النص المفهرس
صفحات 1-20
النَّدُ الَّوَالتَّهَائُ الخلفاء الراشدون ١١ هـ - ٤٠ ھـ الطبعة الثانية 1431 ه - 2010 حقوق الطبع محفوظة يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع والتصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي والمسموع والحاسوبي وغيرها من الحقوق إلا بإذن خطي من ثير دار ابن حـ للطباعة والنشر والتوزيع دمشق - سوريا - ص.ب : 311 حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي صالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450 الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541 بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318 برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة تلفاكس : 817857 01 - جوال : 204459 03 www.ibn-katheer.com info@ibn-katheer.com الموضوع: تاریخ العنوان: البداية والنهاية 20/1 التأليف: الإمام ابن كثير التحقيق: مجموعة من العلماء الورق: كريم ألوان الطباعة: لونان عدد الصفحات: 10128 القياس: 17×24 التجليد: فني - لوحة الوزن: 15215 غ التنفيذ الطباعي : مطبعة ايبكس - بيروت التجليد : مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت ISBN: 978-9953-520-84-1 9 789953 520841 النَّدَايَةُ وَالتَّهَايَّ الخلفاء الراشدون ١١ هـ - ٤٠ هـ تأليف الإِمَامِ الْحَافِظِ المؤرّخ أبي الفِدَاءِإسماعيل بن كَثِيْر ٧٠١ - ٧٧٤ هـ حَقَّقَهُ وَفَزََّ أَصَادِيَّهُ وَعَلَّمْ عَلَيْهِ د. رياض عبدالحميد سداد _ محمَّد حَسَّان عبيد رَاجَعَهُ الدكتور بشار عوادمعروف الشيخ عبد القادر الأرناؤوط الجُزءُ السَّابِعُ دَار ابنكتير وِقشق - بَيرُون 1 0 3 ٥ أحداث سنة ١١ هـ - خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه (١) كتاب(١) تاريخُ الإسلام الأوّل من الحوادث الواقعة في الزمان ، ووفيات المشاهير والأعيان سنة إحدى عشرة من الهجرة تقدَّم ما كان في ربيع الأول منها من وفاة رسول الله وَّله في يوم الإثنين وذلك لثاني عشر منه على المشهور ، وقد بسطنا الكلام في ذلك بما فيه كفايةٌ وبالله التوفيق . خلافةٌ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه وما فيها من الحوادث قد تقدم أنَّ رسولَ الله وَله توفي يوم الإثنين وذلك ضُحى، فاشتغل الناس ببيعة أبي بكر الصّديق في سَقيفة بني ساعدة ، ثم في المسجد البيعة العامَّة في بقيّة يوم الإثنين وصبيحة الثلاثاء كما تقدَّم ذلك بطُوله ، ثمّ أخذوا في غَسْل رسول الله وَّةَ، وتكفينه، والصلاة عليه وَل تسليماً بقية يوم الثلاثاء ، ودفنوه ليلة الأربعاء كما تقدّم ذلك مبرهناً في موضعه . وقال محمد بن إسحاق بن يسار(٢): حدَّثني الزُّهري، حدَّثني أنس بن مالك قال : لما بويع أبو بكر في السَّقيفة وكان الغد ، جلس أبو بكر فقام عمر فتكلَّم قبل أبي بكر ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال : أيها الناس إني قد قلت لكم بالأمس مقالةً ما كانت [ إلا عن رأيي ]٣) وما وجدتُها في كتاب الله ولا كانت عهداً عَهِدهُ إليَّ رسول الله وَّهِ ولكني قد كنت أرى أنّ رسولَ الله وَّل سيدبر أمرَنا، حتى(٤) يكون آخرنا، وإن الله قد أبقى فيكم الذي به هدى رسول الله وَّر فإن اعتصمتُم به هداكم الله لما كان هَداهُ الله ، (١) تم مقابلة هذا الجزء مع مخطوطة الأحمدية ( أ) فما وجدناه زيادة على المطبوع (ط ) وضعناه بين معقوفين [] وما كان زيادة من (ط ) على (أ) وضعناه بين قوسين ، وبينًا الفوارق بينهما، فماوجدناه صحيحاً متوافقاً مع المراجع الموثوقة ومصادر الكتاب أثبتناه ، وبيَّنَّا خطأ النسختين أو إحداهما إن وُجد . (٢) السيرة النبوية لابن هشام (٤/ ٢٤٢) وتاريخ الطبري (٢١٠/٣). (٣) زيادة من الطبري . في ط والسيرة : يقول ، وما أثبتناه عن (أ) والطبري . (٤) ٦ خلافة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه وإنّ الله قد جمع أمركم على خيركم صاحبِ رسول الله بَّل، وثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه . فبايع الناس أبا بكر بعد بيعة السَّقيفة ، ثم تكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله ثم قال : أما بعدُ ، أيُّها الناس فإني قد وُلّيتُ عليكم ولستُ بخيركم فإنْ أحسنتُ فأعينوني وإن أسأتُ فقوِّموني . الصدقُ أمانةٌ والكذبُ خيانةٌ ، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أُرْجِعَ عليه حقَّه إن شاء الله ، والقويُّ فيكم ضعيفٌ حتى آخذَ الحقَّ منه إن شاء الله ، لا يدعُ قومٌ الجهادَ في سبيل الله إلا خذلهم اللهُ بالذلّ ، ولا تشيعُ الفاحشةُ في قوم إلا عمَّهم اللهُ بالبلاء ، أطيعوني ما أطعت اللهَ ورسولَه ، فإذا عصيْتُ الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم ، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله . وهذا إسناد صحيح . وقد اتَّفقَ الصَّحابةُ رضي الله عنهم على بيعة الصّدّيق في ذلك الوقت ، حتى عليّ بن أبي طالب والزُّبير بن العَوّام رضي الله عنهما، والدليل على ذلك ما رواه البيهقيُ(١) حيث قال: أخبرنا أبو الحسن(٢) عليُّ بن محمدٍ بن علي الحافظ الإسفراييني، حدَّثنا أبو علي الحسين بن علي الحافظ، حدَّثنا أبو بكر بن خُزَيْمَةُ(٣) وإبراهيم بن أبي طالب قالا: حدَّثنا بُنْدار بن بشّار(٤)، حدَّثنا أبو هشام المَخْزومي ، حدَّثْنا وُهَيْب، حذَّثنا داود بن أبي هِنْد، حدَّثنا أبو نَضْرَةُ(٥) ، عن أبي سعيد الخُدْري قال : قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّهِ واجتمعَ الناسُ في دارِ سعدٍ بن عُبادَةَ ، وفيهم أبو بكر وعمرُ قال : فقام خطيبُ الأنصار فقال : أتعلمون أنَّا أنصارُ رسولِ الله وَلَه فنحن أنصار خليفتِه كما كنَّا أنصارَه، قال: فقام عمر بن الخطاب فقال : صدق قائلُكم ، ولو قلتم غيرَ هذا لم نبايعْكم ، فأخذ بيد أبي بكرٍ وقال : هذا صاحبُكم فبايعوه ، فبايعه عمرُ ، وبايعه المهاجرونَ والأنصارُ ، وقال : فصعد أبو بكرِ المنبرَ فنظرَ في وجوه القوم فلم يرَ الزبيرَ ، قال: فدعا الزبيرَ ، فجاءَ، قال: قلتُ: ابنَ عمَّةِ رسولِ اللهِ وََّ أردتَ أن تَشُقَّ عصا المسلمين ؟ قال : لا تثريبَ يا خليفةَ رسولِ الله ، فقام فبايعه ، ثم نظرَ في وجوه القوم فلم يرَ علياً ، فدعا (١) السنن الكبرى (١٤٣/٨). (٢) في ط : أبو الحسين ، تحريف ، والتصحيح من السنن الكبرى . وترجمة أبي الحسن الإسفراييني في سير أعلام النبلاء ( ١٧ /٣٠٥) . (٣) هو محمد بن إسحاق بن خزيمة ، أبو بكر السلمي النيسابوري الشافعي ، ترجمته في سير أعلام النبلاء ( ١٤ / ٣٦٥) . في ط : بن يسار ؛ تحريف ، والتصحيح من السنن الكبرى . وترجمة بندار في سير أعلام النبلاء (١٢ / ١٤٤). (٤) في ط : أبو نصرة ، بالصاد ؛ تحريف ، والتصحيح من السنن الكبرى . وهو المنذر بن مالك بن قُطعة ، ابو نضرة (٥) العبدي . سير أعلام النبلاء (٥٢٩/٤ ) . ٧ خلافة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه بعلي بن أبي طالب، قال: قلت: ابنَ عمِّ رسولِ الله وَلَه وخَتَنْهُ على ابنتهِ، أردتَ أن تَشُقَّ عصا المسلمين ؟ قال : لا تثريب يا خليفة رسول الله فبايَعَه . هذا أو معناه . قال الحافظ أبو علي النَّيْسابوري : سمعتُ ابنَ خُزيمة يقول : جاءني مسلمُ بنُ الحجاج فسألني عن هذا الحديثِ فكتبتُه له في رُقْعة وقرأت عليه ، فقال : هذا حديث يساوي بَدنةً ، فقلتُ : يَسْوى بدَنةً، بل هذا يَسْوى(١) بَدْرَةُ(٢) . وقد رواه الإمامُ أحمد عن الثقةِ عن وُهَيْب مختصرا(٣) . وأخرجه الحاكمُ في (( مستدركِه )(٤) من طريقِ عفانَ بن مسلم ، عن وهيب مطوّلاً كنحو ما تقدَّم . وروينا من طريق المَحَاملي ، عن القاسم بن سعيد بن المُسيّب ، عن علي بن عاصم ، عن الجُرَيْري(٥) ، عن أبي نَضْرَة، عن أبي سعيدٍ فَذَكَرَه مثلَه في مبايعةٍ علي والزبير رضي الله عنهما يومئذٍ . وقال موسى بن عقبة (٦) في ((مغازيه)) عن سعد بن إبراهيم: حدَّثني أبي أن أباه عبد الرحمن بنَ عوفٍ كانَ معَ عمرَ وأنَّ محمّد بنَ مَسْلمة كسر سيفَ الزُّبير ، ثم خطب أبو بكر واعتذر إلى النَّاس وقال : واللهِ ما كنتُ حريصاً على الإمارةِ يوماً ولا ليلةً ، ولا سألتُها اللهَ في سِرِّ ولا علانيةِ ، فَقَبِلَ المهاجرونَ مقالتَه ، وقال عليّ والزبيرُ : ما [ غصَبنا ]٧) إلا لأنَّنَا أُخِّرْنا عن المشورة، وإنا نرى أبا بكرٍ أحقَّ النّاسِ بها ، إنَّه لصاحبُ الغارِ ، وإِنَّا لنعرفُ شرفَه وخَيْره. ولقد أمَرَه رسولُ اللهِ نَّهَ بالصلاةِ بالنّاسِ وهو حيٌ(٨). وهذا اللائقُ بعليٍّ رضي الله عنه، والذي يدلُّ عليه الآثارُ من شهودِه معه الصلواتِ ، وخُرُوجِه معه إلى ذي القَصَّةُ(٩) بعد موت رسول الله ◌َّهكما سنورده، وبذلِه له النصيحةَ والمشورة ، بين يديه . (١) يَسْوى: نادرة، وهي لغة أهل الحجاز. اللسان (سوا). (٢) البدرة : كيس فيه ألف أو عشرة آلاف. اللسان (بدر ). (٣) هكذا وقع هذا النص ، وهو غلط لا شك فيه ، لا أدري إن كان من المصنف أو من النساخ ، وصوابه فيما أرى أن يكون: (( وقد رواه الإمام أحمد عن عفان عن وهيب مختصراً، ورواه بتمامه ثقة عن عفان)»، هكذا وجدته بخط الإمام الذهبي ( تاريخ الإسلام، أياصوفيا ٣٠٠٥ ورقة ١٧٣)، وهو الذي في المسند (١٨٥/٥ - ١٨٦)، إذ لم يروه أحمد عن الثقة البتة (بشار) . (٤) المستدرك على الصحيحين (٧٦/٣ ). في ط : الحريري ؛ تحريف ، وهو سعيد بن إياس ، أبو مسعود الجُريري البصري . ترجمته في سير أعلام النبلاء (٥) (٦ / ١٥٣ ) . (٦) موسى بن عقبة، صاحب المغازي، ترجمته في سير أعلام النبلاء (١١٤/٦) قال الإمام الذهبي : كان بصيراً بالمغازي النبوية ألّفها في مجلد . (٧) ساقطة من أ ، ط واستدركت من المستدرك . الخبر بأطول مما هنا في المستدرك ( ٣/ ٦٦) وقال الحاكم : هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه . (٨) (٩) ذو القصة: موضع بينه وبين المدينة أربعة وعشرون ميلاً، وهو طريق الربذة . معجم البلدان (٤ /٣٦٦) معجم ما استعجم ( ١٠٧٦ ) . ٨ خلافة أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنه وأما ما يأتي من مبايعته إياه بعد موت فاطمةَ ، وقد ماتت بعد أبيها عليه الصلاة والسلام بستة أشهر ، فذلك محمولٌ على أنَّها بيعةٌ ثانيةٌ أزالت ما كان قد وقعَ من وحشةٍ بسبب الكلام في الميراث ومنعِه إياهم ذلك بالنص عن رسولِ الله ◌َّير: في قوله: ((لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة)(١) . كما تقدم إيراد أسانيده وألفاظه ولله الحمد . وقد كتبنا هذه الطرقَ مستقصاةً في الكتاب الذي أفردناه في سيرة الصدِّيقِ رضي الله عنه ، وما أسنده من الأحاديث عن رسول الله وَّل وما رُوي عنه من الأحكام مُبوَّبةً على أبواب العلم ولله الحمد والمنة . وقال سيف بن عمر التميمي (٢) : عن أبي ضَمرة ، عن أبيه ، عن عاصم بن عدي ، قال : نادى منادي أبي بكر من الغد من مُتوفَّى رسول الله وَّه ليتمّم بعثَ أسامةَ: ألا لا يبقينّ بالمدينة أحدٌ من جيش أسامة إلّ خرج إلى عسكره بالجُرف(٣). وقام أبو بكر في الناس فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (( أيها الناسُ إنما أنا مثلكم وإني [ لا أدري }(٤) لعلكم تُكلّفوني ما كان رسولُ اللهِ وَّهَ يُطيق، إنَّ الله اصطفى محمداً على العالمين، وعَصَمهُ من الآفاتِ ، وإنما أنا متَّبع ولست بمُبتدعٍ ، فإن استقمتُ فبايعوني ، وإن زُغْتُ(٥) فقوّموني ، وإن رسول الله وَ ﴿ قُبض وليس أحدٌ من هذه الأمة يطلبُه بمظلمةٍ ضربة سوط فما دونها ، وإنَّ لي شيطاناً يعتريني فإذا أتاني فاجتنبوني لا أؤثرُ في أشعاركم وأبشاركمُ(٦) وإنكم تَغْدون وتَروحون في أجَلٍ قد غُيِّب عنكم علمُه ، وإن استطعتُم أن لا يمضيَ يوم إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا ، ولن تستطيعوا ذلك إلا بالله ، وسابقوا في مهلِ آجالكم من قبل أن تُسْلِمكُم آجالُكم إلى انقطاع الأعمال، فإنَّ قوماً نسُوا آجالَهم وجعلوا أعمالَهم بعدهم ، فإياكم أن تكونوا أمثالهم ، الجدَّ الجَدَّ، النجاةَ النجاةَ، الوحَا الوحا٧) فإن وراءكم طالباً حثيثاً ، وأجلاً أمرُه سريعٌ ، احذروا الموتَ، واعتبروا بالآباءِ والأبناءِ والإخوان ولا تُطيعوا الأحياءَ إلا بما تطيعوا به الأمواتَ)) . قال : وقام أيضاً فحمد اللهَ وأثنى عليه ثم قال : إنّ الله لا يقبل من الأعمال إلا ما أُريد به وجهُه، فأريدوا اللهَ بأعمالكم ، فإنّما أخلصتم لحين فقرِكم وحاجتكم، اعتبروا عبادَ الله بمنْ مات منكم ، وتفكروا فيمن كان قبلكم ، أين كانوا أمس ، وأين هم اليومَ ، أين الجبّارونَ الذين كان لهم ذكرُ القتالِ (١) الحديث رواه البخاري في صحيحه رقم ( ٣٠٩٣) في فرض الخمس . (٢) تاريخ الطبري ( ٢٢٣/٣) . ((الجرف)): موضع قرب المدينة، كان المسلمون يعسكرون هناك إذا أرادوا الغزو. معجم ما استعجم (٣٧٦ -٣٧٨). (٣) زيادة من الطبري يقتضيها السياق . (٤) زاغ عن الطريق زوغاً وزيغاً : عدل ؛ والياء أفصح . اللسان ( زوغ ) . (٥) (٦) أشعار جمع شعر . وأبشار جمع بشرة . الوحا الوحا في حديث أبي بكر أي : السرعة السرعة . يمدد ويقصر . اللسان ( وحى ) . (٧) ٩ فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيد والغلبةِ في مواطن الحروبِ، قد تضعضعَ بهم الدهرُ، وصاروا رميماً، قد تولَّت عليهم العالاتُ(١)، الخبيثاتُ للخبيثين ، والخبيثونَ للخبيثاتِ ، وأينَ الملوكُ الذين أثاروا الأرضَ وعمروها؟ قد بعدُوا ونُسِيَ ذكرُهم ، وصاروا كلا شيءَ، ألا إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد أبقى عليهم التبعاتِ ، وقطَعَ عنهم الشهواتِ ، ومضوا والأعمالُ أعمالُهم ، والدنيا دنيا غيرِهم ، وبُعثنا خلَفَاً بعدَهم ، فإن نحن اعتبرنا بهم نَجَوْنا ، وإن انحدرنا كنا مثلهم ، أين الوضاءةُ الحسنة وجوههم ، المعجبونَ بشبابهم؟ صاروا تراباً ، وصار ما فرَّطوا فيه حسرةً عليهم ، أين الذين بنوا المدائن وحصَّنوها بالحوائط ، وجعلوا فيها الأعاجيبَ؟ قد تركوها لمن خلفَهم ، فتلك مساكنُهم خاويةٌ وهم في ظلماتِ القبور، ﴿ هَلْ تُحِسُ مِنْهُم مِّنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [ مريم: ٩٨]؟ أين من تعرفون من آبائكم وإخوانكم ، قد انتهت بهم آجالُهم ، فرُدُّوا على ما قدموا ، فحلُّوا عليه وأقاموا للشقوة أو السعادة بعد الموت ، ألا إن الله لا شريكَ له ، ليس بينه وبين أحد من خلقه سبب يعطيه به خيراً، ولا يصرف به عنه سوءاً ، إلّ بطاعته واتباع أمره ، واعلموا أنَّكم عبيدٌ مدينون ، وأنّ ما عنده لا يُدرك إلا بطاعته، أما آن لأحدكم أن تحسر عنه النار ولا تَبْعُدُ عنه الجنة ؟ . فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيدٍ الذين كانوا قد أمرَهم رسول الله بَّه بالمسير إلى تُخُوم البلقاء من الشام، حيث قُتل زيد بن حارثة ، وجعفر ، وابن رُواحةَ : فيغتزوا على تلك الأراضي ، فَخرجوا إلى الجُرف فخيَّموا به ، وكان بينهم عمرُ بن الخطاب، ويقال: وأبو بكر الصديق فاستثناه رسول الله منهم للصلاة، فلما ثَقُلَ رسولُ اللهِ وَله أقاموا هنالك ، فلما مات عَظُمَ الخطبُ واشتدَّ الحالُ ونجم النفاقُ بالمدينة ، وارتدَّ من ارتدَّ من أحياءِ العرب حولَ المدينة ، وامتنع آخرون من أداء الزكاة إلى الصدِّيق ، ولم يبقَ للجمعة مُقَامٌ في بلدٍ سوى مكةَ والمدينة ، وكانت جُواثى من البحرين أول قرية أقامت الجمعةَ بعد رجوع الناس إلى الحق ، كما في صحيح البخاري(٢) ، عن ابن عباس كما سيأتي . وقد كانت ثقيفُ بالطائف ثَبَتوا على الإسلام ، لم يفرُوا ولا ارتدّوا ، والمقصود أنه لما وقعت هذه الأمور أشار كثيرٌ من الناس على الصديق أن لا يُنفذ جيش أسامة لاحتياجه إليه فيما هو أهم ، لأنَّ ما جهز بسببه في حال السلامة ، وكان من جملة من أشار بذلك عمر بن الخطاب ، فامتنع الصدّيق من ذلك ، وأبى أشدَّ الإباء ، إلا أن يُنفذَ جيشَ أسامةَ، وقال: والله لا أحلُّ عقدةً عقدها رسولُ اللهِ وَله، ولو أنَّ الطير تَخْطِفُنا ، والسباع من حول المدينة ، ولو أنَّ الكلابَ جرت بأرجلِ أمهات المؤمنين لأجَهّزن جيشَ أسامةً وآمر الحرس يكونون حول المدينة ، فكان خروجه في ذلك الوقت من أكبر المصالح والحالةُ تلك ، (١) في الطبري : القالات . (٢) خبر ابن عباس في صحيح البخاري رقم (٨٩٢) في الجمعة، ورقم (٤٣٧١) في المغازي ونصه: إن أول جمعة جمعت. ١٠ فصل في تنفيذ جيش أسامة بن زيدٍ فساروا لا يمرُّون بحيٍّ من أحياءِ العرب إلا أرعبوا منهم ، وقالوا : ما خرج هؤلاء من قوم إلا وبهم منعَةٌ شديدة ، فقاموا أربعين يوماً ويقال سبعين يوماً ، ثم أتَوْا سالمين غانمين ، ثم رجعوا فجهّزهم حينئذ مع الأحياء الذين أخرجهم لقتال المُؤْتدة ، ومانعي الزكاة على ما سيأتي تفصيلُه . قال سيفُ بن عمر (١) : عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : لما بُويع أبو بكر وجمع الأنصارُ في الأمر الذي افترقوا فيه ، قال : ليتمّ بعثُ أسامة ، وقد ارتدت العرب ؛ إما عامة وإما خاصة ، في كل قبيلة ، ونجم(٢) النّفاق واشر أبت اليهوديةُ والنصرانية، والمسلمون كالغنم المَطِيرةُ(٣) في الليلة الشاتيةِ، لفقد نبيهم وَلَّ، وقلَّتهم وكثرة عدوّهم ، فقال له الناس : إن هؤلاء جلُّ المسلمين والعرب على ما ترى قد انتقضتْ بك ، وليس ينبغي لك أن تُفرق عنك جماعةَ المسلمين ، فقال : والذي نفس أبي بكر بيده لو ظننت أن السباعَ تَخْطفني لأنفذتُ بعثَ أسامةَ كما أمرَ به رسولُ الله ◌ِ له؛ ولو لم يبقَ في القرى غيري لأنفذته .. وقد روي هذا عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، ومن حديث القاسم وعمرة ، عن عائشة قالت : لما قبض رسول الله وَّل﴿ل ارتدتِ العربُ قاطبةً وأَشْربت النفاق، والله لقد نزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لهاضها٤)، وصار أصحاب محمد بِ الَّ كأنهم مِعْزَى(٥) مطيرة في حُشَ(٦) في ليلة مطيرة بأرض مَسْبَعَهٍ(٧) ، فوالله ما اختلفوا في نقطة إلَّا طارَ أبي بِحَظّها وغنائها وفَضْلها٨) ، ثم ذكرت عمر فقالت: من رأى عمر علم أنه خلق غنى للإسلام، كان والله أحوذي٩ً) نسيج وحده وقد أعد للأمور أقرانها ١) . وقال الحافظ أبو بكر البَيْهقي : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، تاريخ الطبري ( ٢٢٥/٣) . (١) نجم الشيء ينجم - بالضم - نجوماً : طلع وظهر . اللسان ( نجم ) . (٢) (٣) العبارة عند الطبري : والمسلمون كالغنم في الليلة المطيرة الشاتية . هاضها ؛ من الهيض : وهو كسر دون الهدِّ وفوق الرضِّ . اللسان ( هضض ) . (٤) معزى ؛ يجوز تنوينها ومنعها ، ورجح سيبويه الأول . اللسان ( معز ) . (٥) (٦) الحشُّ : البستان . اللسان ( حشش ) . أرض مَسْبَعة : ذات سباع كثيرة . اللسان ( سبع ) . (٧) في المطبوع: (( بخطلها وعنانها وفصلها)) وكله تصحيف لا معنى له ، والصواب ما أثبتنا ، ويعضده الذي في سنن (٨) البيهقي . أحوذياً وأحوزياً : هو الحسن السبّاق للأمور ، وفيه بعض النَفار ، وقيل : هو الخفيف . النهاية في غريب الحديث (٩) (١/ ٤٥٧ و ٤٥٩ ) . (١٠) خبر عائشة من طريق القاسم عنها في سنن البيهقي (٢٠٠/٨). ١١ مقتلُ الأسْود العَنْسي ، المُتَبِّىء الكذَّاب حدَّثنا محمد بن علي الميموني ، حدَّثنا الفِرْيابي، حدَّثنا عبَّاد بن كَثير عن الأعرج(١) عن أبي هريرة قال : والله الذي لا إله إلَّ هو، لولا أن أبا بكر استُخلف ما عُبد اللهُ ، ثم قال الثانية ، ثم قال الثالثة ، فقيل له : مه يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله بَّه وجَّهَ أسامة بن زيد في سبعمئة إلى الشام ، فلما نزل بذي خُشُب(٢) قُبضَ رسولُ اللهِ وَّهِ وارتدَّتِ العربُ حولَ المدينة، فاجتمعَ إليه أصحابُ رسول الله بَّه فقالوا: يا أبا بكر ردّ هؤلاء، تُوجه إلى الرّوم وقد ارتدَّتِ العربُ حولَ المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيرُه لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله وَّ ما رددت جيشاً وجَّهه رسولُ اللهِ وَلَه، ولا حللتُ لواءً عقدَه رسولُ الله ◌ََّ فوجَّه أسامة، فجعل لا يمرُّ بقبيلٍ يريدون الارتداد إلَّ قالوا: لولا أن لهؤلاء قوةً ما خرجَ مثلُ هؤلاء من عندهم ، ولكن ندعُهم حتى يَلْقوا الرومَ ، فلقُوا الرومَ فهزموهم وقتلوهم ، ورجعوا سالمين ، فثبتوا على الإسلام . عبّاد بن كثير هذا أظنه البرمكيَّ لرواية الفِرْيابي عنه ، وهو مقارب الحديث ، فأما [ عباد بن كثير ] البصري الثقفي فمتروك الحديث ، والله أعلم . وروى سيف بن عمر (٣) ، عن أبي ضَمْرَة وأبي عمرو وغيرهما ، عن الحسن البصري : أن أبا بكر لما صمَّم على تجهيز جيش أسامة قال بعض الأنصار لعمر : قل له فليُؤَمِّرْ علينا غيرَ أسامة ، فذكر له عمرُ ذلك ، فيقال: إنه أخذَ بلحيته وقال: ثكلتْكَ أمُّك يا بن الخطاب، أُؤَمِّر غيرَ أميرٍ رسول الله ◌َّةَ؟ ثم نهض بنفسه إلى الجُرْفِ فاستعرضَ جيشَ أسامة وأمرهم بالمسير ، وسارَ معهم ماشياً ، وأسامةُ راكباً ، وعبدُ الرحمن بن عوف يقود براحلةِ الصِّدِّيق ، فقال أسامةُ : يا خليفةَ رسولِ الله : إما أن تركبَ وإما أن أنزلَ ، فقال : والله لستَ بنازلٍ ولستُ براكبٍ ، ثم استطلقَ الصدِّيقُ من أسامة عمرَ بن الخطاب - وكان مكتتباً في جيشه - فأطلقهُ له ، فلهذا كان عمرُ لا يلقاه بعد ذلك إلا قال : السلام عليكَ أيها الأميرُ . مقتلُ الأَسْود العَنْسي ، المُتَنِّىء الكذَّاب قال أبو جعفر بنُ جَرِير(٤): حدَّثني عمر بن شَبَّهُ(٥) النُّمَيْرِي، حدَّثنا عليّ بن محمد - يعني المَدَائني - عن أبي مَعْشر ويزيد بن عياض بن جُعْدُبه(٦) وغسّان بن عبد الحميد وجُوَيْرية بن أسماء، عن مَشْيختهم قالوا : في المطبوع: (( عن أبي الأعرج)) وهو تحريف ، وهو عبد الرحمن بن هرمز ، من رجال التهذيب. (١) ذو خشب : موضع على مرحلة من المدينة على طريق الشام . معجم ما استعجم ( ٤٩٩) . (٢) (٣) تاريخ الطبري ( ٢٢٥/٣-٢٢٦). (٤) في تاريخه ( ٢٤٠/٣). في ط : عمرو بن شيبة ؛ وهو تحريف . والتصحيح من الطبري ، وترجمة ابن شبَّة في سير أعلام النبلاء (١٢/ ٣٦٩ (٥) - ٣٧٢) . (٦) في ط : عن جُعدٍ به، خطأ، والتصحيح من الطبري وتقريب التهذيب (٦٠٤). ١٢ صفة خروج الأسود العنسي وتمليكه أمضى أبو بكر جيشَ أسامةَ بن زيد في آخر ربيع الأول ، وأتى مقتل الأسود في آخر ربيع الأول بعد مخرج أسامة ، فكان ذلك أولَ فَتْحِ فَتَحَ أبو بكر وهو بالمدينة . صِفَةُ خُرُوجِهِ وتَمْلیکِهِ ومَقْتَلِهِ قد أسلفنا فيما تقدَّم أنَّ اليمنَ كانت لِحِمْيَر ، وكانت ملوكهم يُسَمَّون التَّابعة ، وتكلَّمنا في أيام الجاهلية على طرفٍ صالح من هذا . ثم إنّ ملك الحبشة بعث أميرين من قواده ، وهما أبرهةُ الأشرمُ ، وأرياطُ ، فتملّكا له اليمن من حمير ، وصار مُلْكُها للحبشة ، ثم اختلف هذان الأميران ، فقُتِلَ أرياطُ واستقلَّ أبرهةُ بالنيابة . وبنى كنيسةً سماها القُلَّيْسَ (١)، لارتفاعها، وأراد أن يصرفَ حجَّ العربِ إليها دونَ الكعبةِ، فجاء بعضُ قريشٍ فأحدث في هذه الكنيسة ، فلما بلغه ذلك حلفَ ليخربنَّ بيتَ مكة ، فسار إليه ومعه الجنود والفيلُ محمود ، فكان من أمرهم ما قصَّ اللهُ في كتابه . وقد تقدَّم بسطُ ذلك في موضعه ، فرجعَ أبرهةُ ببعض من بقيَ من جيشه في أسوإ حالٍ وشرّ خيبةٍ ، وما زال تسقطُ أعضاؤه أنملةً أنملةً ، فلمّا وصلَ إلى صنعاء انصدع صدرُه فماتَ ، فقام بالملك بعده ولده يكسومُ(٢) بن أبرهة ثم أخوه مسروق بن أبرهة ، فيقال: إنه استمرَّ مُلك اليمن بأيدي الحبشة سبعين سنةً. ثم ثار سيفُ بن ذي يزن الحِمْيريُّ ، فذهب إلى قيصرَ ملكِ الروّم يستنصرُه عليهم ، فأبى ذلك عليه - لما بينه وبينهم من الاجتماع في دين النَّصرانية - فسارَ إلى كسرى ملكِ الفرس فاستغاث به ، وله معه مواقفُ ومقاماتٌ في الكلام تقدَّم بسط بعضها ، ثم اتفق الحالُ على أنْ بَعَثَ معه ممن بالسجونِ طائفةٌ تقدمهم رجل منهم يقال له : وهرز ، فاستنقذ مُلْك اليمن من الحبشة ، وكسرَ مَسروق بن أبرهة وقتله ، ودخلوا إلى صنعاءَ وقرروا سيفَ بن ذي يزن في المُلك على عادة آبائه ، وجاءتِ العربُ تُهنَّتْهُ من كل جانب ، غير أن لكسرى نوايا على البلاد(٣)؛ فاستمرّ الحالُ على ذلك حتى بُعث رسولُ الله ◌َليل فأقام بمكة ما أقام ، ثم هاجر إلى المدينة فلما كتب كتبه إلى الآفاق يدعوهم إلى عبادة الله وحدَهُ لا شريكَ له ، فكتب في جملة ذلك إلى كسرى ملكِ الفرس : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمدٍ رسولِ الله إلى كسرى عظيم الفرسِ ، سلامٌ على منِ اتّبعَ الهُدى ، أما بعدُ، فأسلمْ تَسْلمْ ... إلى آخره. (١) في ط : العانس ؛ وهو تصحيف وتحريف ، والقُلَّيس بالتشديد: بيعة للحبش كانت بصنعاء بناها أبرهة . وفي التهذيب : القُلَّيسة : بيعة كانت بصنعاء للحبشة . اللسان ( قلس ) . في ط : بلسيوم ، وهو تحريف؛ وما أثبتناه عن الكامل (٤٣٣/١). (٢) الخبر بأطول مما هنا في الكامل لابن الأثير (٤٥١/١). (٣) ١٣ صفة خروج الأسود العنسي وتمليكه فلما جاءه الكتابُ قال : ما هذا؟ قالوا : هذا كتابٌ جاء من عند رجلٍ بجزيرة العرب يزعُمُ أنه نبيٌّ ، فلما فتحَ الكتابَ فوجده قد بدأ باسمه قبل اسم كسرى ، غضبَ كسرى غضباً شديداً ، وأخذَ الكتابَ فمزّقه قبل أن يقرأه ، وكتب إلى عامله على اليمن - وكان اسمه باذامُ(١) - أما بعد فإذا جاءك كتابي هذا فابعث من قِبَلك أميرين إلى هذا الرجل الذي بجزيرة العرب ، الذي يزعم أنه نبيٌّ، فابعثه إليَّ في جامعة٢ً) ، فلما جاء الكتاب إلى باذام ، بعثَ منْ عنده أميرين عاقلين ، وقال : اذهبا إلى هذا الرجل ، فانظرا ما هو ، فإن كان كاذباً فخُذاه في جامعةٍ حتى تذهبا به إلى كسرى ، وإن كان غير ذلك فارجعا إليَّ فأخبراني ما هو ، حتى أنظرَ في أمره، فقدما على رسولِ اللهِ وَّهَ إلى المدينة، فوجداه على أسَدِّ الأحوالِ وأرشدِها ، ورأيا منه أموراً عجيبةً ، يطول ذكرها ، ومكَثًا عنده شهراً حتى بلغا ما جاءا له ، ثم تقاضاهُ الجواب بعد ذلك ، فقال لهما : ارجعا إلى صاحبِكما فأخبراه أن ربِّي قد قتل الليلةَ ربَّه ، فأرَّخا ذلك عندَهما ثم رجعا سريعاً إلى اليمن فأخبرا باذامَ بما قال لهما ، فقال : احصوا تلك الليلة ، فإن ظهرَ الأمرُ كما قال فهو نبيٌّ ، فجاءت الكتبُ من عند ملكهم أنه قد قُتل كسرى في ليلة كذا وكذا ، لتلك الليلة ، وكان قد قتله بنوه ولهذا قال بعضُ الشعراء (٣) : [ من الوافر ] بأسيافٍ كما اقْتُسِم اللِّحامُ؟» وكِسْرى إذ تَقَاسمهُ بَنُوه أتى ولكلِّ حاملةٍ تمامُ تمخّضتٍ(٥) المنونُ له بيومٍ وقام بالمُلك بعده ولده شيرويه وكتب إلى باذام أن خُذْ ليَ البيعة من قبلك، واعمد إلى ذلك الرجل فلا تهنه وأكرمْهُ، فدخل الإسلامُ في قلب باذام وذريته من أبناء فارسَ ممن باليمن، وبعث إلى رسول الله وَليه بإسلامه، فبعث إليه رسولُ اللهَ وَ له بنيابة اليمنِ بكمالها٦) ، فلم يعزله عنها حتى مات، فلما مات استنابَ ابنه شهر بن باذام على صنعاءَ وبعض مخاليف ، وبعث طائفةً من أصحابه نوّاباً على مخاليف أُخر ، فبعث أولاً في سنة عشرٍ عليّاً وخالداً ، ثم أرسل معاذاً وأبا موسى الأشعريَّ وفرّق عِمَالَة اليمن بين جماعةٍ من الصحابة ، فمنهم شَهْر بن باذام ، وعامر بن شَهْر الهَمْداني على همدان ، وأبو موسى على مأرب ، وخالد بن سعيد بن العاص على عامر نَجْران ورَفْعٍ وَزَبيد ، ويَعْلى بن أمية على الجَنَد ، والطاهر بن (١) في الكامل (٣٣٦/٢): بأذان بالنون. (٢) الجامعة : الغُلُّ ؛ لأنها تجمع اليدين إلى العنق . اللسان ( جمع ) . تقدم ذكر هذين البيتين في الجزء الثالث من هذا الكتاب في باب : ما آل إليه أمر الفرس باليمن ، منسوبين إلى خالد (٣) الشيباني وببعض الخلاف في الرواية . (٤) اللِّحام: جمع اللَّحم . اللسان ( لحم ) . تمخضت المنون في اللسان : أنتجت . وفي القاموس : تمخض الدهر بالفتنة : أتى بها ، والمعنى أن الموت ولد له (٥) بيوم أتاه . (٦) الخبر بكماله في تاريخ الطبري (٢٢٧/٣ -٢٢٨) والكامل لابن الأثير (٣٣٦/٢). ١٤ خروج الأسود العنسي أبي هالة على عَك(١) والأشعريين، وعمرو بن حرام على نَجْران، وعلى بلاد حضر موتَ زيادُ بن لبيد ، وعلى السكاسك والسكون عكاشة بن ثور(٢) بن أخضر ، وعلى بني معاوية بن كندة عبد الله بن قيس ، وبعث معاذ بن جبل معلِّماً لأهل البلدين - اليمن وحضرموت - يتنقَّلُ من بلدٍ إلى بلدٍ، ذكره سيف بن عمر، وذلك كله في سنة عشر، آخر حياة رسول الله وسل﴿ فبينما هم على ذلك إذ نجم (٣) هذا اللعين الأسود العنسي. خروجُ الأسودِ العنسي واسمه عَبْهَلَةُ(٤) بن كَعْب بن غَوْث - من بلد يقال لها : كهف خُبان(٥) - في سبعمئة مقاتل ، وكتب إلى عُمّال النبي وَّ: أيّها المتمرّدون علينا ، أمسكوا علينا ما أخذتم من أرضنا ، ووفّروا ما جمعتم ، فنحن أولى به ، وأنتم على ما أنتم عليه ، ثم ركب فتوجّه إلى نَجْران فأخذها بعد عشرِ ليالٍ من مخرجه ثم قصد إلى صنعاء ، فخرج إليه شَهْر بن باذام فتقاتلا ، فغلبه الأسودُ وقتله ، وكسر جيشه من الأبناء واحتلّ بلدة صنعاء لخمسٍ وعشرين ليلةً من مخرجه ، ففرَّ معاذ بن جبل من هنالك واجتاز بأبي موسى الأشعري فذهبا إلى حضرموت، وانحاز عُمّال رسول الله وَثّل إلى الطاهر، ورجع عمر بن حرام وخالد بن سعيد بن العاص إلى المدينة ، واستوثقت اليمن بكمالها للأسود العَنْسي، وجعل أَمْرُهُ يَسْتطير(٦) استطارةَ الشرَّارَةِ ، وكان جيشُه يومَ لقي شهراً سبعمئة فارس ، وأمراؤه . قيس بن عبد يغوث ، ومعاوية بن قيس ، ويزيد بن محرم ويزيد بن حصن الحارثي ، ويزيد بن الأفكل الأزدي ، واشتدّ ملكه ، واستغلظ أمره ، وارتدّ خلق من أهل اليمن ، وعامله المسلمون الذين هناك بالتقية ، وكان خليفته على مَذْحِج عمرو بن معدي كرب ، وأسند أمر الجند إلى قيس بن عبد يغوث ، وأسند أمر الأبناء إلى فيروز الدَّيْلمي وداذويه ، وتزوَّج بامرأة شهر بن باذام وهي ابنةُ عمِّ فيروز الدَّيلمي ، واسمها زاذ ، وكانت امرأةً حسناءَ جميلةً ، وهي مع ذلك مؤمنةٌ بالله ورسوله محمد ◌َّهِ، ومن الصالحات . قال سيف بن عمر التميمي(٧): وبعثَ رسولُ الله ◌ِ لَ كتابَه، حين بلغه خبرُ الأسودِ العنسي مع رجلٍ يُقال له : وبر بن يُحَنَّس الديلمي : يأمر المسلمين الذين هناك بمقاتلة الأسود العَنْسي ومصاولته ، وقام معاذ بن جَبَل بهذا الكتاب أتمَّ القيام ، وكان قد تزوّج امرأةٌ من السَّكون يُقال لها : رَمْلة ، فَحَدَبت عليه في ط : عل؛ وهو تحريف ، والتصحيح من الكامل والاشتقاق لابن دريد (٤٨٩) والأعلام للزركلي (٤٢/٥). (١) في ط والأصل : مور ؛ تحريف ، والتصحيح من الطبري وابن الأثير . (٢) (٣) نجم : ظهر وطلع . القاموس ( نجم ) . أخباره في تاريخ الطبري ( ٢٣٠/٣) والكامل لابن الأثير (٣٣٦/٣). (٤) في ط : كهف حنان ؛ وهو تحريف ، والتصحيح من معجم البلدان (٢/ ٣٤٣) والمصادر. (٥) استطار يستطير استطارة : انتشر . اللسان ( طر ) . (٦) تاريخ الطبري (٢٣١/٣) والكامل لابن الأثير (٣٣٨/٢). (٧) ١٥ خروج الأسود العنسي السَّكون لصهره فيهمُ(١)، وقاموا معه في ذلك، وبلغوا هذا الكتاب إلى عُمّال النبي وَلَه، ومن قدروا عليه من الناس ، واتَّفق اجتماعهم بقيس بن عبد يغوث أمير الجُنْد - وكان قد غضبَ على الأسود - واستخفَّ به ، وهمَّ بقتله - وكذلك كان أمر فَيْروز الدَّيْلَمي ، قد ضعف أيضاً ، وكذا داذَوَيْه ، فلما أعلم وبر بن يُحَس قيس بن عَبْدِ يَغُوث، وهو قيس بن مَكْثُوح ، كان كأنّما نزلوا عليه من السَّماء ، ووافقهم على الفَتْك بالأسود ، وتوافق المسلمون على ذلك ، وتعاقدوا عليه ، فلما أيقنَ ذلك في الباطن اطَّلَعَ شيطان الأسود للأسود على شيء من ذلك ، فدعا قَيْس بن مكشوح ، فقال له : يا قَيْسُ ما يقولُ هذا؟ قال : وما يقول ؟ قال يقول : عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منه كلَّ مدخل ، وصار في العزّ مثلَكَ ، مال ميلَ عدوّك ، وحاول ملكك، وأضمرَ على الغَدْر، إنّه يقول: يا أسودُ يا أسود يا سوءة يا سوءة ، فطُفْ به وخُذْ من قيس أعلاه ، وإلا سلبكَ وقطفَ قبلك ، فقال له قيس وحلف له فكذب : وذي الخمار لأنتَ أعظمُ في نفسي وأجلُّ عندي من أن أحدّث بك نفسي ، فقال له الأسودُ : ما إخالك تُكَذِّبُ المَلَك ، فقد صدقَ المَلَكُ وعرفَ الآن أنَّك تائبٌ عما اطلع عليه منك ، ثم خرج قيسٌ من بين يديه فجاء إلى أصحابه فيروز وداذويه ، وأخبرهم بما قال له وردَّ عليه : فقالوا: إنّا كلُّنا على حَذَرٍ ، فما الرأيُ ؟ فبينما هم يشتورون إذ جاءهم رسولُه فأحضرهم بين يديه ، فقال : ألم أشَرِّفكم على قومكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فماذا يبلغني عنكم ؟ فقالوا : أقِلْنا مَرَّتنا هذه ، فقال : لا يبلغني عنكم فأقيلكم ، قال : فخرجنا من عنده ولم نكد ، وهو في ارتيابٍ من أمرنا ، ونحنُ على خطرٍ ، فبينما نحن في ذلك إذ جاءتنا كتبٌ من عامر بن شَهْر، أمير هَمْدان ، وذي ظُلَيْم ، وذي كلاع ، وغيرهم من أمراء اليمن ، يبذلون لنا الطّاعة والنَّصْر ، على مخالفة الأسود، وذلك حين جاءهم كتابُ رسول الله ◌َ لّه يَخُلُّهم على مصاولة الأسودِ العَنْسي ، فكتبنا إليهم أن لا يُحْدِثُوا شيئاً حتى نبرم الأمر(٢) قال قيس : فدخلت على امرأته زاذ، فقلت: يا ابنةَ عمّي قد عرفت بلاءَ هذا الرجل عند قومك ، قتلَ زوجَك ، وطأط(٣) في قومك القتلَ، وفضحَ النساءَ ، فهل عندك ممالأةٌ عليه ؟ قالت : على أي أمر ، قلتُ إخراجه ، قالت : أو قتله ، قلت : أو قتله ، قالتْ : نعم ، واللهِ ما خلقَ اللهُ شخصاً هو أبغضُ إليَّ منه، فما يقومُ لله على حقٍّ ولا ينتهي له عن حرمة ، فإذا عزمتمْ أخبروني أعلمكم بما في هذا الأمر ، قال فأخرج فإذا فيروز وداذويه ، ينتظران يريدون أن يناهضُوه ، فما استقرّ اجتماعُه بهما حتى بعثَ إليه الأسود فدخلَ في عشرةٍ من قومه ، فقال : ألم أخبرك بالحقّ وتخبرني بالكذابة؟ إنه يقول : يا سوأة يا سوأة ، إن لم تقطع من قيس يده يقطع رقبتك العليا ، حتى ظنَّ قيسٌ أنّه قاتلُهُ ، فقال : إنه ليس من الحقّ ، إنّ أهلكَ وأنتَ رسول الله ، فقتلي أحبُّ إليَّ من موتاتٍ أموتُها كلَّ (١) في المطبوع: ((فخربت عليه السكون لصبره فيهم)) وهو تحريف ولا معنى له، والصواب ما أثبتنا ، ويعضده ما في تاريخ الطبري (٢٣٠/٣): ((فحدبوا لصهره علينا)). (٢) نبرم الأمر : ننفذ ، بعد إمعان الرأي فيه . طأطأً في قتلهم : اشتد وبالغ . اللسان ( طأطأ ) . (٣) ١٦ خروج الأسود العنسي يوم ، فرقَّ له وأمره بالانصرافِ ، فخرجَ إلى أصحابه فقال : اعملوا عملَكم ، فبينما هم وقوف بالباب يشتورون ، إذ خرجَ الأسودُ عليهم وقد جمعَ له مئةً ما بين بقرةٍ وبعيرٍ ، فقام وخطَّ خطاً وأقيمت من ورائه ، وقام دونها ، فنحرها ، غير مُحْبَسَةٍ ولا مُعقَّلة ، ما يقتحم الخطّ منها شيء ، فجالت إلى أن زهقت أرواحها ، قال قيس : فما رأيتُ أمراً كانَ أفظعَ منه ، ولا يوماً أوحشَ منه، ثم قال الأسود : أحقٌّ ما بلغني عنكَ يا فيروز؟ لقد هممت أن أنحركَ فألحقكَ بهذه البهيمة ، وأبدى له الحربةَ ، فقال له فيروز : اخترتنا لصهرك ، وفضلتنا على الأبناء ، فلو لم تكن نبياً ما بعنا نصيبنا منك بشيء ، فكيف وقد اجتمع لنا بك أمرُ الآخرة والدنيا؟ فلا تقبلْ علينا أمثالَ ما يبلغُكَ ، فأنا بحيث تحبُّ ، فرضي عنه وأمره بقسم لحوم تلك الأنْعام ، ففرَّقها فيروز في أهل صنعاء ، ثم أسرعَ اللحاقَ به ، فإذا رجلٌ يحرّضُه على فيروز ويسعى إليه فيه ، واستمع له فيروز ، فإذا الأسود يقول : أنا قاتلُه غداً وأصحابه ، فاغْدُ عليَّ به ، ثم التفت فإذا فيروز ، فقال : مه ، فأخبره فيروز بما صنعَ من قسم ذلك اللحم ، فدخل الأسود داره ، ورجع فيروز إلى أصحابه فأعلمهم بما سمعَ وبما قالَ وقيل له ، فاجتمعَ رأيُهم على أن عاودوا المرأة في أمره ، فدخلَ أحدهم - وهو فيروز - إليها فقالت: إنه ليس من الدار بيت إلا والحرس محيطون به ، غير هذا البيت ، فإن ظهره إلى مكان كذا وكذا من الطّريق ، فإذا أمسيتُم فانقبوا عليه من دون الحرس ، وليس من دون قتله شيءٌ ، وإني سأضعُ في البيت سراجاً وسلاحاً ، فلما خرج من عندها تلقّاهُ الأسودُ فقال له : ما أدخلك على أهلي؟ ووجأ رأسه ، وكان الأسود شديداً ، فصاحت المرأةُ فأدهشته عنه ، ولولا ذلك لقتله ، وقالت : ابنُ عميّ جاءني زائراً ، فقال : اسكتي لا أبا لك ، قد وهبتُه لكِ ، فخرجَ على أصحابه فقال : النجاءَ النجاءَ ، وأخبرهم الخبر ، فحاروا ماذا يصنعون؟ فبعثت المرأةُ إليهم تقولُ لهم : لا تَنْنوا عما كنتم عازمين عليه ، فدخلَ عليها فيروزُ الدَّيلمي فاسْتَثْبَتَ منها الخبرَ ، ودخلوا إلى ذلك البيت فنقبوا من داخله بطائن ليهونَ عليهم النقبُ من خارج ، ثم جلسَ عندهما جهرةً كالزائر ، فدخل الأسود فقال : وما هذا؟ فقالت : إنه أخي من الرّضاعة ، وهو ابن عمّي ، فنهره وأخرجَه ، فرجعَ إلى أصحابه ، فلما كان الليلُ نقبوا ذلك البيتَ فدخلوا فوجدوا فيه سراجاً تحتَ جفنةٍ فتقدّم إليه فيروز الديلمي والأسود نائمٌ على فراشٍ من حرير ، قد غرقَ رأسُه في جسده ، وهو سكرانُ يغطُّ ، والمرأةُ جالسةٌ عنده ، فلما قام فيروزُ على الباب أجلسَه شيطانهُ وتكلّم على لسانه - وهو مع ذلك يغطُّ - فقال: مالي ومالكَ يا فيروزُ؟ فخشيَ إن رجعَ يهلكُ وتهلكُ المرأةُ ، فعاجلَه وخالطه وهو مثلُ الجملِ فأخذَ رأسه فدقّ عنقه ووضع ركبتيه في ظهره حتى قتلَه ، ثم قام ليخرجَ إلى أصحابه ليخبرهم ، فأخذت المرأة بذيله وقالت : أين تذهبُ عن حرمتك . فظنَّتْ أنها لم تقتله ، فقال : أخرج لأعلمهم بقتله ، فدخلوا عليه ليحتّزوا رأسه ، فحركه شيطانه فاضطرب ، فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره ، وأخذت المرأةُ بشعره ، وجعلَ يبربرُ بلسانه فاحتزَّ الآخرُ رقبته، فخار كأشدّ خوارِ ثورٍ سُمع قطُ ، فابتدر الحرسُ إلى المقصورة ، فقالوا : ما هذا ما هذا؟ فقالتِ المرأة : النبيّ يُوحى إليهِ، فرجعوا ، وجلس قيسٌ وداذويه وفيروزُ يأتمرون كيف يعلمون أشياعَهم ، فاتّفقوا على أنّه إذا كان الصباحُ ينادون بشعارهم الذي بينهم وبين المسلمين ، فلما كان الصباحُ قام ١٧ تصدّي الصدّيق لقتال أهل الردة أحدُهم ، وهو قيسٌ على سور الحصن فنادى بشعارهم . فاجتمع المسلمون والكافرون حول الحصن ، فنادى قيسٌ ويقال : وبر بن يحنس ، الأذان : أشهد أن محمداً رسول الله ، وأن عبهلة كذاب ، وألقى إليهم رأسه فانهزم أصحابُه وتبعهم الناسُ يأخذونهم ويرصدونهم في كلّ طريقٍ يأسرونهم ، وظهر الإسلام وأهله ، وتراجعَ نواب رسول اللهِوَ لَه إلى أعمالهم وتنازعَ أولئك الثلاثةُ في الإمارة ، ثم اتَّفقوا على معاذٍ بن جَبَلٍ يصلّي بالناس، وكتبوا بالخبر إلى رسولِ الله بِّه، وقد أطلعَه الله على الخبر من ليلتِه، كما قال سيف بن عمر التميمي(١) عن أبي القاسم الشنوي، عن العلاء بن زياد(٢) عن ابن عمر : أتى الخبرُ إلى النبي ◌َّهِ من السماء الليلةَ التي قُتل فيه العنسي ليبشّرنا، فقال: قُتل العنسيُّ البارحةَ، قتله رجلٌ مباركٌ من أهل بيتٍ مباركين ، قيل : ومنْ؟ قال : فيروزُ فيروزُ . وقد قيل : إنَّ مدةَ مُلْكه منذ ظهر إلى أن قتل ثلاثة أشهر ، ويقال : أربعة أشهر ، فالله أعلم . وقال سيفُ بن عمر(٣): عن المُسْتَنير، عن عروة ، عن الضخّاك ، عن فيروز ، قال : قتلنا الأسودَ ، وعاد أمرُنا في صنعاء كما كان إلا أنّا أرسلنا إلى معاذ بن جبل فتراضَيْنا عليه ، فكان يُصلّ بنا في صنعاء، فو الله ما صلّى بنا إلا ثلاثةَ أيام حتى أتانا الخبرُ بوفاةِ رسولِ الله وَّه، فانتقضت الأمور ، وأنكرنا كثيراً مما كنا نعرفُ، واضطربتِ الأرض . وقد قدمنا أن خبرَ العنسي جاء إلى الصّدّيق في أواخر ربيع الأول بعدما جَهَّز جيش أسامة ، وقيل : بل جاءت البشارةُ إلى المدينة صبيحةَ توفي رسول الله وَّ والأول أشهر، والله أعلم. والمقصود أنه لم يجئهم فيما يتعلق بمصالحهم واجتماع كلمتهم وتأليف ما بينهم والتمسّك بدين الإسلام إلا الصديق رضي الله عنه ، وسيأتي إرساله إليهم من يمِّهد الأمور التي اضطربت في بلادهم ويقوّي أيدي المسلمين ، ويثبّت أركان دعائم الإسلام فيهم ، رضي الله عنهم . فصل في تصدّي الصِّدّيق لِقتالِ أهلِ الرِّدة ومانِعِي الزَّكاة قد تقدَّم أنّ رسولَ اللهِ لَه لمّا توفي ارتدَّت أحياءٌ كثيرةٌ من الأعراب، ونجمَ النّفاق بالمدينة ، وانحازَ إِلى مُسَيْلمَةَ الكَذَّاب بنو حنيفةَ وخلقٌ كثيرٌ باليمامة ، والتفَّت على طُلَيْحة الأسدي بنو أَسَدٍ وطيِّء ، وبشرٌ كثيرٌ أيضاً ، وادَّعى النبوَّة أيضاً ، كما ادّعاها مُسَيْلمُ الكَذَّاب، وعظمَ الخَطْبُ واشتدّتِ الحالُ، ونفذَ الصِّدّيق جيشَ أُسامةَ ، فقلَّ الجندُ عند الصّدّيق فطمعت كثيرٌ من الأعراب في المدينة وراموا أن يهجموا تاريخ الطبري ( ٢٣٦/٣) . (١) في ط : زيد؛ تحريف، والتصحيح من الطبري وسير أعلام النبلاء (٤/ ٢٠٢). (٢) (٣) تاريخ الطبري ( ٢٣٦/٣) والخبر أيضاً في الكامل لابن الأثير (٣٤١/٢). ١٨ تصدّي الصدِّيق لقتال أهل الردة عليها ، فجعلَ الصّدّيق على أنقابِ المدينةِ حُرّاساً يبيتون بالجيوش حولَها ، فمن أمراءِ الحرس: عليُّ بن أبي طالب ، والزُّبَيْر بن العَوّام ، وطَلْحةُ بن عبد الله، وسَعْدُ بن أبي وقاص، وعبدُ الرحمن بن عوف ، وعبد الله بن مسعود ، وجَعَلَتْ وفودُ العرب تقدم المدينة يقرُّون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة ، ومنهم من امتنعَ من دفعها إلى الصّدّيق، وذكر أن منهم من احتَجَّ بقوله تعالى: ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَلِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِبِهِم بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمَّ إِنَّ صَلَوْتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [ التوبة: ١٠٣] قالوا: فلسنا ندفعُ زكاتنا إلَّ إلى منْ صلاتُهُ سكنٌ لنا ، وأنشد بعضهم : [ من الطويل ] أطعنا رسولَ اللهِ إِذْ كانَ بَيْننا فواعَجَباً ما بَالُ مُلْكِ أبي بَكْرٍ وقد تكلّم الصحابةُ مع الصّديق في أن يتركهم وما هم عليه من منع الزكاةِ ويتألَّفهم حتى يمكّنَ الإيمانُ في قلوبهم : ثم هم بعد ذلك يُزَكُونَ ، فامتنعَ الصّديق من ذلك وأباه . وقد روى الجماعةُ في كتبهم سوى ابن ماجه (١) ، عن أبي هريرة : أنَّ عمرَ بن الخطاب قال لأبي بكر: علامَ تقاتلُ الناسَ؟ وقد قال رسول الله مَّل: ((أمرت أن أقاتلَ الناسَ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها)). فقال أبو بكر: والله لو مَنَعوني عَناقاً، وفي رواية: عِقالا كانو يؤدّونه إلى رسول الله وَله لأقاتِلَنَّهم على منعها، إنَّ الزكاةَ حقُّ المال، واللهِ لأقاتِلَنَّ مِنْ فَرَّقَ بينَ الصلاةِ والزكاةِ ، قال عمر : فما هو إلا أن رأيتُ اللهَ قد شرحَ صدرَ أبي بكر للقتال ، فعرفتُ أنه الحقُّ . قلت: وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَواْ الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ﴾ [ التوبة: ٥]. وثبت في الصحيحين(٢) : بُني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاءِ الزكاةِ ، وحجِّ البيتِ ، وصومٍ رمضان . وقد روى الحافظ ابن عساكر من طريقين عن شبابة بن سوَّار : حدَّثنا عيسى بن يزيد المديني ، حدَّثني صالح بن كيسان ، قال : لما كانت الرّة قام أبو بكرٍ في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : الحمدُ الله الذي هَدى فَكَفَى، وأعْطى فأغْنَى، إنَّ اللهَ بعثَ محمداً ◌َّرَ والعلم شريد، والإسلام غريبٌ طريدٌ ، قد رثَّ حبلُهُ، وخَلقَ عهدُه، وضلَّ أهلُه منه ، ومقتَ الله أهل الكتاب فلا يعطيهم خيراً لخير عندهم ، ولا يصرف عنهم شراً لشر عندهم ، قد غيَّروا كتابهم ، وألحقوا فيه ما ليس منه ، والعربُ الآمنون يحسبون (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٩٢٤ و٦٩٢٥) في استتابه المرتدين، ومسلم في صحيحه رقم (٢٠) في الإيمان ، وأبو داود في سننه رقم (١٥٥٦) في الزكاة ، والترمذي في جامعه رقم ( ٢٦٠٧) في الإيمان ، والنسائي في سننه (١٤/٥) في الزكاة وهو في مسند الإمام أحمد (٥٢٨/٢) وغيره. قال ابن حجر في فتح الباري (٢٧٨/١٢): والعَناق - بفتح المهملة والنون - الأنثى من ولد المعز. (٢) صحيح البخاري (٨) في الإيمان، وصحيح مسلم (١٦ و٢٢) في الإيمان . ١٩ تصدَّي الصدِّيق لقتال أهل الردة أنَّهم في مَنَعة من اللهِ لا يعبدونه ولا يدعونه ، فأجهدهم عيشاً، وأضلَّهم ديناً ، في ظلف(١) من الأرض مع ما فيه من السحاب ، فختمهم الله بمحمدٍ ، وجعلهم الأمة الوسطى ، نصرهم بمن اتَّبعهم ، ونصرهم على غيرهم، حتى قبض الله نبيه وَ ﴿ فركب منهم الشيطانُ مركبَهُ الذي أنزله عليه ، وأخذ بأيديهم ، وبغى هلكتهم ﴿ وَمَا مُحَمَّدُ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىَ أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَكَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤] إنّ منْ حولكم من العرب منعوا شاتَهم وبعيرَهم ، ولم يكونوا في دينهم - وإن رجعوا إليه - أزهد منهم يومهم هذا ، ولم تكونوا في دينكم أقوى منكم يومكم هذا، على ما تقدَّم من بركةٍ نبيّكم وََّ، وقد وكلكم إلى المولى الكافي، الذي وجدَهُ ضالاً فهداه ، وعائلاً فأغناه ﴿ وَكُنُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنَقَذَكُم مِّنْهَا﴾ [ آل عمران: ١٠٣ ] الآية، والله لا أدَعُ أن أقاتلَ على أمر الله حتى يُنْجِزَ اللهُ وعَدَه، ويوفي لنا عهدَه ، ويُقْتل مِن قُتل منّا شهيداً من أهل الجنة ، ويَبْقَى من بقي منها خليفَتَه ، وذريَّته في أرضِهِ ، قضاءُ اللهِ الحقُّ، وقولُه الذي لا خلفَ له ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِ الْأَرْضِ﴾ [ النور: ٥٥] الآية، ثم نزلَ. وقال الحسن وقتادة وغيرهما في قوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن دِينِهِ، فَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة: ٥٤] الآية، قالوا: المرادُ بذلك أبو بكر وأصحابُه، في قتالهم المُرْتدِّين، ومانعي الزكاة ٢) . وقال محمد بن إسحاق: ارتدَّتِ العربُ عند وفاةِ رسول الله ◌َِّ ما خلا أهل المسجدين ، مكة، والمدينة ، وارتدَّت أسد وغطفان وعليهم طُلَيْحة بن خُوَيْلدِ الأسدي الكاهن ، وارتدَّت كندةٌ ومن يليها ، وعليهم الأشعثُ بن قيس الكِنْدي، وارتدَّتْ مَذْحجٌ ومن يليها ، وعليهم الأسود بن كعب العَنْسي الكاهن، وارتدَّتْ ربيعةُ مع المعرور بن النعمان بن المنذر ، وكانت حنيفةُ مقيمةً على أمرها مع مُسَيْلمة بن حبيب الكذّاب ، وارتدَّت سليم مع الفجاءة ، واسمه أنس بن عبد يا ليل ، وارتدَّتْ بنو تميم مع سَجَاحِ الكاهنة . وقال القاسم بن محمد (٣): اجتمعت أسد وغطفان وطيء على طُلَيْحة الأسدي ، وبعثوا وفوداً إلى المدينة ، فنزلوا على وجوه الناس فأنزلوهم إلا العباس ، فحملوا بهم إلى أبي بكر ، على أن يقيموا الصلاة ولا يؤتوا الزكاة ، فعزم الله لأبي بكر على الحق وقال : لو مَنَعوني عِقالاً لجاهَدْتُهم ، فردَّهم فرجعوا إلى عشائرهم ، فأخبروهم بقلَّة أهل المدينة ، وطمَّعوهم فيها ، فجعلَ أبو بكر الحرسَ على أنقاب(٤) المدينة ، وألزمَ أهلَ المدينة بحضور المسجد وقال : إنّ الأرضَ كافرةٌ ، وقد رأى وفدهم منكم قلّةً ، وإنكم لا تدرون ليلاً يأتون أم نهاراً، وأدناهم منكم على بريدٍ ، وقد كان القومُ يُؤَمِّلون أن نقبل منهم الظلف من الأرض - بفتح الظاء واللام - الغليظ الصلب من الأرض مما لا يبين فيه أثر. اللسان (ظلف ). (١) (٢) تفسير ابن كثير ( ٢ / ٥٩٥) طبعة دار الأندلس . (٣) تاريخ الطبري (٢٤٤/٣ - ٢٤٨). (٤) أنقاب: جمع نَقْب ونُقب : الطريق. اللسان ( نقب ). ٢٠ تصدَّي الصدِّيق لقتال أهل الردة ونوادعهم وقد أبَيْنا عليهم، فاستعدّوا وأعدّوا، فما لبثوا إلَّ ثلاثاً حتى طرقُوا المدينة غارةً، وخلَّفوا نصفَهم بذي حُسَى ليكونوا ردءاً لهم ، وأرسلَ الحرس إلى أبي بكر يخبرونه بالغارةِ ، فبعث إليهم : أن الْزموا مكانكم. وخرج أبو بكر في أهل المسجد على النَّواضِحُ(١) إليهم، فانفشَّ العدوُ واَّبعهم المسلمونَ على إيلهم، حتى بلغوا ذا حُسَى(٢) ، فخرجَ عليهم الرِّدْء فالتقوا مع الجمع، فكان الفتح وقد قال: [من الطويل] فَيا لعبادِ الله ما لأبي بكرٍ أَطَعَنْا رسولَ الله ما كانَ وَسطَنا وتِلكَ لَعمرُ الله قاصِمَةُ الظّهرِ أيورثنا بَكْراً إذا ماتَ بعدَه وَهلاَّ خَشِيتُمْ حِسَّ راغيةِ البكرِ ؟ فَهَّلا رَدَدتُم وَفْدنا بِزَمانِهِ ؟ لكالتَّمرِ أو أحلى إليَّ منَ الثَّمر وإنَّ التي سألوكموا فَمَنَعْتُموا وفي جمادى الآخرة ركب الصّدّيقُ في أهل المدينة وأمراءِ الأنقاب ، إلى من حول المدينة من الأعراب الذين أغاروا عليها ، فلما تواجه هو وأعداؤه من بني عَبْسٍ ، وبنى مُرَّة ، وذبيان ، ومنْ ناصب معهم من بني كنانة ، وأمدَّهم طُلَيْحة بابنه حبال ، فلما تواجه القوم كانوا قد صنعوا مكيدةً وهي أنهم عمدوا إلى أنحاء(٣) فنفخوها ثم أرسلوها من رؤوس الجبال ، فلما رأتها إبلُ أصحاب الصديق نفرت وذهبت كلَّ مذهبٍ، فلم يملكوا من أمرها شيئاً إلى الليل، وحتى رجعت إلى المدينة، فقال في ذلك الخُطَيْل بن أوس: [ من الضوير ] عَشِيَّةَ يَحديٌ(٤) بالرِّماحِ أبو بكر فِدىٌ لِبَني ذبيان رحلي وناقتي إلى قدر ما أن تقيمَ ولا تسري(٦) ولكن يُدَهْدِىُ(٥) بالرِّجَالِ فَهَبنهُ لِتُحسبَ فيما عُدَّ من عَجَب الدَّهرِ ولله أجنادٌ تُذاقُ مَذَاقَهُ فَيا لعبادِ الله ما لأبي بكرٍ أطعنا رسولَ الله ما كان بيننا فلما وقع ما وقع ظنَّ القوم بالمسلمين الوَهن ، وبعثوا إلى عشائرهم من نواحي أَخَر ، فاجتمعوا ، وباتَ أبو بكر رضي الله عنه قائماً ليله يُعَبِّىءُ الناسَ ، ثم خرجَ على تعبئة من آخر الليل ، وعلى ميمنته النُّعمانُ بن مُقَرِّنٍ، وعلى المَيْسرة أخوه عبد الله بن مُقَرِّن، وعلى السَّاقةِ أخوهما سُويد بن مُقرِّن ، فما طلعَ الفجرُ إلا وهم والعدوُ في صعيدٍ واحدٍ ، فما سمعوا للمسلمين حساً ولا همساً ، حتى وضعوا فيهم السيوف ، فما طلعتِ الشمسُ حتى ولُّوهم الأدبار ، وغلبوهم على عامةِ ظهرهم ، وقُتل حبال ، واتَّبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة ، وكان أول الفتح ، وذلّ بها المشركون ، وعزّ بها المسلمون ، ووثب بنو النّواضح من الإبل : التي يستقى عليها واحدها ناضح . اللسان ( نضح ) . (١) ذو حُسى : واد بأرض الشَّرْبَة من ديار عبس وغطفان. معجم البلدان (٢٥٨/٢) . (٢) (٣) الأنحاء : جمع نحو وهو الظرف . اللسان ( نحو ) . في الطبري (٢٤٥/٣) : يحذى . (٤) دهده ودهدى يدهدي : دحرج وقلب بعضه على بعض . اللسان ( دهده ) . (٥) في الطبري : إلى قَدرٍ ما إن يزيدُ ولا يَحري . (٦)