النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
بعث الأمراء إلى أهل اليمن
وقد رواه أحمد(١) ، عن ابن نُمَيْر ، عن الأعمش : سمعتُ أبا ظَبْيان يُحَدِّثُ عن رجلٍ من الأنصارِ ،
عن مُعاذٍ بن جَبَلٍ قال :
أقبل مُعاذٌ من اليَمَن فقال: يا رسولَ الله إني رأيتُ رجالاً. فذكر معناه . فقد دارَ على رجلٍ مُبْهَمْ(٢) ،
ومثله لا يُحْتَجُّ به، لا سيما وقد خالفه غيرُهُ ممَّنْ يُعْتَدّ به، فقالوا: لما قَدِمَ مُعاذ من الشّام. كذلك رواهً(٣) .
وقال أحمد(٤): حدّثنا إبراهيم بن مَهْدي، حدّثنا إسماعيل بن عَيّاش، عن عبد الله بن(٥)
عبد الرحمن بن أبي حسين ، عن شَهْر بن حَوْشَب ، عن معاذ بن جبل قال :
قال لي رسول الله وَّةِ: ((مَفاتيحُ الجَنّة شَهادةُ أن لا إله إلا الله)).
وقال أحمد(٦) : حدّثنا وَكيعٌ ، حدّثنا سُفْيان، عن حَبيب بن أبي ثابت، عن مَيْمون بن أبي شَبيب ،
عن مُعاذ أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ِّ قال: يا مُعاذ، أتبع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها، وخالقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ ».
قال وكيع : وَجَدْتُه في كتابي عن أبي ذَرّ وهو السَّماع الأول . وقال سفيان مرة : عن معاذٍ .
ثم قال الإمام أحمد (٧): حدّثنا إسماعيل ، عن ليث ، عن حبيب بن أبي ثابت ، عن ميمون بن
أبي شبيب، عن مُعاذٍ: أنّه قال: يا رسولَ الله، أَوْصِني. فقال: (( اتَّقِ اللّهَ حَيْثُمَا كُنْتَ)(٨) قال:
زدني. قال: ((أتبع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها)) قال: زدني. قال: (( خالقِ الناسَ بخلقٍ حسن)).
وقد رواه الترمذي(٩) في جامعه، عن محمود بن غَيْلان ، عن وَكيعٍ ، عن سُفْيَان الثوري به ، وقال :
حسن .
قال شيخنا في الأطراف(١٠): وتابعه فُضَيْل بن عياضُ(١١)، عن ليث بن أبي سُلَيْم، والأعْمَشُ(١٢) ،
عن حبيب به .
(١) مسند الإمام أحمد (٢٢٨/٥).
(٢) ط : ( منهم ) تحريف .
(٣) رواه أحمد في المسند (٣٨١/٤) وابن ماجه رقم (١٨٥٣).
(٤)
مسند الإمام أحمد ( ٢٤٢/٥)، وإسناده ضعيف .
ليس ( عبد الله بن) في ط وما هنا يعضده ما في المسند، وانظر تهذيب الكمال (١٥ / ٢٠٥).
(٥)
(٦)
مسند الإمام أحمد ( ٢٢٨/٥ )، وهو حديث حسن .
مسند الإمام أحمد ( ٢٣٦/٥ )، وهو حديث حسن .
(٧)
في مسند الإمام أحمد: ((حيثما كنت، أو أينما كنت)).
(٩) جامع الترمذي برقم (١٩٨٧) في البر والصلة باب ما جاء في معاشرة الناس .
(٨)
(١٠) تحفة الأشراف (١٠٧/٨) حديث (١١٣٦٦) (ط. د. بشار).
(١١) ط: (سليمان) خطأ، وانظر سير أعلام النبلاء (١/ ٣٧٢) وتهذيب الكمال (٢٣/ ٢٨١).
(١٢) ط : ( عن الأعمش ) ، خطأ بيّن .

١٠٢
بعث الأمراء إلى أهل اليمن
وقال أحمد(١): حدثنا أبو اليمان، حدّثنا إسماعيل بن عَيّاش، عن صَفْوان بن عمرو ، عن
عبد الرحمن بن جُبير بن نُفَير الحضرمي ، عن معاذ بن جبل قال :
أوصاني رسول الله وَّه بعشر كلماتٍ قال: ((لا تُشْرِكْ بالله شيئاً وإن قُتِّلت وحُرِّقت، ولا تَعُقَّنَّ
والدَيْكَ وإن أمراكَ أن تَخْرُجَ من أهلك ومالك، ولا تَتْركَنَّ صلاةً مكتوبةً متعمداً، فإنَّ منْ تَرْكَ صلاةٌ
مكتوبةً مُتَعَمِّداً فقد بَرِئَتْ منه ذِمَّةُ الله، ولا تَشْرَبِنَّ خَمْراً فإنّه رأسُ كُلِّ فَاحِشَةٍ ، وإياك والمَعْصِيةَ ، فإن
بالمَعْصِية يَحِلُّ سُخْطُ الله، وإِيَّاكَ والفِرارَ من الزَّحْف وإن هَلَكَ النَّاسُ، وإذا أصابَ الناسَ موتٌ وأنتَ
فيهم فاثْبُتْ، وأنْفِقْ على عِيالِكَ من طَوْلك، ولا تَرفَعْ عَنْهُمْ عَصاكَ أدباً ، وأخِفْهُمْ في اللهِ.
عزَّ وجلَّ )) .
وقال الإمام أحمد(٢): حدّثنا يونس، حدّثنا بقيّة، عن السَّرِيّ بن يَنْعُمُ(٣)، عن مُريح(٤) بن
مَسْرُوق، عن معاذ بن جبل، أنَّ رسول الله وَ له لما بعثَه إلى اليمن قال: ((إيّا(٥) والتنعمَ ، فإنّ عبادَ الله
ليسوا بالمُتَنْعَّمين)).
وقال أحمد(٦) : حدّثنا سليمان بن داود الهاشمي، حدّثنا أبو بكر - يعني ابن عياش -، حدّثنا
عاصم ، عن أبي وائل ، عن معاذ قال :
بَعَثني رسولُ اللهِوَّهَ إلَى الْيَمَن، وأمرني أن آخذ من كل حالم ديناراً أو عَدْلَه من المعافر ، وأمرني أن
آخُذَ من كلِّ أَرْبَعينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً، ومن كُلِّ ثلاثين بقرةً تَبيعاً حَوْلياً ، وأمرني فيما سَقَتِ السَّماءُ العُشر ، وما
سُقِي بالدَّوالي ، نصفُ العُشْرِ )) .
وقد رواه أبو داود(٧) من حديث أبي معاوية، والنَّسائي(٨) من حديث محمد بن إسحاق ، عن
الأعمش كذلك .
(١) مسند الإمام أحمد (٢٣٨/٥)، وهو حديث حسن بطرقه وشواهده .
(٢) مسند الإمام أحمد (٢٤٤/٥)، وإسناده ضعيف، لضعف بقية بن الوليد وهو يدلس تدليس التسوية ، وقد عنعن ،
ولكنه صرح بالتحديث عند أبي نعيم ، فزالت شبهة تدليسه ، فهو حسن .
(٣) تقريب التهذيب (٤٦١/٣ - ٤٦٢).
ط : ( شريح) وانظر تهذيب التهذيب ( ٤٦١/٣ - ٤٦٢).
(٤)
(٥)
في مسند الإمام أحمد ((إيّاي والتنعم)).
مسند الإمام أحمد (٢٣٣/٥)، وهو حديث صحيح .
(٦)
سنن أبي داود رقم (١٥٧٦) في الزكاة باب زكاة السائمة ، وهو حديث صحيح .
(٧)
(٨) سنن النسائي (٢٥/٥، ٢٦) في الزكاة باب زكاة البقر ، وهو حديث صحيح .

١٠٣
بعث الأمراء إلى أهل اليمن
وقد رواه أهل السُّنَن الأربعة (١) من طرقٍ، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ به (٢).
وقال أحمد (٣): حدّثنا معاوية بن(٤) عمرو وهارون بن معروف قالا : حدّثنا عبدُ الله بن وَهْب ، عن
حَيْوة ، عن يزيد بن أبي حَبيب ، عن سَلَمة بن أسامة ، عن يحيى بن الحكم أنَّ مُعاذاً قال :
بعثني رسول الله وَّ أَصَدِّقُ(٥) أهل اليمن، فأمرني أن آخُذَ من البقر من كُلّ ثلاثينَ، تَبيعاً - قال
هارون : والتَّبيع : الجَذَعِ أو الجَذْعة - ومن كل أربعين، مسنَّةً، فعَرَضوا عليَّ أنْ آخُذَ ما بينَ الأربعين
والخمسين ، وما بين السِّتين والسَّبعين، وما بين الثّمانين والتِّسعين، فأبيتُ ذلك، وقلتُ لهم: حتى(٦)
أسألَ رسولَ الله ◌ِّهِ عن ذلك، فقَدِمْتُ فأخبرتُ النبيَّ ◌َّهِ، فأمرني أن آخُذَ من كلِّ ثلاثين ، تَبيعاً ، ومن
كُلِّ أربعين ، مُسِنَّةً، ومن الستّين تَبِيعَيْن، ومن السّبعين مُسنَّةً وتَبيعاً، ومن الثمانين مُسِنَّتَيْن ، ومن
النِّسعين ثلاثة أتباعٍ، ومن المئة مُسِنَّةً وتَبِيعَيْن ، ومن العشرة ومئةٍ مُسِنَتَيْن وتبيعاً ، ومن العشرين ومئة
ثلاثَ مُسِنّات أو أربعةَ أتباعِ، قال: وَأَمَرني رسولُ اله ◌َ ألا آخُذَ فيما بين ذلك شَيْئاً إلا أن يَبْلَغْ مُسِنَةً أو
جَذَعا٧ً)، وزعمَ أنّ الأوْقَاصَ(٨) لا فَريضةَ فيها .
وهذا من أفراد أحمد، وفيه دلالةٌ على أنّه قَدِمَ بعد مصيره إلى اليمن على رسول الله وَّةِ، والصحيحُ
أنَّه لم يَرَ النبيَّ وَّ بعد ذلك، كما تقدم في الحديث .
وقد قال عبد الرزاق(٩): أنبأنا مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن أُبيّ بن كعب بن مالك قال :
كان معاذ بن جبل شاباً جميلاً سَمْحاً ، من خير شباب قومه ، لا يُسأل شيئاً إلا أعطاه ، حتى كان عليه
(١) رواه الترمذي برقم ( ٦٢٣) في الزكاة باب ما جاء في زكاة البقر وقال حديث حسن. ورواه ابن ماجه برقم ( ١٨١٨)
في الزكاة باب صدقة الزروع والثمار ، قال بشار : وإنما حكم عليه الترمذي بالحسن فقط لأن الراجح عنده هي
الرواية المرسلة، قال: ((وروى بعضهم هذا الحديث عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن مسروق أن النبيَّ وَّه
بعث معاذاً إلى اليمن فأمره أن يأخذ. وهذا أصح)) وينظر تعليقنا على جامع الترمذي (٦٢٣).
(٢) ليس اللفظ في ط .
(٣) مسند الإمام أحمد ( ٢٤٠/٥)، وإسناده ضعيف .
(٤) ط : ( عن ) .
(٥) المصدِّق الذي يأخذ الحقوق من الإبل والغنم ( اللسان : صدق ).
(٦) ليس اللفظ في ط .
(٧) ط : ( جذع ) .
الوَقص بالتحريك : ما بين الفريضتين كالزيادة على الخمس من الإبل إلى التسع وعلى العشر إلى أربع عشرة ،
(٨)
والجمع أوقاص ، وقيل هو ما وجبت الغنم فيه من فرائض الإبل ما بين الخمس إلى العشرين ومنهم من يجعل
الأوقاص في البقر خاصة والأشناق في الإبل ( النهاية : وقص ) .
(٩) ومن طريقه أخرجه البيهقي ، وهو في المصنف بنحوه رقم (١٥١٧٧) دلائل النبوة (٤٠٥/٥).

١٠٤
بعث الأمراء إلى أهل اليمن
دَيْنٌ أغلق ماله، فكلَّم رسولَ الله في أن يُكَلِّمَ غُرماءه ففعل ، فلم يَضَعوا له شيئاً ، فلو تُركَ لأحدٍ بكلام أحدٍ
لتُركَ لمعاذٍ بكلام رسولِ اللهِ وََّ، فدعاه رسول الله وَّه، فلم يَبْرَحِ أن باعَ مالَه، وقسَمَه بين غُرمَائِهِ.
قال: فقام معاذ ولا مالَ له ، فلمّا حَجَّ رسولُ اللهِوَ بعثَ مُعاذاً إلى اليَمَن [ ليجبره].
قال : فكان أولَ منْ تَجَر في هذا المال معاذٌ .
قال: فقَدمَ على أبي بكر الصديق من اليَمَن وقد تُوفيَ رسولُ اللهِ وَّر، فجاء عمر فقال: هلْ لكَ أن
تُطيعَني فتدفعُ(١) هذا المالَ إلى أبي بكر، فإن أعطاكَهُ فاقْبَلْهُ . قال: فقال معاذ: لِمَ أدْفَعُهُ إليه ؟ وإنَّما
بَعَثَني رسولُ اللهِوَّه لِيَجْبُرني، فلمّا أبَى عليه انطلقَ عُمر إلى أبي بكر فقال: أرسلْ إلى هذا الرجل فخُذْ منه
وَدْع له . فقال أبو بكر : ما كنتُ لأفعلَ، إنّما بَعَثَّهُ رسولُ الله لَيَجْبُرَه ، فلستُ آخذُ منه شيئاً . قال : فلمّا
أصبحَ معاذٌ انطلقَ إلى عمرَ فقال: ما أُراني(٢) إلا فاعلَ الّذي قلتَ، إني رأيتُتني البارحةَ في النَّوم - فيما
يَحْسَبُ عبد الرزّاق قال : - أُجَرُّ إلى النّار وأنتَ آخذٌ بحُجْزَتِي (٣)، قال: فانطلقَ إلى أبي بكر بكل شيء
جاء به ، حتَّى جاءه بسَوْطِه ، وحَلَفَ له أنَّه لم يَكْتُمْه شَيْئاً . قال : فقال أبو بكرٍ رضي الله عنه : هو لك ،
لا آخُذُ منه شيئاً؛) .
وقد رواه ابن ثور(٥)، عن مَعْمَرٍ ، عن الزُّهْري، عن عبد الرحمن بن [ عبد الله بن ]٦) كعب بن
مالك ... فذكره ، إلا أنه قال: حتى إذا كان عامُ فتح مكة بعثه رسول الله وَ لَه على طائفةٍ من اليمن أميراً،
فمكث حتى قُبِضَ رسول الله ◌َّةَ ، ثم قَدِم في خلافة أبي بكر ، وخرج إلى الشام .
قال البيهقي(٧): وقد قدَّمنا أنّ رسولَ الله وَّةِ اسْتَخْلَفَه بمكة مع عَتّاب بن أُسيد ليُعَلِّم أهلها، وأنه
شهدَ غَزْوة تبوك ، فالأشْبَهُ أنَّ بعثَه إلى اليمنِ كانَ بعد ذلك . والله أعلم .
ثم ذكر البيهقي(٨) لقصة منام مُعاذ شاهداً من طريق الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله ، وأنّه كانَ
من جُملة ما جاء به عَبِيدٌ ، فأتى بهم أبا بكر ، فلما ردّ الجَميعَ عليه رجَع بهم ، ثم قام يُصَلِّي ، فقاموا كلُّهم
يُصَلُّون معه ، فلما انصرفَ قال : لمن صَلَّيْتُم ؟ قالوا: لله . قال: فأنتم له عُتقاء ، فأعْتَقَهم .
(١) في أ: ((فتدع)).
(٢) ط : ( أرى ).
(٣) الحجزة: معقد الإزار من السراويل (القاموس : حجز).
(٤)
انظر حلية الأولياء (٢٣١/١).
ط: ( أبو ثور) والصواب ما أثبتنا ، وهو محمد بن ثور الصَّنعاني الثقة وانظر دلائل النبوة (٤٠٥/٥).
(٥)
(٦)
الزيادة من دلائل النبوة وتهذيب التهذيب (٢١٤/٦).
دلائل النبوة (٤٠٥/٥ ) .
(٧)
دلائل النبوة ( ٤٠٦/٥) وانظر المصنف لعبد الرزاق رقم (١٥١٧٧).
(٨)

١٠٥
بعث الأمراء إلى أهل اليمن
وقال الإمام أحمد(١) : حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة ، عن أبي عَوْن، عن الحارث بن
عَمْرو بن أخي المُغيرة بن شُعْبة ، عن ناس من أصحاب مُعاذٍ من أهل حِمْص ، عن مُعاذٍ .
أنَّ رسول اللهِ ◌ّه حين بعثَه إلى اليمن قال: «كيف تَصْنَعُ إن عَرَضَ لكَ قَضاءٌ؟ » قال: أقْضي بما في
كتابِ الله. قال: ((فإن لم يكن في كتابِ الله)) قال: فَبِسُنَّةَ رسولِ الله ◌ِوَهَ. قال: ((فإنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنّةِ
رسولِ اللهِوَّ)) قال: أجتهدُ، برأيي(٢)، لا آلو. قال: فضرب رسول الله وَّل صدري ثم قال: ((الحمدُ
لله الذي وَفَّق رسولَ رسولِ الله لما يُرْضي رسولَ الله )» .
وقد رواه أحمد ، عن وكيع(٣) ، وعن عَفّانُ(٤) ، عن شُعبة بإسناده ولفظه . وأخرجه أبو داود
والترمذي(٥) من حديث شعبة به ، وقال التّرمذي: لا نعرفه إلّا من هذا الوَجْهِ ، وليس إسنادُه عندي
بمُتَّصلٍ . وقد رواه ابن ماجه من وجهٍ آخر عنه، إلا أنّه من طريق محمد بن سعيد(٦) بن حسان - وهو
المَصْلُوبُ أحد الكَذّابين - عن عُبادة بن نُسَيُّ(٧) ، عن عبد الرحمن [ بن غنيم ] ، عن معاذ به نحوه .
وقد روى الإمام أحمد(٨) عن محمد بن جعفر ويحيى بن سعيد ، عن شعبة ، عن عمرو بن
أبي حَكيم ، عن عبد الله بن بُرَيْدة ، عن يحيى بن يَعْمَر(٩) ، عن أبي الأسود الدِّيلي. قال : كان معاذ
باليمن، فارتفعوا إليه في يَهوديّ مات. وتركَ أخاً مسلماً. فقال معاذٌ: إنَّ رسول الله ◌ِ ليه يقول: ((إن
الإسلام يزيدُ ولا ينقُصُ )) فوَّثه .
ورواه أبو داود١٠) من حديث ابن بريدة به .
وقد حُكي هذا المذهب عن معاوية بن أبي سفيان، ورواه (١) يحيى بن يَعْمَر (٨) القاضي وطائفة من
السَّلف، وإليه ذهب إسحاق بن راهَوَيْه ، وخالَفَهُم الجمهورُ، ومنهم الأئمةُ الأربعةُ وأصحابُهم ،
(١) مسند الإمام أحمد (٢٣٠/٥)، وإسناده ضعيف .
(٢) ط : ( وإني ) .
(٣) ط: ( عن وكيع عن عفان) وانظر: مسند الإمام أحمد (٢٣٦/٥).
(٤) مسند الإمام أحمد (٢٤٢/٥)، وإسناده ضعيف .
سنن أبي داود رقم (٣٥٩٢) (٣٥٩٣) في الأقضية باب اجتهاد الرأي في القضاء وجامع الترمذي رقم ( ١٣٢٧)
(٥)
(١٣٢٨) في الأحكام باب ما جاء في القاضي كيف يقضي ، وإسناده ضعيف.
(٦) ط: (سعد) تحريف. وانظر تهذيب الكمال (٢٥/ ٢٦٤).
(٧) ط: ( عياذ بن بشر) وانظر تقريب التهذيب (٢٩٢)، وتهذيب الكمال (٢٦٤/٢٥).
(٨) مسند الإمام أحمد (٢٣٠/٥، ٢٣٦)، وإسناده ضعيف .
(٩) ط: (معمر) تحريف. انظر سير أعلام النبلاء (٤/ ٤٤١).
(١٠) سنن أبي داود رقم (٢٩١٢) كتاب الفرائض باب هل يرث المسلم الكافر ، وإسناده ضعيف.
(١١) م: (ورواه عن ).

١٠٦
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
مُحتجين بما ثبت في ((الصحيحين)) عن أسامة بن زيد قال: قال رسول الله مَ له: ((لا يَرِثُ الكافرُ المُسْلمَ
ولا المُسْلِمُ الكافرَ )(١) .
والمقصود أنَّ معاذاً رضي الله عنه كان قاضياً للنبي وَّ باليمن، وحاكماً في الحروب، ومصدِّقاً إليه
تُدفع الصدقات ، كما دل عليه حديث ابن عباس المتقدم ، وقد كان بارزاً للنّاس يُصَلِّ بهم الصلواتِ
الخمسَ كما قال البخارى(٢)
:
حدّثنا سليمانُ بن حَرْب، حدّثنا شُعْبة، عن حَبيب بن أبي ثابت ، عن سعيد بن جُبير ، عن عَمْرو بن
مَيْمون: أن معاذاً لمّا قدم اليمنَ صلَّى بهم الصبحَ فقرأ: ﴿ وَأَّخَذَ اَللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥] فقال
رجل من القوم : لقد قَرَّتْ عينُ أم(٣) إبراهيم .
انفرد به البخاري .
ثم قال البخاري(٤) :
بابُ
بَعْثِ رسولِ الله ◌َّعليّ بن أبي طالبٍ وخالدَ بن الوليد إلى اليَمَنِ قبل حَجَّة الوَداعِ
حدّثنا أحمد بن عثمان، حدّثنا شُرَيْح بن مَسْلَمة ، حدّثنا إبراهيم بن يوسف بن إسحاق بن
أبي إسحاق ، حدّثني أبي ، عن أبي إسحاق ، سمعت البراء بن عازبٍ قال :
بَعَثنا رسولُ اللهِ وَلَّه مع خالد بن الوليد إلى اليمن: قال: ثم بَعَثَ عليّاً بعدَ ذلك مكانه. قال: مُرْ
أصحابَ خالد ، من شاء منهم أن يُعَقِّب(٥) معكَ فليعقّبْ، ومن شاء فليُقبِلْ. فكنتُ فيمن عقَّب معه .
قال : فغَنِمْتُ أَواقِيَ ذواتَ(٦) عددٍ .
انفرد به البخاري من هذا الوجه .
(١) رواه البخاري (٦٧٦٤) في الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر، ومسلم برقم (١٦١٤) في الفرائض ومالك في
الموطأ (٥١٩/٢) في الفرائض باب ميراث أهل الملل وأبو داود برقم (٢٩٠٩) في الفرائض باب هل يرث المسلم
الكافر والترمذي برقم ( ٢١٠٨) في الفرائض باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر .
صحيح البخاري ( ٤٣٤٨) في المغازي باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع .
(٢)
ليس اللفظ في ط .
(٣)
(٤)
صحيح البخاري رقم (٤٣٤٩) .
(٥) قال ابن الأثير في جامع الأصول: ( ٨/ ٤٢٢): أن يعقب: إذا غزا الإنسان ثم ثنّى من سَنَتِه مرةً أخرى قيل قد عَقَّبَ
يقال : تَعقيبةٌ خير من غَزْوةٍ .
(٦) ط : (ذات )، وما أثبتناه هو الموافق لما في صحيح البخاري .

١٠٧
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
ثم قال البخاري(١): حدّثنا محمد بن بَشّار، حدّثنا روحُ بن عُبادة، حدّثنا علي بن سُويد بن
مَنْجُوف ، عن عبد الله بن بُرَيْدَةً ، عن أبيه قال :
بعث النبيُّ مََّ علياً إلى خالد بن الوليد ليقبض الخُمُسَ، وكنتُ أُبِغِضُ عَليّاً ، فأصبح وقد اغتسل ،
فقلت لخالد: ألا ترى إلى هذا! فلما قدمنا على النبي وَ ل ر ذكرت ذلك له، فقال: (( يا بريدة تبغض
علياً؟)) فقلت نعم. فقال: ((لا تبغضه ، فإنّ له في الخُمُس أكثر من ذلك )).
انفرد به البخاري دون مسلم من هذا الوجه .
وقال الإمام أحمد (٢) : حدّثنا يحيى بن سعيد، حدّثنا عبد الجليل قال: انتهَيْتُ إلى حلقةٍ فيها
أبو مِجْلَز ، وابن(٣) بُرَيدة، فقال عبد الله بن بُرَيدة: حدّثني أبي(٤) بريدة قال :
أبغضتُ عليّاً بُغْضاً لم أُبْغضهُ أحداً قطّ . قال: وأحببتُ رجلاً من قريش لم أحبَّه إلّا على بُغْضِه علياً ،
قال : فُبُعث ذلك الرجلُ على خيلٍ ، فَصَحِبْتَهُ ، ما أصحبُه إلا على بُغْضِه علياً، قال فأصَبْنا سَبياً ، قال :
فكتبَ إلى رسولِ اللهِوََّ: أبعث إلينا من يُخَمِّسُه ، قال: فبعث إلينا علياً ، وفي السَّنْيٍ وَصيفةٌ من أفضلِ
السَّبيٍ ، قال : فخمَّس وقسم ، فخرجَ ورأسُهُ يَقْطُر ، فقلنا : يا أبا الحسن ما هذا ؟ فقال: ألم تَرَوْا إلى
الوصيفة التي كانت في السبي ، فإني قسمت وخمَّست ، فصارت في الخُمُس ، ثم صارت في أهل بيت
النبي ◌ِّر، ثم صارت في آل علي، ووقعت بها. قال: فكتب الرجلُ إلى نبيّ الله وَلَه، فقلت: أبعثني.
فبعثني مصدِّقاً، فجعلت أقرأ الكتاب وأقول صدق ، قال : فأمسك يدي والكتاب فقال: ((أتبغض علياً؟))
قال: قلت: نعم. قال: (( فلا تُبغضه، وإن كنت تحبُّه فازدَدْ له حُبّاً ، فوالذي نفس محمد بيده لنَصیبُ
آل عليٍّ في الخُمُس أفضلُ من وَصيفة)). قال: فما كان من الناس أحدٌ بعد قول النبي ◌َّ أحبَّ إليّ من
علي. قال عبد الله بن بُرَيْدة: فوالذي لا إله غيره، ما بيني وبين النبي ◌َّ في هذا الحديث غير أبي بريدة .
تفرَّد به بهذا السياق عبدُ الجليل بن عطية القيسي أبو صالح البصري ، وثَّقه ابن معين وابن حِبّان ، وقال
البخاري(٥) : إنما يَهِمُ في الشيء [ بعد الشيء ].
وقال محمد بن إسحاق(٦) : حدّثنا أبان بن صالح ، عن عبد الله بن نِيار الأسلمي ، عن خاله عمرو بن
شاس الأسلمي ، وكان من أصحاب الحُدَيْبية . قال :
(١) صحيح البخاري رقم (٤٣٥٠ ).
(٢) مسند الإمام أحمد (٣٥٠/٥ -٣٥١)، وهو حديث حسن .
(٣) في الأصول : ( ابنا ) وما هنا عن المسند .
(٤) ط : ( أبو ).
(٥) التاريخ الكبير (١٢٣/٦) وتهذيب التهذيب (١٠٦/٦) والزيادة منه.
(٦) دلائل النبوة (٣٩٤/٥).

١٠٨
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
كنت مع علي بن أبي طالب في خيله التي بعثه [ فيها ] رسول الله وَّل إلى اليمن، فجفاني عليٌّ بعض
الجفاء ، فوجدت في نفسي عليه ، فلما قدمت المدينة اشْتَكَيْتُه في مجالس المدينة وعندَ منْ لقيتُه ، فأقبلتُ
يوماً ورسولُ الله جالسٌ في المسجد ، فلمّا رآني أنظرُ إلى عَيْنَيْه نظر إليَّ ، حتى جلستُ إليه ، فلما جلستُ
إليه قال: ((إنه والله! يا عمرو بن شاس لقد آذيتني)). فقلت: إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أعوذ بالله
والإسلام أن أوذي رسول الله. فقال: ((من آذى علياً فقد آذاني)). وقد رواه البيهقي(١) من وجهٍ آخر عن
ابن إسحاق ، عن أبانٍ ، عن الفضل بن معقل بن سنان ، عن عبد الله بن نيار ، عن خاله عمرو بن شاس
فذكره بمعناه(٢) .
وقال الحافظ البيهقي(٣): أنبأنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو إسحاق المزّي(٤) [ أنبأنا
أبو عبد الله أحمد بن علي الجوزجاني ، حدّثنا أبو °) عبيدة بن أبي السَّفَر ، سمعتُ إبراهيم بن يوسف بن
أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن البراء .
أن رسول الله و لل بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام ، قال البراء : فكنت فيمن
خرج مع خالد فأقمنا ستة أشهر يدعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوه ، ثم إن رسول الله وَّل بعثَ عليّ بن
أبي طالب وأمره أن يُقْفِل خالداً ، إلا رجلاً كان ممن مع خالد فأحبَّ أن يُعَقِّبَ مع علي فليُعَقِّب معه . قال
البراء : فكنت فيمن عَقَّبَ مع عليّ ، فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ، فصلّى بنا علي، ثم صفّنا صفّاً
واحداً، ثم تقدم بين أيدينا وقرأ عليهم كتابَ رسول الله وَّرَ فأسلمتْ هَمْدان جميعاً، فكتب عليٍّ إلى
رسول الله وَّ بإسلامهم. فلما قَرأ رسولُ الله ◌ََّ الكتاب خَرَّ ساجداً ثم رَفَعَ رأسَه فقال: ((السلام على
هَمْدان، السلام على همدان)).
قال : البيهقي(٦). رواه البخاري مختصراً من وجه آخر عن إبراهيم بن يوسف(٧).
وقال البيهقي(٨): أنبأنا أبو الحسين محمد بن [ الحسين بن محمد بن ] الفضل القطان ، أنبأنا
(١) دلائل النبوة (٣٩٤/٥ - ٣٩٥) والزيادة منه.
(٢) قال ابن حجر في الإصابة (٢/ ٥٤٢): ((أخرجه الإمام أحمد [ ٣/ ٤٨٣ ] والبخاري في تاريخه [ ٣٠٦/٦ ] وابن
حبان في صحيحه وابن منده بعلوّ من طريق محمد بن إسحاق))، أقول: وجملة (( من آذى علياً فقد آذاني)) لها
شواهد ، فهي حسنة .
(٣) دلائل النبوة (٣٩٦/٥).
ط : ( المولى) وانظر سير أعلام النبلاء (١٦/ ١٦٣).
(٤)
(٥)
الزيادة من التاريخ الكبير (٣٠٦/٦) والإصابة (٥٤٢/٢) .
(٦)
دلائل النبوة ( ٣٩٦/٥).
صحيح البخاري رقم (٤٣٤٩ ) في المغازي باب بعث علي بن أبي طالب .
(٧)
(٨) دلائل النبوة (٣٩٨/٥) والزيادة منه.

١٠٩
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
أبو سهل بن زياد القطان ، حدّثنا إسماعيل بن [ إسحاق ، حدّثنا إسماعيل بن ] أبي أويس ، حدّثني أخي
عن سليمان بن بلال ، عن سَعْد بن إسحاق بن كعب بن عُجْرة ، عن عمته زَيْنب بنت كَعْب بن عُجْرَة ،
عن أبي سعيد الخُذْري . أنه قال :
بعث رسولُ اللهِ وَّر علي بن أبي طالب إلى اليمن. قال أبو سعيد: فكنتُ فيمن خَرجَ معه ، فلما أخذ
من إبل الصَّدقة سألناه أن نركب منها ونُريح إبلنا - وكُنَّا قد رأينا في إيلنا خللاً - فأبى علينا، وقال : إنما
لكم فيها سهمٌ كما للمسلمين . قال : فلما فرغَ عليٍّ وانصرف (١) من اليمن راجعاً أمَّر علينا إنساناً ، وأسرعَ
هو فأدركَ الحَجَّ، فلما قضى حجَّتَهُ قال له النبيَِّ: ((ارجعْ إلى أصحابِكَ حتى تَقْدَم عليهم)) قال
أبو سعيد : وقد كُنَّا سألْنا الذي أستَخْلَفَه ما كان عليَّ منعنا إيّاه ، ففعل، فلما عرف في إبل الصّدقة أنها قد
رُكَبَت ، ورأى أثَرَ الراكب، فذٌ(٢) الذي أمَّره ولامه، فقلت: أما إنّ لله عليَّ، لئن قدمتُ المدينةَ لأذكُرنَّ
لرسول الله وَّه ولأُخْبِرَنَّه ما لقينا من الغِلْظَةِ والتَّضييقِ. قال فلمّا قَدِمنا المدينةَ غدوتُ إلى رسولِ اللهِ وَل
أريدُ أن أفعلَ ما كنتُ حلفتُ عليه، فلقيتُ أبا بكرٍ خارجاً من عند رسولِ اللهِصَّ، فلما رآني وقف معي
ورخَّبَ بي وساءلني وساءلتُه ، وقال : متى قدمتَ ؟ فقلتُ : قدمتُ البارحةَ ، فرجعَ معي إلى رسول الله
وََّ، فدخل وقال: هذا سعد بن مالك بن الشَّهيد. فقال: ((ائذن له)) فدخلتُ، فحبيتُ رسولَ الله ◌ِله
وحَيّاني ، وأقبل عليَّ، وسألني عن نَفْسي وعن أهْلي، وأحفَى المَسْألَةَ ، فقلتُ : يا رسولَ اللهِ ما لقينا من
عليّ من الغِلْظَة وسوءِ الصُّحْبة والتَّضْييقِ، فانتبه (٣) رسول الله، وجعلتُ أنا أعدّد ما لَقينا منه، حتى إذا
كنتُ في وسطِ كلامي ضربَ رسولُ اللهِوََّ على فخذي، وكنت منه قريباً، وقال: ((يا سعدَ بنَ مالكِ بن
الشَّهيد ، مَهْ ، بعضَ قولِكَ لأخيكَ علي ، فوالله لقد علمت أنه أخشنَ في سبيل الله )) .
قال : فقلتُ في نفسي : ثَكِلَتْكَ أمُّكَ سعدَ بنَ مالكٍ! ألا أُراني كنتُ فيما يَكْرَه منذُ اليوم ، ولا
أدري ، لا جَرَمَ والله لا أذكُرُهُ بسوءٍ أبداً ، سرّاً ولا علانية .
وهذا إسنادٌ جيدٌ على شرطِ النَّسائي، ولم يَزْوهِ أحدٌ من أصحاب الكتب الستة(٤) .
وقد قال يونس(٥) عن محمد بن إسحاق، حدّثني يحيى بن عبد الله بن أبي عَمْرَة، عن يزيد بن
طلحة بن يزيد بن رُكانة قال : إنما وَجَد جيشُ عليّ بن طالب الذين كانوا معه باليمن ، لأنَّهم حين أقبلوا
خلَّفَ عليهم رجلاً، وتعجَّل إلى رسول الله وَّرَ. قال؛ فعمدَ الرجلُ فكسا كلَّ رَجُلٍ حُلَّة، فلما دَنَوْا خَرج
(١) ط : (وانطفق ).
(٢) ط : ( الركب قدم ) .
(٣) ط : ( فاتئد ).
أخرج بعضه الإمام أحمد في مسنده ( ٨٦/٣) مختصراً، وكذا ابن هشام في السيرة (٤/ ٢٧٤ _ ٢٧٥).
(٤)
(٥) يونس هو ابن بكير الراوي عن ابن إسحاق ، وأورده ابن هشام في السيرة (٢٧٤/٤ ) بنحوه ، والزيادة منه.

١١٠
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
علي يستقبلهم(١)، فإذا عليهم الخُلل . قال عليٌّ: ما هذا؟ قالوا : كسانا فلان ، قال : فما دعاكَ إلى
هذا قبل أن تقْدَم على رسول الله وَّ، فيصنَعُ ما شاء، فنزعَ الخُلَل منهم ، فلما قَدِموا على رسول الله
اشْتَكَوه لذلك، وكانوا قد(٢) صالحوا رسول الله بَّل. وإنما بعَثَ علياً إلى جزيةٍ موضوعةٍ.
قلت : هذا السياقُ أقربُ من سياقِ الْبَيْهَقي ، وذلك أن علياً سَبَقَهُم لأجل الحجّ ، وساقَ معه هَذْياً ،
وأهلَّ بإهلال كإهلال(٣) النبي ◌ََّ، فأمره أن يمكثَ حَراماً . وفي رواية البراء بن عازب أنه قال له : إني
سُقْتُ الهَدْيَ وَقَرَنْتُ . والمَقْصُودُ أنّ علياً لما كَثُرَ فيه القيلُ والقالُ من ذلك الجيش بسبب منعِه إياهم
استعمالَ إبلِ الصدقةِ ، واسترجاعِه منهم الحلَل التي أطلقَها لهم نائبه ، وعلي مَعْذورٌ فيما فعل ، لكن
اشتهرَ الكلامُ فيه في الحَجيجِ، فلذلك واللهُ أعلمُ لمّا رجعَ رسول الله وَّر من حجته وتفرّغْ من مناسكه
ورجع إلى المدينة فمرّ بغدير خُمُ(٤) قام في الناس خطيباً فبرّأ ساحةَ عليّ ، ورفعَ من قَدْره ونبَّهَ على فَضْله ،
لِيُزيلَ ما وَر في نفوسِ كثيرٍ من النّاسِ ، وسيأتي هذا مُفضَّلاً في موضعه إن شاء الله تعالى .
وقال البخاري(٥): حدّثنا قتيبة، حدّثنا عبد الواحد، عن عُمارة بن شُبْرُمَةَ، حدّثني عبد الرحمن بن
أبي نُعْم، سمعتُ أبا سعيد الخُدْري يقول: بَعَثَ عليُّ بن أبي طالب إلى النبيَِّ من اليمن بذُهَيْبَةٍ في
أديمٍ مَقْروظٍ لم تُحَصَّلْ من تُرابها ، قال: فقسَمها بين أربعة [ نفر (٦) ؛ بين عيينة بن بدر ، والأقرع بن
حابس ، وزَيْد الخَيْل ، والرابع إما علقمة بن عُلاثة وإما عامر بن الطفيل ، فقال رجل من أصحابه : كنا
نحن أحقَّ بهذا من هؤلاء. فبلغ ذلك النبيَّ ◌َّه فقال: ((ألا تأمنوني! وأنا أمينُ مَنْ في السماء يأتيني خبرُ
السماء صباحاً ومساءً؟!)). قال فقام رجلٌ غائرُ العَيْنَيْن، مُشْرِفُ الوَجْنَتين، ناشِزُ الجَبْهة، كَثُّ اللحية،
محلوق الرأس، مشمِّر الإزار. فقال: يا رسولَ الله، اتَّقِ الله! فقال: (( ويلك، أو لستُ أحقّ الناس أن
يَتَّقِيَ الله )) قال: ثُمَّ ولَّى الرجلُ. قال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضربُ عُنُقَهُ؟ قال: لا ، لعلّه
أن يكون يُصلِّي. قال خالد: وكَمْ من مُصَلِّ يقولُ بلسانِهِ ما ليس في قلبه. فقال رسول الله وَّل: ((إنّي لم
أُومَرْ أن أنقُبَ عن قُلوبِ النّاسِ، ولا أشُقَّ بُطونَهم)) قال: ثم نظر إليه وهو مُقَفٍّ فقال: ((إنه يخرجُ من
ضِئْضِئى(٧) هذا قومٌ يتلونَ كتابَ الله رَطْباً، لا يجاوزُ حَناجِرَهم ، يَمْرُقون منَ الدِّين، كما يَمْرُق السَّهمُ من
الرَّمِيَّة)) أظنه قال: ((لئن أدركتُهم لأقْتُلنَّهم قتل ثمود)).
(١) في ط: ((خرج عليهم يستلقيهم)).
(٢) عبارة (وكانوا قد ) ليست في ط .
(٣) ليس اللفظ في ط.
غدير خُمّ : موضع بين مكة والمدينة بالجحفة ( معجم البلدان ) .
(٤)
صحيح البخاري رقم (٤٣٥١ ) في المغازي باب بعث علي بن أبي طالب .
(٥)
(٦) الزيادة من صحيح البخاري .
الصِّئْضِىء والضُّؤضُؤ : الأصل والمعدن ( اللسان : ضأضاً).
(٧)

١١١
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
وقد رواه البخاري(١) في مواضع أخرى من كتابه، ومسلم(٢) في كتاب الزكاة من (( صحيحه )) من
طرقٍ متعددة إلى عُمارة بن القَعْقاع به .
ثم قال الإمام أحمد(٣) : حدّثنا يحيى، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البَخْتَريّ ، عن
علي قال: بعثني رسول الله ◌َّه إلى اليمن وأنا حديثُ السِّنِّ، قال: فقلت: تَبْعَثُني إلى قومٍ يكونُ بينَهم
أحداثٌ ، ولا علمَ لي بالقَضاءِ . قال: ((إن الله سَيَهْدِي لِسانَكَ ويُثَبِّتُ قَلْبَكَ)) قال فما شَكَكْتُ في قَضاءِ
بين اثْنَيَن [ بَعْدُ ]٤)
ورواه ابن ماجه (٥) من حديث الأعْمَش به .
وقال الإمام أحمد(٦): حدّثنا أسود بن عامر، حدّثنا شَريك، عن سِمَاك، عن حَنَش ، عن عليٍّ.
قال: بَعَثَني رسول الله وَّه إلى اليمن، قال: فقلت: يا رسولَ الله، تَبْعَثُني إلى قوم أسنَّ منّي، وأنا
حَدَثٌ(٧) لا أُبصرُ القَضاء. قال فوضع يده على صدري وقال: ((اللهمّ تَبَّتْ لِسانَهُ واهْدِ قَلْبَهُ، يا عليُّ إذا
جلسَ إليك الخَصْمان فلا تقضِ بينَهما حتى تسمعَ من الآخر كما سَمِعْتَ من الأوّل ، فإنّك إذا فعلتَ ذلك
تبيَّن لك [ القضاء (٨))) قال: فما اختلف عليَّ قَضاءٌ بعد، أو ما أشكل عليَّ قضاءٌ بعد .
ورواهُ أحمدُ أيضاً وأبو داود من طرقٍ، عن شَريك(٩)، والترمذي١٠) من حديث زائِدَة كلاهما، عن
سماك بن حرب ، عن حَنَش بن المُعْتَمر ، وقيل : ابن ربيعة الكِنانيّ الكوفي ، عن عليّ به .
وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا سُفيان بن عُيَيْنة، عن الأجلح١٢ُ)، عن الشَّغْبي، عن عبد الله بن أبي
صحيح البخاري رقم ( ٣٦١٠، ٤٦٦٧، ٥٠٥٨، ٦١٦٣، ٦٩٣١) من حديث أبي سعيد الخدري .
(١)
(٢)
صحيح مسلم رقم ( ١٠٦٤) (١٤٤ - ١٤٦) في كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم.
(٣)
مسند الإمام أحمد (٨٣/١)، وهو حديث صحيح .
(٤)
الزيادة من المسند .
سنن ابن ماجه رقم ( ٢٣١٠) في كتاب الأحكام باب ذكر القضاة ، وهو حديث صحيح .
(٥)
(٦)
مسند الإمام أحمد ( ١/ ١١١) .
(٧)
في المسند : ( حديث ) .
(٨) الزيادة من المسند .
مسند الإمام أحمد (٨٨/١، ١٣٦، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٦). وأبو داود برقم (٣٥٨٢) في الأقضية باب كيف
(٩)
القضاء ، وهو حديث حسن .
(١٠) جامع الترمذي رقم (١٣٣١) في الأحكام باب ما جاء في القاضي لا يقضي بين الخصمين حتى يسمع كلامهما ،
وهو حديث حسن .
(١١) مسند الإمام أحمد (٣٧٤/٤)، وإسناده ضعيف، ولكن له طريق آخر عند أبي داود رقم (٢٢٧٠) فهو به حسن .
(١٢) تهذيب التهذيب (١٨٩/١).

١١٢
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
الخليل (١) ، عن زيد بن أرْقَم أنَّ نَفَرأَ وَطِئوا امرأةً في طُهْرٍ ، فقال علي لاثنين: أتطيبان نَفْساً لذا ؟ فقالا: لا .
فأقبل على الآخرين فقال : أتطيبان نفساً لذا؟ فقالا: لا . فقال: أنتم شركاء مُتَشاكسون، فقال إني مُقْرِعٌ
بينكم، فأيُّكم قرع أغْرَمْتُهُ ثُلُثَي الدّية وألزمته(٢) الولد. قال: فذكر ذلك للنبيّ وَّر، فقال: لا أعلمُ إلا
ما قال عليّ .
وقال أحمد (٣): حدّثنا سُرَيْجُ(٤) بن النعمان، حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا الأجْلَحُ ، عن الشعبيّ ، عن
أبي الخليل ، عن زيد بن أرقم .
أن عليّاً أُتيَ في ثلاثةِ نَفَرٍ إذ كان في اليمن ، اشتركوا في ولد ، فأقرع بينهم ، فضمَّن الذي أصابته
القرعة ثُلُفي الدّية، وجعل الولدَ له . قال زيدُ بن أرقم: فأتيتُ النبيَّ وَلِّ فأخبرتُه بقَضاءِ عليّ، فضحكَ
حتى بَدَتْ نَواجِذُهُ .
ورواه أبو داود(٥)، عن مُسَدَّد، عن يحيى القَطّان، والنّسائي(٦)، عن علي بن حُجْرٍ ، عن عليّ بن
مُسْهر ، كلاهما عن الأجْلح بن عبد الله ، عن عامر الشعبيّ ، عن عبد الله بن الخليل . وقال النَّسائي في
روايته(٧) عبد الله بن أبي الخليل ، عن زَيْد بن أرْقَم قال :
كنت عند النبي ◌ََّ، فجاء رجلٌ من أهل اليَمَنِ فقال: إن ثلاثةَ نفرٍ أتَوْا عَلِيّاً يَخْتَصمون في ولدٍ وقعوا
على امرأة في طُهْرٍ واحدٍ ، فذكر نحو ما تقدم ، وقال: فضحكَ النبيُّ لَلآ .
وقد رَوَياهُ - أعني أبا داود والنّسائي - من حديث شُعْبة، عن سَلَمة بن كُهَيل، عن الشَّعبي، عن
أبي الخليل أو ابن الخليل ، عن عليٍّ قوله ، فأرسله ولم يرفعه .
وقد رواهُ الإمامُ أحمد(٨) أيضاً عن عبد الرزاق عن سُفيان الثَّوْري ، عن الأجْلح ، عن الشعبي ، عن
عَبْدِ خَيْرٍ ، عن زَيْد بن أرْقَم فذكر نحو ما تقدم .
(١) في تهذيب التهذيب (١٩٩/٥) ((عبد الله بن الخليل ويقال ابن أبي الخليل ويقال: عبد الله بن الخليل بن
أبي الخليل الحضرمي أبو الخليل الكوفي » .
(٢) في س : ( فيكم قرع أخرقته ثلثي الدية وأزمته ) . وفيها تحريفان . وانظر المسند .
(٤) ط، أ: (شريح) تحريف. وما أثبته عن المسند وانظر تهذيب التهذيب (٤٥٧/٣)، وسير أعلام النبلاء (٢١٩/١٠).
(٣)
مسند الإمام أحمد (٣٧٤/٤)، وإسناده ضعيف، ولكن له طريق آخر عند أبي داود رقم (٢٢٧٠) فهو به حسن .
(٥) سنن أبي داود رقم (٢٢٦٩) في كتاب الطلاق باب من قال بالقرعة إذا تنازعوا في الولد ، وهو حديث حسن بما بعده
رقم (٢٢٧٠) .
(٦) سنن النسائي رقم (٣٤٨٩) في الطلاق باب القرعة في الولد، وهو حديث حسن بما قبله رقم (٣٤٨٨).
(٧) ط : ( رواية) تحريف.
(٨) مسند الإمام أحمد (٣٧٣/٤)، وإسناده ضعيف ، ولكن يشهد له حديث أبي داود والنسائي وابن ماجه الذي بعده
فهو به حسن .

١١٣
بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن
وأخرجه أبو داود والنَّسائي جَميعاً عن خُشَيْشٍ(١) بن أصْرَم . وابن ماجه (٢) عن إسحاق بن منصور ،
كلاهما عن عبد الرزاق ، عن سُفْيان الثَّوري ، عن صالحِ الهَمْداني ، عن الشَّعْبي ، عن عَبْدِ خَيْرٍ ، عن
زید بن أرقم به .
قال شيخنا في الأطراف (٣): لعل عَبْدَ خَيْرِ هذا هو عبد الله بن الخليل، ولكن لم يَضْبِطِ الرّاوي
اسْمَه . قلت : فعلى هذا يَقْوى الحديثُ ، وإن كان غيرُه كان أجودَ لمتابعَته له ، لكنَّ الأجْلَحَ بن عبد الله
الكندي فيه كلامٌ ما . وقد ذهب إلى القول بالقُرْعَة في الأنساب الإمام أحمد وهو من أفراد(٤) .
وقال الإمام أحمد(٥) : حدّثنا أبو سعيد، حدّثنا إسرائيل، حدّثنا سِماك، عن حَنَش عن عليّ
قال: بعثني رسول الله نََّ إلى اليمن، فانتهينا إلى قوم قد بَنَّوْا زُبِيَةُ(٦) للأسد، فبينما هُمْ كذلك
يَتَدافعون إذا سقط رجلٌ ، فتعلَّق بآخر، ثم تعلَّق رجل (٧) بآخر ، حتى صاروا فيها أربعة ، فجرحهم
الأسد ، فانتدب له رجلٌ بحربة فقتله ، وماتوا من جراحتهم كلهم ، فقام أولياءُ الأول إلى أولياء الآخر ،
فأخرجوا السلاح ليقتلو(٨) فأتاهم عليٍّ على تفيئة(٩) ذلك، فقال؛ تريدون أن تَقَاتلوا ورسولُ اللهِ وَلـ
حيّ! إنّي أقضي بينَكُم قَضاءً، إن رضيتُم فهو القَضاء، وإلا حجر(١٠) بعضُكم عن بعض حتّى تأتوا
النبيَّ ◌ََّ، فيكونَ هو الذي يَقْضي بينَكُم، فمن عدا بعد ذلك فلا حقَّ له . أجمعوا من قبائل الذين
حفروا١١) البئر ربعَ الدَّةِ، وثلثَ الدّيّة، ونصفَ الدية، والدية كاملة، فللأول الربع لأنه هَلَكَ [ منْ
فوقه (١٢) وللثاني ثلث الدية، والثالث نصف الدية، وللرابع الدية، فأبوا أن يرضَوا، فأتوا النبي ◌َله
وهو عند مقام إبراهيم، فقصُّوا عليه القصّة، فقال: (( أنا أحكم بينكم (١٣) فقال رجلٌ من القوم :
(١) أ: (حبيش) وط: ( حنش) وكلاهما تحريف . انظر سير أعلام النبلاء (١٢ / ٢٥٠)، وتهذيب التهذيب
(٣/ ١٤٢) .
(٢) رواه أبو داود رقم (٢٢٧٠) والنسائي (١٨٢/٦) رقم (٣٤٨٨) وابن ماجه رقم (٢٣٤٨) وهو حديث حسن .
(٣) لم أجده فيما بين يدي من نسخة الأطراف. انظر تحفة الأشراف (١٩٦/٣ - ١٩٧).
(٤) لم نر رواية للإمام أحمد في أخذه بالقرعة في الأنساب .
(٥) مسند الإمام أحمد (١/ ٧٧)، وإسناده ضعيف.
(٦) الزُّبْيَةُ: حفرةٌ تحفر للأسد والصَّيد، ويُغَطَى رأسُها بما يسترها ليقع فيها ( النهاية في غريب الحديث والأثر : زبا).
(٧)
ط : ( آخر بآخر ) .
(٨) ليس اللفظ في ط .
(٩) على تفيئة ذلك : على أثر ذلك ( النهاية : تفأ ).
(١٠) ط : ( أحجز).
(١١) ط: (حضروا) تحريف .
(١٢) الزيادة من المسند.
(١٣) في مسند الإمام أحمد (( أنا أقضي بينكم، واحتبى)).

١١٤
كتاب حجة الوداع في سنة عشرٍ - حج النبي حجة واحدة
يا رسولَ الله، إنَّ علياً قَضَى بيننا١) فَقَصُّوا عليه القِصَّة، فأجازه رسول الله وَله.
ثم رواه الإمام (٢) أحمد أيضاً عن وَكيعٍ، عن حَمّاد بن سَلَمَة، عن سِماك بن حَرْبٍ ، عن حَنَشٍ ، عن
عليٍّ ... فذكره .
كِتَابُ حِجَّة الوَداعِ فِي سَنَةِ عشٍ
ويقال لها حجّة البلاغ ، وحجَّة الإسلام ، وحجَّة الوداع لأنه عليه الصلاة والسلام وذَّع الناسَ فيها ،
ولم يحُجَّ بعدَها ، وسُمِّيَتْ حَّة الإسلام لأنّه عليه السلام لم يحجَّ من المدينة غيرَها ، ولكن حج قبل
الهجرة مرّات ، قبلَ النّبوة وبعدَها . وقيل إنَّ فريضةَ الحجّ نزلَتْ عامئذٍ ، وقيل سنة تِسْعٍ ، وقيل سنة
ستّ، وقيل قبلَ الهجرة وهو غريبٌ [جدّاً]. وسُمِّيتْ حَجَّة البلاغ لأنه عليه الصلاةُ والسلامُ بلّغ الناسَ
شرعَ الله في الحجِّ قولاً وفعلاً ، ولم يكن بقيَ من دعائم الإسلام وقواعده شيءٌ إلَّ وقد بيَّنه عليه الصلاة
والسلام ، فلما بيَّن لهم شريعةَ الحجِّ ووضّحه وشرحه أنزل الله عزَّ وجلَّ عليه وهو واقِفٌ بعرفة :
اٌلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِيِنَّكُمْ وَأَنََّمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَمَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وسیأتي إيضاح لهذا كله .
والمقصود ذكر حجته عليه الصلاة والسَّلام كيف كانت ، فإنَّ النَّقَلَة اختلفوا فيها اختلافاً كثيراً جداً ،
بحسب ما وصل إلى كلٌّ منهم من العلم ، وتفاوتوا في ذلك تفاوتاً كثيراً ، لا سيَّما من بعد الصحابة رضي
الله عنهم ، ونحن نورد بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ما ذكره الأئمة في كتبهم من هذه الروايات ، ونجمع
بينها جمعاً يُتْلِجُ قلبَ منْ تأمَّله وأنْعم النظرَ فيه ، وجَمَعَ بين طريقَتَي الحديث وفَهْم معانيه إن شاء الله ،
وبالله الثقة، وعليه التُّكلان . وقد اعتنى الناس بحجة رسول الله وَّر اعتناءً كثيراً من قدماء الأئمة
ومتأخِّريهم ، وقد صنَّ العلاَّمة أبو محمد بن حزم الأندلسي رحمه الله مجدداً في حجة الوداع ، أجاد في
أكثره ، ووقع له فيه أوهام سننبّه عليها في مواضعها . وبالله المستعان .
باب
بيانِ أنَّه عليه السلام لم يحجَّ من المدينة إلَّ حجةً واحدة ، وأنَّه اعتمر قبلها ثلاث عُمَر
كما رواه البخاري ومسلم(٣) عن هُدبة، عن هَمَّام، عن قَتَادة، عن أنس قال: اعتمر رسول الله وَل
(١) في المسند (( قضى فينا)) وفي ط : ( قضى علينا) .
(٢) مسند الإمام أحمد (١٢٨/١)، وإسناده ضعيف .
(٣) صحيح البخاري رقم ( ١٧٨٠) في الحج باب كم اعتمر النبي بَير. وصحيح مسلم رقم (١٢٥٣) (٢١٧) في =

١١٥
حج النبي حجة واحدة
أربعَ عُمَرٍ ، كُلُّهن في ذي القعدة ، إلا التي في حجته .... الحديث.
وقد رواه يونس بن بكير ، عن عمر بن ذر ، عن مجاهد ، عن أبي هريرة مثله .
وقال سعيد(١) بن منصور : عن الدراوردي ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : اعتمر
رسول الله وَّل ثلاث عُمَرٍ ، عمرةً في شوال ، وعمرتين في ذي القعدة .
وكذا رواه ابن بكير ، عن مالك(٢) ، عن هشام بن عروة .
وروى الإمام أحمد (٣) من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه ، عن جده أنَّ رسول الله اعتمر ثلاثَ
عُمَرٍ ، كلُّهن في ذي القعدة .
وقال الإمام أحمد(٤) : ثنا أبو النَّضْر ، حدّثنا داود - يعني العطار - عن عَمْرٍو ، عن عِكْرمة ، عن ابن
عبّاس قال: اعتمر رسولُ اللهِ وَلَّل أربع عُمَرٍ، عُمرةُ الحُدَيبية، (وعُمرةُ القَضاء، والثالثة من
الجِعْرانةُ(٥) ، والرابعة التي مع حجّتِه .
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي عن حديث داود العطار ، وحسّنه الترمذى(٦)
وقد تقدم هذا الفصل عند عمرة الجِعْرانة . وسيأتي في فصل مَنْ قال إنه عليه الصّلاة والسّلام حجّ
قارناً . وبالله المستعان .
فالأولى من هذه العُمَر: عُمْرَةُ الحُدَيبية (٧) التي صُدَّ عنها ، ثم بعدها عمرةُ القَضاء ، ويقال : عمرة
=
الحج باب بيان عدد عمر النبي وَ لَّه وزمانهن .
(١) ط: (سعد) تحريف. وانظر سير أعلام النبلاء (١٠ / ٥٨٦).
(٢) أخرجه مالك في الموطأ (٣٤٢/١) عن هشام بن عروة.
(٣) مسند الإمام أحمد ( ٢/ ١٨٠)، وهو حديث حسن لغيره.
(٤) مسند الإمام أحمد (٣٢١/١)، وإسناده صحيح .
(٥) الجِعْرانة : يكسر أوله إجماعاً. ثم إن أصحاب الحديث يكسرون عينه ويشددون راءه، وأهل الإتقان والأدب
يخطئونهم ويسكنون العين ويخففون الراء ، وقد حكي عن الشافعي أنه قال : والمحدثون يخطئون في تشديد
الجعرانة وتخفيف الحديبيّة . وهي ماء بين الطائف ومكة وهي إلى مكة أقرب ، نزلها النبي وّ لمَّا قسم غنائم هوازن
مرجعه من غزاة حنين وأحرم منها ( معجم البلدان ) والحديبيّة قرية متوسطة ليست بالكبيرة سميت ببئر هناك عند
مسجد الشجرة التي بايع رسول الله وَّيه تحتها . وقال الخطابي : سميت الحديبية بشجرة حدباء وبينها وبين المدينة
تسع مراحل ، وبعض الحديبية في الحل وبعضها في الحرم ( معجم البلدان ) .
(٦) سنن أبي داود رقم (١٩٩٣) في المناسك باب في العمرة. والترمذي رقم (٨١٦) في الحج باب ما جاء كم اعتمر
النبي ◌َّ وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه رقم (٣٠٠٣) في الحجّ باب كم اعتمر النبي ◌َّر ، وهو حديث
حسن .
(٧) ما بين القوسين ساقط من أ واستدركناه من ط والمسند .

١١٦
حج النبي حجة واحدة
القصاص ، ويقال عُمْرَة القَضية، ثم بعدها عُمْرَةُ الجِعْرانة ، مرجِعَه من الطّائِفِ حينَ قسمَ غنائم حُنَيْن ،
وقد قدّمنا ذلك كله في مواضعه ، والرابعةُ عمرتُه مع حجته ، وسنبيِّن اختلافَ الناسِ في عُمْرَتِه هذه مع
الحجة ، هل كان مُتَمَتِّعاً بأن أوقع العمرة قبلَ الحجة ، وحلَّ منها ، أو منعه من الإحلال منها سوقُه
الهَدْيَ ، أو كان قارناً لها مع الحجة ، كما نذكُره من الأحاديث الدَّالة على ذلك ، أو كان مُفْرِداً لها عن
الحجة ، بأن أوقعَها بعد قضاء الحجة . قال : وهذا هو الذي يقوله من يقول بالإفراد ، كما هو المشهور
عن الشافعيّ، وسيأتي بيان هذا عند ذكرنا إحْرامَهِمَ ◌ّكيف كان مُفْرِداً أو مُتمتِّعاً أو قارِناً.
قال البخاري(١): حدّثنا عمرو بن خالد، حدّثنا زهير، حدّثنا أبو إسحاق، حدّثني زيد بن أرقم أنّ
النبي ◌َِّ غزا تسعَ عشرةَ غزوةً ، وأنه حجَّ بعدَ ما هاجر حَجةٌ واحدة .
قال أبو إسحاق : وبمكة أخرى .
وقد رواه مسلم(٢) من حديث زهير ، وأخرجاه(٣) من حديث شعبة - زاد البخاري(٤) : وإسرائيل -
ثلاثتهم عن أبي إسحاق عمرو بن عبد الله السَّبيعي ، عن زيد به . وهذا الذي قاله أبو إسحاق من أنَّه عليه
الصلاة والسلام حجَّ بمكة حجة أُخْرى ، أي : أراد أنّه لم يقَعْ منه بمكة إلا حجة واحدة ، كما هو ظاهر
لفظه : فهو بعيدٌ، فإنَّه عليه الصلاة والسلام كان بعد الرسالة يَحْضُرُ مواسمَ الحِّ ، ويدعو الناسَ إلى الله
ويقول: ((من رجلٌ يُؤْويني حتى أُبَلِّغَ كلامَ ربّي؟ فإنَّ قريشاً قد منعوني أن أبلِّغ كلامَ ربّي عزَّ وجلَّ (٥)
حتى قيَّض الله له ٦) جماعةَ الأنصارِ يلقَوْنَه ليلةَ العَقَبة، أي عشيةَ يوم النّحر عند جمرة العقبة ثلاثَ سنين
متتالياتٍ ، حتى إذا كانوا آخرَ سنةٍ بايعوه ليلةَ العقبة الثانية ، وهي ثالثُ اجتماعهم به ، ثمَّ كانَتْ بعدَها
الهجرةُ إلى المدينة ، كما قدَّمنا ذلك مبسوطاً في موضعه ، والله أعلم .
وفي حديث جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال : أقام رسول الله
وَّ بالمدينة تسعَ سنين لم يحُجَّ، ثم أذَّن في الناس بالحجّ، فاجتمعَ بالمدينةِ بشرٌ كثيرٌ ، فخرج رسول الله
وَّ لخمسٍ بقين من ذي القعدة، أو لأربعٍ، فلما كان بذي الحُليفهُ(٧) صلَّى، ثم استوى على راحلته،
فلما أخذت به في البَيْداء لبّى ، وأهْلَلْنا لا ننَوي إلَّ الحجّ.
(١) صحيح البخاري رقم (٤٤٠٤).
صحيح مسلم رقم (١٢٥٤) في الحج باب بيان عدد عمر النبي ◌َ ◌ّر وزمانهن.
(٢)
(٣)
رواه البخاري رقم (٣٩٤٩) ومسلم رقم (١٢٥٤) الذي بعد (١٨١٢).
(٤)
رواه البخاري رقم (٤٤٧١).
رواه بنحوه الإمام أحمد في مسنده ( ٣/ ٣٩٠) وأصحاب السنن ، وهو حديث صحيح .
(٥)
(٦) ليس اللفظ في ط .
(٧) ذو الحُلَيفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ومنها ميقات أهل المدينة (معجم البلدان ).

١١٧
الخروج لحجة الوداع
وسيأتي الحديث بطوله ، وهو في صحيح مسلم(١) وهذا لفظ البيهقي (٢) من طريق أحمد بن حفص بن
عبد الله، عن أبيه (٣) ، عن إبراهيم بن طَهْمان ، عن جعفر بن محمد به .
.(٤)
باب تاريخ(٤)
خروجه عليه الصلاةُ والسلامُ من المدينة لحجة الوداع بعدما استعمل عليها أبا دُجانة
سِماك بن خَرَشة السَّاعدي(٥) ، ويقال سِبَاع بن عُرْفُطَة الغِفَارِيّ(٦)
قال محمد بن إسحاق(٧): فلما دخل على رسول الله بَّه ذو القَعْدة من سنة عشر، تجهّز للحجّ ،
وأمرَ النّاسَ بالجهاز له . فحدّثني عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه القاسم بن محمد ، عن عائشة زوج
النبي ◌ِّ قالت: خرجَ رسولُ الله ◌ِّه إلى الحجّ لخمسٍ ليالٍ بقين من ذي القَعْدة.
وهذا إسناد جيد .
وروى الإمام مالك (٨) في موطَّئه عن يحيى بن سعيد الأنصاري ، عن عَمْرة ( عن عائشة ، ورواه
أحمد (٩) عن عبد الله بن نمير عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمرة (١) عنها . وهو ثابت في
((الصَّحيحَيْن)) و((سنن النَّسائي)) وابن ماجه (١) و((مصنف ابن أبي شيبة)) من طرق ، عن يحيى بن سعيد
الأنصاري ، عن عَمْرة ، عن عائشة قالت : خرجنا مع رسول الله لخمسٍ بقينَ من ذي القعدة ، لا نرى إلا
الحجَّ ... الحديث بطوله كما سيأتي .
(١) صحيح مسلم رقم (١٢١٨) في الحج باب حجة النبي ◌َّر.
(٢) دلائل النبوة (٤٣٢/٥).
في أوط: (( من طريق أحمد بن حنبل عن إبراهيم)) وأثبتنا ما في دلائل النبوة، وانظر تهذيب التهذيب (٢٤/١).
(٣)
(٤)
ليس اللفظ في ط .
(٥)
الإصابة (٥٨/٤) والأنساب (٨٤/٥).
الإصابة (١٣/٢)، وبعده في - : ( حكاهما عبد الملك بن هشام ) .
(٦)
(٧)
سيرة ابن هشام (٢ / ٦٠١) .
الموطأ رقم (١٧٩) كتاب الحج باب ما جاء في النحر في الحج .
(٨)
(٩) المسند (٦/ ١٩٤).
(١٠) ليس ما بين الرقمين في ط .
(١١) صحيح البخاري (١٧٠٩) كتاب الحج باب ذبح الرجل البقر عن نسائه، وصحيح مسلم رقم (١٢١١) كتاب الحج
باب بيان وجوه الإحرام ، والنسائي رقم ( ١٧٧٥ و١٧٧٨) في الحج باب إباحة فسخ الحج بعمرة ، وابن ماجه رقم
(٢٩٨١) في المناسك باب فسخ الحج .

١١٨
الخروج لحجة الوداع
وقال البخاري(١): حدّثنا محمد بن أبي بكر المُقدَّمي، حدّثنا فُضَيْل بن سليمان ، حدّثنا موسى بن
عُقبة، أخبرني كُرَيْب عن ابن عباس قال: انطلقَ النبيّ ◌َّهِ من المدينة بعدما ترجَّل(٢) واذَّهن ولبس إزاره
ورداءه ، ولم يَنْهَ عن شيءٍ من الأردية ولا الأُزُر [ تُلبس ]٣) إلا المُزَعْفَرة التي تَرْدَع على (٤) الجدد(٥)
فأصبح بذي الخُلَيْفة ركب راحلته حتى استوى على البَيْداء ، [ أهلّ هو وأصحابه وقلّد بدنته ](٣) ، وذلك
لخمس بقين من ذي القعدة ، فقدم مكة لخمس(٦) خلون من ذي الحجة(٧).
تفرَّد به البخاري .
فقوله : وذلك لخمس بقين من ذي القعدة ، إن أراد به صبيحة يومه بذي الحُلَيْفة صح قول ابن حزم في
دعواه أنّه رَّهُ خرج من المدينة يومَ الخميس، وبات بذي الحُلَيفة ليلة الجمعة ، وأصبح بها يوم الجمعة ،
وهو اليوم الخامس والعشرون من ذي القعدة . وإن أراد ابنُ عبّاس بقوله : وذلك لخمس بقين من ذي
القعدة يومَ انطلاقه عليه الصلاة والسلام من المدينة بعدما ترجَّل وادّهن ولبس إزاره ورداءه ، كما قالت
عائشة وجابر : إنّهم خرجوا من المدينة لخمسٍ بقين من ذي القعدة ، بَعُدَ قولُ ابن حزم ، وتعذَّر المصیرُ
إليه ، وتعيَّن القول بغيره ، ولم ينطبق ذلك إلا على يوم الجمعة ، إن كانَ شهر ذي القعدة كاملاً ، ولا
يجوز أن يكون خروجه عليه السلام من المدينة كان يوم الجمعة ، لما روى البخاري(٨) حدّثنا موسى بن
إسماعيل، حدّثنا وُهَيْب، حدّثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك قال: صلى رسول الله وَيه
ونحنُ معه الظهرَ بالمدينة أربعاً ، والعصر بذي الخُلَيْفَة ركعتين ، ثم بات بها حتى أصبح ، ثم ركب حتى
استوت به راحلته على البَيْداء ، حَمِدَ اللهَ عزَّ وجلَّ، وسبّح ، [وكبّر ] ثم أهلّ بحج وعُمرة .
وقد رواه مسلم(٩) والنسائي(١٠) جميعاً عن قتيبة ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ،
(١) صحيح البخاري (١٥٤٥) في الحج باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر.
(٢) الترجيل: تسريح الشعر (جامع الأصول ٣/ ٤٧٧ ).
(٣)
الزيادة من صحيح البخاري .
(٤)
ليس اللفظ في ط .
(٥)
تردع الجلد : أي تنفض صبغها عليه ( النهاية : ردع ) .
في صحيح البخاري وجامع الأصول (٤٧٦/٣ ) لأربع ليالٍ .
(٧) وتتمة الحديث: ((فطاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ولم يَحِلّ من أجل بُدْنِه لأنه قلدها ثم نزل بأعلى مكة عند
(٦)
الحجون وهو مهل بالحج ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة ، وأمر أصحابه أن يطوّفوا بالبيت وبين
الصفا والمروة ثم يقصروا من رؤوسهم ثم يحلوا وذلك لمن لم يكن معه بدنة قلدها ومن كانت معه امرأته فهي له
حلال والطيب والثياب)) .
(٨) صحيح البخاري رقم (١٥٥١) .
(٩) ليس اللفظ في ط .
(١٠) صحيح مسلم رقم (٦٩٠) في صلاة المسافرين باب صلاة المسافرين وقصرها والنسائي (١/ ٢٣٤) في الصلاة باب =

١١٩
الخروج لحجة الوداع
عن أنس بن مالك أن رسول الله وَّله صلى الظهرَ بالمدينة أربعاً، والعصرَ بذي الحُلَيفة ركعتين.
وقال أحمد(١): حدّثنا عبد الرحمن، عن سفيان، عن محمد ، يعني ابن المُنْكَدِر وإبراهيم بن
مَيْسرة ، عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ◌ِّهِ صَلَّى الظُّهْرَ بالمدينةِ أربعاً، والعصرَ بذي الخُلَيْفَة ركعتين .
ورواه البخاري ، عن أبي نُعَيْم ، عن سُفيان الثوري به . وأخرجه مسلمٌ ، وأبو داود والنسائيُّ من
حديث سُفْيان بن عُيَيْنة ، عن محمد بن المُنْكَدر(٢)، وإبراهيم بن مَيْسَرة عن أنس به(٣)
وقال أحمد(٤): حدّثنا محمد بن بكر(٥)، حدّثنا ابن جريج، عن محمد بن المنكدر(٢)، عن أنس
قال: صلى رسول الله وَ ◌ّر بالمدينة الظهر أربعاً، والعصر بذي الحُلَيْفة ركعتين، ثم بات بذي الخُلَيْفة حتى
أصبح ، فلما رکب راحلته واستوت به أهلّ .
وقال أحمد(٦): حدّثنا يعقوب، حدّثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدّثني محمد بن المنكدر(٢)
التَّيْمي ، عن أنس بن مالك الأنصاري قال: صلى بنا رسول الله وَّه الظهرَ في مسجده بالمدينة أربعَ
ركعاتٍ ، ثم صلَّى بنا العصرَ بذي الحُلَيْفة ركعتين آمناً لا يخافُ في حجة الوداع .
تفرد به أحمد من هذين الوجهين الآخرين ، وهما على شرط الصحيح ، وهذا ينفي كونَ خروجه عليه
الصلاة والسلام يومَ الجُمُعة قَطْعاً ، ولا يجوزُ على هذا أن يكون خروجُه يومَ الخميس كما قال ابن حزم ،
لأَنَّ كان يومَ الرابع والعشرين من ذي القعدة ، لأنَّه لا خلاف أنَّ أول ذي الحجة كانَ يومَ الخميس ، لما
ثبت بالتواتر والإجماع من أنه عليه الصلاة والسَّلام وقفَ بعرفةَ يومَ الجُمُعة ، وهو تاسعُ ذي الحجة بلا
نزاع، فلو كان خروجُه يومَ الخميس الرابعَ والعشرين من ذي القعدة لبقيَ في الشّهر ستّ ليالٍ قَطْعاً ، ليلةُ
الجُمعة ، والسبت ، والأحد ، والإثنين ، والثّلاثاء ، والأربعاء ، فهذه ست ليال .
وقد قال ابن عباس وعائشة وجابر : إنّه خرجَ لخمسٍ بقينَ من ذي القعدة . وتعذَّر أنه يومُ الجمعة ،
لحديثِ أنسٍ ، فتعيَّن على هذا أنه عليه الصلاة والسلام خرج من المدينة يومَ السبتِ ، وظنَّ الراوي أن
الشهرَ يكون تاماً ، فاتفق في تلك السَّنة نقصانُهُ ، فانسلخَ يومَ الأربعاء ، واستهلّ شهر ذي الحجة ليلة
صلاة العصر في السفر .
(١) مسند الإمام أحمد (١٧٧/٣)، وإسناده صحيح.
(٢) ط: ( المنذر ) تحريف . وقد تقدم قبل أسطر .
(٣) رواه البخاري رقم (١٠٨٩) ومسلم رقم (٦٩٠) (١١) وأبو داود رقم (٢٢٠٢) والنسائي (٢٣٥/١).
مسند الإمام أحمد ( ٣٧٨/٣)، وإسناده صحيح .
(٤)
(٥) ط: ( بكير) تحريف. وانظر تهذيب الكمال (٢٤/ ٥٣٠).
(٦) مسند الإمام أحمد (٢٣٧/٣) . أقول : وسنده حسن من أجل ابن إسحاق .

١٢٠
صفة خروجه من المدينة للحج
الخميس ، ويؤيّده ما وقع في روايةٍ جابر : لخمس بقين أو أربع . وهذا التقرير على هذا التقدير لا محيدَ
عنه ، ولا بدَّ منه ، والله أعلم .
بابُ
صِفَةٍ خُروجِهِ عليه الصلاةُ والسلام من المَدينة إلى مگَّةَ للحَجّ
قال البخاري(١): حدّثنا إبراهيم بن المنذر، حدّثنا أنس بن عياض، عن عُبَيْد الله - هو ابن عمر - عن
نافع، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله وَلهل كان يَخْرُجُ من طريق الشَّجَرة، ويدخلُ من طريق المُعَرَّسُ(٢) ،
وأنّ رسول الله وَّه كان إذا خرجَ إلى مكةَ يُصلِّي في مسجد الشجرة، وإذا رجعَ صلَّى بذي الحُلَيْفة ببطنٍ
الوادي ، وبات حتى يصبح .
تفرد به البخاري من هذا الوجه .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : وجدت في كتابي عن عمرو بن مالك ، عن يزيد بن زريع ، عن هشام ،
عن عَزْرة بن(٣) ثابت، عن ثمامة، عن أنس: أنّ النبيَّ ◌َِّ حِجَّ على رَحْلٍ رثٍّ وتحتَهُ قَطيفةٌ . وقال :
حجةٌ لا رِياءَ فيها ولا سُمْعة .
وقد علقه البخاري(٤) في ((صحيحه)) فقال: وقال محمد بن أبي بكر : حدّثنا يزيد بن زُريع ، عن
عَزْرَةَ(٣) بن ثابت، عن تُمامة قال: حَجَّ أنسٌ على رَحْلٍ رَثِّ(٥) ولم يكن شَحيحاً، وحدَّث أن رسول الله وَلـ
حجَّ على رَحْلٍ وكانت زامِلَتَه(٦) . هكذا ذكره البزَّار ، والبخاري معلقاً مقطوع الإسناد من أوله .
وقد أسنده الحافظ البيهقي(٧) في سننه فقال : أنبأنا أبو الحسن علي بن محمد بن علي المقرىء ، أنبأنا
الحسن(٨) بن محمد بن إسحاق ، حدّثنا يوسف بن يعقوب القاضي ، حدّثنا محمد بن أبي بكر ، حدّثنا
يزيد بن زُرَيْع ... فذكره .
(١) صحيح البخاري (١٥٣٣) في الحج باب خروج النبي وهو عن طريق الشجرة.
(٢) المعرس: مسجد ذي الحُليفة كان رسول الله وَليل يعرّس فيه ثم يرحل لغزاة أو غيرها . والتعريس نومة المسافر بعد
إدلاجه من الليل فإذا كان وقت السحر أناخ ونام نومة خفيفة ثم يثور مع انفجار الصبح لوجهه ( معجم البلدان ) .
(٣) ط: (عروة عن ثابت) وما أثبتناه هو الصواب الذي في صحيح البخاري، وانظر تهذيب التهذيب (٧/ ١٩٢).
(٤) رواه البخاري رقم (١٥١٧).
قوله : (( رث )) ليس في صحيح البخاري .
(٥)
الزامل من الدواب الذي كأنه يظلع في سيره من نشاطه ( اللسان : زمل ) .
(٦)
(٧) سنن البيهقي (٤/ ٢٣٢).
(٨) ط: (أبو الحسن علي) وانظر سير أعلام النبلاء (٥٣٥/١٥ - ٥٣٦).