النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) فأخذه نبيُّ الله فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الأربع على القدح، ثم قال: ((هلُمُّوا فتوضؤوا )) فتوضأ القومُ حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء ، قال الحسن : سئل أنس كم بلغوا ؟ قال : سبعين أو ثمانين . وهكذا رواه البخاري ، عن عبد الرحمن بن المبارك العَنْسي، عن حَزْم بن مِهْران القُطَعي به(١) طريق أخرى عن أنس : قال الإمام أحمد٢) : حدَّثنا ابن أبي عدي ، عن حميد ويزيد قال : أخبرنا حُميد المَعْنى ، عن أنس بن مالك ، قال : نُودي بالصلاة فقام كلُّ قريب الدار من المسجد ، وبقي من كان أهله نائي الدار، فأُتي رسولُ اللهِ وَّهِ بِمِخْضب من حجارة، فَصَغُرَ أن يَبسطَ كَّه فيه، قال : فضمَّ أصابعه . قال : فتوضأ بقيّتهم . قال حميد : وسُئل أنس : كم كانوا ؟ قال : ثمانين أو زيادة . وقد روى البخاري(٣)، عن عبد الله بن منير ، عن يزيد بن هارون ، عن حُميد ، عن أنس بن مالك ، قال : حضرتِ الصَّلاةُ، فقام من كان قريبَ الدار من المسجد يتوضأ، وبقي قومٌ، فأُتي رسولُ الله ◌ِ له بمِخْضب من حجارة فيه ماء ، فوضع كفَّه ، فَصَغُر المِخْضب أن يبسطَ فيه كفَّه ، فضمَّ أصابعَه فوضعَها في المِخْضب ، فتوضأ القومُ كلُّهم جميعاً . قلت : كم كانوا ؟ قال : كانوا ثمانين رجلاً . طريق أخرى عنه : قال الإمام أحمد(٤): حدَّثنا محمد بن جعفر، حدَّثنا سعيد إملاءً ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك: أن رسولَ الله وَّرَ كان بالزَّوراء، فأُتي بإناء فيه ماء لا يَغمرُ أصابعَه ، فأمرَ أصحابَه يتوضؤوا ، فوضع كفَّ في الماء ، فجعل الماءُ ينبعُ من بين أصابعه وأطراف أصابعه ، حتى توضأ القوم ، قال : فقلت لأنس : كم كنتم ؟ قال : كنا ثلاثمئة . وهكذا رواه البخاري ، عن بُنْدار، عن ابن أبي عدي ، ومسلم عن أبي موسى(٥) ، عن غندر، كلاهما عن سعيد بن أبي عروبة ، وبعضُهم يقول عن شعبة ، والصحيح سعيد ، عن قتادة ، عن أنس ، قال: أُتي رسولُ اللهِ وَ بإناء وهو في الزوراء، فوضع يده في الإناء، فجعلَ الماءُ ينبعُ من بين أصابعه فتوضَّأ القومُ . قال قتادة : فقلت لأنس : كم كنتم؟ قال : ثلاثمئة ، أو زُهَاءَ ثلاثمئة . لفظ البخاري . حديث البراء بن عازب في ذلك: قال البخاري(٦): حدَّثنا مالك بن إسماعيل ، حدَّثنا إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب ، قال : كنا يومَ الحديبية أربعَ عشرة مئة ، والحُدَيبيةُ بئرٌ فنزحناها حتى (١) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧٤) في المناقب . (٢) في المسند (١٠٦/٣). (٣) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧٥) في المناقب. و((المِخْضب)): وعاء كالإجانة. (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧٢) في المناقب، ومسلم في صحيحه رقم (٢٢٧٩) (٧) في الفضائل . (٤) في مسنده (١٧٠/٣). و(( زهاء)) : قدر كذا وما يقاربه. (٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧٧) في المناقب، و(٤١٥١) في المغازي. ١٤٢ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) لم نترك فيها قطرةً، فجلسَ رسولُ الله وَهَ على شفير البئر، فدعا بماء فَمَضْمَضَ ومَجَّ في البئر ، فمكثنا غيرَ بعيد ، ثم استقينا حتى روينا ورَوَتْ - أو صدرت - رِكَابُنا١) . تفرد به البخاري إسناداً ومتناً . حديث آخر عن البراء بن عازب : قال الإمام أحمد: حدَّثنا عقَّان وهاشمُ(٢)، حدَّثنا سليمان بن المغيرة ، حذَّثنا حُميد بن هِلال، حدَّثنا يُونس - هو ابن عُبَيدة مولى محمد بن القاسم - عن البراء قال : كنا مع رسول الله وَّل في سفر، فأتينا على رَكِيٍّ ذَمَّهُ(٣) - يعني قليلة الماء - قال: فنزل فيها ستةُ أناسٍ أنا سادسُهم ومعهم مَاحَةٌ(٤)، فأُدليتْ إلينا دلوٌ قال: ورسولُ الله ◌َيِ على شفا الرَّكيّ، فجعلنا فيها نصفها أو ثلثيها، فرُفعت إلى رسول الله بَّهَ، قال البراء: فكدتُ(٥) بإنائي هل أجدُ شيئاً أجعلُه في حَلْقي ؟ فما وجدتُ، فرُفعت الدلو إلى رسول الله ◌ِّل، فغمسَ يدَه فيها، فقال ما شاءَ الله أن يقول، وأُعيدت إلينا الدلو بما فيها ، قال : فلقد رأيتُ أحدَنا أُخرج بثوبٍ خشيةَ الغرق . قال : ثم ساحتْ ـ يَعني جرتْ نهراً - . تفرد به الإمام أحمد، وإسنادُه جيّد قوي(٦) ، والظاهر أنها قصة أخرى غير يوم الحديبية ، والله أعلم. حديث آخر عن جابر في ذلك : قال الإمام أحمد : حدَّثنا سِنان بن حاتم ، حدَّثنا جعفر - يعني ابن سليمان - حدَّثنا الجَعد أبو عثمان، حدَّثنا أنس بن مالك ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ، قال : اشتكى أصحابُ رسول الله بَّه إليه العطشَ، قال: فدعا بعُسِّ(٧)، فصبَّ فيه شيءٌ من الماء، ووضعَ رسول الله صل﴿ فيه يدَه، وقال: ((استقوا)) فاستقى الناسُ قال: فكنتُ أرى العيونَ تنبعُ من بين أصابع رسول الله اليه . تفرد به أحمد من هذا الوجه . وفي أفراد مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل ، عن أبي حَزْرَة يَعقوب بن مُجاهد ، عن عُبادةَ بن الوليد بن عُبادة ، عن جابر بن عبد الله في حديث طويل ، قال فيه : (١) في البخاري : ركائبنا . (٢) هكذا جمع المصنف بين حديثين للإمام أحمد أحدهما عن عفان عن سليمان (المسند ٢٩٧/٤)، والثانية عن هاشم عن سليمان (المسند ٤/ ٢٩٢) . (٣) ((ركيّ ذَمّة)): بئر قليل الماء. (٤) ((الماحة)): جمع مائح، وهو الذي ينزل في البئر إذا قل ماؤها ، فيملأ الدلو بيده . وفي رواية عفان عن سليمان: فنزلنا فيها ستة أنا سابعُهم ، أو سبعة أنا ثامنهم . قال : ماحة ... (٥) ((كدتُ)): احتلتُ وبالغت في طلب الماء من الدلو. (٦) هكذا جَوّد المصنف إسناده، وفيه نظر، فإن إسناد الحديث ضعيف لجهالة يونس وهو ابن عُبيد مولى محمد بن القاسم الثقفي ، قال ابن القطان : مجهول ، وقال الذهبي : لا يدرى من هو . وقال الحافظ ابن حجر في التقريب : مقبول ( يعني حديث يتابع وإلا فضعيف) ولم يتابع. وينظر تحرير التقريب (١٤٠/٤) (بشار). (٧) ((بعسِّ)): بقدح ضخم . ١٤٣ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) سِرْنا مع رسول الله بَ ◌ّ حتى نزلنا وادياً أَفْيَحُ(١) فذهبَ رسولُ الله ◌ِلّهِ يَقضي حاجته، فاتبعته بإداوةٍ من ماء، فنظرَ رسولُ اللهَ وَ ◌ّه فلم يرَ شيئاً يَسْتترُ به، وإذا بشجرتين بشاطى(٢) الوادي، فانطلق رسولُ اللهِ وَيه إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: (( انقادي عليَّ بإذن الله)) فانقادتْ معه كالبعير المخشوش(٣) الذي يُصَانع قائدَه، حتى أتى الأخرى، فأخذَ بغصنٍ من أغصانها، فقال: (( انقادي عليّ بإذن الله)) فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمنتصف مما بينهما لأمَ بينهما - يعني : جمعهما - فقال : ((التئما عليَّ بإذن الله)) فالتأمتا. قال جابر : فخرجتُ أُحْضِر(٤) مخافةَ أن يُحِسَّ رسولُ الله بقربي فيبتعدَ ، فجلستُ أُحدّث نفسي، فحانت مني لفتةٌ، فإذا أنا برسول الله وَ لَه، وإذا بالشجرتين قد افترقتا، فقامت كلُّ واحدة منهما على ساق ، فرأيتُ رسولَ الله وقفَ وقفةً ، فقال برأسه هكذا: يميناً وشمالاً، ثم أقبلَ ، فلما انتهى إليَّ قال : (( يا جابرُ! هل رأيتَ مَقَامي))؟ قلت: نعم يا رسولَ الله، قال: ((فانطلقْ إلى الشجرتين فاقطع من كلِّ واحدةٍ منهما غُصْناً فأقبل بهما ، حتى إذا قمتَ مَقَامي فأرسلْ غُصناً عن يمينك وغصناً عن شمالك)). قال جابر : فقمتُ فأخذتُ حجراً فكسرتُه وحَسَرْتُهُ(٥) فانذلق (٦) لي، فأتيتُ الشجرتين فقطعتُ من كلّ واحدة منهما غصناً، ثم أقبلتُ حتى قمتُ مَقام رسول الله وََّ ، أرسلتُ غصناً عن يميني وغصناً عن يَساري، ثم لحقتُه فقلت: قد فعلتُ يا رسول الله، قال: فقلت: فلم(٧) ذاك؟ قال: (( إني مررتُ بقبرين يُعذّبان ، فأحببت بشفاعتي أن يُرَفِّ ذلك(٨) عنهما، ما دامَ الغصنان رَطْبين)). قال: فأتينا العسكرَ فقال رسول الله وَ له: ((يا جابرُ نادِ الوَضوءَ(٩) فقلت: ألا وضوءَ، ألا وضوءَ، ألا وضوءَ؟ قال : قلت : يا رسول الله! ما وجدتُ في الركب من قطرة ، وكان رجلٌ من الأنصار يُبَرِّدُ لرسول الله في أَشْجاب١٠ٍ) له على حِمَارٍ(١) من جريد، قال: فقال لي: (( انطلق إلى فلانٍ الأنصاريّ ، (١) ((أفيح)): واسع. (٢) ((بشاطىء الوادي)): بجانبه. (٣) ((كالبعير المخشوش)): هو الذي يُجعل في أنفه خشاش، وهو عود يجعل في أنف البعير إذا كان صعباً، ويُشد فيه حيلٌ ليذل وينقاد ، وقد يتمانع لصعوبته ، فإذا اشتد عليه وآلمه انقاد شيئاً ، ولهذا قال : الذي يُصانع قائده . (٤) ((أحْضِرُ)) : أعدو وأسعى سَعياً شديداً. ((حسرته)) : أي أحددته ونحيت عنه ما يمنع حدته ، بحيث صار مما يمكن قطع الأغصان به . (٥) (٦) ((فانذلق)): أي صار حادّاً. (٧) في صحيح مسلم : فعمَّ ذاك ؟. (٨) في صحيح مسلم : أن يُرَفَّهَ : أي يُخفف . (٩) في صحيح مسلم : نادٍ بوضوء . (١٠) (( أشجاب له)): جمع شِجَاب ، وهو السقاء الذي قد أخلق وبلي وصار شناً. (١١) ((حمَارة)): هي أعواد تعلق عليها أسقية الماء. ١٤٤ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) فانظرْ هل ترى في أشجابه من شيء؟ )) قال: فانطلقتُ إليه فنظرتُ فيها فلم أجد فيها إلا قطة في عَزْلاءٍ(١) - شَجَبٍ منها - لو أني أفرغته لشربَه يا بِسُه، فأتيتُ رسولَ الله فقلت: يا رسول الله! لم أجدْ فيها إلا قطرةً في عَزْلاءِ شَجَبٍ منها ، لو أني أفرغتُه لشربَه يا بسُهُ. قال: ((اذهبْ فائْتِني به)) فأتيتُه فأخذَه بيده فجعلَ يتكلّم بشيءٍ لا أدري ما هو، ويغمزُ بيده(٢)، ثم أعطانيه فقال: (( يا جابرُ! نادِ بجفنةٍ )) فقلتُ: يا جفنةً الرَّكبِ ، فأُتيتُ بها تُحمل ، فوضعتُها بين يديه ، فقال رسولُ الله بيده في الجَفْنة هكذا ، فبسطَها وفرَّقَ بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: ((خذْ يا جابرُ، فصُبَّ عليَّ، وقل: باسم الله)) فصيبتُ عليه وقلت: باسم الله، فرأيتُ الماء يفورُ من بين أصابعِ رسولِ الله وَّر، ثم فارتِ الجفنةُ ودارت حتى امتلأت فقال: ((يا جابر! نادٍ من كانت له حاجةٌ بماء )) قالَ: فأتى الناسُ فاستقَوْا حتى رَؤُوا ، فقلت : هل بقي أحد له حاجة؟ فرفعَ رسولُ اللهِوَلِّ يدَه من الجفنة وهي ملأى . قال: وشكا الناسُ إلى رسول اللهَ بَّ الجوعَ، فقال: ((عسى الله أن يُطعمَكم)) فأتينا سَيْفَ (٣) البحر ، فزجرَ زجرةً ، فألقى دابةً فأَوْرَينا على شِقّها النارَ ، فطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا ، قال جابر : فدخلتُ أنا وفلان وفلان وفلان ، حتى عدَّ خمسةً في مَحاجرِ عَيْنها ما يَرانا أحد ، حتى خرجنا وأخذنا ضِلْعاً من أضلاعِها فقَوَّسناه ، ثم دعونا بأعظم رجل في الركب ، وأعظم جمل في الركب ، وأعظم كِفْل في الركب ، فدخل تحتها ما يُطأطىءُ رأسَه(٤) . وقال البخاري(٥): حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدَّثنا عبد العزيز بن مسلم، حدَّثنا حُصين ، عن سالم بن أبي الجَعْد ، عن جابر بن عبد الله، قال: عَطِشَ الناسُ يوم الحديبية والنبيُّ مَّه بين يديْه ركوة نتوضأ فجهش الناس نحوه قال: (( ما لكم ؟ )) قالوا : ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك ، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا ، قلت : كم كنتم ؟ قال : لو كنا مئة ألف لكفانا ، كنا خمس عشرة مئة . وهكذا رواه مسلم من حديث حُصين(٦). وأخرجاه(٧) من حديث الأعمش . زاد مسلم(٨): وشعبة ، ثلاثتهم عن سالم ، عن جابر ، به . وفي رواية الأعمش كنا أربع عشرة مئة . (١) ((عزلاء)): فم القربة والسِّقاء. (٢) ((يغمز)): يعصر. ((سيف البحر)) : ساحله . (٣) (٤) رواه مسلم في صحيحه رقم (٣٠١٢) في الزهد والرقائق (باب حديث جابر الطويل). ٠ (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧٦) في المناقب. (٦) في صحيحه رقم (١٨٥٦) (٧٣) في الإمارة . (٧) رواه البخاري في صحيحه رقم (٤١٥٤) في المغازي، ومسلم في صحيحه رقم (١٨٥٦) (٧٤). وسالم هو ابن أبي الجَعْد . (٨) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٨٥٧) في الإمارة . ١٤٥ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) وقال الإمام أحمد(١): حدَّثنا يحيى بن حماد، حدَّثنا أبو عوانة، عن الأسود بن قيس ، عن شقيق العبدي؛ أن جابر بن عبد الله قال: غزونا - أو سافرنا - مع رسول الله وَلَه، ونحن يومئذ بضعَ عشرَة ومئتان، فحضرت الصَّلاةُ، فقال رسول الله وَ لّ: ((هل في القوم من ماء؟)) فجاءَه رجلٌ يَسعى بإداوة فيها شيء من ماء. قال: فصبّه رسولُ الله ◌َّه في قدح. قال: فتوضأ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ فأحسنَ الوضوءَ، ثم انصرف وتركَ القدحَ، فركبَ النَّاسُ القدحَ تمسّحوا وتمسّحوا، فقال رسول اللهَوَ ◌ّل: ((على رِسْلكم)) حين سمعهم يقولون ذلك، قال: فوضع رسولُ اللهَوَّل كفَّه في الماء، ثم قال رسول الله وَّر: باسم الله)) ثم قال: ((أسبغوا الوضوء)). قال جابر: فوالذي هو ابتلاني ببصري، لقد رأيتُ العيونَ عيونَ الماء يومئذٍ تخرجُ من بين أصابع رسول الله وَ لّره، فما رفعها حتى توضؤوا أجمعون. وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد(٢) ، وظاهره كأنه قصة أخرى غير ما تقدم . وفي صحيح مسلم، عن سلمة بن الأكوع، قال: قدمنا الحديبيةَ مع رسول الله وَلَه، ونحن أربع عشرة مئة - أو أكثر من ذلك(٣) - وعليه خمسون شاة لا تُزويها، فقعد رسول الله على شفاء) الركية ، فإما دعا وإما بصق فيها قال : فجاشت ، فسقينا واستقين(٥) وفي صحيح البخاري ، من حديث الزهري ، عن عروة عن المِسوَر ومروان بن الحكم ، في حديث صُلح الحديبية الطويل: فعدلَ عنهم رسولُ الله ◌َِ﴿ حتى نزلَ بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ(٦) قليلِ الماءِ يَتَبَرَّضه تَبَرُّض٧ً)، فلم يُلَبِّثْه الناسُ حتى نزحوه، وشكوا إلى رسول اللهِوَّه العطشَ، فانتزعَ سهماً من كِنانته ، ثم أمرهم أن يجعلوه فيه ، والله ما زالَ يجيشُ لهم بالرِّيّ حتى صدروا عنه (٨) . وقد تقدَّم الحديثُ بتمامه في صُلْح الحديبية ، فأغنى عن إعادته . (١) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٩٢/٣). (٢) هكذا اقتصر المصنف على تجويد إسناده ولم يصححه ، وكأن ذلك بسبب نبيح بن عبد الله العنزي الذي قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب : مقبول . وفي هذا التجويد وفي قول الحافظ مقبول نظر ، فإن نبيحاً هذا ثقة ، وثقه أبو زرعة الرازي - وناهيك به - وذكره ابن حبان والعجلي في الثقات ، وصحح حديثه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان ، وقد جهله ابن المديني ، وهو مدفوع بما ذكرنا من التوثيق والتصحيح . (ينظر تحرير التقريب ٤/ ١٠) ، فإسناد الحديث صحيح إن شاء الله تعالى (بشار). في صحيح مسلم (٣/ ١٤٣٣) لا وجود لهذا الشك، وإنما قال جازماً : ونحن أربع عشرة مئة . (٣) (٤) كذا بالأصل ، وفي صحيح مسلم : على جبا الركيّة . والجبا : ما حول البئر . (٥) رواه مسلم في صحيحه رقم (١٨٠٧) في الجهاد ، وهو حديث طويل ، ذكر منه ابن كثير محل الشاهد . (٦) ((على ثمد)) : الثمد : الحفيرة فيها الماء القليل. (٧) ((يتبرضه تبرضاً)): يأخذ منه قليلاً قليلاً. (٨) رواه البخاري في صحيحه رقم (٢٧٣١) و(٢٧٣٢) بطوله في الشروط . ١٤٦ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) وروى ابنُ إسحاق عن بعضهم أن الذي نزلَ بالسهم ناجيةُ بن جُندُب سائقُ البُدْن ، قال : وقيل : البَراءُ بن عازب . ثم رجَّحَ ابنُ إسحاق الأول . حديث آخر عن ابن عباس في ذلك: قال الإمام أحمد(١): حدَّثنا حسين الأشقر وحدَّثنا أبو كدينة ، عن عطاء، عن أبي الضحى، عن ابن عباس، قال: أصبحَ رسولُ الله وَّ ذاتَ يوم وليس في العسكر ماء ، فأتاه رجلٌ فقال: يا رسولَ الله ! ليس في العسكر ماء، قال: (( هل عندك شيء؟)) قال : نعم ، قال: ((فائتني)) قال: فأتاهُ بإناء فيه شيءٌ من ماء قليل، قال: فجعلَ رسولُ اللهِ وَلَّ أصابعَه في فم الإناء وفتحَ أصابعَه ، قال : فانفجرت من بين أصابعِه عيونٌ، وأمرَ بلالاً فقال: (( نادِ في النَّاس الوضوءَ المبارك)) . تفرَّد به أحمد، ورواه الطبراني(٢) من حديث عامر الشعبي ، عن ابن عباس ، بنحوه . حديث عن عبد الله بن مسعود في ذلك: قال البخاري(٣): حدّثنا محمد بن المثنى ، حدَّثنا أبو أحمد الزبيري ، حدَّثنا إسرائيل ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن علقمة ، عن عبد الله قال : كنا نعدُّ الآيات بركةً، وأنتم تعدُّونها تخويفاً ، كنّا مع رسول الله وَ لَهَ في سفر، فقلَّ الماء فقال: (( اطلبوا فَضْلَةً من ماء)) فجاؤوا بإناء فيه ماءٌ قليل، فأدخل يده في الإناء ثم قال: ((حيَّ على الطَّهور المبارك، والبركةُ من الله عزّ وجلّ)) قال: فلقد رأيتُ الماءَ ينبعُ من بين أصابعِ رسولِ الله ◌ِّرَ، ولقد كنّا نسمعُ تسبيحَ الطَّعام وهو يُؤكل . ورواه الترمذي(٤) ، عن بُنْدار ، عن أبي أحمد ، وقال : حسن صحيح . حديث عن عمران بن حصين في ذلك : قال البخاري : حدَّثنا أبو الوليد ، حدَّثنا مسلم بن زيد ، سمعت أبا رجاء قال: حدَّثنا عمران بن خُصَيْن: أنهم كانوا مع رسول الله وَّ في مسير فأدلَجوا ليلتَهم حتى إذا كانوا٥) في وجه الصبح عرَّسُوا ، فغلبتهم أعينُهُم حتى ارتفعت الشَّمسُ ، فكان أوّلَ من استيقظَ من منامه أبو بكر ، وكان لا يُوقِظ رسولَ الله ◌َ له من منامه حتى يستيقظَ، فاستيقظَ عمرُ، فقعدَ أبو بكر عندَ رأسِه فجعلَ يكبِّر ويرفعُ صوتَه حتى استيقظَ النبيُّ ◌َله، فنزلَ وصلَّى بنا الغداةَ، فاعتزلَ رجلٌ من القوم لم (١) رواه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٥١) رقم (٢٢٦٨) وإسناده ضعيف ، وله شاهد عند البخاري من حديث جابر بن عبد الله رقم (٥٦٣٩)، فهو حديث حسن لغيره . (٢) المعجم الكبير للطبراني (١٢ / ٨٧) . (٣) في صحيحه (٣٥٧٩) في الأنبياء . في الجامع رقم (٣٦٣٣) في المناقب . (٤) (٥) كذا في (أ) وفي البخاري : حتى إذا كان وجه الصبح . ١٤٧ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) يصلّ معنا، فلما انصرفَ قال: ((يا فلان! ما يمنعُك أن تصلّي معنا؟)) قال : أصابتني جنابة ، فأمره أن يتيمَّم بالصَّعيد ثم صلَّى، وجعلني رسولُ اللهِوَ لاَ فِي رَكوبٍ بين يديه ، وقد عطشنا عطشاً شديداً، فبينما نحن نسيرُ مع رسول الله وََّ إذا نحن بامرأةٍ سادلةٍ رجليها بين مَزادتين ، فقلنا لها : أين الماء؟ قالت : إنه لا ماء. فقلنا: كم بين أهلِك وبينَ الماء؟ قالت: يومٌ وليلة، فقلنا: انطلقي إلى رسول الله وَلير ، قالت : وما رسولُ الله؟ فلم نملِّكْها من أمرها حتى استقبلنا بها النبيَّ ◌ََّ، فحدَّثَته الذي حدَّثَتْنا ، غيرَ أنها حدَّثته أنها مُؤْتمةٌ(١)، فأمر بمزادتيها، فمسحَ في العزلاوينُ(٢)، فشربنا عِطَاشاً أربعينَ رجلاً، حتى روينا وملأنا كلَّ قِرْبةٍ معنا وإِدَاوة، غير أنَّه لم نسقِ بعيراً، وهي تكادُ تبضُّ من المِل(٣) ، ثم قال: هاتُوا ما عندكم ، فجمعَ لها من الكِسَر والتَّمر حتى أتت أهلَها ، قالت : أتيتُ أسحرَ النَّاس أو هو نبيٌّ كما زَعموا ، فهدى الله ذاكَ الصِّرم بتلك المرأة فأسلمتْ وأسلمُو(٤) . وكذلك رواه مسلم(٥) ، من حديث سلم بن زریرٍ . وأخرجاه(٦) من حديث عوف الأعرابي ، كلاهما عن أبي رجاء العُطَاردي - واسمه عِمْران بن تَيْم - عن عِمرَان بن حُصَيْن ، به . وفي رواية لهما فقال لها : اذهبي بهذا معك لعيالك، واعلمي أنّا لم نرزأك (٧) من مائك شيئاً ، غير أن الله سقانا ، وفيه : أنه لما فتح العزلاوين سمَّى الله عزّ وجلّ . حديث عن أبي قتادة في ذلك: قال الإمام أحمد : حدَّثنا يزيد بن هارون ، حدَّثنا حمَّاد بن سلمة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة قال: كنّا مع رسول الله وَ ◌ّ في سفر، فقال: ((إنكم إن لا تُدركوا الماءَ غداً تعطشوا)) وانطلق سُرعانٌ(٨) النَّاس يُريدون الماءَ، ولزمتُ رسولَ اللهِوَّل، فمالت برسول الله وَ ﴿ راحلته، فنعِس رسولُ الله ◌َ، فَدَعَمْتُه فاندعَم، ثم مال فدَعَمْتُه فاندعمَ ، ثم مال حتى كاد أن يَنْجَفِلُ(٩) عن راحلته فدَعَمْتُه فانتبه، فقال: (( من الرجل؟)) فقلت: أبو قتادة، قال: (( منذ كم كان مسيرُك؟)) قلت: منذ الليلة، قال: ((حَفِظَكَ الله كما حَفِظْتَ رسولَه، ثم قال: لو عَرَّسْنا)). (١) ((مؤتمة)): ذات أيتام، تُوفي زوجها وترك أولاداً صغاراً. (٢) ((العزلاوين)): مثنى العزلاء، وهو المصب الأسفل للمزادة ، الذي يفرغ منه الماء . (٣) تبضُّ من الملء : تسيل بسبب أنها ممتلئة . وفي المطبوع : تفضي من الملء . (٤) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٥٧١) في المناقب . (٥) في صحيحه رقم (٦٨٢) (٣١٢) في المساجد. (٦) رواه البخاري في صحيحه رقم (٣٤٤) في التيمم، ومسلم في صحيحه رقم (٦٨٢) في المساجد. (٧) ((لم نرزأك)): لم نأخذ ، أو ننقص من مائك شيئاً. (٨) ((سُرْعان الناس)): المسرعون منهم. (٩) ((ينجفل)) : يزول. ١٤٨ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) فمال إلى شجرة فنزلَ فقال: ((انظر هل ترى أحداً؟ )) قلت : هذا راكب ، هذان راكبان ، حتى بلغ سبعة، فقال: ((احفظوا علينا صلاتنا)) فنمنا، فما أيقظنا إلا حرُّ الشمس، فانتبهنا ، فركبَ رسولُ اللهِوَ لَّ فسارَ وسرنا هُنَيَّهَةً، ثم نزل فقال: ((أمعكم ماء؟)) قال: قلت : نعم، معي مَيْضَأة فيها شيء من ماء، قال: ((ائت بها)) قال: فأتيته بها فقال: ((مُشُوا منها، مُشُوا منها )) فتوضأ القوم وبقيت جرعة فقال: ((ازدهرُ(١) بها يا أبا قَتادة فإنّه سيكونُ لها نبأٌ )). ثم أَذْنَ بلال وصلُّوا الركعتين قبل الفجر ، ثم صَلُّوا الفجرَ ، ثم ركبَ وركبنا فقال بعضُهم لبعض : فرَّطَنَا في صلاتنا، فقال رسولُ اللهِوَّةِ: ((ما تقولون؟ إن كان أمرُ دنياكم فشأنكم، وإن كان أمرُ دينك فإليَّ)) قلنا: يا رسول الله! فرَّطْنا في صلاتنا، فقال: (( لا تفريط في النوم، إنما التفريطُ في اليقظة، فإذا كانَ ذلك فصلُّوها، ومن الغد وقتها، ثم قال: ((ظنُّوا بالقوم)) قالوا : إنك قلتَ بالأمس : إن لا تدركوا الماء غداً تعطشوا ، فالناس بالماء . قال: فلما أصبحَ الناسُ وقد فقدُوا نبيَّهم، فقال بعضهم لبعض: إن رسولَ الله وَّه بالماء ، وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيُّها الناس إن رسولَ الله وَّه لم يكن ليسبقَكم إلى الماء ويخلِّفَكم ، وإن يطع الناسُ أبا بكر وعمرَ يَرشدوا ، قالها ثلاثاً . فلما اشتدَّت الظهيرةُ رُفِعَ لهم رسولُ الله ◌ِ لَه فقالوا: يا رسولَ الله هلكنا عطشاً، تقطّعت الأعناقُ ، فقال: ((لا هُلْكَ عليكم))، ثم قال: (( ياأبا قتادة! ائت بالميضأة)) فأتيته بها، فقال: ((احللْ لي غُمَرِيُ(٢) - يعني قدحه - فحللته ، فأتيته به ، فجعلَ يصبُّ فيه ويسقي الناسَ ، فازدحمَ الناسُ عليه ، فقال رسول الله وَّلهُ: ((يا أيّها الناس أحسنوا الملءَ، فكلّكم سيصدرُ عن رِيّ، فشربَ القوم حتى لم يبقَ غيري وغير رسول الله بِّه، فصبَّ لي، فقال: ((اشرب يا أبا قتادة)) قال: قلت : اشربْ أنت يا رسولَ الله، قال : ((إن ساقي القوم آخرُهم)) فشربتُ وشربَ بعدي ، وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها ، وهم يومئذ ثلاثمئة . قال عبدُ الله: فسمعني ◌ِمران بن حُصين وأنا أحدِّث هذا الحديثَ في المسجد الجامع ، فقال : مَن الرجل ؟ قلت : أنا عبد الله بن رَباح الأنصاري، قال: القومُ أعلمُ بحديثهم ، انظر كيف تُحَدِّث فإني أحدُ السبعة تلك الليلة، فلما فرغتُ قال : ما كنتُ أحسَبُ أحداً يحفظ هذا الحديث غيري(٣). (١) ((ازدهر)): احتفظ. (٢) ((غُمَرِي)): الغمر : القدح الصغير. (٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٩٨/٥) وهو حديث صحيح . ١٤٩ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) قال حماد بن سلمة: وحدَّثنا حُميد الطويل ، عن بكر بن عبد الله المزني ، عن عبد الله بن رَباح ، عن أبي قتادة، عن النبي ◌ُّ بمثله، وزاد: قال: كان رسولُ اللهِ وَّه إذا عرَّسَ وعليه ليلٌ توسَّدَ يمينَه، وإذا عزَّسَ الصبحَ وضع رأسَه على كفّه اليُمنى وأقام ساعدَه(١) وقد رواه مسلم(٢) ، عن شيبانَ بن فروخ ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن رَبَاح ، عن أبي قتادة الحارث بن رَبعي الأنصاري بطوله . وأخرج٣ُ) من حديث حماد بن سلمة ، بسنده الأخير أيضاً . حديث آخر عن أنس يُشبه هذا : روى البيهقي من حديث الحافظ أبي يعلى الموصلي : حدَّثنا شَيْبان ، حدَّثنا سعيدُ بن سُليمان الضَّبْعي(٤)، حدَّثنا أنس بن مالك؛ أن رسولَ اللهِ ◌َّ جهَّزَ جيشاً إلى المشركين ، فيهم أبو بكر ، فقال لهم: ((جدُّوا٥) السَّيرَ فإن بينكم وبين المشركين ماء، إن يَسبقِ المشركون إلى ذلك الماء شقَّ على الناس، وعطشتُم عطشاً شديداً أنتم ودوابكم)) قال: وتخلَّفَ رسولُ الله ◌ِ ليه في ثمانية أنا تاسعُهم ، وقال لأصحابه : ((هل لكم أن نُعرِّسَ قليلاً ثم نلحق بالناس؟ )) قالوا: نعم يا رسولَ الله ، فعَّسُوا فما أيقظهم إلا حرُّ الشمس، فاستيقظَ رسولُ اللهِ وَّهِ واستيقظَ أصحابُه، فقال لهم: ((تقدَّموا واقضوا حاجاتِكم)) ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول الله وَليل، فقال لهم: «هل مع أحد منكم ماء ؟ )) قال رجل منهم: يا رسولَ الله معي مَيْضأة فيها شيء من ماء، قال: ((فجىء بها)) فجاء بها، فأخذَها نبيُّ اللهَ وَلِله فمسحَها بكفيه، ودعا بالبركة فيها، وقال لأصحابه: ((تعالوا فتوضؤوا)) فجاؤوا وجعلَ يصبُّ عليهم رسولُ اللهِ وَّهِ حتى توضؤوا كلُّهم، فأذن رجلٌ منهم وأقام، فصلَّى رسول الله مَّ لهم ، وقال لصاحب الميضأة : ((ازدهرْ بميضأتِك فسيكون لها شأنٌ)). وركب رسولُ اللهِوَ ل ◌َه قبلَ الناس، وقال لأصحابه: (( ما ترون الناسَ فعلوا؟)) فقالوا: الله ورسولُه أعلم . فقال لهم : فيهم أبو بكر وعمر ، وسيرشدُ الناس ، فقدمَ الناسُ وقد سبقَ المشركون إلى ذلك الماء، فشقَّ ذلك على الناس وعطشوا عطشاً شديداً ركابُهم ودوابُهم، فقال رسول الله مَ له: ((أين صاحب الميضأة؟)) قالوا: هو ذا يا رسولَ الله، قال: ((جئني بميضأتك)) فجاء بها، وفيها شيءٌ من ماء، فقال لهم: ((تعالوا فاشربوا)) فجعلَ يصبُّ لهم رسولُ الله ◌َِّ، حتى شربَ النَّاسُ كلُّهم، وسقَوا (١) رواه الإمام أحمد في المسند (٢٩٨/٥) وهو حديث صحيح. (٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٦٨١) في المساجد . (٣) في صحيحه رقم (٦٨٣) في المساجد أيضاً . (٤) هو سعيد بن سليم، وقيل : سليمان ، الضبي ، ويُقال : الضبعي ، ماذكره أحد غير ابن عدي في الكامل (١٢٣٨/٣) وضَعَّفه وساق له هذا الحديث، وقال الأزدي: متروك. وينظر ميزان الاعتدال الذهبي (١٤٢/٢). (٥) في دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ١٣٤): أجدوا .. ١٥٠ كتاب دلائل النبوة ( فصل : وأما المعجزات الأرضية ) دوابَّهم ورِكابَهم، وملؤوا ما كان معهم من إداوة وقِرِبة ومَزادة، ثم نهضَ رسول الله بَّله، وأصحابُه إلى المشركين ، فبعثَ الله ريحاً فضربَ وجوهَ المشركين ، وأنزل الله نصرَه ، وأمكنَ من أدبارهم ، فقتلوا ( منهم)١) مقتلة عظيمة، وأسَروا أُسَارى كثيرة، واستاقُوا غنائمَ كثيرة، ورجعَ رسولُ اللهَ وَّه والناسُ وافرين صالحين(٢) . وقد تقدَّمُ(٣) قريباً عن جابر ما يشبهُ هذا وهو في صحيح مسلم . وقدَّمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلمٌ ، من طريق مالك ، عن أبي الزبير ، عن أبي الطفيل ، عن معاذ بن جبل، فذكرَ حديثَ جمع الصلاة في غزوة تبوك، إلى أن قال: وقال - يعني رسول الله واِل ـ: (( إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عينَ تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يُضحيَ ضُحى النهار، فمن جاءَها فلا يمسَّ من مائِها شيئاً حتى آتي)) قال : فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعينُ مثلُ الشِّراكِ تبضُّ بشيء من ماءٍ، فسألهما رسول الله وَّل: ((هل مسستما من مائها شيئاً؟)) قالا: نعم، فسبَّهما، وقال لهما ما شاء الله أن يقول ، ثم غرفوا ( بأيديهم (٤) من العين قليلاً قليلاً ، حتى اجتمع في شيءٍ ، ثم غسل رسول الله وَّ فيه وجهَه ويديْه، ثم أعادَه فيها فجرتِ العينُ بماء كثير(٥) ، فاستقى الناسُ ، ثم قال رسول الله وَ ل: ((يا معاذ يُوشك إن طالت بك حياةٌ أن ترى ما هاهنا قد مُلىء جِنَاناً)(٦). وذكرنا في باب الوفود من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن زياد بن الحارث الصُّدّائي في قصة وفادته ، فذكر حديثاً طويلاً فيه : ثم قلنا : يا رسول الله! إن لنا بئراً إذا كان الشتاءُ وَسِعَنَا ماؤُها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصَّيف قلَّ ماؤُها ، فتفرقنا على مياه حَوْلنا وقد أسلمنا ، وكلُّ من حَوْلنا عدوٌ ، فادعُ الله لنا في بئرنا فيسعُنا ماؤُها ، فنجتمعُ عليه ولا نتفرق، فدعا بسبع حصيات ففركهن بيده ودعا فيهن، ثم قال: (( اذهبوا بهذه الحصياتِ ، فإذا أتيتم البئرَ فألقوا واحدةً واحدة واذكروا الله عزّ وجلّ )). قال الصدائي : ففعلنا ما قال لنا ، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قَعْرها - يعني البئر - . (١) من الدلائل . (٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٣٤ - ١٣٥) وإسناده ضعيف ، لضعف سعيد الضبعي. (٣) تقدم حديث جابر في المعجزات الأرضية . (٤) من صحيح مسلم . (٥) كذا في (أ) وفي صحيح مسلم (١٧٨٤/٤) بماءٍ مُنهمر - أو قال: غزير، وإنما ينقل المصنف من دلائل النبوة للبيهقي (٢٣٦/٥) فهذا لفظه . (٦) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٢٨١) (١٠) في الفضائل. ١٥١ كتاب دلائل النبوة ( باب : ما ظهر في البئر التي كانت بقباء - باب: تكثيره الأطعمة ) وأصلُ هذا الحديث في المسند ، وسنن أبي داود ، والترمذي ، وابن ماجه (١) وأما الحديث بطوله ففي (( دلائل النبوة (٢) للبيهقي رحمه الله . وقال البيهقي(٣) : باب ما ظهرَ في البئر التي كانت بقباء من بركته مَله أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلوي ، حدَّثنا أبو حامد بن الشرقي ، أخبرنا أحمد بن حفص بن عبد الله ، أخبرنا أبي ، حدَّثنا إبراهيم بن طهمان ، عن يحيى بن سعيد ؛ أنه حدثه : أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك ، قال : فدلَلْتُه عليها ، فقال: لقد كانت هذه ، وإنَّ الرجلَ لينضَحُ على حمارِهِ، فُيُنزحُ، فجاء رسولُ اللهِوَ لهَ وأمرَ بذَنوبٍ فسُقي، فإما أن يكون توضأ منه، وإما أن يكون تَفَلَ فيه، ثم أمرَ به فأُعيد في البئر ، قال : فما نَزَحت بَعدُ . قال: فرأيته بالَ ، ثم جاء فتوضأ، ومسح على خفّيه ثم صلَّى . وقال أبو بكر البزار : حدَّثنا الوليد بن عمرو بن مسكين ، حدَّثنا محمد بن عبد الله بن مثنى ، عن أبيه، عن ثُمَامة، عن أنس، قال: أتى رسولُ الله وَّه، فنزلنا فسقيناه من بئر لنا في دَارنا، كانت تسمى النزور في الجاهلية، فتفلَ فيها، فكانت لا تَنزَحُ بَعد(٤) . ثم قال : لا نعلم هذا يُروى إلا من هذا الوجه . باب تكثيره عليه الصلاة والسلام الأطعمة ( للحاجة إليها في غير ما موطنٍ كما سنورده مبسوطاً (٥) ، وتكثيره اللبن في مواطن أيضاً . قال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا روح، حدَّثنا عمر بن ذر، عن مُجاهد ؛ أن أبا هريرة كان يقول : والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع ، وإن كنتُ لأشدُّ الحجرَ على بطني من الجوع ، ولقد قعدتُ يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه ، فمرَّ أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله عزّ وجلّ ؛ ما سألته (١) رواه الإمام أحمد في المسند (١٦٩/٤) والترمذي في الجامع رقم (١٩٩) وأبو داود في السنن رقم (٥١٤) وابن ماجه رقم (٧١٧) وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، قال الحافظ في التقريب : ضعيف في حفظه . (٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٣٥٥/٥ - ٣٥٧) ورواه البغوي، وابن عساكر وحسنه ، وروى بعضه ابن سعد في الطبقات (٣٢٦/١ -٣٢٧) وإسناده ضعيف. (٣) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١٣٦/٦). (٤) لم أجد هذا الحديث في مسند البزار ( البحر الزخار ) ولا في كشف الأستار. (٥) ما بين القوسين أثبته من ( أ) وسقط من المطبوع . (٦) في المسند (٥١٥/٢) . ١٥٢ كتاب دلائل النبوة (باب : تكثيره عليه الصلاة والسلام الأطعمة ) إلا ليستتبعني فلم يفعل ، فمرَّ عمرُ رضي الله عنه فسألتُه عن آيةٍ من كتاب الله ؛ ما سألته إلا ليستتبعني فلم يفعل، فمرَّ أبو القاسم ◌ََّ فعرفَ ما في وجهي وما في نفسي فقال: ((أبا هريرة)) قلت له: لبيك يا رسولَ الله، فقال: ((الحق)) واستأذنتُ فأذِنَ لي، فوجدتُ لبناً في قدح، قال: (( من أين لكم هذا اللبن؟)) فقالوا: أهداه لنا فلان أو آل فلان، قال: ((أبا هريرة)) قلت: لبيك يا رسولَ الله، قال: (( انطلق إلى أهل الصُّفة فادعهم لي)) قال: وأهل الصفة أضيافُ الإسلام ، لم يأووا إلى أهل ولا مال، إذا جاءت رسولَ اللهِ وَّه هديةُ أصابَ منها وبعث إليهم منها ، وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها . قال : وأحزنني ذلك ، وكنت أرجو أن أُصيبَ من اللبن شَرْبةً أتقوّى بها بقيّةً يومي وليلتي ، وقلت : أنا الرسولُ، فإذا جاءَ القومُ كنتُ أنا الذي أُعطيهم ، وقلت : ما يبقى لي من هذا اللبن ! ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدٌّ ، فانطلقتُ فدعوتُهم ، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم ، فأخذَ الرجلُ القدح فيشرب حتى يَروى ، ثم يردّ القدحَ حتى أتيتُ على آخرهم، ودفعتُ إلى رسول الله بم له فأخذَ القدحَ فيشرب حتى يَروى، ثم يردّ القدحَ حتى أتيتُ على آخرهم، ودفعتُ إلى رسول اللهَ وَّ فأخذَ القدحَ فوضعَه في يده ، وبقي فيه فَضلَةٌ ، ثم رفعَ رأسَه ونظرَ إليّ وتبسَّم وقال: (( أبا هريرة)) فقلت: لبيك رسول الله ، قال : ((بقيتُ أنا وأنت)) فقلت: صدقتَ يا رسول الله، قال: ((فاقعد فاشرب )) قال : فقعدتُ فشربتُ ، ثم قال لي: ((اشرب)) فشربت ، فما زال يقول لي : اشرب فأشرب حتى قلت : لا والذي بعثك بالحق ما أجدُ له فيَّ مَسلكاً، قال: (( ناولني القدح)) فرددت إليه القدح ، فشربَ من الفَضلة. ورواه البخاري(١)، عن أبي نُعيم ، وعن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله بن المبارك . وأخرجه الترمذيُّ(٢) ، عن هَنَّاد، عن يونس بن بكير(٣) ، ثلاثتُهم عن عمر بن ذرٍّ ، وقال الترمذي : صحيح . وقال الإمام أحمد : حدَّثنا أبو بكر بن عيَّاش، حدَّثني ( عاصم )، عن زِرّ ، عن ابن مسعود ، قال: كنت أرعى غنماً لعُقبةَ بن أبي معيط، فمرَّ بي رسولُ الله ◌ِوَلَه وأبو بكر، فقال: ((يا غلام! هل من لبن؟)) قال: فقلت: نعم، ولكني مُؤتمن، قال: ((فهل من شاةٍ لم ينز(٤) عليها الفحلُ؟ )) فأتيتُه بشاةٍ فمسحَ ضَرعَها، فنزل لبنٌ ، فحلَبه في إناء فشربَ وسقى أبا بكر، ثم قال للضِّرع: ((اقلُص )(٥) فقلصَ ، قال : ثم أتيتُهُ بعدَ هذا، فقلتُ : يا رسولَ الله علّمني من هذا القول ، قال : فمسحَ رأسي وقال: (( يا غلامُ يرحمُك الله، فإنك غُليم مُعلَّم )(٦) . (١) في صحيحه رقم (٦٤٥٢) في الرقاق . (٢) في الجامع رقم (٢٤٧٩) في صفة القيامة . (٣) في المطبوع : ((عباد بن يونس بن بكير )) وهو تحريف قبيح. (٤) ((لم ينز)) : لم يثب . كناية عن عدم الوطء . ((اقلص)): ارتفع . كناية عن صغر حجمه لعدم وجود اللبن فيه أصلاً . (٥) (٦) رواه الإمام أحمد في المسند (٣٧٩/١ و٤٦٢) رقم (٣٥٩٨). وابن حبان رقم (٧٠٦١) . وإسناده حسن . ١٥٣ كتاب دلائل النبوة ( باب : تكثيره عليه الصلاة والسلام الأطعمة ) ورواه البيهقيُّ من حديث أبي عوانة ، عن عاصم بن أبي النَّجود ، عن زِرّ ، عن ابن مسعود ، وقال فيه: فأتيتُهُ بعَناق (١) جَذعة فاعتقلها ، ثم جعلَ يمسحُ ضَرعَها ويدعو ، وأتاه أبو بكر بجَفنة ، فحلب فيها ، وسقى أبا بكر، ثم شرب، ثم قال للضرع: ((اقْلُصْ)) فقلَص ، فقلت : يا رسولَ الله علّمني من هذا القول، فمسحَ رأسي وقال: ((إنك غُلاَمٌ مُعَلَّمٌ))، فأخذتُ عنه سبعينَ سورةً ما ناز عنيها بشر (٢). وتقدَّم في الهجرة حديثُ أُمّ مَعبدٍ ، وحلبُه عليه الصلاة والسلام شاتَها ، وكانت عَجْفَاءَ لا لبنَ لها ، فشربَ هو وأصحابُه ، وغادَر عندها إناءً كبيراً من لبن حتى جاءَ زوجُها . وتقدَّم في ذكر من كان (٣) يخدمُه، من غير مواليه عليه الصلاة والسلام ؛ المقداد بن الأسود ، حين شربَ اللبن الذي كان قد جاءَ لرسولِ اللهِّر، ثم قامَ في الليل ليذبحَ له شاةً، فوجدَ لبناً كثيراً ، فحلبَ ما ملأ منه إناءً كبيراً جداً .. الحديث . وقال أبو داود الطيالسي: حدَّثنا زهير، عن أبي إسحاق، عن ابنة خَبَّابٍ؛ أنها أتت رسولَ الله وَ ل بشاةٍ، فاعتقلَها وحلبَها، فقال: ((ائتني بأعظم إناء لكم)) فأتيناه بجفنة العجين ، فحلبَ فيها حتى ملأها، ثم قال: (( اشربوا أنتم وجيرانكم)(٤) . وقال البيهقي : أخبرنا أبو الحسين بن بشران ببغداد ، أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفَّار ، أخبرنا محمد بن الفرج الأزرق ، حدَّثنا عصمة بن سليمان الخزاز ، حدَّثنا خلفُ بن خليفة ، عن أبي هاشم الرماني ، عن نافع - وكانت له صحبة - قال: كنا مع رسول الله في سفر ، وكنا زُهَاءَ أربعمئة ، فنزلنا في موضع ليس فيه ماء، فشقَّ ذلك على أصحابه، وقالوا: رسولُ اللهِ وَّرِ أعلمُ ، قال : فجاءت شُوَيهةٌ لها قرنان ، فقامت بين يدي رسولِ اللهِ وَّهَ فحلبَها ، فشربَ حتى رَوي وسقى أصحابَه حتى رَوَوا ، ثم قال : (( يا نافع املكها الليلة، وماأراك تملكها )) قال: فأخذتُها فوتدتُ لها وتداً ، ثم ربطتُها بحبلٍ ، ثم قمتُ في بعض الليل فلم أرَ الشَّاةَ ، ورأيتُ الحبلَ مطروحاً ، فجئت رسولَ الله فأخبرتهُ من قبل أن يسألني ، وقال : ((يا نافع ! ذهبَ بها الذي جاءَ بها )) . قال البيهقي : ورواه محمد بن سعد ، عن خلف بن الوليد - أبي الوليد الأزدي - عن خلف بن (١) ((عَناق)): الأنثى من ولد المعز. (٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٨٤/٦) وطبقات ابن سعد (١٠٦/١/٣) عن عفان، عن حماد، بهذا الإسناد ، وأبو نعيم في الدلائل (ص١١٤) من طريق الطيالسي رقم (٣٥٣) وهو حديث حسن . (٣) تقدم ذلك في السيرة النبوية . (٤) رواه أبو داود الطيالسي رقم (١٦٦٣) ودلائل النبوة؛ للبيهقي (١٣٨/٦) وفيه: اشربوا وجيرانكم ، وابنة خباب لم نقف لها على ترجمة . ١٥٤ كتاب دلائل النبوة ( تكثيره عليه الصلاة والسلام السَّمنَ .. ) خليفة ، عن أبان ( بن بشير ، عن شيخ من أهل البصرة ، عن نافع ، فذكره )(١) وهذا حديثٌ غريبٌ جداً إسناداً ومتناً . ثم قال البيهقي : أخبرنا أبو سعيد الماليني ، أخبرنا أبو أحمد بن عدي ، أخبرنا العباس بن محمد بن العباس ، حدَّثنا أحمد بن سعيد بن أبي مريم ، حدَّثنا أبو حفص الرياحي ، حدَّثنا عامر بن أبي عامر الخزاز، عن أبيه ، عن الحسن بن سعد - يعني: مولى أبي بكر - قال: قال رسولُ اللهِوَ لّ: ((احلب لي العنز)) قال : وعهدي بذلك الموضع لا عنزَ فيه ، قال : فأتيتُ فإذا العنزُ حافلٌ ، قال : فاحتلبتُها ، واحتفظتُ بالعنز وأوصيتُ بها ، قال : فاشتغلنا بالرحلة ففقدتُ ( العنزَ ) فقلتُ : يا رسول الله قد فقدتُ العنزَ، فقال: ((إنَّ لها رَبّاً) (٢). وهذا أيضاً حديثٌ غريبٌ جداً إسناداً ومتناً ، وفي إسناده من لايُعرف حالُه . وسيأتي حديث الغزالة في قسم ما يتعلَّقُ من المعجزات بالحيوانات . تكثيره عليه الصلاة والسلام السَّمنَ لأَمِّ سُليم قال الحافظ أبو يَعلى: حدَّثنا شيبان ، حدَّثنا محمد بن زيادة البرجمي ، عن أبي ظِلال ، عن أنس ، عن أمّه قال : كانت لها شاة ، فجمعت من سمنها في عُكّةٍ(٣) ، فملأت العُكّةَ ثم بعثت بها مع ربيبة ، فقالت: يا ربيبةُ أبلغي هذه العكّةَ رسولَ اللهِوَ لَهَ يَأْتدمُ بها، فانطلقت بها ربيبةُ حتى أتت رسولَ الله وَرَ، فقالت : يا رسولَ الله! هذه عكّة سمنٍ بعثت بها إليك أمّ سُليم، قال: ((أفرغوا لها عكتها)) ففرغت العكّة فدُفعت إليها ، فانطلقت بها ، وجاءت وأمّ سُليم ليست في البيت ، فعلَّقت العكّة على وتد ، فجاءت أمُّ سُليم فرأت العكّة ممتلئة تقطرُ ، فقالت أم سُليم : يا ربيبة ! أليس أمرتُك أن تنطلقي بها إلى رسول الله؟ فقالت : قد فعلتُ، فإن لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسولَ الله وَلَه، فانطلقت ومعها ربيبة ، فقالت : يا رسولَ الله! إني بعثتُ معها إليك بعكّة فيها سمن ، قال : قد فعلت، قد جاءت، قالت: والذي بعثَك بالحقّ ودينِ الحقّ إنها لممتلئةٌ تقطرُ سمناً، قال: فقال لها رسول الله وَّهِ: ((يا أمَّ سليم أتعجبينَ إن كان الله أطعمَكِ كما أطعمتِ نبيَّه؟ كُلي وأطعمي)) قالت : فجئتُ إلى البيت فقسمتُ في قَعبٍ (٤) لنا وكذا .(٥) وكذا ، وتركتُ فيها ما ائتدمنا به شهراً أو شهرين . (١) ما بين القوسين أثبته من دلائل النبوة (٦/ ١٣٧). (٢) دلائل النبوة؛ للبيهقي (١٣٨/٦). (٣) ((عكة)): زق صغير يوضع فيه السمن ، وهو من الجلد . (٤) ((قعب)): القدح الضخم. (٥) لم أجده في المطبوع من مسند أبي يعلى ؛ ولعله في الكبير ، وفي إسناده أبو ظلال القسملي هلال بن أبي هلال ضعيف. ١٥٥ كتاب دلائل النبوة ( تكثيره عليه الصلاة والسلام السَّمنَ .. ) حديثٌ آخرُ في ذلك: قال البيهقي(١): أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصم ، حدَّثنا عباس الدُّوري ، حدَّثنا علي بن بحر القطان ، حدَّثنا خلف بن خليفة ، عن أبي هاشم الرُمَّاني ، عن يوسف بن خالد ، عن أوسٍ بن خالد ، عن أمّ أوسٍ البهزية ، قالت : سَلَيتُ سمناً لي فجعلته في عُكّةٍ فأهديته لرسول الله ، فقبله وترك في العكّة قليلاً، ونفخ فيها ودعا بالبركة ، ثم قال: ((رُدُّوا عليها عكّتها)) فردُوها عليها وهي مملوءةٌ سمناً ، قالت : فظننتُ أنَّ رسولَ الله لم يقبلها ، فجاءت ولها صُراغٌ ، فقالت : يا رسولَ الله ! إنما سليتُه لك لتأكلَه، فعلم أنه قد استُجيب له، فقال: ((اذهبوا فقولوا لها فلتأكل سمنها وتدعو بالبركة )» فأكلت بقيّة عمر النبي ◌َّر، وولاية أبي بكر ، وولاية عمر ، وولاية عثمان ، حتى كان من أمر عليّ ، ومعاوية ما كان . حديث آخر : روى البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن يُكير ، عن عبد الأعلى بن أبي المساور(٢) القرشي ، عن محمد بن عمرو بن عَطاء ، عن أبي هريرة ، قال : كانت امرأة من دوس يقال لها : أمّ شريك ، أسلمت في رمضان ، فذكرَ الحديث في هجرتها وصحبة ذلك اليهوديّ لها ، وأنها عَطِشَت فأبى أن يسقيَها حتى تهوَّدَ ، فنامت فرأت في النوم مَن يَسقيها ، فاستيقظت وهي ريَّانة ، فلما جاءت رسولَ الله قصَّت عليه القِصَّةَ ، فخطبَها إلى نفسها فرأت نفسَها أقلّ من ذلك ، وقالت : بل زوّجني من شئتَ، فزوَّجَها زيداً وأمرَ لها بثلاثين صاعاً، وقال: «كُلُوا ولا تَكِيلُوا)) وكانت معها عكّة سمنٍ هديّة لرسول الله وَّر، فأمرت جاريتَها أن تحملَها إلى رسول الله، فَفُرْغَت، وأمرَها رسولُ الله إذا ردتها أن تعلقَها ولا تُوكئها ، فدخلت أم شريك فوجدتها ملأى ، فقالت للجارية : ألم آمرك أن تذهبي بها إلى رسول الله؟ فقالت : قد فعلتُ ، فذكروا ذلك لرسول الله ، فأمرَهم أن لا يوكئوها، فلم تزل حتى أوكتها أمّ شريك(٣)، ثم كالوا الشعيرَ فوجدوه ثلاثينَ صاعاً لم ينقص منه شيء(٤) . حديث آخر في ذلك : قال الإمام أحمد : حدَّثنا حسن ، حدَّثنا ابن لهيعة ، حدَّثنا أبو الزبير ، عن جابر ؛ أن أمَّ مالك البهزية كانت تهدي في عُكّة لها سمناً للنبي وَّ فبينما بنوها يسألونها الإدام ، وليس (١) دلائل النبوة ؛ للبيهقي (٦/ ١١٥) وإسناده ضعيف جداً، يوسف بن خالد هو السمتي متروك، وكذبه ابن معين ، كما في التقريب وغيره . (٢) في الأصل : ابن المسور ، وماأثبته من دلائل النبوة . (٣) في الدلائل: وقد أوكتها أم شريك حين رأتها مملوءَةً ، فأكلوا منها حتى فنيت . (٤) دلائل النبوة؛ للبيهقي (٦/ ١٢٣ /١٢٤) وإسناده ضعيف جداً، فإن عبد الأعلى بن أبي المساور متروك . ١٥٦ كتاب دلائل النبوة ( ذكر ضيافة أبي طلحة ... ) عندَها شيءٌ، فعمدَت إلى عكّتها التي كانت تُهدي فيها إلى النبي ◌ََّ (فوجدت فيها سمناً ، فما زال يدوم لها أُدم بنيها حتى عصرته، وأتت رسولَ الله وَ له﴾(١)، فقال: ((أعصرتيه؟)) فقالت: نعم، قال: ((لو تركتيه ما زال ذلك مُقيماً)( ٢) ثم روى الإمام أحمد بهذا الإسناد عن جابر، عن النبي ◌َّ؛ أنه أتاه رجلٌ يستطعمُه فأطعمَه شطرَ وَسقِ شعيرٍ، فما زالَ الرجلُ يأكلُ منه هو وامرأته ووصيفٌ لهم حتى كالوه، فقال رسول الله تَّر: ((لو لم تکیلوه لأكلتم منه ، ولقام لكم )(٣) . وقد روى هذين الحديثين مسلم(٤) من وجه آخر ، عن أبي الزبير ، عن جابر . ذكرُ ضيافةٍ أبي طلحةَ الأنصاريّ رسولَ الله ◌ِ ال قال البخاري(٥) : حدَّثنا عبدُ الله بن يُوسف، أخبرنا مالك، عن إسحاقَ بن عبدِ الله بن أبي طَلحةَ ؛ أنه سمعَ أنسَ بن مالكِ يقول: قال أبو طلحة لأمّ سُليم: لقد سمعتُ صوتَ رسول الله ضعيفاً أعرفُ فيه الجوعَ، فهل عندك من شيء ؟ قالت : نعم ، فأخرجت أقراصاً من شعير ، ثم أخرجت خِماراً لها فلفَّت الخبزَ ببعضه، ثم دسَّتَهُ تحتَ يدي ولائتني (٦) ببعضِه، ثم أرسلتني إلى رسول الله وَّرَ قال: فذهبتُ به فوجدتُ رسولَ اللهِ وَ له في المسجد ومعه الناس، فقمتُ عليهم، فقال لي رسول الله وَلّ: ((أرسلكَ أبو طلحة؟)) فقلت : نعم. قال: ((بطعام؟)) قلت: نعم، فقال رسول الله وَّ لمن معه: ((قوموا)) فانطلقَ وانطلقتُ بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرتُه، فقال أبو طلحة: يا أم سُليم قد جاء رسولُ اللهِ وَّه والناسُ وليس عندنا ما نُطعمُهم، فقالت: الله ورسولُه أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله وَّ، فأقبل رسولُ الله وأبو طلحة معه، فقال رسول الله: ((هلمَّ يا أمَّ سُليم، ما عندَك ؟ )) فأتت بذلك الخبز ، فأمرَ (١) ما بين القوسين سقط من الأصل والمطبوع، وأثبته من المسند (٣٤٠/٣). (٢) رواه الإمام أحمد (٣/ ٣٤٠) عن الحسن عن ابن لهيعة بهذا اللفظ، و(٣٤٧/٣) عن موسى عن ابن لهيعة بلفظ : أن أم مالك البهزية كانت تُهدي في عكة لها سمناً للنبي بَّيه، فبينما بنوها يسألونها عن إدام ، وليس عندها شيء، فعمدت إلى نِخْيِها التي كانت تهدي فيه السمن إلى النبي ◌َّ ه فوجدت فيه سمناً، فما زال يقيم لها إدامَ بنيها حتى عصرته ، فأتت النبي ◌َّر، فقال: ((أعصرتيه؟)) قالت: نعم، قال: ((لو تركتيه ما زال ذلك مقيماً)). وإسناده حسن ، وهو بنحوه عند مسلم في الفضائل . (٣) رواه الإمام أحمد في المسند (٣٤٧/٣) عن موسى عن ابن لهيعة، و(٣٣٧/٣) عن الحسن عن ابن لهيعة . (٤) رواهما مسلم في صحيحه رقم (٢٢٨٠) و(٢٢٨١) في الفضائل. (٥) في صحيحه (٣٥٧٨) في علامات النبوة . (٦) ((لاثتني)): لفتني به. ١٥٧ كتاب دلائل النبوة ( ذكر ضيافة أبي طلحة ... ) به رسولُ اللهِ وَ ◌ّهِ فَفُتَّ، وعصرت أمُّ سُليم عُكَّةً فأدمته ، ثم قال رسول الله فيه ما شاء الله أن يقول ، ثم قال: ((ائذن لعشرةٍ))، فأذنَ لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: (( ائذن لعشرة)) فأذنَ لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: (( ائذن لعشرة)) فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال : (( ائذن لعشرة)) فأكل القومُ كلُّهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلاً . وقد رواه البخاريُّ في مواضع أخر من صحيحه ، ومسلم من غير وجه ، عن مالك(١). طريقٌ آخرُ عن أنس بن مالك رضيَ الله عنه قال أبو يَعلى: حدَّثنا هُدْبَة بن خالد، حدَّثنا مُباركُ بن فضالة، حدَّثنا بُكير وثابت البناني ، عن أنس؛ أن أبا طلحةَ رأى رسولَ اللهِوَ ﴿ طاوياً، فجاء إلى أمّ سُليم فقال: إني رأيتُ رسولَ الله وَلّ طاوياً؛ فهل عندك من شيء ؟ قلت : ما عندنا إلا نحو من مُدّ دقيق وشعير . قال : فاعجنيه وأصلحيه عسى أن ندعوَ رسولَ الله ◌ِصَلّ فيأكل عندنا، قال: فعجنته وخبزته، فجاء قرصاً ، فقال: يا أنسُ ادعُ رسولَ الله ، فأتيتُ رسولَ الله ومعه أناسٌ . قال مبارك : أحسبه قال : بضعةٌ وثمانون . قال : فقلت : يا رسولَ الله أبو طلحة يدعوك، فقال لأصحابه: ((أجيبُوا أبا طلحةَ)) فجئتُ جَزِعاً ، حتى أخبرته أنه قد جاءَ بأصحابه . قال بكر : فعدى قومه وقال ثابت : قال أبو طلحة: رسولُ الله أعلمُ بما في بيتي مني . وقالا جميعاً : عن أنس ، فاستقبلَه أبو طلحة فقال: يا رسولَ الله ما عندنا شيءٌ إلا قرصٌ، رأيتُك طاوياً فأمرتُ أمَّ سُليم فجعلت لك قرصاً ، قال: فدعا بالقرص، ودعا بجفنة، فوضعَه فيها، وقال: ((هل من سمن؟)) قال أبو طلحة : قد كان في العكّة شيء ، قال : فجاء بها ، قال : فجعل رسولُ الله وأبو طلحة يعصرانها ، حتى خرجَ شيء مسح رسول الله به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ وقال: (( باسم الله )) فانتفخَ القرصُ ، فلم يزل يصنعُ كذلك والقرصُ ينتفخُ حتى رأيتُ القرصَ في الجَفنة يميعُ، فقال: ((ادعُ عشرةً من أصحابي)) فدعوتُ له عشرةً، قال: فوضعَ رسولُ اللهِ وَ لَه يدَه وسطَ القرص وقال: ((كلوا باسم الله)) فأكلوا من حَوالي القرص حتى شبعوا ، ثم قال: ((ادعُ لي عشرة أُخرى)) فدعوت له عشرة أخرى ، فقال : ((كلوا باسم الله)) فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا ، فلم يزل يدعو عشرة عشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص ، حتى شبعوا ، وإن وسطَ القرص حيثُ وضعَ رسولُ الله ◌َ لِّ يدَه كما٢) هو . وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن ، ولم يخرجوه ، فالله أعلم . (١) صحيح البخاري (٤٢٢) في الصلاة، و(٥٣٨٦) في الأطعمة و(٦٦٨٨) في النذور، ومسلم (٢٠٤٠) (١٤٢) في الأطعمة . (٢) لعله في المسند الكبير لأبي يعلى . ١٥٨ كتاب دلائل النبوة ( ذكر ضيافة أبي طلحة ... ) طريقٌ أخرى عن أنس بن مالك قال الإمام أحمد(١): حدَّثنا عبد الله بن نُمَير، حدَّثنا سعد - يعني ابن سعيد بن قيس - أخبرني أنس بن مالك، قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله مَّلَه لأدعوه، وقد جعل له طعاماً، فأقبلتُ ورسولُ الله ◌ِله مع الناس ، قال: فنظرَ إليَّ فاستحيَيتُ فقلت: أجب أبا طلحة، فقال للناس: ((قوموا)) ، فقال أبو طلحة : يا رسولَ الله إنما صنعتُ شيئاً لك. قال: فمسَّها رسولُ الله ودعا فيها بالبركة، ثم قال: (( أدخل نفراً من أصحابي عشرة)) فقال: ((كلُوا)) فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وقال: ((أدخل عشرة)) فأكلوا حتى شبعوا ، فما زال يُدخل عشرةً ويُخرج عشرة ، حتى لم يبق منهم أحدٌ إلا دخلَ فأكل حتى شبع ثم هيَّأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها . وقد رواه مسلم(٢) عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن عبد الله بن نُمَير ؛ كلاهما عن عبد الله بن نُمَير، وعن سعيد بن يحيى الأموي (٣)، عن أبيه ، كلاهما عن سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري . طريق أخرى رواه مسلمٌ(٤) في الأطعمة ، عن عبد بن حميد، عن خالد بن مَخلَد ، عن محمّد بن مُوسى ، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس ، فذكرَ نحو ما تقدم . وقد رواه أبو يعلى الموصلي ، عن محمد بن عبّاد المكي ، عن حاتم ، عن معاوية بن أبي مزرد ، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أبيه ، عن أبي طلحة ، فذكره ، والله أعلم(٥). طريقٌ أخرى عن أنس قال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا علي بن عاصم، حدَّثنا حُصين بن عبد الرحمن ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أنس بن مالك ، قال : أتى أبو طلحة بمُدّين من شعيرٍ ، فأمر به فصُنع طعاماً ، ثم قال لي : (١) رواه الإمام أحمد في المسند (٢١٨/٣) وهو حديث صحيح. (٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٢٠٤٠) (١٤٣) في الأشربة. (٣) رواه مسلم في صحيحه (١٦١٣/٣) في الأشربة . (٤) رواه مسلم في صحيحه (١٦١٤/٣) في الأشربة . (٥) لم نقف عليه من هذا الوجه في مسنده ، لكن رواه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير مثل إسناد مسلم ( مسنده ٤١٤٥ و ٤٣٣١ ) . (٦) في المسند (٢٣٢/٣). ١٥٩ كتاب دلائل النبوة ( ذكر ضيافة أبي طلحة ... ) يا أنسُ: انطلق ائت رسولَ اللهِ بَ لّ فادعُه، وقد تعلمُ ما عندنا، قال: فأتيتُ رسولَ الله مَله، وأصحابُه عنده ، فقلت: إن أبا طلحةَ يدعوك إلى طعامه، فقام، وقال للناس: ((قوموا)) فقاموا ، فجئتُ أمشي بين يديه ، حتى دخلتُ على أبي طلحة فأخبرتُه، قال: فضَحْتَنَا ، قلت : إني لم أستطع أن أردّ على رسول الله وَل أمرَه . فلما انتهى رسولُ اللهِ وَلّ قال لهم: ((اقعدوا)) ودخل عاشرُ عشرةٍ، فلما دخلَ أُتي بالطعام تناولَ فأكلَ وأكلَ معه القومُ حتى شبعوا ، ثم قال لهم: ((قوموا ، وليدخل عشرة مكانكم )) حتى دخلَ القومُ كلُّهم وأكلوا ، قال : قلت : كم كانوا ؟ قال : كانوا نيّفاً وثمانين ، قال : وفضل لأهل البيت ما أشبعهم . وقد رواه مسلم في الأطعمة (١) ، عن عمرو الناقد ، عن عبد الله بن جعفر الرقي ، عن عُبيد الله بن عمرو ، عن عبد الملك بن عُمير ، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن أنس ، قال : أمر أبو طلحة أمَّ سُليم قال: اصنعي للنبيّ وَّه لنفسه خاصةً طعاماً يأكلُ منه. فذكر نحو ما تقدم . طريقٌ أخرى عن أنس قال أبو يعلى : حدّثنا شُجاع بن مخلد ، حدثنا وهب بن جرير ، حدّثنا أبي ، سمعت جریرَ بن زيد يُحَدِّثُ عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، قال : رأى أبو طلحة رسولَ الله في المسجد مضطجعاً ، يتقلّب ظهراً لبطن، فأتى أمَّ سُلَيم فقال : رأيتُ رسولَ الله مضطجعاً في المسجد ، يتقلَّبُ ظهراً لبطن ، فخبزت أمُّ سُليم قُرصاً . ثم قال لي أبو طلحة : اذهب فادعُ رسولَ الله ، فأتيتُه ، وعنده أصحابه، فقلت: يا رسولَ الله يدعوكَ أبو طلحة، فقام وقال: ((قوموا)) قال: فجئتُ أسعى إلى أبي طلحةَ فأخبرتُه أنَّ رسولَ الله قد كان تبعَه أصحابُه ، فتلقّاه أبو طلحة ، فقال: يا رسولَ الله إنما هو قُرصٌ، فقال: ((إن الله سيُبارك فيه)) فدخلَ رسولُ الله، وجيء بالقرص في قصعةٍ، فقال: (( هل من سمن؟)) فجيء بشيءٍ من سمنٍ فغوَّرَ القرصَ بأصبعه هكذا، ورفعَها، ثم صبَّ وقال: (( كلوا من بين أصابعي)) فأكلَ القومُ حتى شبعوا، ثم قال: ((أَدخل عليَّ عشرة)) فأكلوا حتى شبعوا ، حتى أكل القومُ فشبعوا ، وأكل رسولُ الله ◌َله وأبو طلحة وأم سُليم وأنا حتى شبعنا، وفضلَت فضلة أهديت لجيران لن(٢) . ورواه مسلم(٣) في الأطعمة من صحيحه ، عن حسن الحُلوَاني ، عن وهب(٤) ، عن جرير بن في صحيحه (١٦١٣/٣). (١) (٢) لعله في مسنده الكبير بهذا السند . (٣) رواه مسلم في صحيحه (١٦١٤/٣). (٤) هو وهب بن جرير بن حازم ، فهو عن أبيه جرير . ١٦٠ كتاب دلائل النبوة ( ذكر ضيافة أبي طلحة ... ) حازم ، عن عمه جرير بن زيد(١) ، عن عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة ، عن أنس بن مالك ، فذكر نحو ما تقدم . طريقٌ أخرى عن أنس قال الإمام أحمد : حدَّثنا يُونس بن محمد ، حدَّثنا حمَّاد - يعني ابن زيدٍ - عن هشام ، عن محمد - يعني ابن سيرين - عن أنس - قال حمّاد: والجعد قد ذكره(٢) - قال: عَمَدَت أُمُ سُليم إلى نصف مُدّ شعيرٍ فطحنتهُ، ثم عَمَدَت إلى عُكّةٍ كان فيها شيء من سمن ، فانَّخذت منه خطيفة (٣) قال: ثم أرسلتني إلى رسول الله وَالله قال: فأتيتُه وهو في أصحابه فقلتُ: إن أُمَّ سُليم أرسلتني إليك تدعوك، فقال: ((أنا ومن معي )) قال: فجاء هو ومن معه، قال: فدخلتُ فقلتُ لأبي طلحةَ: قد جاءَ رسولُ الله ◌ِ ل ومن معه ، فخرج أبو طلحة فمشى إلى جنب النبي وَّر، قال: يا رسولَ الله إنما هو خطيفة اتَّخذَتها أمُّ سُليم من نصف مُدّ شعير، قال: فدخل فأتى به، قال: فوضع يدَه فيها. ثم قال: ((أدخل عشرة)) قال: فدخل عشرةٌ فأكلوا حتى شبعوا ، ثم دخل عشرة فأكلوا ، ثم عشرة فأكلوا ، حتى أكلَ منها أربعون كلُّهم أكلوا حتى شبعوا ، قال : وبقيت كما هي قال : فأكلنا(٤) . وقد رواه البخاري(٥) في الأطعمة ، عن الصَّلتِ بن محمد ، عن حمّاد بن زيد، عن الجعد أبي عثمان ، عن أنس . وعن هشام، عن محمد(٦) ، عن أنس، وعن سِنان بن ربيعة أبي ربيعة(٧) ، عن أنس: أن أم سُليم عَمَدَت إلى مُدٍّ من شعير جَشَّتَه(٨) وجعلت منه خطيفة، وعمدت إلى عُكّةٍ فيها شيء من سمن فعصرته ، ثم بعثتني إلى رسول الله وهو في أصحابه . . الحديث بطوله . ورواه أبو يعلى الموصلي: حدَّثنا عمرو بن الضحاك ، حدَّثنا أبي، سمعتُ أشعثَ الحُذَّاني(٩) قال : (١) في الأصل والمطبوع : جرير بن يزيد . والتصحيح من صحيح مسلم . (٢) ما بين المعترضتين أثبته من المسند ، ومعناه أن الجعد أبا عثمان روى الحديث أيضاً عن أنس كما في رواية البخاري . (٣) ((خطيفة)): دقيق يذر عليه اللبن ثم يُطبخ. (٤) رواه الإمام أحمد في المسند (١٤٧/٣) وهو حديث صحيح . (٥) رواه البخاري في صحيحه رقم (٥٤٥٠) في الأطعمة ، كما رواه برقم (٤٢٢) في الصلاة ، و(٣٦٣٤) في المناقب. (٦) عن محمد : هو ابن سيرين . (٧) عن سنان أبي ربيعة: ((قال الحافظ ابن حجر : سنان بن ربيعة ، وهو أبو ربيعة ، وافقت كنيته اسم أبيه . فتح الباري (٩ / ٥٧٤) . (٨) ((جشَّته)): جعلته جشيشاً، والجشيش : دقيق غير ناعم . (٩) في المطبوع: ((الحراني)) وهو خطأ ظاهر، وهو أشعث بن عبد الله بن جابر الحداني من رجال التهذيب.