عن الطبري وهو أقرب للصواب . (٨) في تاريخ الطبري : أن لا أدع ؛ وهو الأشبه . (٩) (١٠) تاريخ الطبري (٥٨١/٣ - ٥٨٢). ١٤٤ رستم وربعي بن عامر هذه ، يَرَونَ أنّ ثباتَ مُلْكهم وزوالَه بها، وقد بعثَ أهلُ كلّ بلدةٍ قاصداً يكشفُ ما يكونُ من خبرهم ، فلما كان ما كان من الفتح سبقتِ الجنُّ بالبشارةِ إلى أقصى البلادِ قبل رُسُلِ الإنس فسمعت امرأة ليلاً بصنعاء على رأس جبل وهي تقول : 1 من الطويل ] وما خيرُ زادٍ بالقَليلِ المُصَرَّدُ(١) فحُيِّتِ عنَّا عِكْرم ابْنَة خالدٍ وحَيّاك عني كلُّ ناجِ مُفَرَّدٍ(٢) وَحَيّتكِ عنّي الشمسُ عندَ طلوعها حِسانُ الوُجوه آمنوا بمُحمدٍ وَحَيَّتْكِ عنّي عُصْبة نَخَعيَّةٌ أقاموا لكسرى يَضْربون جُنودهُ بكُلِّ رقيقِ الشَّفْرتينِ مُهنّدٍ من الموتِ مسودِّ الغياطل أجرؤٍ(٥) إذا ثَوَّبَ(٣) الدَّاعي أناخوا بكَلْكلٍ(٤) قالوا : وسمع أهلُ اليمامة مُجْتازاً يُغنّي بهذه الأبيات : [ من الوافرِ ] غداةَ الرَّوعِ أكثرُهم رجالاً وجدنا الأكثرينُ(٦) بني تَميم إلى لَجِبٍ فَزَرّتهمْ(٧) رعالا هُمُوا ساروا بأزْعَن مُكْفهرٌ كأُسدِ الغابِ تَحْسَبُهُم جبالا٨ً) بحورٌ للأكاسرِ من رجالٍ وبالخيفَيْنِ أيّاماً طوالا تَرَكْن لهم بقادسَ عزَّ فَخْرٍ بِمُرْد٩ِ) حيث قابلتِ الرجالآ ١) مُقَطَّعةً أكُفُّهُمُ وسوقٌ قالوا : وسُمع ذلك في سائر بلاد العرب ، وقد كانت بلاد العراق بكمالها التي فتحها خالد نقضت العهود والذمم والمواثيق التي كانوا أعطوها خالداً، سوى أهل بانِقْيا وباروسما، وأهل ألَّيسُ(١١) الآخرة (١) التصريد في العطاء: تقليله. وفي الحديث: ((لن يدخل الجنة إلا تصريداً)) وصرّدَ العطاء: قَلَّلَهُ. اللسان ( صرد ) . البيت في أ، ط : وحييت ... وحييت عني كل ناج وما هنا عن الطبري وهو الأشبه. (٢) (٣) ثوَّب الداعي : إذا دعا مرة بعد أخرى . اللسان ( ثَوَّب ) . (٤) الكلكل : الصدر . اللسان ( كلل ) . في تاريخ الطبري : تسود الغياطل مُجْرَدٍ . والغياطل جمع غيطل : الظلمة . اللسان ( غطل ) . (٥) في ط : الأكرمين . (٦) في ط : يرونهم . وفي أ : فزرّتْهم وعالا . (٧) في أ : جمالا . (٨) في تاريخ الطبري : بمؤدى ؛ وكلاهما موضع . (٩) (١٠) في أ : الجبالا . (١١) سبق التعريف بهذه البلدان في ذكر مسير خالد إلى العراق، وقد دعاهم خالد إلى الإسلام أو الجزية أو المحاربة، فاختاروا الجزية وكتب لهم كتاباً في الصلح . ١٤٥ رستم وربعي بن عامر ثم عاد الجميع بعد هذه الوقعة التي أوردناها ، وادَّعَوْا أن الفرس أجبروهم على نقض العهود ، وأخذوا منهم الخَراجَ وغير ذلك. فصدقوهم في ذلك تألف١ً) لقلوبهم، وسنذكر حكم أهل(٢) السواد في كتابنا ((الأحكام الكبير)) إن شاء الله تعالى. (وقد ذهبَ ابنُ إسحاق وغيرُه إلى أنَّ وَقْعَةَ القادسية كانت في سنة خمس عشرة . وزعمَ الواقديُّ أنَّها كانت في سنة ست عشرة . وأما سيفُ بن عمر وجماعةٌ فذكروها في سنة أربع عشرة ، وفيها ذكرها ابن جرير(٣) ، فالله أعلم ) . قال ابن جرير(٤) والواقدي : في سنة أربع عشرة جمع عمرُ بن الخطاب الناسَ على أُبيّ بن كعب في التَّراويح وذلك في شهر رمضان منها ، وكتب إلى سائر الأمصار يأمرهم بالاجتماع في قيام شهر رمضان . قال ابن جرير(٥) : وفيها ( بعث ) عمر بن الخطاب عتبة بن غزوان إلى البصرة وأمره أن ينزل فيها٦) بمن معه من المسلمين ، وقطعَ مادة أهل فارس عن الذين بالمدائن ونواحيها منهم في قول المدائني ، وروايته. قال : وزعم سيف أنَّ البصرةَ إنّما مُصِّرتْ في ربيع من سنة ست عشرة ، وأن عتبة بن غزوان إنما خرجَ إلى البصرة من المدائن بعد فراغ سعد من جلولاء وتكريت ، وجَّههُ إليها سعدٌ بأمرٍ عمر رضي الله عنهم . وقال أبو مخنف (٧) : عن مجالد ، عن الشعبي: إنَّ عمر رضي الله عنه بعثَ عتبة بن غزوان إلى أرض البصرة في ثلاثمئة وبضعة عشر رجلاً، وسار(٨) إليه من الأعراب ما كمل معه خمسمئة، فنزلها في ربيع الأول سنة أربع عشرة ، والبصرة يومئذ تُدْعى أرض الهند فيها حجارة بيض خشنة ، وجعل يرتاد لهم منزلاً حتى جاؤوا حيال الجسر الصغير فإذا فيه ٩) حَلْفاء وقَصب نابت، فنزلوا. فركب إليهم صاحبُ الفرات في أربعة آلاف أسوار١٠ٌ) ، فالتقاه عتبة بعد ما زالت الشمس ، وأمر الصحابة فحملوا عليهم فقتلوا الفُرْسَ عن آخرهم ، وأسروا صاحبَ الفرات ، وقام عتبة خطيباً فقال في خطبته: إن الدنيا قد آذنت بصَرْكُ(١)، وولّت حَذّاء١٢) ، ولم يبق منها (١) في أ : تأليفاً . (٢) ساقطة من أ . (٣) في تاريخه ( ٣/ ٥٩٠) ونقل الأقوال السابقة . (٤) تاريخ الطبري (٣/ ٥٩٠) نقلا عن الواقدي . (٥) في تاريخه (٥٩٠/٣ ) . في أ : بها . وفي تاريخ الطبري : وأمره بنزولها . (٦) نقل هذا الخبر بسنده الطبري في تاريخه ( ٥٩٠/٣ - ٥٩١ ). (٧) (٨) في أ : وصار . في أ : عند خلفا قصب نابت . (٩) (١٠) الأسوار والإسوار : قائد الفرس. اللسان (سور). (١١) في اللسان: إن الدنيا قد أدبرت بصرم: أي بانقطاع وانقضاء - النهاية واللسان ( صرم). (١٢) في هامش الطبري: حذّاء: مسرعة؛ قال في ((تاج العروس)): الحذّاء : السريعة الماضية ومنه قول عتبة بن غزوان في خطبته : إن الدنيا قد آذنت بصرم وولَّت حَذَّاء . ١٤٦ رستم وربعي بن عامر إلا صُبابَةٌ(١) كصبابة الإناءِ ، وإنكم منتقلون منها إلى دار القرار ، فانتقلوا عما بحضرتكم ، فقد ذُكر لي لو أنَّ صخرةً أُلقيتْ من شَفير جهنم هوتْ سبعين خريفاً ولتملأنَّه ، أو عجبتم ؟ ولقد ذُكر لي أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنّة مسيرةَ أربعين عاماً ، وليأتينَّ عليه يومٌ وهو كظيظ من الزّحام ، ولقد رأيتُني وأنا سابعُ سبعةٍ، وأنا مع رسول الله مَ ◌َّ ما لنا طعام إلا ورق السَّمُّر(٢)، حتى تقرَّحتْ (٣) أشداقُنا، والتقطتُ بُردةً فشققتها بيني وبين سعد ، فما منا من أولئك السبعة من أحد إلا هو أمير على مِصْر من الأمصارِ ، وسيُجَرِّبون الناسَ بعدنا. وهذا الحديث في صحيح مسلم(٤) بنحو من هذا السياق . وروى علي بن محمد المدائني : أن عمر كتب إلى عتبة بن غزوان حين وجهه إلى البصرة(٥) : يا عُتبة إنّي استعملتك على أرضِ الهندِ وهي حَوْمةُ(٦) من حومةِ العدوّ ، وأرجو أن يكفيك الله ما حولها ، وأن يُعينكَ عليها ، وقد كتبت إلى العَلاء بن الحضرمي يمدّكَ بعَرْفجة بن هرثمة . فإذا قدم عليك فاستشره وقرِّبه ، وادعُ إلى الله، فمنْ أجابَكَ فاقبلْ منه ، ومنْ أبى فالجزية عن صَغارٍ وذلَّةٍ ، وإلا فالسيفُ في غير هوادة، واتَّقِ اللهَ فيما وُلِّيت، وإياكَ أن تنازعَكَ نفسُك إلى كِبْرٍ فتفسد عليك آخرتك(٧)، وقد صحبتَ رسول الله مَّ فعززتَ بعد الذلّة، وقويتَ بعد الضعف، حتى صرت أميراً مُسلَّطاً، وملكاً مُطاعاً، تقول فيُسمع منك ، وتأمر فيُطاع أمرك ، فيا لها نعمة إذا لم ترق فوق قدرك ، وتبطر على من دونك ، احتفظ من النعمة احتفاظَكَ من المَعْصية ، وهي أخوفُهما عندي عليك أن يستدرجك(٨) ويخدعك فتسقط سقطةً تصير(٩) بها إلى جهنم ، أعيذك بالله ونفسي من ذلك ، إن الناس أسرعوا إلى الله حتى رفعت لهم الدنيا فأرادوها ، فأردِ الله ولا تردِ الدنيا ، واتَّق مصارع الظالمين . وقد فتح عتبة الأبُلَّة في رجب أو شعبان من هذه السنة . ولما ماتَ عتبةُ بن غزوان في هذه السنة استعمل عمرُ على البصرة المغيرةَ بن شعبة سنتين ، فلما رُمي بما رُمي به عزلَه وولَّى عليها أبا موسى الأشعري رضي الله عنهم . وفي هذه السنة ضرب عمرُ بن الخطاب ابنهُ عُبَيْدَ الله في الشراب ( هو وجماعة معه . (٢) الصُّبَّةُ والصُّبابة - بالضم - بقية الماء واللبن وغيرهما تبقى في الإناء والسقاء . اللسان ( صبب ). (١) السَّمرة من شجر الطلح ، والجمع سَمُرٌ وسَمُرات وأسمر ، وقيل : ضرب من العضاه ، وقيل : من الشجر صغار الورق قصار الشوك . اللسان ( سمر ) . تقرَّحت : أي تجرّحت من أكل ذلك الورق . اللسان ( قرح ) . (٣) صحيح مسلم ( ٢٩٦٧) (١٤) في الزهد والرقائق. (٤) (٥) كتاب عمر هذا في تاريخ الطبري ( ٥٩٣/٣ ) ، حومة كل شيء : معظمه . اللسان ( حوم ) . (٦) في تاريخ الطبري : إخوتك ؛ تحريف لا بد من تصحيحه . (٧) (٨) في تاريخ الطبري ( ٣/ ٥٩٤) : تستدرجك وتخدعك . في ط : فتصير . وما هنا عن الطبري . (٩) ١٤٧ وفيات سنة ١٤ هـ وفيها ضرب أبا محجن الثقفي في الشراب ) أيضاً سبع مرات ، وضربَ معه ( ربيعة ) بن أمية بن خلف . وفيها نزل سعد بن أبي وقاص بالكوفة . وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب . قال : وكان بمكة عتاب بن أسيد ، وبالشام أبو عبيدة ، وبالبحرين عثمان بن أبي العاص - وقيل : العلاء بن الحضرمي - وعلى العراق سعد، وعلى عُمان حُذَيْفة بن مِحْصَن . ذكرُ منْ تُوفّي في هذا العام من المشاهير [ والأعيان ] ففيها توفي : سعدٌ(١) بن عبادة في قولٍ ، والصحيح في التي قبلها ، والله أعلم . عتبة٢) بن غزوان بن جابر بن أهيب المازني ، حليف بني عبد شمس صحابي بدري ، وأسلم قديماً بعد سنة وهاجر إلى أرض الحبشة ، وهو أول من اختطَّ البصرة عن أمر عمر في إمرته له على ذلك كما تقدم ، وله فضائل ومآثر ، وتوفي سنة أربع عشرة ، وقيل سنة خمس عشرة ، وقيل سنة سبع عشرة ، وقيل سنة عشرين ، فالله أعلم(٣) . وقد جاوزَ الخمسين ، وقيل : بلغَ ستّين سنةً رضي الله عنه . عمرو(٤) بن أمّ مكتوم الأعْمى ، ويقال اسمه عبد الله ، صحابي مهاجري ، هاجر بعد مُصعب بن عُمَيْرِ ، قَبْلَ النبي ◌َِّ، فَكَّان يُقْرىء الناسَ القرآنَ، وقد استخلفه رسول الله وَّر على المدينة غيرَ مرةٍ، فيقال : ثلاث عشرة مرة ، وشهد القادسيَّة مع سعد زمنَ عمر ، فيقال: إنه قُتل بها شهيداً ويقال: إنه(٥) رجع إلى المدينة وتوفي بها ، والله أعلم . (١) ترجمة - سعد بن عبادة - في الاستيعاب (٥٩٤) وجامع الأصول (١٦٨/١٤) وأسد الغابة (٣٥٦/٢ - ٣٥٨) وتهذيب الأسماء واللغات (٩٢/١ -١١٣) ومختصر تاريخ دمشق (٢٣٥/٩ -٢٧٩) وسير أعلام النبلاء (٢٧٠/١ - ٢٧٩) والإصابة (٣٠/٢) وشذرات الذهب (١٦٢/١) وتهذيب تاريخ دمشق لبدران (٨٦/٦ - ٩٣). (٢) ترجمة - عتبة بن غزوان - في الاستيعاب (١٠٢٦) وجامع الأصول (١٤ / ٥١٠ - ٥١١) وأسد الغابة (٥٦٥/٣ - ٥٦٧) وسير أعلام النبلاء (٣٠٤/١ - ٣٠٦) والإصابة (٤٥٥/٢). (٣) في أ : والله . ترجمة - عمرو بن أم مكتوم - في الاستيعاب (١١٩٨) وجامع الأصول (١٤ / ٥٦١ - ٥٦٢) وتهذيب الأسماء (٤) واللغات (٢٩٥/٢ - ٢٩٦) وسير أعلام النبلاء (٣٦٠/١ - ٣٨٤). وأسد الغابة (٢٦٣/٤ - ٢٦٤) والإصابة (٣٢٣/٢ - ٣٢٤). (٥) في أ : بل . ١٤٨ وفيات سنة ١٤ هـ المثنى(١) بن حارثة بن سلمة بن ضمضم بن سعد بن مُرَّة بن ذُهْل بن شيبان الشيباني ، نائب خالد على العراق ، وهو الذي صارت إليه الإمرةُ بعد أبي عُبَيْد يومَ الجسر ، فدارى بالمسلمين حتى خلَّصَهم من الفُرْس يومئذ ، وكان أحد الفرسان الأبطال ، وهو الذي ركبَ إلى الصدّيق فحرضه(٢) على غزو العراق ، ولما تُوفي تزوَّج سعدُ بن أبي وقاص بامرأته سلمى بنت حفص رضي الله عنهما وأرضاهما . وقد ذكره ابن الأثير في كتابه ((الغابة(٣) في أسماء الصحابة(٤) )). أبو زيد الأنصاري النَّجّاري(٥) أحدُ القُرّاء الأربعة الذين حفظوا القرآن من الأنصار في عهد رسول الله ◌ُّل كما ثبت ذلك في حديث أنس بن مالك، وهم معاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وزيد بن ثابت ، وأبو زيد . قال أنس أحد عمومتي . قال الكلبي واسم أبي زيد هذا : قيس بن السَّكن بن قَيس بن زَعُوراء بن ( حَرَامُ(٦) بن) جُنْدب بن غَنْمُ(٧) بن عَديّ بن النَّجَّار شهد بدراً . قال موسى بن عقبة : واستشهد يومَ جسرِ أبي عُبَيْد وهي عنده في سنة أربع عشرة ، وقال بعض النّاس : أبو زيد الذي يجمع القرآن سعد بن عُبَيْد ، وردّوا هذا برواية قتادة عن أنس بن مالك . قال : افتخرتِ الأوسُ والخزرجُ ، فقالت الأوسُ : منّا غسيلُ الملائكة حنظلةُ بن أبي عامر ، ومنَّا الذي حمته الدَّبْر(٨) عاصم بن ثابت بن أبي الأفلحُ(٩)، ومنَّا الذي اهتزَّ له عرشُ الرحمن سعد بن معاذ، ومنا الذى جعلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت . فقالت الخزرجُ: منَّا أربعةٌ جمعوا القرآن (على عهد رسول الله وَهِ) أبيٌّ، وزيد بن ثابت ، ومعاذ، وأبو زيد رضي الله عنهم أجمعين . أبو عُبَيْد بن مسعود ١) بن عمرو الثقفي والد المختار بن أبي عُبَيْد أمير العراق ، ووالد صَفيّة امرأة عبد الله بن عمر . (١) ترجمة - المثنى بن حارثة - في الاستيعاب (١٤٥٦ - ١٤٥٧) وأسد الغابة (٥٩/٥ - ٦٠) والإصابة (٣٦١/٣ - ٣٦٢) . (٢) في أ : يحرضه . كذا في أ ، ط : واسم الكتاب في كل طبعاته : أسد الغابة في معرفة الصحابة . (٣) (٤) أسد الغابة في معرفة الصحابة ( ٥٩/٥ - ٦٠). ترجمة - أبي زيد الأنصاري - في الاستيعاب ( ١٢٩٣) وجامع الأصول (١٧١/١٤ - ١٧٢) وأسد الغابة (٥) (٤٢٧/٤) وسير أعلام النبلاء (٣٣٥/١) والإصابة (٢٥٠/٣) وفي اسمه خلاف . في ط : حزم ؛ وهو تحريف والتصحيح من مصادره ، وضبط اللفظة في جامع الأصول بقوله : حرام : ضد حلال . (٦) (٧) في أ : تميم ؛ تحريف . (٨) قال ابن الأثير : الدّبْر - بسكون الباء - النحل، وهي الزنابير . النهاية (٢ /٩٩). فى أ، ط : الأقلح؛ تحريف . وقد ضبطه ابن الأثير بالحرف في جامع الأصول (١٤ / ٤١٩). (٩) (١٠) ترجمة - أبي عبيد الثقفي - في الاستيعاب (١٧٠٩ - ١٧١٠). ١٤٩ وفيات سنة ١٤ هـ أسلم أبو عبيد(١) في حياة النبي ◌َّ وذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر في الصحابة . قال شيخنا الحافظ أبو عبد الله الذهبي(٢): ولا يبعد أن يكون له رؤية(٣)، والله أعلم. أبو قُحافة والدُ الصدِّيقُ(٤) واسم أبي بكر الصدِّيق عبد الله بن أبي قُحافة عثمان بن عامر بن عمرو(٥) بن كعب بن سَعْد بن تَّيْم بن مُرَّة بن كَعْب بن لُؤَيّ بن غالب ، أسلم أبو قحافة عامَ الفتح فجاء به الصدِّيقُ يقودُه إلى النبيِ وَّ فقال: ((هلا أقررتم الشيخَ في بيته حتى كُنّا نحن نأتيه)) تكرمةً لأبي بكر رضي الله عنه، فقال: بل هو أحقُّ بالسَّعي إليكَ يا رسول الله. فأجلسه رسول الله وَ له بين يديه ورأسه كالثغامة(٦) بياضاً ودعا له، وقال ((غيِّروا هذا الشيب بشيء وجنّبوه السوادَ)(٧). ولما توفي رسول الله وَ لَه وصارت الخلافة إلى الصدِّيق أخبره المسلمون بذلك وهو بمكة ، فقال : أو أقرت بذلك بنو هاشم وبنو مخزوم ؟ قالوا : نعم ! قال : ذلك فضلُ الله يؤتيه من يشاء . ثم أُصيب بابنه الصدِّيق رضي الله عنه . ثم توفي أبو قحافة في محرم وقيل في رجب سنة أربع عشرة بمكة ، عن أربع وسبعين سنة رحمه الله وأكرم مثواه . وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي(٨) من المستشهدين في هذه السنة مرتبين على الحروف أوس بن أوس بن عتيك قُتل يوم الجسر . بشير بن عنبس بن يزيد الظَّفَري ، أُحُديٌّ ، وهو ابنُ عم قتادة بن النعمان ، ويعرف بفارس الحواء اسم فرسه . ثابت بن عتيك ، من بني عمرو بن مبذول ، صحابي قتل يوم الجسر . ثعلبة بن عمرو بن محصن النّجّاري بدري قتل يومئذ . ( الحارث بن عتيك بن النعمان النجاري شهد أحداً قتل يومئذ . الحارث بن مسعود بن عبدة صحابي أنصاري قتل يومئذ . في ط : أبو عبيدة ؛ تحريف . (١) (٢) تاريخ الإسلام (٨/٢) ط: مكتبة القدسي - القاهرة -. (٣) في ط : رواية ؛ تحريف . ترجمة - أبي قحافة والد الصديق - فى الاستيعاب (١٧٣٢ - ١٧٣٣) وأسد الغابة (٣٧٥/٥) والإصابة (٢٢٢/٤) (٤) و( ٨/ ١٥٦). (٥) تصحف في ط إلى صخر . الثغامة : هو نبت أبيض الزَّهر والثمر يشبّه به الشيب . النهاية ( ثغم ). (٦) (٧) الحديث بطوله أخرجه أحمد في مسنده (٣/ ١٦٠) من حديث أنس، والحاكم في مستدركه (٤٦/٣) وابن حبان في صحيحه (١٦ / ١٨٧ - ١٨٨) رقم (٧٢٠٨) من حديث أسماء ، وهو حديث صحيح. (٨) في تاريخ الإسلام (٦/٢ - ٧). ١٥٠ وفيات سنة ١٤ هـ الحارث بن عدي بن مالك أنصاري أُحدي قتل يومئذ ) . خالد بن سعيد بن العاص ، قيل : إنه استشهد يوم مرج الصفر ، وكان في سنة أربع عشرة في قولٍ . خزيمة بن أوس الأَشْهَلي قتل يوم الجسر . ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب أرخ وفاته في هذه السنة ابنُ قانع . زيد بن سراقة يوم الجسر . سعد بن سلامة بن وقش الأشْهلي . سعد بن عبادة في قول . سلمة بن أسلم بن حَرِيش يوم الجسر . ضمرة بن غزية يوم الجسر . عبّاد وعبد الله وعبد الرحمن بنو مِرْبَع بن قيظي قتلوا يومئذ . عبد الله بن صعصعة بن وهب الأنصاريّ النَّجَّاري ، شهد أحداً وما بعدها . قال ابن الأثير في الغابة (١) : وقتل يوم الجسر . عتبة بن غزوان تقدم . عقبة وأخوه عبد الله حضرا الجسر مع أبيهما قيظي بن قيس وقتلا يومئذ . العلاء بن الحضرمي توفي في هذه السنة في قول وقيل بعدها وسيأتي . عُمر (٢) بن أبي اليَسَر قتل يوم الجسر . قيس بن السكن أبو زيد الأنصاري رضي الله عنه تقدم . المثنى بن حارثة الشيباني ، توفي في هذه السنة رحمه الله وقد تقدم . نافع بن غيلان قتل يومئذ . نوفل بن الحارث بن عبد المطلب وكان أسنَّ من ( عمه ) العباس ، قيل إنه توفي في هذه السنة والمشهور قبلها كما تقدم . واقد بن عبد الله قتل يوم [ الجسر (٣) . (١) أسد الغابة (١٨٥/٣). (٢) في ط: ((عمرو))، وما أثبتناه من خط الذهبي في تاريخ الإسلام (الورقة ٢٠١ كم مجلد أيا صوفيا ٣٠٠٥) وهو المصدر الذي ينقل منه المصنف . (٣) بياض في أ. وقد توفي واقد بن عبد الله في خلافة عمر كما في الاستيعاب (١٥٥١) وأسد الغابة (٤٣٣/٥) = ١٥١ وفيات سنة ١٤ هـ يزيد بن قيس بن الخَطِيم الأنصاري الظفري(١) شهد أحداً وما بعدها ، قتل يوم الجسر ، وقد أصابه يوم أُحُدٍ جراحاتٌ كثيرةٌ ، وكان أبوه شاعراً مشهوراً . أبو عُبَيْد بن مسعود الثقفي أمير يوم الجسر وبه عرف لقتله عنده ، تخبّطه الفيل حتى قتله رضي الله عنه بعدما قطع بسيفه خرطومه كما تقدم . أبو قحافة التَّيْمي والد أبي بكر الصدِّيق ، توفي في هذه السنة رضي الله عنه . هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن أمية الأموية ، والدة معاوية بن أبي سفيان ، وكانت من سيدات نساء قريش ذات رأي ودهاءٍ ورياسة في قومها ، وقد شهدت يوم أَحُد مع زوجها وكان لها تحريض على قتل المسلمين يومئذ ، ولما قُتل حمزة مَثَلَتْ به وأخذت من كبده فلاكَتْها فلم تستطع إساغتها ، لأنه كان قد قتل أباها وأخاها يوم بدر ، ثم بعد ذلك كله أسلمت وحَسُنَ إسلامها عام الفتح ، بعد زوجها بليلةٍ . ولما أرادت الذهاب إلى رسول الله وم له لتبايعه استأذنت أبا سفيان فقال لها: قد كنت بالأمس مكذِّبة بهذا الأمر ، فقالت والله ما رأيت الله عُبد حقَّ عبادته بهذا المسجد قبل هذه الليلة ، والله لقد باتوا ليلهم(٢) كلّهم يُصَلّون فيه . فقال لها : إنك قد فعلتِ ما فعلتِ فلا تذهبي وحدك . فذهبت إلى عثمان بن عفان ويقال إلى أخيها أبي حذيفة بن عتبة فذهب معها، فدخلت وهي مُتَنَقِّبَه(٣)، فلما بايعها رسولُ اللهَمَل مع غيرها من النساء قال: (( على أن لا تُشْركْنَ بالله شيئاً ولا تَسْرُقْنَ ولا تَزْنين)) فقالت: أوتزني الحرة ؟ ((ولا تقتلن أولادكن)) قالت: قد ربيناهم صغاراً نقتلهم كباراً؟! فتبسم رسول الله مح لول، ((ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك)(٤) فبادرت وقالت : في معروف . فقال : في معروف(٥) . وهذا من فصاحتها وحزمها . وقد قالت لرسول الله بَله: والله يا محمد ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلوا من أهل خبائك ، فقد والله أصبح(٦) اليوم وما على ظهر الأرض من أهل خباء أحب إليّ من أن يعزّوا من أهل خبائك . فقال : وكذلك والذي نفسي بيده . وشَكَتْ من شُحِّ أبي سفيان فأمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي وتاريخ الإسلام (٩/٢) وقال الذهبي قتل يومئذ - يقصد يوم الجسر -. وقال ابن حجر في الإصابة: مات واقد هذا = في أول خلافة عمر ( ٦٢٨/٣). في أ: الطفوي، وهو تحريف ، والتصحيح من الاستيعاب (١٥٧٨) وتاريخ الإسلام (٩/٢). (١) (٢) في أ : ليلتهم . تنقبت المرأة وانتقبت : وضعت النقاب . اللسان ( نقب ) . (٣) (٤) في أ : يعصين . (٥) أخرج الحديث ابن سعد في الطبقات (٨/ ٢٣٧) وقال ابن حجر في الإصابة : سنده صحيح . (٦) في أ : أمسى ، وما هنا عن مصادر الحديث . ١٥٢ أحداث سنة ١٥ هـ - وقعة مرج الروم - وقعة حمص الأولى بنيها بالمعروف (١) . وقصتها مع الفاكه بن المغيرة مشهورة ، وقد شهدت اليرموك مع زوجها . وماتت يومَ ماتَ أبو قُحافة في سنة أربع عشرة ، وهي أم معاوية بن أبي سفيان . ثم دخلت سنة خمس عشرة قال ابن جرير(٢): قال بعضهم فيها مَصَّر سعدُ بن أبي وقاص الكوفةَ، دلَّهم عليها ابن بُقيلةُ(٣) ، قال لسعد : أدلُّكَ على أرضِ ارتفعت عن البَقِّ ، وانحدرتْ عن الفلاة ؟ فدلَّهم على موضع الكوفة اليوم . [ وقعة مرج الروم ] قال : وفيها كانت وقعةُ مرج الرُّوم ، وذلك لما انصرف أبو عبيدة وخالدٌ من وقعة فِحْل قاصدين إلى حمص حسب ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كما تقدم في رواية سيف بن عمر ، فسارا حتَّى نزلا على ذي الكَلاع ، فبعث هرقل بطريقاً يقال له توذَر(٤) في جيش معه ، فنزل بمرج دمشق وغربها ، وقد هجم الشتاءُ ، فبدأ أبو عبيدة بمرج الرُّوم ، وجاء أمير آخر من الروم يقال له شنس(٥) وعسكرٌ معه كثيفٌ ، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذَرا ، فسار توذَرا نحو دمشق لينازلها وينتزعها من يزيد بن أبي سفيان ، فاتَّبعه خالد بن الوليد وبرز إليه يزيد بن أبي سفيان من دمشق ، فاقتتلوا وجاء خالد ، وهم في المعركة ، فجعل يقتلهم من ورائهم ويزيد يفصل فيهم من أمامهم ، حتى أناموهم٦) ولم يفلت منهم إلا الشارد ، وقتل خالد توذَرا وأخذوا من الروم أموالً عظيمة فاقتسماها ورجع يزيد إلى دمشق وانصرف خالد إلى أبي عبيدة ، فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلةً عظيمةً حتى أنتنت الأرض من زَهَمِهمُ(٧) ، وقَتَلَ أبو عبيدة شنسَ وركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها . وقعة حمص الأولى لما وصلَ أبو عبيدة في اتّباعه الروم المنهزمين إلى حمص ، نزل حولها يحاصرها ، ولحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصاراً شديداً ، وذلك في زمنِ البردِ الشديدِ ، وصابرَ أهلُ البلد رجاء أن يصرفَهم عنهم شدة البرد ، وصبرَ الصحابةُ صبراً عظيماً بحيث إنه ذكر غيرُ واحدٍ أنّ من الروم منْ كان يرجع وقد سقطت الحديث رواه البخاري في صحيحه (٦٦٤١) في الأيمان والنذور، ومسلم في صحيحه (١٧١٤) (٩) في الأقضية. (١) (٢) في تاريخه ( ٥٩٨/٣ ) . في أ : مقيلة ؛ وهو تحريف . (٣) في أ : بوذرا . وما هنا موافق للطبري . (٤) في أ : سيس . وما هنا موافق للطبري . (٥) قال الزمخشري : ومن المجاز : نام الرجل مات . أساس البلاغة ( نوم ) . (٦) الزهم : الريح المنتنة ، أراد أن الأرض تنتن من جيفهم . اللسان ( زهم ) . (٧) ١٥٣ وقعة قِنسرين رجله وهي في الخفّ ، والصحابةُ ليس في أرجلهم شيءٌ سوى النِّعال ، ومع هذا لم يُصَبْ منهم قدَمٌ ولا أصبعٌ أيضاً، ولم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتدَّ الحصارُ ، وأشارَ بعضُ كبار أهل حمص عليهم بالمُصالحة ، فأبوا عليه ذلك وقالوا : أنصالحُ والملكُ منا قريبٌ ؟ فيقال : إن الصحابةَ كبّروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجَّت منها المدينة حتى تَفَطَّرت منها بعض الجدران ، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور ، فجاءت عامتُهم إلى خاصَّتهم فقالوا : ألا تنظرون إلى ما نزل بنا ، وما نحن فيه ؟ ألا تصالحون القومَ عنا ؟ قال : فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق ، على نصف المنازل ، وضرب الخراج على الأراضي ، وأخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى والفقر(١). وبعث أبو عبيدة بالأخماس والبشارة إلى عمر مع عبد الله بن مسعود . وأنزل أبو عبيدة بحمص جيشاً كثيفاً يكون بها مع جماعة من الأمراء ، منهم بلال والمقداد٢) وكتب أبو عبيدة إلى عمر، يخبره بأنَّ هرقلَ قد قطع الماء إلى الجزيرة وأنه يظهرُ تارةً ويخفى أخرى . فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده . وقعة قِنَّسْرین لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قِنَّسْرين ، فلما جاءها ثار إليه أهلُها ومنْ عندهم من نصارى العرب ، فقاتلهم خالدٌ ( فيها ) قتالاً شديداً، وقتل منهم خلقاً كثيراً ، فأما منْ هناك من الروم فأبادهم وقتل أميرهم ميتاس(٣) . وأما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأنَّ هذا القتالَ لم يكن عن رأينا فقبل منهم خالدٌ وكفَّ عنهم ثم خلصَ إلى البلدِ فتحصَّنوا فيه(٤) ، فقال لهم خالد : إنكم لو كنتم في السَّحاب لحَمَلنا اللهُ إليكم أو لأنزلكم إلينا . ولم يزَلْ بهم حتى فَتَحها الله عليه ولله الحمد . فلما بلغَ عمرُ ما صنعهُ خالدٌ في هذه الوقعة قال : يرحمُ الله أبا بكر ، كان أعلمَ بالرجالِ مِنِّي ، واللهِ إنّي لم أعزلْهُ عن ريبةٍ ولكن خشيتُ أن يُوكلَ الناسُ إليه . وفي هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده ، وارتحلَ عن بلاد الشام إلى بلاد الروم . هكذا ذكره ابن جرير(٥) ، عن محمد بن إسحاق قال : وقال سيف : كان ذلك في سنة ست عشرة ، قالوا : وكان هرقل كلَّما حجَّ إلى بيت المقدس وخرجَ منها يقولُ : عليكِ السلامُ يا سورية ، تسليم مُودِّعٍ لم يَقْضِ منك وطره وهو عائدٌ . فلما عزم على الرحيلِ من الشام وبلغَ الُها ، طلبَ من أهلها أن يصحبوه إلى الروم ، فقالوا : إن بقاءَنا هاهنا أنفعُ لكَ من رحيلنا معك، فتركَهم . فلما وصل إلى شمشاط(٦) وعلا على شرف هنالك في أ : بحسب الغني والفقير . (١) فى أ : بلال بن المقدام، وفيها زيادة وتحريف . والخبر في تاريخ الطبري ( ٣/ ٦٠٠). (٢) في أ : سيناس وفي تاريخ الطبري ( ٦٠١/٣) ورد الاسم مرتين وبشكلين مختلفين فمرة ميناس وأخرى ميناس . (٣) (٤) في أ : منه . (٥) في تاريخه ( ٦٠٣/٣ ). (٦) في ط ؛ شمشان ؛ خطأ ، وما هنا عن الطبري ، وهي مدينة بالروم على شاطىء الفرات. معجم البلدان (٣/ ٣٦٢). ١٥٤ وقعة قِنسرين التفت إلى نحو بيت المقدس وقال : عليكِ السلامُ يا سوريةُ سلاماً لا اجتماع بعده إلا أن أسلِّمَ عليكِ تسليمَ المُفارقِ ، ولا يعودُ إليكِ روميٌّ أبداً إلا خائفاً حتى يولدَ المولودُ المشؤومُ ، ويا ليتَهُ لم يولدْ . ما أحْلَى فعله وأمرَّ عاقبته على الروم !! ثم سار هرقلُ حتى نزلَ القسطنطينيةَ واستقرّ بها ملكه ، وقد سأل رجلاً ممَّن اتّبعه كان قد أُسِرَ مع المسلمين ، فقال : أخبرني عن هؤلاء القوم ، فقال : أخبركَ كأنَّك تنظرُ إليهم ، هم فرسانٌ بالنهارِ ، رهبانٌ بالليلِ ، لا يأكلون في ذمتهم إلَّ بثمنٍ ، ولا يدخلون إلَّ بسلام، يقفونَ على منْ حاربوه حتى يأتوا عليه . فقال : لئن كنت صدقتني ليملكن(١) موضعَ قدميَّ هاتين(٢) قلتُ : وقد حاصرَ المسلمون قسطنطينية في زمانٍ بني أميةَ فلم يملكوها ولكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم ، وذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحَّتْ به الأحاديث عن رسول اللّه مَ ◌ّل في صحيح مسلم(٣) وغيره من الأئمة ، ولله الحمد والمنة. وقد حرّم الله على الروم أن يملكوا بلادَ الشام برُمَّتها إلى آخر الدهر ، كما ثبت به الحديث في الصحيحين(٤) عن أبي هريرة قال قال رسول الله وَ له: ((إذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصرُ فلا قيصرَ بعده ، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله عزَّ وجلَّ )(٥) . وقد وقع ما أخبر به صلوات الله وسلامه عليه كما رأيت ، وسيكون ما أخبر به جزماً لا يعود ملكُ القياصرة إلى الشام أبداً لأنّ قيصرَ علَمُ جنسٍ عند العرب يُطلق على كلٍّ منْ ملكَ الشَّام مع بلاد الروم ، فهذا لا يعود لهم أبداً . في تاريخ الطبري : ليرتُنّ . (١) (٢) في أ : قدمي هذا . صحيح مسلم ( ٢٨٩٧) (٣٤) في الفتن وأشراط الساعة، وأخرجه أيضاً ابن حبان في صحيحه (٢٢٤/١٥) رقم (٣) (٦٨١٣) في كتاب التاريخ بنفس السند والسياق ونص الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله وم لوقال: لا تقوم الساعة حتى ينزل الرومُ بالأعماق ، أو بدابق : فيخرج إليهم جيش من المدينة ، من خيار أهل الأرض يومئذ ؛ فإذا تصافّوا قالت الروم : خلوا بيننا وبين الذين سَبَوْا منا نقاتلهم . فيقول المسلمون : لا والله ! لا نخلِّي بينكم وبين إخواننا فيقاتلونهم فينهزم ثلث لا يتوب الله عليهم أبداً ، ويقتل ثلثهم ، أفضل الشهداء عند الله ، ويفتتح الثلث . لا يفتنون أبداً ، فيفتتحون قُسْطَنْطينية . فبينما هم يقتسمون الغنائم ، قد علقوا سيوفهم بالزيتون ؛ إذ صاح فيهم الشيطان : إن المسيح قد خلفكم في أهليكم فيخرجون وذلك باطل ، فإذا جاؤوا الشام خرج - يعني الدجال - فبينما هم يُعِدُّون للقتال ، يُسؤُون الصفوف ، إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم عليه السلام ؛ فأمَّهم . فإذا رآه عدو الله ذاب كما يذوب الملح في الماء ، فلو تركه لانذاب حتّى يهلك . ولكن يقتله الله بيده ، فيُريهم دمه في حربته . وقد فتح الله القسطنطينية للمسلمين على يد السلطان العثماني محمد الفاتح عام ٨٥٧ للهجرة النبوية . (٤) البخاري في صحيحه (٣٦١٨) في المناقب، ومسلم في صحيحه (٢٩١٨) في الفتن . وهو أيضاً عند أحمد فى مسنده (٢/ ٢٣٣ و٢٤٠، والترمذي (٢٢١٦)، وابن حبان في صحيحه (١٥/ ٨٣) رقم (٥) ( ٦٦٨٩ ) . ١٥٥ وقعة قيسارية - وقعة أجنادين وقعة قَيْساريَّةُ(١) قال ابن جرير(٢) : وفي هذه السنة أمَّر عمر معاوية بن أبي سفيان على قَيْساريّة وكتب إليه : أما بعدُ فقد ولَّيْتُكَ قَيْسَارِيَّة فسرْ إليها واستَنْصِرِ اللَ عليهم ، وأكْثِرْ منْ قولِ لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم ، اللهُ ربّنا وثقَتنا ورجاؤُنا ومولانا فنعمَ المولى ونعم النَّصير. فسار إليها فحاصرها، وزاحَفَه أهلُها مراتٍ عديدةً ، وكان ( آخرها ) وقعةً أن قاتلوا قتالاً عظيماً، وصمَّمَ عليهم معاوية ، واجتهدَ في القتالِ حتّى فتحَ اللهُ عليه فما انفصل الحال (٣) حتى قتلَ منهم نحواً من ثمانين ألفاً، وكمَّلَ المئة الألف من الذين انهزموا عن المعركة ، وبعثَ بالفتح والأخماسِ إلى أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه . قال ابن جرير(٤) : وفيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيلياء ، ومناجزة صاحبها ، فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت(٥) : وقعة أجنادين(٦) وذلك أنه(٧) سار بجيشه وعلى ميمنته ابنُهُ عبدُ الله بن عمرو ، وعلى مَيْسرته جُنادةٌ بن تميم المالكي ، من بني مالك بن كنانة ، ومعه شُرَحبيلُ بن حَسَنة ، واستخلفَ على الأردن أبا الأعور السُّلمي ، فلما وصلَ إلى الرَّملة وجدَ عندها جَمْعاً من الرُّوم عليهم الأرطبون ، وكان أدْهى الرُّوم وأبعدها غَوْراً ، وأنكاها فِعْلاً ، وقد كان وضعَ بالرملةِ جُنْداً عظيماً وبإيلياء جُنْداً عظيماً ، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر . فلما جاءهُ كتابُ عمرو قال: قد رَمَيْنا أرْطَبونَ الرُّوم بأرْطبون العَرَبِ، فانظروا عما تنفرجُ(٨) . وبعثَ عمرُو بن العاص علقمةَ بن حكيم الفراسيّ ، ومسروقَ (٩) بن بلال العكّي على قتالِ أهلِ إيلياء . وأبا أيوبّ المالكي إلى الرملةِ ، وعليها التَّذارق ، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص وجيشه ، وجعل عمرو كلما قدم عليه إمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفةً إلى هؤلاء وطائفة إلى هؤلاء . وأقام عمرو على أجنادين (١) قيسارية: بلد على ساحل بحر الشام تُعد في أعمال فلسطين بينها وبين طبرية ثلاثة أيام. معجم البلدان (٤/ ٤٢١). (٢) في تاريخه ( ٦٠٣/٣) والخبر أيضاً في الكامل لابن الأثير (٢/ ٤٩٧). (٣) في أ : انفصل منهم . (٤) في تاريخه (٦٠٥/٣) والخبر أيضاً في الكامل لابن الأثير (٢/ ٤٩٨). (٥) في أ : وكانت . (٦) أجنادين : موضع معروف بالشام من نواحي فلسطين ، كانت به وقعة مشهورة بين المسلمين والروم . معجم البلدان (١٠٣/١). في أ : وذلك أنه لما سار . (٧) في تاريخ الطبري (٦٠٥/٣) تتفرّج . (٨) (٩) في أ: الفارسي ومروان بن بلال العلي. وفي تاريخ الطبري ( ٦٠٥/٣) والكامل لابن الأثير (٤٩٨/٢) ومسروق ابن فلان العکي ١٥٦ دخل عمر الشام أربع مرات لا يقدر من الأرطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل فوليه بنفسه ، فدخل عليه كأنه رسولٌ ، فأبلغه ما يريدُ وسمعَ كلامَه وتأمل حضرته (١) حتى عرف ما أراد ، وقال الأرطبون في نفسه : والله إنَّ هذا لعمرو أو أنَّه الذي يأخذُ عمرو برأيه، وما كنتُ لأصيبَ القومَ بأمرٍ هو أعظم من قتله . فدعا حَرَسِيًّا فسارَّه فأمره بقتله (٢) فقال : اذهب فقم في مكان كذا وكذا ، فإذا مر بك(٣) فاقتله ، ففطن عمرو بن العاص ، فقال للأرطبون : أيها الأميرُ إني قد سمعتُ كلامَكَ وسمعتَ كلامي ، وإني واحدٌ من عشرة بعثنا عمرُ بن الخطابِ لنكونَ مع هذا الوالي لنشهدَ أمورَهُ ، وقد أحببتُ أن آتيكَ بهم ليسمَعُوا كلامَكَ ويروا ما رأيتَ . فقال الأرطبون : نعم ! فاذهبْ فأتني بهم ، ودعا رجلاً فسارَّه فقال: اذهب إلى فلانٍ فردَه . وقام عمرو فذهبَ إلى جيشه ثم تحقَّق الأرطبونُ أنه عمرُو بن العاص ، فقال : خَدَعني الرجلُ ، هذا والله أدهَى العربِ . وبلغت عمرَ بن الخطاب فقال : لله در عمرو . ثم ناهضه عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالًاً عظيماً ، كقتال اليرموك ، حتى كثرتِ القتلى بينهم ثم اجتمعت بقيةُ الجيوشِ إلى عمرو بن العاص ، وذلك حين أعياهم صاحب إيلياء وتحصَّنَ منهم بالبلدِ ، وكثُر جيشُه ، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنَّكَ صديقي ونظيري أنت في قومك مثلي في قومي ، والله لا تفتحُ من فلسطين شيئاً بعد أجنادين فارجع ولا تغرَّ فتلقى مثلَ ما لقي الذين قبلك من الهزيمة ، فدعا عمرو رجلاً يتكلم بالرُومية ، فبعثه إلى أرطبون وقال : اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني . وكتبَ إليه معه : جاءني كتابُكَ وأنتَ نظيري ومثلي في قومك ، لو أخطأَتْكَ خَصْلَةٌ تجاهلت فضيلتي وقد علمتَ أنّي صاحب فتح هذه البلاد ، وأقرأ كتابي هذا بمحضرٍ من أصحابك ووزرائك . فلما وصله الكتاب جمع وزراءه ، وقرأ عليهم الكتاب . فقالوا للأرطبون : من أين علمتَ أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد ؟ فقال : صاحبُها رجلٌ اسمه على ثلاثة أحرف . فرجع الرسولُ إلى عمرو فأخبره بما قال . فكتب عمرو إلى عمر يستمده ويقول له : إني أعالج حربا٤) كؤوداً صدوماً ، وبلاداً أدخرَتْ لكَ، فرأيكَ . فلما وصل الكتاب إلى عُمر علم أن عَمْراً لم يقل ذلك إلا لأمرٍ علمه ، فعزم عمرُ على الدخول إلى الشام لفتح بيتِ المقدسِ كما سنذكر تفصيله . [ دخل عمر الشامَ أربع مرات ] قال سيفُ بن عمر عن شيوخه : وقد دخل عمرُ الشام أربعَ مراتٍ ، الأولى كان راكباً فرساً حين فتح بيت المقدس ، والثانية على بعيرٍ ، والثالثة وصلَ إلى سَرْعُ(٥) ثم رجع لأجل ما وقعَ بالشام في أ: خصومة. وفي تاريخ الطبري (٦٠٥/٣): حصونه. وهي الأشبه . (١) (٢) في ط : بفتکه . (٣) في أ : فإذا أمرتك . في أ : كرباً . (٤) (٥) في ط : سرع . وسرغ : هو أول الحجاز وآخر الشام بين المغيثة وتبوك من منازل حاج الشام ، وهناك لقي عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمراء الأجناد . معجم البلدان ( ٣/ ٢١١ - ٢١٢). ١٥٧ فتح بيت المقدس من الوباء . والرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه(١) فَتْحُ بيتِ المَقْدسِ على يَدَيْ عُمرَ بن الخطّابِ ذكره أبو جعفر بن جرير(٢) في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر ، ومُلَخَّص ما ذكره هو وغيره : أنّ أبا عبيدة لما فرغَ من دمشق كتبَ إلى أهل إيلياءُ(٣) يدعوهم إلى الله وإلى الإسلام ، أو يبذلون الجزيةَ أو يؤذنوا بحربٍ . فأبَوْا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه . فركبَ إليهم في جنوده واستخلفَ على دمشق سعيدَ بن زَيْد ، ثم حاصرَ بيت المَقْدس وضيَّقَ عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرطِ أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب . فكتب إليه أبو عبيدة بذلك ، فاستشار عمر الناسَ في ذلك ، فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركبَ إليهم ليكونَ أحقرَ لهم وأرغمَ لأنوفهم ، وأشار عليٍّ بن أبي طالب بالمسير إليهم ليكونَ أخفَّ وطأةً على المسلمين في حصارهم بينهم ، فهوي ما قالَ عليّ ، ولم يهو ما قال عثمان . وسار بالجيوش نحوهم واستخلف على المدينة عليّ بن أبي طالب ، وسار العباس بن عبد المطلب على مقدمته ، فلما وصل إلى الشام تَلقّاه أبو عبيدة ورؤوسُ الأمراءِ ، كخالد بن الوليد ، ويزيد بن أبي سفيان ، فترجَّل أبو عبيدة ، وترجَّل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبّل يد عمر فهم عمرُ بتقبيل رِجلٍ أبي عبيدة ، فكفَّ عمر . ثم سار حتى صالحَ نصارى بيت المقدس ، واشترطَ عليهم إجلاء الروم إلى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الذي دخل منه رسول الله ليلةَ الإسراء . ويقال إنه لبَّى حينَ دخل بيت المقدس فصلَّى فيه تحية المسجد بمحراب داود ، وصلَّى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص وسجد فيها والمسلمون معه ، وفي الثانية بسورة بني إسرائيل ، ثم جاء إلى الصخرة فاستدلّ على مكانها من كعب الأحبار ، وأشار عليه كعب أن يجعلَ المسجد من ورائه(٤) ، فقال : ضاهيت اليهودية . ثم جعل المسجد في قِبْلِي بيت المقدس ، وهو العُمَريّ اليوم ، ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه وقبائه ، ونقل المسلمون معه في ذلك ، وسخّر أهل الأردن في نقل بقيتها ، وقد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلةً لأنها قبلة اليهودِ ، حتى إنَّ المرأة كانت ترسلُ خرقةَ حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة ، وذلك مكافأة لما كانت اليهودُ عاملتْ به القمامةَ ، وهي المكانُ الذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوبَ فجعلوا يُلْقون على قبره القمامة ، فلأجل ذلك سُمّ ذلك الموضع القمامة وانسحبَ هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى هنالك . وقد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبويّ ، وهو بإيلياء ، وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء في تاريخه ( ٣/ ٦٠٧) و(٤ / ٥٧). (١) (٢) في تاريخه ( ٣/ ٦٠٧). إيلياء : اسم مدينة بيت المقدس : قيل معناه : بيت الله . (٣) في أ : من ورائها . (٤) ١٥٨ فتح بيت المقدس الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود ، قال لهم : إنكم لخليقٌ أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد ، كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ، ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون، فأزالها عمر بن الخطاب وقد استقصى هذا كله بأسانيده ومتونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبي القاسم بن عساكر في كتابه (( المستقصى في فضائل المسجد الأقصى )). وذكر سيفّ(١) في سياقه: أن عمر رضي الله عنه ركبَ من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها عليَّ بن أبي طالب ، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها وخطبَ بالجابية خطبةً طويلةً بليغةً منها: (( أيها الناسُ أصْلحُوا سَرائرَكُمْ تَصْلُحْ علانيتُكُمْ، واعملُوا لآخرتِكُمْ تُكْفَوا أمرَ دنياكم ، واعلموا أن رجلاً ليس بينه وبين آدم أبٌّ حيُّ، ولا بينه وبين الله هوادةٌ ، ((فمن أراد بُحْبُوحَةً(٢) الجنة فليلزم الجماعة ، فإنّ الشيطانَ مع الواحدِ وهو مع الاثنين أبعد ، ولا يخلون أحدُكم بامرأةٍ فإنَّ الشيطانَ ثالثُهما، ومن سرَّتْهُ حَسَنْتُهُ وساَءَتْهُ سَيِّئْتُهُ فهو مؤمن)(٣) . وهي خطبةٌ طويلةٌ اختصرناها . ثم صالح عمرُ أهلَ الجابية ورحل إلى بيتِ المَقْدسِ وقد كتب إلى أمراءِ الأجْنادِ أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافَوْا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية ، فكان أول من تلقاه يزيد بن أبي سفيان ، ثم أبو عبيدة ، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين وعليهم يلامقُ(٤) الدِّيباح، فسار إليهم عمر ليحصبهم(٥) فاعتذروا إليه بأنَّ عليهم السلاحَ ، وأنهم يحتاجون إليه في حروبهم . فسكت عنهم واجتمعَ الأمراءُ كلهم بعد ما استخلفوا على أعمالهم ، سوى عمرو بن العاص وشُرَحبيل فإنهما مواقفان(٦) الأرطبون بأجنادين . فبينما عمر في الجابية إذا بكُردوس من الروم بأيديهم سيوفٌ مُسلَّلة ، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر : إن هؤلاء قومٌ يستأمنون . فساروا نحوهم فإذا هم جندٌ من بيت المقدس يطلبون الأمانَ والصلحَ من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه ، فأجابهم عمرُ رضي الله عنه إلى ما سألوا ، وكتب لهم كتابَ أمانٍ ومصالحة ، وضرب عليهم الجزيةَ ، واشترطَ عليهم شروطاً ذكرها ابن جرير(٧) ، وشهد في الكتاب خالد بن الوليد ، وعمرو بن العاص ، وعبد الرحمن بن عوف ، ومعاوية بن أبي سفيان ، وهو كاتب الكتاب ، وذلك في سنة خمسة عشر . (١) تاريخ الطبري ( ١١١/٣). في الأصل والمطبوع : لحب وجه ، وهو تحريف والتصحيح من مسند أحمد وغيره . (٢) الخطبة: أوردها الإمام أحمد في مسنده (١٨/١ و٢٦). والترمذي رقم (٢١٦٥) وابن ماجه رقم (٢٣٦٣) . (٣) (٤) يلامق : جمع يَلْمق وهو القَباء نوع من الثياب . اللسان ( يلمق - قبا) . يحصبهم : يرميهم بالحصباء ، وهو الحصى الصغار. النهاية (٣٩٣/١ - ٣٩٤). (٥) (٦) واقفه مواقفة ووقافاً : وقف معه في حرب أو خصومة . اللسان ( وقف ) . (٧) في تاريخه (٦٠٩/٣) . ١٥٩ فتح بيت المقدس ثم كتب لأهل لُد١ِّ) ومَنْ هنالك من الناس كتاباً آخر وضربَ عليهم الجزيةَ، ودخلوا فيما صالحَ عليه أهل إيلياء ، وفرّ الأرطبون إلى بلاد مصر ، فكان بها حتى فتحَها عمرو بن العاص ، ثم فرَّ إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين ، فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي وقتله القيسي وقال في ذلك : [ من البسيط ] فإنَّ فيها بحمدِ اللهِ مُنْتَفعا فإنْ يكنْ أرطبونُ الرُّومِ أَفْسدها فقد تركتُ ( بها ) أوصالَه قِطَعا وإنْ يكنْ أرطبونُ الروَمِ قَطَّعها ولما صالح أهلُ الرملة وتلك البلاد ، أقبلَ عمرو بن العاص وشُرَحْبيل بن حَسَنة حتى قدما الجابيةَ فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكباً ، فلما اقتربا منه أكبًا على ركبتيه فقَّلاها واعتنقهما عمر معاً رضي الله عنهم . قال سيف(٢): ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية وقد توحّى(٣) فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج(٤) به فنزل عنه وضرب وجهه ، وقال : لا علّم الله من علَّمك ، هذا من الخيلاء ، ثم لم يركب برذوناً قبله ولا بعده ، ففُتحت إيلياء وأرضُها على يديه ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو . وقيسارية فعلى يدي معاوية . هذا سياق سيف بن عمر ، وقد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة . قال محمد بن عائذ : عن الوليد بن مسلم ، عن عثمان بن حصن بن علان ، قال يزيد بن عبيدة : فتحت بيت المَقْدس سنةَ ستَّ عشرةَ ، وفيها قدم عمرُ بن الخطاب الجابية . وقال أبو زرعة الدمشقي (٥): عن دُحَيم ، عن الوليد بن مسلم قال : ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سَرْعُ(٦) ، ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الأمراء وسلّموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال فقسَّمها وجنَّد الأجناد ومصَّر الأمصار ثم عاد إلى المدينة . وقال يعقوب بن سفيان(٧) : ثم كان فتح الجابية وبيت المقدس سنة ست عشرة . وقال أبو معشر : ثم (١) لدُّ: قرية قرب بيت المقدس من نواحي فلسطين ببابها يدرك عيسى بن مريم الدجال فيقتله. معجم البلدان (١٥/٥). (٢) تاريخ الطبري ( ٦١٠/٣). الوحَى : العجلة ، وتوحّى : أسرع . اللسان ( وحي ) وفي تاريخ الطبري : يتوجّى . (٣) وقال محققه : وجى الفرس وتوجى إذا وجد وجعاً في حافره . (٥) الهَمْلجة والهملاج : الحسن السير في سرعة وبخترة . اللسان ( هملج ) . (٤) تاريخ أبي زرعة الدمشقي ( ص١٧٨ ) . في أ، ط : سرع ؛ خطأ والصحيح ما أثبت ، وقد مر التعريف بها قبل صفحات . (٦) (٧) المعرفة والتاريخ (٢٩/١) طبعة مؤسسة الرسالة ، والخبر من القسم المفقود وهو من استدراكات المحقق. ١٦٠ فتح بيت المقدس كان عَمَواس والجابية في سنة ستَّ عشرة . ثم كانت سَرْغ في سبع عشرة ، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة، قال: وكان فيها طاعون عَمَواس - يعني فتح البلدة المعروفة بعَمَواسُ(١) - فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريباً إن شاء الله تعالى . قال أبو مخنف(٢): لمَّا قدمَ عمرُ الشامَ فرأى غوطةَ دمشق ونظر إلى المدينة والقصور والبساتين تلا قوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوْ مِن جَنَّتٍ وَعُيُونٍ ﴿يَا وَزُرُوعِ وَمَقَامِ كَرِيمٍ (٢) وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَكِهِينَ الْجَلَ كَذَلِكٌ وَأَوْرَثْنَهَا قَوْمًا ءَآخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. ثم أنشد قول النابغة(٣). [ من الطويل ] نهارٌ وليلٌ يلحقانِ التَّواليا هُما فَتَيا دَهْرٍ يَكُرُ عليهما أناخا بهم حتى يُلاقوا الدَّواهيا إذا ما هُما مَرّا بحيٍّ بغبطةٍ وهذا يقتضي بادئ الرأي أنه دخلَ دمشقَ وليس كذلك ، فإنّه لم ينقل أحدٌ أنه دخلها في شيء من قدَماته الثلاث إلى الشام ، أما الأولى وهي هذه فإنه سارَ من الجابية إلى بيت المقدس ، كما ذكر سيف وغيره والله أعلم ، وقال الواقدي : أما رواية غير أهل الشام فهي أنَّ عمرَ دخلَ الشامَ مرتين ورجع الثالثةَ من سَرْغ سنة سبع عشرة ، وهم يقولون دخلَ في الثالثة دمشق وحمص وأنكر الواقديُّ ذلك . قلت : ولا يعرف أنّه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته . وقد روینا أن عمر حين دخلَ بيتَ المقدس سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال : يا أميرَ المؤمنين أذرع ( من ) وادي جهنّم كذا وكذا ذراعاً فهي ثمَّ . فذرعوا فوجدوها ، وقد اتَّخذها النَّصارى مَزْبلةً ، كما فعلتِ اليهودُ بمكانِ القُمامة ، وهو المكانُ الذي صُلب فيه المَصْلوب الذي شُبِّه بعيسى فاعتقدتِ النصارى واليهودُ أنه المسيحُ . وقد كذَّبوا في اعتقادهم هذا كما نصَّ الله تعالى على خطئهم في ذلك . والمقصودُ أنَّ النصارى لما حكِّموا على بيت المقدس قبلَ البعثة بنحوٍ من ثلاثمئة سنة ، طَهَّروا مكان القُمامة واتخذُوه كنيسةً هائلةً بَنَتْها أمّ الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة إليه، واسم أمه هيلانة (الحرانية) البندقانية(٤) . وأمرت ابنها فبنى للنَّصارى بيتَ لحم على موضع الميلاد ، وبنت هي على موضع القبر فيما يزعمون . والغرضُ أنَّهم اتخذوا مكانَ قبلة اليهود مزبلةً أيضاً، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان وحديثه . فلما فتحَ عمرُ بيت المقدس وتحقق موضع الصخرة ، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه ، ثم (١) عَمَواس: قرية من قرى الشام، بين الرملة وبين بيت المقدس، وهي التي ينسب إليها الطاعون لأنه منها بدًا. معجم ما استعجم (٩٧١) . (٢) الخبر في تاريخ دمشق لابن عساكر - ترجمة عمر - (ص ٤) ط : مؤسسة الرسالة . (٣) البيت الأول في ديوان النابغة الجعدي (١٦٩) والبيت الثاني في المنازل والديار لابن منقذ (٤٩٣) وهما أيضاً في تاريخ دمشق لابن عساكر ترجمة عمر بن الخطاب ص (٤). (٤) في أ : الفندقانية .