النص المفهرس

صفحات 381-400

كتاب دلائل النبوة (باب : التنبيه على ذكر معجزات لرسول الله مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء .. ) ٣٨١
وسيأتي الحديث المخرج في الصحيح : (( لا تزالُ طائفةٌ من أمتي ظاهرينَ على الحَقِّ لا يضرُهم من خذلَهم
ولا من خالفَهم حتى يأتيَ أمرُ الله(١) وهم كذلك)) .
وفي صحيح البخاري: وهم بالشامُ(٢). وقد قال كثيرٌ من علماء السلف: إنهم أهلُ الحديث ، وهذا
أيضاً من دلائل النبوة ، فإن أهلَ الحديث بالشام أكثر من سائر أقاليم الإسلام ، ولله الحمد ، ولا سيما بمدينة
دمشق حَماها الله وصانَها ، كما ورد في الحديث الذي سنذكرُه ؛ أنها تكون معقلَ المسلمين عند وقوع الفتن .
وفي صحيح مسلم عن النَّوَّاس بن سمعان؛ أنَّ رسول الله وَّ أَخبرَ عن عيسى ابن مريم، أنه ينزلُ من
السماء على المنارة البيضاء شرقيّ دمشق (٣). ولعلَّ أصل لفظ الحديث ((على المنارة البيضاء الشرقية
بدمشق)) وقد بلغني أنه كذلك في بعض الأجزاء ، ولم أقف عليه إلى الآن ، والله المُيَسِّرُ ، وقد جُدِّدت
هذه المنارة البيضاء الشرقية بجامع دمشق بعدما أحرقها النصارى في أيامنا هذه بعد سنة أربعين وسبعمئة ،
فأقامُوها من أموال النَّصَارى مقاصَّة على ما فعلوا من العُدوان ، وفي هذا حكمة عظيمة ، وهو أن ينزلَ على
هذه المَبْنيّة من أموالهم عيسى ابن مريم نبيّ الله ، فيُكَذِّبُهم فيما افتروه عليه من الكذب عليه وعلى الله ،
ويكسرُ الصليبَ ، ويقتل الخنزيرَ ويضعُ الجزيةَ - أي: يتركها - ولا يقبل من أحد منهم ولا من غيرهم إلا
الإسلام ، يعني: أو يقتله، وقد أخبرَ بهذا عنه رسول الله وَ لهوقرَّره عليه وسوَّغه له ، صلواتُ الله وسلامه
عليه دائماً إلى يوم الدين ، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين(٤) .
باب
التنبيه على ذكر معجزاتٍ لرسول الله وَله مماثلةٍ لمعجزاتٍ
جماعةٍ من الأنبياء قبلَه ، وأعلى منها ، خارجةٍ عما اختصَّ به
من المعجزات العظيمة التي لم يكن لأحد قبلَه منهم عليهم السلام
فمن ذلك القرآن العظيم الذي ﴿لَّ يَأْتِهِ الْبَطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ، تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [ فصلت: ٤٢]
فإنَّه معجزةٌ مستمرة على الآباد ، ولا يخفى برهانُها ، ولا يتفحص مثلها . وقد تحدَّى به الثقلين من الجن
والإنس على أن يأتوا بمثله ، أو بعشر سور ، أو بسورة من مثله ، فعجزوا عن ذلك كما تقدَّم تقرير ذلك
في أول كتاب المعجزات ، وقد سبقَ الحديثُ المتفق على إخراجه في الصحيحين من طريق الليث بن سعد
(١) رواه البخاري في الاعتصام (٧٣١١) ومسلم في الإمارة (١٩٢١) وكلاهما من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه .
(٢) رواه البخاري في المناقب (٣٦٤١). وقوله: ((وهم بالشام)) من قول معاذ رضي الله عنه .
(٣) رواه مسلم في الفتن وأشراط الساعة (٢١٣٧) (١١٠).
(٤) في المطبوع : وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان .

٣٨٢ كتاب دلائل النبوة ( باب: التنبيه على ذكر معجزات لرسول الله مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء .. )
عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه ، عن أبي هريرة، عن رسول الله وم لو أنه قال: (( ما من نبي إلا
وقد أوتي من الآيات ما آمن على مثله البشر ، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إليّ، فأرجُو أَنْ أكونَ
أكثَرهم تابعاً يومَ القيامة)(١) . والمعنى أنَّ كلَّ نبي قد أوتي من خوارق العادات ما يقتضي إيمان من رأى
ذلك من أُولِي البَصائر والُّهى ، لا من أهل العِناد والشقاء ، وإنما كان الذي أُوتيه ، أي: جلُّه وأعظمُه
وأبهرُه ، القرآن الذي أوحاه الله إليه ، فإنه لا يبيدُ ولا يذهبُ كما ذهبت معجزات الأنبياء وانقضت بانقضاء
أيامهم ، فلا تُشاهد ، بل يخبر عنها بالتواتر والآحاد ، بخلاف القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه فإنه
معجزة متواترة عنه ، مستمرة دائمة البقاء بعده ، مسموعة لكل من ألقى السمع وهو شهيد .
وقد تقدَّم في الخصائص ذكر ما اختصّ به رسولُ الله وَ له: عن بقية إخوانه من الأنبياء عليهم السلام ،
كما ثبت في الصحيحين: عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: ((أُعطيتُ خمساً لم يُعطهن
أحد قبلي ، نصرتُ بالرُعْب مسيرةً شهر، وجُعلتْ ليَ الأرضُ مسجداً وطَهُوراً ، فأيما رجل مِن أمتي
أدركته الصَّلاة فليُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لي الغنائم ولم تحلّ لأحد قبلي ، وأُعطِيت الشفاعة ، وكان النبيُّ يُبعثُ
إلى قومه ، وبُعثت إلى الناس عامة)(٢). وقد تكلَّمنا على ذلك وما شاكلَه فيما سلفَ بما أغنى عن إعادته
ولله الحمد .
وقد ذكرَ غيرُ واحد من العلماء أنَّ كلَّ معجزة لنبيٍّ من الأنبياء فهي في الحقيقة معجزة لخاتمهم محمد
وَّر، وذلك أنَّ كلاًّ منهم بَشّر بمبعثه، وأمر بمتابعته، كما قال الله تعالى: ﴿ وَإِذْأَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبْنَ لَمَا
ءَاتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَآءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى
◌َلِكُمْ إِصْرِىٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ ﴿﴿ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
[ آل عمران: ٨١ - ٨٢] وقد ذكرَ البخاريُّ وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: ما بعثَ الله نبياً من
الأنبياء إلا أخذَ عليه العهدَ والميثاق لئن بُعثَ محمد وهو حيٌّ لَيؤمِنُنَّ به وليتبعنَّه ولينصرنَّه ، وأمره أن يأخذ
العهد على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه(٣) .
وذكر غير واحد من العلماء أن كرامات الأولياء معجزات الأنبياء ، لأن الولي إنما نالَ ذلك ببركة
متابعته لنبيِّه ، وثواب إيمانه به .
والمقصود أنه كان الباعث لي على عقد هذا الباب أنِّي وقفتُ على مولد اختصرَه من سيرة الإمام
محمد بن إسحاق بن يَسار وغيرها شيخنا الإمام العلامة شيخ الإسلام كمال الدين أبو المَعالي محمَّدُ بن
(١) رواه البخاري في فضائل القرآن (٤٩٨١) والاعتصام (٧٢٧٣) ومسلم في الإيمان (١٥٢)(٢٣٩).
(٢) رواه البخاري في التيمم (٣٣٥) ومسلم في المساجد (٥٢١)(٣).
(٣) ليس عند البخاري ، وقد رواه المصنف في تفسيره عن علي وابن عباس من قولهما . ولم يسنده إلى البخاري .

كتاب دلائل النبوة ( باب : التنبيه على ذكر معجزات لرسول الله مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء .. ) ٣٨٣
عليٍّ الأنصاري السِّماكي ، نسبة إلى أبي دجانة الأنصاري ، سِمَاك بن أوس بن خرشة الأوسيّ ، رضي الله
عنه ، شيخ الشافعية في زمانه بلا مدافعة ، المعروف بابن الزملكاني رحمه الله وبلَّ بالرحمة ثراهُ ، وقد ذكر
في أواخره شيئاً من فضائل رسول الله وَ ◌ّر، وعقدَ فصلاً في هذا الباب فأوردَ فيه أشياء حسنة ، ونَّه على
فوائد جمة ، وفرائد مهمة ، وتركَ أشياءَ أخرى حسنة ، ذكرَها غيرُه من الأئمة المُتقدِّمين ، ولم أره
استوعبَ الكلامَ إلى آخره ، فإما أنه قد سقطَ من خطّه ، أو أنه لم يُكمل تصنيفَه ، فسألني بعضُ أهله من
أصحابنا ممن تتأكَّدُ إجابتهُ ، تكرّرَ ذلك منه ، في تكميله ، وتبويبه ، وترتيبه ، وتهذيبه ، والزيادة عليه ،
والإضافة إليه ، فاستخرت الله تعالى حيناً من الدهر ، ثم نشطتُ لذلك ابتغاءَ الثواب والأجر ، وقد كنتُ
سمعتُ من شيخنا الإمام العلامة الحافظ الجِهِْذ ، أبي الحجّاج المِزِّي تغمَّده الله برحمته ، أنَّ أوَّلَ من
تكلّم في هذا المقام الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله .
وقد روى الحافظ أبو بكر البيهقي رحمه الله في كتابه دلائل النبوة(١) : عن شيخه الحاكم أبي عبد الله ،
أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن ، أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي ، عن أبيه ، قال عمرو بن
سوَّاد : قال الشافعي : ما أعطى الله نبيّاً ما أعطى محمّداً وََّ، فقلتُ: أعطى عيسى إحياءَ الموتى،
فقال : أعطى محمَّداً وَ﴿َ الجِذْعَ الذي كان يخطبُ إلى جنبه حينَ بُي له المنبر، حنّ الجِذعُ حتَّى سُمِعَ
صوتُه ، فهذا أكبرُ من ذلك ، هذا لفظه رحمه الله تعالى .
والمراد من إيراد ما نذكره في هذا الباب ، التنبيه على ما أعطى الله أنبياءه عليهم السلام من الآيات
البَيِّنات ، والخَوارق القاطعاتِ ، والحُجَج الواضحات ، وأن الله تعالى جمعَ لعبده ورسوله سيد الأنبياء
وخاتمهم من جميع أنواع المحاسن والآيات ، مع ما اختصّه به مما لم يُؤتِ أحداً قبله ، كما ذكرنا في
خصائصه وشمائله ټپڼ .
ووقفتُ على فصل مليح في هذا المعنى ، في كتاب دلائل النبوة للحافظ أبي نُعيم ، أحمد بن عبد الله
الأصبهاني ، وهو كتابٌ حافلٌ في ثلاث مجلدات (٢) ، عقد فيه فصلاً في هذا المعنى ، وكذا ذكرَ ذلك
الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد، في كتابه (( دلائل النبوة )) وهو كتابٌ كبيرٌ جليل حافل ، مشتملٌ على
فرائد نفيسة . وكذا الصَّرْصَرِي الشاعر ، يُورد في بعض قصائده أشياء من ذلك كما سيأتي .
وها أنا أُذكرُ بعون الله مجامعَ ما ذكرنا من هذه الأماكن المتفرقة بأوجز عبارة ، وأقصرِ إشارة ، وبالله
المستعان ، وعليه التُّكلان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم.
(١) دلائل النبوة (٦٨/٦).
(٢) هذا من أوكد الأدلة على أن المطبوع هو مختصر الكتاب (بشار).

٣٨٤
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
القولُ فيما أُوتي نوح عليه السلام
◌َ وَفَجَّرْنَا اُلْأَرْضَ عُيُونًا فَاَلْنَقَى
قال الله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ: أَنِّى مَغُلُوبٌ فَأَنْتَصِرْ () فَفَنَحْنَا أَنْوَبَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمٍِ
الْمَاءُ عَلَىَّ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٦) وَحَمَلْنَهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَجٍ وَدُسُرٍ (١٦) تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا جَزَآءَ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ﴿ وَلَقَد تَرَّكْتَهَا ءَايَةً فَهَلْ مِن مُذَّكِرِ ﴾
[القمر: ١٠ - ١٥] وقد ذكرت القصة مبسوطة فى أول هذا الكتاب، وكيف دعا على قومه، فنجَّاه الله ومن
أَّبعَه من المؤمنين ، فلم يهلك منهم أحدٌ ، وأغرقَ من خالفَه من الكافرينَ ، فلم يسلم منهم أحد ، حتى
ولا ولده(١) .
قال شيخنا العلاَّمة أبو المَعالي محمد بن عليّ الأنصاري بن الزملكاني (٢)، ومن خطه نقلتُ : وبيان
أن كل معجزة لنبيٍّ فلنبيِّنا مثلها، إذا تمَّ يستدعي كلاماً طويلاً، وتفصيلاً لا يسعه مُجلَّدات عديدة ، ولكن
نُنَبِّه بالبعض على البعض ، فلنذكر جلائلَ معجزات الأنبياء عليهم السلام ، فمنها نجاة نوح في السفينة
بالمؤمنين ، ولا شكَّ أنَّ حملَ الماء للناس من غير سفينة أعظمُ من السُّلوك عليه في السفينة ، وقد مشى
كثيرٌ من الأولياء على متن الماء ، وفي قصة العلاء بن زياد، صاحب رسول الله بَّهَ ما يدلُّ على ذلك؛
روى سهمُ بن مِنْجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرمي ((دَارِيْن(٣) ، فدعا بثلاث دعوات فاستجيبتْ
له ، فنزلنا منزلًا فطلبَ الماء فلم يجده ، فقام وصلَّى ركعتين ، وقال: اللَّهُمَّ إنَّا عبيدُك وفي سبيلك،
نقاتلُ عدَّك ، اللَّهُمَّ اسقنا غيثاً نتوضَّأ به ونشربُ ، ولا يكونُ لأحد فيه نصيبٌ غيرنا ، فسرنا قليلاً فإذا نحن
بماءٍ حين أقلعتِ السَّماءُ عنه ، فتوضأنا منه وتزوَّدْنا ، وملأتُ إداوتي وتركتها مكانَها حتى أنظر هل
استجيب له أم لا ، فسرنا قليلاً ثم قلت لأصحابي : نسيتُ إداوتي فرجعت إلى ذلك المكان فكأنه لم يصبه
ماء قط، ثم سرنا حتى أتينا (( دارين)) والبحر بيننا وبينهم ، فقال: يا عليُّ يا حكيمُ يا عظيم ! إنا عبيدك
وفي سبيلك ، نقاتل عدوك ، اللهم فاجعل لنا إليهم سبيلاً ، فدخلنا البحر فلم يبلغ الماء لبودنا ، ومشينا
على متن الماء ولم يبتل لنا شيء ... وذكر بقية القصة. قال : فهذا أبلغُ من ركوب السفينة، فإنَّ حملَ
الماء للسفينة معتاد ، وأبلغ من فلق البحر لموسى ، فإنَّ هناك انحسرَ الماء حتَّى مشوا على الأرض ،
فالمعجزةُ انحسار الماء، وها هنا صار الماءُ جسداً يمشون عليه كالأرض، وإنما هذا منسوبٌ إلى النبيِّ ◌َثل
(١) رواه البيهقي في الدلائل (٦٨/٦).
(٢) المتوفى سنة (٧٢٧)، كما في البداية والنهاية (١٤ /١٣١) وهو من شيوخ الحافظ ابن كثير كما تقدم في الصفحة
السابقة .
(٣) ((دارين)): فرضة بالبحرين، يجلب إليها المِسْك من الهند، والنسبة إليها داريٌّ. وفي كتاب سيف: أن المسلمين
اقتحموا إلى دارين البحر مع العلاء بن الحضرمي .. ثم قال ياقوت: وهذه صفة (( أوال)) أشهر مدن البحرين
اليوم ، ولعلّ اسمها أوال ودارين . انظر معجم البلدان (٢/ ٤٣٢).

٣٨٥
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
وبركته . انتهى ما ذكره بحروفه فيما يتعلَّق بنوح عليه السلام ، وهذه القصة التي ساقها شيخُنا ذكرَها
الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه ((الدلائل)) : من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا ، عن أبي كريب ، عن
محمد بن فُضيل ، عن الصَّلْت بن مطر العجلي ، عن عبد الملك بن أخت سهم ، عن سَهْم بن مِنْجَاب ،
قال : غزونا مع العلاء بن الحضرمي فذكره(١) .
وقد ذكرها البخاريُّ في التاريخ الكبير من وجه آخر .
ورواها البيهقي : من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ؛ أنه كان مع العلاء وشاهدَ ذلك .
وساقَها البيهقيُّ : من طريق عيسى بن يونس ، عن عبد الله بن عَوْن ، عن أنس بن مالك ، قال :
أدركتُ في هذه الأمة ثلاثاً لو كانت في بني إسرائيل لما تقاسمتها الأمم [ ولكان عجباً (٢) قلنا : ما هنَّ
يا أبا حمزة ؟! قال: كنا في الصُّفَّة عند رسول الله وَّ، فأتته امرأةٌ مهاجرةٌ ، ومعها ابن لها قد بلغ ،
فأضاف المرأة إلى النساء ، وأضاف ابنها إلينا ، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة ، فمرض أيَّاماً ثم قُبِضَ ،
فغمَّضَه النبيُّ وَّهِ وأمرَ بجهازه، فلما أردنا أن نُغَسِّلَه قال: ((يا أنس! ائتِ أَّه، فأَعلمُها)) فأعلمتُها،
قال : فجاءتْ حتى جلستْ عند قَدَمَيْه ، فأخذتْ بهما ثم قالت : اللَّهم إني أسلمتُ لك طَوعاً ، وخلعتُ
الأوثانَ ، فلا تُحَمِّلْنِي من هذه المُصيبة ما لا طاقةَ لي بحملِه . قال: فوالله ما انقضَى كلامُها حتَّى حرَّكَ
قدميْه، وألقى الثوبَ عن وجههِ، وعاشَ حتَّى قبضَ الله رسولَه ◌َّهِ، وحتى هلكت أُمُّه .
قال أنس : ثم جَهَّزَ عمرُ بن الخَطَّاب جيشاً ، واستعمل عليهم العلاء بن الحَضْرِمِيّ ، قال أنس :
وكنتُ في غزاته ، فأتينا مَغازينا فوجدنا القوم قد نذروا بنا فعَفَوا آثارَ الماء ، الحرُّ شديدٌ ، فجَهِدَنا العطشُ
ودوابنا ، وذلك يومَ الجمعة ، فلمَّا مالتِ الشَّمسُ لمغرِبِها ، صلَّى بنا ركعتين، ثم مدَّ يدَه إلى السماء وما
نرى في السماء شيئاً ، قال: فوالله ما حَطَّ يدَه حتى بعثَ الله ريحاً وأنشأ سحاباً وأفرغت حتى ملأت الغُدُرَ
والشِّعاب ، فشربنا ، وسَقَيْنا رِكَابنا ، واسْتَقَيْنا، قال : ثم أتينا عدوَنا وقد جاوزوا خليجاً في البحر إلى
جزيرة ، فوقفَ على الخليج وقال : يا علىُّ يا عظيمُ! يا حليمُ يا كريمُ ! ثم قال : أجيزوا باسم الله ،
قال : فأجزنا ما يبلُّ الماء حوافر دوابًّا ، فلم نلبثْ إلا يسيراً ، فأصبنا العدوَّ غيلةً فقَتَلْنا وأسرْنا وسَبَيْنَا ، ثم
أتينا الخليجَ ، فقال مثل مقالته ، فأجزنا ما يبلُّ الماء حوافرَ دوابّنا . ثم ذكرَ موتَ العلاء ودفنَهم إيّاه في
أرض لا تقبلُ الموتى ، ثم إنهم حفروا عليه لينقلوه منها إلى غيرها فلم يجدوه ثَمَّ ، وإذا اللَّحْد يتلألأُ
نوراً ، فأعادوا التراب عليه ثم ارتحلو(٣) .
(١) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٥٣).
(٢) سقطت من الأصل ، وأثبتها من دلائل النبوة ؛ للبيهقي .
(٣) رواه البيهقي في الدلائل (٥٢/٦ - ٥٣).

٣٨٦
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
فهذا السِّياق أتمُّ ، وفيه قصة المرأة التي أحيا الله لها ولدَها بدعائها ، وسنبِّه على ذلك فيما يتعلَّق
بمعجزاتِ المسيح عيسى ابن مريم ، مع ما يُشابهها إن شاء الله تعالى ، كما سنُشير إلى قصة العلاء هذه مع
ما سنُورده معها هاهنا، فيما يتعلَّق بمعجزات موسى عليه السلام ، في قصَّة فَلْق البحر لبني إسرائيل ، وقد
أرشدَ إلى ذلك شيخنا في عيون كلامه .
قصة أخرى تُشبه قصَّةَ العَلاء بن الحضرميّ
روى البيهقي في (( الدلائل)) - وقد تقدَّم ذلك أيضاً - : من طريق سُليمان بن مهران الأعمش ، عن
بعض أصحابه ، قال : انتهينا إلى دجلةَ وهي مَاذَة والأعاجم خلفَها ، فقال رجلٌ من المسلمين :
باسم الله، ثم اقتحمَ بفرسِه فارتفعَ على الماء ، فقال النَّاسُ : باسم الله ، ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء ،
فنظرَ إليهم الأعاجمُ ، وقالوا : ديوان ، ديوان ، أي : مجانين ، ثم ذهبوا على وجوههم ، قال : فما فقدَ
النَّاسُ إلا قَدَحاً كان معلّقاً بعلابة سرج ، فلما خرجوا أصابوا الغنائمَ فاقتسموها ، فجعل الرجل يقول : مَن
يبادل صفراءَ ببيضاء(١) ؟
وقد ذكرنا في (( السيرة العمرية)) وأيَّامها، وفي التفسير(٢) أيضاً : أن أول من اقتحم دجلة يومئذ أبو
عُبيد الثَّقَفي(٣) أمير الجيوش في أيام عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه، وأنه نظرَ إلى دجلةَ فتلا قولَه تعالى:
وَمَا كَانَ لِنَفْسِ أَن تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اَللَّهِ كِنَبًا مُؤَجَّلاً﴾ [آل عمران: ١٤٥ ] ثم سمَّى الله تعالى واقتحم بفرسه
الماء واقتحمَ الجيشُ وراءَه ، ولما نظرَ إليهم الأعاجمُ يفعلون ذلك جعلوا يقولون : ديوانا ديوانا ، أي :
مجانين مجانين ، ثم وَلَّوا مُدبرينَ ، فقتلَهم المسلمون ، وغنموا منهم مغانم كثيرة .
قصة أخرى شبيهة بذلك
روى البيهقي : من طريق أبي النضر ، عن سليمان بن المغيرة ، أن أبا مسلم الخَوْلاني جاء إلى دجلةَ
وهي ترمي الخشبَ مِنْ مَدِّها فمشَى على الماء والتفتَ إلى أصحابِهِ ، وقال : هل تفقدونَ من متاعِكم
شيئاً ، فندعو الله تعالى ؟ ثم قال : هذا إسناد صحيح(٤) .
(١) رواه البيهقي في الدلائل (٥٤/٦) .
(٢) انظر تفسير ابن كثير (١/ ٥٠١) طبعة دار ابن كثير بدمشق.
(٣) كذا في الأصل، وفي التفسير؛ للمؤلف رحمه الله أن أول من اقتحم دجلة : هو حُجْر بن عديٍّ . وسعد بن
أبي وقّاص رضي الله عنه هو أمير الجيش في أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنه . أما أبو عُبيد الثقفي فاستشهد في
معركة الجسر قبل سنتين من عبور المسلمين دجلة لفتح المدائن .
(٤) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٥٤) وأبو مسلم الخولاني: هو عبد الله بن ثوب وقيل : ابن ثواب وقيل: ابن أثوب، =

٣٨٧
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
قلت : وقد ذكر الحافظ الكبير ، أبو القاسم ، بن عساكر ، في ترجمة أبي مسلم عبد الله بن ثوب
الخَوْلاني هذه القصة بأبسط من هذا من طريق بقيّة بن الوليد ، حدَّثني محمد بن زياد ، عن أبي مسلم
الخولاني أنه كان إذا غزا أرض الروم فمروا بنهر قال : أجيزوا باسم الله ، قال : ويمر بين أيديهم فيمرون
على الماء ، فما يبلغ من الدواب إلا إلى الركب ، أو بعض ذلك ، أو قريباً من ذلك ، قال : فإذا جازوا
قال للناس : هل ذهبَ لكم شيء ؟ من ذهبَ له شيء فأنا له ضامنٌ ، قال : فألقى بعضهم مِخْلاةً عَمْداً ،
فلما جاوزوا قال الرجلُ : مخلاتي وقعت في النهر ، قال له : اتبعني ، فإذا المِخْلاةُ قد تعلَّقت ببعض
أعواد النَّهْر ، فقال: خذه١) . وقد رواه أبو داود : من طريق ابن الأعرابي عنه ، عن عمرو بن عثمان ،
عن بقية ، به .
ثم قال أبو داود : حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا سليمان بن المغيرة ، عن حُميد : أن أبا مسلم
الخولاني أتى على دجلةَ وهي ترمي بالخشب من مَدِّها ، فوقفَ عليها ، ثم حَمِدَ الله وأثنى عليه ، وذكرَ
مسيرَ بني إسرائيل في البحر ، ثم لهزَ دابته فخاضتِ الماءَ ، وتبعَه النَّاسُ حتى قطعُوا ، ثم قال : هل فقدتُم
شيئاً من مَتَاعِكُمْ فأدْعُو الله أن يَرِدَّه عليّ(٢) ؟.
وقد رواه ابنُ عساكر : من طريق أخرى عن عبد الكريم بن رشيد عن حُميد بن هلال العدوي ، حدَّثني
ابن عَمِّي أخي أبي ، قال : خرجت مع أبي مسلم في جيش فأتينا على نهر عجاج منكر ، فقلنا لأهل
القرية : أين المخاضة ؟ فقالوا : ما كانت ها هنا مخاضة قطُ ولكن المخاضة أسفل منكم على ليلتين ،
فقال أبو مسلم : اللَّهُمَّ أجزتَ بني إسرائيل البحرَ ، وإنا عبيدك وفي سبيلك ، فأجزنا هذا النهرَ اليوم ، ثم
قال : اعْبُروا باسم الله، قال ابن عَمِّي : وأنا على فرس ، فقلت : لأدفعنَّه أوَّل النَّاس خلفَ فرسِه ،
قال : فوالله ما بلغَ الماءُ بطونَ الخيل، حتَّى عبرَ النَّاسُ كلُّهم ، ثم وقفَ فقال: يا معشر المسلمين ! هل
ذهبَ لأحدٍ منكم شيءٌ فأدعو الله تعالى أن يردّة(٣) ؟ .
فهذه الكراماتُ لهؤلاء الأولياء ، هي معجزات لرسول الله وَّ كما تقدَّم تقريره ، لأنهم إنما نالوها
ببركة متابعته ، ويُمْن سفارته ، إذ فيها حجة في الدين ، وحاجةٌ أكيدةٌ للمسلمين ، وهي مشابهة لمعجزة
نوح عليه السلام في مسيره فوقَ الماء بالسفينة التي أمره الله تعالى بعملها ، ولمعجزة موسى عليه السلام في
فَلْقِ البحر ، وهذه فيها ما هو أعجب من ذلك ، من جهة مسيرهم على متن الماء من غير حائل ، ومن جهة
أنه ماء جار والسير عليه أعجبُ من السير على الماء القَارِّ الذي يُجاز ، وإن كان ماء الطوفان أَطمَّ وأعظم ،
=
أبو مسلم ، التابعي ، الدارانيُّ الزاهد ، المتوفى سنة ٦٢ هـ .
ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق ؛ للحافظ ابن عساكر (١٢ /٥٩).
(١)
(٢)
ذكره الحافظ الذهبي في السير (١١/٤) وتاريخ الإسلام (١٠٤/٣).
ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (٥٩/١٢).
(٣)

٣٨٨
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
فهذه خارقة ، والخارقُ لا فرقَ بين قليله وكثيره ، فإن من سلكَ على وجه الماء الخِضَمِّ الجاري العجاج
فلم تبتلَّ منه نعالُ خيولهم ، أو لم يَصلْ إلى بُطونها ، فلا فرقَ في الخارق بين أنْ يكونَ قامة أو ألف قامة ،
أو أن يكون نهراً أو بحراً، بل كونه نهراً عجاجاً كالبرق الخاطف والسَّيْل الجاري ، أعظمُ وأغربُ ،
وكذلك بالنسبة إلى فلق (١) البحر ، وهو جانب بحر القلزم، حتى صار كل فِرْقٍ كالطود العظيم ، أي :
الجبل الكبير ، فانحاز الماء يميناً وشمالاً، حتى بدت أرض البحر ، وأرسلَ الله عليها الريحَ حتى
أبيسَها ، ومشت الخيولُ عليها بلا انزعاج حتى جاوزوا عن آخرهم ، وأقبلَ فرعون بجنوده: ﴿ فَغَشِيَهُمْ مِنَ
اَلْبِ مَا غَشِيَهُمْ ﴿ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: ٧٨ - ٧٩] وذلك أنهم لما توسَّطوه وهمَّ أولهم بالخروج
منه ، أمر الله البحر فارتطمَ عليهم فَغرِقُوا عن آخرهم ، فلم يفلت منهم أحدٌ ، كما لم يفقد من بني إسرائيل
واحدٌ ، ففي ذلك آية عظيمة بل آيات معدودات، كما بسطنا ذلك في (( التفسير)(٢) ولله الحمد والمنة .
والمقصود أنَّ ما ذكرناه من قصة العلاء بن الحضرمي ، وأبي عُبيد (٣) الثقفي ، وأبي مسلم الخَولاني ، من
مسيرهم على تيّار الماء الجاري ، فلم يُفقد منهم أحد ، ولم يفقدوا شيئاً من أمتعتهم ، هذا وهم أولياء ،
منهم صحابيٌّ وتابعيان، فما الظن لو احتيجَ إلى ذلك بحضرة النبيّ وَّر، سيّد الأنبياء وخاتمهم، وأعلاهم
منزلة ليلة الإسراء ، وإمامهم [ ليلتئذ ] ببيت المقدس ، والذي هو محل ولايتهم ، ودار بدايتهم ،
وخطيبهم يوم القيامة ، وأعلاهم منزلة في الجنة ، وأول شافع في المحشر ، وفي الخروج من النار ، وفي
دخول الجنة ، وفي رفع الدرجات بها ، كما بسطنا أقسام الشفاعة وأنواعها ، في آخر الكتاب في أحوال
يوم القيامة ، وبالله المستعان .
وسنذكر في المعجزات الموسوية ما وردَ من المعجزات المحمَّدية ، ما هو أظهر وأبهر منها ، ونحنُ
الآن فيما يتعلَّق بمعجزات نوح عليه السلام ، ولم يذكر شيخنا سوى ما تقدَّم ، وأما الحافظ أبو نُعيم
أحمد بن عبد الله الأصبهاني، فإنه قال في آخر كتابه في (( دلائل النبوة ))، وهو في مجلدات ثلاث :
الفصل الثالث والثلاثون : في ذكر موازنة الأنبياء في فضائلهم ، بفضائل نبيِّنا ، ومقابلة ما أُوتوا من الآيات
بما أُوتِي ، إذ أُوتِي ما أوتوا وشبهَه ونظيرَه، فكان أوَّل الرسل نوح عليه السلام ، وآيتُه التي أُوتي شفاء
غيظه ، وإجابة دعوته ، في تعجيل نقمة الله لمُكذِّبيه حتى هلك من على بسيط الأرض من صامت وناطق ،
إلا من آمن به ودخل معه في سفينته . ولعَمْري إنَّها آية جليلة، وافقت سابقَ قَدَر الله وما قد علمه في
هلاكهم، وكذلك نبيّنا وََّ لما كذَّبه قومُه وبالغوا في أذَّتِه ، والاستهانة بمنزلته من الله عزّ وجلّ ، حتى
ألقى السفيهُ عقبةُ بن أبي معيط سَلا الجزور على ظهره وهو ساجد ، فقال: ((اللهم عليكَ بالملأ من
(١) في نسخة: بالتشبيه إلى فرق .
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢٠٣/٣).
(٣) بل هو حُجْرُ بن عدي كما سبق .

٣٨٩
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
قريش (١))) ثم ساقَ الحديثَ عن ابن مسعود، كما تقدَّم ذِكْرُنا له في صحيح البخاري وغيره في وضع الملأ
من قريش على ظهر رسول الله وَ لير وهو ساجد عند الكعبة سلا تلك الجزور ، واستضحاكهم من ذلك ،
حتَّى إنَّ بعضَهم يميلُ على بعض من شدة الضحك ، ولم يزل على ظهره ، حتى جاءت ابنتُه فاطمةُ عليها
السلام فطرحته عن ظهره ، ثم أقبلتْ عليهم تسبهم ، فلما سلَّم رسول الله وَ ل# من صلاته رفع يديه فقال :
((اللهم عليك الملأ من قريش)) ثم سمَّى فقال: ((اللهم عليك بأبي جهل بن هشام ، وعتبةَ، وشيبةَ،
والوليد بن عتبة، وأميَّة بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعمارة بن الوليد)).
قال عبد الله بن مسعود : فوالذي بعثَه بالحقِّ رأيتُهم صرعى يوم بدر ، ثم سُحبوا إلى القَليب قَليب
بدر .
وكذلك لما أقبلت قريشٌ يومَ بدر في عُددها وعَديدها٢)، فحين عاينَهم رسولُ الله ◌َِّ: قال رافعاً
يديه: ((اللهم هذه قريش جاءتك بفخرها وخيلائها، تحادُّك وتُكَذِّب رسولَك، اللهم أحِنْهم الغداةَ(٣)
فقُتل من أشرافهمُ(٤) سبعون ، وأُسر من أشرافهم سبعون . ولو شاء الله لاستأصلَهم عن آخرهم ، ولكن
من حِلْمٍ وشَرِف نبيِّه أبقى منهم مَنْ سبقَ في قَدَرِهِ أن سيُؤْمنُ به وبرسول الله وَّر ، وقد دعا على عتبة بن أبي
لَهَبٍ أنَ يُسَلِّط عليه كلبَه بالشام، فقتله الأسدُ عند وادي الزرقاء قبل مدينة بُصرى(٥) . وكم له من مثلها
ونظيرها [ مما سلفَ ذكرناه وما لم نذكره وكذلك دعا على قريش سبعاً (٦) كسبع يُوسفَ فقُحِطوا حتى
أكلوا العِلْهِزَ ، وهو الدَّمُ بالوبر، وأكلوا العظامَ وكلَّ شيء ، ثم توسَّلوا إلى تراحمه وشفقته ورأفته ، فدعا
لهم ، ففرَّج الله عنهم ، وسُقوا الغيثَ ببركة دعائه .
وقال الإمام الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتاب (( دلائل النبوة)) - وهو كتاب حافل - : ذكرُ ما
أَوتيَ نوح عليه السلام من الفضائل ، وبيان ما أوتي محمد ◌َّرِ مما يُضاهي فضائلَه ويزيد عليها : إن قوم
نوح لما بلغوا من أذِيَّتِه والاستخفاف به ، وترك الإيمان بما جاءهم به من عند الله ، دعا عليهم فقال :
﴿﴿ رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ [ نوح: ٢٦] فاستجابَ الله دعوتَه، وغرق قومه ، حتى لم يسلم
شيء من الحيوانات والدوَّاب إلا مَنْ ركبَ السفينة ، وكان ذلك فضيلة أُوتيها ؛ إذ أُجيبتْ دعوتُه ، وشفى
صَدْرَه بإهلاك قومه. قلنا: قد أُوتِي محمَّد ◌َِّ مثلَه حين نالَه من قريش ما نالَه من التكذيب والاستخفاف ،
(١) رواه البخاري في صحيحه (٢٤٠) في الوضوء و(٥٢٠) في الصلاة .
(٢)
في نسخة ( حَدِّها وحديدها)) .
(٣) انظر السيرة النبوية؛ لابن إسحاق (٦٢١/١).
(٤) في نسخة ((من سَراتهم)).
(٥) تقدم الحديث .
(٦) سقط ما بين حاصرتين من المطبوع .

٣٩٠
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
فأنزلَ الله إليه مَلَكَ الجبال وأمرَه بطاعته فيما يأمُرُه به من إهلاك قومه ، فاختارَ الصبر على أَذِيَّتِهم ،
والابتهال في الدعاء لهم بالهداية .
قلت: وهذا أحسن، وقد تقدَّمَ الحديث بذلك عن عائشة، عن رسول الله وَّل ؛ في قصة ذهابه إلى
الطائف ، فدعاهم فآذوه ، فرجع وهو مهموم ، فلما كان عند قَرنِ الثعالب ناداه مَلَكُ الجبال فقال :
يا محمَّد! إنَّ ربَّكَ قد سمعَ قولَ قومِكَ وما ردُّوا عليكَ، وقد أرسلني إليكَ لأفعلَ ما تأمرُني به ، فإن شئتَ
أطبقتُ عليهم الأخشبين - يعني : جبلي مكة اللذين يكتنفانها جنوباً وشمالاً ، أبو قبيس والأحمر - فقال :
(( بل أستأني بهم لعلَّ الله أن يُخرجَ من أصلابهم من لا يشرك بالله شيئاً)(١). وقد ذكرَ الحافظُ أبو نُعيم في
مقابلة قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِى مَغْلُوبٌ فَانَصِرْ ﴿ فَفَنَحْنَا أَبْوَبَ السَّمَآءِ ◌ِمَاءٍ فُّنْهَمِرٍ (٢) وَفَجَرَنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْنَقَى الْمَآءُ
عَلَى أَمْرٍ قَدْ فُدِرَ﴾ [ القمر: ١٠ -١٢] أحاديث الاستسقاء عن أنس وغيره، كما تقدَّم ذكرنا لذلك في دلائل النبوة
قريباً؛ أنه ﴿ ﴿ سأله ذلك الأعرابي أن يدعوَ الله لهم ، لما بهم من الجدب والجوع ، فرفعَ يديه وقال :
((اللهم اسقنا، اللهم اسقنا (٢) فما نزلَ عن المنبر حتى رُئيَ المطرُ يتحادرُ على لحيته الكريمةِ وَه ،
فاستحضرَ من استحضرَ من الصحابة رضي الله عنهم قولَ عمِّه أبي طالب فيه :
ثِمَالُ الْيَتَامَى عِصمةٌ لِلأَرامِلِ
وأَبيضَ يُستسقَى الغَمَامُ بوجهِهِ
يَلُوذ بهِ الهلاكُ مِن آلِ هَاشِمٍ فَهُم عِندَه في نِعمَةٍ وَفَواضِلٍ
وكذلك استسقى في غير ما موضع للجدب والعطش فيُجاب كما يُريدُ على قَدْرِ الحاجة المائيّة ، ولا
أزيد ولا أنقص ، وهذا أبلغُ في المعجزة ، وأيضاً فإن هذا ماءُ رحمةٍ ونعمة ، وماءُ الطُّوفان ، ماءُ غَضَبٍ
ونقمة، وأيضاً فإنَّ عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه كان يستسقي بالعبَّاس عمِّ النبيِّي ◌ََّ فُيُسقون، وكذلك
ما زالَ المسلمون في غالب الأزمان والبلدان ، يَستسقونَ فيُجابون فُسقون، و[غيرُهم ] لا يُجابون غالباً
ولا يُسقون ، ولله الحمد .
قال أبو نُعيم : لبثَ نوٌ في قومه ألفَ سنة إلا خمسين عاماً ، فبلَّغَ جميعَ من آمن به رجالاً ونساء ،
الذين ركبوا معه في السفينة ، دون مئة نفس ، وآمنَ بنبيِّنا - في مدة عشرين سنة - النَّاسُ شرقاً وغرباً ،
ودانت له جبابرةُ الأرض وملوكها ، وخافت زوال ملكهم ، ككسرى وقيصر ، وأسلم النجاشيُّ والأقيال
رغبة في دين الله ، والتزمَ من لم يُؤمن به من عظماء الأرض الجزية ، والإيادة عن صَغار ، أهلُ نجران ،
وهجر ، وأيلعة ، وأكيدر دومة ، فذلُّوا له منقادينَ ، لما أيده الله به من الرُّعب الذي يسير بين يديه شهراً ،
(١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٢٣١) في بدء الخلق ، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٩٥) في الجهاد والسير ،
و(( الأخشبان)): هما الجبلان المطيفان بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر، وهو جبل مشرف وجهُه على قُعَيْقِعَان .
والأخشب : كل جبل خشن غليظ الحجارة .
(٢) تقدم الحديث .

٣٩١
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
وفتح الفتوح ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً كما قال الله تعالى: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ
وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ [ النصر: ١ -٢].
١
قلت : ماتَ رسولُ اللهِ وَّه وقد فتحَ الله له المدينةَ وخيبرَ ومَّةَ وأكثرَ اليمن وحضر موت ، وتوفي عن
مئة ألف صحابيٍّ أو يزيدون، وقد كتبَ في آخر حياته الكريمة إلى سائر ملوك الأرض يدعُوهم إلى الله
تعالى ، فمنهم من أجابَ ، ومنهم من توقَّفَ ، ومنهم مَن صانعَ ودَارى عن نفسه ، ومنهم من تكبِّر فخابَ
وخسر ، كما فعلَ كسرى بن هرمز حين عتى وبغى وتكبّر ، فمُزِّق مُلكُه ، وتفرَّق جندُه شَذَرَ مَذَرَ ، ثم فتحَ
خلفاؤه من بعده ، أبو بكر ، ثم عمر ، ثم عثمان ، ثم عليّ التالي على الأثر ، مشارقَ الأرض ومغاربها ،
من البحر الغربيّ إلى البحر الشرقيّ، كما قال رسولُ الله ◌ِّهِ: (( زُويت لي الأرضُ فرأيتُ مشارقَها
ومغاربها ، وسيبلغُ ملكُ أمتي ما زُوي لي منها)(١) .
وقال رَّ: ((إذا هلكَ قيصرُ فلا قيصرَ بعدَه، وإذا هلكَ كسرى فلا كسرى بعدَه ، والذي نفسي بيده
لَتُنْفِقُنَّ كنوزَهما في سبيل الله)(٢). وكذا وقعَ سَواءً بسواء ، فقد استوسقت الممالكُ الإسلامية على ملك
قيصر وحواصله ، إلا القسطنطينية ، وجميع ممالك كسرى وبلاد المشرق ، وإلى أقصى بلاد المغرب ،
إلى أن قُتل عثمانُ رضي الله عنه في سنة ست وثلاثين. فكما عمَّت جميعَ أهل الأرض النقمة بدعوة نوحُ
عليه السلام ، لما رأى ما هم عليه من التمادي في الضَّلال والكفر والفُجور ، فدعا عليهم غضباً لله ولدينه
ورسالته ، فاستجاب الله له ، وغضبَ لغضبه، وانتقمَ منهم بسببه ، كذلك عمَّت جميعَ أهل الأرض
النِّعمةُ ببركة رسالة محمد ◌َلّهِ ودعوته ، فآمن من آمن من الناس ، وقامت الحجة على من كفر منهم ، كما
قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] وكما قال ◌َليّ: ((إنما أنا رحمة
مهداة) (٣) .
(١) رواه ابن ماجه في الفتن (٣٩٥٢) عن ثوبان رضي الله عنه، وهو حديث صحيح.
(٢) رواه البخاري في صحيحه (٣١٢٠) في فرض الخمس، ومسلم في الفتن (٢٩١٨) (٧٥).
(٣) رواه الدارمي (٩/١) عن إسماعيل بن خليل عن علي بن مُشْهر، وابن أبي شيبة (المصنف ١١/ ٥٠٤ ) عن وكيع ،
كلاهما ( علي بن مسهر ووكيع) عن الأعمش عن أبي صالح مرسلاً . ورواه الحاكم في المستدرك (٣٥/١) والبيهقي
في الدلائل (١٥٨/١) من طريق مالك بن سعير ، عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة موصولاً . وصححه
الحاكم ، ولم يصب في ذلك ، فإن الرواية المرسلة هي الصحيحة رواها ثقتان عن الأعمش وهما وكيع وعلي بن
مسهر ، فتبين أن مالك بن سعير قد تفرد بوصله فأخطأ ، وهو صدوق ، وقد ضعفه أبو داود ، وقال الأزدي : عنده
مناكير ( كما في تهذيب الكمال ٢٧ /١٤٦ - ١٤٧ والتعليق عليه ) ، فأين هو من الثقتين وكيع وعلي بن مسهر ؟
فالمرسل هنا علة للموصول . أما رواية عبدِ الله بن نصر بن وكيع لهذا الحديث عن وكيع موصولاً ( كما في كامل ابن
عدي ٤/ ١٥٤٦) فهو مما رده ابن عدي وغلّطه فيه ، وذكر أن الحديث المرفوع هو حديث مالك بن سعير ، والحمد
لله على مننه ( بشار ) .

٣٩٢
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي نوح عليه السلام )
وقال هشام بن عمَّار في كتاب ((المبعث)): حدَّثني عيسى بن عبد الله النعماني ، حدَّثنا المسعودي،
عن أبي سعيد وعن سعيد بن جُبير ، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ﴾ [ الأنبياء:
١٠٧] قال: من آمن بالله ورسله تمَّت له الرحمة في الدنيا والآخرة ، ومن لم يُؤمن بالله ورسله عُدَّ فيمن
يستحقُّ تعجيلَ ما كان يُصيب الأمم قبل ذلك من العذاب والفتن والقذف والخسف .
وقال تعالى: ﴿﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اَللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال ابن
عباس : النعمةُ محمّد ، والذین بَدَّلوا نعمةَ الله كفراً كفار قریش - يعني : و کذلك کل من كذب به من سائر
الناس - كما قال: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَخْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ [ هود: ١٧].
قال أبو نُعيم : فإن قيل: فقد سمَّى الله نوحاً عليه السلام باسم من أسمائه الحُسنى، فقال: ﴿إِنَّهُ
كَانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ [الإسراء: ٣]. قلنا: وقد سمَّى الله محمَّداً بَ ل باسمين من أسمائه فقال:
﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] قال: وقد خاطب الله الأنبياءَ بأسمائهم، يا نوحُ!
يا إبراهيم! يا موسى! يا داود! يا يحيى! يا عيسى ابن مريم، وقال مخاطباً لمحمد بَله: يا أيُّها
الرسول! يا أيُّها النبي ! يا أيها المُزمِّل ! يا أيها المُدثِّر ! وذلك قائم مقام الكنية بصفة الشرف .
ولما نسبَ المشركون أنبياءَهم إلى السَّفَه والجُنون ، كلٌّ أجابَ عن نفسه، قال نوحٌ: ﴿يَقَوْمِ لَيْسَ بِ
سَفَاهَةٌ وَلَكِّ رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [ الأعراف: ٦٧] وكذا قال هود عليه السلام. ولما قال فرعون :
﴿ إِنِّي لَأَظُنُكَ يَمُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ١٠١] قال [ موسى] ﴿ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَوَتِ
وَالْأَرْضِ بَصَابِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُكَ يَفِرْ عَوْنُ مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] إلى أمثال ذلك، وأما محمد ◌َّه فإن الله تعالى
هو الذي يتولَّى جوابَهم عنه بنفسه الكريمة، كما قال: ﴿ وَقَالُوْيَأَيُّهَا الَّذِى نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ ﴿ الَّوْ
مَا تَأْتِنَا بِالْمَلَئِكَةِ إِن كُنْتَ مِنَ الصَّدِقِينَ﴾ [الحجر: ٦ - ٧] قال الله تعالى: ﴿ مَا نُنَزِّلُ الْمَلَبِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُواْ
إِذَا مُنَظَرِينَ﴾ [الحجر: ٨] وقال تعالى: ﴿وَقَالُواْ أَسَطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُعْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً
وَأَصِيلاً ﴿ قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِى يَعْلَمُ السِّرَّ فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الفرقان: ٥ -٦] ﴿ أَمْ يَقُولُونَ
شَاعِرٌ تََّبَّصُ بِهِ، رَيْبَ الْمَنُونِ ﴿ قُلْ تَرَبَّصُواْ فَإِّ مَعَكُمْ مِّنَ الْمُتَرَيِّصِينَ﴾ [الطور: ٣٠ -٣١] وقال تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ
◌ِقَوْلِ شَاعٍِّ قَلِيلًا مَّا نُؤْمِنُونَ (١) وَلَا بِقَوْلِ كَاِهِنَّ قَلِيلًا مَّا نَذَكَّرُونَ (١) نَِيِلٌ مِّن رَّبِّ الْعَلَمِينَ﴾ [الحاقة: ٤١ -٤٣] ﴿وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ
كَفَرُواْ لَيْلِقُونَكَ بِأَبْصَرِهِمْ لَمَّا سَمِعُواْ الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَُْونٌ﴾ [القلم: ٥١] وقال الله تعالى: ﴿ وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَلَمِينَ ﴾
[القلم: ٥٢] وقال تعالى: ﴿تْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ ﴿ مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ﴿ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ
وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: ١ - ٤] وقال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَابُ الَّذِى
يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهَذَا لِسَانُ عَرَبِىٌ مُّبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]

٣٩٣
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي هود عليه السلام - القول فيما أوتي صالح عليه السلام )
القول فيما أوتي هود عليه السلام
قال أبو نعيم ما معناه : إن الله تعالى أهلكَ قومَه بالريح العقيم ، وكانت ريحَ غضبٍ ، ونصرَ الله تعالى
محمّداً ◌ََّ بِالصَّبًا يومَ الأحزاب، كما قال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَآءَ تْكُمْ جُنُورٌ
فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودًا لَّمْ تَزَوْهَأْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [ الأحزاب: ٩]. ثم قال: حدَّثنا إبراهيم بن
إسحاق ، حدَّثنا محمد بن إسحاق بن خزيمة (ح ) وحدَّثنا عثمان بن محمد العثماني ، أخبرنا زكريا بن
يحيى السَّاجي، قالا : حدَّثنا أبو سعيد الأشج، حذَّثنا حفص بن غياث ، عن داود بن أبي هند ، عن
عكرمةَ ، عن ابن عباس ، قال : لما كان يومُ الأحزاب انطلقت الجَنُوب إلى الشَّمأل فقالت : انطلقي بنا
ننصرُ محمَّداً رسولَ الله وَله، فقالت الشَّمْأل للجَنُوب: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسرِي بالليل، فأرسلَ الله عليهم
الصَّبا، فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَحُنُودَا لَّمْ تَرَوْهَا﴾(١) [الأحزاب: ٩].
ويشهدُ له الحديثُ المتقدم عن رسول الله وَ لَه أنه قال: ((نصرت بالصَّبَا وأُهلكت عادٌ بالدبور)(٢).
القول فيما أُوتي صالحٌ عليه السلام
قال أبو نعيم : فإن قيل : فقد أخرجَ الله لصالح ناقةً من الصَّخرة جعلها الله له آيةً وحُجَّةً على قومه ،
وجعلَ لها شُربَ يومٍ ، ولهم شُربَ يوم معلوم ، قلنا : وقد أعطى الله مُحمَّداً وَِّ مثلَ ذلك ، بل أبلغَ ،
لأن ناقةَ صالح لم تُكلِّمْه ولم تشهد له بالنبوة والرسالة ، ومحمَّدٌ وَ﴿ شهدَ له البعيرُ النَّاذُ بالرسالة ، وشكا
إليه ما يلقَى من أهله ، من أنهم يُجيعونه ويُريدون ذبحَه، ثم ساقَ الحديث(٣) بذلك كما قدَّمنا في دلائل
النبوة بطرقه وألفاظه ونغُرَرِه بما أغنى عن إعادته هاهنا ، وهو في الصِّحاح والحِسان والمسانيد ، وقد ذكرنا
مع ذلك حديثَ الغزالة(٤)، وحديثَ الضَّبِّ(٥)، وشهادتَهما له وَّل بالرسالة، كما تقدَّم التنبيه على ذلك
والكلام فيه ، وثبتَ الحديث في الصحيح(٦) بتسليم الحجر عليه قبل أن يُبعثَ ، وكذلك سلامُ الأشجار
والأحجار والمدر عليه قبل أن يُبعثَ وَلِهِ .
(١) رواه الطبري في التفسير (٢٦٣/١٠) وذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥٨١/٣) والسيوطي في الدر المنثور
(٥٧٣) .
(٢) رواه أحمد في المسند (٢٢٨/١) والبخاري في الاستسقاء (١٠٣٥) ومسلم في صلاة الاستسقاء (٤٠٠) (١٧).
(٣) سبق تخريجه .
(٤)
سبق تخريجه .
سبق تخريجه .
(٥)
(٦) سبق تخريجه .

٣٩٤
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
القول فيما أُوتي إبراهيمُ الخليلُ عليه السَّلام
قال شيخنا العلامة أبو المعالي بن الزَّمَلْكاني رحمه الله وبلَّ بالرحمة ثراه : وأما خمود النار لإبراهيم
عليه الصلاة والسلام ، فقد خمدت لنبينا محمد وَّلقول نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام وكان خمود
نار فارس لمولده وَّ وبينه وبينها مسافة أشهر كذا ، وهذا الذي أشار إليه من خمود نار فارس ليلة مولده
الكريم ، قد ذكرناه بأسانيده وطرقه في أول السيرة(١)، عند ذكر المولد المُطهّر الكريمُ(٢) ، بما فيه كفاية
ومقنع .
ثم قال شيخنا: مع أنه قد أُلقي بعض هذه الأمة في النَّار فلم تُؤَثِّر فيه ببركة نبيِّنا محمد بِّال، منهم
أبو مسلم الخولاني ، قال : بينما الأسود بن قيس العَنْسي باليمن ، فأرسل إلى أبي مسلم الخولاني فقال :
أتشهدُ أنَّ محمَّداً رسولُ الله ؟ قال : نعم ، قال : أتشهدُ أني رسولُ الله ؟ قال : ما أسمع . فأعاد إليه ،
فقال : ما أسمع . فأمر بنار عظيمة قد أُجِّجَتْ ، فطُرح فيها أبو مسلم فلم تضرَّه ، فقيل له : لئن تركتَ هذا
في بلادك أفسدها عليكَ، فأمره بالرحيل، فقدم المدينة وقد قُبِضَ رسولُ اللهِ وَّهِ واستُخلفَ أبو بكر،
فقام إلى ساريةٍ من سواري المسجد يُصلِّي ، فَبَصُرَ به عمرُ فقال : من أينَ الرَّجلُ ؟ فقال : من اليمن .
قال : ما فعلَ عدوُ الله بصاحبنا الذي حرَّقه بالنار فلم تضرّه ؟ قال: ذاك عبد الله بن ثوب(٣) ، قال:
نشدتُك بالله أنتَ هو ؟ قال : اللهم نعم . قال : فَقبَّلَ ما بين عينيْه ثم جاء به وأجلسَه بينه وبين أبي بكر
الصديق، وقال: الحمدُ لله الذي لم يُمتني حتى أراني في أُمَّة محمّد ◌ََّ من فُعِلَ به كما فُعِلَ بإبراهيم خليل
الرحمن عليه السلام .
وهذا السّياق الذي أوردَه شيخُنا بهذه الصفة قد رواه الحافظ الكبير ، أبو القاسم ابن عساكر رحمه الله
في ترجمة أبي مسلم عبد الله بن ثُوَب. في (( تاريخه)) من غير وجه : عن عبد الوهاب بن الضخَّاك ، عن
إسماعيل بن عياش الجمصي ، حدَّثني شرحبيل بن مسلم الخَوْلاني : أن الأسودَ بن قيس ذا الخمار
العَنْسي تنبّأ باليمن ، فأرسلَ إلى أبي مسلم الخَوْلاني فأتي به ، فلمَّا جاء به قال: أتشهدُ أنِّي رسولُ الله ؟
قال : ما أسمع ، قال : أتشهد أن محمداً رسولُ الله ؟ قال : نعم ، قال: فردَّد عليه ذلك مراراً ، ثم أمرَ
بنار عظيمة فأُجِّجت ، فأُلقي فيها فلم تضرّه ، فقيل للأسود : انفهِ عنكَ وإلا أفسدَ عليكَ مَنِ اتَّبِعكَ .
فأمرَه، فارتحلَ أبو مسلم ، فأتى المدينةَ وقد قُبِضَ رسولُ الله بَّه، واستُخلفَ أبو بكر، فأناخَ أبو مسلم
(١) سبق تخريجه .
(٢) في نسخة ((المشرف المكرم)).
(٣) في نسخة (( ثوب )) وهو صحيح كما تقدم في نسبه .

٣٩٥
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
راحلتَه بباب المسجد ، ثم دخلَ المسجدَ وقام يُصلِّي إلى ساريةٍ ، فَبَصُرَ به عمرُ بن الخطّاب ، فأتاه فقال :
مَن الرَّجلُ ؟ فقال : من أهل اليمن . قال : ما فعلَ الرجلُ الذي حرَّقه الكذَّابُ بالنَّار ؟ قال : ذاك
عبد الله بن ثُوبَ ، قال : فأنشدكَ بالله أنتَ هو ؟ قال : اللهم نعم ، قال : فاعتنقه ثم بكى ، ثم ذهبَ به
حتى أجلسَه بينه وبين أبي بكر الصديق ، فقال: الحمدُ لله الذي لم يُمِثْني حتى أراني في أمة محمد ◌َّ من
فُعِلَ به كما فُعِلَ بإبراهيم خليل الرحمن .
قال إسماعيلُ بن عيَّاش : فأنا أدركتُ رجالاً من الأمداد الذين يَمُدُّونَ إلينا من اليمن مِن خَولان ،
[ من ] ربما تمازحوا، فيقولُ الخَوْلانيون للعنسيين: صاحبُكم الكذَّابُ حرَّق صاحبَنا بالنَّار فلم
تضرّهُ(١) .
وروى الحافظ ابنُ عساكر أيضاً من غير وجه : عن إبراهيم بن دُحَيْم: حدَّثنا هشام بن عمَّار ، حدَّثنا
الوليد ، أخبرني سعيد بن بشير ، عن أبي بشر - جعفر بن أبي وحشية - أن رجلاً من خَولانَ أسلم فأرادَه
قومُه على الكفر فألقوه في نار فلم يحترقْ منه إلا أنملة لم يكن فيما مضى يُصيبها الوضوء ، فقدمَ على أبي
بكر فقال له : استغفر لي ، قال : أنتَ أحق ، قال أبو بكر : أنت أُلقيت في النار فلم تحترق ، فاستغفر له
ثم خرج إلى الشام ، وكانوا يُشَبِّهونه بإبراهيم عليه السلام ، وهذا الرجل هو أبو مسلم الخولاني . وهذه
الرواية بهذه الزيادة تُحَقّقُ أنه إنما نالَ ذلك ببركة متابعته الشريعة المحمَّدية المُطهَّرة المُقدَّسة ، كما جاء في
حديث الشفاعة: ((وحرَّم الله على النَّار أن تأكلَ مواضعَ الشُّجود)(٢).
وقد نزلَ أبو مسلم بداريًّا من غربيّ دمشق ، وكان لا يسبقه أحدٌ إلى المسجد الجامع بدمشق وقتَ
الصبح ، وكان يُغازي ببلاد الروم ، وله أحوالٌ وكراماتٌ كثيرة جداً ، وقبرُه مشهور بداريا ، والظاهر أنه
مقامُه الذي كان يكون فيه ، فإن الحافظ ابن عساكر رجَّح أنه مات ببلاد الروم ، في خلافة معاوية ، وقيل :
في أيام ابنه يزيد ، بعد الستين(٣)، والله أعلم .
وقد وقعَ لأحمد بن أبي الحواري من غير وجه : أنه جاء إلى أستاذه أبي سليمان الدَّاراني يُعلمه بأن
التَُّور قد سَجَرُوه ، وأهلُه ينتظرون ما يأمرُهم به ، فوجدَه يُكلِّمُ النَّاسَ وهم حولَه، فأخبره بذلك فاشتغلَ
عنه بالناس ، ثم أعلمَه فلم يلتفتْ إليه ، ثم أعلمه مع أولئك الذين حولَه ، فقال : اذهبْ فاجلسْ فيه ،
فذهبَ أحمدُ بن أبي الحَواري إلى التَّنُّور فجلسَ فيه وهو يتضرَّم ناراً ، فكان عليه برداً وسلاماً ، وما زالَ فيه
حتَّى استيقظَ أبو سُليمان من كلامه ، فقال لمن حولَه : قوموا بنا إلى أحمد بن أبي الحَواري ، فإني أظنُّه قد
(١) ذكره ابن منظور في مختصر تاريخ دمشق (٥٦/١٢-٥٧).
(٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٨٠٦) في الأذان، ومسلم في صحيحه رقم (٢٩٩) في الإيمان.
(٣) انظر تهذيب تاريخ ابن عساكر؛ لابن منظور (٦٦/١٢).

٣٩٦
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
ذهبَ إلى التَّنُؤُّر فجلسَ فيه امتثالاً لما أمرته به ، فذهبُوا فوَجدُوه جالساً فيه ، فأخذ بيده الشيخُ أبو سليمان
وأخرجَه منه ، رحمة الله عليهما١) .
ثم قال شيخنا أبو المعالي : وأما إلقاؤه - يعني إبراهيم عليه السلام - من المِنْجنيق، فقد وقعَ في
حديث البراء بن مالك في وقعة مسيلمة الكذَّاب ، أنَّ أصحابَ مسيلمة انتهوا إلى حائط حفير فتحصَّنوا به
وأغلقوا البابَ ، فقال البراء بن مالك : ضَعُوني على تُرْسٍ واحملوني على رؤوس الرماح ، ثم ألقوني من
أعلاها داخلَ الباب ، ففعلوا ذلك وألقوه عليهم فوقعَ وقامَ وقاتلَ المشركين حتى قتل عشرةً أو أكثر ، وفتحَ
البابَ للمسلمين وكان سببَ هلاك المشركين ، وقتلٍ مُسيلمة .
قلت : وذكرتُ ذلك مستقصى في أيام الصِّدِّيق حين بعثَ خالد بن الوليد لقتال مسيلمة وبني حنيفة ،
وكانوا في قريبٍ من مئة ألف أو يزيدون ، وكان المسلمون بضعة عشر ألفاً ، فلما التَّقوا جعلَ كثيرٌ من
الأعراب يفرُّون ، فقال المهاجرون والأنصار : أخلصنا يا خالد! فميَّزَهم عنهم ، وكان المهاجرون
والأنصار قريباً من ألفين وخمسمئة ، فصمَّموا الحملةَ وجعلوا يتذامرونُ(٢) ويقولون : يا أصحابَ سورة
البقرة ! بطلَ السِّحر اليومَ! فهزموهم بإذن الله وألجؤوهم إلى حديقةٍ هناك، وتُسمَّى حديقة الموت ،
فتحصَّنوا بها ، فحاصروهم فيها ، ففعل البراء بن مالك ، أخو أنس بن مالك - وكان الأكبر - ما ذكرَ من
رفعه على الأسنة فوقَ الرِّماح حتى تمكَّنَ من أعلى سُورها ، ثم ألقى نفسَه عليهم ، ونهضَ سريعاً إليهم ،
ولم يزلْ يُقاتلُهم وحدَه ويُقاتلونه حتى تَمكَّن من فتح باب الحديقة ، ودخلَ المسلمون يُكَبِّرونَ ، وانتهو
إلى قصر مُسيلمةَ الكذَّب وهو واقفٌ خارجَه عند جدار كأنه جمل أورق - أي من سمرته - فابتدَره
وحشيُّ بن حَرْب الأسود ، قاتلُ حمزة ، بحربته ، وأبو دُجانة سِماكُ بن خرشة الأنصاري - وهو الذي
يُنسب إليه شيخنا هذا أبو المعالي بن الزَّمَلْكانيّ - فسبقَه وحشيٍّ فأرسلَ الحربةَ عليه من بُعدٍ فأنفذَها منه ،
وجاء إليه أبو دُجانة فعلاه بسيفه فقتله ، لكن صرخت جارية من فوق القصر فقالت : واأميراه! قتلَه العبد
الأسود . ويقال : إن عمرَ مسيلمة - لعنه الله - يومَ قُتل مئة وأربعون سنة ، فهو ممن طالَ عمرُه وساءَ عمله
قبَّحه الله .
هذا ما ذكرَه شيخُنا فيما يتعلَّق بإبراهيمَ الخليل عليه السلام .
وأما الحافظ أبو نُعيم فإنه قال : فإن قيل: فإنَّ إبراهيمَ خُصَّ بالخُلَّة مع النبوة ، قيل: فقد اتَّخذَ الله
محمّداً خليلاً وحبيباً ، والحبيبُ ألطفُ من الخليل . ثم ساق من حديث شعبة : عن أبي إسحاق ، عن أبي
(١) ذكر الحافظُ الذهبي في السير (٩٣/١٢) هذه الحكاية وقال: نقل السُّلمي حكاية منكرة ... وفيها أنه كان بين أبي
سليمان الداراني وأحمد بن أبي الحواري عقدٌ لا يُخالفه في أمر . . ومثل هذا العقد ربما يؤدي إلى معصية الله
عز وجل ، وهو مخالفٌ للحديث النبوي الصريح ((إنما الطاعة في المعروف)).
(٢) (( يتذامرون)): يحض بعضهم بعضاً.

٣٩٧
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
الأحوص، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال رسول الله مَ له: «لو كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً
لاتَّخذتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكنَّ صاحبَكم خليلُ الله (١)
وقد رواه مسلم : من طريق شعبة والثوري ، عن أبي إسحاق ، ومن طريق عبد الله بن مرَّة ،
وعبد الله بن أبي الهذيل ، كلُّهم عن أبي الأحوص عوف بن مالك الجشيمي ، قال : سمعت عبد الله بن
مسعود يُحدِّثُ عن رسول الله وَ له قال: ((لو كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً، ولكنَّه أخي
وصاحبي، وقد اتّخذَ الله صاحبكم خليلاً)(٢) هذا لفظ مسلم .
ورواه مسلم أيضاً منفرداً به : عن جندب بن عبد الله البجلي كما سأذكره(٣) ، وأصلُ الحديث في
الصحيحين : عن أبي سعيد(٤) . وفي أفراد البخاري : عن ابن عباس(٥) ، وابن الزبير(٦) ، كما سقتُ
ذلك في فضائل الصِّدِّيق رضي الله عنه . وقد أوردناه هنالك من رواية أنس ، والبراء ، وجابر ، وكعب بن
مالك ، وأبي الحسين بن المُعلَّى ، وأبي هريرة ، وأبي واقد اللَّيْثِي، وعائشة أم المؤمنين ، رضي الله
عنهم أجمعين .
ثم إنما رواه أبو نُعيم من حديث عُبيد الله بن زحر ، عن علي بن يزيد ، عن القاسم ، عن أبي أُمامة ،
عن كعب بن مالك، أنه قال: عهدي بنبيكمرَّله قبلَ وفاته بخمسة أيام، فسمعتُه يقول: ((لم يكنْ نبيٌّ إلا
له خليلٌ من أمته ، وإن خليلي أبو بكر ، وإن الله اتّخذَ صاحبَكم خليلاً (٧) . وهذا الإسناد ضعيف .
ومن حديث محمد بن عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّهُ: ((لكلِّ نبيِّ
خليلٌ ، وخليلي أبو بكر بن أبي قُحافةَ ، وخليلُ صاحبكم الرحمن (٨) . وهو غريب من هذا الوجه .
ومن حديث عبد الوهاب بن الضَّخَّاك، عن إسماعيل بن عيَّاش ، عن صفوان بن عمرو ، عن
عبد الرحمن بن جبير بن نفير ، عن كثير بن مرة ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : قال
رسول الله وَله: ((إنَّ الله اتَّخذَنِي خليلاً كما أنَّخذَ إبراهيم خليلاً ، منزلي ومنزل إبراهيم في الجنة تجاهين ،
(١) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٣٢٥٩٩) وعزاه لأبي نعيم في ((فضائل الصحابة)) وهو حديث صحيح .
(٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٣٨٣) (٣) في فضائل الصحابة.
(٣)
سيأتي تخريجه في الصفحة التالية .
رواه البخاري في صحيحه (٣٦٥٤) في فضائل الصحابة ، ومسلم في صحيحه (٢٣٨٢) (٢) في فضائل الصحابة.
(٤)
رواه البخاري في صحيحه (٣٦٥٦) في فضائل الصحابة .
(٥)
رواه البخاري في صحيحه (٣٦٥٨) في فضائل الصحابة .
(٦)
رواه الطبراني كما في مجمع الزوائد (٩/ ٤٥) وقال : في إسناده علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف ولكن له شواهد
(٧)
یقوی بها .
(٨) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٣٢٥٩٨) وعزاه لأبي نعيم ، وفي سنده محمد بن عجلان المدني ، وهو صدوق
إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة .

٣٩٨
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
والعباس بيننا مؤمن بين خليلين )). غريبٌ، وفي إسناده نظر(١) ، انتهى ما أورده أبو نُعيم رحمه الله.
وقال مسلمُ بن الحجّاج في (( صحيحه)): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ وإسحاقُ بن إبراهيم ، قالا :
حدَّثنا زكريا بن عديّ ، حدَّثنا عُبيد الله بن عمرو ، حدَّثنا زيد بن أبي أُنَّيْسَةَ ، عن عمرٍو بن مُؤَّةَ ، عن
عبد الله بن الحارث، حدَّثْني جُنْدَبُ بن عبد الله، قال: سمعتُ النبيَّ نََّ قبل أن يموتَ بخمسٍ وهو
يقولُ: ((إنِّي أبرأُ إلى الله عزَّ وجلَّ أن يكونَ لي بينكم خليلٌ ، فإن الله قد اتَّخذني خليلاً كما اَّخذَ إبراهيم
خليلاً ، ولو كنتُ مُتَّخِذاً مِن أُمَِّي خليلاً لاتَّخذتُ أبا بكر خليلاً ، ألا وإنَّ مَن كانَ قبلَكُم يتَّخذون قبورَ
أنبيائهِم وصالحِيهم مَساجِدَ ، ألا فلا تَتَّخذوا القبورَ مساجدَ، إني أنهاكُم عن ذلك)(٢).
وأما اتّخاذُه حَبيباً خليلاً ، فلم يتعرَّض لإسناده أبو نُعيم، وقد قال هشام بن عمَّار في كتابه ((المبعث)):
حدَّثنا يحيى بن حمزة الحَضْرَميّ وعثمان بن علاَّن القُرشي، قالا: حدَّثنا عروة بن رُويم اللَّخْمِي، أنَّ
رسولَ الله وَّه قال: ((إنَّ الله أدركَ بي الأجلَ المرقومَ، وأخذَني لقُرْبهِ، واحتضرني احتضاراً، فنحنُ
الآخرون ، ونحن السَّابقون يومَ القيامة ، وأنا قائلٌ قولاً غيرَ فخر : إبراهيمُ خليلُ الله ، وموسى
صفيُّ الله، وأنا حبيبُ الله، وأنا سيِّدُ ولدِ آدمَ يومَ القيامة، وإنَّ بيدي لواءَ الحمد ، وأجارَني الله عليكم
من ثلاث : ألا يُهلكَكُم بسَنَة ، وألا يستبيحَكُم عدوَكُم، وألا تجتمعوا على ضلالة) (٣).
وأما الفقيه أبو محمد عبدُ الله بن حامد، فتكلَّم على مقام الخُلَّة بكلام طويل إلى أن قال : ويُقال :
الخليل : الذي يَعبدُ ربَّه على الرغبة والرهبة، من قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَهِيمَ لَأَوَّهُ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤ ] من كثرة
ما يقول: أوَّاه. والحبيبُ: الذي يعبدُ ربَّه على الرؤية والمحبّة. ويُقالُ: الخليل : الذي يكون معه انتظار
العَطاء ، والحبيبُ : الذي يكون معه انتظار اللِّقاء . ويُقال : الخليل : الذي يصلُ بالواسطة من قوله :
وَكَذَلِكَ نُرِىّ إِنْرَهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥] والحبيبُ : الذي يصل
إليه من غير واسطة، من قوله: ﴿ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ﴾ [النجم: ٩] وقال الخليل: ﴿يَغْفِرَ لِ خَطِيَشَتِى
يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢] وقال الله للحبيب محمد بَله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْيِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [ الفتح:
٢] وقال الخليل: ﴿ وَلَا تُخْرِفِ يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧] وقال الله للنبيِّ: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِى اللَّهُ النَّبِىَّ وَالَّذِينَ
ءَامَنُوْ مَعَلَمْ﴾ [التحريم: ٨] وقال الخليلُ حين أُلقي في النَّارِ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [ آل عمران: ١٧٣ ]
وقال الله لمحمد: ﴿ يَأَيُّهَا النَّبِىُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] وقال الخليل: ﴿إِنِّ
ذَاهِبٌ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] وقال الله لمحمد: ﴿ وَوَجَدَََ ضَآَلَا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧] وقال
(١) رواه ابن ماجه في سننه (١٤١) في المقدمة ، وهو موضوع وآفته شيخ ابن ماجه عبد الوهاب بن الضحاك ، فإنه كذاب
وضاع . وينظر تعليق الدكتور بشار عليه .
(٢) رواه مسلم (٥٣٢) (٢٣) في المساجد ومواضع الصلاة.
(٣) عروة بن رويم اللَّخمي ثقة يرسل كثيراً ، كما قال الحافظ في التقريب ، وهذا مرسل .

٣٩٩
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
الخليل: ﴿ وَاجْتُبْنِى وَبَنِىَ أَنْ نَعْبُدَ اُلْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥] وقال الله للحبيب: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ
عَنكُمُ الْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْرًا﴾ [الأحزاب: ٣٣] وقال الخليل: ﴿ وَأَجْعَلْنِ مِن وَرَثَةٍ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾
[ الشعراء: ٨٥] وقال الله لمحمد: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَكَ اُلْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] وذكرَ أشياءَ أخرَ.
وسيأتي الحديثُ في صحيح مسلم: عن أُبيِّ بن كعب؛ أنَّ رسولَ اللهِوَّل قال: ((إنِّي سأقومُ مقاماً
يومَ القيامة يرغبُ إليَّ الخلقُ كلُّهم حتى أبوهم إبراهيم الخليلُ فدلَّ على أنه أفضلُ منه ؛ إذ هو يحتاجُ إليه
في ذلك المقام ، ودلَّ على أنَّ إبراهيمَ أفضلُ الخلق بعده، ولو كان أحد أفضل من إبراهيم بعدَه لذكرَه)).
ثم قال أبو نُعيم : فإن قيل : إنَّ إبراهيم عليه السلام حُجِبَ عن نمروذ بحُجُبٍ ثلاثة ، قيل : فقد كان
كذلك، وحُجِبَ محمّد ◌َّ عمن أرادوه بخمسة حجب، قال الله تعالى في أمره: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ
سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَذَّا فَأَغْشَيْنَهُمْ فَهُمْ لَا يُصِرُونَ﴾ [ يس: ٩] فهذه ثلاث، ثم قال: ﴿ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانَ جَعَلْنَا
بَّنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] ثم قال: ﴿ فَهِىَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم ◌ُقْمَحُونَ ﴾
[ يس: ٨] فهذه خمسُ حُجُب .
وقد ذكرَ مثلَه سواء الفقيه أبو محمد بن حامد ، وما أدري أيُّهما أخذَ من الآخر ، والله أعلم .
وهذا الذي قاله غريبٌ ، والحُجُب التي ذكرها لإبراهيم عليه السلام لا أدري ما هي ، كيف وقد ألقاه
في النَّار التي نجَّاه الله منها! وأما ما ذكرَه من الحُجُبِ التي استدلَّ عليها بهذه الآيات ، فقد قيل : إنها
جميعها معنوية لا حِسِّيَّة ، بمعنى أنهم مصروفون عن الحقِّ ، لا يصلُ إليهم ، ولا يخلصُ إلى قلوبهم ،
كما قال تعالى: ﴿ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا فِىَ أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِيَّ ءَاذَانِنَا وَقَّرٌ وَمِنْ بَيْنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [ فصلت: ٥]
وقد حرَّرنا ذلك في التفسير ، وقد ذكرنا في السيرة وفي التفسير أنَّ أمَّ جميل امرأةً أبي لهبٍ ، لما نزلت
السورة في ذمِّها وذمّ زوجها ، ودخولهما النَّارَ، وخسارهما، جاءت بفِهْر(١) - وهو الحجر المستطيل -
لترجُمَ النبيِ وَ ◌ّر، فانتهت إلى أبي بكر وهو جالس عند النبيِّ لَّه، فلم ترَ رسول الله بَلَه وقالت لأبي
بكر : أين صاحبُك ؟ فقال : وماله ؟ فقالت : إنَّه هجاني ، فقال : وما هجاكِ ؟ فقالت : والله لئن رأيته
لأضربنَّه بهذا الفهر(٢) ثم رجعت وهي تقول :
مُذَمّماً أَتَينا ودِيْنَه قَلَيْنَا
وكذلك حُجِبَ ومُنع من أبي جهل حين همَّ أن يطأ برجله رأسَ النبيِّ وَلّ وهو ساجد ، فرأى جدثاً من
نار ، وهَوْلاً عظيماً، وأجنحةَ الملائكة دونه ، فرجعَ القهقرى وهو يَتَّقِي بيديه ، فقالت له قريش :
(١) ((الفِهْر)): حجر رقيق، قدر ما يملأ الكفَّ، يُسحق به الطِّيب والأدوية.
(٢) في نسخة ((خندقاً)) و((الجَدَثُ)): القبر .

٤٠٠
كتاب دلائل النبوة ( القول فيما أوتي إبراهيم عليه السلام )
مالكَ، ويحَك؟ فأخبرَهم بما رأى. وقال النبي وبََّ: ((لو تقدَّمَ لاختطفته الملائكة عضواً عضواً)).
وكذلك لما خرجَ رسولُ اللهِ وَ ل ليلة الهجرة وقد أرصدوا على مدرجته وطريقه، وأرسلوا إلى بيته
رجالاً يحرسونه لئلا يخرجَ ، ومتى عاينوه قتلوه ، فأمرَ عليّاً فنامَ على فراشه ، ثم خرجَ عليهم وهم
جلوس ، فجعل يذرُّ على رأس كلِّ إنسان منهم تراباً ، ويقول: ((شاهتِ الوجود (١) )) ثم خرجَ ولم يروه ،
حتَّى صارَ هو وأبو بكر الصِّدِّيق إلى غار ثورٍ ، كما بسطنا ذلك في السيرة .
وكذلك ذكرنا أن العنكبوت سدَّ على باب الغار ؛ ليُعَمِّيَ الله عليهم مكانَه ، وفي الصحيح : أنَّ أبا بكر
قال: يا رسولَ الله! لو نظرَ أحدُهم إلى موضع قدميه لأبصرنا، فقال: (( يا أبا بكر ! ما ظنُّك باثنين الله
ثالثهما؟)(٢) وقد قال بعض الشعراء في ذلك :
نَسجُ داودَ ما حَمَى صاحِبَ الغا رٍ وَكانَ الفَخَارُ لِلعَنْكُوتِ
وكذلك حُجبَ ومُنعَ مِن سراقةَ بن مالكِ بن جُعشُم حين اتّبعَهم ، بسقوط قوائم فرسه في الأرض ،
حتى أخذ منه أماناً ، كما تقدَّم بَسُه في الهجرة .
وذكر ابنُ حامدٍ في كتابه في مقابلة إضجاع إبراهيم عليه السلام ولدَه للذبح مُستسلماً لأمر الله تعالى ،
ببذل رسول الله ◌َّهُ نَفْسَه للقتل يومَ أَحد وغيره حتَّى نالَ منه العدو ما نالوا، من هَشم رأسه، وكَسْر ثنيَّته
اليُمنى السُّفلى ، كما تقدَّم بسطُ ذلك في السيرة .
ثم قال : قالوا كان إبراهيمُ عليه السلام ألقاه قومُه في النَّار فجعلها الله برداً وسلاماً ، قلنا : وقد أُوتي
رسولُ الله ◌َّهِ مثلَه، وذلك أنَّه لما نزل بخيبر سمَّته الخيبريةُ، فصيَّر ذلك السُّمَّ في جوفه برداً وسلاماً إلى
مُنتهى أجلهِ ، والسُّمُّ يحرقُ إذ يستقرُّ في الجوف - كما تحرقُ النَّارُ. قلت: وقد تقدَّمَ الحديثُ بذلك في
فتح خيبرَ ، يُؤَيِّدُ ما قالَه أن بِشْرَ بن البراء بن مَعرور مات سريعاً من تلك الشاة المسمومة ، وأخبرَ ذراعُها
رسولَ الله وَلَه بما أُودعَ فيه من السُّمِّ، وكان قد نَهَشَ منه نَهْشَة، وكان السُّمُّ فيه أكثر، لأنهم كانوا يفهمون
أنه وَّهِ يُحبُّ الذِّراعَ، فلم يَضرّه السُّمُّ الذي حصلَ في باطنه بإذن الله عزَّ وجلَّ، حتى انقضى أجلُه ◌ِهِ،
فذكرَ أنَّه وجدَ حينئذٍ من ألمٍ ذلك السُّمِّ الذي كان في تلك الأكلة و ◌َلٍّ .
وقد ذكرنا في ترجمة خالد بن الوليد المخزوميِّ ، فاتحِ بلاد الشَّام ، أنه أَتي بسُمِّ فحثاه بحضرة الأعداء
لیرهبهم بذلك ، فلم يرَ بأساً ، رضي الله عنه .
ثم قال أبو نُعيم : فإن قيل : فإن إبراهيمَ خصمَ نمروذَ ببرهان نُبَّتِهِ فَبَهَتَه ، قال الله تعالى: ﴿ فَبُّهِتَ
(١) في السيرة النبوية؛ لابن هشام (٦٢٨/١) أن النبيَّ وَّر قال ذلك في غزوة بدر.
(٢) رواه أحمد في المسند (٤/١) والبخاري في صحيحه (٣٦٥٣) في فضائل الصحابة ، ومسلم في صحيحه (٢٣٨١)
في فضائل الصحابة .