النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
تصدِّي الصدِّيق لقتال أهل الردة
ذبيان وعَبْس على منْ فيهم من المسلمين فقتلوهم ، وفعل منْ وراءهم كفعلهم ، فحلفَ أبو بكر ليقتلنَّ من
كلِّ قبيلةٍ بمنْ قتلوا من المسلمين وزيادة ، ففي ذلك يقول زياد بن حنظلة التميمي : [ من الوافر ]
غَداةَ سعَى أبو بكر إليهم
أراحَ على نواهِقِها عَلِيَّاً
كما يَسْعى لموتَتِهِ حَلالُ
ومَجَّ لَهُنَّ مُهجَتَهُ حبالُ
وقال أيضاً : [ من الطويل ]
كَكَبْكبةِ الغُزَّى(٢) أَنَاخُوا على الوفْرِ
أقمنَا لَهم عُرضَ الشِّمالِ فَكُبِكِبو(١)
صَبيحةَ يَسْمُوا بالرِّجَالِ أبو بَكْرٍ
فما صَبرُوا لِلْحِرْبِ عِنْدَ قيامها
وَذُبيانَ نَهْتَهْنَا٤) بِقَاصِمَة الظّهرِ(٥)
طَرَقْنا بني عَبْس بأدْنَى نَِاجِها٣)
فكانت هذه الوقعةُ من أكبر العونِ على نَصْرِ الإسلام وأهله ، وذلك أنه عزَّ المسلمون في كلّ قبيلةٍ ،
وذلّ الكفار في كلّ قبيلة ، ورجعَ أبو بكر إلى المدينة مؤيَّداً مَنْصوراً ، سالماً غانماً ، وطرقتِ المدينة في
الليل صدقات عديّ بن حاتم ، وصفوان والزّبرقان، إحداها في أول الليل ، والثانية في أوسطه ، والثالثة
في آخره ، وقدم بكلّ واحدة منهن بشيرٌ من أمراء الأنقاب ، فكان الذي بشّر بصفوان سعد بن أبي وقاص ،
والذي بشَّر بالزبرقان عبد الرحمن بن عوف ، والذي بشّر بعدي بن حاتم عبد الله بن مسعود ، ويقال :
أبو قتادة الأنصاري رضي الله عنه (٦) .
وذلك على رأس ستّين ليلةً من متَوَفَّى رسول الله وَّهِ .
ثم قدم أسامة بن زيد بعد ذلك بليالٍ(٧) ، فاستخلفَهُ أبو بكر على المدينة ، وأمرهم أن يريحوا
ظهرهم ، ثم ركب أبو بكر في الذين كانوا معه ، في الوقعة المتقدمة ، إلى ذي القصة ، فقال له
المسلمون : لو رجعتَ إلى المدينة وأرسلتَ رجلاً ، فقال : والله لا أفعل ، ولأواسينكم بنفسي ، فخرج
في تعبئته ، إلى ذي حسى وذي القصة ، والنعمان وعبد الله وسويد بنو مُقرِّن على ما كانوا عليه ، حتى نزلَ
على أهل الرَّبَذة بالأبرق وهناك جماعةٌ من بني عبس وذبيان ، وطائفة من بني كنانة ، فاقتتلوا فهزم الله
الحارث وعوفاً، وأُخذ الحطيئةُ أسيراً، فطارت بنو عبس وبنو بكر ، وأقام أبو بكر على الأبرق أياماً وقد
غلبَ بني ذبيان على البلادِ ، وقال : حرام على بني ذبيان أن يتملّكوا هذه البلاد ، إذ غنمناها الله وحمى
(١) كُبْكبوا: دُخْوروا وجمعوا، طرح بعضهم على بعض . اللسان ( كبب).
(٢)
الغَزّى : جمع غاز .
(٣)
النباج : شدة الصوت . اللسان ( نبج ) .
نهنهتُ فلاناً ؛ إذا زجرته فتنهنه أي كففته فكفَّ . اللسان ( نهنه ).
(٤)
الأبيات في تاريخ الطبري (٢٤٧/٣) .
(٥)
تاريخ الطبري ( ٢٤٧/٣) .
(٦)
المصدر نفسه .
(٧)

٢٢
خروج الصدِّيق إلى ذي القصّة
الأبرق بخيول المسلمين ، وأرعى سائر بلاد الرَّبَذة . ولما فرَّت عبس وذبيان صاروا إلى مؤازرة طليحة
وهو نازل على بُراخة، وقد قال في يوم الأبرق زيادُ بن حنظلة: [ من الوافر ]
على ذبيان يلتهبُ التهابا
وَيَومٌ بالأبارق قد شهدنا
أتيناهم بداهيةٍ نَسُوفٍ مَعَ الصِّديق إذ تركَ العِتابا
خروجُه إلى ذي القصّة حينَ عقدَ ألويةَ الأمراءِ الأحَدَ عَشَرَ
وذلك بعدما جمَّ جيش أسامة واستراحوا ، ركبَ الصّدّيقُ أيضاً في الجيوش الإسلامية شاهراً سيفه
مسلولا ، من المدينة إلى ذي القصة ، وهي من المدينة على مرحلةٍ ، وعليُّ بن أبي طالب يقودُ براحلةٍ
الصّدّيق رضي الله عنهما، كما سيأتي ، فسأله الصحابةُ ، منهم عليٍّ وغيره ، وألحّوا عليه أن يرجع إلى
المدينة ، وأن يبعثَ لقتالِ الأعراب غيره ممن يؤمِّره من الشجعانِ الأبطال ، فأجابهم إلى ذلك ، وعقدَ لهم
الألويةَ لأحدَ عشرَ أميراً ، على ما سنفصِّله قريباً إن شاء الله .
وقد روى الدار قطني(١) من حديث عبد الوهاب بن موسى الزُّهري ، عن مالك ، عن ابن شهاب ، عن
سعيد بن المسيّب ، عن ابن عمرَ قال: لما برزَ أبو بكر إلى القصّة واستوى على راحلته ، أخذ عليٍّ بن
أبي طالب بزمامها وقال: إلى أين يا خليفةَ رسولِ الله؟ أقول لك ما قال رسول الله وَّه يوم أُحُدٍ: لمّ
سيفَكَ ولا تَفْجَعْنا بنفسك، وارجع إلى المدينة ، فواللهِ لئن فُجعنا بك لا يكونُ للإسلام نظامٌ أبداً ،
فرجع .
هذا حديث غريب من طريق مالك ، وقد رواهُ زكريا السّاجي من حديث عبد الوهاب بن موسى بن
عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف ، والزهري أيضاً عن أبي الزّناد ، عن هشام بن عروة ، عن
أبيه، عن عائشة قالت: خرجَ أبي شاهراً سيفَه راكباً على راحلته إلى وادي القصّة، فجاء عليّ بن أبي طالب
فأخذَ بزمام راحلتِه فقال: إلى أينَ يا خليفةَ رسول الله ؟ أقول لك ما قالَ رسولُ الله يومَ أَحُدٍ : ((لمَّ سيفَكَ
ولا تَفْجَعْنا بنفسِك، فوالله لئن أُصبنا بك لا يكونُ للإسلام بعدكَ نظامٌ أبداً)) . فرجع وأمضى الجيش .
وقال سيفُ بن عمر (٢) : عن سهل بن يوسف ، عن القاسم بن محمد : لما استراحَ أسامةُ وجندُه ،
وقد جاءت صدقاتٌ كثيرةٌ تفضل عنهم ، قطع أبو بكر البعوث ، وعقد الألوية : فعقد أحدَ عَشَرَ لواءً :
عقدَ لخالد بن الوليد وأمره بطُلَيْحة بن خُوَيْلد ، فإذا فرغَ سار إلى مالك بن نُوَيْرَةَ بالبطاح إن أقام له .
ولعكرمة بن أبي جهل ، وأمره بمُسَيْلمة .
وبعث شرحبيل بن حَسَنة في أثره إلى مُسَيْلمة الكَذّاب ، ثم إلى بني قُضاعة .
(١) لعله روى ذلك في كتاب ((غرائب مالك)) ولم يصل إلينا.
(٢) تاريخ الطبري (٢٤٩/٣).

٢٣
خروج الصدِّيق إلى ذي القصّة
وللمهاجر بن أبي أمية ، وأمره بجنود العَنْسي ، ومعونة الأبناء على قيس بن مَكْشوح .
قلت : وذلك لأنه كانَ قد نزع يده من الطاعة ، على ما سيأتي .
قال : ولخالد بن سعيد بن العاص إلى مشارف الشام .
ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة ووديعة والحارث .
ولحذيفة بن محصن الغطفاني وأمره بأهل دبا وبعرفجة وهرثمة وغير ذلك .
ولطرفة بن حاجب ، وأمره ببني سليم ومن معهم من هوازن .
ولسويد بن مُقرِّن ، وأمره بتهامة اليمن .
وللعلاء بن الحَضْرمي ، وأمره بالبحرين ، رضي الله عنهم .
وقد كتب لكلِّ أمير كتاب عهده على حدته ، ففصل كل أمير بجنده من ذي القصّة .
ورجع الصِّدِّيق إلى المدينة ، وقد كتب معهم الصديق كتاباً إلى المُزْتَدَّة(١) وهذه نسخته ٢) :
(( بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله وَ ل﴿ إلى منْ بلغه كتابي هذا، من عامةٍ
وخاصةٍ ، أقامَ على إسلامه أو رجعَ عنه ، سلامٌ على من اتّبع الهُدى ، ولم يرجع بعدَ الهُدَى إلى الضلالةِ
والهَوى ، فإني أحمدُ اللهَ إليكم الذي لا إلهَ إلا هو، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأن
محمداً عبدُهُ ورسولُه ، نقرُّ بما جاء به ، ونُكَفِّر من أبى ذلك ونجاهده . أما بعدُ فإن الله أرسلَ بالحقّ من
عنده ، إلى خلقه بشيراً ونذيراً ، وداعياً إلى الله بإذْنِه وسراجاً منيراً ، لينذرَ منْ كان حيّاً ويحقّ القولُ على
الكافرين، فهدى الله بالحق منْ أجابَ إليه، وضربَ رسولُ الله ◌ِوَ ◌ّهِ مِنْ أدبرَ عنه، حتى صار إلى الإسلام
طوعاً أو كرهاً، ثم تَوفَّى اللهُ رسولَه، وقد نفَّذَ لأمر الله، ونصحَ لأمته ، وقضَى الذي عليه ، وكان الله قد
بَيَّن له ذلك، ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُم مَّتُونَ﴾ [ الزمر: ٣٠] وقال:
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِيْن مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] وقال للمؤمنين: ﴿ وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا
رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَىَّ أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًاً
وَسَيَجْزِى اَللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] فمن كان إنّما يعبدُ محمداً فإنَّ محمداً قد ماتَ ، ومنْ كانَ إنما
يعبدُ اللهَ فإنَّ اللهَ حيٌّ لا يموتُ ، ولا تأخذُهُ سنةٌ ولا نومٌ، حافظٌ لأمره ، مُنْتقمٌ من عدوّه . وإني أوصيكُمْ
بتَقْوى الله وحظكم ونصيبكم وما جاءكم به نبيكم رَّ وأن تهتدوا بهداه، وأن تعتصموا بدينِ الله، فإنَّ كلَّ
منْ لم يهدِهِ اللهُ ضالٌ، وكلّ منْ لم يُعِنْهُ اللهُ مخذولٌ ، ومنْ هداهُ غيرُ اللهِ كانَ ضالاً ، قال الله تعالى :
﴿ مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَّدِّ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيَّا مُرْشِدًا﴾ [ الكهف: ١٧ ] ولن يُقْبَلَ له في الدنيا عملٌ حتى
يقرّ به ، ولن يُقْبَلَ له في الآخرة صرفٌ ولا عدلٌ، وقد بلغني رجوعُ منْ رَجَعَ منكم عن دينه بعد أن أقرَّ
في المطبوع : (( الربذة )) وهو تحريف عجيب !
(١)
(٢) نص الكتاب في تاريخ الطبري (٣/ ٢٥٠).

٢٤
مسيرة الأمراء من ذي القصة
بالإسلام وعملَ به ، اغتراراً بالله وجهلاً بأمره، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَكَّةِ
اسْجُدُواْ لَِّدَمَ فَسَجَدُوَاْ إِلَّ إِلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِِّةٍ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ: أَوْلِيَاءَ مِن دُونِ وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌ
يِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلَا﴾ [الكهف ٥٠] وقال: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَأَتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ حِرْبَهُ لِيَكُونُواْ مِنْ أَصْحَبٍ
السَّعِيرِ﴾ [ فاطر: ٦] وإني بعثتُ إليكم فلاناً في جيشٍ من المهاجرين والأنصار ، والتّابعين بإحسان ،
وأمرتُه أن لا يقبلَ من أحدٍ إلَّ الإيمان بالله، ولا يقتله حتى يدعوه إلى الله عزَّ وجلَّ، فإن أجابَ وأقرَّ وعملَ
صالحاً قُبل منه ، وأعانه عليه ، وإن أبى حاربَه عليه حتى يفيءَ إلى أمر الله، ثم لا يُبْقي على أحدٍ منهم قدرَ
عليه ، وأن يحرقهم بالنار وأن يقتلهم كلَّ قتلة ، وأن يسبيَ النساءَ والذَّراري ولا يقبل من أحدٍ غير
الإسلام ، فمن اتَّبعه فهو خيرٌ له ، ومن تركَه فلن يعجزَ اللهَ، وقد أمرتُ رسولي أن يقرأ كتابه في كلِّ مَجْمعٍ
لكم ، والداعية الأذان ، فإذا أذَّنَ المسلمون فأذنوا فكُقُّوا عنهم ، وإن لم يُؤَذِّنوا فسلوهم ما عليهم ، فإن
أبوا عاجِلوهم، وإن أقرُّوا حُمِل منهم على ما ينبغي لهم)).
رواه سيفُ بن عمر عن عبد الله بن سعيد عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك .
فصل
في مَسِيرةِ الأمراءِ من ذي القصة على ما عُوهدوا عليه
وكان سيدَ الأمراءِ ورأس الشُّجعان الصَّناديد أبو سليمان خالد بن الوليد .
روى الإمام أحمد(١) من طريق وَحْشي بن حَرْب، أن أبا بكر الصديق لما عقدَ لخالدٍ بن الوليدِ على
قتالِ أهلِ الرِّدَّة، قال: سمعت رسول الله وَلَ يقول: ((نعم عبدُ الله وأخو العشيرة ، خالد بن الوليد،
سيفٌّ من سيوف الله سلَّه اللهُ على الكفار والمنافقين )) .
ولما توجّهَ خالد٢ ) من ذي القصة وفارقَه الصديقُ، واعده أنَّه سيلقاهُ من ناحيةٍ خيبر بمن معه من
الأمراء - وأظهروا ذلك ليرعبوا الأعرابَ - وأمره أن يذهبَ أولاً إلى طُلَيْحة الأسدي ، ثم يذهب بعده إلى
بني تميم ، وكان طُلَيْحة بن خُوَيْلد في قومه بني أسد ، وفي غطفان ، وانضمّ إليهم بنو عبس وذبيان ،
وبعث إلى بني جديلة والغوث وطيِّىء يستدعيهم إليه ، فبعثوا أقواماً منهم بين أيديهم ، ليلحقوهم على
أثرهم سريعاً ، وكان الصديق قد بعثَ عديَّ بن حاتم قبل خالد بن الوليد ، وقال له : أدرك قومك
لا يلحقوا بطليحة فيكون دمارهم ، فذهب عدي إلى قومه بني طيِّء فأمرهم أن يبايعوا الصديق ، وأن
يراجعوا أمر الله ، فقالوا : لا نبايع أبا الفضل أبداً - يعنون أبا بكر رضي الله عنه - فقال : والله ليأتينكم
جيش فلا يزالون يقاتلونكم حتى تعلموا أنَّه أبو الفحل الأكبر ، ولم يزل عدي يفتل لهم في الذروة والغارب
(١) مسند الإمام أحمد (٨/١) رقم (٤٣) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٢) الخبر في تاريخ الطبري (٢٥٣/٣) والكامل لابن الأثير (٣٤٧/٢).

٢٥
مسيرة الأمراء من ذي القصة
حتى لانوا ، وجاء خالد في الجنود وعلى مقدمة الأنصار الذين معه ثابت بن قيس بن شمَّاس ، وبعث بين
يديه ثابتَ بن أقرمَ ، وعُكَّاشةَ بن محصن طليعةً ، فتلقاهما طُلَيْحةُ وأخوه سلمة فيمن معهما ، فلما وجدا
ثابتاً وعُكَّاشة تبارزوا فقتل عُكَّاشة حبال(١) بن طُلَيْحة، وقيل : بل كان قتل حبالا قبل ذلك وأخذ ما معه ،
وحمل عليه طُلَيْحة فقتله وقَتل هو وأخوه سلمة ، ثابتَ بن أقرم ، وجاء خالد بمن معه فوجدوهما
صريعين ، فشقّ ذلك على المسلمين . وقد قال طليحة في ذلك(٢): [ من الطويل ]
وعُكَّاشةَ الغَنْميَّ تَحتَ مَجَالٍ
عَشِيَّةَ غَادَرْتُ ابنَ أَقْرَمَ ثاوياً
معوَّدةٌ قبلَ الكُمَاةِ نَزالٍ
أَقَمْتُ لَهُ صَدْرَ الحمالةِ(٣) إنَّها
وَيَوماً تَراها في ظِلال عوالي
فيوماً تراها في الجلالِ مَصُونةً
فلمْ يَذهبوا فُرغاً بقتلِ حِبَالِ
وإِن يَكُ أولادٌ أُصِبْنَ ونسوةٌ
ومال خالدٌ إلى بني طيِّىء ، فخرج إليه عدُّ بن حاتم فقال : أنْظِرْني ثلاثةَ أيام ، فإنَّهم قد استنظروني
حتى يبعثوا إلى منْ تعجَّل منهم إلى طُلَيْحةَ حتى يرجعوا إليهم ، فإنهم يخشون إنّ تابعوكَ أن يقتلَ طليحةٌ
من سار إليه منهم ، وهذا أحبُّ إليك من أن يعجلهم إلى النار ، فلما كان بعد ثلاثٍ جاءه عديٌّ في خمسمئة
مقاتلٍ ممَّن راجعَ الحقَّ ، فانضافوا إلى جيش خالدٍ وقصد خالدٌ بني جديلة٤ُ) فقال له : يا خالد ، أجِّلني
أياماً حتى آتيهم فلعلَّ الله أن ينقذهم كما أنقذَ طَيِّئاً ، فأتاهم عديٌّ فلم يزل بهم حتى تابعوه ، فجاء خالداً
بإسلامهم ، ولحق بالمسلمين منهم ألفُ راكبٍ ، فكان عديٌّ خيرَ مولودٍ وأعظمَهُ بركةً على قومه ، رضي
الله عنهم .
قالوا : ثم سارَ خالدٌ حتى نزلَ بأجأ وسَلْمى ، وعَبَّأ جيشَه هنالك والتقى مع طُلَيْحة الأسديِّ بمكانٍ
يقال له: بُزاخَةُ(٥) ، ووقفتْ أحياءٌ كثيرةٌ من الأعراب ينظرون على منْ تكونُ الدائرةُ ، وجاء طُلَيْحة فيمن
معه من قومه ومن التفّ معهم وانضافَ إليهم ، وقد حضر معه عُيَينة بن حصن في سبعمئة من قومه ، بني
فزارة، واصطفّ الناسُ، وجلس طُلَيْحةُ مُلْتفاً في كساءٍ له يَتَنَّأ لهم ينظر ما يُوحى إليه فيما يزعم ، وجعلَ
عيينةُ يقاتلُ ما يقاتلُ ، حتى إذا ضجرَ من القتال يجيء إلى طُلَيْحَةَ وهو مُلْتفتٌّ في كسائه فيقول : أجاءك
(١) في ط: جبال بالجيم. قال ابن الأثير (٣٤٩/٢): حبال؛ بكسر الحاء المهملة ، وفتح الباء الموحدة ، وبعد
الألف لام .
(٢) البيت الأول في الاشتقاق لابن دريد (٥٥١) والأبيات خمسة في السيرة النبوية لابن هشام (١/ ٦٣٧) برواية
وترتيب مختلفين .
في هامش السيرة ؛ أن الحمالة اسم فرس طليحة .
(٣)
(٤)
في المطبوع : أديلة ؛ والتصحيح من تاريخ الطبري والكامل لابن الأثير .
(( بُزَاخة)): بالضم والخاء المعجمة: ماء لطِّىء بأرض نجد ، وقيل لبني أسد ، كانت فيه وقعة عظيمة في أيام
(٥)
أبي بكر الصديق مع طليحة الأسدي . معجم البلدان (١/ ٤٠٨).

٢٦
مسيرة الأمراء من ذي القصة
جبريلُ ؟ فيقول : لا ، فيرجع فيقاتل ، ثم يرجع فيقول له مثلَ ذلك ويردّ عليه مثل ذلك ، فلما كان في
الثالثة قال له : هل جاءك جبريلُ ؟ قال : نعم ، قال ؛ فما قال لك ؟ قال : قال لي : إنَّ لكَ رحاءً كرحاه ،
وحديثاً لا تنساه ، قال يقول عيينة : أظنّ أن قد علم الله سيكون لك حديث لا تنساه ، ثم قال : يا بني
فزارة انصرفوا ، وانهزمَ وانهزمَ الناسُ عن طُلَيْحة ، فلما جاءه المسلمون ركب على فرس كان قد أعدّها
له ، وأركبَ امرأته النُّوار على بعيرٍ له ، ثم انهزمَ بها إلى الشام وتفرَّق جمعُه، وقد قتل الله طائفةً ممن كان
معه ، فلما أوقعَ الله بطليحةَ وفزارة ما أوقع ، قالت بنو عامر وسليم وهوازن : ندخلُ فيما خرجنا منه ،
ونؤمن بالله ورسوله ، ونسلِّم لحكمه في أموالنا وأنفسنا .
قلت : وقد كان طُلَيْحةُ الأسديُّ ارتدَّ في حياةِ النبيِ وَّ﴿ فلما مات رسول الله بَ لَهقام بمؤازرته عُيَيْنة بن
حصن من بدر ، وارتدَّ عن الإسلام ، وقال لقومه : والله لنبيٌّ من بني أسدٍ أحبُّ إليَّ من نبيٍّ من بني
هاشم ، وقد مات محمدٌ وهذا طُلَيْحةُ فاتَّبعوه ، فوافق قومُه بنو فزارة على ذلك ، فلما كسرهما خالدٌ هربَ
طُلَيْحَةُ بامرأته إلى الشام ، فنزل على بني كلبٍ ، وأسر خالدٌ عيينة بن حصن ، وبعثَ به إلى المدينة
مجموعة يداه إلى عنقه ، فدخل المدينةَ وهو كذلك فجعلَ الولدانُ والغلمانُ يطعنونه بأيديهم ، ويقولون :
أي عدوَّ الله، ارتددتَ عن الإسلام؟ فيقول: والله ما كنتُ آمنتُ قطُ ، فلما وقفَ بين يدي الصّدّيق استتابه
وحقنَ دمه ، ثم حَسُنَ إسلامُه بعد ذلك ، وكذلك منَّ على قرّة بن هبيرة ، وكان أحد الأمراء مع طُلَيْحة ،
فأسره مع عُيَيْنة ، وأما طُلَيْحة فإنه راجعَ الإسلام بعد ذلك أيضاً ، وذهب إلى مكةَ مُعتمراً أيامَ الصّدّيق ،
واستحيى أن يواجهه مدةَ حياتِهِ ، وقد رجعَ فشهدَ القتالَ مع خالدٍ ، وكتبَ الصّدّيق إلى خالدٍ ، أن استَشِرْهُ
في الحرب ولا تُؤَمِّره - يعني معاملته له بنقيض ما كان قصده من الرئاسة في الباطن - وهذا من فقه الصّدّيق
رضي الله عنه وأرضاه .
وقد قال خالد بن الوليد لبعض أصحاب طُلَيْحة ممَّنْ أسلمَ وحَسُنَ إسلامُه : أخبرنا عمّا كان يقولُ لكم
طُلَيْحةُ من الوحي ، فقال : إنه كان يقول : الحمام واليمام ، والصُّرد الصَّوَّام ، قد صُمن قبلكم بأعوام
ليبلغنَّ ملكنا العراقَ والشام ، إلى غير ذلك من الخرافات والهذيانات السمجة .
وقد كتب أبو بكر الصديق إلى خالد بن الوليد حين جاءه أنه كسر طليحة ومن كان في صفه وقام بنصره
فكتب إليه : ليزدك ما أنعم الله به خيراً واتّقِ الله في أمرك ، فإن الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هم محسنون ،
جدّ في أمرك ولا تلنْ ولا تظفر بأحد من المشركين قتل من المسلمين إلا نكَّلْتَ به ، ومن أخذت ممن حادّ
الله أو ضادّه ممن يرى أن في ذلك صلاحاً فاقتله .
فأقام خالد(١) بيُزاخةَ شهراً، يُصعِّدُ فيها ويُصوِّبُ ويرجعُ إليها في طلب الذين وصَّاه بسببهم الصديق ،
فجعل يتردّد في طلب هؤلاء شهراً يأخذه بثأر من قتلوا من المسلمين الذين كانوا بين أظهرهم حين ارتدّوا ،
(١) تاريخ الطبري (٢٦٢/٣) والكامل لابن الأثير (٣٥٠/٢).

٢٧
قصة الفجاءة
فمنهم من حرَّقَهُ بالنار ، ومنهم من رَضَخهُ بالحجارة ، ومنهم من رَمَى به من شواهقِ الجبال ، كلّ هذا
ليعتبرَ بهم من يسمعُ بخبرهم من مُرْتدَّةِ العرب ، رضي الله عنه .
وقال الثوري عن قيس بن مسلم ، عن طارق بن شهاب قال : لما قدم وفد بُزَاخة - أسد وغطفان - على
أبي بكر يسألونه الصلحَ ، خَيَّرهم أبو بكر بين حرب مجليَّة أو خطة مخزية ، فقالوا : يا خليفة رسول الله
أما الحرب المجليَّة فقد عرفناها ، فما الخطة المخزية؟ قال : تؤخذ منكم الحلقة والكراع وتتركون أقواماً
يتبعون أذناب الإبل حتى يُرِيَ اللهُ خليفة نبيه والمؤمنين أمراً يعذرونكم به ، وتؤدّون ما أصبتم منا ،
ولا نؤدي ما أصبنا منكم ، وتشهدون أنّ قتلانا في الجنة وأن قتلاكم في النار ، وتدون قتلانا ولا ندي
قتلاكم ، فقال عمر : أما قولك : تدون قتلانا ، فإنّ قتلانا قتلوا على أمر الله لا ديات لهم ، فامتنع عمر
وقال عمر في الثاني : نعم ما رأيت .
ورواه البخاري(١) من حديث الثوري بسنده مختصراً .
وقعة أخرى
كان قد اجتمع طائفةٌ كثيرةٌ من الفُلاَّل(٢) يوم بُزاخة من أصحاب طُلَيْحة ، من بني غطفان فاجتمعوا إلى
امرأةٍ يُقال لها : أم زمل - سلمى بنت مالك بن حذيفة - وكانت من سيِّداتِ العرب، كأمِّها أمّ قِرِفة ، وكان
يُضربُ بأمها المثلُ في الشَّرفِ لكثرةٍ أولادها٣) وعزَّةٍ قَبيلتها وبيتها ، فلما اجتمعوا إليها ذمرتْهم لقتال
خالد ، فهاجوا لذلك، وتأشَّب(٤) إليهم آخرون من بني سليم وطيِّىء وهوازن وأسد ، فصاروا جيشاً كثيفاً
وتفخَّل أمرُ هذه المرأة ، فلما سمعَ بهم خالد بن الوليد سار إليهم ، واقتتلوا قتالاً شديداً وهي راكبةٌ على
جملٍ أمِّها الذي كانَ يُقال له : منْ يَمسُّ جَمَلها فله مئةٌ من الإبلِ وذلك لعزِّها ، فهزمهم خالدٌ وعقرَ جَمَلها
وقتلَها وبعثَ بالفتح إلى الصِّدّيق رضي الله عنه .
قصة الفجاء(٥)
واسمه إياسُ بن عبد الله بن عَبد يا ليل بن عميرة بن خفاف من بني سليم ، قاله ابن إسحاق ، وقد كان
الصّدّيق حرقَ الفجاءةَ بالبقيع في المدينة ، وكان سببه أنَّه قدمَ عليه فزعم أنه أسلمَ ، وسأل منه أن يجهز معه
(١) صحيح البخاري (٧٢٢١) في الأحكام.
هم قوم فُلِّ: منهزمون ، والجمع فلول وفُلال . اللسان ( فلل). والخبر في تاريخ الطبري ( ٢٦٧/٣) والكامل
(٢)
لابن الأثير (٢ /٣٥٠).
ذكر الطبري أولادها : قُرَفة وحَكَمة وجُراشة وزِمْلاً وحُصيناً وشريكاً وعبداً وزُفَر ومُعاوية وحمَلة وقَيساً ولأياً .
(٣)
(٤)
تأشب : التجأ .
(٥) الخبر بأطول مما هنا في تاريخ الطبري (٢٦٤/٣) والكامل لابن الأثير (٢/ ٣٥٠).

٢٨
قصة سجاح وبني تميم
جيشاً يقاتل به أهل الرِّدَّة، فجهّز معه جيشاً، فلما سار جعلَ لا يمرّ بمسلم ولا مُرْتَدٍّ إلا قتلَه وأخذَ ماله ،
فلما سمعَ الصّديقُ بعث وراءه جيشاً فردَه ، فلما أمكنَه بعثَ به إلى البقيع ، فُجُمعت يداه إلى قفاه وأُلقي في
النار فحرقه وهو مقموط .
قصة سَجَاح وبني تميم(١)
كانت بنو تميم قد اختلفتْ أراؤُهم أيامَ الرِّدَّة، فمنهم من ارتدَّ ومنعَ الزكاة ، ومنهم منْ بعثَ بأموالٍ
الصَّدقات إلى الصدِّيق، ومنهم من توقف لينظر في أمره، فبينما هم كذلك إذ أقبلت سجاح بنتُ
الحارث بن سويد بن عقفان التغلبية من الجزيرة ، وهي من نصارى العرب ، وقد ادَّعتِ النبوّة ومعها جنودٌ
من قومها ومن التفَّ بهم، وقد عزموا على غزو أبي بكر الصديق ، فلما مرَّتْ ببلاد بني تميم دَعَتْهُمْ إلى
أمرها ، فاستجابَ لها عامَّتُهم ، وكان ممَّنِ استجابَ لها مالكُ بن نُوَيْرة التميمي ، وعُطَاردُ بن حاجبٍ ،
وجماعةٌ من سادات أمراء بني تميم ، وتخلَّفَ آخرون منهم عنها ، ثم اصطلحوا على أن لا حربَ بينهم ،
إلا أن مالكَ بن نُوَيْرة لما وادعها ثناها عن عودها ، وحرَّضها على بني تميم ، ثم اتفق الجميعُ على قتال
الناس ، وقالوا : بمن نبدأ؟ فقالتْ لهم فيما تسجِّعُهُ: أعدّوا الرِّكاب، واستعدّوا للنهاب ، ثم أغيروا
على الرّباب ، فليس دونهم حجاب . ثم إنهم تعاهدوا على نصرها ، فقال قائل منهم : [ من الوافر ]
جلائِبَ من سُراةٍ بني أبينا
أتَتْنَا أُختُ تغلِبَ في رجالٍ(٣)
وكانتْ من عَمائِرَ آخرينا
وَأرسَتْ دَعْوةً فينا سَفاهاً
وما كانت لتُلمَ إذ أتينا
فما كنا لنرزيهم زبالاً
عَشِيَّةَ تَحشدُون لها ثَبَيْنا
ألا سَفْهَتْ حلومُكمُ وضَلَّتْ
وقال عُطاردُ بن حاجبٍ في ذلك(٣): [من البسيط ]
أمستْ نَبَّتنا أُنْثَى نُطِيفُ بها وأصبحَتْ أنبياءُ النَّاس ذُكرانا
ثُمَّ إنّ سَجَاح قصدتْ بجنودها اليمامةَ ، لتأخذَها من مُسَيْلمة بن حبيبِ الكَذّاب ، فهابه قومُها ،
وقالوا : إنه قد استفحلَ أمره وعَظُمَ ، فقالت لهم فيما تقوله : عليكم باليمامَةْ ، دقُّو(٤) دَفيف الحَمامة ،
فإنّها غزوةُ صرامَةٌ ، لا تلحقكُمْ بعدها ملامَة . قال : فعمدوا لحرب مُسَيلمةَ ، فلما سمعَ بمسيرها إليه
خافها على بلاده ، وذلك أنه مشغولٌ بمقاتلةِ ثُمامة بن أُثالٍ ، وقد ساعدَه عكرمةُ بن أبي جَهْلٍ بجنودِ
(١) تاريخ الطبري (٢٦٧/٣) وما بعدها، والكامل لابن الأثير (٣٥٣/٢ - ٣٥٧).
في تاريخ الطبري : فاستهدَّتْ .
(٢)
(٣)
البيت في أسد الغابة (٤/ ٤٣).
(٤) دفَّ : أي حرك جناحيه من الطير كالحمام . القاموس ( دف ).

٢٩
قصة سجاح وبني تميم
المُسْلمين ، وهم نازلونَ ببعضٍ بلادِه ينتظرون قدومَ خالدٍ كما سيأتي ، فبعث(١) إليها يستأمنُها ويضمنُ لها
أن يعطيها نصفَ الأرضِ الذي كان لقريشٍ لو عدلَتْ ، فقد ردَّهُ الله عليك فحباك به ، وراسلَها ليجتمعَ بها
في طائفةٍ من قومه ، فركبَ إليها في أربعينَ من قومِه ، وجاء إليها فاجتمعا في خيمةٍ ، فلما خلا بها وعرضَ
عليها ما عرضَ من نصف الأرضِ ، وقبلت ذلك . قال مسيلمة : سمعَ الله لمن سمعْ ، وأطمعَهُ بالخير إذا
طمعْ ، ولا يزالُ أمرُه في كل ما يسر مجتمعْ ، رآكم ربكم فحيّاكُمْ ، ومن وحشته أخلاكمْ ، ويوم دينه
أنجاكم فأحياكم ، علينا من صلواتٍ معشر أبراز ، لا أشقياء ولا فجَّار ، يقومون الليل ويصومون النهار ،
لربكم الكبار ، ربِّ الغيوم والأمطار .
وقال أيضاً : لما رأيتُ وجوههم حسنتْ ، وأبشارهم صفتْ، وأيديهم طَفُلَتْ(٢) ، قلت لهم:
لا النساءَ تأتونْ، ولا الخمر تشربونْ، ولكنكم معشرٌ أبرارٌ تصومونْ، فسبحان الله إذا جاءتِ الحیاةُ کیف
تَخْيَون ، وإلى ملك السماء كيف تَرْقَوْن . فلو أنها حبةُ خردلةٍ لقام عليها شهيدٌ يعلم ما في الصدور ،
ولأكثر الناس فيها الثبور(٣).
وقد كان مسيلمةُ لعنه الله شرعَ لمن اتبعه أن الأعزب يتزوج فإذا ولد له ذكر فيحرم عليه النساء حينئذ ،
إلا أن يموت ذلك الولد الذكر ، فتحل له النساء حتى يولد له ذكر ، هذا مما اقترحه لعنه الله ، من تلقاء
نفسه .
ويقال : إنه لما خلا بسَجاح سألها ماذا يُوحَى إليها؟ فقالت : وهل يكونُ النساءُ يبتدئن ؟ بل أنت ماذا
أوحيَ إليك؟ فقال: ألم ترَ إلى ربّك كيف فَعَلَ بالحُبْلى؟ أخرج منها نسمةً تَسْعى، من بين صفاقٍ(٤)
وحشاً . قالت : وماذا؟ فقال: إنَّ اللهَ خلقَ للنساء أفراج٥ً) ، وجعلَ الرجالَ لهن أزواجا ، فنولج فيهن
قَعْسا٦ً) إيلاجاً، ثم نخرجها إذا نشاء إخراجاً ، فينتجن لنا سخالا إنتاجاً . فقالت : أشهد أنك نبيٌّ ؛ فقال
لها : هل لك أن أتزوجك وآكل بقومي وقومك العربَ ؟ قالت : نعم ، فقال : [ من الهزج ]
فقدَ هُيٍّءْ لَكِ المَضْجَغْ
ألا قومي إلى النَّيْكِ
وإنّ(٧) شِئْت ففي المَخْدَعْ
فَإِنْ شِئْتِ فَفِي البَيْتِ
وَإِنْ شِئْتِ عَلَى أَرْبَعَ
وإِنْ شِئْتِ سَلْقَنَاكِ
في المطبوع : فبعثني ؛ خطأ . وما هنا للسياق .
(١)
طَفُل : صار ناعماً. اللسان (طفل ).
(٢)
الثبور : الهلاك والويل . القاموس ( ثبر ) .
(٣)
الصِّفاق : ككتاب : الجلد تحت الجلد الذي عليه الشعر ، وجلد البطن كله . القاموس ( صفق ) .
(٤)
الأفراج كما يبدو جمع فرج ، قال ابن منظور : الفرج والجمع فروج ، لا يُكسَّر على غير ذلك . اللسان ( فرج ) .
(٥)
القعْس في المعاجم العربية : الناتىء ، والمعنى المقصود هنا لم يرد فيها لأنه مجاز يفهم من السياق .
(٦)
في ط : إن ؛ ولا يستقيم الوزن بها ، وما هنا للوزن العروضي .
(٧)

٣٠
خبر مالك بن نويرة
وإِنْ شِئْتِ بِثُلْثَيْهِ وَإِنْ شِئْتِ بِهِ أَجْمَعْ
فقالت : بل به أجمع ، فقال : بذلك أوحي إليّ ، وأقامت عنده ثلاثة أيام ، ثم رجعت إلى قومها
فقالوا : ما أصدقَكِ ؟ فقالت : لم يصدقني شيئاً ، فقالوا : إنه قبيحٌ على مثلك أن تتزوج بغير صَداق
فبعثت إليه تسألُهُ صَداقاً ، فقال : أرسلي إليَّ مؤذنك ، فبعثته إليه - وهو شَبَت بن رِبعي - فقال : نادٍ في
قومك : إن مسيلمةَ بن حبيب رسولَ الله قد وضعَ عنكم صلاتين مما أتاكم به محمد - يعني صلاة الفجرِ
وصلاة العشاء الآخرةِ - فكان هذا صداقها عليه لعنهما الله . ثم انثنت سَجَاح راجعةً إلى بلادها وذلك حين
بلغَها دنوُ خالد من أرض اليمامة فكرَّتْ راجعةً إلى الجزيرة بعدما قبضَتْ من مسيلمة نصفَ خراج أرضِهِ ،
فأقامت في قومها بني تَغْلِب ، إلى زمان معاوية ، فأجلاهم منها عامَ الجماعة كما سيأتي بيانه في موضعه .
فصل
في خبرِ مالِكِ بن نُوَيْرَةَ اليَرْبوعي التَّميمي(١)
كان قد صانع سَجاح حين قدمتْ من أرض الجزيرةِ ، فلما اتّصلتْ بمسيلمةَ لعنهما الله ، ثم ترحلت
إلى بلادها - فلما كان ذلكَ ـ ندمَ مالكُ بن نُوَيْرَة على ما كان من أمره ، وتلوَّم في شأنه ، وهو نازل بمكان
يقال له : البطاح ، فقصدها خالدٌ بجنوده ، وتأخّرت عنه الأنصار ، وقالوا : إنّا قد قضينا ما أمرنا به
الصدِّيق ، فقال لهم خالد : إن هذا أمرٌ لا بدَّ من فعله ، وفرصةٌ لا بدَّ من انتهازها ، وإنه لم يأتني فيها
كتابٌ ، وأنا الأمير وإليّ تردُ الأخبارُ ، ولست بالذي أجبركم على المسير ، وأنا قاصدٌ البطاحَ . فسارَ
يومين ثم لحقَهُ رسول الأنصار يطلبون منه الانتظار ، فلحقوا به ، فلما وصلَ البطاحَ وعليها مالك بن
نوَيْرة ، فبثَّ خالدٌ السرايا في البطاح يدعونَ الناسَ ، فاستقبله أمراءُ بني تميم بالسمع والطاعةِ ، وبذلوا
الزكوات ، إلَّ ما كانَ من مالك بن نويرة فإنّه متحيرٌ في أمره، مُتَنَحِّ عن الناس ، فجاءته السرايا فأسروه
وأسروا معه أصحابَه ، واختلفت السريةُ فيهم ، فشهد أبو قتادة - الحارث بن ربعي الأنصاري - أنهم أقاموا
الصلاةَ ، وقال آخرون: إنهم لم يُؤَذّنوا ولا صَلّوا ، فيقال: إن الأسارى باتوا في كبولهم(٢) في ليلة شديدةِ
البردِ ، فنادى منادي خالدٍ : أن أدفئوا أسراكم ، فظنَّ القوم أنّه أراد القتلَ ، فقتلوهم ، وقتل ضرارُ بن
الأزور مالكَ بن نُوَيْرة ، فلما سمعَ الداعية خرج وقد فرغوا منهم ، فقال : إذا أراد الله أمراً أصابه .
واصطفى خالد امرأةً مالكِ بن نُوَيْرة وهي أم تميم ابنة المنهال ، وكانت جميلةً ، فلما حَلَّتْ بنى بها ،
ويقال : بل استدعى خالدٌ مالك بن نويرة ، فأنّبه على ما صدر منه من متابعة سَجَاح ، وعلى منعِه الزكاة
وقال : ألم تعلمْ أنها قرينةُ الصلاة ؟ فقال مالكٌ : إن صاحبكم كان يزعمُ ذلك ، فقال : أهو صاحبُنا وليس
(١) أخبار ابن نويرة اليربوعي في تاريخ الطبري (٢٧٦/٣) والكامل لابن الأثير (٣٥٧/٢).
كبول : جمع كبْل وهو القيد - ويكسر . القاموس ( كبل ).
(٢)

٣١
خبر مالك بن نويرة
بصاحبك ؟ يا ضرار اضربْ عُنُقه ، فضُربت عنقه ، وأمر برأسه فجُعل مع حجرين وطبخ على الثلاثة قدراً،
فأكل منها خالد تلك الليلة ليرهب بذلك الأعراب ، من المُرْتدَّةِ وغيرهم ، ويقال : إن شَعْرَ مالكِ جعلتِ
النارَ تعملُ فيه إلى أن نضجَ لحمُ القدر ولم تفرغ الشعر لكثرته ، وقد تكلّم أبو قتادة مع خالد فيما صنع ،
وتقاولا في ذلك حتى ذهب أبو قتادة فشكاه إلى الصديق ، وتكلّم عمرُ مع أبي قتادة في خالدٍ ، وقال
للصدّيق: اعزلْهُ فإنَّ في سيفه رَهَق١ْ)، فقال أبو بكر: لا أشيمُ(٢) سيفاً سلّه اللهُ على الكفار، وجاء
مُتَمّم بن نُوَيْرة فجعل يشكو إلى الصديق خالداً ، وعمرُ يساعده وينشد الصديقَ ما قال في أخيه من المراثي،
فوداه(٣) الصديق من عنده .
ومن قول متمم في ذلك : [ من الطويل ]
مِنَ الذَّهْرِ حتَّى قيلَ لن يتصَدَّعا
وكنّا كُنُدْمانَيْ جَذيمةَ بُرهةً
أبادَ المنايَا قومَ كِسْرى وتُبَّعا
وَعشْنا بِخَيرٍ ما حَيْنا وقَبلنا
لِطولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا
فلمّا تَفَرَّقنا كأنِّي ومَالِكاً
وقال أيضاً : [ من الطويل ]
رَفيقي لِتَذْرافِ الدموعِ السَّوافِكِ
لقد لامني عِنْدَ القعورِ على البُكى
لِقبرٍ ثوى بينَ اللَّوى فَالدَّكادِِ(٤)
وَقَال أتبكي كُلَّ قَبْرٍ رَأيْتَهُ
فَدَعني فهذا كُلُّه قَبْر مالِكِ(٥)
فَقُلْتُ لهُ إنَّ الأسى يبعثُ الأسى
والمقصودُ أنه لم يزلْ عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه يُحرِّضُ الصديقَ ويُذَمِّره(٦) على عزل خالد عن
الإمرةِ ويقول : إن في سيفه لرهَقَاً ، حتى بعثَ الصديقُ إلى خالد بن الوليد فقدم عليه المدينة ، وقد لبسَ
درعَه التي من حديد ، وقد صَدِىء من كثرةِ الدماء ، وغرز في عمامته النشاب المُضمَّخ بالدماء ، فلما دخل
المسجد قام إليه عمرُ بن الخطاب فانتزعَ الأسهم من عمامةِ خالدٍ فحطَّمها ، وقال : أرياءً قتلتَ امرأً مسلماً
ثم نزوتَ على امرأته ، والله لأرجمنَّك بالجنادلِ . وخالد لا يكلّمُهُ ، ولا يظنُّ إلَّا أنّ رأيَ الصديق فيه
الرَّهقُّ : - محركة - السَّفه ، والخفة وركوب الشرّ والظلم. القاموس (رهق ) .
(١)
شام سيفه يشيمُه : غمده واستله ضد . القاموس ( شيم ) قلت : والمقصود هنا : لا أغمدُ .
(٢)
(٣)
وَدَاهُ ( كدعاه ) : أعطى ديته . القاموس ( ودى ) .
الدكادك؛ بفتح أوله على لفظ جمع دَكْدك : موضع في بلاد بني أسد . قال متمم بن نويرة : فقال ... البيت.
(٤)
ويروى - فالدوانك - وهو أيضاً هناك ، مجاور الدكادك ، وكان مالك بن نويرة أخو متمم المرئي بهذا الشعر قتل
بالملا - وقبره هناك - والملا في بلاد بني أسد . قال الأصمعي: قدم متمم العراق فجعل لا يمرُّ بقبر إلا بكى عليه ،
فقيل له: يموت أخوك بالملا وتبكي أنت على قبر بالعراق ؟ فقال هذه الأبيات . معجم ما استعجم (٥٥٤ _ ٥٥٥ ).
(٥)
البيتان الثاني والثالث في معجم ما استعجم (٥٥٤ _ ٥٥٥) .
الذَمْرُ : الحض . القاموس ( ذمر ) .
(٦)

٣٢
مقتل مسيلمة الكذاب
كرأي عمر ، حتى دخلَ على أبي بكر فاعتذرَ إليه فعذره وتجاوز عنه ما كان منه في ذلك وودى مالك بن
نويرة ، فخرجَ من عنده وعمرُ جالسٌ في المسجد ، فقال خالد : هلمّ إليَّ يا بن أمّ شملةَ ، فلم يردّ عليه
وعرفَ أنَّ الصديقَ قد رضيَ عنه، واستمرَّ أبو بكر بخالدٍ على الإمرة ، وإن كان قد اجتهد في قتلِ مالك بن
نويرة وأخطأً في قتله ، كما أنَّ رسول الله بِّ لما بعثه إلى بني جذيمة فقتل أولئك الأسارى الذين قالوا :
صبأنا صبأن(١)، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فوداهم رسول الله بَ لو حتى ردَّ إليهم ميلغةً(٢) الكلب،
ورفع يديه وقال : اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ، ومع هذا لم يعزل خالداً عن الإمرة .
مَقْتَلُ مُسَيْلَمَةَ الكَذّاب لعنه الله(٣)
لما رضيَ الصدِّيقُ عن خالد بن الوليد وعذَرَهُ بما اعتذرَ به ، بعثَه إلى قتالِ بني حنيفة باليمامة ،
وأوعب(٤) معه المسلمون ، وعلى الأنصار ثابتُ بن قيس بن شمّاس ، فسار لا يمرّ بأحدٍ من المُرْتدّين إلَّا
نَكَّلَ بهم، وقد اجتازَ بخيولٍ لأصحاب سَجَاحِ فشرَّدَهُمْ وأمرَ بإخراجهم من جزيرة العرب ، وأردفَ
الصديق خالداً بسريةٍ لتكونَ رِدْء(٥) له من ورائهِ وقد كان بعثَ قبله إلى مسيلمةَ عكرمةَ بنَ أبي جهلٍ ،
وشرحبيلَ بن حسنةً ، فلم يقاوما بني حنيفة ، لأنهم نحو أربعين ألفاً من المقاتلةِ ، فعجلَ عكرمةُ قبل
مجيء صاحبه شرحبيل فناجزَهم فنُكب ، فانتظر خالداً ، فلما سمع مسيلمةُ بقدوم خالدٍ عسكر بمكانٍ يقال
له : ( عقربا ) في طرف اليمامة والريفُ وراءَ ظهورهم ، وندبَ الناسَ وحثَّهم ، فحشدَ له أهلُ اليمامة ،
وجعل على مَجْنبتي جيشه المحكم بن الطفيل ، والرَّجّال بن عُنْفوة بن نهشل .
وكان الرَّجَّال هذا صديقه الذي شهدَ له أنه سمعَ رسولَ اللهِ وَلَه يقولُ: إنه قد أشركَ معه مسيلمةً بن
حبيب في الأمر ، وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة ، حتى اتبعوا مُسيلمة ، لعنهما الله .
وقد كان الرّجالُ هذا قد وفدَ إلى النبيِ وَّهِ وقرأ البقرةَ، وجاء زمن الردّة إلى أبي بكر ، فبعثه إلى أهل
اليمامة يدعوهم إلى الله ويثبتهم على الإسلام ، فارتد مع مسيلمة وشهد له بالنبوة .
قال سيف بن عمر(٦) عن طلحة، عن عكرمة، عن أبي هريرة: كنت يوماً عند النبي ود ليل في رهطٍ معنا
الرَّجَّالُ(٧) بن عُنْفوة، فقال: ((إنّ فيكم لرجلاً ضرسُه في النار أعظمُ من أَحدٍ)) فهلكَ القومُ وبقيت أنا
(١) صبأ: خرج من دين إلى دين آخر. وكانت العرب تسمي النبي وَّ الصابىء؛ لأنه خرج من دين قريش إلى
الإسلام . اللسان ( صبأ ) .
(٢)
المِيلغ والمِيلغةُ بكسرهما : الإناء يَلِغُ فيه الكَلْبُ في الدَّم . القاموس ( ولغ ) .
(٣)
أخبار مسيلمة الكذاب في تاريخ الطبري (٢٨١/٣ - ٣٠١) والكامل لابن الأثير (٣٦٠/٢ - ٣٦٦).
(٤)
أوعب القوم : إذا خرجوا كلهم إلى الغزو . اللسان ( وعب ) .
((الرِّدءُ)): العون والناصر. اللسان (ردأ).
(٥)
(٦)
تاريخ الطبري ( ٢٨٧/٣) .
في ((طبقات ابن سعد)) (٣١٦/١) رخَّال بن عُنفوة .
(٧)

٣٣
مقتل مسيلمة الكذاب
والرَّجَّال وكنت متخوفاً لها ، حتى خرجَ الرَّجّال مع مسيلمة، وشهدَ له بالنبوة ، فكانت فتنةُ الرجَّال أَعظمَ
من فتنة مسيلمة(١) .
رواه ابن إسحاق عن شيخ عن أبي هريرة .
وقرب خالد وقد جعل على المقدمة شرحبيل بن حسنة ، وعلى المَجْنبتين زيداً وأبا حذيفة ، وقد مرّت
المقدمة في الليل بنحو من أربعين وقيل ستين فارساً ، عليهم مجاعة بن مرارة ، وكان قد ذهب لأخذ ثأرٍ له
في بني تميم وبني عامر وهو راجعٌ إلى قومه فأخذوهم ، فلما جيء بهم إلى خالد عن آخرهم فاعتذروا إليه
فلم يصدِّقهم ، وأمر بضرب أعناقهم كلَّهم ، سوى مجاعة فإنه استبقاهُ مقيَّداً عنده - لعلمه بالحرب
والمكيدة - وكان سيِّداً في بني حنيفة ، شريفاً مطاعاً، ويقال : إن خالداً لما عرضوا عليه قال لهم : ماذا
تقولون يا بني حنيفة؟ قالوا : نقول منا نبي ومنكم نبي ، فقتلهم إلّ واحداً اسمه سارية ، فقال له : أيها
الرجل إن كنتَ تريد بأهل اليمامة غداً خيراً أو شراً فاستبق هذا الرجل - يعني مجاعة بن مرارة - فاستبقاه
خالد مقيداً ، وجعله في الخيمة مع امرأته ، وقال : استوصي به خيراً ، فلما تواجه الجيشان قال مسيلمة
لقومه : اليوم يوم الغيرة ، اليوم إن هُزمتم تُستنكح النساء سَبيّاتٍ، ويُنكحن غيرَ حظّاتٍ ، فقاتلوا عن
أحسابكم ، وامنعوا نساءكم .
وتقدم المسلمون حتى نزل بهم خالد على كثيب يُشرف على اليمامة ، فضرب به عسكره ، ورايةُ
المهاجرين مع سالم مولى أبي حذيفة ، ورايةُ الأنصار مع ثابت بن قيس بن شمّاس، والعرب على راياتها،
ومجاعة بن مرارة مقيّدٌ في الخيمة مع أم تميم امرأة خالد ، فاصطدم المسلمون والكفار فكانت جولة
وانهزمتِ الأعرابُ حتى دخلت بنو حنيفة خيمةَ خالد بن الوليد وهمّوا بقتل أم تميم ، حتى أجارها مجاعة
وقال : نعمتِ الحُرَّةُ هذه ، وقد قُتل الرَّجَّالُ بن عنفوة لعنه الله في هذه الجولة ، قتله زيد بن الخطاب .
ثم تذامر(٢) الصحابة بينهم . وقال ثابت بن قيس بن شماس : بئس ما عوَّدتم أقرانَكم ، ونادوا من كل
جانب : أخلصنا يا خالد ، فخلصت ثلة من المهاجرين والأنصار وحمى البراء بن مالك - وكان إذا رأى
الحرب أخذته العُرَوَاء(٣) فيجلس على ظهره الرجال حتى يبول في سراويله ، ثم يثور كما يثور الأسد .
وقاتلت بنو حنيفة قتالاً لم يعهد مثله .
وجعلت الصحابة يتواصَون بينهم ويقولون : يا أصحاب سورة البقرةِ ، بَطلَ السِّحْرُ اليوم ، وحفر
ثابت بن قيس لقدميه في الأرض إلى أنصافِ ساقَيْه ، وهو حاملُ لواءِ الأنصارِ بعدما تحنَّطَ وَتكفَّنَ ، فلم
(١) الحديث في تاريخ الطبري (٢٨٩/٣) وإتحاف السادة المتقين للزبيدي (٧/ ١٨١) وإسناده ضعيف جداً.
(٢) تذامروا : تلاوموا على ترك الفرصة، وقد تكون بمعنى تحاضُّوا على القتال . اللسان ( ذمر ) ، وفي المطبوع من
تاريخ الطبري (٢٩٠/٣): ((تداعوا))، ولكنها وردت كما هنا فى مكان آخر (٢٩١/٣).
(٣) العرواء : رعدة تصيب الإنسان ، وهي في الأصل : برد الحمى .

٣٤
مقتل مسيلمة الكذاب
يزل ثابتاً حتى قُتل هناك ، وقال المهاجرون لسالم مولى أبي حذيفة : أتخشى أن نؤتى من قبلك ؟ فقال :
بئس حامل القرآن أنا إذاً ، وقال زيد بن الخطاب : أيها الناس عَضُّوا على أضراسكم ، واضربوا في عدوّكم
وامضوا قدماً، وقال: والله لا أتكلّمُ حتَّى يهزمهم اللّهُ أو ألقىَ اللّهَ فأكلِّمه بحجّتي، فقُتل شهيداً رضي الله عنه.
وقال أبو حذيفة : يا أهلَ القرآنِ زيَّنوا القرآنَ بالفِعال ، وحملَ فيهم حتى أبعدَهم وأصيب رضي الله
عنه ، وحملَ خالد بن الوليد حتى جاوزَهم ، وسار لحيال مسيلمة وجعل يترقَّب أن يصلَ إليه فيقتلَه ، ثم
رجع ثم وقف بين الصَّفَّيْن ودعا البراز ، وقال : أنا ابن الوليد العَوْدُ(١) ، أنا ابن عامر وزيد ، ثم نادى
بشعار المسلمين - وكان شعارهم يومئذ: يا محمداه - وجعل لا يبرز لهم أحدٌ إلا قتله ، ولا يدنو منه شيء
إلا أكله .
ودارت رحى المسلمين ، ثم اقترب من مسيلمة، فعرض عليه النَّصَفَ (٢) والرجوع إلى الحق ، فجعل
شيطانُ مسيلمةَ يلوي عنقه ، لا يقبلُ منه شيئاً ، وكلّما أراد مسيلمةُ يقاربُ من الأمر صرفه عنه شيطانه ،
فانصرف عنه خالد وقد ميز خالد المهاجرين من الأنصار من الأعراب ، وكل بني أبٍ على رايتهم ، يقاتلون
تحتها ، حتى يعرفَ الناسُ من أين يُؤْتون ، وصبرت الصحابةُ في هذا الموطن صبراً لم يُعْهد مثلُه ، ولم
يزالوا يتقدّمون إلى نحور عدوهم حتى فتح الله عليهم ، وولى الكفارُ الأدبارَ ، واتَّبعوهم يقتلون في
أقفائهم ، ويضعونَ السيوفَ في رقابهم حيث شاؤوا ، حتى ألجؤوهم إلى حديقة الموت ، وقد أشار
عليهم محكَّمُ اليمامة - وهو محكَّم بن الطفيل لعنه الله - بدخولها ، فدخلوها وفيها عدؤُ الله مسيلمةُ لعنه
الله، وأدرك عبد الرحمن بن أبي بكر محكمَ بن الطفيل فرماه بسهم في عنقه وهو يخطب فقتله ، وأغلقتْ
بنو حنيفة الحديقةَ عليهم ، وأحاط بهم الصحابةُ ، وقال البراءُ بن مالك : يا معشرَ المسلمين ألقوني عليهم
في الحديقة (٣) ، فاحتملوه فوق الجحف ورفعوها بالرماح حتى ألقوه عليهم من فوق سورها ، فلم يزل
يقاتلهم دون بابها حتى فتحه ، ودخل المسلمون الحديقةَ من حيطانها وأبوابها يقتلون من فيها من المُرْتدَّةِ
من أهل اليمامة ، حتى خلصوا إلى مسيلمة لعنه الله، وإذا هو واقفٌ في ثُلْمةِ جدارٍ كأنه جملٌ أورقُ(٤)،
وهو مُزْبِدٌ يتساندُ ، لا يعقلُ من الغَيْظِ ، وكان إذا اعتراه شيطانُه أزبدَ حتى يخرج الزَّبَدُ من شِدْقَيْه ، فتقدّم
إليه وحشيُّ بن حرب مولى جُبَيْر بن مُطْعِم - قاتل حمزة - فرماه بحربته فأصابه وخرجت من الجانب
الآخر ، وسارع إليه أبو دُجانة سماك بن خرشة ، فضَربه بالسيف فسقطَ ، فنادت امرأةٌ من القصر : وا أمير
الوضاءة ، قتله العبدُ الأسود .
(١) ((العَوْد)): الجمل المسن وفيه بقية وهو المدرّب. اللسان (عود) والنهاية في غريب الحديث (٣١٧/٣).
(٢) النَّصَفُ والنَّصفةُ والإنصاف : اعطاء الحق. اللسان (نصف).
(٣)
في ط : الحديثة ؛ تحريف .
الأورق من الإبل : الذي في لونه بياض إلى سواد . وقال أبو عبيد : الأورق : أطيب الإبل لحماً وأقلها شدة على
العمل والسير وليس بمحمود عندهم في عمله وسيره . اللسان ( ورق ) .
(٤)

٣٥
مقتل مسيلمة الكذاب
فكان جملة من قُتلوا في الحديقة وفي المعركة قريباً من عشرة آلاف مقاتل ، وقيل : أحد وعشرون
ألفاً ، وقتل من المسلمين ستمئة ، وقيل : خمسمئة ، فالله أعلم ، وفيهم من سادات الصحابة ، وأعيان
الناس من يُذْکر بعد .
وخرج خالد وتبعه مجاعةُ بن مرارة يرسفُ في قيوده ، فجعل يريه القتلى ليعرّفه بمسيلمة ، فلما مرّوا
بالرَّجَّال بن عُنْفوة قال له خالد: أهذا هو ؟ قال لا، والله هذا خيرٌ منه، هذا الرَّجَّال بن عُنْفُوة .
قال سيف بن عمر : ثم مرّوا برجلٍ أصفر أخنسُ(١) ، فقال : هذا صاحبكم ، فقال خالد : قبَّحكم الله
على اتّباعكم هذا .
ثم بعثَ خالدٌ الخيولَ حولَ اليمامة يلتقطونَ ما حول حصونها من مالٍ وسبي . ثم عزمَ على غزو
الحُصون ولم يكن بقيَ فيها إلا النساءُ والصبيانُ والشيوخُ الكبار ، فخدعه مجاعة فقال : إنّها ملأى رجالاً
ومقاتلة ، فهلمّ فصالحني عنها ، فصالحه خالدٌ لما رأى بالمسلمين من الجهد وقد كَلُّوا من كثرة الحروب
والقتال ، فقال : دعني حتى أذهبَ إليهم ليوافقوني على الصلح ، فقال : اذهب . فسارَ إليهم مجاعة ،
فأمر النساءَ أن يلبسن الحديد ويبرزن على رؤوس الحصون ، فنظر خالدٌ فإذا الشرفاتُ ممتلئةٌ من رؤوس
الناس فظنهم كما قال مجاعة فانتظر الصلح ، ودعاهم خالد إلى الإسلام فأسلموا عن آخرهم ورجعوا إلى
الحق . وردّ عليهم خالدٌ بعضَ ما كان أخذَ من السبي ، وساق الباقين إلى الصدِّيق .
وقد تسرَّى علي بن أبي طالب بجارية منهم ، وهي أم ابنه محمد الذي يقال له : محمد بن الحنفية
رضي الله عنه .
وقد قال ضرار بن الأزور في غزوة اليمامة هذه : [ من الطويل ]
عَشِيَّةَ سَالَتْ عَقرِباءٌ ومَلَهَمُ
فلو سُئِلِتْ عَنَّا جَنوبٌ لأخبرَتْ
حِجارتُهُ فيه منَ القومِ بالدَّمِ
وسالَ بفرع الوادِ حتى تَرَقْرَقَتْ
وَلا النَّبْلُ إلَّا المشرفيُّ المُصمِّمُ
عَشِيَّةَ لا تُغني الرِّماحُ مكانها
جنوبٌ فأني تابعُ الدينِ مسلمٌ
فَإن تَبتغي الكفَّارَ غير مُسَيْلمْ(٢)
ولَّلَّهُ بالمرءِ المجاهدِ أعلمُ
أُجاهدُ إذ كانَ الجِهادُ غَنِيمَةً
وقد قال خليفة بن خياط(٣) ، ومحمد بن جرير(٤) ، وخلق من السلف : كانت وقعةُ اليمامة في سنة
إحدى عشرةً . وقال ابن قانع : في آخرها ، وقال الواقدي وآخرون : كانت في سنة ثنتي عشرة ، والجمع
(١) الخنس، قريب من الفَطَس وهو لصوق القصبة بالوجنة وضِخمُ الأرنبة ، وقيل غير ذلك. اللسان ( خنس ).
(٢)
عند الطبري (٢٩٧/٣): مُليحةٍ .
(٣)
في تاريخه ( ص ١٠٧ ) .
تاريخه ( ٣ /٣١٤).
(٤)

٣٦
مقتل مسيلمة الكذاب
بينها أن ابتداءها في سنة إحدى عشرة ، والفراغ منها في سنة ثنتي عشرة ، والله أعلم .
ولما قدمت (١) وفود بني حنيفة على الصدّيق قال لهم : أسمعونا شيئاً من قرآن مسيلمة ، فقالوا : أو
تعفينا يا خليفةَ رسول الله . فقال : لا بدَّ من ذلك، فقالوا : كان يقول : يا ضفدعُ بنتَ الصِّفْدعين نِقِّي
لكمْ تَنِقّين ، لا الماءَ تكدّرين ، ولا الشاربَ تمنعين ، رأسُكِ في الماء ، وذنبُكِ في الطِّين ، وكان يقول :
والمُبْذراتِ زَرْعاً، والحاصِداتِ حَصْداً، والذَّاريات قَمْحاً، والطَّاحنات طَحْناً، والخَابزاتِ خبزاً ،
والثّارداتِ ثَرْداً، واللَّقماتِ لقماً، إهالة٢ً) وسمناً، لقد فضلتُمْ على أهل الوَبَر، وما سبَقَكُمْ أهل
المَدَر ، رفيقكم فامنعوه ، والمُعْتَر(٣) فَآووه ، والنّاعي فواسوه .
وذكروا أشياءَ من هذه الخرافات التي يأنف من قولها الصبيان وهم يلعبون ، فيقال : إنَّ الصّدّيق قال
لهم : ويحكم ، أينَ كانَ يذهبُ بقولكم ؟ إن هذا الكلام لم يخرج من إلّ(٤).
وكان يقول : والفيل وما أدراك ما الفيل ، له زلوم(٥) طويل ، وكان يقول : والليل الدامسِ ، والذئب
الهامس ، ما قطعت أسد من رطبٍ ولا يابس . وتقدم قوله: لقد أنعمَ اللهُ على الحُبْلِى ، أخرج منها نَسْمةً
تَسْعى ، من بين صفاق وحشى ، وأشياء من هذا الكلام السخيف الركيك البارد السميج .
وقد أورد أبو بكر بن الباقلاني(٦) رحمه الله في كتابه إعجاز القرآن أشياء من كلام هؤلاء الجَهَلة
المُتَنْبئين كمُسيلمة وطُلَيْحة والأسود وسَجاحِ وغيرهم ، مما يدلّ على ضعفِ عقولهم وعقولٍ من اتّبعهم
على ضلالهم ومحالهم .
وقد روينا عن عمرو بن العاص أنه وفدَ إلى مُسَيْلمة في أيّام جاهليته ، فقال له مُسيلمةُ : ماذا أنزل على
صاحبكم في هذا الحين ؟ فقال له عمرو : لقد أنزل عليه سورةً وجيزةً بليغةً ، فقال : وما هي ؟ قال :
أنزل عليه ﴿ وَالْعَصْرِ ﴿ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَفِى خُسْرٍ ﴿ إِلَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ وَتَوَاصَوْاْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْ بِالصَّبْرِ﴾
[العصر: ١ - ٣] قال: ففكّر مسيلمةُ ساعةً ثم رفعَ رأسه فقال: ولقد أُنزلَ عليَّ مثلها، فقال له عمرو :
(١)
خبر الوفد في تاريخ الطبري ( ٣/ ٣٠٠).
((الإهالة)): ما أذبت من الشحم، وقيل: الإهالة : الشحم والزيت ، وقيل : كل دهن أو تدم به إهالة، والإهالة:
(٢)
الودك . اللسان ( أهل ) .
((المُعْتَرّ)): الفقير، وقيل المتعرض للمعروف من غير أن يسأل. اللسان (عرر).
(٣)
في حديث أبي بكر رضي الله عنه - لما عرض عليه سجع مسيلمة - إن هذا لم يخرج من إل: أي من ربوبية . وقيل :
(٤)
الإلّ : الأصل الجيد أي لم يجىء من الأصل الذي جاء منه القرآن . وقيل : الإلّ : النسب والقرابة ، فيكون
المعنى : هذا كلام غير صادر من مناسبة الحق والإدلاء بسبب بينه وبين الصّدّيق. النهاية (١/ ٦١ ).
واللسان ( ألل ) .
((زلوم)): يقصد خرطوم الفيل ، والزلمة تكون للمعزى في حلوقها متعلقة كالقرط . اللسان (زلم ) .
(٥)
إعجاز القرآن (٢٣٨ - ٢٣٩) دار المعارف بمصر.
(٦)

٣٧
ردة أهل البحرين وعودهم إلى الإسلام
وما هي ؟ فقال مسيلمة: يا وَبر (١) يا وَبر، إنما أنتَ إيراد وصَدر، وسائرك حَقْرٌ نَقْر(٢). ثم قال : كيف
ترى يا عمرو ؟ فقال له عمرو : والله إنكَ لتعلمُ أني أعلمُ أنكَ تكذبُ .
وذكر علماء التاريخ(٣) أنه كان يتشبَّهُ بالنبي ◌ََّ، بلغه أن رسولَ الله وَّل بَصَقَ في بئر فغزرَ ماؤه،
فبصقَ في بئرٍ فغاض ماؤُه بالكلية ، وفي أخرى فصارَ ماؤه أُجاج٤ٌ)، وتوضَّأ وسقى بوضوء نخلاً فَيَبستْ
وهلَكتْ، وأتى بولدان يُبَرِّكُ(٥) عليهم فجعلَ يَمْسحُ رؤوسَهم فمنهم من قَرَعَ رَأْسُه٦ُ)، ومنهم من ◌َشَغَ
لسانُه . ويقال : إنه دعا لرجلٍ أصابه وجعٍّ في عينيه فمَسَحَهُما فَعَمي .
وقال سيف بن عمر(٧) ، عن خليد بن زفر النَّمري ، عن عمير بن طلحة ، عن أبيه : أنه جاء إلى
اليمامة فقال : أين مُسيلمةُ ؟ فقال : مه رسول الله ، فقال : لا حتّى أراهُ ، فلما جاء قال : أنت مسيلمةُ ؟
فقال : نعم . قال : من يأتيكَ؟ قال: رحمنُ(٨)، قال : أفي نورٍ أم في ظُلْمةٍ ؟ فقال : في ظُلْمةٍ ، فقال
أشهد أنَّك كذّابٌ وأن محمداً صادقٌ، ولكن كذّابَ ربيعة أحبُّ إلينا من صادقِ مُضَر ، واتبعه هذا الأعرابيُّ
الجلفُ لعنه الله حتى قُتل معه يوم عقرباء ، لا رحمه الله .
ذكرُ ردَّةِ أهْلِ البَحْرين وعودهم إلى الإسلامُ(٩)
كان من خبرهم أنَّ رسولَ اللهِ بَّه كان قد بعثَ العلاءَ بن الحَضْرميّ إلى مَلِكِها، المُنْذر بن ساوى
العَبْدي، وأسلم على يديه وأقام فيهم الإسلامَ والعدلَ، فلما توفي رسولُ اللهِ وَ له توفي المنذر بعدَه
بقليلٍ، وكان قد حضر عنده في مرضه عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو هل كان رسولُ اللهَوَلَم يجعلُ
للمريض شيئاً من ماله ؟ قال : نعم ، الثلث ، قال : ماذا أصنعُ به ؟ قال : إن شئتَ تصدقتَ به على
أقربائك ، وإن شئت على المَحاويج ، وإن شئتَ جعلتَه صدقةً من بعدك حبساً محرماً ، فقال : إني أكرهُ
(١) (( الوَبْر)): بسكون الباء: دُوَيّبةٌ على قدر السنَّور غبراء أو بيضاء من دواب الصحراء، حسنة العينين تكون بالغَوْر ،
والعرب تقول: قالت الأرنب للوَبْر: وَبْرٌ وَبْرٌ، عَجُزٌ وصَدْر، وسائرك حَقْرٌ نقرٌ !! فقال لها الوَبْرُ : أرانِ أرانْ،
عجز وكتفانْ ، وسائرك أكلتان . اللسان ( وبر ) .
(٢) ((الحَقْر)) - في كل المعاني - الذلّة، ((والنَّقْر)): إتباع له وتوكيد. اللسان (حقر ونقر ).
(٣)
تاريخ الطبري (٢٨٤/٣ - ٢٨٥).
(٤) ((ماء أجاج)): أي مِلْحٌ، وقيل: مُؤٌّ، وقيل: شديد المرارة، وقيل: الأجاج؛ شديد الحرارة . اللسان
( أجج ) .
((برَّك عليه)): أي: دعا له بالبركة . اللسان ( برك).
(٥)
(٦)
((قَرْعُ الرأس)»: وهو أن يصلع فلا يبقى على رأسه شعر. اللسان ( قرع).
(٧)
تاريخ الطبري (٢٨٦/٣) .
في ط : رجس والتصحيح من الطبري .
(٨)
أخبار ردة أهل البحرين في تاريخ الطبري (٣٠١/٣) والكامل لابن الأثير (٣٦٨/٢).
(٩)

٣٨
ردة أهل البحرين وعودهم إلى الإسلام
أن أجعله كالبَحيرةِ والسّائبة والوَصِيلةِ والحامُ(١)، ولكنّي أتصدّقُ به ، ففعل ، وماتَ فكان عمرو بن
العاص يتعجّب منه(٢) .
فلما مات المنذرُ ارتدَّ أهلُ البحرين وملَّكوا عليهم الغرور ، وهو المنذر بن النعمان بن المنذر . وقال
قائلهم : لو كان محمد نبياً ما مات، ولم يبق بها بلدةٌ على الثبات سوى قريةٍ يقال لها جُواثا٣ً) ، كانت
أولَ قريةٍ أقامت الجمعة من أهل الردة كما ثبت ذلك في البخاري عن ابن عباس ، وقد حاصرهم المُرْتدون
وضيَّقوا عليهم ، حتى منعوا من الأقوات وجاءوا جوعاً شديداً حتى فَرَّجَ اللهُ ، وقد قال رجل منهم يقال له
عبد الله بن حذف، أحد بني بكر بن كلاب، وقد اشتد عليه الجوع (٤) : [ من الوافر ]
وَفتيانَ المَدينةِ أَجْمَعينا
ألا أبلغْ أبا بَكْرٍ رَسولًا
قُعود في جُواثا مُحصرينا
فَهَلْ لَكُمُ إلى قومٍ كرامٍ
شُعاعُ الشمسِ يَغشى الناظرينا
كَأنَّ دِماءَهم في كُلِّ فَجِّ
وَجَدْنا الصَّبْرُ(٥) للمُتَوَكِّلينا
تَوكلْنا على الرَّحْمُنِ إِنَّا
وقد قام فيهم رجلٌ من أشرافهم، وهو الجارود بن المُعلَّى - وكان ممَّن هاجروا إلى رسول الله وَله -
خطيباً وقد جمعهم فقال : يا معشرَ عبد القيسِ ، إنّي سائلُكُم عن أمرٍ فأخبروني إن علمتموه ، ولا تُجيبوني
إن لم تَعْلموه ، فقالوا : سلْ، قال : أتعلمونَ أنَّه كان لله أنبياء قبلَ محمدٍ ؟ قالوا : نعم ، قال : تعلمونَه
أم تَرَوْنهُ؟ قالوا: نعلمُه، قال: فما فعلوا؟ قالوا: ماتوا، قال: فإنَّ محمداً مَّلِّ ماتَ كما ماتوا، وإني
أشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فقالوا : ونحن أيضاً نشهدُ أن لا إله إلا الله وأن محمداً
(٢)
(١) قال الزمخشري : كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر ، بحروا أذنها ، أي شقوها وحرّموا
ركوبها ، ولا تطرد عن ماء ومرعى ، وإذا لقيها المعيي لم يركبها . واسمها البحيرة . وكان يقول الرجل : إذا قدمت
من سفري أو برئت من مرضي فناقتي سائبة . وجعلها كالبحيرة في تحريم الانتفاع بها . وقيل : كان الرجل إذا أعتق
عبداً قال : هو سائبة فلا عقل بينهما ولا ميراث . وإذا ولدت شاة أنثى فهي لهم ، وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم ، فإن
ولدت ذكراً وأنثى قالوا : وصلت أخاها ، فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم . وإذا نتجت من صلب الفحل عشرة أبطن
قالوا : قد حمى ظهره ، فلا يركب ، ولا يحمل عليه ، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. الكشاف (١/ ٦٨٤ _٦٨٥).
تاريخ الطبري (٣٠٢/٣) .
(٣)
جواثاء - بالضم وبين الألفين ثاء مثلثة يمدّ ويقصر - حصن لعبد القيس بالبحرين فتحه العلاء بن الحضرمي في أيام
أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه سنة ١٢ عنوة . وقال ابن الأعرابي : جواثا ، مدينة الخط ، ورواه بعضهم جؤاثا
بالهمزة . وجؤاثا أول موضع جمعت فيه الجمعة بعد المدينة . وقال عياض : وبالبحرين أيضاً موضع يقال له : قصر
جواثا ، ويقال : ارتدت العرب كلها بعد النبي ◌َّ إلا أهل جواثا. معجم البلدان (٢/ ١٧٤) ومعجم ما استعجم
( ٤٠١ ) .
الأبيات في معجم البلدان (١٧٤/١_١٧٥).
(٤)
في معجم البلدان : وجدنا النصر .
(٥)

٣٩
ردة أهل البحرين وعودهم إلى الإسلام
رسول الله، وأنتَ أفضلُنا وسيِّدنا، وثَبَتوا على إسلامهم، وتركُوا بقيةَ الناس فيما هم فيه(١)
وبعث الصديق رضي الله عنه كما قدمنا إليهم العلاءَ بن الحَضْرمي ، فلما دَنَا من البحرين جاءَ إليه
ثُمامة بن أُثال في مَحْفلٍ كبيرٍ ، وجاء كل أمراءِ تلك النواحي فانضافوا إلى جيشِ العلاءِ بن الحَضْرمي ،
فأكرمهم العلاءُ ورَخَّبَ (٢) بهم وأحسنَ إليهم ، وقد كان العلاء من ساداتِ الصحابةِ العلماءِ العُبَّادِ مجابي
الدعوة، اتَّفَقَ له في هذه الغزوة أنه نزلَ منزلاً فلم يستقر الناسُ على الأرض حتى نَفَرتِ الإبلُ بما عليها من
زادِ الجيش وخيامهم وشرابهم ، وبقوا على الأرض ليس معهم شيءٌ سوى ثيابهم - وذلك ليلاً - ولم يقدروا
منها على بعيرٍ واحدٍ ، فركبَ الناسَ من الهمّ والغم ما لا يُحدُّ ولا يُوصفُ، وجعلَ بعضُهم يوصي إلى
بعض ، فنادى منادي العلاء ، فاجتمعَ الناسُ إليه ، فقال : أيها الناسُ ألستم المسلمين ؟ ألستُم في سبيل
الله؟ ألستُم أنصارَ الله ؟ قالوا : بلى ، قال : فأبشروا فوالله لا يخذل اللهُ منْ كانَ في مثل حالكم ، ونُودي
بصلاةِ الصبحِ ، حين طلعَ الفجرُ فصلَّى بالناس ، فلما قضى الصلاةَ جثا على رُكبتيه وجثا الناسُ ، ونصبَ
في الدعاء ورَفع يديه وفعلَ الناسُ مثله حتى طلعتِ الشمسُ ، وجعلَ الناسُ ينظرون إلى سراب الشمس
يلمعُ مرةً بعد أخرى ، وهو يجتهدُ في الدعاء فلمّا بلغَ الثالثةَ إذا قد خلق الله إلى جانبهم غديراً عظيماً من
الماءِ القَراح ، فمشى ومشى الناسُ إليه فشربوا واغتسلوا ، فما تعالى النهارُ حتى أقبلتِ الإبل من كلِّ فجّ بما
عليها ، لم يفقدِ الناسُ من أمتعتهم سِلْكا٣ً) ، فَسَقوا الإبلَ عَللاً بعد نَهل . فكان هذا مما عاينَ الناس من
آيات الله بهذه السرية .
ثم لما اقترب من جيوش المرتدة - وقد حشدوا وجمعوا خلقاً عظيماً - نزل ونزلوا ، وباتوا مُتجاورين
في المنازل ، فبينما المسلمون في الليل إذ سمعَ العلاءُ أصواتاً عاليةً في جيشِ المُرْتدين ، فقال : منْ رجلٌ
يكشفُ لنا خبرَ هؤلاء ؟ فقام عبدُ الله بن حذف فدخل فيهم فوجدهم سُكارى لا يعقلون من الشراب ،
فرجعَ إليه فأخبره ، فركبَ العلاءُ من فَوْره والجيشُ معه فكبسوا أولئك فقتلوهم قتلاً عظيماً ، وقلَّ منْ هربَ
منهم ، واستولى على جميع أموالهم وحواصلهم وأثقالهم ، فكانت غنيمةً عظيمةً جسيمةً .
وكان الحطم بن ضبيعة أخو بني قيس بن ثعلبة من سادات القوم نائماً ، فقامَ دَهِشاً حين اقتحمَ
المسلمون عليهم، فركبَ جوادَهُ فانقطع ركابُه فجعلَ يقولُ : منْ يُصْلح لي ركابي ؟ فجاءَ رجلٌ من
المسلمين في الليل فقال : أنا أصلحُها لك ، ارفع رجلك ، فلما رفعها ضربه بالسيف فقطعها مع قدمه ،
فقال له : أجْهِزْ عليَّ ، فقال : لا أفعل ، فوقعَ صريعاً كلما مرَّ به أحدٌ يسأله أن يقتلَه فيأبى ، حتى مرَّ به
قيسُ بن عاصم فقال له : أنا الحطم فاقتلني فقتله ، فلما وجدَ رجلَه مقطوعة ندمَ على قتله وقال :
واسوأتاه ، لو أعلمُ ما به لم أحرِّكْهُ .
(١) الخبر في تاريخ الطبري (٣٠٢/٣).
(٢)
في ط: (( وترحب)) خطأ، فلا وجود لهذا الفعل في العربية .
(٣) ((السِّلكة)): الخيط الذي يخاط به الثوب، وجمعه سِلْك وسلوك وأسلاك. اللسان (سلك ).

٤٠
ردة أهل البحرين وعودهم إلى الإسلام
ثم ركبَ المسلمون في آثار المُنْهَزمين، يقتلونَهم بكلِّ مَرْصَدٍ(١) وطريق، وذهب مَنْ فرَّ منهم أو
أكثرُهم في البحر إلى دَارِينُ(٢) ركبوا إليها السفن.
ثم شرع العلاء بن الحضرمي في قسْم الغنيمة ونقل الأثقال وفرغَ من ذلك . وقال للمسلمين : اذهبوا
بنا إلى دَارين لنغزو منْ بها من الأعداء، فأجابوا إلى ذلك سَريعاً ، فسارَ بهم حتَّى أتى ساحل البحر ليركبوا
في السُّفُنِ ، فرأى أن الشُّقَّة بعيدةٌ لا يصلونَ إليهم في السفن حتى يذهبَ أعداءُ الله ، فاقتحمَ البحرَ بفرسه
وهو يقولُ : يا أرحمَ الراحمين ، يا حكيمُ يا كريمُ ، يا أحدُ يا صمدُ ، يا حِيُّ يا مُحيي ، يا قيّومُ ، يا ذا
الجلال والإكرام، لا إله إلا أنت يا ربَّنا. وأمر الجيش أن يقولوا ذلك ويقتحموا ، ففعلوا ذلك فأجاز بهم
الخليجَ بإذن الله يمشون على مثل رملةٍ دمئةٍ فوقها ماء لا يغمر أخفاف الإبل ، ولا يصلُ إلى ركبِ الخيلِ ،
ومسيرتُه للسفنِ يومٌ وليلةٌ ، فقطعَه إلى الساحل الآخر فقاتلَ عدوَّه وقهرهم واحتازَ غنائمهم ثم رجعَ فقطَعَهُ
إلى الجانبِ الآخر ، فعاد إلى موضعه الأول ، وذلك كلُّه في يوم ، ولم يتركْ من العدوّ مُخبراً ، واستَاقَ
الذَّراري والأنعام والأموالَ ، ولم يفقدِ المسلمون في البحر شيئاً سوى عَليقة(٣) فرس لرجلٍ من المسلمين
ومع هذا رجعَ العلاءُ فجاءه بها .
ثم قسَمَ غنائمَ المسلمين فيهم ، فأصابَ الفارسُ ألفين والراجل ألفاً ، مع كثرةِ الجيش ، وكتبَ إلى
الصديق فأعلمه بذلك ، فبعثَ الصديق يشكرُه على ما صنعَ .
وقد قال رجل من المسلمين في مرورهم في البحر . وهو عفيف بن المنذر(٤): [ من الطويل ]
ألمْ تَرَ أنَّ الله ذَلَّل بَحْرَهُ وأنزلَ بِالكُفَّارِ إحدى الجلائِلِ
بِأعجب من فَلقِ البحار الأوائِلِ
دَعونا إلى شقِّ البحارِ فجاءنا
وقد ذكر سيفُ بن عمر التميمي(٥) أنه كان مع المسلمين في هذه المواقف والمشاهد التي رَأوْها من أمر
العلاءِ ، وما أجرى الله على يديه من الكرامات ، رجل من أهل هَجَر راهب فأسلم حينئذ ، فقيل له :
ما دعاكَ إلى الإسلام ؟ فقال : خشيتُ إن لم أفعلْ أن يمسخني الله ، لما شاهدتُ من الآياتِ . قال : وقد
سمعتُ في الهواء وقتَ السَّحَر دعاءً ، قالوا : وما هو ؟ قال : اللهم أنت الرحمنُ الرحيمُ ، لا إله غيرك
والبديع ليس قبلك شيء ، والدائم غير الغافل ، والذي لا يموت ، وخالق ما يُرى وما لا يُرى ، وكلَّ يومٍ
((المَرْصدُ)): الطريق . اللسان (رصد ) .
(١)
(٢) دارين: فرضة بالبحرين ، بينها وبين الساحل يوم وليلة، فتحت في أيام أبي بكر سنة ١٢ . معجم البلدان
(٤٣٢/٢) .
(٣) ((العليقة)): البعير والناقة يوجهه الرجل مع القوم إذا خرجوا ممتارين ويدفع إليهم دراهم يمتارون له عليها. اللسان
( علق ) .
(٤)
البيتان في تاريخ الطبري (٣١١/٣) ومعجم البلدان (٤٣٢/٢).
تاريخ الطبري ( ٣١٢/٣).
(٥)