النص المفهرس
صفحات 341-360
٣٤١ الصَّادقَ المَصْدوق، يقول: (( هلاكُ أمتي على يدِ غِلْمَة أمراء سفهاء من قريش)(١) وقال الإمام أحمد : حدَّثنا أبو عبد الرحمن، حدَّثنا حَيْوَة، حدَّثني بشيرُ بن أبي عمرو الخَوْلاني: أنَّ الوليدَ بن قَيْس التُّجيبي حدَّثه؛ أنَّه سمعَ أبا سعيد الخُذْريَّ يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَه يقولُ: «يكونُ خَلْفٌ مِنْ بعدِ الستين سنة ﴿أَضَاعُواْ الصَّلَوَةَ وَاتَّبَعُواْ الشَّهَوَنِّ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [ مريم: ٥٩] ثم يكون خَلْفٌ يقرؤون القرآنَ لا يَعْدُو تَراقِيهم، ويقرأُ القرآنَ ثلاثة : مؤمن ، ومنافق ، وفاجر . قال بشيرٌ : فقلتُ للوليد : ما هؤلاء الثلاثة ؟ قال : المنافقُ كافرٌ به، والفاجرُ يتأكَّلُ به، والمؤمنُ يُؤمن به (٢). تفرَّد به أحمد ، وإسناده جيد قويٌّ على شرط السنن . وقد روى البيهقيُّ : عن الحاكم ، عن الأصمِّ ، عن الحسن بن عليّ بن عفَّان، عن أبي أسامةَ ، عن مجالد ، عن الشَّعبِيِّ، قال : لما رجَع عليٍّ من صِفِّين قال: أيُّها النَّاسُ ، لا تَكرهوا إمارةَ معاويةَ فإنه لو فَقَدْتُمُوه لقد رأيتم الرؤوس تَنْزو(٣) من كواهِلها كالحَنْظَلِ(٤) ثم روى : عن الحاكم وغيره ، عن الأَصمِّ ، عن العبّاس بن الوليد بن مَزْيَد ، عن أبيه ، عن ابن جابر ، عن عُمير بن هانىء ، أنَّه حدَّثه قال : كان أبو هريرة يَمْشي في سُوقِ المدينة وهو يقول : اللهم لا تُذْرِكني سنةُ الستين، ويحكم تمسّكوا بصُدْغَيْ معاويةَ ، اللَّهُمَّ لا تُدْرِكني إمارةُ الصِّبَيَالُ(٥). قال البيهقي: وعلي وأبو هريرة إنما يقولان: هذا الشيءُ سمعناه من رسول الله وَالية(٦). وقال يعقوبُ بن سُفيان : أخبرنا عبدُ الرحمن بن عمرو الحرَّاني، حدَّثنا محمد بن سُليمان ، عن أبي غنيم البَعْلَبَكي ، عن هشام بن الغاز ، عن مكحول ، عن أبي ثعلبة الخُشَني ، عن أبي عبيدة بن الجراح ، قال: قال رسول الله ◌َّ: ((لا يزالُ هذا الأمرُ معتدلاً قائماً بالقِسْطِ حتى يُثْلِمَه رجلٌ من بني أمية(٧). وروى البيهقيُّ : من طريق عَوْف الأعرابيِّ ، عن أبي خلدة ، عن أبي العالية ، عن أبي ذرّ ، قال : سمعتُ رسولَ الله ◌ِبَّه يقول: ((إنَّ أوَّلَ من يُبَدِّلُ سُنَّتَي رجلٌ من بني أمية)»(٨) وهذا منقطعٌ بين أبي العالية (١) رواه أحمد في المسند (٢٩٩/٢ و٣٢٨) وفيه: على رؤوس غلمة رقم (٧٩٦١) و(٨٣٢٩) وهو حديث صحيح ، وهذا إسناد ضعيف . (٢) رواه أحمد في المسند (٣٨/٣ - ٣٩) وفي الأصل المخطوط: ((مؤمن، ومنافق، وكافرٌ )) ورواه ابن حبان رقم (٧٥٥) والحاكم (٣٧٤/٢) وهو كما قال المصنف . (٣) كذا في الدلائل ، وفي الأصل : تبدو . والتحريف فيها قريب. (٤) رواه البيهقي في الدلائل (٦ / ٤٦٦) عن الشعبي عن علي ، ولم يرد الشعبي عن علي رضي الله عنه. (٥) رواه البيهقي في الدلائل (٤٦٦/٦) عن عمير بن هانىء أنه حدث عن أبي هريرة ، وإسناده صحيح. (٦) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٤٦٦/٦). (٧) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٦٧) وإسناده منقطع، وانظر المطالب العالية رقم (٤٥٣١). (٨) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٦٧). ٣٤٢ كتاب دلائل النبوة ( الإخبار بمقتل الحُسين ... ) وأبي ذر، وقد رجَّحه البيهقيُّ بحديث أبي عُبيدة المُتقدِّم ، قال : ويُشبه أن يكونَ هذا الرجلُ هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ، والله أعلم . قلت : النَّاسُ في يزيد بن معاويةً أقسامٌ: فمنهم من يُحبُّه ويتولاه ، وهم طائفةٌ من أهل الشَّام ، مِنَ النَّواصِب، وأما الرّوافضُ فيُشَنِّعون عليه، ويفترونَ عليه أشياء كثيرة ليست فيه ، ويتهمه كثيرٌ منهم أو أكثرهم بالزندقة ، ولم يكنْ كذلك ، وطائفةٌ أخرى لا يُحِبُّونه ولا يَسْبُّونه ، لما يَعلمونَ من أنه لم يكن زنديقاً كما تقولُه الرافضةُ ، ولِما وقع في زمانِهِ من الحوادثِ الفظيعة ، والأمور المُستَنْكَرَةِ البَشِعةِ الشَّنيعةِ ، فمِنْ أَنْكَرِها قتلُ الحُسين بن عليّ بكَرْبلاَءَ ، ولكن لم يكن ذلك عن علم منه، ولعلَّه لم يرضَ به ولم يَسُؤْهُ، وذلكَ من الأمور المُنكرة جِدَّاً، ووقعةُ الحَرَّة ، وكانت من الأمور القبيحة بالمدينة النََّوِيّة على ما سنُورده إذا انتهينا إليه في التاريخ إن شاء الله تعالى . الإخبار بمقتل الحُسين بن عليٍّ رضي الله عنهما وقد ورد الحديث في مقتل الحُسين ، فقال الإمام أحمد: حدَّثنا عبدُ الصمد بن حسّان ، حدَّثنا عمارةُ - يعني ابن زاذان - عن ثابت، عن أنس، قال: استأذنَ مَلَكُ القَطْرِ أن يأتيَ النبيَّ وََّ، فأذنَ له، فقالَ لأُمّ سلمةَ : (( احفظِي علينا البابَ لا يدخل علينا أحدٌ )) فجاءَ الحُسينُ بن عليٍّ، فوثبَ حتَّى دخِلَ ، فجعلَ يصعدُ على مِنْكَبِ النّبِيِّ وَّةَ، فقال له المَلَكُ: أتحبُّه؟ فقال النبيِ نَّمَ: ((نعم)) قال: فإنَّ أُمَّنَكَ تَقْتُلُهُ، وإن شئتَ أريتُكَ المكانَ الذي يُقتلُ فيه ، قال : فضربَ بيدِه فأراهُ تُراباً أحمرَ . فأخذت أُمُّ سلمةَ ذلك الترابَ فَصَرَّته في طَرفِ ثوبها ، قال: وكنّا نسمعُ [ أنه ] يُقتلُ بكربلاء(١) . ورواه البيهقيُّ من حديث بشر بن موسى ، عن عبد الصمد، عن عمارة ٢) .. فذكرَه . ثم قال : وكذلك رواه شيبانُ بن فَرُوخ ، عن عُمارة (٣) . وعمارة بن زاذان هذا هو الصَّيْدلانيُّ، أبو سلمةَ البصريُّ ، اختلفوا فيه . وقد قال فيه أبو حاتم(٤) : يُكتب حديثه ولا يُحْتَجُّ به ، ليس بالمتين . وضعَّفه أحمدُ مرَّةً ووثّقه أخرى(٥) . وحديثُه هذا قد رُوي عن غيره من وجه آخر . (١) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٦٥/٣) رقم (١٣٧٢٩) وابن حبان رقم (٢٢٤٢) موارد. (٢) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٦٩) وهو حسن . (٣) المصدر السابق (٤٦٩/٦). (٤) الجرح والتعديل (٦ / الترجمة ٢٠١٦). (٥) ولكن قال الإمام أحمد: يروي عن أنس أحاديث مناكير، كما في الجرح والتعديل (٦/ الترجمة ٢٠١٦) وتهذيب الكمال (٢٤٥/٢١) فهذا منها . ٣٤٣ كتاب دلائل النبوة ( الإخبار بمقتل الحُسين ... ) فرواهُ الحافظُ البيهقيُّ من طريق عمارة بن غَزِيَّة ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن عائشة رضي الله عنها نحو هذه١) وقد قال البيهقيُّ : أخبرنا الحاكم في آخرين ، قالوا : أخبرنا الأصم ، أخبرنا عباس الدوري ، حدَّثنا خالد بن مخلد ، حدَّثنا موسى بن يعقوب ، عن هاشم بن هاشم بن(٢) عُتبة بن أبي وقاص ، عن عبد الله بن وَهْب بن زَمْعة، أخبرتني أُمُ سلمةَ: أنَّ رسولَ الله وَّ اضطجعَ ذاتَ يوم للنوم ، فاستيقظً وهو حائرٌ ، ثم اضطجعَ فرقدَ، ثم استيقظَ وهو حائرٌ دونَ ما رأيتُ منه في المرة الأولى ، ثم اضطجعَ واستيقظَ وفي يده تربةٌ حمراء وهو يُقَلِّبها، فقلتَ: ما هذه التربةُ يا رسول الله؟! قال: (( أخبرني جبريلُ أن هذا يُقتلُ بأرضِ العراقِ - للحسين - قُلتُّ له : يا جبريلُ أرني تربةَ الأرض التي يُقتل بها، فهذه تربتُها (٣) . ثم قال البيهقيُّ : تابعه موسى الجُهَنِيّ ، عن صالح بن يزيد النخعي ، عن أمّ سلمةَ ، وأبان عن شهر بن حوشَب، عن أُمّ سلمةُ(٤) . وقال الحافظ أبو بكر البزار في ((مسنده)): حدَّثنا إبراهيم بن يوسف الصيرفي ، حدَّثنا الحُسين بن عيسى، حدَّثنا الحَكَم بن أَبَان ، عن عِكْرمةً ، عن ابن عباس ، قال : كان الحسينُ جالساً في حِجْر النبيِّ نَ لَه فقال جبريلُ: أتحبُّه؟ فقال: (( وكيف لا أحبُّه وهو ثمرةُ فُؤادي؟!)) فقال : أما إِنَّ أمَّتَكَ ستقتُلُه، ألا أُريكَ مِن مَوضعٍ قَبرِهِ؟ فقبضَ قبضةٌ فإذا تربةٌ حمراء)(٥) . ثم قال البزار : لا نعلمُه يُروى إلا بهذا الإسناد ، والحُسين بن عيسى قد حدَّث عن الحكم بن أبان بأحاديث لا نعلمُها عند غيره . قلت : هو الحسين بن عيسى بن مسلم الحنفي أبو عبد الرحمن الكوفي أخو سليم القاري ، قال فيه البخاري : مجهول الحال - وإلا فقد روى عنه سبعةُ نفرٍ - وقال أبو زُرعة : منكرُ الحديث . وقال أبو حاتم: ليس بالقويِّ، رَوى عن الحَكَم بن أَبَان أحاديثَ منكرة. وذكره ابنُ حِبَّان في ((الثقات))، (١) هذا غلط محض ، لم يقله البيهقي ، فإما أن يكون قد وقع سقط من النص ، أو يكون المصنف رحمه الله قد وهم في حال النقل ، وهو الأرجح ، وآية ذلك أنَّ البيهقي قد ذكر هذا الحديث في الدلائل (٦/ ٤٧٠) مرسلاً ، فقال أبو سلمة ابن عبد الرحمن ، كان لعائشة . وهو مرسل صحيح الإسناد ، لا يحتج به لإرساله . ثم ذكره موصولاً من طريق ضعيف جداً . فقال: (( هكذا رواه يحيى بن أيوب عن عمارة بن غزية مرسلاً . ورواه إبراهيم بن أبي يحيى عن عمارة موصولًا ، فقال : عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن عائشة )) والذي وصله هو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي وهو متروك ، فسقط الاستدلال بالحديث ( بشار ) . (٢) في المطبوع : (( عن)) وهو تحريف قبيح . رواه البيهقي في الدلائل (٤٦٨/٦) وإسناد ضعيف لضعف خالد بن مخلد ، فهو لا يحتمل تفرده ، وكذلك شيخه (٣) موسى بن يعقوب وهو الزمعي . (٤) ذكره البيهقي في الدلائل (٤٦٨/٦). (٥) رواه البزار رقم (٢٦٤٠). ٣٤٤ كتاب دلائل النبوة (الإخبار بمقتل الحُسين ... ) وقال ابن عديّ : قليل الحديث ، وعَامَّةُ حديثه غرائب ، وفي بعض أحاديثه المنكرات . وروى البيهقيُّ : عن الحكم وغيره ، عن أبي الأحوص ، عن محمد بن الهيثم القاضي : حدَّثنا محمد بن مُصعب ، حدَّثنا الأوزاعي ، عن أبي عمَّار شدَّاد بن عبد الله ، عن أُمّ الفضل بن الحارث أنها دخلت على رسول الله مح له، فقالت: يا رسولَ الله! إني رأيتُ حُلُماً منكراً الليلة ، قال : وما هو؟ قالت : رأيتُ كأنَّ قطعةً من جَسدِكَ قُطِعَتْ ووُضِعَتْ في حِجْري، فقال: (( رأيتِ خيراً، تلدُ فاطمةُ إن شاء الله غلاماً فيكونُ في حِجْرِك)) فولدتْ فاطمةُ الحسينَ ، فكان في حِجْري، كما قال رسول الله وَائِّ ، فدخلتُ يوماً على رسول الله وَ لهَ فوضعتُه في حِجْره، ثم حانت مِنِّي التفاتةٌ، فإذا عينا رسول الله وَله تُهريقان الدموعَ ، قالت : قلتُ : يا نبيَّ الله! بأبي أنتَ وأُمّي ، مالكَ ؟ فقال: ((أتاني جبريلُ عليه السلام فأخبرَفي أَنَّ أُمَتِي ستقتلُ ابني هذا)) فقلتُ: هذا؟ قال: (( نعم، وأتاني بتربةٍ من تُربته حمراء)(١) . وقد روى الإمام أحمد(٢): عن عمَّان ، عن وُهيب ، عن أيوب ، عن صالح أبي الخليل ، عن عبد الله بن الحارث ، عن أُمّ الفَضْلِ ، قالت: أتيتُ رسولَ الله ◌َّه فقلتُ: إنِّي رأيتُ في منامي أنَّ في بيتي وفي حِجْري عضواً من أعضائِكَ، قال: (( تلدُ فاطمةُ إن شاءَ الله غلاماً تَكفلينَه )) فولدتْ فاطمةُ حُسيناً ، فدفعته إليها، فأرضعَتْه بلبنِ قُثَم، وأتيتُ به رسولَ الله وَّه يوماً أزورُه، فأخذَه فوضعَه على صدره فبالَ فأصابَ البولُ إزارَه ، فزخختُ بيدي على كتفيْه، فقال : أوجعتِ ابني أصلَحكِ الله - أو قال : رَحِمَكِ الله - فقلتُ: أعطني إزارَك أَغْسِله، فقال: ((إنَّما يُغسلُ بولُ الجارية ويُصبُّ على بول الغلام)). ورواه أحمد أيضاً : عن يحيى بن بُكير ، عن إسرائيلَ ، عن سِماك ، عن قابوس بن أبي المُخَارق ، عن أُمّ الفضل(٣) .. فذكرَ مثلَه سواء، وليس فيه الإخبار بقتله (٤) ، فالله أعلم . وقال الإمامُ أحمد: حدَّثنا عفَّان، حدَّثنا حمّاد، أخبرنا عمَّار بن أبي عمَّار ، عن ابن عباس . قال : رأيتُ النبيَّمَ ◌َّفيما يرى النائم بنصفِ النَّهار وهو قائلٌ، أشعثَ أغبرَ، بيده قارورةٌ فيها دمٌّ ، فقلتُ : بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ الله، ما هذا؟ قال: (( دمُ الحُسين وأصحابِهِ ، لم أزلْ ألتقطُه منذ اليومَ)) قال عمَّارٌ: فأحصينا ذلكَ اليومَ فوجد قُتلَ في ذلك اليومُ(٥) . رضي الله عنه . (١) رواه البيهقي في الدلائل (٤٦٩/٦) وإسناده ضعيف. (٢) رواه أحمد في المسند (٦/ ٣٤٠) رقم (٢٦٧٥٧) وهو حديث صحيح ، وزَخَخْتُ : دفعتُه في قفاه . (٣) رواه أحمد في المسند (٣٣٩/٦) (٢٦٧٥٣) وهو حديث حسن . (٤) على أن بعض الروايات تذكر هنا عن ((الحسن)) وليس الحسين. (٥) رواه أحمد في المسند (٢٨٣/١) رقم (٢٥٥٣) و(٢١٦٥) ورواه الطبراني (٢٨٢٢) و(١٢٨٣٧) والحاكم في المستدرك (٣٩٧/٤) وصححه على شرط مسلم ، وإسناده قوي من أجل حماد بن سلمة ، وهذه رؤيا ، والرؤيا لا تصلح دليلاً . ٣٤٥ كتاب دلائل النبوة ( الإخبار بمقتل الحُسين ... ) قال قتادةُ : قُتل الحسينُ يومَ الجمعة ، يومَ عاشوراء سنة إحدى وستين ، وله أربعٌ وخمسون سنة وستة أشهر ونصف شهر ، وهكذا قال اللَّيث، وأبو بكر بن عيَّاش، والواقديُّ، وخليفةُ بن خيَّاط ، وأبو مَعْشر، وغيرُ واحد : إنه قُتل يومَ عاشوراء عام إحدى وستين . وزعمَ بعضُهم أنَّه قُتل يوم السبت ، والأوَّلُ أصحُ(١). وقد ذكروا في مَقْتَلِه أشياءَ كثيرة ، أنَّها وقعتْ: من كسوف الشمس يومئذ ، وهو ضعيف ، وتغيير آفاقِ السماء ، ولم يُقلبْ حجرٌ إلا وُجد تحتَه دمٌ، ومنهم مَنْ خَصَّصَ ذلك بحجارةِ بيت المقدس ، وأن الورسَ استحالَ رماداً ، وأن اللَّحم صارَ مِثْلَ العلقم وكان فيه النَّار ، إلى غير ذلك مما في بعضها نكارةٌ ، وفي بعضها احتمالٌ ، والله أعلم . وقد ماتَ رسولُ اللهِ وَّه وهو سيِّدُ ولدِ آدمَ في الدنيا والآخرة، ولم يقعْ شيءٌ من هذه الأشياء ، وكذلك الصِّدِّيق بعدَه ، مات ولم يكن شيءٌ من هذا، وكذا عمرُ بن الخطّاب قُتل شهيداً وهو قائمٌ يُصَلِّي في المحراب صلاةَ الفَجر ، وحُصِرَ عثمانُ في داره ، وقُتِلِ بعدَ ذلك شهيداً ، وقُتلَ عليّ بن أبي طالب شهيداً بعدَ صلاة الفجر، ولم يكن شيءٌ من هذه الأشياء ، فالله أعلم . وقد روى حمَّادُ بن سلمة : عن عمَّار بن أبي عمَّار، عن أَمّ سلمةَ؛ أنَّها سمعتِ الجِنَّ تنوحُ على الحُسين بن عليّ(٣) . وهذا صحيح . وقال شهرُ بن حَوْشب: كنَّا عند أُمِّ سلمةَ ، فجاءَها الخبرُ بقتلِ الحُسين، فخَرَّتْ مغشيةً عليها(٣) وكان سببُ قتل الحُسين أنه كتبَ إليه أهلُ العراق يطلبون منه أن يقدم إليهم ليُبايعوه بالخلافة ، وكثرَ تواترُ الكتب عليه من العامَّة ومن ابن عمه مُسلم بن عقيل ، فلما ظهرَ على ذلك عبيدُ الله بن زياد نائبُ العراق ليزيدَ بن معاوية ، فبعثَ إلى مسلم بن عقيل فضربَ عنقَه ورماه من القصر إلى العامَّة ، فتفرَّق ملؤهم وتبدَّدت كلمتُهم ، هذا وقد تجهّز الحسينُ من الحجاز إلى العراق ، ولم يشعر بما وقعَ ، فتحمَّل بأهله ومن أطاعَه ، وكانوا قريباً من ثلاثمئة ، وقد نهاه عن ذلك جماعةٌ من الصحابة ، منهم أبو سعيد ، وجابر ، وابن عبّاس ، وابن عمر ، فلم يُطعْهم ، وما أحسنَ ما نهاه ابنُ عمر عن ذلك، واستدلَّ له على أن لا يقع ما يُريده ، فلم يقبلْ ، فروى الحافظ البيهقي: من حديث يحيى بن سالم الأسدي ، ورواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده )) عنه ، قال: سمعتُ الشعبيَّ يقول: كان ابنُ عمر قدمَ المدينة فأُخبرَ أن الحسينَ بن عليٍّ قد تَوَجَّه إلى العراق ، فلحقَه على مسيرة ليلتين أو ثلاث من المدينة ، فقال : أين تريدُ ؟ قال : العراق، ومعه طواميرُ وكتبٌ، فقال: لا تأتِهِمْ، فقال: هذه كُتبهم وبَيْعَتُهم، فقال: إنَّ الله خيَّر نبيَّه وَل بينَ الدنيا والآخرة، فاختارَ الآخرة ولم يُردِ الدنيا، وإنَّكُم بضعةٌ من رسول الله وَّهِ، والله لا يَليها أحدٌ (١) ذكر الذهبي تاريخ استشهاد الحسين رضي الله عنه في سير أعلام النبلاء (٣١٨/٣). (٢) ذكره الذهبي في السِّير (٣١٦/٣) ورواه الطبراني في الكبير (٢٨٦٧) ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في المجمع (١٩٩/٩) . (٣) سير أعلام النبلاء (٣١٨/٣). ٣٤٦ كتاب دلائل النبوة ( الإخبار بمقتل الحُسين ... ) منكم أبداً ، وما صرفَها عنكم إلَّا للذي هو خير لكم ، فارجعوا ، فأبى . وقال: هذه كتبهم وبَيْعَتُهم ، قال : فاعتنقَه ابن عمر وقال : أستودعُك الله من قتيل(١). وقد وقع ما فهمه عبدُ الله بن عمر من ذلك سواء ، من أنه لم يلِ أحدٌ من أهل البيت الخلافةَ على سبيل الاستقلال ويتمُّ له الأمر ، وقد قال ذلك عثمان بن عفَّان ، وعليّ بن أبي طالب: إنه لا يلي أحدٌ من أهل البيت أبداً. رواه عنهما أبو صالح الخليل بن أحمد بن عيسى بن الشيخ في كتاب ((الفتن والملاحم)). قلت : وأما الخلفاءُ الفاطميُّون الذين كانوا بالديار المصرية ، فإنَّ أكثرَ العلماء على أنهم أدعياء ، وعليُّ بن أبي طالب من أهل البيت، ومع هذا لم يتمَّ له الأمرُ كما كان للخلفاء الثلاثة قبلَه ، ولا أنَّسعت يدُه في البلاد كلِّها، ثم تَنكَّدتْ عليه الأمورُ. وأما ابنه الحسن رضي الله عنه فإنَّه لمّا جاء في جيوشه وتَصافَى هو وأهلُ الشام ، ورأى أنَّ المصلحةَ في تركِ الخلافة ، تركها لله عزَّ وجلَّ ، وصيانةً لدماءِ المسلمين وأثابَه الله ورضي الله عنه، وأما الحُسينُ رضي الله عنه فإنَّ ابن عمر لما أشار عليه بترك الذهاب إلى العراق وخالفَه ، اعتنقَه مُؤَدِّعاً وقال : أستودعكُ الله من قتيل، وقد وقعَ ما تفرَّسه ابنُ عمر ، فإنَّه لمَّا استقلَّ ذاهباً بعثَ إليه عبيد الله بن زياد كتيبةً فيها أربعة آلاف يَتقدَّمُهُم عمرُ بن سعد بن أبي وقَّاص ، وذلك بعد ما استعفاه فلم يُعفه، فالتقوا بمكان يُقال له ((كربلاء)) بالطَّفِّ، فالتجأ الحسين بن علي رضي الله عنه وأصحابه إلى مقصبة هنالك ، جعلوها منهم بظهر ، وواجهوا أولئك ، وطلبَ منهم الحسينُ إحدى ثلاث: إما أن يدَعُوه أن يرجعَ من حيثُ جاء ، وإما أن يذهبَ إلى ثغْرٍ من التُّغور فيقاتل فيه ، أو يتركوه حتى يذهبَ إلى يزيد بن معاوية فيضعَ يدَه في يده ، فيحكم فيه بما شاء ، فأبَوْا عليه واحدةً منهنَّ ، وقالوا : لا بُدَّ من قدومك على عُبيد الله بن زياد فيرى فيكَ رأيه، فَأَبى أن يقدم عليه أبداً، وقاتلَهم دون ذلك ، فقتلُوه رحمه الله، وذهبُوا برأسه إلى عُبيد الله بن زياد فوضعُوه بين يديه فجعل ينكتُ (٢) بقضيب في يده على ثناياه ، وعندَه أنسُ بن مالك جالسٌ ، فقال له : يا هذا! ارفع قضيبكَ ، قد طالما رأيتُ رسولَ الله يُقَبِّلُ هذه الثنايا . ثم أمرَ عُبيد الله بن زياد أن يُسارَ بأهلِه ومَنْ كان معه إلى الشام ، إلى يزيدَ بن معاوية ، ويُقال: إنَّه بعثَ معهم بالرأس حتى وُضع بين يديْ يزيد ، فأنشدَ حينئذٍ قولَ بعضهم : نُفَلِّقُ هاماً مِنْ رِجال أَعِزَّةٍ عَليْنَا وَهُم كَانَوا أَعْقَّ وَأَظَلَمَا(٣) ثم أمرَ بتجهيزهم إلى المدينة النبويَّة ، فلمَّا دخلوها تَلقَّتْهم امرأةٌ من بنات عبد المطلب ناشرةً شعرها ، واضعةً تراباً على رأسها تبكي وهي تقول شعراً : (١) رواه البيهقي فيٍ الدلائل (٤٧٠/٦). (٢) ((ينكت)): يقلَب ويُحرِّك. (٣) ((أعق)): من العقوق ، وهو عدم البر. ٣٤٧ كتاب دلائل النبوة ( ذكر الإخبار عن وقعة الحَرَّة ... ) مَاذَا تَقُولون إنْ قالَ النَّبيُّ لَكُم مَاذَا فَعلْتُمْ وَأَنتُمْ آخِرُ الأُمَم مِنْهُم أسارى وَقَتَلَى ضُرّجوا بِدَمُ(١) بِعترتي وبِأَهلي بَعْدَ مُفتَقَدي أَن تَخْلِفُوني بشرٌّ فِي ذَوِي رَحمي مَا كان هذَا جَزائِي إِذْ نَصَحتُ لَكُمْ وسَنُورد هذا مفصّلاً في موضعه إذا انتهينا إليه إن شاء الله ، وبه الثقة وعليه التكلان . وقد رثاه الناس بمراثٍ كثيرةٍ ، ومن أحسنِ ذلك ما أوردَه الحاكمُ أبو عبد الله النيسابوري ، وكان فيه تشيع : مُتَزَقِّلا بدِمائِه تَزْميلا٢) جاؤوا بِرَأْسِكَ يا بنَ بِنتِ مُحمَّدٍ قَتَلُوا جِهَاراً عَامِدِين رَسُولا فَكَأَنَّمَا بِكَ يا بنَ بنتِ مُحَمَّدٍ في قَتِلِكَ التنزِيلَ والتأويلا قَتَلوكَ عَطْشاناً وَلَمْ يَتَرَقَّبُوا قَتَلُوا بِكَ التكبِيرَ والتهليلا ويُكَبِّرون بِأَنْ قُتِلِتَ وإنَّما ذكر الإخبار عن وقعة الحَرَّة التي كانت في زمن يزيد أيضاً قال يعقوبُ بن سفيان : حدَّثني إبراهيمُ بن المنذر ، حدَّثني ابن فُلَيْح ، عن أبيه ، عن أيوب بن عبد الرحمن ، عن أيوب بن بشير المُعَافِرِيّ؛ أنَّ رسولَ اللهِوَ لَ خرِجَ في سفر من أسفاره ، فلمَّا مرَّ بحرَّةِ زُهْرَة وقفَ فاسترجعَ ، فساءَ ذلك مَنْ معه، وظَنُّوا أنَّ ذلكَ من أمر سفرهم ، فقالَ عمرُ بن الخطاب : يا رسولَ الله! ما الذي رأيتَ؟ فقال رسول الله وَّر: ((أما إنَّ ذلكَ ليس مِن سَفرِكم هذا» قالوا: فما هو يا رسولَ الله؟ قال: ((يُقتل بهذه الحَرَّة خيارُ أمتي بعد أصحابي(٣) . هذا مرسل . وقد قالَ يعقوبُ بن سفيان : قال وهبُ بن جرير : قال جويريةُ : حدَّثني ثور بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس، قال: جاء تأويلُ هذه الآية على رأس ستين سنة ﴿ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ اُلْفِتْنَةَ لَتَوَّهَا﴾ [الأحزاب: ١٤] قال: لأعطوها . يعني إدخال بني حارثة أهلَ الشام على أهل المدينة (٤) . وهذا إسناد صحيح إلى ابن عباس ، وتفسير الصحابي في حكم المرفوع عند كثير من العلماء . وقال نُعَيْمُ بن حمّاد في كتاب ((الفتن والملاحم)): حدَّثنا أبو عبد الصمد العَمِّيُّ، حدَّثنا أبو عمران الجَوني ، عن عبد الله بن الصَّامت، عن أبي ذر، قال: قال لي رسولُ اللهِ وَّرَ: ((يا أبا ذر! أرأيتَ إن (١) ((العِترة)): نسل الرجل ورهطه وعشيرته الأدنون ممن مضى. (٢) (( مُتَزِمِّلاً)): ملتفاً ومتشحاً. (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٧٣). (٤) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٧٣_٤٧٤). ٣٤٨ كتاب دلائل النبوة ( ذكر الإخبار عن وقعة الحَرَّة ... ) النَّاسُ قُتلوا حتى تغرقَ حجارةُ الزَّيتِ من الدِّماء، كيف أنتَ صانعٌ؟ )) قال: قلتُ : الله ورسولهُ أعلمُ ، قال: ((تدخلُ بيتَك)) قال: قلت: فإن أتى عليَّ؟ قال: ((يأتي من أنت منه)) قال: قلت: (( وأحمل السلاح؟)) قال: ((إذاً تُشرك معهم)) قال: قلت: فكيفَ أصنعُ يا رسول الله؟ قال: ((إن خفتَ أن يبهرَكَ شعاعُ السيف فألقِ طائفةً من رِدائِك على وجهكِ يبوءُ بإثمِك وإثمِه)(١). ورواه الإمام أحمد في ((مسنده)) عن مرحوم - هو ابن عبد العزيز(٢) - عن أبي عمران الجَوني .. فذكرَه مطوّلاً . قلت : وكان سببُ وقعةِ الحرّة أن وفداً من أهل المدينة قَدِمُوا على يزيد بن معاوية بدمشق ، فأكرمَهم وأحسنَ جائزتهم ، وأطلقَ لأميرهم - وهو عبدُ الله بن حنظلةَ بن أبي عامر - قريباً من مئة ألف ، فلمَّا رَجعُوا ذكروا لأهليهم عن يزيدَ ما كان يقعُ منه من القبائح في شُرْبهِ الخمرَ ، وما يتبعُ ذلك من الفواحش التي من أكبرها تركُ الصَّلاة عن وقِتِها ، بسبب الشُّكْر، فاجتمعُوا على خَلْعِهِ ، فخلعُوه عند المنبرِ النَّبويّ ، فلما بلغَه ذلك بعثَ إليهم سريةً ، يَقْدَمُها رجلٌ يُقال له مسلم بن عُقبةَ ، وإنَّما يُسمِّيه السَّلفُ: مُسْرِف بن عُقبةَ ، فلما وردَ المدينةَ استباحَها ثلاثة أيام ، فَقَتلَ في غُضون هذه الأيام بشراً كثيراً ، حتَّى كادَ لا يُفلتُ أحدٌ من أهلها ، وزعمَ بعضُ علماء السَّلف أنه قتلَ في غضون ذلك ألفَ بكرٍ ، والله أعلم . وقال عبدُ الله بن وَهْبٍ ، عن الإمام مالك: قُتِلَ يومَ الحَرَّة سبعمئة رجلٍ من حَمَلةِ القُرآن ، حسبت أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله وَله، وذلك في خلافة يزيد(٣). وقال يعقوبُ بن سُفيان : سمعتُ سعيدَ بن كَثير بن عُفير الأنصاري ، يقول : قُتلَ يومَ الحَرَّة عبد الله بن زيد المازني ، ومَعْقل بن سنان الأشجعيُّ ، ومعاذ بن الحارث القاري ، وقُتل عبدُ الله بن حنظلةَ بن أبي عامر(٤) . قال يعقوبُ : وحدَّثنا يحيى بن عبد الله بن بكير عن اللَّيث ، قال : كانتْ وقعةُ الحَرَّةِ يومَ الأربعاء لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاثٍ وستين(٥). ثم انبعثَ مُسرفُ بن عُقبَةَ إلى مكة قاصداً عبد الله بن الزبير ليقتلَه بها ، لأنه فرّ من بيعةِ يزيدَ ، فماتَ يزيدُ بن معاوية في غضون ذلك ، واستفحلَ أمرُ عبد الله بن الزبير في الخلافة بالحجاز ، ثم أخذَ العراقَ (١) رواه نُعيم بن حمَّاد في كتاب الفتن (ص٩٣) وإسناده ضعيف لضعف نعيم بن حماد . (٢) مسند أحمد (١٤٩/٥) ورواه عن عبد العزيز بن عبد الصمد العمي به (١٦٣/٥). (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٤٧٤/٦) رقم (٢١٣٣٧) وهو حديث صحيح، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣٢٥/٣). (٤) رواه البيهقي في الدلائل (٤٧٤/٦) والفسوي في المعرفة والتاريخ (٣٢٦/٣). (٥) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٧٥) . ٣٤٩ كتاب دلائل النبوة ( ذكر الإخبار عن وقعة الحَرَّة ... ) ومِصْرَ ، وبُويع بعد يزيدَ لابنه معاويةَ بن يزيد ، وكانَ رجلاً صالحاً ، فلم تطلْ مُدَّتُه ، مكثَ أربعين يوماً ، وقيل : عشرين يوماً ، ثم مات رحمه الله ، فوثبَ مروانُ بن الحَكَم على الشام فأخذَها ، فبقي تسعة أشهر ثم مات ، وقام بعدَه ابنه عبدُ الملك ، فنازعَه فيها عمرو بن سعيد الأشدق ، وكان نائباً على المدينة من زمن معاوية وأيَّام يزيدَ ومروان، فلما هلكَ مروانُ زعمَ أنَّه أوصى له بالأمر من بعد ابنه عبد الملك ، فضاقَ به ذرعا١ً)، ولم يزل به حتى أخذه بعدما استفحلّ(٢) أمره بدمشقَ فقتلهُ في سنة تسع وستين ، ويقالُ: في سنة سبعين ، واستمرّت أيام عبد الملك حتى ظفر بابن الزبير سنة ثلاث وسبعين ، قتلَه الحَجَّاج بن يُوسف الثَّقَفِيّ عن أمره بمكّة ، بعد مُحاصرةٍ طويلة ، اقتضتْ أنْ نصبَ المنجنيقَ على الكعبة ، من أجل أنَّ ابنَ الزبير لجأ إلى الحَرَمِ ، فلم يزلْ له حتى قتلَه ، ثم عَهِدَ في الأمر إلى بنيه الأربعة بعدَه : الوليدُ ، ثم سليمانُ ، ثم يزيدُ ، ثَم هشامُ بن عبد الملك . وقد قال الإمام أحمد : حدَّثنا أسودُ ويحيى بن أبي بكر ، حدَّثنا كاملٌ أبو العلاء ، سمعتُ أبا صالح - وهو مولى ضباعة المؤذن، واسمه مينا - قال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله وَّل: ((تعوَّذوا بالله من رأس السبعين، وإمارة الصِّبيان)). وقال: ((لا تذهب الدنيا حتى تصيرَ لِلْكَعُ(٣) بن لُكَع)(٤). وقال الأسود : يعني اللئيم ابن اللئيم . وقد روى الترمذيُّ : من حديث أبي كامل، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ◌ٍِّ: ((عُمْرُ أُمَّتي من ستينَ إلى سبعينَ سنة)(٥) ثم قال : حسن غريب(٦) . وقد روى الإمام أحمد ، عن عفَّان وعبد الصمد ، عن حمَّاد بن سلمة ، عن علي بن زيد حدَّثني من سمع أبا هريرة يقول: سمعت رسول الله وَّه يقول: ((لَيَنْعَقَنَّ - وقال عبدُ الصمد في روايته: لِيَرْعَفَنَّ- جَبَّارٌ من جبابرةٍ بني أُميَّةَ على منبري هذا)) زادَ عبدُ الصمد ((حتَّى يسيلَ رُعَافُه)) قال: فحدَّثني من رأى عمروَ بنَ سعيد بن العاص: يَرْعَفُ على مِنْبرِ النبيِّ وَلِّ حتى سال رُعَافُه. قلت : علي بن زيد بن جُدْعان في روايته غَرابة ونكارة ، وفيه تَشْتٌُّ . (١) ((ضاق به ذرعاً)): كرهه وتبرَّم منه . (٢) ((استفحلَ أمره)): اشتد واستطار . (٣) ((اللُّكَع)): اللئيم . (٤) رواه أحمد في المسند (٣٢٦/٢) و (٤٤٨) وإسناده ضعيف لجهالة أبي صالح. (٥) رواه الترمذي في جامعه رقم (٢٣٣١)، وهو كما قال الترمذي ورواه الترمذي (٣٥٥٠)، وابن ماجه (٤٢٣٦)، وأبو يعلى (٥٩٩٠)، وابن حبان (٢٩٨٠)، والحاكم (٢/ ٤٢٧) والبيهقي في السنن (٣/ ٣٧٠) وغيرهم من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة ، بنحوه . (٦) رواه الإمام أحمد في المسند (٥٢٢/٢) وهو حديث حسن بطرقه ، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة . ٣٥٠ كتاب دلائل النبوة ( ذكر الإخبار عن وقعة الحَرَّة ... ) وعمرو بن سعيد هذا، يُقال له : الأشدق ، كان من سادات المسلمين وأشرافهم في الدُّنيا لا في الدِّينُ(١)، رأى النبيّ(٢) مَليل، وروى عن جماعة من الصحابة، منهم في صحيح مسلم عن عثمان في فضل الطهور ، وكان نائباً على المدينة لمعاوية ولابنه يزيد من بعده ، ثم استفحل أمره حتى كادَ يُصاولُ عبد الملك بن مروان ، ثم خدعَه عبدُ الملك حتى ظفرَ به فقتله في سنة تسع وستين ، أو سنة سبعين ، فالله أعلم . وقد رُوي عنه من المكارم أشياء كثيرة من أحسنِها أنَّه لمّا حضرتْ أباه الوفاة قال لبنيه ، وكانوا ثلاثة ، عمرو هذا ، وأُمَّة ، وموسى ، فقال لهم : من يتحمّل ما عليَّ؟ فبدرَ ابنه عمرو هذا وقال : أنا يا أبة، وما عليكَ؟ قال : ثلاثون ألف دينار ، قال: نعم، قال: وأخواتك لا تُزوجْهنَّ إلا بالأكفاء ولو أكلنَ خبزَ الشعير ، قال : نعم ، قال : وأصحابي مِن بعدي ، إن فقدوا وجهي فلا يفقدوا مَعروفي ، قال : نعم ، قال : أما لئن قلتَ ذلك ، فلقد كنتُ أعرفه من حَماليقِ وجهكَ وأنتَ في مَهْدِكَ(٣) . وقد ذكرَ البيهقيُّ : من طريق عبد الله بن صالح - كاتب الليث - عن حرملةَ بن عمران ، عن أبيه ، عن يزيد بن أبي حبيب؛ أنَّه سمعَه يُحدِّث عن محمد بن يزيد بن أبي زياد الثقفيِّ، قال : اصطحبَ قيسُ بن خَرَشَة وكعبٌ حتى إذا بلغا صِفِّينَ ، وقفَ كعبُ الأحبار ، فذكرَ كلامَه فيما يقعُ هناك من سفك دماءٍ المسلمين، وأنَّه يجدُ ذلك في التوراة، وذكرَ عن قيس بن خرشةَ أنه بايع رسول الله وَ﴿ على أن يقولَ الحقَّ، وقال: يا قيس بن خرشةَ! عسى أن يمُدَّ لكَ الدَّهرُ حتى يليكَ بعدي من لا تستطيعُ أن تقولَ بالحقِّ معهم. فقال: والله لا أبايعُكَ على شيءٍ إلا وَقَّيْتُ لك به، فقال رسول الله وَله: ((إذاً لا يضرُّك بشر)) فبلغَ قيسٌ إلى أيام عُبيد الله بن زياد بن أبي سفيان ، فنقمَ عليه عبيد الله في شيء فأحضرَه فقال : أنتَ الذي زعمَ أنه لا يضرُّك بشرّ ؟ قال : نعم ، قال : لتعلمنَّ اليوم أنك قد كذبتَ ، ائتوني بصاحبِ العذاب ، قال : فمالَ قيسرٌ عند ذلك فماتَ(٤) . معجزة أخرى روى البيهقي : من طريق الدراوردي ، عن ثور بن زيد ، عن مُوسى بن مَيْسرةً ؛ أنَّ بعضَ بني (١) كذا في الأصل، ولعل الحافظ ابن كثير احترزَ بهذا عمَّا ذكرَه السُّهيلي في الروض الأنف (٢٧٧/٢) من أخباره المذمومة ، وأنه كان يُسمَّى لطيمَ الشيطان، وكان جبَّاراً شديدَ البأس . . وفي كتاب ثمار القلوب في المضاف والمنسوب ؛ للثعالبي (ص ٧٥) لطيم الشيطان : يُقال لمن به لقوة أو شتر : يا لطيم الشيطان ، وكان عمرو بن سعيد بن العاص يُلقَبُ بذلك. واللقوة : داء في الوجه ، والشّتّر : انقلاب في جفن العين. (٢) جزمَ الحافظ ابن حجر في الإصابة أنه لم يرَ النبي وَّر، لأن أباه سعيداً كان له من العمر ثماني سنين أو نحوها عند وفاة النبي ◌َّ. الإصابة (١٧٨/٥). (٣) العقد الثمين ؛ للفاسي (٣٩٣/٦). (٤) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٧٦) وفي سنده محمد بن أبي زياد الثقفي ، قال الحافظ ابن حجر : مجهول الحال. ٣٥١ كتاب دلائل النبوة ( فصل في ادعاء النبوة من بعده الحالية ) عبد الله(١) سايره في بعض طريق مكة، قال: حدَّثني العبّاسُ بنُ عبد المُطَّلب أنَّه بعثَ ابنه عبدَ الله إلى رسول الله وَّ في حاجةٍ، فوجدَ عندَه رجلاً فرجعَ ولم يُكلِّمه من أجل مكان الرجل معه ، فلقيَ العبَّاسُ رسولَ اللهِ وَلَّ فأخبره بذلك، فقال: ((ورآه؟)) قال: نعم، قال: ((أتدري مَنْ ذلكَ الرجلُ؟ ذاكَ جبريلُ، ولن يموتَ حتى يذهبَ بصرُه ويُؤتى علماً)(٢) . وقد ماتَ ابنُ عبَّاس سنة ثمان وستين(٣) بعدما عَمِيَ رضي الله عنه . وروى البيهقي (٤) : من حديث المعتمر بن سُليمان، حدَّثتنا نباتةُ بنت بريد ، عن حمادة ، عن أنيسةً بنت زيد بن أرقم، عن أبيها؛ أنَّ رسول الله وَّهِ دخلَ على زيد يعودُه من مرضٍ كان به، قال: (( لیس عليكَ مِنْ مَرَضِكَ هذا بأسٌ ، ولكنْ كيفَ بك إذا عُمِّرتَ بعدي فَعَمِيْتَ؟)) قال : إذن أحتسب وأصبر ، قال: ((إذن تدخلَ الجنَّةَ بغير حساب)) قال: فَعَميَ بعدما مات رسول الله وَلّه، ثم ردَّ الله عليه بصرَه ، ثم مات . وذلك في سنة [ ثمان وستين ]°) . فصل وثبت في الصحيحين عن أبي هريرة، وعند مسلم عن جابر بن سَمُرَة عن رسول الله وَ ل ◌َ أنه قال: ((إنَّ بينَ يدي السّاعة ثلاثينَ كذَّاباً دجَالًا، كلُّهم يزعمُ أنه نبيٌّ)(٦) . وقال البيهقي (٧) عن الماليني ، عن أبي أحمد بن عديّ ، عن أبي يَعلى المَوصليِّ، حدَّثنا عثمانُ بن أبي شيبة ، حدَّثنا محمد بن الحسن الأسديّ ، حدَّثنا شَريك ، عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن الزبير ، قال: قال رسول الله وَثّر: ((لا تقومُ الساعةُ حتى يخرجَ ثلاثون كذَّاباً، منهم مسيلمةُ، والعنسيُّ، والمختارُ. وشؤُّ قبائل العربِ بنو أمية وبنو حنيفة وثقيف)). قال ابنُ عديّ(٨): محمد بن الحسن له أفرادات ، وقد حدَّث عنه الثقات ، ولم أر بحديثه بأساً ، وقال البيهقي : لحديثه في المختار شواهدُ صحيحة . (١) أي : بني عبد الله بن عباس . (٢) رواه البيهقي في الدلائل (٤٧٨/٦) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٢٧٧) وقال : رواه الطبراني بأسانيد ، ورجاله ثقات . قلت : لكن الراوي عن العباس مجهول . (٣) سير أعلام النبلاء (٣٣١/٣). (٤) دلائل النبوة (٤٧٩/٦) وإسناده ضعيف، نباتة وحمادة وأنيسة مجهولون. (٥) ما بين حاصرتين سقط من الأصل وأثبته من السير (١٦٥/٣). (٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٠٩) في المناقب ومسلم في صحيحه رقم (٢٩٢٣) في الفتن. (٧) دلائل النبوة (٦/ ٤٨٠_٤٨١). (٨) الكامل لابن عدي (٦/ ٢١٨٢). ٣٥٢ كتاب دلائل النبوة ( فصل في ادعاء النبوة من بعده السيئة) ثم أوردَ من طريق أبي داود الطيالسي ، حدَّثنا الأسود بن شيبان ، عن أبي نوفل بن أبي عقرب ، عن أسماء بنت أبي بكر ؛ أنها قالت للحجَّاج بن يُوسف: أما إن رسول الله وَ لَ حدَّثنا أن في ثقيف كذاباً ومبيراً ، فأمَّا الكذَّابُ فقد رأيناه، وأما المبيرُ فلا إخالُكَ إلا إيّاه(١). قال : ورواه مسلم(٢) من حديث الأسود بن شيبان ، وله طرق عن أسماء وألفاظ سيأتي إيرادها في موضعه . وقال البيهقي(٣): أخبرنا الحاكمُ وأبو سعيد، عن الأصمِّ ، عن عبّاس الدراوردي ، عن عبد الله بن الزبير الحُميدي(٤)، حدَّثنا سفيان بن عيينة، عن أبي المحيَّةُ(٥) ، عن أمه ، قالت : لما قتلَ الحجَّاجُ عبدَ الله بن الزبير دخلَ الحجّاجُ على أسماء بنت أبي بكر ، فقال : يا أُمَّة ، إن أميرَ المؤمنين أَوْصاني بكِ ، فهل لكِ مِنْ حاجة ؟ فقالت : لستُ لكَ أُمَّاً ، ولكنِّي أُمّ المصلوبِ على رأسِ الثنيّة ، وما لي مِن حاجة ، ولكن انتظر حتى أُحدِّثَكَ ما سمعتُ من رسول الله وَه، يقول: ((يخرجُ من ثقيفَ كذَّابٌ ومُبِيرٌ)) فأمَّا الكذَّابُ فقد رَأَيْنَاهُ، وأمَّا المُبيرُ فأنتَ، فقال الحجَّاجُ: مُبير المنافقين . وقال أبو داود الطيالسي : حدَّثنا شريك، عن أبي عَلْوان - عبد الله بن عِصْمة - عن ابن عمر قال: سمعتُ رسولَ اللهِ لَه يقول: ((إنَّ في ثقيف كذَّاباً ومُبِيراً)(٦) )). وقد تواترَ خبر المختار بن أبي عُبيد الكذَّاب الذي كانَ نائباً على العراق ، وكان يزعمُ أنَّه نبيّ ، وأنَّ جبريلَ كان يأتيه بالوحي ، وقد قيل لابن عمر - وكان زوجَ أختِ المختار صفيَّة - : إن المختارَ يزعمُ أنَّ الوحيَ يأتيه. قال: صدقَ، قال الله تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْ لِيَآَبِهِمْ﴾ [ الأنعام: ١٢١]. وقال أبو داود الطيالسي : حدَّثنا قرَّةُ بن خالد ، عن عبد الملك بن عُمير ، عن رِفاعة بن شدَّاد ، قال : كنتُ أبطنَ شيءٍ بالمختار الكذَّاب ، قال : فدخلتُ عليه ذاتَ يوم ، فقال : دخلتَ وقد قامَ جبريلُ قبلُ من هذا الكرسيّ ! قال : فأهويتُ إلى قائم السيف لأضربَه حتى ذكرتُ حديثاً حدَّثنيه عمرُو بن الحَمِقِ الخُزاعيّ، أنَّ رسول الله وَله قال: ((إذا أمَّنَ الرجلُ الرَّجلَ على دمِه ثم قتلَه رُفعَ له لواءُ الغدر يومَ القيامة(٧) )) فكففتُ عنه . (١) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٨١) وهو في مسند الطيالسي (١٦٤١). والمبير : المهلك ، وهو حديث صحيح. (٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٥٤٥)(٢٢٩) في فضائل الصحابة . (٣) في الدلائل (٤٨١/٦ -٤٨٢) وهو حديث صحيح . (٤) وهو في مسنده (٣٢٦). هو يحيى بن يعلى من رجال التهذيب . (٥) (٦) رواه الطيالسي في مسنده (ص ٢٦٠) رقم (١٩٢٥) ومسلم رقم (٢٥٤٥) . (٧) رواه الطيالسي في المسند (ص ١٨١) رقم (١٢٨٦) والبيهقي في الدلائل من طريقه (٦/ ٤٨٢) وهو حديث حسن. ٣٥٣ كتاب دلائل النبوة ( فصل في ادعاء النبوة من بعده وت اثير ) وقد رواه أسباطُ بن نصر وزائدةُ والثوريُّ ، عن إسماعيل الشُّديِّ، عن رِفاعة بن شدَّاد القِتْباني ، فذكرَ نحوه(١) وقال يعقوبُ بن سفيان : حدَّثنا أبو بكر الحُميدي ، حدَّثنا سُفيان بن عيينة ، عن مجالد ، عن الشعبي قال : فاخرتُ أهلَ البصرة فغلبتُهم بأهل الكوفة ، والأحنفُ ساكتٌ لا يتكلّم ، فلما رآني غلبتُهم أرسلَ غلاماً له فجاءَ بكتابٍ فقال : هاكَ اقرأْ ، فقرأتُه فإذا فيه : من المختار إليه، يذكرُ أنَّه نبي ، يقولُ الأحنف : أنَّى فينا مثلُ هذا(٢) .؟! وأما الحجّاج بن يُوسف ، فقد تقدَّم الحديث أنه الغلام المبير الثقَفِيّ ، وسنذكرُ ترجمته إذا انتهينا إلى أيامه ، فإنَّه كان نائباً على العراق لعبد الملك بن مَرْوان ، ثم لابنه الوليد بن عبد الملك ، وكان من جبابرة الملوك ، على ما كان فيه من الكرم والفصاحة على ما سنذكره . وقد قال البيهقيُّ : حدَّثنا الحاكم ، عن أبي نصر الفقيه ، عن عثمان بن سعيد الدَّارميِّ، أنَّ معاويةً بن صالح حدَّثه ، عن شُريح بن عُبيد ، عن أبي عَذَبَةَ قال: جاءَ رجلٌ إلى عمرَ بن الخطاب ، فأخبرَه أنَّ أهلَ العراق قد حَصَبُوا أميرَهم ، فخرجَ غضبانَ ، فصلَّى لنا الصَّلاةَ، فسَها فيها حتَّى جعلَ النَّاسُ يقولون : سبحان الله! سبحان الله! فلمَّا سلَّمَ أقبلَ على النَّاس ، فقال : من هاهنا من أهل الشام ؟ فقام رجل ثم قام آخر ، ثم قمت أنا ثالثاً أو رابعاً ، فقال : يا أهل الشام! استعدُّوا لأهل العراق ، فإن الشيطان قد باضَ فيهم وفرَّخَ ، اللهم إنهم قد لبَّسُوا عليَّ، فألبسنْ عليهم وعَجِّلْ عليهم بالغُلامِ الثَّقَفِيِّ ، يحكمُ فيهم بحكم أهل الجاهلية ، لا يقبلُ مِن مُحسنهم ، ولا يتجاوز عن مسيئهم(٣) . قال عبد الله: وحدَّثني ابن لهيعة بمثله ، قال: وما وُلدَ الحجّاجُ يومئذ(٤). ورواه الدارمي أيضاً : عن أبي اليمان ، عن حريز بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن أبي عَذَبَة الحِمْصي ، عن عمر ، فذكرَ مثله(٥) . قال اليَمَان : علمَ عمرُ أنَّ الحجّاج خارجٌ لا محالة ، فلما أغضبوه استعجلَ لهم العقوبة (٦) . (١) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٣/٦). (٢) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٨٣). وإسناده ضعيف لضعف مجالد ، وهو ابن سعيد. (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٨/٦) وفي سنده (أبو عذبة) مجهول. (٤) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٨/٦) وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. (٥) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٨٧) وفي سنده أبو عذبة ، مجهول . (٦) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٨/٦). ٣٥٤ كتاب دلائل النبوة ( فصل في ادعاء النبوة من بعده مالا) قلت: فإن كان هذا نقلَه عمرُ عن رسول الله وَّرَ لقد تقدَّم له شاهدٌ عن غيره ، وإن كان عن تحديثٍ ، فكرامةُ الوَلِيِّ معجزةٌ لنبِّه . وقال عبدُ الرزاق : أخبرنا جعفر - يعني ابن سليمان - عن مالك بن دينار ، عن الحسن ، قال : قال عليٌّ لأهل الكوفة: اللَّهُمَّ كما ائتمنتُهم فخانُوني، ونصحتُ لهم فغشُّوني، فسلِّط عليهم فتى ثقيف الذيَّال الميَّال ، يأكلُ خُضْرَتَها ، ويلبسُ فروتَها ، ويحكمُ فيهم بحكم الجاهلية . قال : فتوفي الحسنُ وما خلقَ الله الحجاج يومئذ(١) . وهذا منقطع . وقد رواه البيهقيُّ أيضاً من حديث معتمر بن سليمان ، عن أبيه ، عن أيوب ، عن مالك بن أوس بن الحَدَثَان ، عن عليٍّ بن أبي طالب، أنه قال: الشَّابُّ الذيَّال أميرُ المِصْريين، يَلْبَسُ فروتَها، ويأكلُ خضرتَها ، ويقتلُ أشرافَ أهلها ، يَشتدُّ منه العرق، ويكثُر من الأرَق ، ويُسلِّطه الله على شيعته(٢) . وله من حديث يزيد بن هارون : أخبرنا العوَّامُ بن حَوْشب ، حدَّثني حبيبُ بن أبي ثابت ، قال : قال عليّ: لا مُثَّ حتى تدركَ فتى ثقيف . فقيل له : يا أميرَ المؤمنين! وما فتى ثقيف ؟ فقال: لَيُقَالَنَّ له يوم القيامة : اكفنا زاويةً من زوايا جهنّم ، رجلٌ يملك عشرين سنة أو بضعاً وعشرين سنة ، لا يدعُ الله معصيةً إلا ارتكبَها ، حتى لو لم يبقَ إلا معصيةٌ واحدة وكان بينَه وبينَها بابٌ مُغلقٌ لَكَسَرهُ حتَّى يرتكبَها ، يقتلُ بمن أطاعَه مَنْ عصاه(٣) . وهذا معضل ، وفي صحته عن عليٍّ نظر ، والله أعلم . وقال البيهقي : عن الحاكم ، عن الحُسين بن الحَسن بن أيوب ، عن أبي حاتم الرازي ، عن عبد الله بن يوسف النِّنِيسي ، حدَّثنا هشام بن يحيى الغسَّاني ، قال : قال عمرُ بن عبد العزيز : لو جاءتْ كلُّ أُمَّةٍ بخبيثها، وجئناهم بالحجَّاج لغَلبنَاهم(٤) . وقال أبو بكر بن عياش : عن عاصم بن أبي النَّجود : ما بقيتْ لله حُزْمَةٌ إلا وقد ارتكبَها الحجَّاجُ(٥) . وقال عبدُ الرزّاق : عن معمر ، عن ابن طاووس ؛ أن أباه لما تحقَّق موتَ الحجّاج تلا قوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَلَمِينَ ٦) [ الأنعام : ٤٥ ] . قلت : وقد تُوفي الحجّاجُ سنة خمس وتسعين . (١) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٨/٦). (٢) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٨/٦). (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٩/٦). (٤) رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٩/٦). رواه البيهقي في الدلائل (٤٨٩/٦). (٥) (٦) تقدم تخريج الحديث . ٣٥٥ كتاب دلائل النبوة ( ذكر الإشارة النبوية إلى دولة عمر بن عبد العزيز ... ) ذکر الإشارة النبويَّة إلى دولة عمرَ بن عبد العزيز تاج بني أميّة قد تقدَّم حديث أبي إدريس الخَوْلاني ، عن حذيفة، قال: سألتُ رسولَ الله وَل هل بعد هذا الخير من شر؟ قال: ((نعم)) قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: ((نعم وفيه دَخَرٌ)) قلتُ : وما دخنُه ؟ قال: ((قومٌ يَستُنُّون بغير سُنََّي، ويهدونَ بغير هَديي، يُعرف منهم ويُنكر)(١) ... الحديث. فحملَ البيهقيُّ وغيرُه هذا الخبر الثاني على أيَّام عمرَ بن عبد العزيز . وروى : عن الحاكم ، عن الأصمِّ ، عن العبّاس بن الوليد بن مزيد ، عن أبيه ، قال: سُئل الأوزاعيُّ عن تفسير حديث حُذيفة حين سألَ رسولَ اللهِوَ له عن الشَّرِّ الذي يكون بعد ذلك الخير، فقال الأوزاعيُّ: هي الرِّدَّةُ التي كانت بعد وفاة رسول الله وَ له، وفي مسألة حُذيفة: فهل بعد ذلك الشرِّ من خير؟ قال : نعم ، وفيه دَخَنٌ ، قال الأوزاعي : فالخيرُ الجماعة ، وفي ولاتهم من يعرفُ سيرتَه ، وفيهم من يُنكرُ سيرتَه ، قال: فلم يأذن رسولُ الله ◌ِوَّةٍ فِي قِتالهم ما صَلُّوا الصَّلاة٢ُ) . وروى أبو داود الطيالسي : عن داود الواسطي - وكان ثقةً - عن حبيب بن سالم ، عن نُعمان بن بشير بن سعد، عن حُذيفةَ، قال: قال رسول الله بَ له: ((إنكم في النبوة ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكونُ خلافةٌ على منهاج النبوة تكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء ، ثم تكون جبرية ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة )) ، قال : فقدمَ عمرُ بن عبد العزيز ومعه يزيدُ بن النُّعمان، فكتبتُ إليه أُذَكِّرُه الحديثَ، وكتبتُه إليه ، أقول : إني أرجو أن تكونَ أميرَ المؤمنين بعد الجبرية ، قال : فأخذ يزيدُ الكتابَ فأدخلَه على عمر ، فسُرَّ به وأعجبَهُ(٣). وقال نعيمُ بن حمَّاد : حدَّثنا رَوْحُ بن عُبادة ، عن سعيد بن أبي عَرُوبة ، عن قتادة ، قال : قال عمرُ بن عبد العزيز : رأيتُ رسولَ اللهِ له وعندَه عمرُ وعثمان وعليّ، فقال لي: ((ادنُ)) فدنوتُ حتى قمتُ بين يديْه، فرفعَ بصرَه إليَّ، وقال: ((أَمَا إِنَّكَ سَتَلِي أمرَ هذه الأمَّة وستعدلُ عليهم )(٤) . وسيأتي في الحديث الآخر إن شاءَ الله: ((إنَّ الله يبعثُ لهذه الأُمَّة على رأسِ كلِّ مئةِ سنةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لها (١) أي: البيهقي. (٢) رواه البيهقي في الدلائل (٤٩١/٦). (٣) رواه أبو داود الطيالسي رقم (٤٣٨) وإسناده حسن. (٤) رواه أبو نعيم في الفتن صفحة (٢٩١) وهو ضعيف . ٣٥٦ كتاب دلائل النبوة ( ذكر الإشارة النبوية إلى دولة عمر بن عبد العزيز ... ) أمرَ دينِها»(١) وقد قالَ كثيرٌ من الأئمة : إنه عمرُ بن عبد العزيز ، فإنه توفي سنة إحدى ومئة . وقال البيهقيُّ : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا أبو حامد أحمد بن علي المقري ، حدَّثنا أبو عيسى الترمذي ، حدَّثنا أحمد بن إبراهيم ، حدَّثنا عفَّان بن مسلم ، حدَّثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق ، عن جويرية بن أسماء ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : بلغنا أن عمر بن الخطاب قال : إن من ولدي رجلاً بوجهه شين يلي فيملأ الأرض عدلاً ، قال نافع من قبله : ولا أحسبه إلا عمر بن عبد العزيز(٢). وقد رواه نُعيم بن حمَّاد : عن عثمان بن عبد الحميد به ، ولهذا طرقٌ عن ابن عمر أنه كان يقول : ليتَ شِعري ، مَنْ هذا الذي من ولدِ عمرَ بن الخطاب في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا٣ً) . وقد روي ذلك عن عبد الرحمن بن حرملةَ ، عن سعيد بن المسيب نحواً من هذا . وقد كان هذا الأمرُ مشهوراً قبل ولايته وميلاده بالكلية ؛ أنه يلي رجل من بني أمية يقال له : أشجّ بني مروان ، وكانت أمُّه أروى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ، وكان أبوه عبد العزيز بن مروان نائباً لأخيه عبد الملك على مصر ، وكان يُكرمُ عبد الله بن عمر ، ويبعثُ إليه بالتحف والهدايا والجوائز فيقبلُها ، وبعث إليه مرة بألف دينار فأخذَها ، وقد دخلَ عمر بن عبد العزيز يوماً إلى إصطبل أبيه وهو صغير ، فرمَحه فرسٌ فشجَّه في جبينه ، فجعل أبوه يسلتُ عنه الدَّمَ ، ويقول : أما لئن كنتَ أشجَّ بني مروان ، إنَّكَ إذاً لسعيد ، وكان النَّاسُ يقولون: الأشُ والنَّاقِصُ أعدلا بني مروان . فالأشجُّ هو عمر بن عبد العزيز ، والنَّاقصُ هو يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، الذي يقول فيه الشاعر : رَأَيْتُ الْيَزِيدَ بنَ الوليدِ مُباركاً شَدِيداً بأَعباءِ الخلافَةِ كاهِلُه قلت : وقد وُلِّي عمرُ بن عبد العزيز بن سُليمانَ بن عبد الملك سنتين ونصفاً ، فملأ الأرض عدلاً ، وفاضَ المالُ حتى كان الرجلُ يَهمُّه لمن يُعطي صدقتَه ، وقد حمل البيهقيُّ الحديثَ المتقدِّم عن عديٍّ بن حاتم ، على أيام عمر بن عبد العزيز ، وعندي في ذلك نظر ، والله أعلم . وقد روى البيهقي من حديث إسماعيل بن أبي أُويس : حدَّثني أبو مَعْن الأنصاري : حدَّثنا أُسيد قال : بينما عمرُ بن عبد العزيز يمشي إلى مكَّةَ بفلاةٍ من الأرض إذ رأى حيَّة ميتة فقال : عليَّ بِمحفار ، فقالوا : نكفيكَ أصلحكَ الله، قال : لا، ثم أخذَه ، ثم لفَّ في خِزْقة ودفنَه ، فإذا هاتفٌ يهتف : رحمة الله عليك يا سُرَّق ، فقال له عمرُ بن عبد العزيز: مَنْ أنتَ يرحمُك الله ؟ قال : أنا رجلٌ من الجِنّ وهذا سُرَّق ، ولم (١) رواه أبو داود رقم (٤٢٩١) والحاكم (٤/ ٥٢٢) وهو حديث صحيح . (٢) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٩٢). (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٤٩٢). ٣٥٧ كتاب دلائل النبوة ( حديث في ذكر وهب بن منبه - الإشارة إلى محمد بن كعب القرظي ... ) يبق ممن بايع رسول الله بَّ غيري وغيره، وأشهد لسمعت رسول الله وَ ل يقول: ((تموتُ يا سُرَّقُ بفلاةٍ من الأرض ويدفِئُكَ خيرُ أُمَّتِي)(١) وقد روي هذا من وجه آخر، وفيه: أنهم كانوا تسعةً بايعوا رسولَ اللهِ وَّه، وفيه: أن عمرَ بن عبد العزيز حلَّفه ، فلما حلفَ بكى عمرُ بن عبد العزيز(٢) . وقد رجَّحه البيهقي وحسنه ، فالله أعلم . حدیث آخر في صحته نظر ، في ذكر وَهْبٍ بن مُنَبِّه بالمَدْحِ ، وذِكْرٍ غَيْلَان بالذَّمِّ روى البيهقي : من حديث هشام بن عمّار وغيره ، عن الوليد بن مسلم ، عن مروان بن سالم القرقساني ، عن الأحوص بن حكيم ، عن خالد بن مَعْدان ، عن عُبادة بن الصامت ، قال : قال رسول الله وَهُ: ((يكونُ في أُمَّتي رجلٌ يُقال له: وَهْب ، يَهَب الله له الحكمةَ، ورجلٌ يُقال له : غَيْلان، هو أضرُ على أُمَّتي من إبليس)(٣). وهذا لا يصحُّ ؛ لأن مروانَ بن سالم هذا متروك، وبه: إلى الوليد ، حدّثنا ابنُ لهيعةَ ، عن موسى بن وردان، عن أبي هُريرة ، قال: قال النبيُّ نَّهَ: ((ينعقُ الشيطانُ بالشَّام نعقةً يُكَذِّبُ ثلثاهم بالقَدَر )). قال البيهقي: وفي هذا - إن صحَّ - وأمثاله؛ إشارة إلى غَيْلان وما ظهرَ بالشام بسببه من التكذيب بالقَدَر حتى قُتِلٌ(٤) . الإشارة إلى محمد بن كعب القُرَظيّ وعلمه بتفسير القرآن وحفظه قال حرملةُ عن ابن وَهْب : أخبرني أبو صَخْر ، عن عبد الله بن مغيث بن أبي بردة الظفري ، عن أبيه ، عن جده ، قال: سمعتُ رسول الله وَ له يقول: (( يخرج في أحد الكاهنين رجلٌ قد درسَ القرآنَ دراسةً لا يدرسُها أحدٌ يكون من بعده)(٥) . وروى البيهقي : عن الحاكم ، عن الأصم ، عن إسماعيل القاضي ، حدَّثنا أبو ثابت ، حذَّثنا ابن وَهْب، حدَّثني عبد الجبار بن عمر، عن ربيعةً بن أبي عبد الرحمن، قال: قال رسولُ اللهِوَةِ: ((يكونُ في أحد الكاهنين رجل يدرس القرآن دراسةً لا يدرسُها أحدٌ غيره)(٦) . قال : فكانوا يرون أنَّه محمدُ بن (١) رواه البيهقي في الدلائل (٤٩٤/٦) وفي إسناده ضعف . (٢) المصدر السابق . ذكره البيهقي في الدلائل (٦ /٤٩٦). (٣) رواه البيهقي في الدلائل (٤٩٧/٦) وإسناده ضعيف. (٤) (٥) رواه البيهقي في الدلائل (٤٩٨/٦) . والكاهنان : قبيلة قريظة والنضير . (٦) رواه ابن عساكر في تاريخه (٣٢٣/٥)، والبيهقي في الدلائل (٤٩٨/٦) مرسلاً وهو ضعيف . ٣٥٨ كتاب دلائل النبوة ( ذكر الإخبار بانخرام قرنه عليه الصلاة والسلام بعد مئة سنة ... ) كعب القُرَظيّ ، قال أبو ثابت : الكاهنان : قريظة والنضير . وقد رُوي من وجه آخر مرسل: (( يخرجُ من الكاهنين رجل أعلمُ الناسِ بكتابِ الله)(١). وقد قالَ عَوْنُ بن عبد الله : ما رأيتُ أحداً أعلم بتأويل القرآن من محمد بن كعب(٢). ذکر الإخبار بانخرام قرنه عليه الصلاة والسلام بعد مئة سنة من ليلة إخباره فكانَ كما أخبرَ ثبت في الصحيحين : من حديث الزهري ، عن سالم وأبي بكر بن سُليمانَ بن أبي خيثمةَ ، عن عبد الله بن عمر ، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهَوَّل صلاةَ العِشاء في ليلةٍ في آخر عُمُرُه ، فلما سلَّمَ قامَ فقال : ((أرأيتُم ليلَتكم هذه؟ فإنَّ على رأسِ مئةٍ سنة منها لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ)(٣) قال عمر : فَوَهَلَ النَّاسُ في مَقالةِ رسولِ الله ◌ِ لَه، إلى ما يتحدّثون من هذه الأحاديث عن مئة سنة، وإنما يُريد بذلك أنَّها تخرمُ ذلكَ القرنَ. وفي رواية: إنَّما أراد رسول الله وَّل انخرام قرنه . وفي صحيح مسلم : من حديث ابن جريج : أخبرني أبو الزُّبير ، أنه سمعَ جابرَ بنَ عبد الله ، يقول : سمعتُ رسولَ الله ◌ِ ◌ّله يقول قبل موته بشهر: ((تسألوني عن السَّاعة، وإنَّما علمُها عند الله، فأقسم بالله ما على ظهر الأرض من نَفْسٍ مَنْفُوسَةِ اليومَ ، يأتي عليها مئةُ سنة٤ٍ) . وهذا الحديث وأمثالهُ مما يَحتجُّ به من ذهبَ من الأئمة إلى أن الخَضِرَ ليس بموجود الآن ، كما قدَّمنا ذلك في ترجمته في قصص الأنبياء عليهم السلام ، وهو نصٌّ على أن جميعَ الأحياء في الأرض يموتون إلى تمام مئة سنة من إخباره عليه الصلاة والسلام ، وكذا وقعَ سواء ، فما نعلمُ تأخّرَ أحدٌ من أصحابه إلى ما يُجاوز هذه المدة، وكذلك جميع الناس . ثم قد طردَ بعضُ العلماء هذا الحكمَ في كلِّ مئة سنةٍ ، وليسَ في الحديث تعرُّض لهذا ، والله أعلم . حدیث آخر قال محمَّدُ بن عمرَ الواقديّ : حدَّثني شُرَيْح بن يزيد ، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألْهاني ، عن (١) رواه البخاري في التاريخ الكبير (١٤/٥) والبيهقي في الدلائل (٤٩٩/٦) وهو مرسل ضعيف. (٢) ذكره البيهقي في الدلائل (٤٩٩/٦). رواه البخاري رقم (٦٠١). ومسلم رقم (٢٥٣٧) من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه . (٣) (٤) رواه مسلم رقم (٢٥٣٨) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما . ٣٥٩ كتاب دلائل النبوة ( الإخبار عن الوليد ... ) أبيه ، عن عبد الله بن بُسْر، قال: وضعَ رسولُ اللهِوَ هِ يدَه على رأسي وقال: ((هذا الغلامُ يعيشُ قَرْنا١ً) قال : فعاشَ مئة سنة . وقد رواه البخاريُّ في ((التاريخ)): عن أبي حيوة شريح بن يزيد به .. فذكرَ(٢) . قال: وزاد غيرُه: وكان في وجهه تُؤْلولٌ، فقال: (( ولا يموتُ حتى يذهبَ الثُّؤْلول من وجهه )) فلم يمتْ حتى ذهبَ الُّؤْلول من وجهه(٣) . وهذا إسناد على شرط السنن . ولم يُخَرِّجوه. ورواه البيهقيُّ : عن الحاكم ، عن محمد بن المؤمل بن الحسن بن عيسى ، عن الفَضْل بن مُحرز الشعراني ، حدَّثنا حيوة بن شريح ، عن إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني ، عن أبيه ، عن عبد الله بن ◌ُسْر، أنَّ رسولَ الله ◌ِ لَهقال له: ((يعيشُ هذا الغلامُ قرناً)(٤) فعاش مئة سنة . قال الواقدي وغيرُ واحد : توفي عبد الله بن بُشْر بحمصَ سنة ثمان وثمانين عن أربع وتسعين(٥) ، وهو آخرُ من بقي من الصحابة بالشام . الإخبار عن الوليد بما فيه له من الوعيد الشديد وإن صحَّ فھو الولیدُ بن یزید لا الوليد بن عبد الملك قال يعقوب بن سفيان : حدَّثني محمد بن خالد بن العبّاس السَّكْسَكِي ، حدَّثني الوليد بن مسلم ، حدثني أبو عمرو الأوزاعي ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، قال : ولد لأخي أم سلمة (٦) غلام، فسمَّوه الوليدَ، فقال رسول الله وَّل: (( قد جعلتُم تُسمُون بأسماءٍ فراعنِتِكُم، إنَّه سيكونُ في (١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦/ ٥٠٣) وإسناده ضعيف جداً، محمد بن عمر بن واقد الواقدي ، قال الحافظ ابن حجر في التقريب : متروك مع سعة علمه ، وإبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني ، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً . (٢) رواه البخاري في ((التاريخ الكبير)) (٣٢٣/١) وفي سنده إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني ، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً. ورواه أحمد في المسند رقم (١٨٩/٤) بلفظ: ((لتبلغن قرناً)) وهو حديث حسن . وذكره الهيثمي في (« مجمع الزوائد » (٩/ ٤٠٥) وقال: رواه الطبراني وأحمد ، ورجال أحمد رجال الصحيح ، غير الحسن بن أيوب ، وهو ثقة ، ورجال الطبراني ثقات . أقول : فهو حديث حسن . (٣) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦/ ٥٠٣) وفي سنده أيضاً إبراهيم بن محمد بن زياد الألهاني ، ذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً . (٤) رواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٥٠٠) وهو حديث حسن . (٥) انظر الإصابة - ترجمة عبد الله بن بسر (٢٨٢/٢). (٦) في نسخة : أم سليم . ٣٦٠ كتاب دلائل النبوة ( الإخبار عن الوليد ... ) هذه الأمة رجلٌ يُقالُ له الوليدُ، هو أضرُ على أُمَّتِي مِن فرعونَ على قومه)(١) . قال أبو عمرو الأوزاعي : فكان النَّاسُ يَرَوْنَ أنَّه الوليد بن عبد الملك ، ثم رأينا أنه الوليد بن يزيد لفتنة الناس به ، حين خَرجُوا عليه فقتلُوه ، وانفتحت على الأمة الفتنة والهَرْجُ(٢). وقد رواه البيهقيُّ: عن الحاكم ، وغيره ، عن الأصمِّ ، عن سعيد بن عُثمان التَّنُوخِي ، عن بِشْر بن بَكْر ، عن الأوزاعيّ، عن الزُّهريّ، عن سعيد ... فذكرَه. ولم يذكر قولَ الأوزاعيّ ، ثم قال: وهذا مرسلٌ حسن(٣) . وقد رواه نُعيم بن حمّاد : عن الوليد بن مسلم به ، وعندَه قال الزهري : إنِ استُخْلِفَ الوليدُ بن يزيد ، فهو هو ، وإلا فهو الوليدُ بن عبد الملك (٤) . وقال نُعيمُ بن حمَّاد: حدَّثنا هُشيم عن أبي حمزةَ، عن الحسن، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّةٍ: ((سيكونُ رجلٌ اسمُه الوليدُ ، يُسَدُّ به ركزٌ من أركان جهنَّمَ وزاويةٌ من زواياها(٥) . وهذا مرسل أيضاً . حدیث آخر قال سليمانُ بن بلال : عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسولُ الله ◌َّه: ((إذا بلغَ بنو أبي العاص أربعينَ رجلاً، اتَّخِذُوا دينَ الله دَغَلاً، وعبادَ الله خَوَلاً، ومالَ الله دُوَلًا (٦) . رواه البيهقي من حديثه . وقال نُعَيْمُ بن حمَّاد: حدَّثنا بقيَّةُ بن الوليد وعبد القدُّوس ، عن أبي بكر بن أبي مريم ، عن راشدٍ بن سعد، عن أبي ذر ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَلَهَ يقولُ: ((إذا بلغتْ بنو أمية أربعينَ، أنَّخذُوا عبادَ الله خَوَلًا، ومالَ الله نِحَلاً، وكتابَ الله دَغَلاً )(٧) وهذا منقطع بين راشد بن سعد وبينَ أبي ذر . وقال إسحاق بن راهويه : أخبرنا جريرٌ ، عن الأعمش ، عن عطيّة ، عن أبي سعيد ، قال : قال (١) رواه البيهقي في الدلائل (٦/ ٥٠٥) وهو مرسل . (٢) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ٥٠٦). (٣) دلائل النبوة (٥٠٥/٦) . دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٥٠٥/٦) . (٤) (٦) رواه البيهقي في الدلائل (٥٠٧/٦) ومعنى خَوَلًا : أتباعاً وخدماً . (٥) رواه نعيم بن حماد في الفتن والملاحم (ص ٧٤) . (٧) رواه نعيم بن حماد في الفتن والملاحم (ص٧٢) ومعنى نِحَلاً: عطايا وهبات، دَغَلاً : أي أدغلوا في التفسير ، وأدغلَ في الأمر : أدخل فيه ما يُفسده ويُخالفه . وفي النهاية : اتخذوا دين الله دغلاً : أي يخدعون به الناس .