النص المفهرس

صفحات 301-320

٣٠١
أحداث سنة ١١ هـ
وقال عبد الرزاق(١): أنبأنا مَعْمرٌ، عن الزُّهْري. قال: سمعتُ سعيد بن المُسَيّب يقولُ: غَزا
رسولُ اللهِوَ ◌ّهِ ثماني عَشْرَةَ غَزْوةً. قال وسَمِعْتُهُ مَرَّةً يقولُ: أربعاً وعِشْرين غَزْوةً ، فلا أدري : أكان ذلك
وَهْماً ، أو شَيْئاً سَمِعَهُ(٢) بعد ذلك .
وقال قتادة(٣): غزا رسولُ اللهِ تِسْعَ عَشْرَةَ ، قاتَلَ في ثمانٍ منها ، وبعث من البُعوثِ أربعاً وعشرين ،
فَجَمِيعُ غَزَواتِهِ وسَراياهُ ثلاثٌ وأرْبَعون .
وقد ذكر عُرْوةُ بن الزُّبَيْر ، والزُّهْري ، وموسى بن عُقْبَة، ومحمد إسحاق بن يَسارٍ ، وغير واحد من
أئمة هذا الشأن: أنه عليه الصلاة والسلام قَاتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ في رمضان من سنة اثنتين، ثم في أُحُدٍ في شَوّال
سَنَ ثَلاثٍ ، ثم في الخَنْدَق وبَنِي قُرَيْظة في شَوّال أيضاً من سنة أربعٍ وقيل خمس ، ثم في بني المُصْطَلِقِ
بالمُرَيْسيعِ في شعبان سنة خَمْسٍ ، ثم في خَيْبَرٍ في صفر سنةَ سبعٍ ، ومنهم منْ يَقولُ سنةَ ستّ ، والتَّحقيقُ
أنَّه في أوّلَ سَنَةِ سَبْعٍ وآخر سنة ستّ ، ثم قاتَلَ أهلَ مكَّةَ في رمضان سنةَ ثمانٍ ، وقاتَلَ هوازِنَ ، وحاصَرَ
أهْلَ الطَّائِفِ في شوال وبعض ذي القعدة٤) سنة ثمان ، كما تَقَدَّمَ تَفْصيله، وحجَّ في سنة ثمانٍ بالنّاسِ
عَنَّابُ بن أَسيدٍ نائبُ مَكَّةَ ، ثم في سَنَّةٍ تِسْعِ أبو بكر الصِّدِّيقُ، ثم حَجَّ رسولُ اللهِوَ ◌ِّ بالمسلمين سنةَ عَشْر.
وقال محمد بن إسحاق(٥): وكان جميعُ ما غَزا رسولُ اللهِ وَّهِ بنفسه الكريمة سبعاً وعِشْرين غَزْوةٌ .
(غَزْوَة وَذَّانَ، وهي غَزْوةُ الأبواء(٦)، ثم غزوة بُواط من ناحية رَضْوى، ثم غزوة العُشَيْرة من بطن
يَنْبُعِ، ثم غَزْوة بَدْرِ الأُولى يَطْلُبُ(٧) كُزْزَ بنَ جابرٍ، ثم غَزْوَ بَدْرِ العُظْمى(٨) التي(٩) قَتَلَ الله فيها صَناديدَ
قُرَيْشٍ ، ثم غزوة بني سُليْم حتى بلغ الكُدْرُ(١٠) ، ثم غَزْوة السَّويق يطلب(٧) أبا سفيان بن حرب ، ثم غَزْوة
غطّفان، وهي غَزْوة ذي أمَر(١١)، ثم غزوة نَجْران، معدن بالحجاز، ثم غَزْوة أُحُدٍ ، ثم حَمْراءِ الأسَدِ ،
ثم غَزْوَة بني النَّير ، ثم غَزْوة ذات الرِّقاع من نخل ، ثم غَزْوة بَدْرٍ الآخرة ، ثم غَزْوَة دُومة الجَنْدَلِ ، ثم
(١) في مصنفه (٩٦٥٩) .
(٢) ط : ( سمعته ) .
دلائل النبوة في مواضع كثيرة منها ( ٥/ ٤٦٢ و ٤٦٣ و ٤٦٨ و٤٦٩).
(٣)
(٤)
في الأصول : ذي الحجة ، وهو خطأ .
(٥)
سيرة ابن هشام (٢/ ٦٠٨ - ٦٠٩).
(٦)
ليس ما بين القوسين في أ .
(٧)
ط : ( بطلب ) .
(٨) في السيرة (٦٠٨/٢): (الكبرى).
(٩) ط : ( الذي ) .
(١٠) انظر معجم البلدان ( كُدْر ).
(١١) انظر معجم البلدان ( أمر).

٣٠٢
أحداث سنة ١١ هـ
غَزْوَة الخَنْدَقِ ، ثم غزوة بني قُرَيْظة، ثم غَزْوةَ بني لِحْيان من هُذَيل ، ثم غَزْوة ذي فَرَدٍ ، ثم غَزْوة بني
المُصْطَلق من خزاعة ، ثم غزوة الحُدَيْبية، لا يريد قتالًا، فَصَذَّه المشركون، ثم غَزْوة خَيْبر ، ثم عُمْرة
القَضاء(١)، ثم غَزْوة الفَتْح، [ ثم غزوة حنين ]٢) ، ثم غزوة الطائف، ثم غَزْوة تَبوك.
قال ابن (٣) إسحاق: قَاتَلَ منها في تِسْعِ غَزَواتٍ، غزوةُ(٤) بَدْر، وأُحُد ، والخَنْدِق ، وقُرَيْظَة ،
والمُصْطَلق، وخَيْبَر، والفَتْح، وحُنَيْن ، والطّائف .
قلتُ : وَقَدْ تَقَدمَ ذلك كلُّه مَبْسوطاً في أماكنه بشواهِدِه وأدِلَّتِهِ ، ولله الحمد .
قال ابن إسحاق(٥) : وكانت بعوثه عليه الصلاة والسلام وسراياه ثمانياً وثلاثين، من بَيْن بَعْثٍ
وسَريَّةٍ . ثم شَرَعَ رحمه الله في ذكر تَفْصيل ذلك .
وقد قدمنا ذلك كُلَّه أو أكثره مُفَصَّلاً في مواضعه ولله الحمد والمنة . ولنذكر ملخص ما ذكره ابن
إسحاق :
بَعْثُ عُبَيدة بن الحارث ، إلى أسفل ثنيَّةِ المَرَةٍ(٦) .
ثم بَعَثَ حمزةَ بنَ عبدِ المُطَّلب إلى الساحل من ناحية العيص ، ومن الناس من يُقَدِّمُ هذا على بَعْثِ
عُبَيْدَةً كما تقدم . فالله أعلم .
بَعْثُ سَعْد بن أبي وقاص إلى الخَرّار(٧).
بَعْثُ عبد الله بن جَحْش إلى نَخْلَة (٨) .
بعث زيد بن حارثة إلى القَرَدة .
بعث مُحَمّد بن مَسْلمة إلى كَعْب بن الأشْرف .
بعث مَرْثَد بن أبي مَرْتَد إلى الرَّجيع .
بعثُ المُنْذَر بن عمرو إلى بئر مَعونَةً .
(١) بعدها : ( ثم القضاء ) .
(٢) ليس ما بين القوسين في ط .
(٣) ليس اللفظ في ط وانظر السيرة (٦٠٩/٢).
(٤) ليس اللفظ في السيرة.
(٥) سيرة ابن هشام (٦٠٩/٢).
(٦) انظر معجم البلدان ( ثنية المرة ) .
(٧) ط: ( الجرار) تحريف. وانظر السيرة النبوية (٦٠٩/٢)، ومعجم البلدان: ( الخرار ).
(٨) ط : ( بجيلة) . وانظر السيرة ومعجم البلدان ( نخيلة ).

٣٠٣
أحداث سنة ١١ هـ
بعثُ أبي عُبَيْدة إلى ذي القَصَّهُ()
بعث عمر بن الخطاب إلى تُزبة٢ٌ) في أرض بني عامر .
بعث عليّ إلى اليمن .
بعث غالبٍ بن عبد الله الكَلْبي إلى الكَديد فأصاب بني المَلَوَّح، أغار عليهم في النيل . فقتل طائفةٌ
منهم ، واستاق نِعَمَهُمْ، فجاء نفيرهم في طلب النَّعَمِ ، فلما اقْتَرَبُوا حالَ بَيْنَهُمْ وبينهمُ(٣) وادٍ من السَّيْلِ ،
وأسَروا في مسيرهم هذا الحارثَ بن مالك ابن البَرْصاءِ . وقد حرر ابن إسحاق هذا هاهنا وقد تقدم بيانه .
بعث(٤) عليّ بن أبي طالب إلى أرض فَدَك .
بعث أبي(٥) العَوْجاء السُّلَمي إلى بني سُلَيْم ، أُصيب هو وأصحابه .
بعثُ عُكَّاشة إلى الغَمْرة .
بعث أبي سَلَمة بن عبد الأسَد إلى قَطَنٍ وهو ماءٌ بنجدٍ لبني أسَد .
بعث محمد بن مَسْلَمَة [ أخي بني حارثة ) إلى القُرَطاء من هوازن. بعث بَشير بن سَعْدٍ إلى بني مُرَّة
بفَدَك . وبعثه أيضاً إلى ناحية حنين .
بعث زيد بن حارثة إلى الجَموم من أرض بني سُلَيْم .
بَعْثُ زيد بن حارثة إلى جُذامٍ من أرض بني خُشَيْنٍ .
قال ابن هشامُ(٢) : وهي من أرض حِسْمَى. وكان سَبَبُها - فيما ذكره ابن إسحاق وغيره ــ : أنَّ دِحيةً بن
خَليفة لما رجَعَ من عند قيصر، وقد أبلغه كتابَ رسولِ اللهِ وَّهَ يَدْعُوه إلى الله، فأعطاه من عنده تُحَفاً
وهدايا ، فلما بلغ وادياً في أرض بني جُذام يقال له : شَنارٌ . أغارَ عليه الهُنَيِّدُ بن عَوْص ، وابنه عَوْصُ بن
الهُنَيْدِ الصُّلَيْعّان، والصُّلَيْعُ(٨) بطن من جُذامٍ، فأخذا ما معه، فنفرَ حَيٌّ منهم قد أسْلَموا فاسْتَنْقذوا ما كان
أُخذَ لِدِحية فردُوه عليه، فلما رجَع دِحْية إلى رسول اللهِ وَّرَ أَخْبَرَه الخبر، واسْتَسْقاه دم الهُنَيّد وابنه
(١) بعدها في السيرة : ( من طريق العراق ) .
ط : ( برية ) . وهو تحريف انظر السيرة .
(٢)
ط : ( فاستاق نعمهم فجاء نفرهم في طلب النعم فلما اقتربوا حال بينهم وادٍ ) .
(٣)
(٤)
سيرة ابن هشام (٢/ ٦١١) .
ط : ( أخي ) وانظر سيرة ابن هشام .
(٥)
(٦) ما بين المعقوفتين عن السيرة ومكانها في ط وأ: ( إلى ).
السيرة ( ٢/ ٦١٢ ) .
(٧)
(٨) في السيرة (الضُلَعَيّان والضَّليع) وانظر الاشتقاق (٣٥٨)، ومعجم ما استعجم (٤٤٧/١).

٣٠٤
أحداث سنة ١١ هـ
عَوْص ، فَبَعَث حينئذٍ زيد بن حارثة في جيش إليهم ، فساروا إليهم من ناحية الأولاج ، فأغار بالماقصِ من
ناحية الحَرّة، فَجَمَعوا ما وَجَدوا من مالٍ وناسٍ ، وقتلوا الهُنَيْد وابنَه وَرَجُلَيْن من بني الأحْنَفَ ، ورجلاً من
بني خَصيبٍ ، فلما احتاز زيدٌ أموالهم وذراريهم اجتمع نفرٌ منهم برفاعة بن زيد ، وكان قد جاءه كتاب من
رسول الله وٌَّ يدعوهم إلى الله، فَقَرأهُ عليهم رفاعةُ، فاستجاب له طائفةٌ منهم ، ولم يَكُنْ زَيْدُ بن حارثة
يعلمُ بذلك (١)، فركبوا إلى رسول اللهَ وَّه إلى المدينة في ثلاثة أيام فأَعْطَوْهُ الكِتابَ، فأمرَ بقراءَتِهِ جَهْرةً
على الناس. ثم قال رسول الله: (( كَيْفَ أصْنَعُ بالقَتْلَى؟)) ثلاث مرات. فقال رجُلٌ منهم ، يقال له :
أبو زيد بن عمرو : أطْلِقْ لنا يا رسولَ اللهِ مِنْ كانَ حَيَّاً ، ومن قُتِلَ فهو تَحْتَ قَدَمي هذه؟ فبعثَ مَعَهم
رسولُ اللهِوَلَّ عليّ بن أبي طالب. فقال عليّ: إن زيداً لا يُطيعُني، فأعطاهُ رسولُ اللهِ ◌ّهِ سيفَه علامةٌ ،
فسار معهم على جَمَلٍ لهم . فَلَقوا زَيْداً وجَيْشَه، ومعهم الأموالُ والذّراري بفَيْفاء الفَحْلَتين، فَسَلَّمَهم عليّ
جميعَ ما كانَ أُخِذَ لَهُمْ لم يفقدوا منه شيئاً .
بعث زيد بن حارثة٢) أيضاً إلى بني فزارة بوادي القرى ، فقتل طائفة من أصحابه وازْتُثَّ(٣) هو منْ بينٍ
القَتْلى ، فلما رَجَعَ آلى أن لا يَمَنَّ رأسَه غُسْلٌ من جَنابةٍ حتى يَغْزُوَهُم أيضاً ، فلما اسْتَبَلَّ(٤) )) من جِراحِه
بَعَثَهُ رسولُ الله ◌ِّهِ ثانياً في جيشٍ ، فَقَتَلَهُمْ بوادي القُرى، وأسرَ أمَّ قِرْفَةَ فاطِمَةَ بنتَ رَبيعةَ بن بدر ، وكانَتْ
عند مالكِ بن حُذَيْفَةَ بن بدرٍ ، ومعها ابنةٌ لها، فأمر زَيْدُ بن حارِثَةَ قَيْسَ بن المُسَخَّرِ الْيَعْمريَّ، فَقَتَل
أمَّ قِرْفَةَ ، واسْتَبْقَى ابْنَتَهَا، وكانت من بَيْتِ شَرَفٍ، يُضْرَبُ بأم قِرِفَةَ المَثَلُ في عِزّها٥) ، وكانتْ بنتُها مع
سَلَمَة بن الأكْوَع فاستوَهَبها منه رسول الله بِّهِ فَأَعْطاه إياها، فوَهَبَها رسولُ الله لخالِهِ حَزْن بن أبي وَهْبٍ ،
فوَلَدَتْ له ابنَهُ عبدَ الرحمن .
بَعْثُ عبد الله بن رَوَاحة(٦) إلى خَيْبَرَ مَرَّتين : إحداهما التي أصاب فيها اليُسيرَ بن رِزامٍ ، وكانَ يَجْمع
غطفانَ لغزوِ رسولِ اللهِ لّفبعثَ رسولُ الله عبد الله بن رواحة في نَفَرٍ منهم عبد الله بن أَنَّسَ فقدموا عليه ،
فلم يَزالوا يُرَغِّبونه ليُقْدِموه على رسول الله بَِّ، فسار مَعَهم، فلما كانوا بالقَرْقَرَةِ على ستةِ أميالٍ من
(١) ط : ( ذلك ).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٦١٧).
(٣) الارتثاث: أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح، والرثيث أيضاً: الجريح ( النهاية :
رثٌ ) .
(٤) من قولهم: (( بَلَّ من مرضه وأبلَّ، والبل الشفاء ( النهاية : بلل ) .
(٥) يقال: أعز من أم قرفة ، وأمنع من أم قرفة، أوردتهما في معجم الأمثال العربية ( أمم - عزز - قرف ـ منع)
ومصادرهما: مجمع الأمثال (٤٥/٢) و(٣٢٣)، والدرة الفاخرة (٢٩٧/١) و(٣٠٢)، وجمهرة الأمثال
(٣٣/٢) و(٦٦) والمستقصى (٢٤٥/١) و(٣٦٨). واللسان: قرف.
(٦) سيرة ابن هشام (٦١٨/٢).

٣٠٥
أحداث سنة ١١ هـ
خيبر ، ندم اليسيْرُ على مَسيرِه ، ففطِنَ له عبدُ الله بن أَنَيْس - وهو يريد السَّيْفَ - فضربه بالسَّيفِ فَأطنُ(١)
قدمه، وضربه اليسير بمِخْرشٍ(٢) من شَوْحَطٍ (٣) في رأسه فأمَّه ، ومال كلُّ رجلٍ من المسلمين على صاحبه
من اليهود فَقَتَله إلا رجلاً واحداً أفْلَتَ على رجليه(٤)، فلما قدم ابن أنّيْس تَفَل في رَأْسِه رسولُ اللهَوَّه فلم
یقِخْ جرحه ولم يُؤْذِهِ .
قلتُ : وأظنُّ البعث الآخَر إلى خيبر لما بعثه عليه الصلاة والسلام خارص٥ً) على نخيل خَيْبَر ، والله
أعلم .
بعْثُ عبد٦) الله بن عَتِيكِ وأصحابه إلى خيبر ، فقتلوا أبا رافع اليهودي .
بعث عبد الله بن أُنَيَّس إلى خالدِ بن سُفْيان بن نُبَيْح فقتله، بعُرَنةُ(٧) . وقد روى ابنُ إسحاق قِصَّتَهُ
هاهنا مُطوَّلةٌ(٨) وقد تقدَّم ذكرها في سنة خمسٍ والله أعلم .
( بعث زيد بن حارثة وجعفر وعبد الله بن رواحة إلى مؤتة من أرض الشام فأصيبوا كما تقدم . بعث
كعب(٩) بن عمير) ١٠) إلى ذات أطْلاحٍ من أرض الشَّام ، فأصيبوا جميعاً أيضاً .
بعث عُيَينة بن حصن بن حُذَيّفة بن بدرٍ(١١) إلى بني العَنْبر من تَميم ، فأغار عليهم ، فأصاب منهم
أُناساً ، ثم ركبَ وَفْدُهم إلى رسول اللهَوَّهِ فِي أَسراهم، فأغْتَقَ بعضاً وفَدَى بعضاً .
بعث غالب بن عبد الله١٢) أيضاً إلى أرض بني مرة ، فأُصيب بها مِزْداسُ بن نَهيكِ حليفٌ لهم من
الحُرَقةِ من جُهَيْنة قتله أسامة بن زيد، ورجل من الأنصار أدْركاه ، فلما شَهَرا السِّلاحَ ، قال : لا إله إلا
الله، فلما رَجَعا لامَهُمَا رسولُ الله ◌َ يهِ أشدَّ اللومِ، فاعْتَذَرا بأنَّه ما قال ذلك ألا تَعَوُّذا من القَتْلِ. فقال
لأسامة : هَلّ شَقَقْتَ عَنْ قلبِهِ ؟ وجعلَ يَقولُ لأَسَامة : منْ لكَ بلا إله إلا الله يَوْمَ القِيامةِ . قال أسامة :
(١) أطنّ قدمه أي قطعها، استعارة من الطنين ( النهاية : طنن ).
((المِخْرِشُ)): عصاً مُعْوَجَّةُ الرأس كالصولجان ( النهاية : خرش ) .
(٢)
((الشَّوْحَطَ)): ضرب من شجر الجبال تتخذ منه القسيّ ( النهاية : شوحط).
(٣)
(٤)
ط : ( قدميه ) .
خَرَص النخلة والكرمة يخرصُها خَرْصاً : إذا حزر ما عليها من الرطب تمراً ومن العنب زبيباً ( النهاية : خرص ) .
(٥)
(٦) ط: (عبيد) وانظر السيرة النبوية (٦١٩/٢).
(٧) ط : ( عرفة ) وانظر السيرة .
(٨) سيرة ابن هشام (٦١٩/٢).
(٩) انظر السيرة النبوية (٦/ ٦٢١).
(١٠) ليس ما بين القوسين في ط .
(١١) السيرة النبوية (٦٢١/٢ - ٦٢٢).
(١٢) السيرة النبوية (٦٢٢/٢ - ٦٢٣).

٣٠٦
أحداث سنة ١١ هـ
فما زال يُكَرِّرُها حَتّى لوددتُ(١) أنْ لمْ أَكُنْ أسلمتُ قبلَ ذلك . وقد تقدَّم الحديث بذلك .
بعث عمرو بن العاص(٢) إلى ذات السَّلاسِلِ من أرْضِ بني عُذْرة يَسْتَنْفِرُ العَرَبَ إلى الشّام ، وذلك أنّ
أمّ العاص بن وائلٍ كانَتْ من بَلِيٍّ، فلذلك بَعَث عَمْراً يَسْتَنْفِرُهُمْ لَيَكُونَ أَنْجَعَ فيهم فلمّا وَصَلَ إلى ماءٍ لهم
يقال له السَّلْسَل خافَهُمْ، فبعثَ يَسْتَمِدُّ رسولَ اللهِّه، فَبَعَثَ إليهُ(٣) رسول اللهِوَّه سريةً فيهم أبو بكر
وعمر ، وعليها أبو عُبَيْدة بن الجَرّاح، فلما انْتَهْوا إليه تأمّر عليهم كُلِّهم عَمْروُ(٤) ، قال: إنما بُعِثْتُمْ مَدَداً
لي . فلم يُمانِعْهُ أبو عُبَيْدة: لأنَّه كَانَ رَجُلاً سَهْلاً لَيَّنَاَ هَيْناً عليهُ(٥) أمر الدنيا، فسلَّم له، وانْقادَ معه ، فكانَ
عمرو يُصلِّي بهم كلِّهم، ولهذا لما رَجَعَ قال : يا رسولَ الله، أيُّ النّاسِ أحَبُّ إليك ؟ قال : عائشة .
قال : فمن الرجال(٦) ؟ قال : أبوها .
بعثُ عبدِ الله بن أبي حَذْرَدٍ(١) إلى بطن إضَمٍ ، وذلك قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ، وفيها قصة مُحَلِّمٍ بن ◌َّامة ،
وقد تقدَّم مُطَوَّلًا في سنة سبع .
بعث ابن أبي حدرد(٨) أيضاً إلى الغابة .
بعث عبد الرحمن بن عوف٩ُ) إلى دُومة الجَنْدَل .
قال محمد بن إسحاق : حدّثني منْ لا أَتَّهِمُ ، عن عطاء بن أبي رباح ، قال : سمعتُ رَجُلاً من أهل
البَصْرَةِ يَسْألُ عبدَ اللهِ بن عُمَرَ بن الخَطّاب عن إرسال العِمامَةِ من خَلْفِ الرَّجُلِ إذا اعْتَمَّ ، قال : فقال
عبد الله : أُخْبِرُكَ، إن شاء الله، عن ذلك، تَعلَم أنِّي كُنْتُ عَاشِرَ عَشَرةِ رَهْطٍ من أصْحَابِ النّبِيّ ◌ََّ فِي
مَسْجِده ، أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ، وعبد الرحمن بن عوف ، وابن مسعود ، ومعاذ بن
جَبَلٍ، وحُذَيْفة بن اليمان، وأبو سعيد الخُدْري، وأنا مع رسول الله وَيَ إل١ّ) أقبلَ فَتى من الأنصار فسَلَّم
على رسول الله ثم جلس ، فقال : يا رسول الله أيُّ المُؤْمنين أفضلُ؟ قال: أحسَنُهُمْ خُلُقاً. قال : فَأَيُّ
(١) أ: ( تمنيت ) وما أثبته عن ط ويوافق ما في السيرة النبوية.
السيرة النبوية ( ٦٢٣/٢ - ٦٢٦).
(٢)
(٣)
ليس اللفظ في ط .
ط : ( عمر ) .
(٤)
ط : ( عند ) .
(٥)
ط : ( الرجل ) .
(٦)
السيرة النبوية (٦٢٦/٢ - ٦٢٩ ).
(٧)
السيرة النبوية (٦٢٩/٢ - ٦٣٠).
(٨)
(٩) السيرة النبوية (٦٣١/٢).
(١٠) ط : (إذا ) .

٣٠٧
أحداث سنة ١١ هـ
المؤمنين أكْيسُ ؟ قال : أكْثَرُهُمْ ذِكْراً للمَوْتِ وأحْسَنُهُم استعداداً له قبلَ أنْ ينْزِلَ به ، أولئك الأْياسُ(١) ،
ثم سَكَتَ الفَتى . وأَقْبَلَ علينا رسولُ اللهِله، فقال: يا مَعْشَرَ المُهاجرين، خمسُ خِصالٍ إذا نَزَلْنَ بكم
- وأعوذُ بالله أن تُدْرِكوهنَّ - إنَّه لم تَظْهَر الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطّ حتّى يُعْلنوا بها٢) إلا ظَهَرَ فيهم الطّاعونُ
والأوجاعُ التي لم تكُنْ فِي أسْلافِهِم الذين (٣) مَضَوْا، ولَمْ يَنْقُصوا المِكْيالَ والمِيزانَ إلا أُخذوا بالسّنين
وشدَّة المُؤْنَةِ وجَوْرِ السُّلْطان ، ولم يَمْنَعوا الزكاةَ من أموال إلا مُنعوا القَطْر من السماء ، فلولا البَهائمُ
ما مُطروا ، وما نقَضَوا عَهْدَ اللهِ وعهدَ رسولِه إلا سَلَّطَ عليهم عَدُوَّاً من غَيْرِهم ، فأخذَ بعض ما كان في
أيديهم ، وما لَمْ يَحْكُمْ أئمتُهُمْ بكتابِ الله ويتَخَيَّروا فيما أنزلَ اللهُ إلَّا جَعَلَ الله بَأُسَهُمْ بَيْنَهُمْ(٤) . قال: ثم
أمر عبدَ الرحمن بن عوفٍ أن يَتَجهَّزَ لسريَّةٍ بعثه(٥) عليها ، فأصبحَ وقد اعتمَّ بعمامةٍ من كَرابيس(٦) سَوْداء ،
فأدْناهُ رسولُ الله ◌ِِّ، ثم نَقَضَها، ثم عَمَّمه بها ، وأرسل منْ خَلْفِهِ أربعَ أصابعَ أو نحواً من ذلك . ثم
قال : هكذا يا بنَ عَوْفٍ فَاعْتَمَّ، فإنَّه أحسنُ وأعرفُ، ثم أمر بلالاً أن يَدْفَعَ إليه اللواءَ فَدَفَعَهُ إليه ، فحمد
الله وصلَّى على نفسه، ثم قال: خُذْه يا بنَ عْوفٍ ، اغْزُوا جميعاً في سَبيل اللهِ، فقاتِلوا من كفر بالله
لا تَغُلُّوا ولا تَغْدروا ولا تُمَثلُوا ولا تَقْتُلُوا وليداً. فهذا عَهْد الله(٧)، وسيرةُ نبيّه(٨) فيكم . فأخذ
عبدُ الرحمن بن عوف اللواءَ . قال ابن هشام : فخرج إلى دُومة الجَنْدَل .
بَعْثُ أبي عُبَيْدَةَ بن الجَرّاح(٩) وأصحابهُ ١٠) وكانوا قريباً من ثلاثمئة راكبٍ إلى سيفِ البَحْرِ ،
وتزويده(١) عليه الصلاة والسلام إيّاهم جراباً من تمر، و( فيها ) قصةُ العَنْبَر ، وهي الحوثُ العظيمُ
الذي دَسَرَهُ البَحْرُ وأكلُهم كلُّهم منه قريباً من شهر حتى سَمِنوا، وتَزَوَّدوا منه وشَائق - أي شَرائِحَ - حتى
رجَعوا إلى رسول الله ◌َّهِ فَأَطْعَموه منه، فأكلَ منه، كما تقدّم بذلك الحديث .
(١) رواه ابن ماجه رقم (٤٢٥٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنه، وإسناده ضعيف لطوله ولكن لفقراته الأخيرة
((أحسنهم خلقاً )) إلى آخره ، شواهد یقوى بها .
(٢) ط : ( يغلبوا عليها ) .
(٣) ط : ( الذي ) .
(٤) رواه ابن ماجه رقم (٤٠١٩) من حديث ابن عمر رضي الله عنه ، ورواه الحاكم (٤/ ٥٤٠ ) من حديث ابن عمر ،
وصححه ، ووافقه الذهبي ولكن إسناده حسن فقط ، ولبعضه شاهد من حديث بريدة بن الحصيب ، فهو حديث
صحيح بطرقه وشواهده .
(٥) ليس اللفظ في ط .
(٦) كرابيس هي جمع كِرْباس، وهو القطن ( النهاية : كربس) .
(٧) أ: (فهذا عهد رسول الله وَلقر ).
(٨) ط : ( نبيّكم ).
(٩) سيرة ابن هشام (٢/ ٦٣٢ - ٦٣٣).
(١٠) ليس اللفظ في ط .
(١١) ط : (وزودوه ) .

٣٠٨
أحداث سنة ١١ هـ
قال ابن هشام(١): ومما لمُ(٢) يَذْكُر ابنُ إسحاق منَ البعوث - يعني هاهنا - :
بَعْثُ عَمْرٍو بن أُمَيَّةِ الضَّمْرِي لِقَتْل أبي سُفيان صَخْرِ بنِ حربٍ بعدَ مَقْتَلٍ خُبَيْبِ بن عَدِيٍّ وَأَصْحابِهِ ،
فكانَ من أمْرِهِ ما قَدَّمناهُ وكان مع عَمْرِو بن أمية جَبّار بن صَخْرٍ ، ولم يتَّفق لهما قَتْلُ أبي سفيان ، بل قَتَلا
رَجُلاً غَيْرَهُ وأَنْزلا خُبَيباً عن جِذْعِهِ .
وبَعْثُ سالِم بن عُمَير (٣) أحد البَكّائين ، إلى أبي عَفَكِ أحد بني عمرو بن عَوْفٍ ، وكان قد نَجَمَ نِفاقهُ
حينَ قَتَلَ رسولُ اللهِ الحارثَ بن سُوَيْدِ بن الصّامِتِ ، كما تَقَدَّم ، فقال يَرْثيه ويَذُمُ - قبحه الله - الدخولَ في
الدِّين: [ من المتقارب ]
منَ النَّاسِ دَاراً ولا مَجْمَعا
لَقَدْ عِشْتُ دَهْراً وما إنْ أَرَى
يُعاقِدُ فيهمْ إذا ما دَعا
أبَرّ عُهوداً وَأَوْفَى لِمَنْ
يَهُدُّ الجبالَ ولَمْ يَخْضَعَا
حَلالٌ حَرامٌ لَشْتَّى مَعا
أو المُلكِ تَابَعْتُمُ تُبَّعَا
مِنَ أوْلا٤ِ) قَيْلَةَ في جَمْعِهم
فَصَدَّعَهُمْ رَاكِبٌ جَاءَهُمْ
فَلَوْ أنَّ بالعِزّ صَدَّقْتُمُ
فقال رسولُ اللهِ وَّهُ: مِنْ لي بهذا الخَبِيثِ(٥)، فانتدب له سالم بن عُمَيْر هذا فقتله ، فقالت أمامة
المريدية (٦) في ذلك (٧): [ من الطويل ]
تُكَذّبُ دينَ اللهِ والمَرْءَ أحْمَداً لَعَمْرُ الذي أمْناكَ أر٨ْ) بِئْسَ الذي يُمْني
حَباكَ حَنِيفٌ آخرَ اللَّيْلِ طَعْنةً أبا عَفَكِ خُذْهَا على كِبَرِ السِّنِّ
وبعث عُمَيْرَ بن عدي الخَطْمي ، لقتلِ العَصْماءِ بنتِ مَرْوان من بني أميَّةِ بن زيدٍ كانتْ تَهْجو الإسلام
وأهْلَه ، ولما قُتِلَ أبو عَفَكِ المذكور ، أظهرت النفاق وقالت في ذلك : [ من المتقارب ]
وعوفٍ وبأسْتِ بَني الخَزْرِجِ
بِأَسْتِ بني مالكِ والنَّبِيتِ
فلا مِنْ مرادٍ ولا مَذْحِجِ
أَطَعْتُمْ أتاويَّ مِنْ غيرِكُمْ
(١) سيرة ابن هشام (٢/ ٦٣٣).
(٢) ط : ( لا ) .
سيرة ابن هشام (٦٣٥/٢ - ٦٣٦ ).
(٣)
ط : ( فمن ولد ) .
(٤)
(٥) ط : ( الحديث ) .
كذا في ط، وأسد الغابة (٢١/٧)، والسيرة النبوية (٦٣٦/٢) وهي (الربذية) في الإصابة (٢٣٨/٤).
(٦)
البيتان في الإصابة (٢٣٨/٤) والسيرة النبوية لابن هشام (٦٣٦/٢)، والبيت الأول وحده في أسد الغابة.
(٧)
(٨) ليس اللفظ في ط ، ولا يستقيم الوزن بدونه.

٣٠٩
أحداث سنة ١١ هـ
كَمَا يُرْتَجَى وَرَق١ُ) المُنْضَجِ
تُرَجُونَهُ بعدَ قَتْلِ الرُّؤوسِ
فَيَقْطَعَ مِنْ أمَلِ المُرْتَجي
ألا أنِفٌ يَبْتَغِي غِرَّةً
قال فأجابها حسان بن ثابت فقال(٢): [ من المتقارب ]
وخَطْمَةُ دُونَ بني الخَزْرِجِ
بُنُو وائِلٍ وبَنو وَاقِفٍ
بِعَوْلَتِها والمَنايَا تَجي
مَتَى ما دَعَتْ سَفَهاً وَيْحَها
كريمَ المَداخل والمَخْرَجِ
فَهَزَّتْ فَتَىَّ مَاجداً عِزْقُهُ(٣)
ءِ بَعْدُءُ) الهُدُوِّ فَلَمْ يَحْرَجُ(٥)
فَضَرَّجَها مِنْ نَجِيعِ الدِّمَا
فقال رسول الله وَ لَ حِينَ بَلَغَهُ ذلك: ألا آخِذٌ لي من ابنةِ مَرْوان، فسَمِعَ ذلك عُمَيْر بن عديٍّ ، فلما
أمْسى من تلك الليلة سَرَى عليها فَقَتَلها٦) . ثم أصبحَ فقال: يا رسول الله، قَتَلْتُها. فقال: نصرتَ اللهَ
ورسولَه يا عُمَيْر. قال: يا رسولَ الله هل عليّ من شأنها؟ قال: لا يَنْتَطيعُ(٧) فيها عَنْزان . فرجعَ عُمَيْر
إلى قومه وهم يَخْتَلفون في قَتْلها ، وكان لها خَمْسَةٌ بَنون . فقال : أنا قَتَلتُها ، فكيدوني جميعاً ، ثم
لا تُنْظِرون. فذلك أول يوم عَزَّ الإسلامُ في بني خَطْمَةَ ، فأسلمَ منهم بَشَرٌ كثير ، لما رَأَوْا منْ عِزِّ الإسلام .
ثم ذَكَرَ البعثَ الذين أسروا ثُمامة بن أُثَالِ الحَنَفَيَّ، وما كان من (٨) أمره في إسلامه ، وقد تقدَّم ذلك . في
الأحاديث الصحاح. وذكر ابنُ هشام: أنَّه هو الذي قال فيه رسول الله وَّهَ: ((المُؤْمنُ يَأْكُلُ في مِعىّ
واحدٍ ، والكافِرُ يأكلُ في سَبْعَةِ أمْعاءٍ)) . لما كان من قلّةٍ أكله بعد إسلامه، وأنّه لما انْفَصَلَ عن المَدينةِ
دخلَ مَكَّة مُعْتَمراً وهو يُلَبِّي فَنَهاهُ أهلُ مَّةَ عن ذلك فأبَى عليهم ، وتوعَّدهم بقَطْع الميرةِ عنهم من اليَمامة ،
فلما عاد إلى اليمامة منعهم المِيرَة حتَّى كتبَ إليه رسول الله وِ ◌ّ فأعادَها إليهم . وقال بعض بني حنيفة:
ومنَّا الَّذي لَّى بمكَةَ مُخْرِماً بِرَغْمِ أبي سُفيان في الأشْهُرِ الحُزْمِ
(١) في السيرة (مرق ).
(٢) الأبيات في ديوان حسان ــ دار صادر - (٤٤٩/١).
(٣) أ، ط : ( عرفة ، كريم المدخل ) وما أثبته عن السيرة والديوان .
(٤) ط : ( بعيد ) .
(٥) بعده في الديوان :
فأوردك الله بَرْدَ الجِنا نِ جذلان في نعمة المَوْلج
(٦) ط : ( قتلتها ) .
(٧) ط: ( لا تنتطح). وهو من الأمثال العربية القديمة أوردته في كتابي ((معجم الأمثال العربية)): ( عنز - نطح)
ومصادره فيه: الفاخر للضبي ٣١٢، ومجمع الأمثال (٢٢٥/٢)، وجمهرة الأمثال (٣٧٦/٢ ٤٠٣)
والمستقصى في الأمثال (٢/ ٢٧٧) .
(٨) ليس اللفظ في ط .

٣١٠
أحداث سنة ١١ هـ
وبَعْثُ عَلْقَمة بن مُجَزٍِّ(١) المُدْلَجيّ، ليأخُذَ بثَأْرِ أخيه وَقّاصٍ بن مُجَززٍ يومَ قُتِل بذي قَرَدٍ ، فَاسْتَأْذَنَ
رسولَ الله وَّهِ، ليرجعَ في آثارِ القوم فأذِنَ له، وأمَّره على طائفةٍ من الناس، فلما قَفَلُوا أذِنَ لطائفةٍ منهم
في التَّقَدُّم واستعملَ عَلَيْهم عَبْدَ اللهِ بَنَ حُذَافَةَ، وكانت فيه دُعابةٌ ، فَاسْتَوْقَدَ ناراً وأمرهم أن يَدْخُلوها٢)
فلما عَزَمَ بعضُهُم على الدخول، قال: إنَّما كنتُ أضحكُ، فلما بلغَ النبيَّ نَّه ، قال: منْ أمَرَكُمْ بِمَعْصيةِ
اللهِ فلا تُطيعُوه . والحديث في هذا ما ذكره ابنُ هشام عن الدّراوَزْدي ، عن محمد بن عمرو بن علقمة ،
عن عمرو بن الحَكَمٍ بن ثَوْبان ، عن أبي سَعيدِ الخُدريّ .
وبَعْثُ كُرْز بن جابر (٣) لقتلٍ أولئك النفر الذين قدموا المدينةَ وكانوا من قَيْس كُبّه(٤) من بَجيلة فاستوخموا
المدينة واستوبؤها، فأمرَهم رسولُ اللهَ وَّل أن يخرجوا إلى إبلهِ فيشربوا من أبوالها وألبانها فلما صَحَوْا قَتَلُوا
راعيَها وهو يَسارٌ مولى رسول الله وَّهَ ذَبَحوهُ وغَرَزوا الشوكَ في عُيَيْنة واستاقوا اللقاحَ، فبعثَ في آثارهم
كُرْزَ بن جابر في نفرٍ من الصَّحابة ، فجاءُ(٥) بأولئك النفر من بَجيلة مَرْجِعَه عليه الصلاة والسلام من غَزْوة ذي
قَرَدٍ، فأمر فَقَطعُ(٦) أيديهم وأرجلَهُم وسُمِلَتُ (٧) أعينهم، وهؤلاء النفرُ إن كانوا هم المذكورين في حديث أنس
المتفق عليه أنَّ نفراً ثمانيةً من عُكْل أو عُرَيْنَةَ قدموا المدينة ... الحديث - والظاهرُ أنهم هم - فقد تقدّم قصتُهم
مطولةً ، وإن كانوا غيرَهُم فها قد أورَدْنا عيونَ ما ذكره ابن هشامٍ ، والله أعلم .
قال ابن هشام : وغزوة علي بن أبي طالب(٨) التي غَزاها مَرَّتَينُ(٩) . قال: أبو عمرو المدني : بعثَ
رسول الله عليّاً إلى اليمن، وخالداً في جندٍ آخر، وقال : إن اجْتَمَعْتُم فالأمير عليّ بن أبي طالب . قال :
وقد ذكر ابن إسحاق بَعْثَ خالدٍ ، ولم يذكره في عدد البُعوثِ والسَّرايا ، فينبغي أن تكون العِدة في قوله
تسعاً وثلاثين .
قال ابن إسحاق : وبعث رسول الله وَّ﴿ أسامة بن زيد بن حارثة إلى الشام، وأمره أن يوطِىءَ الخَيْلَ
تُخومَ البَلْقاءِ والدّارومَ من أرضٍ فلسطين ، فتجهزَ الناسُ وأوعب مع أسامةَ المُهاجرون الأولون . قال ابن
هشام : وهو آخر بعثٍ بعَثَهُ رسولُ الله ◌ِلَيهِ .
(١) سيرة ابن هشام (٦٣٩/٢ - ٦٤٠).
(٢) ط : ( يدخلوا ) .
سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤٠ - ٦٤١ ).
(٣)
ليس اللفظ في ط . وانظر السيرة .
(٤)
(٥) أ، ط : ( فجاؤوا) .
(٦) أ : ( بقطع ) .
(٧) ط : (وسلمت ) وهو تحريف .
(٨) سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤١).
(٩) في السيرة ( إلى اليمن ، غزاها مرتين ) .

٣١١
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله بم لي
وقال البخاري(١): حدَّثنا إسماعيل، ثنا مالك، عن عبد الله بن دينار ، عن عبد الله بن عمر : أن
رسول الله وَ ﴿ بعثَ بعثاً، وأمَّرَ عليهم أسامة بن زيدٍ، فطعنَ الناسُ في إمارته، فقامَ النبيُّ نَّه فقال: إن
تَطْعُنوا في إمارَتِهِ فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعُنون في إمارةِ أبيه منْ قَبْلُ ، وآيْمُ اللهِ إن كان لخليقاً للإمارة ، وإن كان لمنْ
أحَبِّ النّاس إليَّ، وإنَّ هذا لِمِنْ أحبِّ الناسِ إليَّ بَعْدَهُ. ورواه التِّرمذي(٢) من حديث مالكٍ ، وقال :
حديثٌ حسنٌ صحيحٌ . وقد انتُدِبَ كَثيرٌ من الكبار من المُهاجِرِين الأوَّلين والأنصار في جيشه ، فكانَ من
أكبرهم عُمرُ بن الخطاب، ومنْ قال: إن أبا بكرٍ كان فيهم فقد غَلطَ، فإنَّ رسولَ اللهِ وَِّ اشْتَدّ به
المرضُ، وجيشُ أسامة مُخَيِّمٌ بالجُرْفِ. وقد أمر النبيُّ ◌َ ﴿ أبا بكرٍ أن يُصَلِّيَ بالنّاسِ ، كما سيأتي. فكيفَ
يكونُ في الجيشِ وهو إمام المُسلمين بإذنِ الرَّسولِ وَ ◌ّه من ربِّ العالمين. ولو فُرِضَ أنّه كانَ قد انْتَدَبَ
مَعَهُمْ ، فقد استثناهُ الشّارِعُ من بينهم بالنصّ عليه للإمامةِ في الصلاة التي هي أكبرُ أركانِ الإسلام . ثمّ لمّا
تُوفِّي عليه الصلاة والسلام استَطْلَقَ الصِّدِّيقُ من أسامةَ عمرَ بن الخطاب ، فأذِنَ له في المُقامِ عندَ الصّدِّيقِ ،
ونَفَّذَ الصديقُ جيشَ أُسامةَ ، كما سيأتي بيانُه وتفصيلُه في موضعه ، إن شاء الله .
فَضْلٌ
في الآياتِ والأحاديثِ المُنْذِرَةِ بوَفَاةِ رسولِ الله ◌َِه
وكيف ابتُدِىءَ رسولُ اللهِ لَّه بِمَرَضِهِ الذي ماتَ فيه
قال الله تعالى: ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَهُمْ قَبِتُونَ (٦) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾[ الزمر: ٣٠ -٣١].
وقال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلُّ أَفَإِيْنِ مِتَ فَهُمُ الْخَلِدُونَ﴾ [ الأنبياء: ٣٤].
وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِّ ( وَنَبْلُوكُمْ يَلِشَرِّ وَالْخَرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَاتُحَعُونَ (٣) ﴾ [الأنبياء: ٣٥].
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا نُوَنَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِعَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَةَ فَقَدْ فَازَّ وَمَا
اُلْحَيَوَةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَعُ الْغُرُورِ﴾ [ آل عمران: ١٨٥].
وقال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدَّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُّ أَفَإِنِ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ أَنْقَلَبْتُمْ عَلَىَّ أَعْقَبِّكُمْ وَمَن
يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًاً وَسَيَجْزِى اللَّهُ الشَّكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وهذه الآية هي التي
البخاري ( ٤٤٦٩ ) .
(١)
(٢)
الترمذي ( ٣٨١٦) .
(٣) ليس ما بين القوسين في أ .

٣١٢
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله صل﴾
تلاها الصّدّيق يومَ وفاة رسول الله بَّه، فلما سمعها الناسُ كأنَّهم لم يسمعوها قبل ذلك(١).
وقال تعالى: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴿ وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اَللَّهِ أَفْوَاجًا (﴾ فَسَبِعْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّتُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [ النصر]. قال (٢) عمر بن الخطاب وابن عباس هو أجلُ رسول الله
نُعِي إليه. وقال ابن عمر (٢): نزلَتْ أوسطَ أيام التَّشْريق في حجَّة الوداع، فعرف رسول الله أنه الوداع ،
فخطبَ الناسَ خطبةً أمرهم فيها ونهاهم ... الخُّطْبة المَشْهورة كما تقدم .
وقال جابر (٢): رأيتُ رسولَ اللهِوَ يَرْمي الجِمارَ. فوقفَ، وقال: ((لتَأْخُذوا عنّي مناسِكَكُمْ فَلَعَلِّي
لا أحُجُّ بعد عامي هذا)) .
قال عليه السلام لابنته فاطمة، كما سيأتي: ((إنَّ جبريلَ كانَ يُعارضُني بالقرآنِ في كلِّ سَنَة مرةً وإنه
عارَضَني به العامَ مَرَّتين، وما أرى ذلك إلا لاقتراب (٣) أجلي)).
وفي صحيح البخاري(٤) من حديث أبي بكر بن عَيَّاش ، عن أبي حَصِين ، عن أبي صالح ، عن
أبي هريرة . قال: كان رسول الله يَعْتَكفُ في كلِّ شَهْرِ رمضان عَشَرَةَ أيامٍ ، فلمّا كانَ من العامِ الذي تُوفِّي
فيه اعتكفَ عشرين يوماً ، وكان يَعْرِضُ عليه القرآن في كلِّ رمضان ، فلمّا كانَ العامُ الذي تُوفّي فيه عرضَ
عليه القرآن مرّتين .
وقال محمد بن إسحاقُ(٥) : رجع رسولُ اللهَ بَّهِ من حجّةِ الوداعِ في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقّيته
والمُحَرّم وصفراً، وبعثَ أسامةَ بن زيدٍ، فبينا الناسُ على ذلك ابتُدِىء رسول الله وَلَ بِشَكْواه الذي قَبَضَهُ
الله فيه إلى ما أراده الله من رَحْمَتِهِ وكرامته ، في ليالٍ بقينَ من صَفَرٍ أو في أوَّل شَهْرِ ربيعِ الأولِ ، فكان أولَ
ما ابتُدىء به رسولُ الله ◌ِ ◌ّرَ من ذلك، فيما ذكر لي، أنَّه خرجَ إلى بقيع الغَرْقَدِ من جَوَّفِ اللَّيْلِ، فَاسْتَغْفَرَ
لهم ، ثم رجعَ إلى أهله ، فلما أصبح ابتُدِىءَ بوَجَعِهِ من يومه ذلك .
قال ابن إسحاق(٦): وحدّثني عبدُ الله بن عمر (٧) عن عُبَيْد بن جُبَيْر(٨) مولى الحكم عن عبد الله بن
عمرو بن العاص، عن أبي مُوَيْهبة مولى رسول الله وََّ، قال: بعثني رسولُ اللهِ وَهُ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ
(١) ليس اللفظ في ط .
(٢)
تقدم تخريجه .
ط : ( اقتراب ) .
(٣)
(٤)
البخاري ( ٤٩٩٨ ) .
سيرة ابن هشام (٢/ ٦٤٢).
(٥)
سيرة ابن هشام ( ٢/ ٦٤٢).
(٦)
(٧) أ، ط : ( جعفر) .
(٨) ط: (جبر) تحريف. انظر الإصابة (١٨٨/٤).

٣١٣
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله ملالخ
فقال : يا أبا مُوَيْهبة ، إنّي قدْ أَمِرْتُ أن أستغفرَ لأهل هذا البقيع ، فانطلق معي . فانطلقتُ معه ، فلما
وقَفَ بين أظْهُرِهِم . قال : السَّلامُ عليكم يا أهلَ المَقابر ، ليهن لكم ما أصْبَحْتُمْ فيه مما أصبَحَ الناسُ فيه ،
أقبلت الفتن كَقِطَع الليل المُظْلِمِ يَتْبَعُ آخرُها أولَها ، الآخرةُ شرٌّ من الأولى، ثم أقبل عليَّ فقال :
يا أبا مُوَيْهبةَ ، إنّي قَد أوتيتُ مفاتيحَ خزائِن الدُّنْيا والخُلْدَ فيها ثم الجَنّةَ ، فخُيِّرْتُ بين ذلك وبينَ لقاءِ ربِّي
والجنةِ . قال : قلت : بأبي أنتَ وأمّي فخُذْ مفاتيحَ خزائنِ الدُّنْيا والخُلْدَ فيها ثم الجنة . قال : لا واللهِ
يا أبا مُوَيْهبة ، لقد اخترتُ لقاءَ ربّ والجَنَّةُ . ثم استغفرَ لأهلِ البَقيع ، ثم انصرف ، فبُدىء برسولِ الله
وَجَعُه الذي قَبَضَه اللهُ فيه. لم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب . وإنما رواه أحمد(١) عن يعقوب بن
إبراهيم ، عن أبيه ، عن محمد بن إسحاق به .
وقال الإمام أحمد(٢): ثنا أبو النَّصْر، ثنا الحكم بن فُضَيْل، ثنا يَعْلَى بن عطاءٍ، عن عُبَيْد بن
جُبَيْرٍ(٣) ، عن أبي مُوَيْهبة. قال: أُمِرَ رسولُ الله أن يُصَلِّي على أهل البقيع ، فَصَلَّى عليهم ثلاثَ مراتٍ ،
فلما كانت الثالثة . قال : يا أبا مويهبة ، أسْرِجْ لي دابتي . قال : فركبَ ومشَيْتُ ، حتى انتهى إليهم ،
فنزل عن دابته ، وأمسكتُ الدابةَ فوقف - أو قال: قام - عليهم، فقال: لِيَهْنِكُمْ ما أنتم فيه مما فيه
الناسُ ، أَتَتِ الفتنُ كَقِطَعِ الَّيْلِ المُظْلِمِ يَتْبَعُ بعضُها بعضاً ، الآخرةُ أشَدُّ من الأولى، فَلْيَهْنِكُمْ ما أنْتُمْ فيه
مما فيه الناس . ثم رجع فقال : يا أباَ مُوَيْهبة ، إني أُعْطيتُ - أو قال: خُيِّرت بَيْنَ - مفاتيحِ ما يُفْتَحُ على
أُمَّتي من بَعْدي والجنةِ أو لقاءٍ ربّي . قال: فقلت : بأَبِي أنْتَ وأُمي فاخْتَرْنا. قال: لأنْ تُردَّ على عَقِبها
ما شاء اللهُ ، فاخترتُ لقاءَ ربي . فما لبثَ بعدَ ذلك إلا سَبْعاً أو ثمانياً حتى قُبض .
وقال عبد الرزاق (٤): عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال رسول الله وَّهُ: نُصِرْتُ
بالُّعْبِ ، وأُعْطيتُ الخَزائنَ، وخُيِّرتُ بينَ أن أبقى حَتَّى أَرَى ما يُفْتَحُ على أُمَّتي وبينَ التَّعْجيل ، فاخترتُ
التَّعْجِيلَ . قال البيهقي: وهذا مُرْسلٌ ، وهو شاهدٌ لحديث أبي مُوَيْهبة .
قال ابن إسحاق(٥) : وحدّثني يعقوبُ بن عُتْبَةَ، عن الزُّهْري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُتْبَة ، عن
ابنِ مَسْعود عن عائشة، قالت: رَجَعَ رسولُ اللهِوَ لَه مِن البقيعِ فَوَجَدني وأنا أجِدُ صُداعاً في رأسي ، وأنا
أقول : وارَأساهُ. فقال: بل أنا واللهِ يا عائشةُ، وارَأْساهُ. قالت: ثم قال: وما ضَرَّكِ لو مُتِّ قَبْلي ،
فقمت عليكِ وكَفَّنْتُك وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ ودَفَنْتُكِ . قالت : قلت : واللهِ لكأنّي بكَ لو فعلتَ ذلك لقد رجعتَ
(١) مسند الإمام أحمد (٤٨٩/٣)، وإسناده ضعيف، وقد صح منه استغفاره لأهل البقيع ، واختياره لقاء ربه .
(٢) مسند الإمام أحمد ( ٤٨٨/٣) وهو كالذي قبله .
(٣) ط: (جبر) تحريف. انظر الإصابة (٤ /١٨٨).
(٤) المصنف ( ٢٠٠٣٤).
(٥) السيرة النبوية (٦٤٩/٢).

٣١٤
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله يخ
إلى بيتي فأعْرَست فيه ببعض نِسائِك. قالت: فَتَبَسَّمَ رسولُ اللهَِّ، وتَتَامُ(١) به وجعُه ، وهو يَدورُ على
نسائه ، حتى استُعِزّ به في بيت ميمونة، فدعا نساءه، فاستأذَنَهُنَّ أن يُمَرَّضَ في بيتي فأذنَّ له . قالت:
فخرج رسول الله بين رجلين من أهله ، أحدهما الفَضْلُ بن عباس ، ورجل آخر ، عاصباً رأسَه تَخُطُ
قدماه ، حتى دخل بيتي . قال عُبَيْدُ الله، فحدَّثْتُ به ابن عباس ، فقال : أتَدْري منِ الرَّجلُ الآخرُ ؟ هو
عليٌّ بن أبي طالبٍ . وهذا الحديث له شواهد ستأتي قريباً .
وقال البيهقي (٢): أنبأنا الحاكم ، أنبأنا الأصم ، أنبأنا أحمد بن عبد الجبار ، عن يونس بن بُكَير ،
عن محمد بن إسحاق ، حدّثني يعقوب بن عتبة ، عن الزهريّ ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن عائشة .
قالت : دخل عليَّ رسول الله وهو يُصْدَعُ، وأنا أشتكي رأسي، فقلت: وارَأُساهُ، فقال: بل أنا واللهِ
يا عائشةُ وارَأساه ، ثم قال: وما عليكِ لو مُتِّ قَبْلي فولِيتُ أمركِ وصَلَّيْتُ عليكِ وواريتُكِ . فقلت : واللهِ
إنّي لأحسبُ لو كان ذلك لقد خَلَوْتَ ببعضِ نسائِك في بَيْتِي من آخر النهار . فضحكَ رسولُ الله ، ثم تمادى
به وجعُه فاستُعِزَ (٣) به، وهو يَدورُ على نِسائه في بَيْتِ مَيْمونة، فاجتَمَعَ إليه أهلُه، فقال العباس: إنّا لنرى
برسولِ الله ذاتَ الجَنْبِ فَهَلُُوا فَلْنَلُدّه . فَلَدُّوه(٤) ، فأفاقَ رسولُ الله . فقال : منْ فَعَلَ هذا؟ فقالوا :
عَمُّكَ العبّاسُ تَخَوَّفَ أنْ يكونَ بك ذاتُ الجَنْبِ . فقال رسول الله: إنّها من الشيطان، وما كانَ اللهُ ليُسَلِّطَهُ
عليّ ، لا يَبْقَى في البَيْتِ أحدٌ إلا لَدَدْتُموه إلا عمّي العباسَ، فَلُدَّ أَهْلُ البَيْتِ كُلُّهم حتى ميمونة وإنَّها
الصائمةٌ، وذلك بعينِ رسولِ اللهِ وَّهِ، ثم استأذَنَ أزواجَهُ أن يُمَرَّضَ في بيتي ، فأذِنَّ له ، فخرج وهو بين
العبّاس ورجلٍ آخر ، لم تُسَمِّه ، تَخُطُ قَدماه بالأرض. قال عُبَيْد الله ، قال ابن عباس : الرجلُ الآخرُ
عليُّ بن أبي طالب .
قال البخاري(٥) : حدَّثنا سعيد بن عُفَيْر، ثنا الليث، حدّثني عُقَيْلٌ، عن ابن شهاب، أخبرني
عُبَيْدِ الله بن عبد الله بن عتبة، أن عائشةَ زوجَ النبيّ ◌َّهِ قالت: لما ثَقُلَ رسولُ الله واشتد به وَجَعه، اسْتَأْذَنَ
أزْواجَهُ أن يُمَرَّضَ في بيتي فأذِنَّ له، فخرجَ وهو بين الرجلين تَخُطُ رجلاه الأرض بين عباس(٦) بن
عبد المطلب وبين رجل آخر . قال عبيد الله : فأخبرت عبد الله - يعني ابن عباس - بالذي قالَتْ عائشةُ ،
فقال لي عبد الله بن عباس : هل تَذْري منِ الرَّجُلُ الآخر الذي لم تُسَمّ عائشةُ؟ قال : قلت : لا . قال ابن
(١) ط: ( ونام) وأ (وتسام).
(٢) دلائل النبوة (٧/ ١٦٨ - ١٦٩).
استعِزَّ به : أي اشتدّ به المرض وأشرف على الموت ( النهاية : عزز ) .
(٣)
(٤)
لدوه ، أي : سقوه الدواء في المرض ( النهاية : لدد ) .
(٥) البخاري (٤٤٤٢) .
(٦) أقحم بين هذا اللفظ وما قبله ( قال ).

٣١٥
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله خالي
عباس : هو عليّ. فكانت عائشة زوج النبي ◌ّ تُحَدِّثُ أنَّ رسولَ الله لما دخلَ بيتي واشْتَدَّ به وَجَعُه ،
قال : هَريقوا عَلَيَّ من سبع قِرَبٍ لم تُحللْ أَوْكيتُهن، لَعَلِّي أعْهَدُ إلى الناسِ ، فَأَجْلَسنَاهُ في مِخْضِبٍ لحفصة
زوج النبيّ وَّةِ، ثم طَفِقْنا نصبُّ عليه من تِلكَ القِرَبِ حتى طَفِقَ يُشير إلينا بيده أن قد فَعَلْتُنَّ . قالت
عائشة: ثم خرجَ إلى النّاسِ فَصَلَّى لهم وخَطَبَهُم. وقد رواهُ البخاريُ(١) أيضاً في مواضعَ أُخَرَ من
(( صحيحه )) ومسلم(٢) من طرقٍ عن الزهري به .
وقال البخاري(٣): حدَّثنا إسماعيل، ثنا سُلَيْمان بن بلالٍ ، قال هشام بن عُزْوة ، أخبرني أبي ، عن
عائشة. أنَّ رسولَ الله وَلَ كان يَسألُ في مرضه الذي مات فيهِ: أيْنَ أنا غداً؟ أين أنا غداً؟ يريد يومَ
عائشة ، فأذن له أزواجُه أنْ يكونَ حَيْثُ شاءَ ، فكان في بيتِ عائشةً حتى مات عندها . قالت عائشة رضي
الله عنها : فَماتَ في اليومِ الذي كانَ يَدورُ عليَّ فيه في بيتي ، وقَبَضهُ الله، وإن رأسه لبين سَحريٌ(٤)
ونَحْري ، وخالط ريقُه ريقي. قالت: وَدَخَل عبد الرحمن بنُ أبي بكرٍ ، ومعه سواكٌ يَسْتنُّ به ، فنظَر إليه
رسولُ اللهِ ◌ّ، فقلت له: أعْطِني هذا السِّواكَ يا عبد الرحمن، فأعطانيه فقَضِمْتُهُ، ثم مَضَغْتُهُ فأعطيته
رسول الله وٍَّ، فاسْتَنّ به، وهو مسندٌ إلى صدري. انفردَ به البخاريّ من هذا الوجه .
وقال البخاري(٥): أخبرنا عبد الله بن يوسف ، ثنا الليث ، حدّثني ابن الهاد ، عن عبد الرحمن بن
القاسم، عن أبيه ، عن عائشة، قالت: مات النبيُّ وََّ وأنه لبينَ حاقنتي وذاقنتي(٦)، فلا أكْرَهُ شِدَّةً
المَوْتِ لأحدٍ أبداً بعد النبيِّ وَّر.
وقال البخاري(٧): حدَّثنا حبال٨)، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يونس ، عن ابن شهاب ، قال :
أخبرني عروة: أنَّ عائشةَ أخْبَرَتْه: أنَّ رسولَ اللهِوَ لِّ كان إذا اشتكى نَفَثَ على نَفْسه بالمُعَوِّذاتِ، ومَسَحَ
عنه بيده ، فلما اشْتَكَى وَجَعه الذي تُؤُفِّي فيه طَفِقْتُ أنْفُثُ عليه بالمُعَوِّذات التي كان يَنْفُثُ ، وأَمْسَحُ بيدِ
(١) البخاري ١٩٨، ٦٦٥، ٢٥٨٨.
(٢) مسلم ( ٤١٨) .
(٣) البخاري (٤٤٥٠).
(٤) السَّحْر: الرئة، أي أنه عليه الصلاة والسلام مات، وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي سَحْرَها منه ( النهاية:
سحر ) .
(٥) البخاري (٤٤٤٦).
(٦) قال ابن الأثير فى شرح هذا الحديث، ((الحاقنة)): الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق. والذاقنة : الذقن،
وقيل طرف الحلقوم وقيل ما يناله الذقن من الصدر ( النهاية : حقن - ذقن ) .
(٧) البخاري (٤٤٣٩) .
(٨) ط : ( حيان) تحريف . وهو حبان بن موسى بن سوار السلمي أبو محمد المروزي الكُشْميهني . روى عنه البخاري
ومسلم . توفي سنة ٢٣٣ هـ ( تهذيب التهذيب ١٧٤/٢ _ ١٧٥ ) .

٣١٦
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله وير
النبيِّ وَّل عنه. ورواه مسلم(١) من حديث ابن وهبٍ ، عن يونس بن يزيد الأثلي ، عن الزهريّ به .
وثبت في (( الصحيحين)(١) من حديث أبي عوانة ، عن فراس ، عن الشعبي ، عن مسروق ، عن
عائشة، قالت: اجتمع نساءُ رسول الله وَ لَّ عِنْدَه لم يُغادِرْ مِنْهنَّ امرأةٌ، فجاءَتْ فاطمةُ تَمْشي ،
ما٣) تُخْطِىءُ مِشْيَتُها مِشْية أبيها ، فقال: مرحباً بابنتي ، فأقعدها عن يمينه أو شماله ، ثم سارَّها بشيءٍ
قَبَكَتْ، ثم سارَّها فَضَحِكَتْ، فقلت - لها: خَصَّكِ رسولُ اللهَِّ بِالسِّرار وأنْتَ تَبْكين!؟ فلما أن قامُ(٤)
قلت لها٥) : أخبريني ما سارَّك؟ فقالت: ما كنتُ لأُفْشيَ سَّ رسولِ الله ◌ِّهِ: فلمَّا تُوفِّي قلتُ لها:
أسْالُكِ بما٦) لي عليك من الحق لما أخْبَرْتِنِي(٧) . قالت: أما الآن فنعم، قالت : سارَّني في الأول . قال
لي: إنَّ جبريلَ كان يُعارِضُني بالقرآن(٨) في كلِّ سَنَةٍ مَرَّةً وقد٩) عارضني في هذا العام مَرَّتَيْن ، ولا أرى
ذلك إلا لاقترابِ أَجَلي، فاتقي اللهَ واصْبري ، فنعمَ السلفُ أنا لكِ . فبكيتُ ، ثم سارَّني ، فقال : أما
تَرْضينَ أن تكوني سيدةَ نساء المؤمنين؟! أو سيدة نساءِ هذه الأمة فضحكتُ. وله طرق عن عائشة ١٠)
وقد روى البخاري(١١) عن علي بن عبد الله، (والفلاس ومسدّهُ ١٢) ، ومسلم عن محمد بن حاتم ،
كلهم (١٣) عن يحيى بن سعيد القَطّان ، عن سفيان الثَّوري ، عن موسى بن أبي عائشة ، عن عبيد الله بن
عبد الله، عن عائشة، قالت: لَدَدْنا رسول الله وُّهَ في مرضه، فجعلَ يُشير إلينا أن لا تَلُدُّوني، فقلنا :
كراهيةُ المريض للدّواء ، فلما أفاق قال: ألَمْ أَنْهَكُمْ أن لا تَلُدُّونِي ، قُلْنا١٤) كراهيةُ المريض للدواء ،
فقال : لا يَبْقَى أحدٌ في البَيْت إلا لُدَّ- وأنا أنْظُرُ - إلا العبّاس، فإنّه لم يَشْهَدْكُمْ.
(١) رقم (٢١٩٢) .
(٢) البخاري (٦٢٨٥، ٦٢٨٦) ومسلم (٢٤٥٠) (٩٨).
(٣) ط : ( لا ).
(٤) ط : (قامت ).
(٥) ليس اللفظ في ط .
(٦) ط : ( لما ) .
(٧) ط : ( أخبرتيني).
(٨) ط : ( في القرآن كلّ سنة ).
(٩) أ : ( وإني) .
(١٠) البخاري (٣٦٢٣، ٣٦٢٥، ٣٧١٥، ٤٤٣٣) ومسلم (٢٤٥٠) (٩٧) و(٩٩).
(١١) البخاري: عن طريق علي بن عبد الله (٤٤٥٨ و٥٧١٢) وعن طريق الفلاس (٦٨٨٦) وعن طريق مسدد ( ٦٨٩٧)
ومسلم عن طريق محمد بن حاتم (٢٢١٣) (٨٥).
(١٢) ليس اللفظ في أ، ط استدركته عن البخاري .
(١٣) ما بين القوسين جاء في أ ، ط في غير مكانه وذلك قبل خبر الصحيحين .
(١٤) ط : ( قلقا ) تحريف .

٣١٧
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله چل
قال البخاري(١): ورواه ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، عن النبي وَّر.
وقال البخاري(٢): وقال يونس، عن الزهري، قال عروة. قالت عائشة: كان النبي وَ لل يقول في
مرضه الذي مات فيه : يا عائشةُ ما أزالُ أجدُ ألمَ الطعام الذي أكلتُ بخَيْبَر ، فهذا أوانُ وجدتُ انقطاعَ
أبْهَري من ذلك السُّمِّ . هكذا ذكره البخاري مُعَلَّقاً. وقد أسنده الحافظُ البَيْهقي ، عن الحاكم ، عن
أبي بكر بن محمد بن أحمد بن يحيى الأشْقَر ، عن يوسف بن موسى ، عن أحمد بن صالح ، عن عَنْبسة ،
عن يونس بن يزيد الأيلي ، عن الزُّهري به .
وقال البيهقي(٣): أنبأنا الحاكم، أخبرنا الأصم ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبار ، عن أبي معاوية، عن
الأعمش ، عن عبد الله بن مُرَّة، عن أبي الأحوص ، عن عبد الله بن مسعود ، قال: لأنْ أحْلِفَ تسعاً أن
رسول الله وَ﴿ قُتِلَ قَتْلاً أحبُّ إليَّ من أن أحْلِف واحدةً أنَّه لم يُقْتَلْ، وذلك أنَّ الله اتَّخَذَهُ نَبياً واتَّخَذهُ شَهيداً.
وقال البخاري(٤) : ثنا إسحاق ، أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة(٥) حدّثني أبي ، عن الزهري ،
قال أخبرني عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري ، وكان كعب بن مالك أحدَ الثلاثة الذين تيبَ عليهم ، أن
عبدَ الله بن عباس أخبره أن عليّ بن أبي طالب خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توفي فيه ، فقال
الناس: يا أبا الحسن، كيفَ أصبحَ رسولُ اللهِ وَلّر؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئاً . فأخذ بيده عباسُ بن
عبد المطلب، فقال له: أنت والله بعد ثلاثٍ عبدُ العصا(٦)، وإنّي واللهِ لِأَرى رسولَ الله وَِّ سوفَ يُتَوفَّى
من وَجَعِهِ هذا، إنّي لأعرفُ وجوهَ بني عبد المطلب عندَ الموت، اذهَبْ بنا إلى رسولِ اللهِ فَلْسَألْهُ فيمنْ هذا
الأمر؟ إن كان فينا عَلِمْنا ذلك، وإنْ كانَ في غَيْرِنا عَلِمْناه، فأوصى بنا، فقال عليّ: إنّا واللهِ لَئِنْ سَأَلْناها
رسولَ اللهِ ﴿ فَمَنَعناها لا يُعْطيناها الناسُ بعدَه، وإنّي واللهِ لا أسألُها رسولَ اللهِّر. انفردَ به البخاريّ.
(١) بعد الحديث (٤٤٥٨) .
(٢) البخاري (٤٤٢٨) معلقاً، وله شواهد يقوى بها، وانظر ((فتح الباري)) (١٣١/٨).
(٣) دلائل النبوة (٧/ ١٧٢) والحاكم (٥٨/٣) وفي إسناده ضعف .
(٤) البخاري ( ٤٤٤٧) .
(٥) ط : ( حدّثنا إسحاق بن بشر حدّثنا شعيب عن أبي حمزة) وأ: ( حدّثنا إسحاق بن بشر بن شعيب بن أبي حمزة) ،
وقال ابن حجر : بشر بن شعيب بن أبي حمزة دينار القرشي مولاهم أبو القاسم الحمصي روى عن أبيه ، وعنه
البخاري في غير الجامع . وروى له هو والترمذي والنسائي بواسطة إسحاق غير منسوب وكأنه الكوسج ( تهذيب
التهذيب ٤٥/١ ) .
(٦) هذا مثل عربي قديم أوردته في معجم الأمثال العربية ( عبد - عصا ) ومصادره فيه : مجمع الأمثال للميداني
(١٩/٢)، والفاخر (١٩٢)، والمستقصى (٣٩٨/٢)، وثمار القلوب في المضاف والمنسوب (٨٩٥/٢)
وقال ابن حجر في فتح الباري (١٤٣/٨): ( هو كناية عمن يصير تابعاً لغيره ، والمعنى أنه يموت بعد ثلاث ،
وتصير أنت مأموراً عليك ، وهذا من قوة فراسة العباس رضي الله عنه ) .

٣١٨
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله يدي
وقال البخاري(١): ثنا قتيبة ، ثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن سعيد بن جُبَيْر ، قال : قال ابن
عباس: يوم الخميس وما يَوْمُ الخَميس؟ اشتدَّ برسول الله بِّهَ وَجَعُهُ. فقال: ائتوني أكتب لكم كتاباً
لا تَضلِّو(٢) بعده أبداً فتنازعوا ، لا ينبغي عند نبيِّ تنازعٌ، فقالوا: ما شأنُهُ يَهْجُرُ ؟ استفهموه . فذهبوا
يَردُّون عنه، فقال : دَعوني ، فالذي أنا فيه خيرٌ مما تَدْعوني إليه، فأوصاهم بثلاثٍ ، قال : أخْرِجوا
المُشْركين من جزيرة العربِ ، وأجيزوا الوفدَ بنحوِ ما كنتُ أجيزهم ، وسَكَتَ عن الثالثة ، أو قال :
فنسيتُها، ورواه البخاري(٣) في موضع آخر ، ومسلم من حديث سفيان بن عيينة به .
ثم قال البخاري(٤): حدَّثنا عليُّ بن عبد الله، ثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمرٌ ، عن الزهريّ ، عن
عُبَيْد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، قال: لما حُضِرَ رسولُ اللهَوَّل وفي البيت رجال، فقال النبي ◌َّ:
هَلُمُوا أكْتُبْ لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعدَه أبداً، فقال بعضهم : إن رسولَ الله قد غَلَبَه الوجع ، وعندكم القرآن ،
حسبنا كتاب الله ، فاختلف أهلُ البيت واخْتَصموا ، فمنهم من يقولُ: قَرِّبوا يَكْتُبْ لكم كتاباً لا تَضلّوا
بعده. ومنهم منْ يقولُ غيرَ ذلك. فلما أكثروا اللغوَ والاختلافَ قال رسول الله وَّه: قومُوا. قال
عبيد الله: قال ابن عباس: إنّ الرَّزِيَّةَ كُلَّ الرّزِيَّةِ ما حالَ بَيْنَ رسولِ اللهِوَ لَه وبينَ أنْ يَكْتُبَ لهم ذلك الكتاب
لاختلافِهِم ولَغَطِهم. ورواه مسلمُ(٥) عن محمد بن رافعٍ وعَبْدِ بن حُمَيْدٍ ، كلاهما عن عبد الرزاق بنحوه .
وقد أخْرَجَهُ البُخاريّ(٦) في مواضع من (« صحيحه)) من حديث مَعْمَرٍ ويونس عن الزهريّ به . وهذا
الحديثُ مما قد تَوَهَّمَ به بعضُ الأغبياء ( من أهل البدع (٧) من الشيعة وغيرهم ، كلٌّ مُدَّعِ أنَّه كان يريدُ أن
يَكْتُبَ في ذلك الكتاب ما يَزْمِّزونُ(٨) إليه من مقالاتِهم ، وهذا هو التمسُّكُ بالمُتَشابِهِ . وَتركُ المُحكّمٍ ،
وأهلُ السُّنَّةَ يأخذون بالمُحْكَم . ويَرُدُون ما تَشابه إليه ، وهذه طريقةُ الرّاسخين في العلم ، كما وَصَفَهُم الله
عزَّ وجلَّ، في كتابه ، وهذا الموضعُ مما زَلَّ فيه أقدامُ كثيرٍ من أهل الضَّلالاتِ ، وأما أهلُ السُّنَّةِ ، فَلَيْسَ
لهم مذهبٌ إلا اتّباعُ الحَقِّ يَدورونَ معه كَيْفَما دارَ، وهذا الذي كانَ يُريدُ عليه الصلاة والسلام أن يَكْتُبهُ قد
جاء في الأحاديث الصحيحة التصريحُ بكَثْفِ المُرادِ منه؛ فإنَّه قد قال الإمامُ أحمد٩ُ) : ثنا مُؤَمَّلٌ ، ثنا
(١) البخاري ٤٤٣١ .
في البخاري : ( لن تضلّوا ) .
(٢)
البخاري ( ٣٠٥٣، ٣١٦٨) ومسلم (١٦٣٧) (٢٠) .
(٣)
(٤)
البخاري ( ٤٤٣٢ ) .
(٥)
مسلم ( ١٦٣٧) (٢٢).
البخاري ( ١١٤ ، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦).
(٦)
ليس ما بين القوسين في ط .
(٧)
(٨) ط : (يرمون ) .
(٩) مسند الإمام أحمد (١٠٦/٦).

٣١٩
الآيات والأحاديث المنذرة بوفاة رسول الله بالخير
نافع بن عمر (١) ، ثنا ابن أبي مُلَيْكة عن عائشة، قالت: لمّا كانَ وجعُ رسول اللهَوََّ الذي قُبِضَ فيه قال :
((ادْعُوا لي أبا بكر وابنَه لكي لا يطمع في أمر أبي بكرٍ طامعٌ ولا يَتَمنّى (٢) مُتَمَنَّ. ثم قال: يأبى اللهُ ذلك
والمُؤْمنون)). مَرَّتَيْن. قالت عائشة: فَأَبَى اللهُ ذلك والمؤمنون (٣). انفرد به أحمد من هذا الوجه .
وقال أحمد(٤): حدّثنا أبو معاوية ، ثنا عبد الرحمن بن أبي بكر القرشي ، عن ابن أبي مليكة ، عن
عائشة، قالت : لما ثَقُلَ رسولُ الله. قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: (( انني بكَتِفٍ أو لَوْحٍ حتى أكْتُبَ
لأبي بكر كتاباً لا يُخْتَلف عليه(٥) . فلمّا ذَهَبَ عبدُ الرحمن ليقومَ ، قال: أبَى اُلله والمُؤْمِنونَ أن يُخْتَلَفَ
عَلَيْكَ يا أبا بكر )) . انفرد به أحمد من هذا الوجه أيضاً .
وروى البخاري(٦) عن يحيى بن يحيى ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى بن سعيد ، عن القاسم بن
محمد ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله: لَقَدْ هَمَمْتُ أن أُرْسِلَ إلى أبي بكرٍ وابنِهِ فأعْهَدَ : أَنْ يقولَ
القائلون أو يَتَمنَّى مُتَمنُّون. فقُلْتُ (٧): يأبى اللهُ، ويدفَعُ المؤمنون، أو يدفعُ اللهُ ويأتَى المُؤْمنون.
وفي (( صحيح )) البخاري ومسلم(٨) من حديث إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن محمد بن جُبير بن
مُطْعِم، عن أبيه ، قال: أتَتِ امرأةٌ إلى رسول الله وََّ فَمَرِها أن تَرْجِعَ إليه. فقالت: أرأَيْتَ إنْ جئتُ ولم
أجدْكَ ؟ كأنَّها تقولُ: الموت - قال: ((إنْ لمْ تَجديني فأتي أبا بكرٍ)). والظاهرُ، واللهُ أعلمُ ، أنّها إنَّما
قالَتْ ذلك له عليه الصلاة والسلام ، في مرضه الذي مات فيه ، صلوات الله وسلامه عليه . وقد خَطَبَ
عليه الصَّلاةُ والسلام في يوم الخميس قبل أن يُقْبَض ، عليه الصلاة والسلام بخمسةِ أيام خطبةٌ عظيمةٌ بَيّن
فيها فضلَ الصِّدِّيق من بين(٩) سائر الصحابة ، مع ما كانَ قد نَصَّ عليه أن يَؤُمَّ الصحابةَ أجمعين ، كما
سيأتي بيانه مع حضورِهم كلّهم . ولعلّ خطبتَه هذه كانَتْ عِوَضاً عما أراد أن يَكتُه في الكتابِ ، وقد اغْتَسَل
عليه الصلاةُ والسلام بين يَدَيْ هذه الخطبة الكريمة فَصَبُّوا عليه من سبع قِرَبٍ لم تُحْلَل أوْكِيَتُهُنُ ١٠) ، وهذا
من باب الاستشفاء بالسبع ، كما وردت بها الأحاديث في غير هذا الموضع ، والمقصود أنه عليه الصلاة
(١) ط: ( حدّثنا نافع عن ابن عمرو) وانظر تهذيب التهذيب (١٠ / ٤٠٩ - ٤١٠).
(٢) ط : ( ولا يتمناه ) .
(٣) أ : ( والمسلمون ) .
(٤) مسند الإمام أحمد (٦/ ٤٧).
(٥) بعده في ط : ( أحد ) .
(٦) البخاري ( ٧٢١٧) .
(٧) ط : ( فقال ) .
(٨) البخاري (٣٦٥٩) ومسلم (٢٣٨٦) (١٠).
(٩) ليس اللفظ في ط .
(١٠) الوكاء : الخيط الذي تُشدّ به القربة والجمع أوكية (النهاية: وكا ).

٣٢٠
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
والسلام اغتسلَ ثم خَرَج فَصَلّى بالناس ، ثم خطبهم ، كما تقدَّم في حديث عائشة رضي الله عنها .
ذكر الأحاديث الواردة في ذلك
قال البيهقي (١): أنبأنا الحاكم ، أخبرنا الأصم ، عن أحمد بن عبد الجبار ، عن يُونس بن بُكَيْر ، عن
محمد بن إسحاق ، عن الزهري ، عن أيوب بن بشير : أنَّ رسولَ الله قال في مرضه : أفيضوا عليَّ من سَبْع
قِرَب من سَبْع آبارٍ شَتَّى، حتى أَخْرُجَ فأعْهَدَ إلى النّاس. فَفَعلوا، فخَرَج فَجَلس على المِنْبر ، فكانَ أولَ
ما ذكَرَ بعدَ حَمْد اللهِ والثَّنَاءِ عليه، ذَكَر أصحابَ أُحُدٍ ، فاستَغْفَر لهم ، ودعا لهم ، ثم قال : يا معشرَ
المُهاجرين إنَّكُم أصْبَحْتُمْ تَزيدون، والأنصارُ على هَيْئَتها لا تزيدُ، وإنهم عَيْبَتِي(٢) التي أَوَيْتُ إليها ،
فَأَكْرِموا كَريمَهم وتَجاوزوا عن مُسيئهم . ثم قال عليه الصلاة والسلام : أيّها النّاسُ إِن عَبْداً من عبادِ اللهِ قِد
خَيَّره الله بين الدنيا وبينَ ما عندَ الله(٣) . ففهمها أبو بكرٍ رضي الله عنه ، من بين الناس فبكى ، وقال : بل
نَحْنُ نَفْديكَ بأنفسنا وأبنائِنا وأموالنا. فقال رسول الله وََّ: على رِسْلِك، يا أبا بكرٍ ؛ انظروا إلى هذه
الأبواب الشارعة في المسجد فَسُدُّوها ، إلا ما كانَ من بيتِ أبي بكرٍ ، فإنّي لا أعلمُ أحداً عِنْدي أفضلَ في
الصُّحْبة منه . هذا مرسلٌ له شواهد كثيرة .
وقال الواقديّ(٤): حدَّثَنِي فَرْوَةُ بن زُبَيْد بن طوسا ، عن عائشة بنت سعد ، عن أم ذَرَّة ، عن أم سَلَمة زوج
النبي ◌َّةِ، قالت: خَرَجَ رسول الله عاصِباً رأسَه بخِرْقَةٍ، فلما اسْتَوى على المِنْبَر تَحَدَّقَ الناسُ بالمنبر واسْتَكُفُّوا .
فقال : والذي نَفْسي بيده إنّي لقائمٌ على الحوضِ الساعة. ثم تَشَهَّدَ فلما قَضَى تَشَهُّدَه كان أولَ ما تَكَلَّم به أن
اسْتَغْفَرَ للشهداءِ الذين قُتِلوا بأُحُد . ثم قال : إن عَبْداً من عِبادِ الله خُيِّرِ بينَ الدُّنْيا وبينَ ما عندَ اللهِ ، فاختارَ العبدُ
ما عندَ الله، فبكى أبو بكر فَعَجِبْنا لِبُكائِهِ ، وقال: بأبي وأمي نَفْدِيكَ بآبائنا وأُمَّهاتِنا وأَنْفُسنا وأموالنا .
فكان رسول الله بَّرَ هو المُخَيَّر، وكان أبو بكر أعْلَمَنا برسول الله بَّه . وجعل رسولُ الله يقول له:
على رِسْلِكَ .
وقال الإمام أحمد(٥): حدَّثنا أبو عامر، ثنا فُلَيْحٌ، عن سالم أبي النَّضْر، عن بُسْرٍ(٦) بن سَعيد عن
(١) دلائل النبوة للبيهقي (١٧٧/٧ - ١٧٨).
(٢) عيبتي أي خاصتي وموضع سرّي، والعرب تكنّ عن القلوب والصدور بالعِياب، لأنها مستودع السرائر ، كما أن
العياب مستودع الثياب ( النهاية : عيب ) .
(٣) بعد لفظ الجلالة في ط : ( فاختار ما عند الله ) .
(٤) دلائل النبوة للبيهقي (١٧٨/٧) من طريق الواقدي.
(٥) مسند الإمام أحمد (١٨/٣).
(٦) ط: ( بشر) تحريف . وهو بُشْر بن سعيد المدني العابد مولى ابن الحضرمي روى عن أبي هريرة وأبي سعيد وعنه
سالم أبو النضر مات بالمدينة سنة ( ١٠٠)، وقيل (١٠١) (تهذيب التهذيب (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨).