النص المفهرس

صفحات 321-340

٣٢١
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
أبي سَعيد ، قال: خَطَبَ رسولُ اللهِ الناسَ ، فقال: إنَّ اللهَ خَيَّر عَبْداً بين الدنيا وبينَ ما عندَه ، فاختار ذلك
العبدُ ما عندَ الله. قال: فبكى أبو بكر . قال: فَعَجِبْنا لبُكائِهِ أن يُخْبر رسولُ اللهِ عن عَبْدُ(١) ، فكان
رسولُ الله هو المُخَيَّرَ ، وكان أبو بكر أعْلَمَنا به . فقال رسول الله وَّهِ: إِنَّ أمَنَّ الناسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومالِه
أبو بكر ، لو كُنْتُ مُتَّخذاً خَليلاً غيرَ ربي لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ(٢) ، ولكنْ خُلَّةُ الإِسلام وموذَّتُه ، لا يَبْقَى فِي
المسجدِ بابٌ إلا سُدَّ، إلا بابَ أبي بكر، وهكذا رواه البخاري(٣) من حديث أبي عامر العَقَدي به . ثُمَّ
رواه الإمامُ أحمد(٤) عن يونس، عن فُلَيْحِ، عن سالمٍ أبي النَّضْر، عن عُبَيْد بن حُنَيْن وبُسْر(٥) بن سعيد
عن أبي سعيد به . وهكذا رواه البخاري(٤) ومسلم(٧) من حديث فُلَيْحٍ ومالك بن أنس ، عن سالمٍ عن
يُسْر بن سَعيد ، وعُبَيْد بن حُنَين كلاهما عن أبي سعيد بنحوه .
وقال الإمام أحمد(٨): حدَّثنا أبو الوليد، ثنا هشام، ثنا أبو عَوانة، عن عبد الملك، عن ابن
أبي المُعَلَّى، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله خَطَبَ يَوْمَّاً فقال: إنَّ رَجُلاً خَّرهُ رَبُّه بينَ أن يعيشَ في الدُّنْيا ما شاء أنْ
يَعيشَ فيها ، يأكلُ من الدنيا ما شاءَ أنْ يأكلَ منها ، وبينَ لقاءِ ربِّه ، فاخْتَارَ لِقاءَ ربِّه ، فبكى أبو بكر ، فقال
أصحاب رسول الله وَّر: ألا تَعْجبون من هذا الشيخ أنْ ذَكَرَ رسولُ الله رَجُلاً صالحاً خَيَّرَهُ ربُّه بين الدنيا؟)
وبين لقاء ربِّه فاختار لقاءَ ربّه؟! فكان أبو بكر أعْلَمَهُمْ بما قال رسول الله وَّهِ. فقال أبو بكر: بَلْ نَفْديكَ
بأموالنا وأبنائنا. فقال رسول الله وَّهِ: ما مِنَ النّاسِ أحدٌ أمَنَّ علينا في صُحْبَتِهِ وذاتٍ يَدِهِ من ابن أبي قُحافة،
ولوْ كُنْتُ مُتَّخذاً خَليلاً لاتَّخَذْتُ ابن أبي قُحافة، ولكن وُدٌّ وإخاءٌ وإيمانٌ، ولكن وُدِّ وإخاءٌ وإيمانٌ،
مرتين ، وإنَّ صاحبَكُمْ خَليلُ اللهِ عزَّ وجلَّ. تَفَرَّدَ به أحمد . قالوا: وصوابه أبو سعيد بن المُعَلَّى . فالله
أعلم .
وقد روى الحافظ البيهقي(١٠) من طريق إسحاق بن إبراهيم - هو ابن راهَوَيْہ ـ ثنا زَكَریا بن عَديّ ، ثنا
(١) بعدها في المسند: ( خُيّر ).
(٢) بعدها في ط : ( خليلاً) .
(٣) البخاري (٣٦٥٤).
(٤) مسند الإمام أحمد (١٨/٣).
(٥) ط : ( بشر) وقد تقدمت الترجمة له .
(٦) البخاري ( ٤٦٦، ٣٩٠٤).
(٧) مسلم (٣٣٨٢).
(٨) مسند الإمام أحمد (٤٧٨/٣) و(٢١١/٤ -٢١٢) ورواه الترمذي رقم (٣٦٥٩) وفي إسناده ضعف ، وقد استغربه
الترمذي ( أي : ضعّفه ) .
(٩) ط : ( بين البقاء في الدنيا ) .
(١٠) دلائل النبوة للبيهقي (١٧٦/٧ - ١٧٧).

٣٢٢
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
عُبَيْد الله بن عَمْرٍو الرَّقِيّ ، عن زيد بن أبي أَنَيْسة ، عن عَمْرو بن مُرَّة ، عن عبد الله بن الحارث ، حدّثني
جُنْدب: أنّه سمعَ رسول الله ◌ِّ﴿ قبلَ أن يُتَوَفَّى بخمسٍ ، وهو يقول : قد كان لي منكم إخْوةُ وأَصْدِقَاءُ ،
وإني أبرأ إلى كُلِّ خَليلٍ من خُلَِّهِ ، ولو كُنْتُ مُتَّخذاً من أُمَتِي خَليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خَليلاً ، وإن رَبِّي
اتَّخَذَني خَليلاً، كما أنَّخذ إبراهيم خَليلاً، وإنَّ قوماً ممَّن كانَ قَبْلَكُمْ يَتَّخذونَ قُبُورَ أنْبيائهم وصُلَحائِهِم
مساجدَ ، فلا تَتَّخِذوا القُبُورَ مَساجدَ ، فإنّي أنْهاكُمْ عن ذلك .
وقد رواه مسلم(١) في ((صحيحه)) عن إسحاق بن راهَوَيْه ، بنحوه . وهذا اليومُ الذي كان قبل وفاتِهِ
عليه الصلاة والسلام بخمسةِ أيّامٍ ، هو يوم الخميس الذي ذكره ابنُ عبّاس فيما تقدم .
وقد رَوَيْنا هذه الخطبةَ من طريق ابن عبّاسٍ ، قال الحافظ البيهقي (٢): أنبأنا أبو الحسن عليّ بن محمدٍ
المُقْرِىءُ ، أنبأنا الحسنُ بن محمدِ بنِ إسحاق ، ثنا يوسفُ بن يعقوبَ(٣) . قال ثنا محمد بن أبي بكر ، ثنا
وهب بن جرير ، ثنا أبي، سمعت يَعْلى بن حَكيم، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: خرج النبيُّ وَله
في مرضه الذي ماتَ فيه عاصباً رأسَه بخِرْقَةٍ ، فصعد المنبرَ فحَمِدَ اللهَ وأثْنى عليه ، ثم قال: إنَّه ليس من
الناس أحدٌ أمنَّ عليَّ بنَفْسِه وماله من أبي بكر ، ولو كُنْتُ مُتَّخذاً من الناس خَليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكر خليلاً ،
ولكن خُلَّ الإسلام أفضلُ، سُدّوا عنّي كُلّ خَوْخَةٍ في المسجد غَيْرَ خَوْخَةٍ أبي بكر. ورواه(٤) البخاري(٥)
عن عبد الله بن محمد الجُعْفي ، عن وهب بن جرير بن حازم ، عن أبيه به . وفي قوله عليه الصلاة
والسلام : سُدُّوا عَنّي كلَّ خَوْخةٍ ، يعني: الأبواب الصغار، إلى المسجد، غَيْرَ خَوْخَةٍ أبي بكر إشارة إلى
الخلافة ، أي : لَيَخْرُجَ منها إلى الصَّلاة بالمسلمين .
وقد رواه البخاري(٦) أيضاً، من حديث عبد الرحمن بن سليمان بن حنظلة ، ابن الغسيل ، عن
عكرمة ، عن ابن عباس : أنَّ رسولَ الله خرجَ في مَرَضِهِ الذي مات فيه عاصباً رأسَه بعصابةٍ
(١) مسلم (٥٣٢) (٢٣).
(٢) في ((دلائل النبوة)) (١٧٦/٧).
(٣) بعدها في أ، ط : ( هو ابن عوانة ) وفي كتب الرجال ما يلي :
١ - أن يوسف بن يعقوب هو ابن إسماعيل بن حمار بن زيد بن درهم الأزدي وهو المقصود بالرواية عن محمد بن
أبي بكر المقدّمي. ( سير أعلام النبلاء ٤/ ٨٥ ) .
٢ - وأما ابن عوانة فهي محرفة عن أبي عوانة .
٣ - أبو عوانة الاسفرايني هو يعقوب بن يوسف بن إبراهيم بن يزيد النيسابوري. ولم يرو عن المقدمي . انظر سير
أعلام النبلاء ( ٤/ ٤١٧ ).
(٤) ط : ( رواه ) بلا واو .
(٥) البخاري ( ٤٦٧) .
(٦) قال (٩٧٢ و٣٦٢٨ و٣٨٠٠).

٣٢٣
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
دَسْماء(١) مُلْتَحفاً بِمِلْحَفةٍ على مَنْكبيهِ فجلس على المنبر ، فذكر الخطبة ، وذكر فيها الوصاةَ بالأنصارِ ،
إلى أن قال: فكانَ آخرَ مجلسٍ جلس فيه رسولُ الله ◌ِّ﴿ حتى قُبِضَ - يعني آخرَ خطبةٍ خَطَبَها عليه الصلاة
والسلام .
وقد رُوي من وَجْهٍ آخرَ عن ابن عباسٍ بإسناد غريبٍ ولفظٍ غريبٍ . فقال الحافظ البيهقي(٢) : أخبرنا
علي بن أحمد بن عَبْدان ، أخبرنا أحمد بن عُبَيْد الصَّفّار ، ثنا ابنُ أبي قُماشٍ - وهو محمد بن عيسى - ثنا
موسى بن إسماعيل أبو عمران الجَبُّلي ، ثنا معن بن عيسى القَزّاز، عن الحارث بن عبد الملك بن
عبد الله بن إياس(٣) الليثي ، عن القاسم بن يزيد بن عبد الله بن قُسَيْطِ ، عن أبيه ، عن عطاء ، عن ابن
عباس، عن الفضل بن عباس، قال: أتاني رسولُ اللهِ وَّه، وهو يُوعَكُ وَعْكاً شديداً، وقد عَصَبَ
رَأْسَه . فقال : خُذْ بيدي يا فضل . قال : فأخذتُ بيده حتى قعد على المنبر ، ثم قال : نادٍ في النّاسِ
يا فضل. فنادَيْتُ: الصلاةَ جامعةً. قال: فاجتمعوا، فقام رسولُ اللهِ وَّه خطيباً فقال: (( أما بعدُ ، أيها
الناسُ ، إنّه قد دنا منّي حقوق (٤) من بين أظهركم ، ولن تَرَؤْني في هذا المقام فيكم ، وقد كنتُ أرى أن
غيره غيرُ مُغْنٍ عني حتى أقومَه فيكم ، ألا فمن كنت جَلَدْتُ له ظهراً فهذا ظهري فَلْيَسْتقدْ ، ومنْ كنتُ
أخذت له مالاً فهذا مالي فَلْيَأْخُذْ منه ، ومنْ كُنْتُ شَتَمْتُ له ◌ِرْضاً فهذا ◌ِرْضي فَلْيَسَتْقِدْ ، ولا يَقولنَّ قائلٌ
أخافُ الشَّحْناء(٥) من قِبَلِ رسول الله، ألا وإنّ الشَّحْناء لَيْسَتْ من شَأْنِي ولا من خُلُقي، وإنَّ أحَبَّكُمْ إليَّ من
أَخَذَ حَقّ إنْ كانَ له عليَّ، أو حَلَّلَني، فلقيتُ اللهَ عزَّ وجلَّ وليسَ لأحدٍ عندي مَظْلِمَةٌ)) . قال : فقام منهم
رجلٌ فقال : يا رسولَ اللهِ لِي عندَكَ ثلاثةُ دراهم. فقال: أمّا أنا فلا أُكذِّبُ قائِلاً ولا مُسْتَخْلِفُه على يَمِينٍ ،
فيمَ كانتْ لكَ عندي ؟ قال: أما تذكر أنّه مرَّ بك سائلٌ فأمَرْتَني، فأعطيتُهُ ثلاثةَ دراهم . قال : أعْطِهِ
يا فَضْلُ. قال: وأمرَ به فجَلَس. قال: ثم عادَ رسولُ اللهِوَّهِ فِي مَقالَتِهِ الأُولى. ثم قال: يا أيها الناسُ ،
مِنْ عندَهُ من الغُلولِ شيءٌ فَلْيَرُدَّه . فقام رجل . فقال : يا رسولَ الله ، عندي ثلاثةُ دراهم غَلَلْتُها في سبيل
الله. قال: فلم غَلَلْتَها؟ قال: كنت إليها محتاجاً. قال: خُذْها منه يا فَضْلُ. ثم عادَ رسولُ الله ◌َّةٍ فِي
مقالَتِهِ الأولى ، وقال : يا أيُّها الناسُ من أحسَّ من نَفْسه شيئاً فليقُمْ أدعو الله له . فقام إليه رجلٌ فقال :
يا رسولَ الله، إني لمُنافقٌ، وإني لكَذوبٌ وإني لنؤومُ(٦) . فقال عمر بن الخطاب: وَيُحَكَ أيُّها الرَّجُلُ ،
لقد سَتَرَكَ اللهُ، لو سَتَزْتَ على نفسك. فقال رسول الله وَّر: مه يا بْنَ الخَطّاب، فُضوحُ الدنيا، أهون من
(١) دسماء أي سوداء ( النهاية: دسم).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (١٧٩/٧ - ١٨٠).
(٣) ط: ( أناس) وهو تحريف. وانظر تاريخ البخاري (٢/ ٢٢٧٣) والجرح والتعديل (٨٠/٣).
(٤) ط: ( خلوف )، أ : ( خفوق ) وما هنا عن مصدر الخبر.
(٥) الشحناء : العداوة ( النهاية : شحن).
(٦) ط : ( لشئوم ) .

٣٢٤
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
فُضوحِ الآخرةِ، اللَّهُمّ ارزقْه صدقاً وإيماناً، وأذهب عنه النَّوْمُ(١) إذا شاء. ثم قال رسول الله لَّ: عمرُ
معي وأَنا مع عمر ، والحقُّ بعدي مع عمر ، وفي إسناده ومتنه غرابةٌ شديدةٌ .
ذِكْرُ أمْرِهِ عليه الصلاة والسلام ، أبا بكر الصدّيق ، رضي الله عنه
أن يُصلِّي بالصحابة أجمعين مع حضورهم كلهم وخروجه عليه الصلاة والسلام ، فصلى
وراءه مقتدياً به في بعض الصلوات على ما سنذكره وإماماً له ولمن بعده من الصحابة
قال الإمام أحمد(٢) : ثنا يعقوب ، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، قال : وقال ابن شهاب الزهري :
حدّثني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه(٣) ، عن عبد الله بن زَمْعَة بن
الأسود بن المُطَّلب بن أسدٍ قال: لما استُعِزَّ برسول الله، وأنا عنده في نَفَرٍ من المسلمين، دعا بلالٌ
للصلاة فقال: مُروا منْ يُصَلِّي بالناس ، قال : فخرجتُ فإذا عُمَرُ في الناس ، وكان أبو بكر غائباً فقلت :
قُمْ يا عمر فَصَلِّ بالناس. قال: فقام فلما كبّر عمر سمعَ رسول الله بََّ صوتَه، وكان عمر رجلاً مُجْهِراً .
فقال رسول الله وَ﴿: فأينَ أبو بكرٍ؟ يأبى اللهُ ذلك والمسلمون، يأبى الله ذلك والمسلمون. قال : فبعثَ
إلي أبي بكر فجاءَ بعدَما صَلَّى عمر تلك الصلاة ، فصلَّى بالناس . وقال عبد الله بن زَمْعَة . قال لي عمر :
وَيْحَك ماذا صَنَعْتَ يا بنَ زَمْعَةَ، واللهِ ما ظَنَنْتُ حين أمَرْتَني إلا أنَّ رسولَ الله أمرني (٤) بذلك ، ولولا ذلك
ما صَلَّيْتُ . قال: قلتُ: واللهِ ما أمرني رسولُ الله، ولكن حينَ لم أر أبا بكرٍ رأيتُكَ أحقَّ منْ حَضَرَ
بالصَّلاةِ . وهكذا رواه أبو داود(٥) من حديث ابن إسحاق ، حدّثني الزهريّ.
ورواه يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدّثني يعقوب بن عتبة ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن ،
عن عبد الله بن زَمْعَة ... فذكره .
وقال أبو داود(٦) : ثنا أحمد بن صالح ، ثنا ابن أبي فُدَيْك ، حدّثني موسى بن يعقوب ، عن
عبد الرحمن بن إسحاق ، عن ابن شهاب ، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عتبة ، أن عبد الله بن زَمْعَة أخبره
بهذا الخبر . قال: لمّا سمعَ النبيُّ نَّه صوتَ عمر. قال ابن زمعة: خرج النبيُّ ◌َّهِ حتَّى أطلع رأسَه من
(١) ط : ( الشؤم).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣٢٢/٤)، وفي إسناده ضعف، وانظر صفحة (٣٢٧).
(٣) بعده في ط : ( عن عبد الله بن هشام عن أبيه ) .
(٤)
في المسند ( أمرك بذلك ولولا ذلك ما صليت بالناس ) .
(٥) أبو داود ( ٤٦٦٠)، وفي إسناده ضعف .
(٦) أبو داود (٤٦٦١)، وهو حديث صحيح بطرقه .

٣٢٥
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
حجْرته ، ثم قال: لا ، لا ، لا يُصلِّي(١) للنّاس إلا ابن أبي قحافة، يقول ذلك مُغْضَباً.
وقال البُخاري (٢): ثنا عُمر بن حَفْص، ثنا أبي، ثنا الأعْمَشُ عن إبراهيم ، قال الأسود : كُنّا عند عائشة
رضي الله عنها فذكرنا المواظبةَ على الصَّلاة والمواظبة(٣) لها. قالت: لمّا مرضَ النبيُّ وَّ مرضه الذي ماتَ
فيه ، فحَضَرَتِ الصلاةُ، فأذَّنَ بلالٌ، فقال: مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالناس ، فقيل له : إن أبا بكر رجلٌ
أسيفٌ، إذا قامَ مقامَك لم يَسْتَطع أن يُصَلِّيَ بالنّاس، وأعادَ فأعادوا له، فأعاد الثالثة . فقال: إنَّكُنَّ صَواحِبُ
يوسف، مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ بالنّاس. فخرجَ أبو بكر فوجد النبيّ وَّ في نفسه خِفَّةً فخرج يُهادَى بين
رجلين ، كأني أنظر إلى رجليه تَخُطّان من الوَجَع، فأرادَ أبو بكر أن يتأخّر فأومأ إليه النبيُّ وَّ أنْ مكانك . ثم
أُتي به حتى جلسَ إلى جنبه، قيل للأعمش: فكان النبيِ وَّ يُصلّي وأبو بكر يُصلّي بصلاتِهِ والناسُ يُصَلُّون
بصلاة أبي بكر؟ فقال برأسه : نعم! ثم قال البخاري : رواه أبو داود عن شعبة بعضه ، وزاد أبو معاوية ،
عن الأعمش : جَلَسَ عن يَسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يُصَلِّي قائماً. وقد رواه البخاري(٤) في غير ما موضعٍ
من كتابه ومسلمُ(٥) والنسائي(٦) وابن ماجه (٧) من طرقٍ متعددةٍ عن الأعمش به . منها ما رواهُ البخاري عن
قتيبة ، ومسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ويحيى بن يحيى عن أبي معاوية به .
وقال البخاري(٨): ثنا عبد الله بن يوسف ، أنبأنا مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة
رضي الله عنها، أنها قالت: إنّ رسول الله وَ لَهَ قال في مرضه: مُروا أبا بكرٍ يُصَلِّي (٩) بالنّاس. ( قالت
عائشة : قلتُ : إنّ أبا بكر إذا قام مقامك ، لم يُسْمِعِ الناس من البكاء ، فمُزْ عمر فليُصلِّ للناس [ فقلت
لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل للناس ]
[ ففعلت حفصة، فقال رسول الله وَ له: مَهْ، إنكُنّ لأنتُنّ صواحبُ يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ
للناس (١٠) فقالت حفصة لعائشة : ما كنت لأصيب منك خيراً . ورواه الترمذي والنسائي ، من حديث
(١١)
مالك به . وقال الترمذي : حسن صحيح
(١) في سنن أبي داود: ( ليُصَلِّ للناس ابن أبي قحافة ).
(٢) البخاري (٦٦٤).
في البخاري : ( والتعظيم لها ) .
(٣)
(٤) قال (٧١٢، ٧١٣).
(٥) مسلم ( ٤١٨) (٩٥) و(٩٦).
النسائي ( ٨٣٢).
(٦)
(٧) ابن ماجه ( ١٢٣٢).
(٨) البخاري ( ٦٧٩) .
(٩) ط : ( فليصَلّ).
(١٠) ليس ما بين الحاصرتين في أ، ط واستدركته عن صحيح البخاري.
(١١) رواه الترمذي رقم (٣٦٧٢) والنسائي في الكبرى (١١٢٥٢).

٣٢٦
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
وقال البخاري(١) : ثنا زكريا بن يحيى، ثنا ابن نمير ، ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة،
قالت : أمر رسول الله وَ ر أبا بكر أن يصلي بالناس في مرضه ، فكان يصلّي بهم . قال عروة : فوجد
رسول الله وَ لٍّ من نفسه خِفَّة فخرج فإذا أبو بكر يَؤُمُ الناس ، فلما رآه أبو بكر استأخر ، فأشار إليه أن كما
أنت، فجلس رسول الله وَ لل حذاء أبي بكر إلى جنبه، فكان أبو بكر يصلّي بصلاة رسول الله وَليه ، والناس
يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه . ورواه مسلم(٢) من حديث عبد الله بن نمير به .
وفي صحيح البخاري(٣) : من حديث ابن وهب ، عن يونس ، عن الزهري عن حمزة بن عبد الله بن
عمر، عن أبيه ، قال: لما اشتدّ برسول الله بَّ وجعه فقال: مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس . فقالت
عائشة : يا رسول الله . إنّ أبا بكر رجل رقيق ، إذا قام مقامك لم يُسْمِع الناسَ من البكاء . فقال : مروا
أبا بكر فليصل بالناس . فعاودته مثل مقالتها ، فقال : أنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصلّ
بالناس (٤) . قال ابن شهاب(٥) : فأخبرني عُبَيْد الله بن عبد الله، عن عائشة أنها قالت : لقد عاوَدْتُ
رسولَ الله في ذلك ، وما حملني على معاودته إلا أني خَشيتُ أن يتشاءم الناسُ بأبي بكر ، وإلا أنّي
علمتُ أنه لن يقومَ مقامَه أحدٌ إلا تشاءمَ الناسُ به ، فأحببتُ أن يعدلَ ذلك رسول الله بَّه عن أبي بكر إلى
غيره .
وفي ((صحيح مسلم)(٦) من حديث عبد الرزاق، عن معمر ، عن الزهريّ ، قال : وأخبرني
حمزة بن عبد الله بن عمر، عن عائشة، قالت: لمّا دخل رسولُ اللهِ وَلَه بيتي، قال: مُروا أبا بكرٍ فَلْيُصلِّ
بالناس . قالت : قلت : يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق ، إذا قرأ القرآنَ لا يَمْلكُ دَمْعَهُ ، فلو أمرتَ
غير أبي بكرٍ(٧) . قالت: والله، ما بي إلا كراهية أن يَتشاءَمَ النّاس بأول منْ يقومُ في مقام رسول الله وَيه
قالت : فراجَعْتُهُ مرَّتين أو ثلاثاً . فقال: ليُصَلِّ بالنّاسِ أبو بكرٍ ، فإنَّكُنَّ صَواحِبُ يوسف .
وفي (( الصحيحين )(٨) من حديث عبد الملك بن عُمَيْر ، عن أبي بُرْدَة بن أبي موسى ، عن أبيه ،
قال: مرضَ رسولُ اللهِوَ سِيرَ فقال: مُروا أبا بكر فَلْيُصلِّ بالناسِ . فقالت عائشة: يا رسولَ الله، إنّ أبا بكرٍ
(١) البخاري (٦٨٣).
(٢) مسلم (٤١٨ ) (٩٧).
(٣) البخاري (٦٨٢).
ليس ما بين القوسين في ط .
(٤)
(٥) البخاري (٤٤٤٥) ومسلم (٤١٨) (٩٣).
(٦) مسلم ( ٤١٨) (٩٤).
(٧) ليس اللفظ في أ .
(٨) البخاري (٦٧٨، ٣٣٨٥) ومسلم (٤٢٠) (١٠١).

٣٢٧
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
رجلٌ رَقيقٌ، متى يَقُمْ مَقامَكَ لا يَسْتَطيع أنّ(١) يُصلِّي بالنّاسِ. قال: فقال: مُروا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالنّاسِ
فإنكن صَواحِبُ يوسف. قال: فَصَلَّى أبو بكرٍ حياةَ رسولِ الله وَله.
وقال الإمام أحمد(٢) : ثنا عبد الرحمن بن مهدي ، حدثنا زائدة ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن
عُبَيْدِ الله بن عبد الله، قال : دَخَلْتُ على عائشةَ، فقلتُ: ألا تُحَدّثيني عن مرض رسولِ اللهِ الَّ؟
فقالت: بلى ثَقُلَ رسول(٣) الله وَ﴿ فقال: أصَلَّى الناسُ؟ فقلنا٤): لا، هم يَنْتَظرونَك يا رسول الله .
فقال ؛ ضعوا لي(٥) ماءً في المِخْضب (٦)، ففعلنا، قالت: فاغتسل، ثم ذهب لينوء(٧) فَأُغْميَ عليه ، ثم
أفاق فقال: أَصلَّى النّاسُ؟ قلنا: لا، هم يَنْتَظِرِونَكَ يا رسولَ اللهِ. قال: ضعو(٨) لي ماءً في
المِخْضَبِ ، ففعلنا، فاغْتَسَلَ ، ثم ذهبَ لينوء، فأُغْمِيَ عليه ، ثم أفاق ، فقال: أَصلَّى الناس ؟ قلنا :
لا، هم يَنْتَظِرِونكَ يا رسول الله(٩) قالت: والناسُ مُكوفٌ في المسجد يَنْتظرون رسولَ اللهِ وَّ لصلاةِ
العشاء، فأرسلَ رسولُ اللهِوَلَه إلى أبي بكر بأنْ يُصلِّي بالناس، وكان أبو بكرٍ رجلاً رَقيقاً ، فقال: يا عُمَرُ
صَلِّ بالناس. فقال: أنتَ أحقُّ بذلك فَصَلَّى بهم تلك الأيام. ثم إنّ رسولَ الله وَ لهل وجد خِفَّة فخرج بين
رجُلَين ، أحدُهُما العباسُ لصلاةِ الظُّهْر، فلما رآه أبو بكرٍ ذهبَ ليتأخّر ، فأومأ إليه أن لا يتأخّر ، وأمرهما
فأجلساه إلى جنبه ، فجعلَ أبو بكر يُصلِّي قائماً، ورسولُ اللهِ وَّهِ يُصلِّي قاعداً. قال ◌ُبَيْدُ الله : فدخلتُ
على ابنِ عبّاس فقلتُ: ألا أعرضُ عليكَ ما حَدَّثَتْني عائشة عَنْ مَرَضِ رسول الله بََّ؟ قال: هاتِ .
فَحَدَّثْتُهُ ، فما أنكَرَ منه شيئاً ، غير أنه قال : سمَّتْ لَكَ الرَّجلَ الذي كان مع العبّاسِ ؟ قلت : لا ، قال :
هو علّي . وقد رواه البُخاريُ(١٠) ومسلمُ(١١) جميعاً عن أحمد بن يونس ، عن زائدة به . وفي رواية :
فجعلَ أبو بكرٍ يُصلّي بصلاةِ رسولِ الله وهو قائمٌ، والناسُ يُصلّون بصلاة أبي بكرٍ، ورسول الله مَّ
قاعد .
(١) ليست ((أن)) في أ.
(٢) في المسند (٢/ ٥٢) .
(٣) ط: (برسول الله وَله وجعه).
(٤) ط : ( قلنا ).
(٥) ط : ( صبوا إلى) .
(٦) المِخْضب : - بالكسر - إجانة - أي وعاء - تغسل فيها الثياب ( النهاية : خضب ) .
(٧) لينوء أي لينهض . ( النهاية : نوأ).
(٨) ط: ( شعوا ) تحريف .
(٩) بعدها في ط : ( قال : ضعوا لي ماء في المخضب ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم أفاق فقال : أصلى
الناس ؟ قلنا : لا ، هم ينتظرونك يا رسول الله ) وليست هذه الزيادة في أولا في مصدري الحديث .
(١٠) البخاري ( ٦٨٧).
(١١) مسلم (٤١٨) (٩٠).

٣٢٨
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
قال البيهقيّ(١): ففي هذا أنَّ النبيَّ وَ لَ تَّقَدَّم في هذه الصلاة، وعلَّق أبو بكر صلاتَهُ بصلاته .
قال(١): وكذلك رواه الأسود وعروة عن عائشة، وكذلك رواهُ الأرقمُ بن شُرَحْبيل ، عن ابن عباسٍ .
يعني بذلك ما رواه الإمام أحمد٢) : ثنا يَحْيَى بن زكريا بن أبي زائدة ، حدّثني أبي، عن أبي إسحاق ،
عن الأزْقَم بن شُرَحْبيل ، عن ابن عباس، قال: لمّا مرِضَ النبيُّمِ ﴿ أمرَ أبا بكرٍ أن يُصَلِّيَ بِالنّاسِ، ثم
وَجَدَ خِفَّةً ، فخرجَ، فلما أحسَّ به أبو بكر أراد أن يَنْكَص، فأومأ إليه النبي ◌َ لّ فجلس إلى جنب أبي بكر
عن يساره، واستفتح من الآية التي انتهى إليها أبو بكر رضي الله عنه. ثم رواه أيضا٣ً) عن وكيع ، عن
إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم ، عن ابن عباس بأطول من هذا . وقال وكيع مَرّةً : فكان أبو بكر
يَأْتَمُّ بالنبيِ وَّ، والناس يأتمّون بأبي بكر. ورواه ابن ماجه (٤) ، عن عليّ بن محمدٍ ، عن وكيع ، عن
إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن أرقم بن شُرَخْبيل ، عن ابن عباس بنحوه .
وقد قال الإمام أحمد(٥) : ثنا شَبَابةُ بن سوّار ، ثنا شُعْبة، عن نُعَيْم بن أبي هند ، عن أبي وائل ، عن
مَسْروق، عن عائشة قالت: صَلَّى رسولُ اللهِوَ لَ خَلْفَ أبي (٦) بكر قاعداً في مرضه الذي مات فيه . وقد
رواه الترمذي(٧) والنسائي(٨) من حديث شعبة . وقال الترمذي: حسن صحيح .
وقال أحمد(٩) : ثنا بكر بن عيسى ، سمعتُ شعبة بن الحجّاج ، عن نعيم بن أبي هند ، عن
أبي وائل ، عن مسروق، عن عائشة: أن أبا بكر صَلَّى بالناس ورسول الله وَّ في الصف.
وقال البيهقي١٠): أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القَطّان، أنبأنا عبد الله بن جعفر ، أنبأنا يعقوب بن
سفيان ، ثنا مسلم بن إبراهيم ، ثنا شعبة ، عن سليمان الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن
عائشة: أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ صَلَّى خلف أبيُ (١١) بكر. وهذا إسنادٌ جيدٌ ولم يخرجوه . قال البيهقي:
وكذلك رواه حُمَيْد ، عن أنس بن مالك ، ويونس ، عن الحسن مرسلاً .
(١) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ١٩١).
مسند الإمام أحمد (٢٣١/١ -٢٣٢)، وهو حديث صحيح.
(٢)
(٣)
مسند الإمام أحمد (٣٥٦/١ -٣٥٧)، وهو حديث صحيح .
ابن ماجه ( ١٢٣٥) وموضع الشاهد منه حسن ، دون ذِكر علي رضي الله عنه .
(٤)
(٥)
مسند الإمام أحمد (١٥٩/٦)، وهو حديث صحيح .
(٦) أ، ط : ( أبا ) خطأ.
(٧) الترمذي (٣٦٢)، وهو حديث صحيح.
(٨) النسائي ( ٧٨٥)، وهو حديث صحيح .
(٩) مسند الإمام أحمد (١٥٩/٦)، وهو حديث صحيح .
(١٠) دلائل النبوة (٧/ ١٩٢).
(١١) ط : ( أبا ).

٣٢٩
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
ثم أسند ذلك من طريق هُشَيْم ، أخبرنا يونس ، عن الحسن ، قال هشيم : وأنبأنا حُمَيْد ، عن
أنس بن مالك: أنَّ رسولَ اللهَِّ خِرِجَ وأبو بكر يُصلِّي بالنّاسِ ، فجلَس إلى جَنبه ، وهو في بُرْدَةٍ ، قد
خالفَ بين طرفيها فَصَلَّى بصلاته .
قال البيهقي(١): وأخبرنا علي بن أحمد بن عَبْدان، أنبأنا أحمد بن عُبَيْد الصّفّار، ثنا عُبَيْد بن
شَريك، أنبأنا ابنُ أبي مَرْيَم، أنبأنا محمد بن جَعْفٍ ، أخبرني حُمَيْد أنَّه سَمِعَ أنساً يقول : آخر صلاةٍ
صَلَّها رسولُ اللهِوَ لِّ مع القوم في ثوبٍ واحدٍ مُلْتحفاً به ، خلف أبي بكر . قلت : وهذا إسنادٌ جيدٌ على
شرط الصحيح ، ولم يخرجوه . وهذا التَّقييدُ جيدٌ . بأنها آخرُ صلاةٍ صلاَّها مع الناس ، صلوات الله
وسلامه عليه .
وقد ذكر البيهقي(٢) من طريق سليمان بن بلال ويحيى بن أيوب، عن حُمَّيْد، عن أنس: أنَّ النبيَّ ◌َل
صَلّى خَلْفَ أبي بكر في ثوبٍ واحدٍ بُرْدٍ مُخالفاً بين طَرَفَيْهِ ، فلمّا أرادَ أن يقوم ، قال : ادعُ لي أُسامةَ بن
زيدٍ، فجاء فأسنَدَ ظَهرَهُ إلى نَحْره ، فكانت آخر صلاة صلاها . قال البيهقي (٣): ففي هذا دلالةٌ أنَّ هذه
الصلاةَ كانتْ صلاةَ الصُّبْحِ من يوم الإثنين يوم الوفاة ؛ لأنّها آخرُ صلاةٍ صَلاَّها ، لما ثَبَتَ أنه توفي ضُحَى
يوم الإثنين. وهذا الذي قاله البيهقيُّ أخذهُ مُسَلِّماً من «مغازي موسى بن عقبة)) فإنّه كذلك ذَكَر . وكذا
روى أبو الأسود عن عروة ، وذلك ضعيف ، بل هذه آخرُ صلاةٍ صَلاَّها مع القوم ، كما تقدم تَقْييده في
الرواية الأُخرى، والحديثُ واحدٌ فَيُحْمِلُ مَطْلَقُهُ على مُقَّدِهِ ، ثم لا يجوزُ أن تكون هذه صلاةَ الصبح من
يوم الإثنين يومَ الوَفاةِ ، لأنَّ تلك لم يُصلِّها مع الجماعة بل في بيته ، لما به من الضعف ، صلوات الله
وسلامه عليه .
والدليل على ذلك ما قال البخاريُّ في ((صحيحه)(٤) : ثنا أبو اليمان، أنبأنا شُعيبٌ ، عن الزهري ،
أخبرني أنس بن مالك، وكان تبعَ النبيَّ وَّهِ وخدَمَه وصَحِبَهُ، أنّ أبا بكر كان يُصلِّي لهم في وجع النبي ◌ِّ
الذي توفِّيَ فيه ؛ حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صُفوف في الصلاة، فكشف النبيُّ نَّهِترَ الحُجْرة ينظر
إلينا وهو قائمٌ، كأنَّ وجَهَهُ ورقةُ مُصْحَفٍ تَبَسَّم يَضْحكُ، فَهَمَمْنا أن نَفْتَتَن من الفَرَحِ برؤية النبي ◌َِّ
(ونكصَ أبو بكرٍ على عَقِبَيْهِ ليصلَ الصّفّ وظنَّ أنَّ النبيَّ خارج(٥) إلى الصلاة، فأشارَ إلينا النبيُ(٦) وَّر أن
(١) دلائل النبوة (١٩٢/٧).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (١٩٢/٧ - ١٩٣).
(٣) دلائل النبوة للبيهقي (١٩٢/٧ - ١٩٣، ١٩٧).
(٤) رقم (٦٨٠) .
ليس ما بين القوسين في أ .
(٥)
(٦) ليس اللفظ في أ .

٣٣٠
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
أَتِقُوا صَلاتَكُمْ، وأزْخَى السِّتْر، وتوفي من يومِه. وقد رواه مسلمٌ(١) من حديثِ سُفْيان بن عُيَيْنَةَ
وصالح(٢) بن كيسان ومعمر ، عن الزهري ، عن أنس .
ثم قال البخاري(٣): ثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، ثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك ، قال : لم
يَخْرُجِ النبيُّ بَّه ثلاثاً، فأقيمت الصَّلاةُ، فذهب أبو بكر يَتَقَدَّم ، فقال نبيُّ اللهِ: عليكُم بالحِجاب ، فرفعه
فلما وَضَحِ وَجْهُ النبيّ ◌َهِ مَا نَظَرْنا مَنْظَراً كانَ أعجبَ إلينا من وجه النبيِّ وََّ حِين وَضَحَ لنا. فأومأ النبيُّ ◌َه
بيده إلى أبي بكر أن يتقدَّم، وأرخى النبيُّ وَِّ الحجابَ، فلم يُقْدَر عليه حتى مات ◌َّه. ورواه مسلم(٤) من
حديث عبد الصمد بن عبد الوارث ، عن أبيه به ، فهذا أوضحُ دليلٍ على أنّه عليه الصلاة والسلام لم يُصَلِّ
يومَ الإثنين صلاةَ الصُّبْحِ مع الناس ، وأنّه كان قد انقطعَ عنهم ، لم يخرج إليهم ثلاثاً .
قلنا : فعلى هذا يكونُ آخر صلاةٍ صلاها معهم الظهرَ كما جاء مُصَرَّحاً به في حديث عائشة المتقدم ،
ويكون ذلك يومَ الخميس لا يومَ السبت ، ولا يومَ الأحدِ كما حكاه البيهقيّ عن مغازي موسى بن عقبة ،
وهو ضعيف، لما°) قدَّمنا من خطبته بعدَها، ولأنه انقطَعَ عنهم يومَ الجُمْعة ، والسبتِ ، والأحدِ ، وهذه
ثلاثة أيامٍ كَوامل .
وقال الواقدي(٦): عن أبي بكر بن أبي سَبْرَة، أنّ أبا بكرٍ صَلَّى بهم سبعَ عَشْرَةَ صلاةٌ . وقال غيرُهُ :
عِشْرين صلاة . فالله أعلم. ثم بدا لهم وجهُهُ الكريمُ صَبيحة يوم الإثنين فوذَّعهم بنظرةٍ كادوا يفتَتِنون بها ،
ثم كان ذلك آخرَ عهدِ جُمْهورِهم به ، ولسانُ حالهم يقولُ ، كما قال بعضهم : [ من الطويل ]
وكُنْتُ أُرِى كالمَوْتِ مِنْ بَيْنِ سَاعةٍ فَكَيْفَ بِبَيْنٍ كَانَ مَوْعِدُهُ الحَشْرُ
والعجب أنّ الحافظَ البيهقي(٧) أورد هذا الحديث من هاتين الطريقين ، ثم قال ما حاصله : فلعلَّه
عليه الصلاة والسلام احْتَجَبَ عنهم في أولِ ركعةٍ ، ثم خرجَ في الركعة الثانية ، فصلَّى خلفَ أبي بكر ،
كما قال عروةُ وموسى بن عقبة، وخَفِيَ ذلك على أنس بن مالك ، أو أنه ذكّر بعضَ الخبرِ ، وسكَتَ عن
آخره، وهذا الذي قاله (٨) أيضاً بعيد جداً، لأن أنساً ، قال: فلم يقدر عليه حتى مات . وفي رواية
(١) مسلم (٤١٩) (٩٨) و(٩٩).
(٢) ط: ( صبيح ) .
(٣) البخاري ( ٦٨١).
(٤١٩) (١٠٠) .
(٤)
(٥) ط : (ولما ) .
(٦) ط: ( الزهري) وانظر دلائل النبوة (٧/ ١٩٧).
(٧) دلائل النبوة للبيهقي (٧/ ١٩٧ - ١٩٨).
(٨) أ : ([ ذكره ]) .

٣٣١
أمره عليه الصلاة والسلام أبا بكر أن يصلي بالصحابة
قال : فكان ذلك آخرَ العهد به . وقول الصحابي مقدّمٌ على قولِ التابعي والله أعلمُ .
والمقصودُ أنَّ رسولَ الله وَ له قدَّم أبا بكر الصديق إماماً للصحابة كلهم في الصلاة التي هي أكبر أركان
الإسلام العملية .
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري : وتقديمُه له أمرٌ معلومٌ بالضّرورة من دين الإسلام . قال : وتقديمه
له دليلٌ على أنه أعلمُ الصحابةِ وأفْرؤُهم ؛ لما ثَبَتَ في الخبر المُتَّفَقِ على صحته بين العلماء : أنّ
رسولَ اللهِّهِ قَالُ(١): ((يَؤُمُّ القَوْمَ أفْرَؤُهُم لكتاب الله، فإن كانوا في القِراءَةِ سواءً فَأَعْلَمُهم بالسُّنَّةِ ، فإن
كانوا في السُّنَّة سواءً فأكْبَرُهم سِنّاً، فإن كانوا في السّنّ سواءً فأقْدَمُهُمْ سِلْماً)) . قلت : وهذا من كلام
الأشعري ، رحمه الله ، مما ينبغي أن يكتبَ بماءِ الذَّهَب ، ثم قد اجتمعتْ هذه الصفات كلُّها في
الصديق، رضي الله عنه وأرضاه، وصلاة الرسول وَلّ خلفه في بعض الصَّلواتِ، كما قدَّمنا بذلك
الرّواياتِ الصَّحيحة لا يُنافي ما رُوي في ((الصحيح)) أنَّ أبا بكر ائتَمَّ به عليه الصلاة والسلام؛ لأنّ ذلك في
صلاةٍ أُخرى ، كما نصَّ على ذلك الشافعيُّ وغيره من الأئمة ، رحمهم الله عزَّ وجلَّ .
فائدة
استدلَّ مالكٌ والشّافعيُّ وجماعةٌ من العلماء ( ومنهم البخاري (٢) بصلاتِهِ ، عليه الصلاة والسلام ،
قاعداً وأبو بكر مُقْتَدياً به قائماً ، والناس بأبي بكر على نسخ قوله عليه الصلاة والسلام في الحديث المُتَّفْقِ
عليه(٣) حين صلّى ببعض أصحابه قاعداً. وقد وقع عن فرسٍ فَجُحِش(٤) شِقُّه، فصلوا وراء(٥) قيامً(٦)
فأشار إليهم أن اجلسوا فلما انصرفَ . قال : كذلك والذي نَفْسي بيدِه تفعلون كَفِعْلٍ فارس والروم ،
يقومون على عظمائهم وهم جلوس . وقال(٧): ((إنما جُعِلَ الإمام ليُؤْتَمّ به، فإذا كَبَّر فَكَبِّرُوا ، وإذا ركَع
فاركعوا ، وإذا رَفَع فارفَعوا، وإذا سَجَدَ فاسْجُدوا، وإذا صَلَّى جالساً فَصَلُّوا جُلوساً أجمعون)). قالوا:
ثم إنّه عليه الصلاة والسلام، أمَّهم قاعداً وهم قيام في مرض الموت ، فدلَّ على نَسْخِ ما تَقَدَّم . والله أعلم.
وقد تنوعت مسالك الناس في الجواب عن هذا الاستدلال على وجوه كثيرة ، موضعُ ذِكرها كتاب
(( الأحكام الكبير)) إن شاء الله، وبه الثقةُ وعليه التُّكْلان.
(١) مسلم (٦٧٣) .
(٢) ليس ما بين القوسين في أ .
البخاري ( ٣٧٨، ٦٨٩، ٧٣٢، ٧٣٣)، ومسلم (٤١١، ٤١٣).
(٣)
(٤)
جُحِش : خُدِش جلده ( النهاية : جحش ) .
(٥) أ : (وراءهم ) .
(٦) ليس اللفظ في ط .
(٧) فتح الباري ( ٦٨٩ و٥٦٥٨).

٣٣٢
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
ومُلَخَّصُ ذلك أنّ من الناس من زَعَم أنّ الصَّحابة جَلَسوا لأمْرِهِ المُتَقَدِّم ، وإنما استمرّ أبو بكر قائماً
لأجل التَّبليغ عنه بَّهَ. ومن الناس من قال: بل كان أبو بكر هو الإمام في نفسِ الأمر كما صرَّح به بعضُ
الرواةِ كما تقدَّم، وكان أبو بكر لشدّةِ أدَبه مع الرسول وَّهَ لا يُبادِرُه بل يَقْتَدي به، فكأنَّه عليه الصلاة
والسلام ، صار إمام الإمام ، فلهذا لم يجلسوا لاقتدائهم بأبي بكر ، وهو قائم ، ولم يجلس الصديق لأجل
أنّه إمامٌ، ولأنه يُبَلِّغُهم عن النبي ◌َِّ الحركاتِ والسَّكناتِ والانتقالاتِ ، والله أعلم. ومنَ النّاسِ منْ قال:
فَرْقٌ بينَ أن يبتدىء الصلاةَ خلفَ الإمام في حالِ القيامِ فَيَسْتَمرّ فيها قائماً ، وإن طرأ جلوسُ الإمام في أثنائها
كما في هذه الحال ، وبين أن يَبْتدىء الصلاةَ خلفَ إمام جالسٍ ، فيجبُ الجلوسُ للحديثِ المتقدِّمِ والله
أعلم . ومنَ النّاسِ منْ قال: هذا الصَّنيعُ والحديثُ المُتَقَدّم دليلٌ على جوازِ القيامِ والجلوسِ ، وإنَّ كُلاًّ
منهما سائغٌ جائزٌ ، الجلوسُ لما تقدَّم ، والقيامُ للفعلِ المُتَأَخِّر . والله أعلم .
( فصْلٌ فِي كَيفيَّةٍ ﴾(١)
احْتِضارِهِ وَوَفاتِهِ عليه الصلاةُ والسلام
قال الإمام أحمد(٢) : ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش، عن إبراهيم التَّيْمي، عن الحارثِ بن سُوَيْدٍ ،
عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: دَخَلْتُ على النبي ◌َّهِ وهو يُوعكُ فَمسِستُهُ ، فقلت: يا رسولَ الله ،
إنّكَ لَتُوعَكُ وَعْكاً شديداً . قال : أجل، إني أُوعَكُ كما يُوعَكُ الرَّجلان منكم. قلت : إنَّ لكَ أجْرَيْن.
قال : ((نعم ، والذي نفسي بيده، ما على الأرض مسلمٌ يُصيبُهُ أذى من مَرَضٍ فما سواه ، إلّا حطَّ الله عنه
به خَطاياه، كما تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرَقَها)). وقد أخرجه البخاري(٣) ومسلم(٤) من طرقٍ متعددةٍ ، عن
سليمانَ بن مهران الأعْمش به . وقال الحافظ أبو يَعْلى الموصليّ في (( مسنده)): ثنا إسحاق بن
أبي إسرائيل ، ثنا عبد الرزاق ، أنبأنا مَعْمَر ، عن زيدٍ بن أسْلَم ، عن رجلٍ ، عن أبي سعيد الخُذْري ،
قال: وضع يده على النبيِّ نَّه فقال: واللهِ ما أطيقُ أن أضعَ يدي عليك من شدّة حُمَّاك. فقال النبي ◌ِّر:
(( إنّ معشرَ الأنبياء يُضاعفُ لنا البلاءُ، كما يضاعَفُ لنا الأجرُ، إن كان النبيُّ من الأنبياء لَيَّيْتَلَى بالقَمل حتى
يقتله، وإن كانَ الرجل ليُبْتَلَى بالعُرْي حتى يأخُذَ العَباءَةَ فَيُجَوّبَها٥) ، وإن كانوا ليَفْرحون بالبلاء كما
(١) ليس ما بين القوسين في ط .
(٢)
مسند الإمام أحمد (٣٨١/١).
(٣) البخاري ( ٥٦٤٧، ٥٦٤٨، ٥٦٦٠، ٥٦٦١، ٥٦٦٧).
(٤)
مسلم ( ٢٥٧١).
(٥) يجوّبها : يقطع وسطها ( النهاية : جوب ).

٣٣٣
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
تَفْرحونُ(١) بالرخاء » . فيه رجلٌ مُبْهمٌ لا يُعْرَفُ بالكلية ، فالله أعلم .
وقد روى البخاري ومسلم(٢) من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج ، زاد مسلم : وجرير ،
ثلاثتهم عن الأعمش ، عن أبي وائل شقيق بن سلمة ، عن مسروق ، عن عائشة ، قالت : ما رأيتُ الوَجَع
على أحدٍ أشدَّ منه على رسول الله وَّد .
وفي (( صحيح البخاري (٣) من حديث يَزيد بن الهادِ ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن
عائشة، قالت: مات رسول الله وَ لَه بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكْرَهُ شدّةَ الموت لأحدٍ أبدا٤) بعد
النبي وَائل .
وفي الحديث الآخر الذي رواه(٥) في ((صحيحه)) قال: قال رسول الله: ((أشدُّ النّاسِ بلاءً الأنبياءُ ،
ثم الصّالحُون ، ثم الأمْثَلُ فالأمثلُ ، يُبْتَلَى الرجلُ على حَسَبِ دينه ، فإن كانَ في دينه صلابةٌ شُدِّد عليه في
البلاء)).
وقال الإمام أحمد(٦): حدَّثنا يعقوب، ثنا أبي ، ثنا محمد بن إسحاق ، حدّثني سعيد بن عُبيد بن
السَّاق، عن محمد بن أسامة بن (٧) زيد عن أبيه أسامة بن زيد، قال: لمّا ثَقُل رسولُ اللهِ وَلَّ هَبَطْتُ وهبطَ
النّاسُ معي إلى المدينة ، فدخلتُ على رسول الله ، وقد أصمتَ فلا يَتَكلَّم ، فجعل يرفعُ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ
ثم يصُبُّها٨) عليَّ أعرف أنّه يدعو لي. ورواه الترمذي(٩) عن أبي كُرَيْب، عن يونس بن بُكَير ، عن ابن
إسحاق . وقال : حسن غريب .
وقال الإمام مالك في مُوَطَّئِهٍ ١) عن إسماعيل بن أبي حكيم ، أنَّه سمعَ عُمَرَ بن عبد العزيز ، يقول :
كانَ منْ آخرِ ما تَكَلَّمَ به رسول الله وَّهِ أَن قال: قاتلَ اللهُ اليَهودَ والنَّصارى، اتخذوا قُبُورَ أنْبيائِهِم مساجدَ ،
لا يَبْقَيَنَّ دِينان بأرضِ العرب . هكذا رواه مُرسلاً عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رحمه الله .
(١) ط : ( يفرحون ).
البخاري (٥٦٤٦) ومسلم (٢٥٧٠) .
(٢)
(٣)
البخاري ( ٤٤٤٦ ) .
(٤)
ليس اللفظ في ط .
بعدها في أ بياض بقدر كلمةٍ ، وبعدها ( في صحيحه ، عن ) ثم بياض بقدر كلمة واحدة ، والحديث في صحيح ابن
(٥)
حبان رقم (٢٩٠٠) بنحوه .
(٦)
مسند الإمام أحمد ( ٢٠١/٥).
(٧) أ : ( بمن ) تحريف .
(٨) م : ( يصوبها على أعرف ) تحريف وزيادة .
(٩) رقم (٣٨١٧) وهو حديث حسن .
(١٠) الموطأ (٨٩٢/٢) (رقم ٢٦٠٦ برواية الليثي من ط. الدكتور بشار).

٣٣٤
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
وقد روى البخاري(١) ومسلم(٢) من حديث الزُّهري عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَة، عن عائشة،
وابن عباس ، قالا: لما نزل برسول الله وَل ◌َ طَفِقَ يَطْرَحُ خَميصَةً له على وَجْهه، فإذا اغْتَمَّ كَشَفَها عن
وجهه، فقال وهو كذلك: ((لَعْنَةُ اللهِ على اليَهودِ والنَّصارى، انَّخذوا قُبورَ أنبيائهم مساجدَ )) يُحَذِّرُ
ما صَنَعوا .
وقال الحافظ البيهقي(٣): أنبأنا أبو بكر بن أبي رجاءِ الأديب، أنبأنا أبو العباس الأصَمّ ، ثنا أحمد بن
عبد الجبار ، ثنا أبو بكر بن عَيّاش ، عن الأعمش عن أبي سفيان ، عن جابر بن عبد الله ، قال : سمعتُ
رسول الله وَ لل يقولُ قبلَ موته بثلاثٍ : أحسنوا الظن بالله .
وفي بعض الأحاديث كما رواه مسلم(٤) من حديث الأعمش ، عن أبي سفيان طلحة بن نافع ، عن
جابر، قال: قال رسول الله وَّه: ((لا يَمُوتَنَّ أحدُكم إلا وهو يُحسنُ الظَّنَّ بالله تعالى)).
وفي الحديث الآخر يقول الله تعالى: (( أنا عندَ ظنٍّ عَبْدي بي، فَلْيَظُنَّ بي خيراً)(٥) .
وقال البيهقي(٦): أنبأنا الحاكم، ثنا الأصمّ، ثنا٧) محمد بن إسحاق الصَّغانيّ ، ثنا أبو خيثمة زهير بن
حرب، ثنا جرير، عن سليمان التَّيْمي، عن قتادة، عن أنس، قال: كانَتْ عامَّةُ وصيةِ رسولِ الله وَّل
حين حَضَرَهُ الوفاة: (( الصلاةُ وما مَلَكَتْ أيمانُكُم)) حتَّى جَعل يُغَرْغِرُ بها، وما يَفيضُ (٨) بها لسانه . وقال
الإمام أحمد (٩) : ثنا أسباط بن محمد ، ثنا التَّيْمي ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك، قال : كانت عامَّةُ
وصيةِ رسولِ اللهِ وَّه حين حضره الموتُ: الصَّلاةُ وما مَلَكَتْ أيمانُكُم. حتّى جَعَلَ رسولُ اللهِوَلَهِ يُغَرْ غِرُ
بها صَدْرُهُ ، وما يكادُ يفيضُ بها لسانه . وقد رواه النّسائي وابن ماجه ١٠) من حديثٍ سُلَيْمان بن طَرْخان ،
وهو الثَّيمي ، عن قتادة ، عن أنَسٍ به. وفي رواية للنسائي(١) ، عن قتادة ، عن صاحب له ، عن أنس به.
(١) البخاري (٤٣٥، ٤٣٦، ٤٤٤٥، ٥٨١٥، ٥٨١٦).
(٢) مسلم ( ٥٣١).
(٣) دلائل النبوة للبيهقي (٢٠٤/٧).
(٤)
مسلم ( ٢٨٧٧) (٨١).
(٥) انظر ((حسن الظن بالله)) لابن أبي الدنيا، رقم (٨٤)، وفي إسناده ضعف.
(٦)
دلائل النبوة ( ٧ /٢٠٤، ٢٠٥).
(٧)
ليس اللفظ في ط .
(٨)
ط : ( يفصح) وبعدها في ط ، ولم يرد في أ : ( وقد رواه النسائي عن إسحاق بن راهويه عن جرير بن عبد الحميد
به وابن ماجه عن أبي الأشعث عن معتمر بن سليمان عن أبيه به ) .
(٩) مسند الإمام أحمد ( ١١٧/٣).
(١٠) النسائي في الكبرى (٧٠٩٥) وابن ماجه (٢٦٩٧) وهو حديث صحيح .
(١١) النسائي في الكبرى (٧٠٩٦).

٣٣٥
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
وقال أحمد(١) : ثنا بكر بن عيسى الراسبي ، ثنا عمر بن الفضل ، عن نُعيم بن يزيد ، عن علي بن
أبي طالب، قال: أمرني رسولُ اللهِ وَّهِ أن آتيه بطَبَقٍ(٢) يكتب فيه ما لا تَضِلُّ أمتُه من بعده. قال :
فخشيتُ أن تفوتني نَفْسُه . قال: قلت : إني أحْفظُ وأعي . قال: أوصي بالصَّلاة والزَّكاةِ وما مَلَكَتْ
أيمانُكُم . تَفَرَّدَ به أحمد من هذا الوجه .
وقال يعقوب بن سفيان(٣) ، ثنا أبو النعمان محمد بن الفضل ، ثنا أبو عوانة ، عن قتادة ، عن سفينة
عن أم سلمة قالت: كان عامة وصية رسول الله وَّ﴿ِ عندَ موتِهِ الصَّلاةَ الصلاة٤) وما ملكت أيمانكم ، حتى
جعل يُلَجْلِجُها في صدره ، وما يفيضُ بها لسانُه. وهكذا رواه النسائي(٥) عن حُمَيْد بن مَسْعَدة عن يزيد بن
زُرَيْع، عن سعيد(٦) بن أبي عروبة، عن قتادة أنٍ(٧) سفينة حَدَّثَ عن أم سلمة به . قال البيهقي (٨):
والصحيحُ ما رواه عفانُ عن همام عن قتادة عن أبي الخليل عن سفينة عن أم سلمة به . وهكذا رواه
النّسائي(٩) أيضاً، وابن ماجه (١) من حديث يزيد بن هارون، عن همام ، عن قتادة ، عن صالح
.(١١)
أبي الخليل ، عن سَفينة ، عن أم سلمة به
وقال أحمد١٢): ثنا يونس :١٣٥) الليث، عن يزيد بن الهاد ، عن موسى بن سَرْجِس ، عن القاسم،
عن عائشة ، قالت : رأيتُ رسولَ الله وَّر، وهو يموت، وعنده قَدَحٌ فيه ماء، فيُدخلُ يدَه في القدح ، ثم
يَمْسَحُ وَجْهَه بالماء ، ثم يقول: اللهم أعنِّي على سَكَراتِ الموت. ورواه التّرمذي١٤ّ) والنَّسائي (١٥)
(١) مسند الإمام أحمد (٩٠/١) وإسناده ضعيف.
(٢) الطَّبَق (بفتحتين) فقار الظهر التي يكتب عليها ( النهاية : طبق ) .
(٣) المعرفة والتاريخ (٤٦٠/٣).
(٤)
ليس اللفظ في ط .
(٥)
النسائي في الكبرى (٧٠٩٨) .
(٦) ط: (سعد) وهو تحريف. انظر سير أعلام النبلاء (٦/ ٤١٣).
(٧) ط : ( عن سفينة عن أم سلمة ) .
(٨) دلائل النبوة للبيهقي (٢٠٥/٧).
(٩) السنن الكبرى للنسائي (٧١٠٠).
(١٠) ابن ماجه (١٦٢٥)، وهو حديث صحيح.
(١١) بعدها في ط : ( وقد رواه النسائي أيضاً عن قتيبة عن أبي عوانة عن قتادة عن سفينة عن النبي فذكره . ثم رواه عن
محمد بن عبد الله بن المبارك عن يونس بن محمد قال : حدّثنا عن سفينة فذكر نحوه ) .
(١٢) مسند الإمام أحمد (٦٤/٦).
(١٣) ليس لفظ (حدّثنا) في ط .
(١٤) الترمذي ( ٩٧٨).
(١٥) السنن الكبرى للنسائي (٧١٠١).

٣٣٦
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
وابن ماجه (١) ، من حديث الليث به . وقال الترمذي : غريب (٢)
وقال الإمام أحمد (٣): حدَّثنا وكيع ، عن إسماعيل ، عن مصعب بن إسحاق بن طلحة ، عن عائشة ،
عن النبيّ وَّهِ قال (٤): إنَّه لَيُهوَّنُ عليَّ أني رأيتُ بياضَ كَفِّ عائشة في الجنّة. تفرّد به أحمد، وإسناده
لا بأس به ، وهذا دليل على شِدَّةِ مَحَبَّتِه عليه الصلاة والسلام، لعائشة، رضي الله عنها. وقد ذكرَ النّاسُ
معانيَ كثيرةً في كثرة المحبة ، ولم يَبْلِغْ أحدُهم هذا المبلغَ ، وما ذاكَ إلّا لأنَّهم يُبالغون كلاماً لا حقيقةً له ،
وهذا كلامٌ حقٌّ لا محالةَ ولا شَكَّ فيه .
وقال حماد بن زيد(٥): عن أيوب، عن ابن أبي مليكة، قال: قالت عائشة: تُوفِّي رسولُ الله وَلِ فِي
بيتي ، وتوفي بين سحري ونحري ، وكان جبريل يعوِّذه بدعاءٍ إذا مرض، فذهبت أدعو به(٦) فرفعَ بصرَه
إلى السماء وقال : في الرَّفيق الأعلى ، في الرّفيق الأعلى ، ودخلَ عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده جَريدةٌ
رَطْبةٌ ، فنظر إليها ، فظننتُ أنّ له بها حاجةً . قالت: فَأَخَذْتها فنَفضْتُها ٧) فدفعتُها إليه ، فاسْتنَّ بها أحسنَ
ما كانَ مُسْتَنّاً ، ثم ذهبَ يتناولها٨) ، فَسَقَطتْ من يده . قالت: فجمعَ الله بين ريقي وريقِه في آخر يوم من
الدنيا وأولٍ يومٍ من الآخرة. ورواه البخاري(٩)، عن سليمان بن حرب(١٠) عن حماد بن زيد به .
وقال البيهقي(١١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو نصر أحمد بن سَهْلِ الفقيه ببخارى ، ثنا
صالح بن محمد الحافظ البغدادي ، ثنا داود بن(١٢) عمرو بن زهير الضبي ، ثنا عيسى بن يونس ، عن
عمر بن سعيد بن أبي حسين ، أخبرنا ابن أبي مُلَيْكَةَ : أنّ أبا عمرو ذكوان مولى عائشة ، أخبره : أن عائشة
كانت تقول : إنّ من نعمة الله عليّ أنَّ رسولَ الله وَّهِ تُوفِّي في يومي ، وفي بيتي ، وبين سَخْري ونَحْري ،
وأن الله جمعَ بين ريقي وريقه عند الموت. قالت: دخل عليّ أخي بسواك معه، وأنا مُسْندةٌ رسولَ الله وَله
(١) ابن ماجه (١٦٢٣)، وإسناده ضعيف.
(٢) يعني : ضعيف .
(٣) مسند الإمام أحمد (١٣٨/٦).
(٤) ط : ( إنه قال ).
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٢٠٦/٧).
(٦) ط : ( أعوذه ) .
(٧) أ: ( فقضمتها).
(٨) ط : ( يناولنها ) .
(٩) البخاري ( ٤٤٥١).
(١٠) ط: ( جرير) تحريف.
(١١) دلائل النبوة للبيهقي (٢٠٦/٧ - ٢٠٧).
(١٢) ط: (عن) تحريف. وانظر سير أعلام النبلاء (١٣٠/١١).

٣٣٧
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
إلى صدري، فرأيته ينظرُ إليه ، وقد عرفتُ أنه يُحبُّ السِّواك ويألَفُهُ ، فقلتُ : آخُذُه لك ؟ فأشارَ برأسِه ؛
أي : نعم ، فَلَّنتُهُ له ، فأمرَّه على فيه . قالت: وبين يديه ركوةٌ أو علبةٌ فيها ماءٌ فجعلَ يُدْخل يدَهُ في الماءِ
فيمسحُ بها وجهه، ثم يقول : لا إله إلا الله، إنَّ للموت لسَكَراتٍ، ثم نصبَ أُصبُعَه اليُسرى وجَعَلَ
يقول : في الرفيقِ الأعلى، في الرَّفيقِ الأعلى، حتى قُبِضَ ، ومالت يَدهُ في الماء. ورواه البخاري(١) عن
محمد ، عن عيسى بن يونس .
وقال أبو داود الطيالسي(٢): ثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، سمعتُ عروة يُحَدِّث ، عن عائشة ،
قالت : كُنا نُحَدِّثُ أنّ النبيَّ وَ لا يموتُ حتى يُخَيَّر بين الدنيا والآخرة. قالت: فلما كان مرضُ
رسولِ الله وََّ الذي مات فيه عرضَتْ له بُخَّةٌ. فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيْنَ وَالصِّدِّيقِينَ
وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]. قالت عائشة: فَظَنَّا أنّه كان يُخَيَّر. وأخرجاه(٣)
من حديث شعبة به .
وقال الزهري: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزُّبير في رجال من أهل العِلْم ، أنَّ عائِشَة قالَتْ:
كان رسولُ اللهِ وَّهِ يقول وهو صحيح: إنه لم يُقْبِض نَبِيٌّ حتَّى يَرَى مَقْعَدَهُ من الجَنّة ثم يُخَيَّر . قالت عائشة:
فلما نزلَ برسولِ اللهِ وَّه ورأسُه على فَخِذي غُشِي عليه ساعةً، ثم أفاق فأَشْخَصَ بَصَرَهُ إلى سَقْفِ البيتِ .
وقال : اللَّهِمَّ الرفيقَ الأَعلى. فعرفتُ أنَّه الحديثُ الذي كان حَدَّثَنَاه، وهو صحيحٌ: أنَّه لم يُقْبضْ نَبِيٌّ قَطُ
حَتَّى يَرَى مَفْعَدَهُ منَ الجَنَّة، ثم يُخَيَّر. قالت عائشة: فقلت: إذاً لا تَخْتارُنا. قالت (٤) عائشة : كانَتْ
تلك الكلمةُ آخِرَ كلمةٍ تَكَلَّمَ بها رسولُ الله ◌َِّ الرفيقَ الأعلى. أخرجاه(٥) من غير وجهٍ ، عن الزُّهْريِّ به .
وقال سفيان ، هو الثوري ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ ، عن أبي بُرْدة ، عن عائشة، قالت : أُغْميَ
على رسول الله بَّه وهو في حِجْري، فَجَعَلْتُ أمْسَحُ وَجْهَهُ وأدعو له بالشفاء . فقال: لا، بَلْ أسألُ اللهَ
الرفيقَ الأعلى الأسْعَدَ مع جبريل وميكائيل وإسرافيلَ . رواه النَّسائي(٦) من حديث سفيان الثوريّ به . وقال
البيهقي (٧): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وغيره ، قالوا : ثنا أبو العباس الأصم ، ثنا محمد بن عبد الله بن
عبد الحكم ، ثنا أنس بن عياض ، عن هشام بن عروة ، عن عَبّاد بن عبد الله بن الزبير : أنَّ عائشة أخبرتُهُ
(١) البخاري (٤٤٤٩ ).
(٢) مسند الطيالسي (١٤٥٦).
(٣) البخاري (٤٤٣٥) ومسلم (٢٤٤٤) (٨٦).
ط : ( وقالت ) .
(٤)
(٥) البخاري رقم (٤٤٦٣) ومسلم (٢٤٤٤) (٨٧).
(٦) السنن الكبرى (٧١٠٤، ١٠٩٣٦)، وهو حديث صحيح .
(٧) في ((دلائل النبوة)) (٢٠٩/٧).

٣٣٨
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
أنَّها سمعَتْ رسول الله وَّيه، وأصْغَتْ إليه قَبْلَ أن يَموتَ وهو مُسْنِد إلى صدرها يقول: اللهمَّ اغفر لي
وارحمني ، وألْحِقْني بالرفيق . أخرجاه(١) من حديث هشام بن عروة .
وقال الإمام أحمد(٢): حدَّثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق ، حدّثني يحيى(٣) بن عباد بن
عبد الله بن الزُّبَيْر ، عن أبيه عباد : سمعتُ عائشة تقول : مات رسول الله پێ# بين سَخْري ونَحْري ، وفي
دَوْلَتي، ولم أظلم فيه أحداً ، فمن سَفَهي وحَدَاثَة سني أنَّ رسول الله بِ لّهِ قُبضَ وهو في حَجْري ، ثم
وضعتُ رأسَه على وسادة وقمتُ أَلْتَدِمُ(٤) مع النّساءِ وأَضْرِبُ وَجْهِي .
وقال الإمام أحمد(٥) : حدّثنا محمد بن عبد الله بن الزبير ، ثنا كثير بن زيد ، عن المطلب بن
عبد الله، قال: قالت عائشة: كان رسولُ اللهَوَّلَه يقول: ما منْ نَبِيّ إلا تُقْبضُ نفسُه، ثم يرى الثوابَ،
ثم تُرَدُّ إليه ، فيُخَيَّرُ بينَ أن تُرَدَّ إليه وبين أن يَلْحَق، فكنتُ قَدْ حَفِظْتُ ذلك منه فإني لمُسْنِدَتُهُ إلى صَدْري ،
فنظرتُ إليه حينَ مَالَتْ عنقُه ، فقلت : قدْ قَضَى ، فعرفْتُ الذي قال، فنظَرْتُ إليه حينَ ارتفعَ فنظر .
قالت : قلت : إذاً واللهِ لا يَخْتارُنا. فقال: مع الرَّفيقِ الأعلى في الجنة: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ
النَّبِنَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا﴾ [ النساء: ٦٩] تفرَّدَ به أحمدُ ، ولم يخرجوه.
وقال الإمام أحمد(٦) : حدَّثنا عفّان ، حدثنا همام ، أخبرنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ،
قالت: قُبضَ رسولُ اللهِ وَّهُ، ورأسُه بين سَحْري ونَحْري. قالت: فلما خرجَتْ نفسُه لم أجد ريحاً قطُّ
أطيبَ منها . وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرطِ الصَّحيحين ، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب السّة .
ورواه البيهقيُّ(٧) من حديث حَنْبَل بن إسحاق ، عن عفان .
وقال البيهقي(٨): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو العباس الأصم ، ثنا أحمد بن عبد الجبار ،
ثنا يونس ، عن أبي معشر عن محمد بن قيس بن أبي عروة ، عن أم سلمة ، قالت : وَضَعْتُ يدي على
صدر رسول الله وَّه يومَ مات، فَمَرَّت لي جُمَعٌ آكُلُ وأتوضَّأ ، وما يذهبُ ريحُ المِسْكِ من يدي .
(١) ط: (وأخرجاه) وانظر البخاري (٤٤٤٠، ٥٦٧٤) ومسلم (٢٤٤٤) (٨٥).
(٢) مسند الإمام أحمد (٢٧٤/٦) .
(٣) ط: ( يحيى بن يحيى). وانظر تاريخ البخاري (٢٩١/٨).
(٤) ط : ( ألدم ) .
(٥) مسند الإمام أحمد (٧٤/٦)، وإسناده منقطع.
(٦) مسند الإمام أحمد (١٢١/٦ - ١٢٢).
(٧) دلائل النبوة (٢١٣/٧).
(٨) دلائل النبوة للبيهقي (٢١٩/٧).

٣٣٩
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
وقال أحمد(١): حدَّثنا عفان وبَهْزٌ، قالا : ثنا سليمان بن المغيرة ، ثنا حميد بن هلال ، عن
أبي بُرْدَةَ، قال : دخلتُ على عائشة، فأخرجت إلينا إزاراً غليظاً مما صُنِعُ(٢) باليمن ، وكساءً من التي
يدْعون المُلَتَّدةَ، فقالت: إن رسول الله وَ ل﴿ قُبضَ في هذين الثوبين. وقد رواه الجماعةُ(٣) إلا النسائي من
طرق ، عن حميد بن هلال به . وقال الترمذي : حسنٌ صحيح .
وقال الإمام أحمد(٤) : حدَّثنا بَهْزٌ ، ثنا حماد بن سلمة ، أنبأنا أبو عِمْران الجَوْني، عن يزيد بن
بابَنُوس ، قال : ذهبتُ أنا وصاحبٌ لي إلى عائشة ، فاسْتَأْذَنَا عليها ، فألقت لنا وسادةً وجَذَبَتْ إليها
الحِجابَ . فقال صاحبي : يا أم المؤمنين ، ما تقولين في العِراك ؟ قالت : وما العِراك ؟ فضربتُ مَنكِبَ
صاحبي . فقالت: مَه٥ُ) آذَيْتَ أخاك. ثم قالت: ما العِراكُ، المَحيض! قولوا ما قال الله عزَّ وجلَّ
﴿المَحِيض﴾ [البقرة: ٢٢٢] ثم قالت: كان رسول الله وَ لَيَتَوشَّحُني، وينال من رأسي ، وبيني وبينه ثوبٌ
وأنا حائض. ثم قالت: كان رسولُ الله ◌ِّهِ إِذا مَرَّ ببابي مما يُلْقي الكلمةَ يَنْفَعني اللهُ بها ، فمرَّ ذاتَ يومٍ ،
فلم يَقُلْ شيئاً ، ثم مر فلم يقل شيئاً مَرَّتين أو ثلاثاً . فقلتُ : يا جارية ضَعي لي وسادةً على الباب ،
وعصبتُ رأسي ، فمر بي . فقال يا عائشة، ما شأنُك؟ فقلتُ : أشتكي رأسي . فقال : أنا وارأساه ،
فذهبَ فلم يلبث إلا يسيراً حتى جيء به محمولاً في كساءٍ ، فدخل عليّ ، وبعث إلى النساء فقال : إني قد
اشتكيتُ ، وإني لا أستطيعُ أن أدورَ بينكن فَأُذَنَّ لي فَلأَكُنْ عند عائشة (٦) فكنتُ أمرِّضُهُ ولم أمرِّض أحداً
قبله ، فبينما رأسُه ذاتَ يومٍ على مَنْكبي إذ مال رأسُه نحوَ رَأْسي ، فظننتُ أنَّه يريدُ من رأسي حاجةً ،
فخرجَتْ من فيه نقطةٌ باردةٌ، فوقعَتْ على ثغرة(٧) نحري فاقْشَعَرَّ لها جلدي ، فظننتُ أنه غُشيَ عليه ،
فسَجَّيْتُهُ ثوباً ، فجاء عمر والمغيرة بن شعبة ، فاستأذَنا فأذِنْتُ لهما ، وجذَبْتُ إليَّ الحِجاب ، فنظرَ عمر
إليه ، فقال : واغَشياه، ما أشدَّ غَشْيَ رسولِ اللهِوَ يل ثم قاما، فلما دَنوا من الباب قال المغيرةُ : يا عمر ،
ماتَ رسول الله وَ لَه قال(٨) كَذَبْتَ، بل أنتَ رجلٌ تَحوسُكَ(٩) فتنةٌ. إنّ رسولَ الله ◌َوَ لا يموتُ حتى يُفْنِيَ
(١) مسند الإمام أحمد (١٣١/٦).
(٢) ط : ( يصنع ) .
(٣) البخاري (٣١٠٨، ٥٨١٨)، ومسلم (٢٠٨٠) (٣٤) و(٣٥)، وأبو داود (٤٠٣٦)، والترمذي ( ١٧٣٣)،
وابن ماجه ( ٣٥٥١ ).
(٤) مسند الإمام أحمد (٢١٩/٦، ٢٢٠)، وإسناده حسن .
(٥) ط : ( قالت ما) .
(٦) في المسند : ( عائشة أو صفية ) .
(٧) ط : ( نقرة ) .
(٨) ط : ( قلت ).
(٩) تحوسك فتنة أي تخالطك وتحثّك على ركوبها ( النهاية : حوس ) .

٣٤٠
كيفية احتضاره ووفاته عليه الصلاة والسلام
اللهُ المنافقين . قالت : ثم جاء أبو بكر فرفعتُ الحجاب ، فنظر إليه ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ،
مات رسولُ اللهِ وَّةِ. ثم أتاه من قِبل رَأْسِه فحدَر فاه فَقَبَّل جَبْهَتَهُ ثم قال: وانبيَّه . ثم رفع رأسه فحدرَ
فاه ، وقبَّل جَبْهَته، ثم قال: واصَفيّاه، ثم رفعَ رأسَه وحدَر فاه وقَبَلَ جَبْهَته ، وقال: واخَليلاه ، مات
رسولُ اللهَ وَهُ وخرج إلى المسجد، وعمر يخطبُ الناسَ، ويتكلَّم ويقول: إنّ رسولَ الله لا يموتُ حتى
يُفْنِيَ اللهُ المنافقين. فتكلّم أبو بكرٍ فَحَمِدَ الله وأثْنَى عَلَيْهِ، ثم قال إن الله يقول: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتُ وَإِنَّهُمْ تَبُِّونَ ﴾
[ الزمر: ٣٠] حتى فرغ من الآية. ﴿ وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَّ
أَعْقَبِّكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ [آل عمران: ١٤٤] حتى فرغ من الآية، ثم قال: فَمَنْ كانَ يَعْبَدُ الله فإنَّ اللهَ
حَيٍ(١) ، ومَنْ كانَ يَعْبُدُ محمداً فإنَّ مُحَمَّداً قد مات . فقال عمر : أو أنّها في كتاب الله ، ما شعرتُ أنَّها في
كتاب الله. ثم قال عمر: يا أيها الناس ، هذا أبو بكر، وهو ذو شَيْبَةُ(٢) المسلمين ، فبايعوه ، فبايَعوه .
وقد رواه(٣) أبو داو(٤) والترمذي في (( الشمائل (٥) من حديث مَرْحومٍ بن عبد العزيز العَطّار ، عن
أبي عِمْرانَ الجَوْني به ببعضه .
وقال الحافظ البيهقي(٦) : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، أخبرنا أبو بكر بن إسحاق ، أخبرنا أحمد بن
إبراهيم بن مِلْحان ، ثنا يحيى بن بكير ، ثنا الليث، عن عُقَيْل ، عن ابن شهاب ، أخبرني أبو سلمة بن(٧)
عبد الرحمن أنّ عائشة أخبرته : أنَّ أبا بكرٍ أقبل على فَرَسٍ من مَسْكَنه بالسُّنْحُ(٨) ، حتى نزل ، فدخل
المسجدَ ، فلم يكلِّم النّاس حتى دخل على عائشة، فيمَّم رسول اللهَِّ وهو مُسَجّى (٩) ببردِ حِبَرَةٍ ،
فكشف عن وجهه ، ثم أكبَّ عليه فقبّله ، ثم بكى . ثم قال: بأبي أنتَ وأُمّي يا رسولَ الله ، والله لا يَجْمَعُ
اللهُ عليكَ مَوتَتَيْنِ أبداً ، أما الموتةُ التي كُتِبَتْ عليكَ فَقَدْ مُتَّها .
(١) بعده في ط : ( لا يموت ) .
(٢) ط : ( سبية ) تحريف .
(٣) ط : (وقد روى ) .
(٤) أبو داود (٢١٣٧)، وهو حديث صحيح.
(٥)
شمائل الترمذي ( ٣٧٤) .
دلائل النبوة للبيهقي ( ٢١٥/٧).
(٦)
ط : ( عن) تحريف. وانظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٨٧).
(٧)
السُّنح : بضم أوله ، وسكون ثانيه ، وقد يضمّ ثانيه ، وهي إحدى محال المدينة كان بها منزل أبي بكر الصديق رضي
(٨)
الله عنه وهي في طرف من أطراف المدينة ، وهي منازل الحارث بن الخزرج بعوالي المدينة وبينها وبين منزل النبي
وَر ميل (معجم البلدان: سنح ) .
(٩) في الدلائل: ( معشى عليه).