النص المفهرس
صفحات 261-280
٢٦١ كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول الله بطيخ) فأتوا رسولَ اللهِوَّ وهو جالسٌ في المسجد في أصحابه ، فقالوا : يا أبا القاسم ما تَرى في رجلٍ منا زنى بعد ما أُحصِنَ ؟ فقام رسولُ اللهِ وَّه ولم يُرجع إليهم شيئاً، وقام معه رجالٌ من المسلمين، حتى أتَوا بيتَ مِدراس اليهود، فوجدوهم يتدارسون التوارةَ، فقال لهم رسول الله وَ لَّ: (( يا معشرِ اليهود، أنشدُكم بالله الذي أنزلَ التوراةَ على موسى ، ما تَجدون في التوراةِ من العقوبةِ على مَن زنى إذا أُحصِنَ؟ )) قالوا : نجبيه (١)، والتجبية أن يحملوا اثنين على حِمار، فيُولّوا ظهرَ أحدهما ظهرَ الآخر. قال : وسكتَ حَبرُهم، وهو فتى شاب، فلما رآه رسولُ اللهِوَّهِ صَامتاً الظَّ به النَّشْدَةَ. فقال حَبرُهم: أما إذ نشدتُهم فإنا نجدُ في التوراة الرجمَ على من أُحصِنَ، قال النبيَِّلِّ: ((فما أولُ ما تَرَخّصتُم أمرَ الله عزّ وجلّ ؟ )) فقال: زنى رجلٌ منا ذو قرابةٍ بملِكٍ من مُلوكنا، فأخَّر عنه الرجمَ ، فزنى بعدَه آخرُ في إثرِه من الناس فأراد ذلك الملكُ أن يرجمَه ، فقام قومُه دونَه، فقالوا : لا والله لا نرجمُهُ حتى يرجمَ فلاناً ابنَ عمِّه، فاصطلحوا بينَهم على هذه العقوبة، فقال رسول الله وَّ: ((فإني أحكُم بما حُكِمَ في التوراة )) فأمرَ رسولُ اللهِوَّل بهما فرُجِمَا . قال الزهري : وبلغنا أن هذه الآيات نزلت فيهم: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَنَ فِيهَا هُدَى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ اُلَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ ﴾ [ المائدة: ٤٤] . وله شاهدٌ في الصحيح عن ابن عمر . قلت : وقد ذكرنا ما وردَ في هذا السياق من الأحاديث عند قوله تعالى: ﴿ ﴿ يََّأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُواْ ءَامَنَا بِأَفْوَهِهِمْ وَلَوْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُواْ سَمَّعُونَ لِلْكَذِبِ سَفَعُونَ لِقَوْمٍ ءَاخَرِينَ لَمْ يَأْتُوٌَ يُحِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِةٍ، يَقُولُونَ إِنْ أُوتِتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ﴾ [المائدة: ٤١] يعني الجلد والتحميم الذي اصطلحوا عليه وابتدعوه من عند أنفسهم ، يعني: إن حكم لكم محمد بهذا فخذوه: ﴿ وَإِن ◌َّمْ تُؤْتَوَّهُ فَاحْذَرُواْ﴾ [ المائدة: ٤١]، يعني: وإن لم يحكم لكم بذلك فاحذَرُوا قبولَه، قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُرِدِ اَللَّهُ فِتْنَتَهُ، فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اَللَّهِ شَيْئًا أُوْلَبِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمَّ لَهُمْ فِ الدُّنْيَا خِزْىٌّ وَلَهُمْ فِى الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: ٤١] إلى أن قال: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُ التَّوْرَنَةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَّوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَآ أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [ المائدة : ٤٣] فذمَّهم الله تعالى على سوء ظنِّهم وقصدهم بالنسبة إلى اعتقادهم في كتابهم ، وأن فيه حكم الله بالرجم ، وهم من ذلك يعلمون صحته ، ثم يعدلون عنه إلى ما ابتدعوه من التحميم والتجبية . وقد روى هذا الحديثَ محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، قال : سمعتُ رجلاً من مزينةَ يُحدِّث سعيد بن المسيب ؛ أن أبا هريرة حدَّثهم فذكرَه، وعنده: فقالَ رسولُ اللهِوٍَّ لابن صوريا: ((أنشدُك بالله (١) كذا في الأصل، وفي دلائل البيهقي: نجبّه . وبهامشه : نحممه. ٢٦٢ كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سْئل عنها رسول الله حديثة) وأذكّرك أيامَه عند بني إسرائيل ، هل تعلمُ أنَّ الله حكمَ فيمن زنى بعدَ إحصائِه بالرجم في التوراة؟ )) فقال: اللهم نعم ، أما والله يا أبا القاسم، إنهم يَعرفون أنك نبيٌّ مرسل، ولكنَّهم يَحسدونَكَ. فخرجَ رسولُ اللهِوَِّ فَأَمرَ بهما فرُجِما عندَ باب مسجده في بني غنم بن مالك بن النجار . قال: ثم كفرَ بعد ذلك ابنُ صوريا، فأنزل الله: ﴿ ﴿يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنِكَ الَّذِينَ يُسَرِعُونَ فِى اُلْكُفْرِ ﴾ [ المائدة: ٤١ ] الآيات. وقد وردَ ذكرُ عبد الله بن صُوريا الأعور في حديث ابن عمر وغيره ، برواياتٍ صحيحة قد بيَّنَّاها في ((التفسير)). حديث آخر: قال حمّادُ بن سلمة: حذَّثنا ثابت، عن أنس؛ أن غلاماً يهودياً كان يخدمُ النبيَّ ◌َه فمرضَ، فأتاه رسولُ اللهِ وَّهِ يعودُه، فوجدَ أباه عندَ رأسِه يقرأُ التوراةَ، فقال له رسولُ اللهِّ : (( يا يهوديُّ، أَنشدُكَ بالله الذي أنزلَ التوارةَ على موسى، هل تجدونَ في التوارة نَعتي وصِفَاتِي ومَخرجي؟ )) فقال: لا، فقال الفتى: بلى والله يا رسولَ الله، إنا نجد في التوراة نعتك وصفتك ومخرجك وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال النبيُّ لأصحابه: ((أقيمُوا هذا من عند رأسه، وَلُو(١) أخاكم)) . رواه البيهقيُّ من هذا الوجه بهذا اللفظ ٢). حديث آخر : قال أبو بكر بن أبي شيبة ، حدَّثنا عفّان، حدَّثنا حمّاد بن سلمة ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي عُبيدة بن عبد الله ، عن أبيه ، قال : إن الله ابتعثَ نبيَّهِوَ له لإدخال رجلٍ الجنَّةَ، فدخلَ النبيُّ ◌َ﴿ كنيسةً، وإذا يهوديّ يقرأُ التوراةَ ، فلما أتى على صفتِه أمسكَ، قال: وفي ناحيتها رجلٌ مريض، فقال النبيُّ ◌َليهِ: (( ما لكم أمسكتُم ؟)) فقال المريضُ : إنهم أتَوا على صفة نبيِّ فأمسَكُوا ، ثم جاء المريضُ يَحبُو حتى أخذَ التوراة وقال : ارفع يدك ، فقراً حتى أتى على صفتِهِ ، فقال : هذه صفتُك وصفةُ أمّتك ، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أنَّ محمّداً رسولُ الله، ثم ماتَ، فقال النبي ◌َِّ: ((لوا أخاكم)(٣). حديث آخر: إن النبي بََّ: وقف على مِدراس اليهود فقال: ((يا معشرَ يهودَ أسلموا ، فوالذي لا إلهَ إلا هو إنَّكم لتعلمونَ أني رسولُ الله إليكم)) فقالوا: قد بلَّغتَ يا أبا القاسم، فقال: (( ذلك أريد )(٤) . (١) ((ولوا)): من الولاية: أي اهتموا بتجهيزه ودفنه. (٢) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ٢٧٢) وهو حديث حسن . (٣) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ٢٧٢-٢٧٣) وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله بن مسعود . ولكن يشهد له الذي قبله . (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٩٤٤) في الإكراه، ومسلم في صحيحه رقم (١٧٦٥) في الجهاد والسير بلفظ متقارب . وبيت المدراس : المراد به كبير اليهود ، ونسب البيت إليه لأنه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم أي : = ٢٦٣ كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سْئل عنها رسول الله بها ) فَصل فالذي يقطعُ به كتابُ الله وسنّة رسولهِ، ومن حيث المعنى: أن رسولَ الله مَلّه قد بشَّرت به الأنبياء قبلَه ، وأتباعُ الأنبياء يعلمون ذلك ، ولكنَّ أكثرَهم يكتمون ذلك ويُخفونه . قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَِّىِّ الْأُتِىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْثُوبًا عِندَهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَاَلْإِنِيلِ يَأْمُرُهُم بِلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَنْهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطََّتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَيِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيَّهِمَّ فَالَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ، وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَأَتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِىّ أُنْزِلَ مَعَهُ، أُوْلَكَ هُمُ اُلْمُفْلِحُونَ ﴿ قُلْ يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنِِّ رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِى لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُعِي، وَيُمِيثٌ فَقَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَِّّ الْأُمِّ الَّذِى يُؤْمِثُ بِاللَّهِ وَكَلِمَتِهِ، وَأَتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [ الأعراف : ١٥٧ - ١٥٨ ] . وقال تعالى: ﴿ وَاُلَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِنَبَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلُ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [ الأنعام: ١١٤] وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ ءَاتَيْنَهُمُ الْكِتَبَ يَعْرِفُونَهُ، كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَ هُمِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْثُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ١٤٦] وقال تعالى: ﴿ وَقُل لِلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ وَالْأُمِِّنَ ، أَسْلَمْتُمَّ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَإِن تَوَلَّوْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَغُ﴾ [ آل عمران: ٢٠]، وقال تعالى: ﴿ هَذَا بَلَعٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُواْ بِهِ،﴾ [إبراهيم: ٥٢] وقال تعالى: ﴿لِأُنذِرَگُم بِهِ، وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] وقال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِهِ، مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ﴾ [هود: ١٧] وقال تعالى: ﴿ لِيُنْذِرَ مَن كَانَ حَيَّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَفِرِينَ﴾ [يَس: ٧٠]. فذكر تعالى بعثته إلى الأمّيينَ وأهلِ الكتاب وسائرِ الخلق من عربهم وعجمهم ، فكل من بلغَه القرآنُ فهو نذيرٌ له ، قال رََّ: ((والذي نفسي بيده لا يسمعُ بي أحدٌ من هذه الأمة يهوديٌّ ولا نصرانيٌّ ولا يُؤمن بي إلا دخلَ النار)). رواه مسلمٌ(١) . وفي الصحيحين: ((أعطيت خمساً لم يُعطَهن أحدٌ من الأنبياء قبلي: نُصِرتُ بالرُّعب مسيرةَ شهرٍ ، وأُحِلَّت لي الغنائمُ ولم تحلَّ لأحدٍ قبلي ، وجُعلت لي الأرضُ مَسجداً وطَهوراً ، وأُعطيت الشفاعةَ ، وكان النبيُّ يُبعثُ إلى قومه وبُعثت إلى الناس عامّة)(٢). قراءتها . الفتح (١٢ / ٣٩٣) . (١) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٥٣) في الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد رَّه إلى جميع الناس ونسخ الملل بملته ، وأحمد في المسند (٢/ ٣٥٠) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، بلفظ: (( والذي نفس محمد بيده ، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهودي ولا نصراني ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به ، إلا كان من أصحاب النار)) . (٢) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٣٥) في التيمم في أوله، ورقم (٤٣٨) في الصلاة، باب قول النبي ◌َّ: جعلت = ٢٦٤ كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول الله ◌ِلَّ) وفيهما: ((بُعثت إلى الأسود والأحمر)(١) قيل: إلى العرب والعجم ، وقيل: إلى الإنس والجن ، والصحيح أعمُّ من ذلك . والمقصود أن البشارات به وَّر موجودة في الكتب الموروثة عن الأنبياء قبله ، حتى تناهتِ النبوّةُ إلى آخر أنبياء بني إسرائيل ، وهو عيسى ابن مريم ، وقد قام بهذه البشارة في بني إسرائيل ، وقصَّ الله خبرَه في ذلك، فقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَبَنِىّ إِسْرَِّ يِلَ إِنِّى رَسُولُ الَهِإِلَيْكُ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَىَّ مِنَ النَّوْرَةِ وَمُبَشِرًا بِرَسُولٍ يَأْتِ مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ أَخَذٌ ﴾ [الصف: ٦]. فأخبارُ محمّدٍ صلواتُ الله وسلامُه عليه بأن ذكرَه موجودٌ في الكتب المتقدمة ، فيما جاء به من القرآن، وفيما وردَ عنه من الأحاديث الصحيحة كما تقدَّمَ ، وهو مع ذلك من أعقلِ الخلق باتفاق المُوافق والمُفارق ، يدلّ على صدقه في ذلك قطعاً ، لأنه لو لم يكن واثقاً بما أخبرَ به من ذلك ، لكان ذلك من أشدِّ المُنَفِّراتِ عنه ، ولا يُقدم على ذلك عاقل ، والغرضُ أنه من أعقلِ الخلقِ حتى عند من يُخالفه بل هو أعقلُهم في نفس الأمر . ثم إنه قد انتشرت دعوتُه في المشارق والمَغارب ، وعمَّت دولةٌ أمَّتِه في أقطار الآفاق عموماً لم يحصل لأمةٍ من الأمم قبلَها ، فلو لم يكن محمد مَ لِّ نبياً ، لكان ضررُه أعظمَ من كل أحد ، ولو كان كذلك لحذَّرَ عنه الأنبياءُ أشدَّ التحذير ، ولنقَّروا أممَهم منه أشدَّ التنفير ، فإنهم جميعهم قد حذَّروا من دعاة الضلالة في كتبهم ، ونهوا أممَهم عن اتِّباعِهم والاقتداء بهم ، ونصُوا على المسيح الدجال ، الأعورِ الكذَّاب ، حتى قد أنذرَ نوح - وهو أوّلُ الرسل - قومَه ، ومعلومٌ أنه لم يَنصَّ نبيٌّ من الأنبياء على التحذير من محمّد ، ولا التنفير عنه ، ولا الإخبار عنه بشيء خلافَ مدحه ، والثناء عليه ، والبشارة بوجوده ، والأمر باتباعه ، والنهي عن مخالفته ، والخروج من طاعته . قال الله تعالى: ﴿وَإِذْأَخَذَ اَللَّهُ مِيثَقَ النَّبِِّنَ لَمَآ ءَاتَيْتُكُمْ مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَ كُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ، وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِيٌّ قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُ واْ وَأَنَاْ مَعَكُمْ مِنَ الشَّهِدِينَ فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ٨١ - ٨٢] قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعثَ الله نبياً إلا أخذَ عليه الميثاق؛ لئن بُعث محمد وهو حيٌّ ليُؤْمِننّ به ولينصرنَّه، وأمرَه أن يأخذَ على أُمَته الميثاقَ لئن بُعث محمّدٌ وهم أحياء ليُؤْمِنُنَّ به وليتبعُنَّه(٢). رواه البخاري(٣). لي الأرض مسجداً وطهوراً . ومسلم في صحيحه (٥٢١) في كتاب المساجد ومواضع الصلاة من حديث جابر بن = عبد الله رضي الله عنهما . (١) رواه مسلم في صحيحه رقم (٥٢١) بلفظ ((بعثت إلى كل أحمر وأسود)) وهو جزء من حديث جابر الذي قبله . (٢) في فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٣٧): لينصرنَّه. (٣) لم يروه البخاري، ولم يذكره ابن كثير في تفسيره عن البخاري ، وقد ذكره من كلام علي وابن عباس وإنما هو غلط ، = ٢٦٥ كتاب دلائل النبوة ( باب : المسائل التي سُئل عنها رسول اللّه ◌ِية) وقد وجدت البشارات بِهِ وَّ في الكتب المتقدمة، وهي أشهرُ من أن تُذكرَ وأكثرُ من أن تُحصر. وقد قدَّمنا قبلَ مولده عليه الصلاة والسلام طَرفاً صالحاً من ذلك، وقرَّرنا في كتاب (( التفسير )) عند الآيات المقتضية لذلك آثاراً كثيرة . ونحنُ نُورد هاهنا شيئاً مما وُجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها ، وَيتديَّنون بتلاوتِها ، مما جمعَه العلماءُ قديماً وحديثاً ممن آمن منهم ، واطّلعَ على ذلك من كتبهم التي بأيديهم . ففي السّفر الأوّل من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسَّلام ما مضمونُه وتعريبُه: إن الله أوحى إلى إبراهيم عليه السلام، بعدما سلَّمَه من نار النمروذ : أن قم فاسلُك الأرضَ مشارقَها ومغاربها لولدك . فلما قصَّ ذلك على سارة طمعت أن يكونَ ذلك لولدها منه ، وحرصت على إبعاد هاجرَ وولدها ، حتى ذهبَ بهما الخليلُ إلى بريّة الحجازِ وجبالٍ فاران ، وظن إبراهيم عليه السلام أن هذه البشارة تكونُ لولده إسحاق ، حتى أوحى الله إليه ما مضمونُه : أما ولدُك إسحاق فإنه يُرزق ذريّةً عظيمةٌ ، وأما ولدُك إسماعيل فإني باركتُهُ وعظّمتُه، وكثَّرتُ ذَرِّيتَه ، وجعلتُ من ذرِّيَّته ماذ ماذ؛ يعني محمداً ◌َّه، وجعلتُ في ذرّيته اثنا عشر إماماً ، وتكون له أمّة عظيمة . وكذلك بُشِّرَت هاجر حين وضعها الخليلُ عند البيت فعطِشَت وحزنت على ولدها ، وجاءَ الملَكُ فأنبعَ زمزمَ ، وأمرَها بالاحتفاظ بهذا الولد ، فإنه سيُولد منه عظيمٌ ، له ذريّةٌ عددَ نجوم السماء . ومعلوم أنه لم يُولد من ذريّة إسماعيلَ ، بل من ذريّة آدم ، أعظمُ قدراً ولا أوسعُ جاهاً ، ولا أعلى منزلةً، ولا أجلُّ منصباً ، من محمد بَِّ، وهو الذي استولت دولةُ أمّتِه على المشارق والمغارب ، وحكموا على سائرِ الأمم . وهكذا في قصة إسماعيل من السِّفر الأوّل : أن ولد إسماعيل تكونُ يدُه على كل الأمم ، وكلُّ الأمم تحتَ يده، ويجميع مساكن إخوته يسكن. وهذا لم يكن لأحدٍ يصدقُ على الطائفة إلا لمحمد ◌َّةٍ . وأيضاً في السفر الرابع في قصة موسى ، أن الله أوحى إلى موسى عليه السلام : أن قل لبني إسرائيلَ : سأقيم لهم نبيَّاً من أقاربهم مثلَك يا موسى ، وأجعلُ وحبي بفيه وإيّه تَسمعون . ولعله من النساخ ، وإنما رواه ابن جرير الطبري كما ذكر ذلك الشوكاني في تفسيره فتح القدير (٤٣٧/١) عند قوله تعالى: ﴿ وَإِذْأَ خَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَّبِّئِنَ ... ﴾ آية (٨١) من سورة آل عمران. قال الشوكاني : وأخرج ابن جرير عن علي قال : لم يبعث الله نبياً آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد من محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ، ولينصرنَّه ويأمره فيأخذ العهد على قومه، ثم تلا ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَقَ النَِّنَ ... ﴾ وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس نحوه ، وأخرج ابن أبي حاتم نحوه رقم (٨٧٦) عن ابن عباس ، ورقم (٨٧٧) عن ابن طاووس عن أبيه طاووس، وانظر بقية الروايات في فتح القدير للشوكاني (١/ ٤٣٧). ٢٦٦ كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول اللّه ◌ِيّة) وفي السِّفر الخامس - وهو سفر الميعاد - أن موسى عليه السلام خطبَ بني إسرائيلَ في آخر عمره - وذلك في السنة التاسعة والثلاثين من سني التيه - وذكَّرَهم بأيام الله، وأياديه عليهم ، وإحسانه إليهم ، وقال لهم فيما قال : واعلموا أن الله سيبعثُ لكم نبيّاً من أقاربِكم مثلَ ما أرسلني إليكم ، يأمرُكم بالمعروف ، وينهاكم عن المنكر ، ويُحِلُّ لكم الطيبات ، ويُحرِّم عليكم الخبائث ، فمن عَصَاهُ فله الخزيُ في الدنيا ، والعذابُ في الآخرة . وأيضاً في آخر السِّفر الخامس وهو آخر التوراة التي بأيديهم : جاء الله من طُور سَيناء ، وأشرقَ من ساعير ، واستعلنَ من جبال فاران ، وظهرَ من ربوات قدسه ، عن يمينه نور ، وعن شماله نار ، عليه تجتمع الشعوب . أي : جاء أمرُ الله وشرعه من طُور سيناء - وهو الجبل الذي كلَّم الله موسى عليه السلام عنده - وأشرقَ من ساعير وهي جبال بيت المقدس - المَحلّة التي كان بها عيسى ابن مريم عليه السلام - واستعلنَ ، أي ظهرَ وعلا أمرُه من جبال فاران ، وهي جبالُ الحجاز بلا خلاف ، ولم يكن ذلك إلا على لسان محمد احَظية . فذكر تعالى هذه الأماكن الثلاثة على الترتيب الوقوعي ، ذكر مَحلّة موسى ، ثم عيسى ، ثم بلد محمد وَّة ، ولما أقسم تعالى بهذه الأماكن الثلاثة ذكر الفاضلَ أوّلًا، ثم الأفضلَ منه، ثم الأفضلَ منه على قاعدة القسم ، فقال تعالى: ﴿ وَأَلِينِ وَالزَّتُونِ﴾ والمراد بها محلة بيت المقدس حيث كان عيسى عليه السلام ﴿ وَطُورِ سِيِنِينَ﴾ وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾ [التين: ١ -٣] وهو البلد الذي ابتعث منه محمداً وَجَةٍ . قاله غير واحد من المفسرين في تفسير هذه الآيات الكريمات . وفي زبور داود عليه السلام صفة هذه الأمة بالجهاد والعبادة، وفيه مَثَلٌ ضَربَه لمحمّدٍ وَلَّ، بأنه خِتَام القبّة المبنية، كما وردَ به الحديث في الصحيحينُ(١): ((مَثلي ومثلُ الأنبياء قَبلي كمَثَلِ رجلٍ بنى داراً فأكملَها إلا موضِعَ لَبِنَةِ . فجعلَ الناسُ يُطيفون بها ويقولون : هلّ وضعت هذه اللَّبنة ؟ )) ومِصداقُ ذلك أيضاً في قوله تعالى: ﴿ وَلَكِن ◌َّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيْئِنُّ﴾ [ الأحزاب: ٤٠]. وفي الزبور صفةُ محمّد ◌َّه بأنه ستنبسطُ نبوّتُه ودعوتُه وتنفذُ كلمتُه من البحر إلى البحر ، وتأتيه الملوكُ من سائر الأقطار طائعينَ بالقرابين والهدايا ، وأنه يُخَلِّصُ المضطرَ ، ويَكشفُ الضُّرَّ عن الأمم ، ويُنقذُ الضعيفَ الذي لا ناصرَ له ، ويُصَلّى عليه في كل وقت ، ويُبارِك الله عليه في كلّ يوم ، ويَدوم ذكرُه إلى الأبد. وهذا إنما ينطبق على محمد اليه . (١) رواه البخاري رقم (٣٥٣٥). ومسلم رقم (٢٢٨٦ و٢٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وهو في مسند أحمد (٣٩٨/٢) . ٢٦٧ كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سُئل عنها رسول اللّه ◌َزائر) وفي صحف شعيا عليه السلام في كلام طويل فيه معاتبة لبني إسرائيل ، وفيه : فإني أبعثُ إليكم وإلى الأمم نبيَّاً ليس بفظُّ ولا غليظ القلب، ولاسخَّابٍ في الأسواق، أُسَدِّده لكل جميل، وأهبُ له كلَّ خُلُقٍ كريم ، ثم أجعلُ السكينةَ لباسَه ، والبِرَّ شعارَه ، والتقوى في ضميره ، والحكمَ معقولَه ، والوفاءَ طبيعتَه ، والعدلَ سيرتَه ، والحقَّ شريعتَه، والهدى مِلَّتَه ، والإسلام دينَه ، والقرآنَ كتابَه ، أحمدُ اسمه ، أهدي به من الضلالة ، وأرفعُ به بعدَ الخمالة ، وأجمعُ به بعد الفرقة ، وأؤلّفُ به بين القلوب المختلفة ، وأجعلُ أمّتَه خيرَ أمّةٍ أُخرجت للناسِ ، قرابينُهم دماؤهم ، أناجيلُهم في صدورهم ، رهباناً بالليل ، ليوثاً بالنهار ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [ الحديد: ٢١]. وفي الفصل العاشر من كلام شعيا : يدوسُ الأممَ كدوس البَّادر ، ويُنزلُ البلاءَ بمشركي العرب ، ويَنهزمون قدّامه . وفي الفصل السادس والعشرين منه : ليفرح أرضَ البادية العطشى ، ويعطي أحمد محاسن لبنان ، ويرون جلال الله ببهجته . وفي صحف إلياس عليه السلام : أنه خرج مع جماعة من أصحابه سائحاً ، فلما رأى العربّ بأرض الحجاز قال لمن معه : انظروا إلى هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة ، فقالوا : يا نبيَّ الله ، فما الذي يَكون مَعبودُهم ؟ فقال : يُعظمون ربَّ العزة فوقَ كل رابية عالية . ومن صحف حزقيل : إن عبدي خيرتي أنزل عليه وحيي ، يُظهر في الأمم عدلي ، اخترتُه واصطفيتُه لنفسي ، وأرسلتُه إلى الأمم بأحكام صادقة . ومن كتاب النبوات : أن نبياً من الأنبياء مرّ بالمدينة فأضافَه بنو قريظة والنضير ، فلما رآهم بكى ، فقالوا له : ما الذي يُبكيك يا نبيَّ الله ؟ فقال: نبيِّ يَبعثه الله من الحرّة، يُخَرِّبُ دیارَ كم ويَسبي حریمکم ، قال : فأرادَ اليهودُ قتلَه فهربَ منهم . ومن كلام حزقيل عليه السلام : يقول الله : من قبل أن صوَّرتُك في الأحشاء قدَّستُك ، وجعلتك نبيّاً ، وأرسلتُك إلى سائر الأمم . وفي صحف شعيا أيضاً ، مثلٌ مضروب لمكّة شرَّفها الله : افرحي يا عاقرُ بهذا الولد الذي يَهَبُه لكِ ربُّك ، فإن ببركته تتسعُ لك الأماكن ، وتثبتُ أوتادُك في الأرض ، وتعلو أبوابُ مساكنك، ويأتيك مُلوكُ الأرض عن يمينك وشمالِك بالهدايا والتقادم ، وولدُك هذا يرثُ جميعَ الأمم ، ويملك سائر المدنِ والأقاليم ، ولا تَخافي ولا تحزني ، فما بقي يلحقُكِ ضيمٌ من عدوٌّ أبداً ، وجميعُ أيام تَرَمُّلك تنسيها . وهذا كله إنما حصلَ على يدي محمد ◌ََّ، وإنما المرادُ بهذه العاقر مكة، ثم صارت كما ذُكر في هذا ٢٦٨ كتاب دلائل النبوة ( باب: المسائل التي سئل عنها رسول الله الحالية) الكلام لا محالة . ومن أرادَ من أهل الكتاب أن يصرفَ هذا ويتأوّله على بيت المقدس ، فهذا لا يناسبُه من كلّ وجه ، والله أعلم . وفي صحف أرميا : كوكبٌ ظهرَ من الجنوب ، أشعتُه صواعق ، سِهامُه خوارق ، دُكَّت له الجبال . وهذا المراد به محمد الله. وفي الإنجيل يقولُ عيسى عليه السلام : إني مُرتقٍ إلى جناتِ العُلى ، ومرسلٌ إليكم الفارقليط ، روحُ الحقِّ يُعلّمكُم كلَّ شيءٍ ، ولم يقل شيئاً من تلقاء نفسه . والمراد بالفارقليط محمدٌ صلوات الله وسلامه عليه ، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال : ﴿ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِى مِنْ بَعْدِى أَسْمُهُ، أَعْمَدٌ ﴾ [ الصف: ٦]. وهذا بابٌ متسع ، ولو تقصّينا جميعَ ما ذكرَه الناسُ لطالَ هذا الفصلُ جداً، وقد أشرنا إلى نُبُذٍ من ذلك يَهتدي بها من نوَّرَ الله بصيرَته، وهدَاه إلى صراطه المستقيم ، وأكثرُ هذه النصوص يعلمُها كثيرٌ من علمائهم وأحبارهم ، وهم مع ذلك يتكاتمُونها ويُخفونها . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي(١): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن موسى بن الفضل قالا: حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدَّثنا محمد بن عبيد الله بن أبي داود المُنادي ، حدَّثنا يُونس بن محمد المُؤَدِّب ، حذَّثنا صالح بن عمر ، حدَّثنا عاصم بن كُليب ، عن أبيه ، عن الفلتان بن عاصم ، قال : كنا جلوساً عند النبيِّ وَّهِ، إذ شخصَ بصرُه إلى رجلٍ فدعَاه، فأقبلَ رجلٌ من اليهود مُجتمعٌ عليه قميصٌ وسراويلُ ونعلالُ(٢) . فجعلَ يقول: يا رسولَ الله، فجعلَ رسولُ اللهِ له يقول: ((أتشهدُ أني رسولُ الله؟ )) فجعلَ لا يقولُ شيئاً إلا قال: يا رسول الله، فيقولُ: ((أتشهد أني رسولُ الله؟ )) فيأبى، فقال رسولُ الله ◌َفيِ: ((أتقرأُ التوراة؟)) قال: نعم، قال: ((والإنجيل؟)) قال: نعم، والفرقان وربّ محمد لو شئتُ لقرأتُه. قال: (( فأنشدُك بالذي أنزلَ التوراة والإنجيلَ - وأشياء حَلَّفَه بها - تجدني فيهما؟ )) قال: نجدُ مثلَ نَعتِكَ، يخرجُ من مَخرجِك، كنا نرجو أن يكون فينا ، فلما خرجتَ رأينا أنَّك هو، فلما نظرنا إذا أنتَ لستَ به، قال: ((من أين؟ )) قال: نجدُ من أمّتك سبعين ألفاً يدخلون الجنَّة بغير حساب، وإنما أنتم قليل، قال: فهلَّلَ رسول الله وَّهِ وكَبَّر، وهلَّلَ وكَبَّر، ثم قال: (( والذي نفسُ محمّدٍ بيده إني لأنا هو، وإنَّ من أمّتي لأكثر من سبعين ألفاً وسبعين وسبعين(٣) . (١) دلائل النبوة (٦/ ٢٧٣). (٢) ((ونعلان)): ليست في دلائل البيهقي. (٣) ورواه ابن حبان رقم (٦٥٨٠). والبزار رقم (٣٥٥٤). والطبراني في الكبير (١٨/ ٨٥٤) وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٤٢/٨) و (٤٠٧/١٠ , ٤٠٨) : رواه البزار ورجاله ثقات . وهو حديث حسن . ٢٦٩ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به معينة من الكائنات المستقبلة ... ) حديث في جوابه عليه الصلاة والسلام لمن سأل عما سأل ، قبلَ أن يسألَه عن شيء منه قال الإمام أحمد(١): حدَّثنا عفان، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة ، أخبرنا الزبير أبو عبد السلام ، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز - ولم يسمعه منه - قال : حدَّثني جلساؤُه وقد رأيتُه ، عن وابصة الأسدي ، وقال(٢) عفان: حذَّثنا٣) غيرَ مرّة ولم يقل: حدَّثني جلساؤه ، قال : أتيتُ رسولَ الله وَّهِ وأنا أُريدُ ألَّ أدعَ شيئاً من البِرِّ والإثم إلا سألتُه عنه، وحولَه عصابةٌ من المسلمين يستفتُونه ، فجعلتُ أتخطَّاهم ، فقالوا: إليك يا وابصةُ عن رسول الله ، فقلتُ : دعوني فأدنو منه ، فإنه أحبُّ الناس إليَّ أن أدنوَ منه، قال: (( دعوا وابصةً، ادنُ يا وابصةَ)) مرتين أو ثلاثاً ، قال : فدنوتُ منه حتى قعدتُ بين يديه ، فقال: (( يا وابصةُ أخبرُك أم تسألُني؟)) فقلت: لا، بل أخبرني. فقال: (( جئتَ تسألُ عن البرِّ والإثم)) فقلت: نعم، فجمعَ أناملَه فجعلَ ينكتُ بهِنَّ في صدري ويقول: (( يا وابصةُ ، استفتِ قلبكَ واستفتِ نفسكَ - ثلاث مرات - البِرُ ما اطمأنت إليه النفسُ، والإثمُ ما حاكَ في النفس وتردّدَ في الصدر ، وإن أفتاكَ الناسُ وأفتوكَ )(٤) . باب ما أخبر به ◌ُّله من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده فوقعت طِبق ما أخبر به سواءً بسواء وهذا باب عظيم لا يُمكن استقصاءُ جميع ما فيه لكثرتها ، ولكن نحن نُشير إلى طرفٍ منها ، وبالله المستعان، وعليه التكلان ، ولا حولَ ولا قوّة إلا بالله العزيز الحكيم ، وذلك منتزع من القرآن ، ومن الأحاديث . أما القرآن ، فقال تعالى في سورة المزمل - وهي من أوائل ما نزل بمكة - ﴿عَلِمَ أَلَّنْ تُخْصُوهُ فَنَابَ عَلَيْكٌ (١) في المسند (٢٢٨/٤). (٢) في المسند : قال . (٣) في المسند : حدَّثني . (٤) إسناده ضعيف جداً، الزبير أبو عبد السلام هو الزبير بن جواتشير، ضعفه الدولابي في الكنى (٧٢/٢) ، وسماه ابن حبان أيوب بن عبد السلام ( المجروحين ١/ ٦٥) فذكر الدار قطني أنه هو ( كما في الموضوعات لابن الجوزي ١/ ١٢٧)، وهو بعد ذلك منقطع فإن الزبير هذا على ما فيه لم يسمع من أيوب بن عبد الله بن مكرز . ٢٧٠ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به محطة من الكائنات المستقبلة ... ) فَاقْرَءُواْ مَا تَبَسَرَ مِنَ الْقُرْءَانِ عَلِمَ أَن سَبَّكُونُ مِنْكُ مَّرْضَىْ وَءَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِ الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَءَآخَرُونَ يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلٍ اللَّهِ﴾ [ المزمل: ٢٠] ومعلوم أن الجهاد لم يُشرع إلا بالمدينة بعد الهجرة. وقال تعالى في سورة اقتربت - وهي مكية - ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ (١) سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبْرَ ﴾ [ القمر : ٤٤ _ ٤٥] ووقعَ هذا يوم بدر، وقد تلاها رسولُ اللهَ وَ لِّ وهو خارجٌ من العريشِ، ورماهم بقبضةٍ من الحَصبَاء فكان النصرُ والظّفرُ ، وهذا مِصداقُ ذاك . وقال تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَآ أَبِىِ لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿ مَآ أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (®)سَيَصْلَى نَارَّاذَاتَ لَبٍ وَأَمْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٥ فِى جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ [المد: ١ - ٥] فأخبرَ أن عمَّه عبد العـ المطلب - المُلقَّب بأبي لَهب - سيدخلُ النار هو وامرأته ، فقدَّر الله عزَّ وجلَّ أنهما ماتا على شركهما لم يُسلما ، حتى ولا ظاهراً ، وهذا من دلائل النبوة الباهرة . وقال تعالى: ﴿ قُل لَّيِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِسُ وَالْحِنُّ عَلَى أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هَذَا اُلْقُرْءَانِ لَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ، وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيْرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] وقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِن كُنتُمْ فِ رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ، وَادْعُواْ شُهَدَآءَ كُمْ مِن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَنْ تَفْعَلُواْ﴾ الآية [البقرة: ٢٣ - ٢٤]، فأخبرَ أن جميعَ الخليقة لو اجتمعوا ، وتعاضَدُوا وتناصَروا وتعاونوا على أن يأتوا بمثل هذا القرآن في فصاحتِه وبلاغتِهِ ، وحلاوتِه وإحكام أحكامِه ، وبيان حَلاله وحَرامه ، وغير ذلك من وجوه إعجازه ، لما استطاعوا ذلك ، ولما قَدَروا عليه ولا على عَشرِ سورٍ منه ، بل ولا سورةٍ ، وأخبرَ أنهم لن يفعلوا ذلك أبداً، ولن لنفي التأبيد(١) في المستقبل ، ومثل هذا التحدّي ، وهذا القطع ، وهذا الإخبار الجازم ، لا يصدرُ إلا عن واثقٍ بما يُخبر به ، عالم بما يقوله، قاطعٍ أن أحداً لا يُمكنه أن يعارضه ، ولا يأتي بمثل ما جاء به عن ربه عزّ وجلّ . وقال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا أُسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِى أَرْتَضَى لَهُمْ وَيُبَدِّلَهُم مِّنْ بَعْدٍ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [ النور: ٥٥] الآية، وهكذا وقع سواءٌ بسواء ، مَكَّنَ الله هذا الدين وأظهره ، وأعلاه ونشرَه في سائر الآفاق، وأنفذَه وأمضاه ، وقد فسَّرَ كثيرٌ من السلف هذه الآية بخلافة الصديق ، ولا شكّ في دخوله فيها ، ولكن لا تختصُّ به ، بل تعمُّه كما تعمُّ غيرَه ، كما ثبت في الصحيح ( إذا هلكَ قيصرُ فلا قيصرَ بعدَه ، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعدَه ، والذي نفسي بيده لننفقنَّ كنوزَهما في سبيل الله (٢) وقد كان ذلك في زمن الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وأرضاهم . (١) كذا في الأصل ، والصحيح أن يقال : ولن لنفي الفعل في المستقبل . (٢) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٩١٨) في الفتن وأشراط الساعة، ولفظه: (( وقد مات كسرى فلا كسرى بعدَه، وإذا هلك قیصر )» وتتمته سواء . - ٢٧١ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به مائة من الكائنات المستقبلة ... ) وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [ التوبة: ٣٣] وهكذا وقع وعمَّ هذا الدين، وغلبَ وعلا على سائر الأديان ، في مشارق الأرض ومغاربها ، وعلت كلمتُه في زمن الصحابة ومَن بعدَهم ، وذلَّت لهم سائرُ البلاد ، ودان لهم جميعُ أهلها ، على اختلاف أصنافهم ، وصارَ الناسُ إما مؤمنٌ داخلٌ في الدين ، وإما مُهادِنٌ باذلٌ الطاعةَ والمال ، وإما مُحاربٌ خائفٌ وَجِلٌ من سَطوة الإسلام وأهله . وقد ثبت في الحديث : ((إن الله زوى لي الأرضَ مشارقَها ومغاربها ، وسيبلغ ملكُ أمتي ما زوى لي منها ( ١). وقال تعالى: ﴿ قُل لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَبِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ نُقَسِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [ الفتح: ١٦] الآية، وسواء كان هؤلاء هوازن أو أصحاب مُسيلمة ، أو الروم ، فقد وقعَ ذلك . وقال تعالى: ﴿ وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ، وَكَفَّ أَبْدِىَ النَّاسِ عَنكُمْ وَلِتَكُونَ ءَايَةٌ لِلْمُؤْمِينَ وَبَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٨) وَأُخْرَى لَمْ نَقْدِرُواْ عَلَيْهَا قَدْ أَحَاَ اَللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرًا ﴾ [ الفتح: ٢٠ - ٢١] وسواء كانت هذه الأخرى خيبرَ أو مكةً، فقد فُتحت وأُخذت كما وقع به الوعد سواءٌ بسواء . وقال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ عَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَّخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا فَرِيبًا﴾ [ الفتح: ٢٧] فكان هذا الوعدُ في سنة الحُديبية عامَ ست ، ووقعَ إنجازه في سنة سبع عام عُمرة القضاء كما تقدم . وذكرنا هناك الحديثَ بطوله ، وفيه أن عمر قال: يا رسولَ الله ألم تكن تُخبرُنا أنا سنأتي البيتَ ونطوفُ به؟ قال: (( بلى ، أفأخبرتُك أنك تأتيه عامَك هذا؟)) قال: لا، قال: ((فإنَّك تأتيه وتطوفُ به (٢) . وقال تعالى: ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَِّفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [ الأنفال: ٧] وهذا الوعد كان في وقعة بدر لمَّا خرجَ رسولُ اللهِوَ لَ من المدينة ليأخذَ عيرَ قريش، فبلغَ قريشاً خروجُه إلى عيرهم، فنَفروا في قريبٍ من ألف مُقاتل، فلما تحقَّقَ رسولُ اللهِ وَ وأصحابُه قدومَهم وعدَه الله إحدى الطائفتين أن سيُظفِره بهم٣ُ)، إما العيرُ وإما النفيرُ، فودَّ كثيرٌ من الصحابة - ممن كان (١) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٩٢٠) و (٢٨٨٩) في الفتن وأشراط الساعة، ولفظه: ((إن الله زوى لي الأرض، فرأيت مشارقها ومغاربها )) ورواه الترمذي في الجامع رقم (٢١٧٦) في الفتن ، وأبو داود في سننه رقم (٤٢٥٢) في الفتن ، وهو عند أحمد في المسند (٢٧٨/٥) . (٢) تقدم ذلك في السيرة النبوية . (٣) كذا في (أ) وفي المطبوع : سيظفره بها . ٢٧٢ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به ◌ِخة من الكائنات المستقبلة ... ) معه - أن يكونَ الوعدُ للعير، لما فيه من الأموال وقلّةِ الرجال ، وكرهوا لقاءَ النفير ، لما فيه من العَدد والعُدد، فخَارَ الله لهم وأنجزَ لهم وعدَه في النفير، فأوقع بهم بأسَه الذي لا يُرَدّ ، فَقُتِلَ من سَراتِهم سبعون، وأُسِرَ سبعون، وفادُوا أنفسَهم بأموال جزيلة ، فجمعَ لهم بين خيري الدنيا والآخرة ، ولهذا قال تعالى: ﴿ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَ الْحَقَّ بِكَلِّمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ﴾ [ الأنفال: ٧] . وقد تقدم بيان هذا في غزوة بدر . وقال تعالى: ﴿يََّتُهَا النَّبِىُّ قُل لِّمَن فِىّ أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىَ إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِعَّاً أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ الأنفال: ٧٠] وهكذا وقع ؛ فإن الله عوَّضَ مَن أسلمَ منهم بخير الدنيا والآخرة . ومن ذلك ما ذكره البخاريٌّ(١) أنَّ العباسَ جاءَ إلى رسول اللهِوَ لَهفقال: يا رسولَ الله، أعطني ، فإني فاديتُ نفسي، وفاديتُ عَقيلاً، فقال له : ((خذ )) فأخذَ في ثوبٍ مقداراً لم يُمكنهُ أن يُقِلَّه ، ثم وضعَ منه مرةً بعد مرةٍ حتى أمكنَه أن يحملَه على كاهله ، وانطلقَ به كما ذكرناه في موضعه مبسوطاً . هذا من تصديق هذه الآية الكريمة . وقال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: ﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، وهكذا وقعَ ، عوَّضَهم الله عما كان يغدو إليهم مع حُجَّاج المشركين ، بما شرَعه لهم من قتال أهل الكتاب ، وضَربِ الجِزية عليهم ، وسلبِ أموالِ من قُتل منهم على كفره ، كما وقع بكفّار أهل الشام من الروم وَمَجوس الفرس ، بالعراق وغيرها من البلدان التي انتشرَ الإسلام على أرجائها ، وحكم على مدائنها وفَيفَائها ، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِىّ أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ ◌ِظْهِرَهُ عَلَى الّذِينِ كُلِّهِ، وَلَوْ كَرِهَ اُلْمُشْرِكُونَ﴾ [ التوبة: ٣٣ ] . وقال تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِلَّهِ لَكُمْ إِذَا أَنْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُواْ عَنْهُمْ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌُ﴾ الآية [ التوبة: ٩٥]، وهكذا وقع، لمَّا رجعَ ﴾ من غزوة تبوك، كان قد تخلَّفَ عنه طائفةٌ من المنافقين ، فجعلوا يَحلِفون بالله لقد كانوا معذورينَ في تخلّفهم ، وهم في ذلك كاذبون ، فأمرَ الله رسولَه أن يُجرِيَ أحوالَهم على ظاهرها ، ولا يفضحَهم عند الناس ، وقد أطلَعه الله على أعيان جماعةٍ منهم أربعةَ عشرَ رجلاً كما قدَّمناه لك في غزوة تبوك، فكان حُذيفةُ بن اليَمَان ممن يعرفُهم بتعريفه إياه وَله. وقال تعالى: ﴿ وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوَكَ مِنْهَا وَإِذَا لَا يَلْبَثُونَ ◌ِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ [ الإسراء: ٧٦] وهكذا وقع ، لما اشتوروا عليه ليثبتوه ، أو يقتلوه ، أو يُخرجوه من بين أظهرهم ، ثم وقع الرأي على القتل ، فعند ذلك أمر الله رسولَه بالخروج من بين أظهرهم ، فخرجَ هو وصديقُه أبو بكر ، (١) تقدم الحديث . ٢٧٣ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به مة من الكائنات المستقبلة ... ) فَكَمَنا في غار ثورٍ ثلاثاً، ثم ارتحلا بعدَها كما قدَّمنا، وهذا هو المرادُ بقوله: ﴿إِلَّا نَصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اَللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِى أَثْنَيْنِ إِذْهُمَا فِى الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ, عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ مِى الْعُلْيَأْ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ﴾ [التوبة: ٤٠] وهو المراد من قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْبِتُوَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُولٌ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] ولهذا قال: ﴿لَا يَلْبَثُونَ خِلَفَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٦] وقد وقعَ كما أخبرَ فإن الملأ الذين اشتوَرُوا على ذلك لم يلبثوا بمكة بعد هجرته وَ لَه إلا ريثما استقرَّ ركابُه الشريف بالمدينة وتابعه المهاجرون والأنصار، ثم كانت وقعة بدرٍ فقُتلت تلك النفوسُ، وكُسِرَت تلك الرؤوس، وقد كان ◌َلَّ يعلمُ ذلك قبل كونه من إخبار الله له بذلك، ولهذا قال سعدُ بن معاذ لأميّة بن خلف: أما إني سمعتُ محمّداً بِ ◌ّ يذكر أنه قاتلُك ، فقال : أنت سمعتَه ؟ قال : نعم ، قال : فإنه والله لا يكذبُ ، وسيأتي الحدیثُ في بابه . وقد قدَّمنا أنه عليه الصلاة والسلام جعلَ يُشيرُ لأصحابه قبل الوقعة إلى مَصارع القتلى، فما تعدَّى أحدٌ منهم موضعَه الذي أشارَ إليه ، صلوات الله وسلامه عليه . وقال تعالى: ﴿الَّ أَا غُلِبَتِ الزُّوُ ثَ فِيَ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌَ ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينٌَ ٥ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدٌ وَيَوْمَيِدٍ يَفْرَعُ الْمُؤْمِنُونَ : بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اَللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [ الروم: ١ - ٦] وهذا الوعدُ وقعَ كما أخبرَ به ، وذلك أنه لما غَلبت فارسُ الرومَ فرحَ المشركون ، واغتمَّ بذلك المؤمنون ، لأن النصارى أقرب إلى الإسلام من المجوس ، فأخبرَ الله رسوله ◌ِّ بأنَّ الرومَ ستغلبُ الفرسَ بعد هذه المدة بسبع سنين ، وكان من أمر مُراهنةٍ الصدّيق رؤوس المشركين على أن ذلك سيقعُ في هذه المدة، ما هو مشهورٌ كما قرَّرنَاهُ في ((التفسير)(١) فوقعَ الأمرُ كما أخبرَ به القرآن ، غَلبتِ الرومُ فارسَ بعد غَلَبِهِم غَلَباً عظيماً جداً ، وقصّتُهم في ذلك يطولُ بسطها، وقد شرحناها في ((التفسير ) بما فيه الكفاية ، ولله الحمدُ والِمِنّةُ . وقال تعالى: ﴿ سَنُرِيِهِمْ ءَايَتِنَا فِ آَلَفَاقِ وَفِىّ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقٌ أَوَلَمْ يَكْفٍ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [فصلت: ٥٣] وكذلك وقع ، أظهرَ الله من آياتِه ودلائله في أنفس البشر وفي الآفاق بما أوقعَه من الناس بأعداء النبوة ، ومخالفي الشرع ممن كذَّبَ به من أهلِ الكتابين ، والمجوس والمشركين ، ما دلَّ ذوي البصائر والنُّهى على أن محمداً رسول الله حقاً ، وأن ما جاءَ به من الوحي عن الله صدق ، وقد أوقعَ له في صدور أعدائه وقلوبهم رُعباً ومهابةً وخوفاً ، كما ثبتَ عنه في الصحيحين أنه قال: (( نُصرتُ بالرعب (١) تفسير القرآن العظيم؛ لابن كثير (٤٢٢/٣). ٢٧٤ كتب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به حية من الكائنات المستقبلة ... ) مسيرةً شهر (١) وهذا من التأييد والنصر الذي آتاه الله عزَّ وجلَّ ، وكان عدوّه يخافُه وبينه وبينه مسيرة شهر ، وقيل : كان إذا عزمَ على غزو قومٍ أَرعبوا قبل مجيئه إليهم ، ووروده عليهم بشهر ، صلواتُ الله وسلامه عليه دائماً إلى يوم الدين . فَصل وأما الأحاديث الدّالة على إخباره بما وقعَ كما أخبر ، فمن ذلك ما أسلفناه في قصة الصحيفة التي تعاقدت فيها بطونُ قريش ، وتمالؤوا على بني هاشم وبني المطلب ألا يُؤووهم ، ولا يُناكحوهم ، ولا يُبايعوهم، حتى يُسلِّموا إليهم رسولَ الله ◌َِلِ . فدخلت بنو هاشم وبنو المطلب ، بمسلمهم وكافرهم شِعبَ أبي طالب آنِفِينَ لذلك مُمتنعينَ منه أبداً ، ما بَقُوا دائماً ، ما تناسلوا وتَعاقبوا . وفي ذلك عمل أبو طالب قصيدته اللامية التي يقول فيها : وَلَمّا نُقَاتِل دُونَهُ وَنْتَاضِل كَذَبْتُم وَبَيَتِ اللهِ نبزيُ(٢) مُحَمَّداً ونَذْهَلَ عَنْ أَبنائِنَا والحَلائِلِ ونُسلِمُهُ حَتَّى نُصَوَّعَ حَولَهُ يَحُوطُ الذِّمَارَ غيرَ ذَرْبٍ مُواكِلٍ وَمَا تَرْكُ قَومٍ لَا أَبالَكَ سَيّداً ثِمَالُ اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلأرامِلِ وَأَبِيضَ يُستَسْقى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ يَلوذُ بِهِ الهُلَّكُ مِن آلِ هاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ في نِعْمَةٍ وَفَواضِلٍ وكانت قريشٌ قد علّقت صحيفة التعاقد في سقف الكعبة، فسلَّطَ الله عليها الأَرَضَةَ فأكلتْ ما فيها من أسماء الله، لئلا يجتمعَ بما فيها من الظلم والفجور ، وقيل : إنها أكلتْ ما فيها إلا أسماء الله عزّ وجلّ ، فأخبرَ بذلك رسولُ اللهِ وَ﴿ عمَّه أبا طالب، فجاء أبو طالب إلى قريش فقال : إن ابن أخي قد أخبرني بخيرٍ عن صحيفتكم ، فإن الله قد سلَّطَ عليها الأرَضَة فأكلتها إلا ما فيها من أسماء الله ، أو كما قال : فأَحْضِرُوها، فإن كان كما قال وإلا أسلمتُه إليكم، فأنزلُوها ففتحوها فإذا الأمرُ كما أخبرَ به رسولُ الله وَل فعند ذلك نقضُوا حكمَها ودخلتْ بنو هاشم وبنو المطلب مكة ، ورجعوا إلى ما كانوا عليه قبل ذلك ، كما أسلفنا(٣) ذكرَه ، ولله الحمد . ومن ذلك حديثُ خبّاب بن الأرت، حين جاء هو وأمثالهُ من المستضعفين يَستنصرون النبيَّ ◌َّ ، وهو يتوَسَّدُ رداءَه في ظلِّ الكعبة فيدعو لهم لما هم فيه من العذاب والإهانة ، فجلسَ مُحْمَرَّاً وجهُه وقال : (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٣٥) في التيمم، ومسلم في صحيحه رقم (٥٢١) في المساجد . (٢) كذا في (أ)، و((نبزي)): نقهر. وفي نسخة ((يُبْزى. (٣) تقدم ذلك في قسم السيرة النبوية . ٢٧٥ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به خلة من الكائنات المستقبلة ... ) ((إن من كان قبلكم كان أحدُهم يُشقُّ باثنتين، ما يصرفُه ذلك عن دينه ، والله ليتمَّنَّ الله هذا الأمرَ ولكنكم تَستعجلون)(١) ومن ذلك الحديث الذي رواه البخاري : حدَّثنا محمد بن العلاء ، حدَّثنا حمَّادُ بن أسامة ، عن بُرَيد بن عبد الله بن أبي بُردة، عن أبيه، عن جده أبي بُردة، عن أبي موسى؛ أُراهُ عن النبي ◌ِّ قال: ((رأيتُ في المنام أني أهاجرُ من مكّةَ إلى أرضٍ فيها نخلٌ، فذهبَ وَهَلي (٢) إلى أنها اليَمَامةُ أو هَجَرٌّ ، فإذا هي المدينةُ يَثرب ، ورأيتُ في رؤياي هذه أني هززتُ سيفاً فانقطعَ صدرُه ، فإذا هو ما أُصيبَ من المؤمنينَ يومَ أُحدٍ ، ثم هززتُه أخرى فعادَ أحسنَ ما كان، فإذا هو ما جاءَ به من الفتح واجتماعِ المؤمنينَ ، ورأيتُ فيها بقراً والله خيرٌ ، فإذا هُم المؤمنون يومَ أَحدٍ ، وإذا الخيرُ ما جاء الله به من الخير وثوابِ الصدقِ الذي آتانا الله بعدَ يوم بدر)(٣) . ومن ذلك قصة سعد بن معاذ مع أمية بن خلف حين قدم عليه مكة . قال البخاري : حدَّثنا أحمدُ بن إسحاق ، حدَّثنا عبيد الله بن موسى ، حدَّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن عمرو بن ميمون ، عن عبد الله بن مسعود قال : انطلقَ سعدُ بن معاذ مُعتمراً ، فنزلَ على أُميّةَ بن خلف ، أبي صفوانَ ، وكان أميّةُ إذا انطلقَ إلى الشام فمرَّ بالمدينة نزلَ على سعدٍ ، فقال أميّةُ لسعدٍ : انتظر حتى إذا انتصفَ النهارُ وغفلَ الناسُ انطلقتَ فطفتَ ، فبينما سعدٌ يطوفُ فإذا أبو جهل ، فقال : من هذا الذي يطوفُ بالكعبة ؟ فقال سعدٌ: أنا سعد ، فقال أبو جهل : تطوفُ بالكعبة آمناً وقد آويتُم محمّداً وأصحابَه ؟ فقال : نعم ، فتلاحيا بينهما ، فقال أميّةُ لسعدٍ : لا ترفع صوتك على أبي الحكم فإنه سيّدُ أهل الوادي ، ثم قال سعد: والله لئن منعتني أن أطوفَ بالبيت لأقطعنَّ متجرَّك بالشام ، قال : فجعلَ أميّةُ يقولُ لسعدٍ : لا ترفع صوتك ، وجعل يُمسكه ، فغضِبَ سعدٌ فقال: دعنا عنكَ، فإني سمعتُ محمّداً بَلّهِ يزعمُ أنه قاتلُك، قال: إيايَ؟ قال: نعم ، قال : والله ما يكذبُ محمّدٌ إذا حدَّثَ ، فرجعَ إلى امرأته فقال : أما تعلمينَ ما قال لي أخي اليثربي ؟ قالت : وما قالَ لكَ ؟ قال : زعمَ أنه سمعَ محمّداً يزعمُ أنه قاتلي ، قالت : فوالله ما يكذبُ محمّد ، قال : فلما خرجوا إلى بدر وجاء الصريخُ ، قالت له امرأته : أما ذكرتَ ما قالَ لك أخوك اليثربيُّ ؟ قال : فأرادَ ألا يخرجَ ، فقال له أبو جهل : إنك من أشرافِ الوادي ، فسر يوماً أو يومَين، فسارَ معهم فقتلَهُ الله(٤). (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦١٢) في المناقب ( باب علامات النبوة ). (٢) ((وَهَلي)): ظني، يقال: وَهَل إلى الشيء: إذا ذهب وهمه إليه. (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٢٢) في المناقب، ومسلم في صحيحه رقم (٢٢٧٢) في الرؤيا ، عن أبي موسى، عن النبي ◌ُّ من غير شك. (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٦٣٢) في المناقب . ٢٧٦ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به بحجة من الكائنات المستقبلة ... ) وهذا الحديث من أفراد البخاري ، وقد تقدَّمَ بأبسطَ من هذا السياق . ومن ذلك قصة أبيّ بن خلف الذي كان يعلفُ حِصَاناً له، فإذا مرَّ برسول الله وَّل يقول: إني سأقتلُك عليه ، فيقولُ له رسول الله ◌َّه: ((بل أنا أقتلُك إن شاء الله(١) فقتلَه يوم أحد كما قدَّمنا بسطَه . ومن ذلك إخبارُه عن مَصارع القتلى يومَ بدرٍ كما تقدم الحديثُ في الصحيح ؛ أنه جعل يشيرُ قبلَ الوقعةِ إلى محلها ويقول: ((هذا مصرعُ فلان غداً إن شاء الله، وهذا مصرعُ فلان )(٢) قال : فو الذي بعثَه بالحقِّ ما حادَ أحدٌ منهم عن مكانه الذي أشارَ إليه رسولُ الله ◌َلته . ومن ذلك قولُه لذلك الرجل الذي كان لا يتركُ للمشركين شاذّةً ولا فاذّةً إلا اتبعها ففراها بسيفه ، وذلك يوم أحد ، وقيل : خيبر - وهو الصحيح - وقيل : في يوم حُنين ، فقال الناس : ما أغنى أحدٌ اليوم ما أغنى فلان ، يقال: إنه قَزْمَان، فقال: ((إنه من أهل النار)) فقال بعضُ الناسِ : أنا صاحبُه ، فاتَّبعَه ، فَجُرح ، فاستعجلَ الموتَ ، فوضعَ ذُبَابَ سيفه في صدرِه ثم تحاملَ عليه حتى أنفذَه ، فرجعَ ذلك الرجل فقال: أشهدُ أن لا إله إلا الله وأنَّكَ رسولُ الله، فقال: ((وما ذاك؟ )) فقال: إن الرجلَ الذي ذكرتَ آنفاً كان من أمره كيت وكيتَ . فذكرَ الحديث (٣) ، كما تقدم . ومن ذلك إخبارُه عن فتح مدائن كسرى وقصور الشام وغيرها من البلاد يومَ حَفر الخندق ، لمَّا ضربَ بيده الكريمة تلك الصخرةَ فَبَرِقَت من ضربه ، ثم أخرى ، ثم أُخرى ، كما قدَّمناه(٤) . ومن ذلك إخبارُهُ وَّر عن ذلك الذراعُ(٥) أنه مسمومٌ ، فكان كما أخبرَ به ، اعترف اليهودُ بذلك ، وماتَ من أكلَ معه - بِشْرُ بن البراء بن مَعرور - . ومن ذلك ما ذكرَه عبدُ الرزاق، عن مَعمر ؛ أنه بلغَه أن رسولَ الله ◌ِ لَّ قال ذات يوم: ((اللهم نجِّ (١) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٢٥٨/٣) عن الحاكم أبي عبد الله، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف، ورواه موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، ورواه عبد الرحمن بن خالد بن معافر ، عن ابن شهاب ، عن ابن المسيب . والحديث في سيرة ابن هشام (٣/ ٣٧) ومغازي الواقدي (١/ ٢٥٠) وهو مرسل ، وله شاهد . (٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٧٧٩) في الجهاد ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأبو داود في سننه رقم (٢٦٨١) في الجهاد عن موسى بن إسماعيل . (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٢٠٢) و(٤٢٠٧) في المغازي باب غزوة خيبر. ومعنى لا يترك شاذة ولا فاذة: أي لا يترك عدواً إلا قتله؛ منفرداً كان أو مع الجماعة. ورجح الحافظ ابن حجر أن تكون القصة قد وقعت في غزوة خيبر؛ كما أوردها البخاري. فتح الباري (٧/ ٤٧٢) وقد تقدم هذا الموضوع مستوفى عند ابن كثير في قسم السيرة النبوية . (٤) تقدم ذلك في السيرة النبوية؛ باب معجزاته وم له في غزوة الخندق. (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣١٦٩) في الجزية ، ورقم (٥٧٧٧) في الطب ، ورواه مسلم في صحيحه رقم (٢١٩٠) في السلام . ٢٧٧ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به مة من الكائنات المستقبلة ... ) أصحابَ السفينة (١) ثم مكثَ ساعةً، ثم قال: ((قد استمرَّتْ)) والحديثُ بتمامه في (( دلائل النبوة)) للبيهقي ، وكانت تلك السفينة قد أشرفتْ على الغرق ، وفيها الأشعريون الذين قَدِمُوا عليه وهو بخيبر . ومن ذلك إخبارُه عن قبر أبي رِغَال ، حين مرَّ عليه وهو ذاهبٌ إلى الطائف وأنَّ معه غصناً من ذهب ، فحفرُوه فوجدُوه كما أخبرَ ، صلواتُ الله وسلامه عليه . رواه أبو داود٢) ، من حديث أبي إسحاق ، عن إسماعيل بن أمية ، عن بحر بن أبي بحر ، عن عبد الله بن عمرو به . ومن ذلك قولُه عليه الصلاة والسلام للأنصار ، لمَّا خطبهم تلك الخطبة مسلَّياً لهم عمَّا كان وقعَ في نفوس بَعضِهم من الإيثار عليهم في القِسْمَة لما تألَّفَ قلوبَ من تألَّفَ من ساداتِ العرب ، ورؤوس قريش ، وغيرهم، فقال: ((أما ترضون أن يذهبَ الناسُ بالشاه والبعير ، وتذهبُون برسول الله تَحوزُونه إلى رحالكم؟ (٣). وقال : ((إنكم ستجدون بعدي أثرةً فاصبرُوا حتى تلقوني على الحوض )(٤) . وقال: ((إنَّ الناسَ يكثُرون وتقلّ الأنصار)(٥) . وقال لهم في الخطبة قبلَ هذا على الصفا: ((بل المَحْيَا مَحْيَاكم، والمماتُ مماتكم(٦) . وقد وقع جميعُ ذلك كما أخبرَ به سواءٌ بسواء . وقال البخاري(٧): حدَّثنا يحيى بن بكير، حدَّثنا اللَّيث، عن يونس ، عن ابن شهاب ، قال : وأخبرني سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله وَالَ: ((إذا هَلَكَ كِسْرى فلا كِسْرى بعدَه، وإذا هلك قيصرَ فلا قيصرُ بعدَه ، والذي نفسُ محمّد بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله )) . (١) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٤/١١) رقم (١٩٨٩١) والبيهقي في دلائل النبوة (٢٩٨/٦) عن معمر بلاغاً وفيه: فقال : اللهم نجِّ أصحاب السفينة ، وإسناده منقطع . (٢) رواه أبو داود في سننه رقم (٣٠٨٨) في الخراج، والبيهقي في دلائل النبوة (٦/ ٢٩٧) وذكره الذهبي في ميزان الاعتدال (١/ ٢٩٧) في ترجمة بُجير بن أبي بُجير وإسناده ضعيف (٣) رواه البخاري رقم (٤٣٣١) ومسلم رقم (١٠٥٩) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه . (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٣٧٦) في المساقاة ، ورقم (٣٧٩٤) في مناقب الأنصار ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه ورقم (٣٧٩٢) في مناقب الأنصار، عن أسيد بن حضير ، وهو عند مسلم برقم (١٨٤٥) في الإمارة ، ولفظه عند الجميع إنكم ستلقون بعدي .. . (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٨٠٠) في مناقب الأنصار ، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٦) رواه ابن سعد في الطبقات (٤٢/٢/٢). (٧) في صحيحه (٣٦١٨) في المناقب . ٢٧٨ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به ممثلة من الكائنات المستقبلة ... ) ورواه مسلم(١) عن حرملة ، عن ابن وهب ، عن يونس ، به . وقال البخاري (٢): حدَّثنا قبيصة، حدَّثنا سفيان، عن عبد الملك بن عُمير ، عن جابر بن سمرة ، رفعه : ((إذا هلكَ كِسرى فلا كسرى بعدَه، وإذا هَلَكَ قيصرُ فلا قيصَرَ بعدَه)) وقال: ((لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله )). وقد رواه البخاري أيضاً ومسلم من حديث جرير(٣) ، وزاد البخاري وأبي عَوانة ثلاثتُهم عن عبد الملك بن عمير ، به . وقد وقعَ مِصداقُ ذلك بعدَه في أيامٍ الخلفاء الثلاثة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، استوثقت هذه الممالكُ فتحاً على أيدي المسلمين ، وأنفقتْ أموالُ قيصرَ ملك الروم ، وكسرى ملك الفرس ، في سبيل الله ، على ما سنذكره بعدُ إن شاء الله . وفي هذا الحديث بشارةٌ عظيمة للمسلمين ، وهي أن مُلكَ فارسَ قد انقطعَ فلا عودةَ له ، ومُلك الروم للشام قد زالَ عنها ، فلا يملكوه بعدَ ذلك ، ولله الحمدُ والِمِنّة . وفيه دلالةٌ على صحّة خلافة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، والشهادةُ لهم بالعدل ، حيث أُنفقت الأموال المغنومة في زمانهم في سبيل الله على الوجه المَرضيّ الممدوح . وقال البخاري(٤): حدَّثنا محمد بن الحكم ، حدَّثنا النضر ، حدَّثنا إسرائيلُ ، حدَّثنا سعدٌ الطائيُّ ، أخبرنا مُحِلُّ بن خليفةَ ، عن عديّ بن حاتم ، قال : بينا أنا عند النبيّ ◌ََّ إذ أتاه رجلٌ، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخرُ فشكا إليه قَطْعَ السبيل ، فقال : ((يا عديُّ هل رأيتَ الحِيْرةَ؟ » قلتُ: لم أرَها، وقد أُنبئتُ عنها، قال: « فإن طالتْ بك حياةٌ لترَينَّ الظعينةَ ترتحلُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبة ما تخافُ أحَداً إلا الله عزَّ وجلَّ )) . قلتُ فيما بيني وبين نفسي: فأينَ دُغَّارُ طيىءُ(٥) الذين قد سَعَّرو(٦) البلادَ ؟ ((ولئن طالتْ بك حياةٌ لتفتحنَّ كنوز كسرى)) (١) في صحيحه (٢٩١٨) في الفتن. (٢) في صحيحه (٣٦١٩) في المناقب . (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣١٢١) في الخمس، ومسلم في صحيحه رقم (٢٩١٩) في الفتن ، وجرير هو ابن عبد الحميد الرازي . حديث أبي عوانة أخرجه البخاري في الأيمان والنذور من صحيحه (٦٦٢٩) عن موسى بن إسماعيل عنه . (٤) صحيح البخاري (٣٥٩٥) في المناقب . (٥) («دُعَّار طيىء)): جمع داعر، وهو الشاطر الخبيث المفسد، والمراد قطاع الطرق. (٦) ((سَعَروا)): أوقدوا نار الفتنة، وملؤوا الأرض شراً وفساداً. وقبيلة ((طيىء)) مشهورة، منها عدي بن حاتم رضي = ٢٧٩ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به بث من الكائنات المستقبلة ... ) قلت : كسرى بن هرمز؟ قال: (( كسرى بن هرمز، ولئن طالت بك حياة لترينَّ الرجلَ يُخرجُ مِلءَ كفِّه من ذهبٍ أو فضّةٍ ، يطلبُ من يَقبلُه منه فلا يجدُ أحداً يقبلُه منه، وليلقينَّ الله أحدُكم يومَ يلقاه وليس بينه وبينه ترجمانٌ يُترجم له ، فيقولنَّ له : ألم أبعثْ إليك رسولًا فيُبلِّغْكَ؟ فيقول : بلى، فيقول: ألم أعطِكَ مالًا وولد(١) وأُفضل عليكَ؟ فيقول: بلى، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلا جهنَّمَ، وينظرُ عن يساره فلا يرى إلا جهنَّمَ)). قال عدي: سمعتُ رسولَ اللهِوَلَه يقول: ((اتَّقوا النَّارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لمُ(٢) تجد فبكلمةٍ طيّبة )) . قال عدي : فرأيتُ الظعينةَ ترتحلُ من الحِيرة حتى تطوفَ بالكعبة فلا تخافُ إلا الله عزَّ وجلَّ ، وكنتُ فيمن افتتحَ كنوزَ كسرى بن هرمز، ولئن طالتْ بكم حياةٌ لترونَّ ما قال النبيُّ أبو القاسم بَّ: « يُخرجُ ملَ كفّه )) . ثم رواه البخاري(٣) عن عبد الله بن محمد - هو أبو بكر بن أبي شيبة - عن أبي عاصم النبيل ، عن سَعدان بن بشرٍ ، عن أبي مجاهد - سعد الطائي - عن مُحِلّ عنه ، به . وقد تفرَّد به البخاريُّ من هذين الوجهين . ورواه النسائي٤ّ)، من حديث شعبة، عن مُحِلّ عنه: ((اتقوا النَّار ولو بشق تمرة)). وقد رواه البخاري من حديث شعبة ، ومسلم من حديث زهير ، كلاهما عن أبي إسحاق ، عن عبد الله بن مَعْقِلٍ ، عن عدي مرفوعاً: ((اتقوا النَّارَ ولو بشق تمرةٍ(٥) . وكذلك أخرجاه في الصحيحين(٦) ، من حديث الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن خيثمة ، عن عدي . الله عنه ، وبلادهم ما بين العراق والحجاز ، وكانوا يقطعون الطريق على من مرَّ عليهم بغير جواز ، ولذلك تعجب = عدي كيف تمرُّ المرأة عليهم وهي غير خائفة . (١) كذا بالأصل ، وفي البخاري : ألم أعطِك مالا وأفضل عليك. (٢) كذا بالأصل ، وفي البخاري : فمن لم يجد شِقَّ تمرة فبكلمةٍ طيّبة . (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٤١٣) في الزكاة . (٤) رواه النسائي في سننه (٧٤/٥ - ٧٥) في الزكاة . (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (١٤١٧) في الزكاة واللفظ له، ومسلم في صحيحه رقم (١١١٦) في الزكاة ، ولفظه : من استطاع منكم أن يستترَ من النار ولو بشِقّ تمرةٍ فليفعل . (٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٥٣٩) في الرقاق ، ومسلم في صحيحه رقم (١٠١٦) (٦٧) و(٦٨) في الزكاة ، وكان السند في الأصل : من حديث الأعمش ، عن خيثمة ، عن عبد الرحمن ، عن عدي ، والتصحيح من البخاري ومسلم . ٢٨٠ كتاب دلائل النبوة ( باب: ما أخبر به مية من الكائنات المستقبلة ... ) وفيهما١) ، من حديث شعبة ، عن عمرو بن مرة ، عن خيثمة ، عن عدي ، به . وهذه كلُّها شواهدُ لأصل هذا الحديث الذي أوردناه . وقد تقدم في غزوة الخندق الإخبار بفتح مدائن كسرى وقصوره ، وقصور الشام ، وغير ذلك من البلاد . وقال الإمام أحمد٢): حدَّثنا محمد بن عُبيد، حدَّثنا إسماعيل ، عن قيس ، عن خبّاب قال : أتينا رسولَ الله وَلَه وهو في ظِلِّ الكعبةِ مُتَوَسِّداً بردةً له، فقلنا: يا رسولَ الله، ادعُ الله لنا واستنصِرْه، قال: فاحمَزَّ لونُه أو تغيَّر، فقال: (( لقد كان من قبلَكم تُحفر له الحُفيرةُ، ويُجاء بالميشار فيُوضع على رأسه فيُشقّ ما يصرفُه عن دينه، ويُمْشَط بأمشاط الحديد ما دونَ عظمٍ أو لحمٍ أو عَصَبٍ ما يصرفُه عن دينه ، وليُتِمَّنَّ الله هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ ما بين صنعاءَ إلى حضرَموت ما يَخشى إلا الله والذئبَ على غنمه ، ولكنَّكم تَعجلون )). وهكذا رواه البخاريٌّ(٣) عن مُسَدد، ومحمّد بن المثنى ، عن يحيى بن سعيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، به . ثم قال البخاريُّ في كتاب ((علامات النبوة)): حدَّثنا سعيدُ بن شُرحبيل، حدَّثنا ليث ، عن يزيد بن أبي حَبيب، عن أبي الخير، عن عقبةَ، عن النبيِّ؛ أنه خرج١٤ُ يوماً فصلَّى على أهل أُحُدٍ صلاتَه على المَيّت ، ثم انصرفَ إلى المِنبَرِ فقال: ((أنا) فَرطُكم، وأنا شهيدٌ عليكم ، وإني والله لأنظرُ إلى حَوْضي الآن ، وإني قد أُعطيت مفاتيحَ خزائن الأرض ، وإني والله ما أخافُ بعدي أن تُشْرِكُوا ، ولكني أخافُ أن تَنَافَسُوا فيها)(٦) . وقد رواه البخاري أيضاً ، من حديث حَيوَةَ بن شُريح ، ومسلم ، من حديث يحيى بن أيوب ، كلاهُما عن يزيد بن أبي حَبيب ، كرواية الليث عنه(٧) . ففي هذا الحديث مما نحنُ بصدده أشياء ، منها : أنه أخبرَ الحاضرين أنه فرَطُهم ، أي : المتقدم (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٦٠٢٣) في الأدب، ومسلم في صحيحه (٢/ ٧٠٤) في الزكاة . في المسند (١٠٩/٥) وينظر الدلائل (٣١٥/٦). (٢) (٣) البخاري في صحيحه رقم (٣٦١٢) في المناقب . (٤) في صحيح البخاري: عن النبي وَلَّ خرجَ . (٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٩٦) في المناقب ، باب علامات النبوة. (٥) في صحيح البخاري : إني . (٧) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤٠٤٢) في المغازي ، ومسلم في صحيحه رقم (٢٩٩٦) (٣١) في الفضائل.