النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي داود عليه السلام )
فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴿ أَوْ يُلْقَىَ إِلَيْهِ كَنْزُّ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَاً وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا
رَجُلًا مَّسْحُورًا (٨َ أَنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الْأَمْثَلَ فَضَلُواْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٧ - ٩] إلى قوله :
وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِ الْأَسْوَاقِ﴾ [ الفرقان: ٢٠] أي:
للتكسب والتجارة طلباً للربح الحلال ، ثم لما شرعَ الله له الجهادَ بالمدينة ، كان يأكلُ مما أباحَ له من
المغانم التي لم تُبَحْ لنبيِّ قبلَه ، ومما أفاءَ عليه من أموال الكفّار التي أُبيحت له دون غيره ، كما جاء في
المسند والترمذي عن ابن عمر قال: قال رسول الله وَ له: ((بُعثت بالسيف بين يدي السَّاعة حتى يُعبَد الله
وحدَه لا شريكَ له ، وجُعِلَ رزقي تحتَ ظِلِّ رُمحِي، وجُعِلَ الذلَّة والصَّغار على من خالف أمري ، ومن
تشبّه بقوم فهو منهم)(١) . وأما إلانة الحديد له عليه السلام ، فكان من المعجزات الباهرات ، كان الحديدُ
يلين بين يديه من غير نار كما يلينُ العجينُ في يده ، فكانَ يصنعُ هذه الدروعَ الداودية ، وهي الزَّرَدِيَّات
السَّابغات، وأمره الله تعالى بكيفية عملها : ﴿وَقَدِّرْ فِ السَّرْدِّ﴾ [سبأ: ١١] أي: ألا يدقَّ المسمار
فيسلس ، ولا يعظمه فيفصم، كما جاء في البخاري(٢). وقال تعالى: ﴿ وَعَلَّمْنَهُ صَنْعَةَ لَبُوُسٍ لَّكُمْ
لِنُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [ الأنبياء: ٨٠] وقد قال بعض الشعراء في معجزات النبوة:
نَسْجُ داودَ ما حَمَى صَاحِبَ الغَا رٍ وَكَانَ الفَخَارُ لِلعَنْكَبوتِ
والمقصود المعجز في إلانة الحديد ، وقد تقدَّم في السيرة عند ذكر حفر الخندق عام الأحزاب ، وفي
سنة أربع ، وقيل : خمس ، أنهم عَرَضَت لهم كُدْيةٌ - وهي الصَّخرة في الأرض - فلم يقدروا على كسرها
ولا شيءَ منها، فقامَ إليها رسولُ اللهِ وَ ل ◌َهـــ وقد ربطَ حجراً على بطنه من شدة الجوع - فضربَها ثلاثَ
ضَرباتٍ ، لمعتِ الأولى حتَّى أضاءت له منها قصورُ الشام ، وبالثانية قصورُ فارسَ ، وثالثة ، ثم انسالت
الصَّخرة كأنها كثيبٌ من الرَّمل ، ولا شكَّ أن انسيالَ الصخرة التي لا تنفعلُ ولا بالنار ، أعجبُ من لين
الحديد الذي إن أحمي لانَ ، كما قال بعضهم :
فَلَو أَنَّ ما عَالجتَ لِينَ فُؤْادِها بِنَفْسِي لَلاَن الجَنْدَلُ الصَّلدُ
والجَندل : الصخر ، فلو كان شيء أشدَّ قسوة من الصخر لذكره هذا الشاعر المُبَالِغِ ، وقال الله
تعالى: ﴿ ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِىَ كَلِحِجَارَةٍ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٌ﴾ [ البقرة: ٧٤] الآية . وأما قوله تعالى:
(١) رواه أحمد في المسند (٢/ ٥٠) و(٩٢) وابن أبي شيبة في مصنفه (٣١٣/٥) وأخرج الجملة الأخيرة منه أبو داود رقم
(٤٠٣١) وليس الحديث عند الترمذي ، وحسنه الحافظ في الفتح ، وعلق البخاري طرفاً منه في صحيحه ، ورواه
الطحاوي في ((شكل الآثار)) (١ /٨٨) وابن أبي شيبة في مصنفه (٥/ ٣٢٢) من طريق آخر فالحديث حسن .
(٢) رواه البخاري في الأنبياء من صحيحه، باب قول الله تعالى: ﴿ وَءَاتَيْنَا دَاوُ دَ زَبُورًا﴾ (١٩٤/٤) قبل حديث (٣٤١٧)
تعليقاً، وفيه: ((ولا يدقَّ المسمار فيتسلسل، ولا تعظم فيفصم)). ومعنى: يتسلسل : يسلت . وتعظم: تجعله
عظيماً كبيراً ، فيفصم : يكسر الحلقة .

٤٢٢
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام )
﴿ قُلَ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥َّ أَوْ خَلْقَاً مِّمَا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ [ الإسراء: ٥٠ - ٥١ ] الآية ، فذلك لمعنى آخر
في التفسير ، وحاصلُه أنَّ الحديدَ أشدُّ امتناعاً في الساعة الراهنة من الحجر ما لم يُعالج ، فإذا عُولِجَ انفعلَ
الحديدُ ولا ينفعلُ الحجر ، والله أعلم .
وقال أبو نُعيم : فإن قيل : فقد ليَّن الله لداود عليه السلام الحديدَ حتى سردَ منه الدروعَ السوابغَ ،
قيل: لُّنَتْ لمحمد ◌َِّ الحجارةُ وصُمُّ الصُّخور، فعادت له غاراً استتر به من المشركين، يوم أحد مال وَل
برأسه إلى الجبل ليخفيَ شخصَه عنهم فليَّنَ الله له الجبلَ حتى أدخلَ رأسَه فيه ، وهذا أعجبُ لأن الحديدَ
تُلَيِّنُهُ النَّارُ، ولم تُر النَّارُ تُلَيِّنُ الحجرَ ، قال : وذلك بعد ظاهر باق يراه الناس . وقال : وكذلك في بعض
شِعاب مكة حجرٌ من جبل أصمُّ استروحَ في صلاته إليه ، فلانَ الحجرُ حتى أثَّرَ فيه بذراعيهِ وساعديه ،
وذلك مشهورٌ يقصدُه الحجّاجُ ويزورونه . وعادتِ الصخرةُ ببيت المقدس ليلةً أَسري به كهيئة العجين ،
فربطَ بها دابَتَه - البُراق - وموضعه يلمسُه الناس إلى يومنا هذا١) .
وهذا الذي أشارَ إليه ، من يوم أحد ، وبعض شعاب مكة غريب جداً ، ولعلَّه قد أسندَه هو فيما
سلفَ ، وليس ذلك بمعروف في السيرة المشهورة .
وأما ربطُ الدابة في الحجر فصحيحٌ ، والذي ربطّها جبريل كما هو في صحيح(٢) مسلم رحمه الله .
وأما قوله: ﴿ وَءَايَّْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] فقد كانت الحكمةُ التي أوتيها محمد وَله
والشِّرْعة التي شرعت له أكملَ من كلِّ حكمة وشِرْعة كانت لمن قبلَه من الأنبياء صلوات الله عليه وعليهم
أجمعين ، فإن الله جمعَ له محاسنَ مَن كان قبلَه ، وفضله ، وأكملَ له ما لم يُؤْتِ أحداً قبلَه ، وقد قال
وَّةِ: ((أوتيتُ جوامعَ الكَلم، واختُصِرَت ليَ الحكمةُ اختصاراً(٣) ولا شكَّ أن العربَ أفصحُ الأمم ،
وكان النبيُّ نَّهِ أَفصحَهم نطقاً، وأجمعُ لكلِّ خلقٍ جميلٍ مطلقاً.
القول فيما أُوتي سليمان بن داود عليه السلام
أَوَءَآخَرِينَ مُقَرَّتِنَ فِى
قال الله تعالى: ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الْرِّيَحَ تَجْرِى بِأَمْرِهِ، رُغَةً حَيْثُ أَصَابَ ﴿ وَالشَّيَطِينَ كُلّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ ﴾
اُلْأَصْفَادِ ◌َِّ هَذَا عَطَآؤُنَا فَأَمْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَثَابٍ﴾ [ص: ٣٦ -٤٠] وقال الله تعالى :
وَلِسُلَيْمَنَ الْرِّيَحَ عَاصِفَةً تَجْرِى بِأَمْرِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِى بَرَّكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَىْءٍ عَلِمِينَ ﴾ وَمِنَ الشَّيَطِينِ مَن يَغُوُصُونَ
(١) دلائل النبوة؛ لأبي نعيم (٧٥٩/٢) ولا وجه للمقارنة بين ما هو قطعي الثبوت في كتاب الله تعالى، وبين ما يفتقر إلى
السند الصحيح والثبوت .
(٢) رواه مسلم في صحيحه (١٦٢)(٢٥٩) وفيه أن الرسول و طيه هو الذي ربط البراق بحلقة باب المسجد الأقصى.
(٣) رواه الدارقطني في سننه (١٤٥/٤) عن ابن عباس، والبيهقي في الشعب (١٤٣٦) عن عمر، ولفظه: (( أعطيت
جوامع الكلم ، واختُصر لي الحديث اختصاراً)) . وذكره السيوطي في الجامع الصغير ، وقال : إسناده حسن .

٤٢٣
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام )
لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكْ وَكُنَّا لَهُمْ حَفِظِينَ﴾ [الأنبياء: ٨١ - ٨٢] وقال تعالى: ﴿ وَلِسُلَيْمَنَ الْرِيحَ
غُدُوُهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ اُلْقِطْرِّ وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِهِ، وَمَن يَزِعْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا تُذِقْهُ مِنْ
عَذَابٍ السَّعِيرِ (١٦) يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَآءُ مِن تَحَرِيبَ وَتَمَثِيلَ وَحِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَّاسِيَتٍ أَعْمَلُواْ ءَلَ دَاوُدَ شُكْرًاً وَقَلِلٌ
مِنْ عِبَادِىَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٢ - ١٣] وقد بسطنا ذلك في قصته ، وفي التفسير أيضاً، وفي الحديث الذي
رواه الإمام أحمد(١) وصحَّحه الترمذي(٢)، وابن ماجه(٣) وابن حبان(٤)، والحاكم في مستدركه(٥) : عن
عبد الله بن عمرو، عن النبيِّي ◌َّمَ: ((أن سليمانَ عليه السلام لما فرغَ من بناء بيت المقدس سألَ الله خلالاً
ثلاثاً ، سألَ الله حكماً يُوافق حكمَه ، ومُلكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وأنه لا يأتي هذا المسجد أحدٌ إلا
خرجَ من ذنوبه كيوم ولدته أُمُّه )).
أما تسخيرُ الريح لسليمان، فقد قال الله تعالى في شأن الأحزاب: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَتَّكُمْ جُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَأَ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [ الأحزاب: ٩].
وقد تقدَّم في الحديث الذي رواه مسلم : من طريق شعبة ، عن الحَكَم ، عن مجاهد ، عن ابن
عباس ؛ أن رسول الله ﴿ ﴿ قال: ((نُصرتُ بالصبا وأُهلكت عاد بالدبور)(٦).
ورواه مسلم : من طريق الأعمش ، عن مسعود بن مالك ، عن سعيد بن جُبير ، عن ابن عباس ، عن
النبي ◌َّ مثله(٧).
وثبتَ في الصحيحين: ((نُصرتُ بالوُعبِ مسيرةً شهر)(٨) .
ومعنى ذلك أنه مَّ كان إذا قصدَ قتالَ قوم من الكفّار ألقى الله الرعبَ في قلوبهم منه قبلَ وصوله إليهم
بشهر، ولو كان مسيرُه شهراً، فهذا في مقابلة ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢] بل هذا أبلغ في
التمكين والنصر والتأييد والظفر، وسُخِّرَتْ له الرياحُ تسوقُ السَّحابَ لإنزال المطر الذي امتنَّ الله تعالى به
حين استسقى رسولُ اللهِوَّ لأصحابه في غير ما موطن كما تقدَّمَ . وقال أبو نُعيم : فإن قيل : فإن سليمانَ
سُخِّرَت له الريحُ فسارت به في بلاد الله، وكان غدؤُها شهراً ورواحُها شهراً. قيل: ما أعطي محمّدٌ وَل
(١) في مسنده (٢/ ١٧٦) وإسناده صحيح .
(٢) كذا قال، ولا يصح ، فإن الترمذي لم يخرجه أصلاً.
(٣)
في سننه (١٤٠٨) .
في صحيحه (١٦٣٣) و (٦٤٢٠).
(٤)
مستدرك الحاكم (٢ / ٤٣٤) .
(٥)
(٦) رواه مسلم في صلاة الاستسقاء (٩٠٠) (١٧) باب في ريح الصبا والدبور .
(٧)
رواه مسلم في الاستسقاء (٩٠٠)(١٨).
(٨) رواه البخاري في التيمم (٣٣٥) ومسلم في المساجد (٥٢٣).

٤٢٤
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام )
أعظمُ وأكبرُ ، لأنه سارَ في ليلةٍ واحدةٍ من مكَّة إلى بيت المقدس مسيرةَ شهرٍ ، وعُرج به في ملكوتٍ
السموات مسيرة خمسينَ ألف سنة ، في أقل من ثلث ليلة ، فدخلَ السمواتِ سماءً سماءً ، ورأى
عجائبها ، ووقفَ على الجنَّةِ والنَّار، وعُرِضتْ عليه أعمالُ أمته، وصلَّى بالأنبياء وبملائكةِ السموات ،
واخترقَ الحُجُبَ ، وهذا كلُّه في ليلة واحدة ، أكبر وأعجب .
وأما تسخيرُ الشياطين بين يديه ، تعملُ ما يشاء من محاريبَ وتماثيلَ وجِفانٍ كالجواب وقدور
راسيات ، فقد أنزلَ الله الملائكةَ المقرَّبين لنصرة عبده ورسوله محمد بَ لّ في غير ما موطن ، يوم أحد
وبدر ، ويوم الأحزاب ، ويوم حنين ، كما تقدَّم ذكرنا ذلك مفصلاً في مواضعه . وذلك أعظم وأبهر ،
وأجلُّ وأعلى من تسخير الشياطين . وقد ذكر ذلك أبو حامد في كتابه .
وفي الصحيحين: من حديث شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النبي ◌َّ قال: ((إن
عفريتاً من الجِنِّ تفلَّت عليَّ البارحة - أو كلمةٌ نحوَها - ليقطعَ عليَّ الصلاة ، فأمكنني الله منه ، فأردتُ أن
أربطَه إلى ساريةٍ من سَواري المسجد حتى تُصبحوا وتنظروا إليه كلكم ، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان : ربِّ
اغفر لي وهب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من بعدي)(١). قال روح: فردّه الله خاسئاً . لفظ البخاري .
ولمسلم : عن أبي الدرداء نحوه ، قال: (( ثم أردتُ أخذَه ، والله لولا دعوةُ أخينا سليمان لأصبح مُوثَّقَاً
يلعبُ به وِلدانُ أهل المدينة)(٢).
وقد روى الإمام أحمد بسند جيد (٣): عن أبي سعيد، أنَّ رسولَ الله مَ له قامَ يُصلِّي صلاةَ الصبح ،
وهو خلفه، فقرأ فالتبست عليه القراءةُ، فلما فرغ من صلاته قال: ((لو رأيتموني وإبليس فأهويتُ بيدي
فما زلتُ أختنقه حتى وجدتُ بردَ لُعابه بين أُصبعيَّ هاتين ، الإبهام والتي تليها ، ولولا دعوة أخي سليمان
لأصبحَ مربوطاً بسارية من سواري المسجد يتلاعبُ به صِبْيان أهل المدينة )) .
وقد ثبت في الصِّحاح والحِسان والمسانيد؛ أن رسولَ الله ◌ِوَ لَّه قال: ((إذا دخلَ شهرُ رمضانَ فتحت
أبواب الجنان وغُلِّقَتْ أبوابُ النيران وصُفِّدت الشياطين)(٤) وفي رواية: ((مردة الجن)). وهذا من بركة
ما شرعه الله له من صيام شهر رمضان وقيامه ، وسيأتي عند ذكر إبراء الأكمه والأبرص من معجزات
المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام ، دعاء رسول الله وَّوَ لغير ما واحد ممن أسلم، من الجِنّ(٥)،
(١) رواه البخاري (٤٤٩) في المساجد ، باب الأسير يُربط في المسجد ، ومسلم في المساجد (٥٤١) باب جواز لعن
الشيطان في أثناء الصلاة .
(٢) رواه مسلم في المساجد (٥٤٢) .
(٣) رواه أحمد في المسند (٣/ ٨٢ - ٨٣) وهو كما قال المؤلف.
(٤) رواه البخاري (١٨٩٩) في الصوم ، باب هل يقال رمضان ، ومسلم (١٠٧٩) في الصوم ، باب فضل شهر رمضان.
(٥) أي : من مسِّ الجن .

٤٢٥
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام )
فشُفِي ، وفارقَهم خوفاً منه ومهابة له ، وامتثالا لأمره ، صلوات الله وسلامه عليه . وقد بعث الله إليه نفراً
من الجِنِّ يسمعونَ القرآنَ، فآمنوا به وصدَّقوه، ورجعوا إلى قومهم فدَعَوهم إلى دين محمّدٍ وَّ ،
وحذَّرُوهم مخالفَته ، لأنه كان مبعوثاً إلى الإنس والجِنِّ ، فآمنت طوائفُ من الجِنِّ كثيرة كما ذكرنا ،
ووفدت إليه منهم وفودٌ كثيرة وقرأ عليهم سورةَ الرحمن ، وخبَّرهم بما لِمَن آمنَ منهم من الجِنان ، وما لِمَن
كفرَ من النيران، وشرعَ لهم ما يأكلون وما يُطعمون دوابَّهم ، فدلَّ على أنه بَيَّنَ لهم ما هو أهمُّ من ذلك
وأكبر .
وقد ذكر أبو نُعيمُ (١) هاهنا حديثَ الغول التي كانت تسرقُ التمرَ من جماعةٍ من أصحابه بَّه، ويُريدون
إحضارَها إليه ، فتمتنعُ كلَّ الامتناع خوفاً من المثول بين يديه ، ثم افتدت منهم بتعليمهم قراءة آية الكرسيّ
التي لا يقربُ قارئَها الشيطانُ ، وقد سقنا ذلك بطرقه وألفاظه عند تفسير آية الكرسي من كتابنا التفسير(٢)
ولله الحمد . والغولُ : هي الجِنُّ المتبدّي بالليل في صورة مرعبة .
وذكر أبو نُعيم هاهنا حمايةَ جبريل له عليه السلام غير ما مرة من أبي جهل كما ذكرنا في السِّيرة ، وذكر
مقاتلة جبريل وميكائيل عن يمينه وشماله يومَ أحد .
وأما ما جمعَ الله تعالى لسليمانَ من النبوة والمُلك كما كان أبوه من قبله، فقد خيّر الله عبدَه محمّداً وَل
بين أن يكونَ مَلِكاً نبيَّاً أو عَبداً رسولًاً، فاستشارَ جبريلَ في ذلك فأشارَ إليه وعليه أن يتواضعَ ، فاختارَ أن
يكونَ عبداً رسولاً ، وقد روي ذلك من حديث عائشة وابن عباس ، ولا شكَّ أن منصبَ الرسالة أعلى .
وقد عُرِضَت على نبيِّنا وَّلَ كنوز الأرض فأباها. قال: (( ولو شئتُ لأجرى الله معي جبالَ الأرض ذهباً ،
لكن أجوعُ يوماً وأشبعُ يوماً)) وقد ذكرنا ذلك كلَّه بأدلته وأسانيده في التفسير وفي السيرة أيضاً ، ولله الحمد
والمنة .
وقد أوردَ الحافظُ أبو نُعيم هاهنا طرفاً منها ، من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهري ، عن
سعيد وأبي سلمةَ، عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌ِ ◌ّ: ((بينا أنا نائمٌ جِيءَ بمفاتيح خزائنِ الأرض
فجُعِلتْ في يدي (٣) .
ومن حديث الحسين بن واقد ، عن أبي الزبير ، عن جابر، مرفوعاً: (( أوتيتُ بمفاتيح خزائن الدنيا
على فرس أبلق ، جاءني به جبريل عليه قطيفة من سندس (٤) . ومن حديث القاسم ، عن أبي أمامة ،
(١) دلائل النبوة؛ لأبي نعيم (٧٦٦/٢).
انظر تفسير ابن كثير (٣٧٨/١ -٣٨٢).
(٢)
ورواه البخاري (٢٩٧٧) بنحوه في الجهاد ، ومسلم (٥٢٣)(٦) في المساجد ، من حديث سعيد بن المسيب عن أبي
(٣)
هريرة .
(٤) رواه أحمد في المسند (٣٢٨/٣) وإسناده ضعيف فإن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه.

٤٢٦
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي سليمان بن داود عليه السلام )
مرفوعاً: ((عرضَ عليَّ ربِّي ليجعلَ لي بطحاءَ مَكَّة ذهباً، فقال: لا ياربّ ، ولكن أشبعُ يوماً وأجوعُ
يوماً ، فإذا جعتُ تضرَّعتُ إليك وذكرتُكَ، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك)(١) .
قال أبو نعيم : فإن قيل : فإنَّ سليمان عليه السلام كان يفهمُ الطَّير والنَّملة كما قال الله تعالى :
وَقَالَ يَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمُنَا مَنِطِقَ الَّيْرِ﴾ [النمل: ١٦] الآية وقال: ﴿حَتََّ إِذَا أَتَوْ عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَتَأَيُّهَا
النَّمْلُ ادْ خُلُواْ مَسَكِنَكُمْ لَا يَخْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَنُ وَحُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(١) فَنَبَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ الآية [ النمل: ١٨ -
١٩]. قيل: قد أعطي محمّد بِّه مثل ذلك وأكثر منه، فقد تقدَّم ذكرنا لكلام البهائم والسِّباع ، وحنين
الجذع ، ورُغاء البعير ، وكلام الشَّجَرِ ، وتسبيح الحصى والحجر ، ودعائه إياه واستجابته لأمره ، وإقرار
الذئب بنبوَّته ، وتسخير الطير لطاعته ، وكلام الظبية وشكواها إليه ، وكلام الضَّبِّ وإقراره بنبوَّته ، وما في
معناه ، كلُّ ذلك قد تقدَّم في الفصول بما يُغني عن إعادته . انتهى كلامه .
قلت : وكذلك أخبره ذراع الشاة بما فيه من الُّمِّ ، وکان ذلك بإقرار من وضعه فيه من اليهود .
وقال: ((إن هذه السَّحابةَ لتستهِلُّ بنصرك يا عمرو بن سالم - يعني الخزاعي(٢) -)) حين أنشدَه تلك
القصيدةَ يستعديه فيها على بني بكر الذين نَقَضُوا صُلحَ الحديبية ، وكان ذلك سببَ فتح مكَّة كما تقدَّم .
وقال بَّهُ: ((إني لأعرفُ حَجَراً كان يُسلِّمُ عليَّ بمكة قبلَ أَن أُبعثَ، إنِّي لأعرفُه الآن(٣))) فهذا إن كان
كلاماً كما يليق بحاله ففهم عنه الرسول ذلك ، فهو من هذا القبيل وأبلغ ، لأنه جماد بالنسبة إلى الطير
والنمل ، لأنهم من الحيوانات ذوات الأرواح ، وإن كان سلاماً نطقياً وهو الأظهر ، فهو أعجب من هذا
الوجه أيضاً ، كما قال عليّ: خرجتُ مع رسول الله ◌َّلَه في بعض شعاب مكة، فما مرَّ بحجر ولا شجر ولا
مدر إلا قال: السلام عليك يا رسولَ الله(٤)! فهذا نطقٌ سمعه رسول الله بِ له وعليّ رضي الله عنه .
ثم قال أبو نُعيم: حدَّثنا أحمدُ بن محمد بن الحارث العنبري ، حدَّثنا أحمد بن يوسف بن سفيان ،
حدَّثنا إبراهيمُ بن سُويد النخعي ، حدَّثنا عبد الله بن أذينة الطائي ، عن ثور بن يزيد ، عن خالد بن
معدان، عن معاذ بن جبل قال: أتى النبي وَل ـ ـ وهو بخيبر - حمار أسود فوقف بين يديه فقال: (( من
أنت ؟ )) فقال: أنا عمرو بن فهران، كنا سبعة إخوة وكلنا رَكِبَنا الأنبياءُ وأنا أصغرُهم ، وكنتُ لك فملكني
(١) رواه الترمذي في سننه (٢٣٤٧) مكرر في الزهد وإسناده ضعيف .
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام (٣٩٥/٢)، وانظر فتح الباري (٧/ ٥٢٠) والبيهقي في السنن (٢٣٣/٩) وهو حديث
حسن .
(٣) رواه مسلم في صحيحه (٢٢٧٧) في الفضائل.
(٤) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ٢٦٠)، وقال: رواه الطبراني في الأوسط، والتابعي أبو عمارة الحيواني لم
أعرفه ، وبقية رجاله ثقات وفي إسناده ضعف .

٤٢٧
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي عيسى ابن مريم عليه السلام )
رجل من اليهود، وكنت إذا ذكركَ عثرتُ به، فيُوجعني ضرباً. فقال النبيِّمَ: ((فأنتَ يعفورُ)(١) .
وهذا الحديث فيه نكارةٌ شديدة ولا يُحتاج إلى ذكره مع ما تقدَّم من الأحاديث الصحيحة التي فيها غُنَيَةٌ
عنه ، وقد رُوي على غير هذه الصِّفة ، وقد نصّ على نكارته ابن أبي حاتم عن أبيه ، والله أعلم .
القول فيما أُوتي عيسى ابن مريم عليه السلام
ويُسمَّى المسيحُ(٢)، فقيل: لمسحه الأرض، وقيل : لمسح قدمه ، وقيل : لخروجه من بطن أمه
ممسوحاً بالدهان ، وقيل : لمسح جبريل بالبركة ، وقيل : لمسح الله الذنوب عنه ، وقيل : لأنه كان
لا يمسحُ أحداً إلا برأ . حكاها كلَّها الحافظُ أبو نعيم رحمه الله .
ومن خصائصه أنه عليه السلام مخلوق بالكلمة من أُنثى بلا ذكر ، كما خُلقت حواء من ذكر بلا أُنثى ،
وكما خُلقَ آدم عليه السلام لا من ذكر ولا من أنثى ، وإنما خلقه الله تعالى من تراب ، ثم قال له :
﴿ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [ آل عمران: ٥٩]. وكذلك يكون عيسى بالكلمة وينفخ جبريل مريم فخلق الله منها عيسى.
ومن خصائصه وأمه أن إبليس لعنه الله حين وُلد ، ذهبَ يطعن فطعنَ في الحجاب كما جاء في
(٣)
الصحيح(٣) .
ومن خصائصه أنه حيٌّ لم يمت ، وهو الآن بجسده في السماء الدنيا ، وسينزل قبلَ يوم القيامة على
المنارة البيضاء الشرقية بدمشق ، فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً ، كما مُلئت جوراً وظلماً ، ويحكمُ بهذه
الشريعة المحمَّدية ، ثم يموتُ ويُدفن بالحجرة النبوية ، كما رواه الترمذي (٤) . وقد بسطنا ذلك في قصته
من كتابنا هذا . وقال شيخنا العلامة ابن الزملكاني رحمه الله تعالى : وأما معجزات عيسى عليه السلام ،
فمنها إحياء الموتى، وللنبيّ بَّه من ذلك كثير، وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الميت، وقد كلَّم النبيَّ ◌َيل
الذراعُ المسمومةُ ، وهذا الإحياء أبلغ من إحياء الإنسان المَيِّت من وجوه ، أحدُها : إنَّه إحياءُ جزءٍ من
الحيوان دون بقيّة بدنه ، وهذا معجز لو كان متصلاً بالبدن . الثاني : أنه أحياه وحدَه منفصلاً عن بقية
أجزاء ذلك الحيوان مع موت البقية . الثالث : أنه أعاد عليه الحياة مع الإدراك والعقل ، ولم يكن هذا
الحيوانُ يعقل في حياته فصار جزؤه حيّاً يعقل . الرابع : أنه أقدره الله على النطق والكلام ولم يكن
(١) ذكره القاضي عياض في ((الشفا)) (٣١٤/١) والسهيلي في ((الروض الأنف)) وفي ((الفصول في سيرة الرسول وَل))
(ص٢٥٩) قال الحافظ ابن كثير : سألت شيخنا : أبا الحجاج المزي عن هذا الخبر ، فقال : ليس له أصل وهو
ضحكة .
(٢) الصواب أن المسيح لَقَبِّ ، وأصله في العبرانية مشيحا ، ومعناه في العربية : الصديق .
(٣) رواه البخاري في صحيحه (٣٢٨٦) في بدء الخلق .
(٤) رواه الترمذي في سننه في المناقب رقم (٣٦١٧)، وقال: هذا حديث حسن غريب، وفي إسناده ضعف .

٤٢٨
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي عيسى ابن مريم عليه السلام )
الحيوان الذي هو جزؤه مما يتكلّم ، وفي هذا ما هو أبلغُ من حياة الطيور التي أحياها الله لإبراهيم ◌َّر.
قلت: وفي حلول الحياة والإدراك والعقل في الحَجَر الذي كان يُخاطبُ النبيَّ ◌َّ بالسلام عليه ، كما
قد روي في صحيح مسلم(١) ، من المُعجز ما هو أبلغُ من إحياء الحيوان في الجملة ، لأنه كان محلاً للحياة
في وقت ، بخلاف هذا حيث لا حياة له بالكلية قبل ذلك ، وكذلك تسليمُ الأحجار والمَدَر عليه ، وكذلك
الأشجار والأغصان وشهادتها له بالرسالة ، وحنين الجذع إليه صلوات الله وسلامه عليه .
قال شيخنا رحمه الله تعالى : وقد جمع ابن أبي الدنيا كتاباً فيمن عاش بعدَ الموت ، وذكرَ منها
كثيراً، وقد ثبتَ عن أنس رضي الله عنه أنه قال : دخلنا على رجل من الأنصار وهو مريضٌ يعقل ، فلم
نبرح حتى قُبِضَ (٢) ، فبسطنا عليه ثوبه وسجَّينَاه ، وله أُمُّ عجوز كبيرة عند رأسه ، فالتفت إليها بعضُنا
وقال : يا هذه احتسبي مصيبتك عندَ الله ! فقالت : وما ذاك ! أماتَ ابني ؟ قلنا : نعم . قالت : أحقُّ ما
تقولونَ؟ قلنا : نعم ، فمدَّت يدها إلى الله تعالى ، فقالت : اللهم إنَّكَ تعلمُ أنِّي أسلمتُ وهاجرتُ إلى
رسولك رجاءَ أن تُعينني عند كل شِدَّة ورخاء ، فلا تُحَمِّلني هذه المصيبة اليوم . قال : فكشفَ الرجلُ عن
وجهه وقعدَ ، وما بَرِحْنا حتى أكلنا معه(٣). وهذه القصة قد تقدَّم التنبيه عليها في دلائل النبوة ، وفي ذكر
معجزة الطُوفان مع قصَّة العَلاء بن الحضرمي .
وهذا السياق الذي أوردَه شيخنا ذكرَ بعضه بالمعنى ، وقد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا ، والحافظ
أبو بكر البيهقي(٤) من غير وجه : عن صالح بن بشير المُرِّي - أحد زهاد البصرة وعبادها - وفي حديثه
لين ، عن ثابت ، عن أنس فذكره .
وفي رواية البيهقي : أنَّ أمَّه كانت عجوزاً عمياءَ، ثم ساقَه البيهقيُّ(٥) من طريق عيسى بن يُونس،
عن عبد الله بن عَون، عن أنسٍ كما تقدَّم، وسياقُه أتمُّ، وفيه: أن ذلك كان بحضرة رسولِ الله وَّةِ ،
وهذا إسناد رجاله ثقات ، ولكن فيه انقطاع بين عبد الله بن عون وأنس ، والله أعلم .
(١) رواه مسلم في صحيحه (٢٢٧٧) في الفضائل، باب فضل نسب النبي ◌َّر، وتسليم الحجر عليه قبل النبوة .
(٢) في نسخة ((قضى)) .
(٣) رواه البيهقي في دلائله (٦/ ٥١)، وفي إسناده صالح بن بشير المري ، قال عنه البيهقي : من صالحي أهل البصرة ،
وقصَّاصهم ، تفرد بأحاديث مناكير عن ثابت وغيره. وقال عنه النسائي: (( متروك)) انظر ميزان الاعتدال
(٢٨٩/٢) .
(٤) انظر الدلائل؛ للبيهقي (٥٠/٦) وإسناده ضعيف.
(٥) المصدر السابق (٦/ ٥١).

٤٢٩
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي عيسى ابن مريم عليه السلام )
قصة أخرى
قال الحسن بن عرفة : حدَّثنا عبد الله بن إدريس ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي سبرة النخعي
قال : أقبلَ رجلٌ من اليمن ، فلما كان ببعض الطريق نَفَقَ حمارُه ، فقامَ وتوضَّأ، ثم صلَّى ركعتين ، ثم
قال : اللهم إني جئتُ من الدَّثينَةُ(١) مجاهداً في سبيلك وابتغاءِ مرضاتك، وأنا أشهدُ أنك تُحيي الموتى
وتبعثُ من في القبور ، لا تجعل لأحدٍ عليَّ اليوم مِنَّة ، أطلبُ إليك اليومَ أن تبعثَ حماري ، فقامَ الحِمارُ
ينفضُ أذنيه(٢)
قال البيهقي : هذا إسناد صحيح ، ومثلُ هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة .
قال البيهقي(٣): وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره، عن محمد بن عُبيد ، عن إسماعيل بن
أبي خالد ، عن الشعبي ، وكأنه عند إسماعيل من الوجهين ، والله أعلم .
قلت : كذلك رواه ابن أبي الدنيا من طريق إسماعيل ، عن الشعبي ، فذكره . قال الشعبيُّ : فأنا
رأيتُ الحِمارَ بيعَ - أو يُباعُ - في الكُناسَة - يعني الكوفة - وقد أوردها ابن أبي الدنيا من وجه آخر ، وأن ذلك
كان في زمن عمر بن الخطاب ، وقد قال بعضُ قومه في ذلك :
ومِنَّا الَّذي أَحْيَا الإلهُ حمارَهُ وَقَدْ ماتَ مِنهُ كُلُّ عُضوٍ ومَفْصِلٍ(٤)
وأما قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت وشهادته للنبي ربَّةٍ ولأبي بكر وعمر وعثمان بالصدق
فمشهورة مروية من وجوه كثيرة صحيحة .
قال البخاري في التاريخ الكبير : زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري ، شهد بدراً ، وتوفي في زمن
عثمان ، وهو الذي تكلّم بعد الموت(٥) .
وروى الحاكمُ في مستدركه ، والبيهقي في دلائله ، وصحَّحه كما تقدَّم من طريق القعنبي ، عن
سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن سعيد بن المسيب ؛ أن زيد بن خارجةَ الأنصاري
ثم من بني الحارث بن الخزرج ، توفي زمنَ عثمان بن عقَّان ، فسُجِّي في ثوبه ، ثم إنهم سمعوا جَلجَلَةً في
صدره ، ثم تكلّم فقال : أحمد أحمد في الكتاب الأول ، صدقَ صدقَ . أبو بكر الضعيف في نفسه ،
القوي في أمر الله ، في الكتاب الأول صدقَ صدقَ ، عمر بن الخطاب القويُّ في الكتاب الأول ، صدقَ
(١) ((الدَّثينة)): ناحية بين الجَنَد وعَدَن. معجم البلدان (٤٤٠/٢).
(٢) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨/٦).
(٣) انظر دلائل النبوة؛ للبيهقي (٤٩/٦).
(٤) دلائل النبوة (٤٩/٦).
(٥) انظر التاريخ الكبير؛ للبخاري (٣٨٨/١/٢).

٤٣٠
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي عيسى ابن مريم عليه السلام )
صدقَ . عثمان بن عفَّان على منهاجهم ، مضت أربع وبقيت ثنتان . أتتِ الفتنُ وأكلَ الشديدُ الضعيفَ ،
وقامتِ السَّاعةُ، وسيأتيكم عن جيشكم خبرُ(١) ، بئر أريسَ وما بئر أريس .
قال يحيى بن سعيد : قال سعيد بن المُسيِّب: ثم هلكَ رجلٌ من بني خطمةَ فسُجِّي بثوبه ، فسُمعَ
جَلْجَلَةٌ في صدره ، ثم تكلّم فقال : إن أخا بني الحارث بن الخزرج صدقَ صدقٌ(٢).
ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقيُّ أيضاً من وجه آخر بأبسطَ من هذا وأطول ، وصحَّحه البيهقيُّ . قال :
وقد روي في التكلُّم بعد الموت عن جماعة بأسانيدَ صحيحة(٣) ، والله أعلم .
قلت : وقد ذكرتُ في قصة سخلة جابر يومَ الخندق ، وأكل الألف منها ومن قليلٍ شعيرٍ ما تقدَّمُ(٤) .
وقد أورد الحافظُ محمد بن المنذر المعروف بـ شَكَّر(٥) ، في كتابه الغرائب والعجائب بسنده كما سبقَ ؛
أنَّ رسول الله بِّه جمعَ عظامَها ثم دعا الله تعالى فعادت كما كانت، فتركها في منزله ، والله أعلم .
قال شيخُنا: ومن معجزات عيسى الإبراء من الجُنون، وقد أبرأَ النبيُّ ◌َل ـ يعني من ذلك - هذا آخر
ما وجدته فيما حکیناه عنه .
فأما إبراء عيسى من الجنون ، فما أعرف فيه نقلاً خاصاً ، وإنما كان يُبرىء الأكمه والأبرصَ ،
والظاهر : ومن جميع العاهات والأمراض المزمنة .
وأما إبراءُ النبيِّ وَلَّ من الجنون ، فقد روى الإمام أحمد والحافظ البيهقي ، من غير وجه : عن
يَعلَى بن مرة ، أن امرأةً أتت بابن لها صغير به لَمَمٌ ما رأيتُ لَمَماً أشدَّ منه ، فقالت: يا رسول الله ! ابني
هذا كما ترى أصابَه بَلاءٌ، وأصابنا منه بَلاءٌ، يُوجد منه في اليوم ما يُؤذي، ثم قالت : مره ، فقال
رسول الله الصَّل: ((ناولينيه)) فجعلَه بينَه وبين واسطة الرحل، ثم فغر فاه ونفثَ فيه ثلاثاً وقال:
(( باسم الله، أنا عبدُ الله، اخسأ عدوَّ الله )) ثم ناولَها إياه، فذكرت أنه برىء من ساعته ، وما رابهم شيء
بعد ذلك(٦).
(١) رواه البيهقي في الدلائل (٥٥/٦). قال ابن الأثير في («أسد الغابة» (٢٨٤/٢): وأما كلام زيد فإنه أُغمي عليه قبل
موته ، فظنوه ميتاً ، فسجّوا عليه ثوبه ، ثم راجعته نفسه ، فتكلم بكلام حُفظ في أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله
عنهم ، ولم أجد الخبر في المستدرك .
(٢) دلائل النبوة (٥٥/٦).
(٣)
المصدر السابق (٥٨/٦) .
(٤) تقدمت القصة .
(٥) هو أبو عبد الرحمن وأبو جعفر الحافظ المتقن، توفي سنة (٣٠٣هـ) انظر السير (٢٢١/٤) وتذكرة الحفّاظ
(٧٤٨/٢) .
(٦) رواه أحمد في المسند (١٧١/٤) رقم (١٧٥٤٩) والبيهقي في الدلائل (٢١/٦)، وإسناده ضعيف لانقطاعه.

٤٣١
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي عيسى ابن مريم عليه السلام )
وقال أحمد : حدَّثنا يزيد ، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة ، عن فرقد السَّبخيّ عن سعيد بن جبير ، عن ابن
عباس، أن امرأةً جاءت بولدها إلى رسول الله بَّه فقالت: يا رسول الله! إن به لَمَمَاً، وإنَّه يأخذه عند
طعامنا فيُفسد علينا طعامَنا، قال: فمسحَ رسولُ اللهَ لَه صدرَه ودعا له، فَثَّ ثعَّة، فخرجَ منه مثلُ الجرو
الأسود فشُفي(١)
غريب من هذا الوجه ، وفرقد فيه كلام ، وإن كان من زهَّاد البصرة ، لكن ما تقدَّم له شاهد ، وإن
كانت القِصَّة واحدة ، والله أعلم .
وروى البزَّر من طريق فرقد أيضاً: عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس قال: كان رسولُ الله ◌ِيه
بمكة ، فجاءته امرأةٌ من الأنصار ، فقالت : يا رسولَ الله! إن هذا الخبيث قد غلَبني ، فقال لها :
((تصبَّري على ما أنتِ عليه وتجيئي يوم القيامة ليس عليك ذنوبٌ ولا حساب؟)) فقالت: والذي بعثكَ
بالحقِّ لأصبرنَّ حتى ألقى الله . ثم قالت : إني أخاف الخبيث أن يُجرِّدَني، فدعالها، وكانت إذا أحسَّت
أن يأتيها تأتي أستارَ الكعبة فتتعلَّق بها وتقولُ له: اخسأً ، فيذهبُ عنها(٢)
وهذا دليل على أن فرقدَ قد حفظ ، فإنَّ هذا له شاهد في صحيح البخاري ومسلم من حديث عطاء بن
أبي رباح قال : قال لي ابن عباس: ألا أُريك امرأةً من أهلِ الجنَّة ؟ قلت : بلى ، قال : هذه السوداء ،
أتت رسولَ اللهِ وَ لَه فقالت: إني أَصرِعُ وأتكشّفُ فادعُ الله لي، قال: ((إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنَّة ، وإن
شئتِ دعوتُ الله أن يُعافيَكِ)) قالت: لا ، بل أصبرُ ، فادعُ الله ألا أتكشفَ ، قال : فدعا لها ، فكانت
لا تتكشف(٣) .
ثم قال البخاريُّ : حدَّثنا محمد ، حدثنا مخلد عن ابن جريج ، قال : أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر
- امرأة طويلة سوداء - على ستر الكعبة(٤) .
وذكر الحافظُ ابن الأثير في كتاب ((أسد الغابة)) في أسماء الصحابة ، أنَّ أُمّ زفر هذه كانت ماشطة
لخديجة بنت خويلد ، وأنها عمِّرت حتى رآها عطاء بن أبي رباح (٥) .
وأما إبراء عيسى الأكمه، وهو الذي يُولد أعمى، وقيل: هو الذي لا يُبصر في النهار ويُبصر في الليل ،
رواه أحمد في المسند (٢٥٤/١) رقم (٢٢٨٨) وإسناده ضعيف.
(١)
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢/ ٣٠٧) وقال : رواه البزار ، وفيه فرقد السبخي ، وهو ضعيف .
(٢)
(٣) رواه أحمد في المسند (١/ ٣٤٧) والبخاري في صحيحه (٥٦٥٢) في المرضى ، ومسلم في صحيحه (٢٥٧٦) في
البر والصلة .
(٤) رواه البخاري في المرضى (٥٦٥٢) .
(٥) أسد الغابة؛ لابن الأثير (٣٣٣/٧).

٤٣٢
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
وقيل : غير ذلك ، كما بسطنا ذلك في التفسير(١). والأبرص: الذي به بَهَقٌ، فقد ردَّ رسولُ الله ◌َل﴿ يومَ
أُحد عينَ قتادة بن النعمان إلى موضعها بعدما سالت على خدِّه ، فأخذها في كفِّه الكريم وأعادَها إلى
مقرِّها ، فاستمرت بحالها وبصرها ، وكانت أحسن عينيه رضي الله عنه ، كما ذكر محمد بن إسحاق بن
يسار في السيرة ٢) وغيره ، وكذلك بسطناه ثمَّ ، ولله الحمد والمنة .
وقد دخلَ بعضُ ولده وهو عاصم بن عمر بن قتادة على عمر بن عبد العزيز فسأل عنه فأنشأ يقول :
أنا ابنُ الَّذِي سَالَت على الخَدِّ عَيْنُهُ فَرُدَت بِكَفِّ المُصطفى أَحسَنَ الرَّدِّ
فَعَادَت كَما كانت لأوَّلِ أَمرِها فَيَا حُسنَ ما عَينٍ ويا حُسنَ ما خَدِّ
فقال عمر بن عبد العزيز :
تِلك المَكارِمُ لا فَعبَان مِن لَبَّنِ شِيبا بماءٍ فَعادا بَعدُ أَبوال٣ً)
ثم أجازه فأحسن جائزته (٤) .
وقد روى الدار قطنيُّ أنَّ عينيه أُصيبتا معاً حتى سالتا على خدَّيْه، فردَّهما رسولُ الله وَّه إلى مكانهما.
والمشهورُ الأول كما ذكر ابن إسحاق .
قصة الأعمى الذي ردّ الله عليه بصرَه بدعاء الرسول وَلآه
قال الإمام أحمد : حدَّثنا رَوح وعثمان بن عمر ، قالا : حدَّثنا شعبة ، عن أبي جعفر المديني ،
سمعتُ عمارة بن خزيمة بن ثابت يُحدث عن عثمان بن حنيف، أن رجلاً ضريراً أتى رسول الله وَ خلال فقال:
يا رسول الله ادعُ الله لي أن يعافيني، فقال: (( إن شئتَ أخَّرتُ ذلك فهو أفضلُ لآخرتِك، وإن شئتَ
دعوتُ)) قال: لا، بل ادعُ الله لي، قال: فأمرَه رسولُ اللهَوَّل أن يتوضَّأ ويُصلِّيَ ركعتين، وأن يدعو بهذا
الدعاء: ((اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك وأتوجَّه إليكَ بنبيِّكَ محمد نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجَّه بك إلى ربِّي في
حاجتي هذه فتقضى )) .
وقال في رواية عثمان بن عمر(٥): ((فشَفِّعه فيَّ)) قال : ففعل الرجلُ فبر(٦) .
(١) تفسير ابن كثير (٤٤٨/١) طبعة دار ابن كثير.
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام (٨٢/٢) والدلائل للبيهقي (٦٥/٢) والدلائل لأبي نعيم (٦٢١/٢ - ٦٢٢).
((قَعْبَان)»: مثنى قَعْب، وهو القدح الضخم الغليظ. وشيب : مُزج .
(٣)
(٤)
أسد الغابة (٣٩٠/٤) والاستيعاب؛ لابن عبد البر (١٢٧٥/٣).
هو شيخ الإمام أحمد .
(٥)
رواه الإمام أحمد في المسند (١٣٨/٤) رقم (١٧١٧٥) من حديث عثمان بن حنيف رضي الله عنه ، وهو حديث
(٦)
صحيح .

٤٣٣
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
ورواه الترمذيٌ(١) وقال : حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث أبي جعفر الخَطْمِيِّ .
وقد رواه البيهقي(٢): عن الحاكم بسنده إلى أبي جعفر الخَطِمِيِّ، عن أبي أمامة بن سَهل بن حُنيف ،
عن عمِّه عثمان بن حنيف ، فذكرَ نحوَه ، قال عثمان: فوالله ما تفرَّقنا ولا طالَ الحديث بنا حتى دخلَ
الرجل كأن لم يكن به ضُرٌ قطُ .
قصة أخرى
قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدَّثنا محمدُ بن بشر، حدَّثنا عبد العزيز بن عمر ، حدَّثني رجل من بني
سَلامَان بن سعد، عن أَمِّه ، عن خاله - أو أنَّ خالَه أو خالها - حبيب بن فويك حدَّثها أن أباه خرجَ إلى
رسول الله بَّهِ وعيناه مبيضَّتان لا يُبصر بهما شيئاً، فقال له: (( ما أصابَكَ؟)) قال: كنت أرعى جملاً لي
فوقعت رجلي على بيض حيَّة فأُصيب بصري. فنفثَ رسولُ الله ◌َّ في عينيه فأبصر، فرأيتُه وإنه ليُدخلُ
الخيطَ في الإبرة، وإنَّه لابن ثمانينَ سنة ، وإن عينيه لمُبيضَّتال(٣)
قال البيهقيُّ : وغيرُه يقول : حبيب بن مدر(٤)
وثبت في الصحيحُ(٥) أنَّ رسول الله بِ لَ نفث في عيني عليٍّ يومَ خيبر وهو أرمد فبَرَأ من ساعته ، ثم لم
يرمد بعدها أبداً .
ومسحَ رجلَ عبد الله بن عتيك ، وقد انكسرت رجلُه ليلة قتل أبا رافع - تاجر أهل الحجاز الخيبري -
فبرأ من ساعته أيضا٦ً) .
وروى البيهقيُّ أنه ◌َّ مسحَ يد محمد بن حاطب، وكانت قد احترقت بالنار فبرأ من ساعته(٧)
ومسحَ رجلَ سلمة بن الأكوع وقد أُصيبت يوم خيبر فبرأت من ساعتها٨) . ودعا لسعد بن أبي وقاص
أن يُشفى من مرضه ذلك، فشُفي(٩) .
(١) رواه الترمذي (٣٥٧٨) في الدعوات ، وهو حديث صحيح كما قال الترمذي.
(٢) رواه البيهقي في دلائل النبوة (٦/ ١٦٧).
(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٣٠٨/١) وابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٣٣٠) بهامش الإصابة . وفيهما :
حبيب بن فديك ، وأمرِّن جملاً - وأروِّض جملاً ، بدل : أرعى .
(٤)
انظر البيهقي في الدلائل (٦/ ١٧٣) .
رواه البخاري في صحيحه (٤٢١٠) في المغازي ، ومسلم في صحيحه (٢٤٠٦) في فضائل الصحابة .
(٥)
(٦) رواه البخاري في صحيحه (٤٠٣٩) في المغازي.
رواه البيهقي في الدلائل (١٧٤/٦) وأحمد في المسند (٢٥٩/٤) وابن حبان رقم (١٤١٥) موارد ، وهو حديث حسن.
(٧)
(٨) رواه البخاري في صحيحه (٤٢٠٦) في المغازي .
(٩) رواه مسلم في صحيحه (١٦٢٨) (٨) في الوصية.

٤٣٤
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
وروى البيهقي أنَّ عمَّه أبا طالب مرض ، فسأل منه وَ لّ أن يدعوَ له ربّه ، فدعا له ، فشُفي من مرضه
ذلك(١).
وكم له من مثلها وعلى مسلكها ، من إبراء آلام ، وإزالة أسقام ، مما يطول شرحه وبسطه .
وقد وقع في كرامات الأولياء إبراء الأعمى بعد الدعاء عليه بالعمَى أيضاً ، كما رواه الحافظ ابن عساكر
من طريق سعيد أبي سعيد بن الأعرابي ، عن أبي داود : حدَّثنا عمر بن عثمان ، حدَّثنا بقية ، عن
محمد بن زياد ، عن أبي مسلم : أن امرأة خبثت عليه امرأتَه ، فدعا عليها فذهبَ بصرُها ، فأتتهُ فقالت :
يا أبا مسلم ! إني كنتُ فعلت وفعلتُ ، وإني لا أعودُ لمثلها ، فقال : اللَّهُمَّ إن كانت صادقةً فاردُدْ عليها
بصرَها ، فأبصرت(٢)
ورواه أيضاً من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا : حدَّثنا عبد الرحمن بن واقد ، حدَّثنا ضمرة ، حدَّثنا
عاصم ، حدَّثنا عثمان بن عطاء ، قال : كان أبو مسلم الخولاني إذا دخل منزله كبّر ، فإذا بلغَ وسطَ الدار
كَبَّر وكبّرت امرأته ، فإذا بلغ البيتَ كبَّر وكبّرت امرأته ، فيدخل فينزع رداءَه وحذاءَه ، وتأتيه بطعام فيأكل ،
فجاءَ ذاتَ ليلة فكبّر فلم تُجبه ، ثم جاء إلى باب البيت فكّر وسلَّم فلم تُجبه ، وإذا البيتُ ليس فيه سراج ،
وإذا هي جالسة بيدها عود تنكتُ في الأرض به ، فقال لها : مالكِ ؟ فقالت : الناس بخير ، وأنت
أبو مسلم ، لو أتيتَ معاوية فيأمر لنا بخادم ويُعطيك شيئاً نعيشُ به ، فقال: اللهم من أفسدَ عليَّ أهلي فأعمٍ
بصرَه . قال : وكانت أتتها امرأةٌ فقالت لامرأة أبي مسلم: لو كلَّمتِ زوجكِ ليُكلِّم معاوية فيُخدمكم
ويُعطيكم ؟ قال : فبينما هذه المرأة في منزلها والسراج يُزهر ، إذ أنكرتْ بصرَها ، فقالت : سراجُكم
طفىء ؟ قالوا : لا ، قالت : أنا! ذهبَ بصري ، فأقبلت كما هي إلى أبي مُسلم ، فلم تزلْ تُناشده وتتلطّف
إليه ، فدعا الله فردَّ بصرَها . ورجعت امرأته إلى حالها التي كانت عليها(٣) .
وأما قصة المائدة التي قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِبُّونَ يَعِيسَى أَبْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ
عَلَيْنَا مَآِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ أَتَّقُواْ اللَّهَ إِن كُنتُم ◌ُؤْمِنِينَ ﴾ قَالُواْ فُرِيدُ أَن تَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَيِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ
أَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ الَّهُمَّ رَبََّآَ أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَآيِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا
صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّهِدِينَ
) قَالَ اللَّهُ إِنِِّ مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنَّ أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّآ أُعَذِّبُهُ:
وَءَاخِرِنَا وَءَايَّةً مِنٌ وَأَرْزُقْنَا وَأَنْتَ خَّرُ الزَّزِقِينَ .
أَحَدًا مِّنَ اُلْعَلَمِينَ﴾ [المائدة: ١١٢ - ١١٥] وقد ذكرنا في التفسير(٤) بسط ذلك واختلاف المفسرين فيها ، هل
(١) رواه البيهقي في الدلائل (١٨٤/٦) وفي إسناده هيثم البكَّاء، ضعيف .
ذكره الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق ، كما في المختصر ؛ لابن منظور (١٢ - ٦٠).
(٢)
(٣)
انظر تفسير ابن كثير (٢/ ١٥٤/١٥٠) طبعة دار ابن كثير .
انظر تفسير ابن كثير (٢/ ١٥٠/ ١٥٤) طبعة دار ابن كثير .
(٤)

٤٣٥
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
نزلت أم لا ؟! على قولين ، والمشهور عن الجمهور أنها نزلت ، واختلفوا فيما كان عليها من الطعام على
أقوال . وذكرَ أهل التاريخ أنَّ موسى بن نصير ، الذي فتحَ البلاد المغربية أيام بني أمية وجدَ المائدة ،
ولكن قيل : إنها مائدة سليمان بن داود مرصَّعة بالجواهر ، وهي من ذهب ، فأرسل بها إلى الوليد بن
عبد الملك ، فكانت عنده حتى مات ، فتسلَّمها أخوه سليمان ، وقيل : إنها مائدة عيسى ، لكن يبعد هذا
أن النصارى لا يعرفون أمر المائدة كما قاله غير واحد من العلماء(١) ، والله أعلم .
والمقصود أن المائدة سواء كانت قد نزلت أم لم تنزل، فقد كانت موائدُ رسول الله وَ لَ تُمدُّ من
السماء ، وكانوا يسمعون تسبيحَ الطعام وهو يُؤكل بين يديه ، وكم قد أشبعَ من طعام يسير ألوفاً ومئات
وعشرات بعد عشرات ، صلوات الله وسلامه عليه ما تعاقبت الأوقات ، وما دامت الأرض والسموات .
وهذا أبو مسلم الخولاني ، قد ذكرَ الحافظ ابن عساكر في ترجمته من تاريخه أمراً عجيباً وشأناً غريباً ،
حيث روى من طريق إسحاق بن يحيى الملطي ، عن الأوزاعي ، قال : أتى أبا مسلم الخولاني نفرٌ من
قومه فقالوا : يا أبا مسلم ! أما تشتاقُ إلى الحج ؟ قال : بلى لو أصبتُ لي أصحاباً ، فقالوا : نحن
أصحابُك ، قال : لستم لي بأصحاب ، إنما أصحابي قوم لا يُريدون الزاد ولا المزاد ، فقالوا :
سبحان الله ! وكيف يسافر قوم بلا زاد ولا مزاد ؟ قال لهم : ألا ترون إلى الطير تغدو وتروح بلا زاد ولا
مزاد ، والله يرزقها ؟ وهي لا تبيع ولا تشتري ، ولا تحرث ولا تزرع والله يرزقها ؟ قال : فقالوا : فإنا
نسافر معك ، قال : تهيؤوا على بركة الله تعالى ، قال : فغَدوا من غوطة دمشق ليس معهم زاد ولا مزاد ،
فلما انتهوا إلى المنزل قالوا : يا أبا مسلم ! طعام لنا وعلف لدوابنا ، قال : فقال لهم: نعم ، فتنخَّى غير
بعيد فتسنَّم مسجدَ أحجار ، فصلَّى فيه ركعتين ، ثم جثا على ركبتيه فقال : إلهي قد تعلمُ ما أخرجني من
منزلي ، وإنما خرجتُ آمراً لك ، وقد رأيتُ البخيل من ولد آدم تنزل به العِصابة من الناس فيُوسعهم قِرىّ ،
وإنا أضيافُك وزوَّارك ، فأطعمنا ، واسقنا ، واعلف دوابَنا ، قال: فأتي بسفرة فمدَّت بين أيديهم ،
وجيء بجفنة من تريد يبخرُ ، وجيء بقلَّتين من ماء ، وجيء بالعلف لا يدرون من يأتي به ، فلم تزل تلك
حالهم منذ خرجوا من عند أهاليهم حتى رجعوا ، لا يتكلَّفون زاداً ولا مزاد(٢) . فهذه حال وليٍّ من هذه
الأمة ، نزل عليه وعلى أصحابه مائدة كل يوم مرتين مع ما يُضاف إليها من الماء والعلوفة لدواب أصحابه ،
وهذا اعتناء عظيم ، وإنما نال ذلك كلَّه ببركة متابعته لهذا النبيِّ الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم .
وأما قوله تعالى عن عيسى ابن مريم عليه السلام : إنه قال لبني إسرائيل: ﴿ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُونَ وَمَا
تَدَّخِرُونَ فِ يُوتِكُمْ﴾ الآية. [آل عمران: ٤٩] فهذا شيء(٣) يسير على الأنبياء، بل وعلى كثير من
(١) المصدر السابق (١٥٥/٢).
(٢) أخرجه الحافظ ابن عساكر في دمشق، وذكره ابن منظور في التهذيب (١٢ / ٦١).
(٣) في نسخة ((سهل يسير)).

٤٣٦
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
الأولياء، وقد قال يوسُف الصدِّيق عليه السلام لذينك الفتيين المحبوسين معه: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ.
إِلَّا نَبَأْتِكُمَا بِتَأْوِيلِهِ، قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِ رَبِيَّ﴾ الآية [ يوسف: ٣٧].
وقد أخبرَ رسولُ الله ◌َّرَ بالأخبار الماضية طبقَ ما وقعَ ، وعن الأخبار الحاضرة سواء بسواء ، كما
أخبرَ عن أكل الأرَضة لتلك الصحيفة الظالمة التي كانت بطونُ قريش قديماً كتبتها على مقاطعة بني هاشم
وبني المطلب حتى يُسلموا إليهم رسولَ اللهِ وَّر، وكتبوا بذلك صحيفةً وعلَّقوها في سقف الكعبة ،
فأرسلَ الله الأَرَضة فأكلتها إلا مواضع اسم الله تعالى(١) . وفي رواية: فأكلت اسمَ الله منها تنزيهاً لها أن
تكون مع الذي فيها من الظلم والعدوان ، فأخبرَ بذلك رسولُ الله ◌ِ ◌َّ عمَّه أبا طالب وهم بالشِّعب ، فخرجَ
إليهم أبو طالب وقال لهم عمَّا أخبرَهم به ، فقالوا : إن كان كما قال وإلا فسلِّموه إلينا ، فقالوا : نعم ،
فأنزلوا الصحيفة فوجدوها كما أخبرَ عنها رسولُ اللهِ وَّلَر سواء بسواء، فأقلعت بطونُ قريش عما كانوا
تمالؤوا عليه لبني هاشم وبني المطلب ، وهدى الله بذلك خلقاً كثيرا٢ً) . وكم له مثلها كما تقدَّم بسطه
وبيانه في مواضع من السيرة (٣) وغيرها ، ولله الحمد والمِنَّة .
وفي يوم بدر لما طلب من العباس عمه فداء ادعى أنه لا مالَ له ، فقال له : (( فأينَ المال الذي دفنته
أنت وأم الفضل تحت أسكفَّة الباب ، وقلت لها : إن قتلت فهو للصبية؟ » فقال: والله يا رسول الله إنَّ
هذا شيء لم يطلع عليه غيري وغير أم الفضل إلا الله عز وجل (٤).
وأخبرَ بموت النجاشيّ يوم مات وهو بالحبشة ، وصلَّى عليه (٥) .
وأخبرَ عن قتل الأمراء يوم مؤتة واحداً بعد واحد ، وهو على المنبر وعيناه تذرفان (٦).
وأخبرَ عن الكتاب الذي أرسلَ به حاطب بن أبي بلتعة مع سارة مولاة بني عبد المطلب ، وأرسل في
طلبها علياً والزبير والمقداد ، فوجدوها قد جعلته في عقاصها ، وفي رواية : في حجزتها ، وقد تقدَّم ذلك
في غزوة الفتح(٧).
وقال لأميري كسرى اللَّذين بعثَ بهما نائب اليمن لكسرى، ليستعلما أمرَ رسول اللهِوَ له: ((إنَّ رَبِّي
(١) السيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٣٧٧).
(٢) السيرة النبوية؛ لابن هشام (١/ ٣٧٧).
(٣)
تقدم هذا في السيرة النبوية .
أخرجه ابن إسحاق في السيرة (٦٣٤/١) وأبو نعيم في الدلائل (٦١٤/٢).
(٤)
تقدم الحديث .
(٥)
تقدم الحديث .
(٦)
تقدم الحديث .
(٧)

٤٣٧
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
قد قتلَ الليلة ربَّكما)) فأرَّخا تلكَ الليلة، فإذا كسرى قد سلَّط الله عليه ولدَه فقتلَه ، فأسلما وأسلمَ نائبُ
اليمن، وكان سبب ملك اليمن لرسول الله وَل﴾(١).
وأما إخباره ◌َّر عن الغيوب المستقبلة فكثيرة جداً كما تقدَّم بسط ذلك ، وسيأتي في أنباء التواريخ ليقع
ذلك طبق ما كان سواء .
وذكرَ ابن حامد في مقابلة جهاد عيسى عليه الصلاة والسلام جهادَ رسول الله وَّر، وفي مقابلة زهد
عيسى عليه الصلاة والسلام زهادة رسول الله وَّل عن كنوز الأرض حين عُرضت عليه فأباها، وقال:
(( أجوع يوماً وأشبعُ يوماً)(٢) وأنه كان له ثلاث عشرة زوجة يمضي عليهن الشهر والشهران لا تُوقد عندهن
نار ولا مصباح ، إنما هو الأسودان التمر والماء ، وربَّما ربطَ على بطنه الحجرَ من الجوع ، وما شبعوا من
خبز بر ثلاثَ ليالٍ تباعاً ، وكان فراشُه من أدم وحشوه ليف ، وربما اعتقلَ الشاة فيحلبَها ، ورقعَ ثوبَه ،
وخصفَ نعلَه بيده الكريمة بَّر، وماتَ مَلّل ودرعه مرهونة عند يهوديٍّ على طعام اشتراه لأهله ، هذا وكم
آثر بالألوف المؤلفة والإبل والشاء والغنائم والهدايا على نفسه وأهله ، للفقراء والمحاويج والأرامل
والأيتام والأسرى والمساكين .
وذكرَ أبو نُعيم في مقابلة تبشير الملائكة لمريم الصِّدِّيقة بوضع عيسى ما بشَّرت به آمنة أمّ رسول الله ◌ِيه
حين حملتْ به في منامها ، وما قيل لها : إنَّك قد حملتِ بسيِّد هذه الأمة فسمِّيه محمداً . وقد بسطنا ذلك
في المولد كما تقدَّم . وقد أوردَ الحافظُ أبو نُعيم هاهنا حديثاً غريباً مطوّلًا بالمولد أحببنا أن نسوقَه ، ليكون
الختام ، نظيرَ الافتتاح ، وبالله المستعان ، وعليه التكلان ، ولله الحمد .
فقال : حذَّثنا سليمان بن أحمد ، حدَّثنا حفص بن عمر بن الصباح ، حدَّثنا يحيى بن عبد الله البابلي ،
أخبرنا أبو بكر بن أبي مريم ، عن سعيد بن عمرو الأنصاري ، عن أبيه ، قال : قال ابن عباس : فكان من
دلالات حمل محمد ◌ّر أنَّ كلَّ دابة كانت لقريش نطقت تلك الليلة وقالت: قد حُمِلَ برسول الله ێ وربّ
الكعبة ، وهو أمانُ الدنيا وسراجُ أهلها ، ولم يبق كاهنةٌ في قريشٍ ولا قبيلة من قبائل العرب إلا حُجبت عن
صاحبتها ، انتُزع علمُ الكهنة منها ، ولم يبق سريرُ مَلكِ من مُلوك الدنيا إلا أصبحَ منكوساً ، والمَلِكُ
مُخرَساً لا ينطقُ يومَه ذلكَ ، وفرَّت وحوشُ المشرق إلى وحوش المغرب بالبشارات ، وكذلك أهلُ البحار
بشَّر بعضُهم بعضاً ، وفي كل شهر من شهور نداء في الأرض ونداء في السموات :
أن أبشروا فقد آن لأبي القاسم أن يخرج إلى الأرض ميموناً مباركاً قال : وبقي في بطن أمه تسعة أشهر
كمَّلاً ، لا تشكو وجعاً ولا ريحاً ولا مغصاً ، ولا ما يعرض للنساء ذواتِ الحمل ، وهلكَ أبوه عبدُ الله وهو
(١) تقدم الحديث .
(٢) تقدم الحديث .

٤٣٨
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
في بطن أُمّه ، فقالت الملائكة : إلهنا ، وسيدنا ، بقيَ نبيُّك هذا يتيماً ، فقال الله تعالى للملائكة : أنا له
وليٍّ وحافظ ونصير ، فتبرّكوا بمولده ميموناً مباركاً . وفتح الله لمولده أبواب السماء وجنَّاته ، وكانت آمنة
تُحدِّث عن نفسها وتقول : أتاني آتٍ حتى مرَّ لي من حمله ستة أشهر فوكَزني برجله في المنام وقال :
يا آمنة ! إنَّكِ حملتِ بخير العالمين ◌ُرّاً، فإذا ولدتيه فسمِّيه محمَّداً ، واكتمي شأنَك . قال : فكانت
تُحدِّث عن نفسها وتقول : لقد أخذني ما يأخذ النساء ولم يعلم بي أحد من القوم ، ذكر ولا أنثى ، وإنِّي
الوحيدةٌ في المنزل ، وعبدُ المطلب في طوافه ، قالت : فسمعتُ وجبةً شديدةً ، وأمراً عظيماً ، فهالني
ذلك ، وذلك يوم الإثنين ، ورأيتُ كأن جناح طير أبيض قد مسحَ على فؤادي فذهبَ كلّ رعب وكل فزع
ووجع كنتُ أجد ، ثم التفتُّ فإذا أنا بشربةٍ بيضاءَ ظننتُها لبناً ، وكنت عطشى ، فتناولتُها فشربتُها فأضاء فيَّ
نورٌ عالٍ ، ثم رأيتُ نسوةً كالنخل الطّوال ، كأنهنَّ من بنات عبد المطلب يُحدِّقنَ بي، فبينا أن أعجبُ
وأقول : واغوثاه ، من أينَ علمنَ بي ؟ واشتدَّ بي الأمر وأنا أسمعُ الوجبةَ في كل ساعة أعظم وأهول ، وإذا
أنا بديباج أبيض قد مُدَّ بين السماء والأرض ، وإذا قائل يقول : خذوه عن أعين النَّاس ، قالت : ورأيت
رجالاً قد وقفوا في الهواء بأيديهم أباريقُ فِضَّةَ، وأنا يرشحُ مني عرقٌ كالجُمان ، أطيبُ ريحاً من المسك
الأذفر، وأنا أقولُ : يا ليتَ عبد المطلب قد دخل عليَّ، قالت : ورأيت قطعةً من الطير قد أقبلت من
حيث لا أشعرُ حتى غطَّت حجرتي ، مناقيرُها من الزمرّد ، وأجنحتُها من اليواقيت ، فكشفَ الله لي عن
بصري : فأبصرتُ من ساعتي مشارق الأرض ومغاربها ، ورأيتُ ثلاثَ أعلام مضروباتٍ ، علمٌ بالمشرق ،
وعلمٌ بالمغرب ، وعلمٌ على ظهر الكعبة ، فأخذني المخاضُ واشتدَّ بي الطَّلق جدًّاً، فكنتُ كأنِّ مستندة
إلى أركان النساء ، وكثرنَ عليَّ حتى كأنَّ الأيدي معي في البيت وأنا لا أرى شيئاً فولدت محمداً ، فلما
خرج من بطني درتُ فنظرتُ إليه فإذا هو ساجد وقد رفعَ أصبعيه كالمُتضرّع المبتهل ، ثم رأيت سحابةً
بيضاءَ قد أقبلت من السماء تنزل حتى غشيتُهُ ، فغُيِّبَ عن عيني ، فسمعتُ منادياً يُنادي يقول : طُوفوا
بمحمد ◌َ﴿ شرقَ الأرض وغربَها، وأدخلوه البحارَ كلَّها ، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته ، ويعلموا أنه
سُمِّي الماحي ، لا يبقى شيءٌ من الشرك إلا مُحي به . قالت : ثم تَخَلَّوا عنه في أسرع وقت ، فإذا أنا به
مدرجٌ في ثوب صوف أبيض ، أشدُّ بياضاً من اللَّبَن ، وتحته حريرةٌ خضراء ، وقد قبضَ محمَّد ثلاثة مفاتيح
من اللؤلؤ الرَّطب الأبيض ، وإذا قائل يقول : قبضَ محمَّدٌ مفاتيح النصر ، ومفاتيح الريح ، ومفاتيح
النبوة(١) .
(١) ذكره السيوطي في الخصائص (١١٨/١) وقال: أخرجه أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٧٨٠) ثم قال بعد أربع صفحات
بعد أن ذكر أثراً آخر عن ابن عباس، وهذا الأثر والأثران قبله فيها نكارة شديدة . وقال : لم أورد في كتابي هذا أشد
نكارة منها ، ولم تكن نفسي لتطيبَ بإيرادها ، لكني تبعت الحافظ أبا نُعيم في ذلك . ورحم الله الحافظ ابن كثير كيف
طابت نفسه أن يختم بهذا الأثر ، وهو كما يقول : غريب جداً !.

٤٣٩
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
هكذا أورده وسكت عليه ، وهو غريب جداً .
وقال الشيخ جمال الدين أبو زكريا ، يحيى بن يوسف بن منصور بن عمر الأنصاري الصَّرصَريّ(١)،
المادح الماهر ، الحافظ للأحاديث واللغة، ذو المحبَّة الصادقة لرسول الله وَّرَ فلذلك يُشبَّه في عصره
بحسَّان بن ثابت رضي الله عنه، في ديوانه المكتوب عنه في مديح رسول الله وَّل، وقد كان ضريرَ البصر ،
بصيرَ البصيرة ، وكانت وفاته ببغداد في سنة ست وخمسين وستمئة ، قتله التتار في كائنة بغداد ، كما
سيأتي ذلك في موضعه ، في كتابنا هذا إن شاء الله تعالى ، وبه الثقة ، وعليه التكلان ، قال في قصيدته ،
من حرف الحاء المهملة ، من ديوانه :
مُحمَّدٌ المبعُوثُ لِلنَّاسِ رَحمَةً
لَئِنْ سَبَّحَتْ صُمُّ الجِبالِ مجيبَةً
فَإِنَّ الصُّخُورِ الصُّمَّ لَنَت بِكَفِّه
وَإِن كانَ مُوسَى أَنْبَعَ الماءَ بِالعَصَا
وَإن كانَت الريحُ الرُّخَاءُ مُطيعةً
فإنَّ الصَّبَا كَانَت لِنصرِ نَبِيِّنا
وَإِن أُوتِيَ الملكَ العظيمَ وسُخِّرت
فَإِنَّ مَفاتيحِ الكُنُوزِ بِأَسرِهَا
وَإِن كان إبراهيمُ أُعطي خِلَّةً
فَهِذَا حَبِيبٌ بَل خَليلٌ مُكَلَّم
وَخُصِّصَ بالحوضِ العظيمِ وباللوا
وبالمقعَدِ الأعلى المُقَرَّبِ عِندَهُ
وبالرتبةِ العُليا الأسِيلةِ دونها
وَفِي جَنَّةِ الفِرَدَوس أوَّلُ دَاخِلٍ
يُشْيِّدُ مَا أَوهَى الضلالُ ويصلحُ
لِداودَ أَو لَانَ الحديدُ المِصَفَّحُ
وَإِنَّ الحَصى في كَفِّهِ لِيُسَبِّحُ
فَمِن كَفِّهِ قد أصبَحَ الماءُ يَطْفَحُ
سُليمان لا تَألو تَروحُ وتسرَحُ
بِرعبٍ عَلى شَهرٍ به الخصمُ يُكلَّحُ(٢)
لَهُ الجِنُّ تشفى مارِضيهِ وَتَلَدَخ(٣)
أَتَتْهُ فَرَدَّ الزَّاهِدُ المترَجّحُ
ومُوسى بتكليم على الطُّور يُمنحُ
وخُصِّصَ بالرؤيا وبالحقِّ أشرَحُ
ويَسْفَعُ لِلعَاصِينَ وَالنَّارِ تَلفحُ
عَطاءٌ بِبُشْرَاهُ أَقَرُ وأَفرَحُ
مَراتبُ أربابِ المواهِبِ تُلمَحُ(٤)
لَه سائِرُ الأبواب بالخار تُفتَحٌ(٥)
(١) انظر ترجمته في فوات الوفيات (٢٩٨/٤ - ٣١٩) وذيل طبقات الحنابلة (٢٦٢/٢) وشذرات الذهب (٤٩٣/٧)
والصَّرصَري : نسبة إلى صرصر ، وهي قرية من قرى بغداد .
(٢)
«يُكْلَحُ )) : يزداد عبوساً وتجهماً ، بسبب هزيمته .
(٣)
(( تَلْدَحُ)»: اللَّدْحِ : الضرب باليد .
((الأسيلة)) : الناعمة الرقيقة .
(٤)
(٥) ((الخار)): الغلبة الخَيِّرة.

٤٤٠
كتاب دلائل النبوة ( قصة الأعمى الذي رد الله بصره وقصص أخرى )
وهذا آخر ما يسَّرَ الله جمعَه من الأخبار بالمغيَّبات التي وقعت إلى زماننا ، مما يدخل في دلائل
النبوة، والله الهادي . وإذا فرغنا إن شاء الله من إيراد الحادثات من بعد موته عليه الصلاة والسلام إلى
زماننا ، نتبع ذلك بذكر الفتن والملاحم الواقعة في آخر الزمان ، ثم نسوقُ بعد ذلك أشراط الساعة ، ثم
نذكرُ البعثَ والنشورَ ، ثم ما يقعُ يوم القيامة من الأهوال وما فيه من العظمة ، ونذكر الحوضَ والميزانَ
والصراطَ ، ثم نذكرُ صفةَ النَّار ثم صفة الجنَّة .
...