النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ وفد طيىء مع زيد الخيل رضي الله عنه تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا، فتقسمها على فقرائنا؟ قال: رسول الله وَ ◌ّرَ: ((اللهم نعم)))((١) قال الرجل: آمنت بما جئت به ، وأنا رسول مَنْ ورائي مِنْ قومي ، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر . وقد رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث بن سعد ، عن سعيد المقبري به ، وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، عن الليث به(٢) . والعجب أن النسائي رواه من طريق آخر ، عن الليث قال : حدّثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا ، عن سعيد المقبري ، عن شريك ، عن أنس بن مالك فذكره . وقد رواه النسائي أيضاً من حديث عبيد الله العمري ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرةً(٣) . فلعله عن سعيد المقبري من الوجهين جميعاً . فصل وقد قدمنا ما رواه الإمام أحمد ، عن يحيى بن آدم ، عن حفص بن غياث ، عن داود بن أبي هند ، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قدوم ضِمَادُ(٤) الأزدي على رسول الله وَّه بمكة قبلَ الهجرةِ، وإسلامِه ، وإسلام قومه كما ذكرناه مبسوطاً بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة . وَقْدُ طَيِّىٍ مع زَيْدِ الخَيْل(٥) رضي الله عنه قال ابن إسحاق (٦): وقدم على رسول الله وَّل وفد طيِّئ، وفيهم زيد الخيل ، وهو سيدهم ، فلما انتَهَوْا إليه كلَّموه، وعرض عليهم رسول الله وَِّ الإسلام، فأسلموا، فحسُنَ إسلامُهم ، وقال رسول الله وَ* كما - حدّثني من لا أتَّهِمُ من رجال طيّئ -: (( ما ذكر [ لي ] رجلٌ من العرب بفضل، ثم جاءني إلا رأيتُه دونَ ما يقال فيه إلا زيد الخيل ، فإنه لم يُبْلَغ كل الذي (٧) فيه)). ثم سماه رسول الله وَ ﴿ زيد الخير، وقطع له فيد(٨) وأرَضين معه ، وكتب له بذلك ، فخرج من عند رسول الله وَ﴿ راجعاً إلى قومه، فقال رسول الله وَ له: ((إنْ يَنْجُ زيدٌ من حُمّى المدينة فإنَّه)) قالَ: وقد سماها رسول الله وَل﴿ باسم غير الحمى وغير أُمِّ مِلْدَم - لم يُثبته - قال: فلما انتهى من بلد نجد إلى ماءٍ (١) ما بين القوسين ساقط من أوط . (٢) رواه البخاري رقم (٦٣) وأبو داود رقم (٤٨٦) والنسائي (١٢١/٤ -١٢٢) وابن ماجه رقم (١٤٠٢). (٣) رواه النسائي (١٢٢/٤ - ١٢٣) و(١٢٣/٤ - ١٢٤). (٤) تبصير المنتبه ٨٥٧ . (٦) سيرة ابن هاشم (٢/ ٥٧٧ - ٥٧٨) وانظر طبقات ابن سعد (٣٢١/١) والاستدراك منهما . (٥) الإصابة (١/ ٥٧٢). (٧) في سيرة ابن هشام: ((لم يبلغ كل ما فيه)). (٨) فيد: موضع قريب من جبلي أجأ وسلمى جبلي طيىء: ( معجم البلدان) ومعجم ما استعجم ( ٣/ ١٠٣٣). ٤٢ قصة عدي بن حاتم الطائي من مياهه يقال له فردة١) أصابته الحمى فمات بها، ولما أحسَّ بالموت قال: [ الطويل ] أمُرْتَحِلٌ قَوْمي المَشارِقَ غُدْوةً وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ مُنْجِدٍ عَوائِدُ مَنْ لمْ يُبْرَ مِنْهُنَّ يَجْهَدِ ألا رُبَّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْتُ لَعَادني قال : ولما مات عمدت امرأته بجهلها وقلة عقلها ودينها إلى ما كان معه من الكتب(٢) فحرقتها بالنار . قلت: وقد ثبت في الصحيح(٣) عن أبي سعيد، أن علي بن أبي طالب بعث إلى رسول الله وَ له من اليمن بذُهَيْبَةٍ في تُرْبتها، فقسمها رسول الله بَّه بين أربعة: زيد الخيل، وعلقمة بن عُلاثَة، والأقرع بن حابس، وعيينة(٤) بن بدر ... الحديث . وسيأتي ذكره في بعث علي إلى اليمن إن شاء الله تعالى . قصة عديّ بن حاتم الطائي قال البخاري(٥) في (( الصحيح)): وفد طيِّئ وحديث عديّ بن حاتم ، حدّثنا موسى بن إسماعيل ، حدّثنا أبو عوانة، حدّثنا عبد الملك بن عُمير، عن عمرو بن حُرَيث ، عن عديّ بن حاتم . قال : أتينا عمر بن الخطاب في وفدٍ ، فجعل يدعو رجلاً رجلاً ويُسَمِّيهم . فقلت : أما تعرفُني يا أمير المؤمنين ؟ قال بلى أسلمتَ إذ كفروا، وأقبلتَ إذ أدبروا، ووفَيتَ إذ غدروا، وعرفتَ إذ أنكروا. فقال عدي : فلا أبالي إذاً . وقال ابن إسحاق(٦): وأما عدي بن حاتم فكان يقول - فيما بلغني - ما [ من ]٧) رجل من العرب كان أشدَّ كراهيةً لرسول الله وَ ل﴿ حين سمع به مني. أما أنا فكنت آمراً شريفاً ، وكنت نصرانياً ، وكنت أسيرُ في قومي بالمِزْباع(٨) ، وكنت في نفسي على دِين ، وكنت ملكاً في قومي لما كان يصنع بي ، فلما سمعتُ برسول اللهِ وَ ﴿ كرهتُه، فقلت لغلام كان لي عربيّ، وكان راعياً لإبلي: لا أبا لك، أعْدِذْ لي من إبلي (١) فردة : ماء بحرم في ديار طيّئ، هناك قبر زيد الخيل (معجم البلدان). (٢) في سيرة ابن هشام ((من كتبه التي قطع له رسول الله وَّل فحرقتها)). صحيح البخاري (٣٣٤٤). وصحيح مسلم كتاب الزكاة رقم ( ١٤٣) ورقم (١٤٤) (١٠٦٤))). .. (٣) ط : ( وعتبة بن بدر ) وهو تحريف انظر الصحيحين مصدري المؤلف . (٤) صحيح البخاري رقم (٤٣٩٤). وانظر طبقات ابن سعد (٣٢٢/١ - ٣٢٣). (٥) (٦) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٧٨ - ٥٨١ ). (٧) الزيادة من سيرة ابن هشام . المرباع : ما يأخذه الرئيس ، وهو ربع الغنيمة ( اللسان : ربع ) . (٨) ٤٣ قصة عدي بن حاتم الطائي أجمالًا ذُللاً سِماناً، فاحْتَبِسْها قريباً مني ، فإذا سمعتَ بجيشٍ لمحمدٍ قد وَطِىءَ هذه البلاد ، فَآَذِنِّي ، ففعل ، ثم إنه أتاني ذاتَ غداةٍ فقال: يا عديُّ، ما كنتَ صانعاً إذا غَشِيتْكَ خَيْلُ محمد ، فاصنعَهْ الآن ، فإني قد رأيتُ راياتٍ ، فسألتُ عنها فقالوا : هذه جيوشُ محمد . قال : قلت : فقرِّب إليَّ أجمالي ، فقرَّبها ، فاحتملتُ بأهلي وولدي ، ثم قلتُ : ألحقُ بأهلِ ديني من النصارى بالشام ، فسلكتُ الجُوْشَّهُ(١)، وخلَّفتُ بنتاً لحاتم في الحاضر، فلما قدمت الشامَ أقمتُ بها، وتُخَالفُني خيلُ رسولِ الله وَّهِ، فَتُصيبُ ابنةَ حاتمٍ فيما أصابت، فقُدِم بها على رسول اللّهَ وَّ في سبايا من طَيِّيّ، وقد بلغ رسولَ الله وَ لَّ هَرَبي إلى الشام. قال: فجُعلَتِ ابنةُ حاتمٍ في حَظِيرةٍ ببابِ المَسْجِدِ كانَتِ السّبايا تُحْبسُ بها ، فمرّ بها رسولُ اللهِ وَّهِ فقامت إليه، وكانت امرأةً جَزْلَةً، فقالَتْ: يا رسولَ اللهِ، هَلَكَ الوالدُ ، وغابَ الوافِدُ ، فامْنُنْ عليَّ، منَّ اللهُ عليكَ، قال: ((ومَنْ وافِدُك))؟ قالت: عديُّ بن حاتم. قال: (( الفارُّ من اللهِ ورسوله؟ )) قالَتْ: ثمَّ مَضَىَ وتَرَكَني ، حتَّى إذا كانَ الغَدُ مرَّ بي ، فقلتُ له مثلَ ذلك ، وقال لي مثلَ ما قالَ بالأمسِ ، قالت: حتَّى إذا كانَ بعدَ الغدِ مَّ بي ، وقد يئستُ ، فأشار إليّ رجلٌ خلفَهُ أنْ قومي فَكَلِّميه ، قالت : فَقُمْتُ إليه، فقلتُ: يا رسولَ الله ، هَلَكَ الوالدُ، وغابَ الوافدُ، فامنُنْ عَلَيَّ منَّ اللهُ عليكَ. فقال ◌َ: ((قد فَعَلْتُ، فلا تَعْجَلي بخروجٍ حتى تجدي من قومك مَن يكونُ لك ثقةً ، حتى يُبلِّغَكَ إلى بلادِك، ثم آذنيني. )) فسألتُ عن الرجلِ الذي أشار إليَّ أن كَلِّميه ، فقيل لي : علي بن أبي طالب ، قالت : فَأَقَمْتُ حتى قَدِمَ ركبٌ من بَلِيّ أو قُضاعةَ، وإنما أُريد أن آتيَ أخي بالشام ، فجئتُ فقلتُ : يا رسولَ الله ، قد قدم رَهْطٌ من قومي ، لي فيهم ثقةٌ وبلاٌ ، قالت : فكساني وحَمَلني وأعطاني نفقةٌ ، فخرجتُ معهم ، حتّى قَدِمْتُ الشامَ . قال عديٌّ : فوالله إنّي لقاعدٌ في أهلي ، فنظرت إلى ظَعينة تُصوِّبُ إلى قومِنا ، قال : فقلت : ابنةُ حاتم! قال : فإذا هي هي ، فلما وقفتْ عليَّ استحلّت(٢) تقول: القاطعُ الظالمُ ، احتملتَ بأهلكَ وولدكَ ، وتركتَ بقيةَ والدك عورتَك ؟ قال : قلت : أيْ أُخِيَّة ، لا تقولي إلا خيراً ، فوالله ما لي من عذرٍ ، لقد صنعتُ ما ذكرتِ . قال : ثم نزلتْ فأقامت عندي ، فقلت لها وكانت امرأة حازمة : ماذا ترين في أمر هذا الرجل ؟ قالت : أرى والله أن تلحقَ به سريعاً ، فإن يكن الرجلُ نبياً فللسابق إليه فضلُه، وإن يكنْ مَلِكاً فلن تَذِلَّ في عزِّ اليمن وأنت أنت . قال : قلت : والله إن هذا للرأي. قال: فخرجتُ حتى أقدَمَ على رسول الله وَّ المدينةَ، فدخلتُ عليه وهو في مسجده ، فسلمتُ عليه ، فقال: ((مَن الرجلُ؟ )) فقلت: عديٌّ بن حاتم، فقامَ رسولُ الله ◌َّ، وانطلقَ بي إلى بيته ، فواللهِ إنه لعامدٌ بي إليه ، إذ لقيتْهُ امرأةٌ ضعيفةٌ كبيرةٌ فاستوقفْته ، فوقفَ لها طويلاً تُكَلِّمُه في حاجتها ، قال : قلتُ (١) الجوشية: موضع بين نجد والشام، عليها سلك عدي بن حاتم حين قصد الشام هارباً من خيل رسول الله وج ليل لما وطئت بلاد طيئ ( معجم البلدان ) . (٢) في سيرة ابن هشام: ((انسحلت)) أي لامت وسخطت . ٤٤ قصة عدي بن حاتم الطائي في نفسي: والله ما هذا بملِكِ، قال: ثم مضى بي رسول الله وَّ﴿ حتى إذا دخلَ بيتَه تناول وسادةً من أدم محشوةً ليفاً ، فقذفها إليَّ فقال: ((اجلسْ على هذه))، قال: قلتُ: بل أنتَ فاجلسْ عليها، قال: (( بل أنتَ))، فجلستُ وجلَس رسول الله وَّهُ بالأرض، قال: قلتُ في نفسي: والله ما هذا بأمر ملكِ ، ثم قال: ((إيه يا عديَّ بنَ حاتم، ألم تك رَكُوسي١ٌ) قال: قلت: بلى، قال: ((أو لم تكن تسير في قومك بالمِرْباعِ)) قال: قلت: بلى. قال: ((فإنَّ ذلك لم يكن يحلّ لك في دينك )) قال : قلتُ : أجل والله ! قال : وعرفتُ أنّه نبيٌّ مرسلٌ، يعلمُ ما يُجْهَل. ثم قال: ((لَعلَّك يا عديُّ إنما يَمْنَعُكَ من دخولٍ في هذا الدِّين ما ترى من حاجتهم ، فوالله ليوشِكَنَّ المالُ أن يفيضَ فيهم ، حتى لا يوجد من يأخذه . ولعلك إنما يَمْنَعُكَ من دخولٍ فيه ما تَرى من كَثْرَة عدوِّهم وقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فواللهِ ليُوشكنَّ أن تسمع بالمرأةِ تخرجُ من القادسيّة على بعيرها ، حتى تزورَ هذا البيتَ، لا تخافُ . ولعلَّكَ إنما يَمْنَعُكَ من دخولٍ فيه ، أنَّك تَرى أن المُلكَ والسُّلطان في غيرهم، وايمُ اللهِ ليُوشكنَّ أن تسمعَ بالقصورِ البيضِ من أرضِ بابلَ قد فُتحت عليهم )) . قال: فأسلمتُ . قال : فكان عديٌّ يقول: مضَت اثنتان، وبقيَتِ الثَّالِثَةُ، والله لتُكُونَنَّ، وقد رأيتُ القصورَ البيضَ من أرضٍ بابلٍ قد فُتحتْ ، ورأيتُ المرأةَ تخرجُ من القادسية على بعيرها لا تخافُ حتى تحجَّ هذا البيتَ ، وأيم الله لتكونَّنَ الثالثة ، ليفيضنَّ المال ، حتّى لا يوجد من يأخذه . هكذا أوردَ ابنُ إسحاق - رحمه الله - هذا السياقَ بلا إسنادٍ ، وله شواهدُ من وجوهٍ أخرَ . وقال الإمامُ أحمد٢) : حدّثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعتُ سِمَاك بن حرب ، سمعت عبّاد ابن حُبيش يحدث عن عدي بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله وَ له وأنا بعقرب (٣) ، فأخذوا عمتي وناساً، فلما أتوا بهم رسول الله وَله، قال: فصُقُّوا له. قالت: يا رسول الله نأى (٤) الوافد ، وانقطع الولد، وأنا عجوز كبيرة، ما بي من خدمة، فمُنَّ عليّ، منّ الله عليك. فقال: ((من وافدك؟ )) قالت: عدي بن حاتم ، قال : (( الذي فرّ من الله ورسوله )) قالت : فمَنّ علي . فلما رجع ورجل إلى جنبه - ترى أنه علي - قال: سليه حُملانا ، قال : فسألته ، فأمر لها . قال عدي : فأتتني فقالت : لقد فعلت فَعلة ما كان أبوك يفعلها ، وقالت : انته راغباً أو راهباً ، فقد أتاه فلان فأصاب منه ، وأتاه فلان فأصاب منه . قال : فأتيته ، فإذا عنده امرأة وصبيان أو صبي ، فذكر قُربهم منه ، فعرفت أنه ليس ملك كسرى ولا الركوسية : قوم لهم دين بين النصارى والصابئين ( اللسان : ركس ) . (١) (٢) مسند الإمام أحمد (٣٧٨/٤ )، وهو حديث حسن . عقرب : قال ياقوت : عقرباء بلفظ العقرب من الحشرات ذات السموم ، والألف الممدودة فيه لتأنيث البقعة .. ثم (٣) قال : وهي كورة من كور دمشق كان ينزلها ملوك غسان . (٤) في ط : بان. ٤٥ قصة عدي بن حاتم الطائي قيصر ، فقال له : (( يا عدي بن حاتم ما أفرَّك ؟ أفرَّك أن يقال لا إله إلا الله فهل من إله إلا الله ! ما أفرَّك؟ أَفَرَّكَ أن يُقال: الله أكبر . فهل شيءٌ هو أكبر من الله عزَّ وجلَّ!)) فأسلمتُ ، فرأيتُ وجهَه استبشرَ ، وقال : إن المغضوب عليهم اليهود ، وإنّ الضالِّين النصارى . قال : ثم سألوه ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فلكم أيها الناس أن ترضخوا من الفضل ، ارتضخ امرؤٌ بصاع ، ببعض صاعٍ ، بقَبضةٍ ، ببعض قُبضة. قال شعبة : - وأكثرُ علمي أن قال: (( بتمرة ، بشق تمرة )) - وإنّ أحدكم لاقي اللهِ فقائل ما أقول : ألم أجعلْكَ سميعاً بصيراً ، ألم أجعلْ لكَ مالًا وولداً. فماذا قدَّمْتَ ؟ فينظرُ من بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه وعن شماله ، فلا يجد شيئاً ، فما يتقي النار إلا بوجهه ، فاتقوا النار ولو بشق تمرة ، فإن لم تجدوه فبكلمة لينة ، إني لا أخشى عليكم الفاقة ، لينصرنكم الله وليعطينكم ، أو ليفتحنَّ عليكم ، حتى تسير الظعينة بين الحيرة ويثرب ، أو أكثر ما تخاف السرَق على ظعينتها . وقد رواه الترمذي(١) من حديث شعبة وعمرو بن أبي قيس ، كلاهما عن سماك ، ثم قال : حسن غريب ، لا نعرفه إلا من حديث سماك. وقال الإمام أحمد(٢) أيضاً : حدّثنا يزيد ، أنبأنا هشام بن حسان ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي عبيدة - هو ابن حذيفةَ - عن رجل ، قال : قلت لعدي بن حاتم : حديث بلغني عنك أحب أن أسمعه منك. قال: نعم. لما بلغني خروج رسول الله وَله، كرهت خروجَه كراهيةً شديدةً ، فخرجت حتى وقعت ناحية الروم - وفي رواية حتى قدمت على قيصر - قال : فكرهت مكاني ذلك أشد من كراهيتي لخروجه ، قال : قلت : والله لو أتيت هذا الرجل ، فإن كان كاذباً لم يضرّني ، وإن كان صادقاً علمت ، قال : فقدمت ، فأتيته ، فلما قدمت قال الناس: عدي بن حاتم؟ فدخلت على رسول الله وَ له فقال لي: (( يا عديّ بن حاتم، أسْلِمْ تَسْلَمْ، ثلاثاً . قال : قلت إنّي على دِينٍ . قال: أنا أعلمُ بدينكَ منكَ)) فقلت : أنت أعلمُ(٣) بديني مني! قال: ((نعم ألست من الرَّكوسية، وأنت تأكلُ مِزْباعَ قومك؟ )) قلت : بلى . قال: هذا لا يحلّ لكَ في دينك)) قال: نعم . فلم يَعْدُ أن قالها، فتواضعتُ لها ، قال: (( أما إنّي أعلمُ الذي يمنعُك من الإسلام، تقول: إنما اتَّبعه ضَعَفَةُ النّاس، ومن لا قُوَّة له(٤) ، وقد رمتهم العربُ. أتعرفُ الحيرةَ؟)) قلت: لم أرها، وقد سمعت بها. قال: ((فوالذي نفسي بيده ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمر ، حتى تخرجَ الظعينةُ من الحيرة ، حتى تطوفَ بالبيتِ في غَيْرِ جوار أحدٍ ، وليفتحنَّ كنوزَ كِسْری بن هُزْمُز » جامع الترمذي في التفسير رقم (٢٩٥٣ - ٢٩٥٤)، وهو حديث حسن بشواهده . (١) مسند الإمام أحمد (٢٥٧/٤)، وإسناده حسن . (٢) (٣) ط : ( تعلم ) . وما أثبته عن المسند . (٤) ط : ( لهم ) وما هنا عن المسند . ٤٦ قصة عدي بن حاتم الطائي قال: قلت: كنوز(١) ابن هُرْمُزْ !. قال: (( نعم كسرى بن هرمز، وَلَيُبْذَلَنَّ المالُ حتّى لا يقبله أحدٌ . قال عدي بن حاتم : فهذه الظعينة : تخرج(٢) من الحيرة ، تطوفُ بالبيتِ ، في غيرِ جِوار ، ولقد كنتُ فيمن فتح كنوزَ كِسْرى ، والذي نفسي بيده لتكونن الثالثة، لأنّ رسولَ الله وَلَّه قد قالها. ثم قال أحمد(٣) : حدّثنا يونس بن محمد ، حدثنا حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي عبيدة بن حذيفة عن رجل ، وقال حماد : وهشام(٤) ، عن محمد ، عن أبي عبيدة ، ولم يذكُرْ عن رجلٍ ، قال : كنتُ أسألُ النّاسَ عن حديث عديٍّ بن حاتم ، وهو إلى جنبي ولا أسأله ، قال : فأتيته فسألته ، فقال : نعم ... فذكر الحديث . وقال الحافظ أبو بكر البيهقي(٥) : أنبأنا أبو عمرو الأديب ، أنبأنا أبو بكر الإسماعيلي ، أخبرني الحسن بن سفيان ، حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، أنبأنا النضر بن شُميل ، أنبأنا إسرائيل ، أنبأنا سعد الطائي، أنبأنا مُحِلُّ(٦) بن خليفة، عن عدي بن حاتم قال: بينا أنا عند النبيِّ وََّ إذ أتاه رجلٌ فشكَى إليه الفاقةَ، وأتاهُ آخرُ فشكى إليه قطعَ السبيل. قال: (( يا عدي بن حاتم ، هل رأيت الحيرة ؟ قلت : لم أرها، وقد أُنْبئتُ عنها)). قال: ((فإن طالت بكَ حياةٌ لترينَّ ( الظعينةَ ترتحلُ من الحيرةِ حتى تطوفَ بالكعبة، لا تخافُ أحداً إلا الله عزَّ وجلَّ)) قال: قلت في نفسي(٧): فأين دُعّارُ(٨) طيئ الذين سعّرو(٩) البلاد ((ولئن طالت بك حياة، لتُفتحن كنوز كسرى بن هرمز)) قلت : كسرى بن هرمز! قال : كسرى بن هرمز. (( ولئن طالت بك حياة( ١٠) لترين الرجل يخرجُ بملء كفّه من ذهبٍ أو فضةٍ ، يطلب من يقبلُه منه ، فلا يجد أحداً يقبله منه ، ولَيَلْقين اللهَ أحدُكم يومَ يلقاه ليس بينه وبينه ترجمان ، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم، وينظر عن شماله فلا يرى إلا جهنم)). قال عدي: سمعتُ رسولَ الله ◌ُ لَه يقول: ((اتّقوا النارَ ولو بشِقِّ تَمْرَةٍ ، فإن لم تجد(١١) شِقَّ تمرةٍ فبكلمةٍ طيبةٍ)). قال عدي: فقد رأيتُ الظعينةَ ترتحلُ من (١) في المسند : ( كسرى ) . ط : ( تأتى ) وما أثبته عن المسند . (٢) مسند الإمام أحمد (٢٥٨/٤ و٣٧٩)، وإسناده حسن. (٣) (٤) في المسند ( حماد عن هشام ) . (٥) دلائل النبوة (٣٤٣/٥). تهذيب التهذيب (٦٠/١٠) . (٦) في دلائل النبوة: ((فيما بيني وبين نفسي)). (٧) في الأصول: ( ذعار) ، وهي جمع داعر والمقصود قُطَّاع الطريق ( فتح الباري ٦/ ٦١٣ ) . (٨) (٩) سَعَّروا أي أوقدوا نار الفتنة ( فتح الباري ٦/ ٦١٣ ) . (١٠) ما بين القوسين ساقط من أ. (١١) ط: ( فإن لم تجدوا) . ٤٧ قصة عدي بن حاتم الطائي الكوفة حتى تطوفَ بالبيتِ لا تخافُ إلا الله عزَّ وجلَّ، وكنت فيمن افتتحَ كنوزَ كسرى بن هُزْمُز ، ولئن طالت بكم حياة سترون ما قال أبو القاسم وَلّر . وقد رواه البخاري(١) ، عن محمد بن الحكم ، عن النضر بن شميل به بطوله . وقد رواه من وجه آخر ، عن سعدان بن بشر ، عن سعد أبي مُجاهد الطائي ، عن مُحِلّ بن خليفة ، عن عدي به (٢) . ورواه الإمام أحمد (٣) والنسائي(٤) من حديث شعبة ، عن سعد أبي مجاهد الطائي به . وممن روى هذه القصة عن عدي عامر بن شرحبيل الشعبي فذكر نحوه . وقال : لا تخاف إلا الله والذئب على غنمها . وثبت في صحيح البخاري من حديث شعبة ، وعند مسلم(٥) من حديث زهير بن معاوية ، كلاهما عن أبي إسحاق، عن عبد الله بن مَعْقِلُ(٦) بن مُقَرِّن المُزَني، عن عدي بن حاتم. قال: قال رسول الله وَّةٍ: ((اتقوا النار ولو بشِقِّ تَمْرةٍ)) ولفظ مسلم (( من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشِقّ تَمْرَةٍ فليفعل)): طريق أخرى فيها شاهد لما تقدم . وقد قال الحافظ البيهقي(٧) : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، حدّثني أبو بكر محمد بن عبد الله بن يوسف ، حدّثنا أبو سعيد عبيد بن كثير بن عبد الواحد الكوفي ، حدّثنا ضرار بن صُر(٨) ، حدّثنا عاصم بن حُمَيْد، عن أبي حمزة الثُّمَالي(٩) ، عن عبد الرحمن بن جندب، عن كُمَيل بن زياد النَّخَعي قال : قال عليُّ بن أبي طالب: يا سبحانَ الله، ما أزهدَ كثيراً من الناس في خيرٍ ، عجباً لرجل يجيتُه أخوه المُسلمُ في الحاجة ، فلا يرى نفسه للخير أهلاً ، فلو كانَ لا يرجو ثواباً ولا يخشى عقاباً ، لكان ينبغي له أن يُسارع في مكارم الأخلاق، فإنها تدُلُّ على سُبُل١٠ُ) النّجاحِ . فقام إليه رجلٌ فقال: فِداك أبي وأمي يا أمير المؤمنينِ سَمِعْتَه من رسول الله بََّ؟ قال: نعم، وما هو خيرٌ منه. لمَّا أُتي بسبايا طيئء وقفتْ جارية حمراءُ لَعْساءُ ذَلْفَاءُ عَيْطَاءُ شَمّاءُ الأنف ، معتدلةُ القامة والهامة ، دَرْماء الكعبين ، خَدْلَة (١) صحيح البخاري رقم (٣٥٩٥) . (٢) رواه البخاري رقم (١٤١٣) . (٣) مسند الإمام أحمد (٢٥٦/٤) . (٤) سنن النسائي في الزكاة ( ٧٤/٥) . رواه البخاري رقم (١٤١١٧) ومسلم رقم (١٠١٦). (٥) تهذيب التهذيب ( ٦/ ٤٠ ) . (٦) دلائل النبوة (٣٤١/٥) وفي الأصول : أبو بكر بن محمد . (٧) (٨) تهذيب التهذيب ( ٤/ ٤٥٦ ) . تهذيب التهذيب ( ٧/٣ و٧٨/١٢)، والأنساب (١٤١/٣). (٩) (١٠) ط : ( سبيل). ٤٨ قصة عدي بن حاتم الطائي الساقين (١)، لَفَّاء الفَخِذَيْن، خَميصةُ الخَصْرِين، ضامِرَة الكَشْحَيْن، مَصْقُولة المَثْنَيْن . قال : فلما رأيتُها أُعجبتُ بها، وقلتُ لأطلبنَّ إلى رسول الله ◌َيَ يجعلُها في فيئي، فلما تكلمت أُنسيتُ جمالها من فصاحَتِها٢) ، فقالت : يا محمد ، إن رأيتَ أن تُخلِّي عَنّا ولا تُشْمِت بنا أحياءَ العرب ، فإنّي ابنةُ سيدٍ قومي ، وإن أبي كانَ يحمي الذِّمارَ ، ويفكُّ العاني ، ويُشبعُ الجائع ، ويكسو العاري ، ويقري الضيف ، ويُطعم الطعام ، ويُفشي السلام، ولم يردّ طالب حاجةٍ قطّ، أنا ابنة حاتم طيِّئ. فقال رسول الله وَّةٍ: (( يا جاريةُ، هذه صفةُ المؤمنين حقّاً، لو كان أبوك مُسلماً لترحّمنا عليه، خَلُّوا عنها ، فإنّ أباها كان يُحبُّ مكارِمَ الأخلاق، واللهُ يحبُّ مكارمَ الأخلاق)). فقام أبو بُرْدَة بن نِيَارُ(٣) فقال: يا رسولَ الله(٤)! الله يحبُّ مكارم الأخلاق ؟ فقال رسول الله وَطّل: ((والذي نفسي بيده لا يدخل أحدٌ الجنةَ إلا بحسن الخلق)). هذا حديثٌ حسنُ المتن ، غريب الإسناد جداً ، عزيز المخرج . وقد ذكرنا ترجمة حاتم طيِّئ أيام الجاهلية ، عند ذكرنا من مات من أعيان المشهورين فيها ، وما كان يُسْديه حاتمٌ إلى الناس من المكارم والإحسان ، إلّا أنَّ نفعَ ذلك في الآخرة مَعْذوقٌ بالإيمانُ(٥) وهو ممن لم يقل يوماً من الدهر : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين . وقد زعم الواقدي(٦) أن رسول الله وَلل بعث علي بن أبي طالب في ربيع الآخر من سنة تسع إلى بلاد طيئ ، فجاء معه بسبايا فيهم أختُ عديّ بن حاتم ، وجاءَ معه بسيفين كانا في بيت الصَّنَم ، يقال لأحدهما: ((الرَّسُوب(٧) والآخر ((المِخْذَم (٨) كان الحارث بن أبي شِمْر ، قد نَذَرهما لذلك الصنم . (١) لَعْساء: من اللعس، وهو سواد اللثة والشفة، وقيل سوادٌ يعلو شفة المرأة البيضاء، وقيل هو سواد في حمرة ( اللسان : لعس ) . ذَلْفاء : من الذلف، وهو قصر الأنف وصغره ( اللسان : ذلف ) . عَيْطاء : طويلة العنق في اعتدال ( اللسان : عيط ) . دَرْماء الكعبين : لا تستبين كعوبها ولا مرافقها . وكل ما غطاه اللحم والشحم وخفي حجمه فقد درم . (اللسان: درمٍ ) . خَدْلةُ الساقين: الغليظة الساق المستديرتها . وفي مختصر ابن عساكر: (( خدلَّجة الساقين)) وهي الرَّيّاء الممتلئة الذراعين والساقين . ( اللسان : خدلج ) . (٢) في دلائل النبوة ومختصر تاريخ ابن عساكر: ((لما رأيت من فصاحتها)). (٣) تهذيب التهذيب ( ١٩/١٢ ) وفيه أنّ اسمه هانیء بن نیار . (٤) ليس اللفظ في م. وابتدأت العبارة فيه بـ(( تحب)). معذوق : أي موسوم به ، ومعذوق الإيمان : أي معلّق به كما في النهاية في غريب الحديث ( عذق ) . (٥) (٦) المغازي (٩٨٤/٣ -٩٨٩)، والطبري (١١١/٣). انظر القاموس المحيط ( رسب ) . (٧) (٨) انظر القاموس المحيط ( خذم) . ٤٩ قصة دوس والطفيل بن عمرو - قدوم الأشعريين وأهل اليمن قال البخاري(١) رحمه الله : قصة دَوْس والطُّفَيْل بن عمرو [ الدَّوْسي ] حدّثنا أبو نُعيم، حدّثنا سُفيان، عن ابن ذكوان - هو عبد الله أبو الزِّناءِ(٢) -، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة قال: جاء الطفيل بن عمرو إلى رسول الله وَ له فقال: إن دوساً قد هلكت ، عصت وأبت (٣). فادع الله عليهم. فقال رسول الله وَّل: ((اللهم اهد دوساً وائتٍ بهم)). انفرد به البخاري من هذا الوجه . ثم قال(٤) : حدّثنا محمد بن العلاء، حدّثنا أبو أسامة، حدّثنا إسماعيل، عن قيس ، عن أبي هريرة قال: لما قدمت على النبي ◌َّلو قلت في الطريق: [ من الطويل ] يا لَيْلَةً مِنْ طُولها وَعنائِها على أنّها مِنْ دَارَةِ الْكُفْرِ نَجَّتِ وَبَقَ لي غلامٌ في الطّريق ، فلما قِدمْتُ على النبيِّمَّر وبايعتُه فبينا أنا عنده إذ طَلَع الغُلامُ، فقال لي النبيِ وَ لَّ: ((يا أبا هُرَيْرة، هذا غُلامُك)). فقلت: هُوَ حُرّ لوجه الله عزَّ وجلَّ، فأعتقتُه . انفرد به البخاري من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم . وهذا الذي ذكره البخاري من قُدوم الطُّفيل بن عمرو، فقد كان قبل الهجرة ، ثم إنْ قُدِّر قدومُه بعد الهجرة فقد كان قبل الفتح، لأن دَوساً قدموا ومعهم أبو هريرة، وكان قدومُ أبي هريرة ورسولُ الله ◌ِلهم محاصِرٌ خَيْبَر، ثم ارتحلَ أبو هريرة حتى قدم على رسول الله وَّل خيبرَ بعدَ الفتح ، فرضخ لهم شيئاً من الغنيمة . وقد قدَّمنا ذلك كله مُطوَّلاً في مواضعه . وقال البخاري(٥) رحمه الله : قُدُومُ الأَشْعَرِيِّينِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ ثم رَوَى(٦) من حديثِ شعبةَ، عن سليمانَ بن مِهْرانَ الأعْمَش ، عن ذَكْوان أبي صالح السَّمّان ، عن (١) صحيح البخاري رقم (٤٣٩٢) والزيادة منه . (٢) ط: ( بن زياد) تحريف. وانظر تهذيب الكمال (١٤ / ٤٧٦). (٣) في أوط: ((قد هلكت وعصت وأبت)) وقد أثبتنا ما في صحيح البخاري . (٤) رواه البخاري رقم (٤٣٩٣) . (٥) صحيح البخاري (٢١٨/٥) . (٦) صحيح البخاري ، رقم (٤٣٨٨) . ٥٠ قدوم الأشعريين وأهل اليمن أبي هريرة، عن النبيّ بَّه قال: «أتاكُمْ أهلُ اليَمَن هم أرقُّ أفئدةً وألْيَنُ قُلوباً، الإيمانُ يَمانٍ، والحكمةُ يمانيةٌ، والفَخْرُ والخُيلاءُ في أصحاب الإبل ، والسَّكينةُ والوقارُ في أهل الغَنَم ». ورواه مسلمُ(١) من حديث شعبة، ثم رواه البخاري(٢)، عن أبي اليَمان، عن شعيبٍ ، عن أبي الزَّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبيّ بََّ. قال: ((أتاكُمْ أهلُ اليَمَن ، أضعفُ قلوباً وأرقُّ أفئدة ، الفِقْهُ يَمانٍ ، والحِكْمَةُ يَمانيةٌ » . ثم روى (٣) عن إسماعيل، عن سليمان ، عن ثور، عن أبي الغيث(٤) ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله بَّةٍ قال: ((الإيمانُ يمانٍ، والفتنةُ هاهنا، هاهنا يطلعُ قرنُ الشَّيطان)). ورواه مسلم(٥) ، عن شعيب، عن الزُّهْري ، عن سعيد بن المُسيّبِ ، عن أبي هريرة . ثم روى البخاري(٦) من حديث شعبة، عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي مسعود أنّ رسولَ الله ◌ِل قال: ((الإيمانُ هاهنا، وأشار بيده إلى اليمن، والجفاءُ وغلظُ القلوب في الفَدَّادين(٧) عند أصول أذناب الإبل ، من حيث يطلع قرنا الشيطان ربيعةً ومضر)). وهكذا رواه البخاري أيضاً ومسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ، عن أبي مسعود عقبة بن عمرو(٨) . ثم روى (٩) من حديث سفيان الثوري ، عن أبي صخرة جامع بن شداد ، حدّثنا صفوان بن مُحْرِزٍ ، عن عمران بن حُصين، قال: جاءت بنو تميم إلى رسول الله و سلم فقال: ((أبشروا يا بني تميم)) فقالوا: أمّا إذا بشرتنا فأعطنا. فتغيَّر وجه رسول الله وَله، فجاء ناس من أهل اليمن، فقال: (( اقْبَلوا البُشْرى إذ لم يَقْبَلْها بنو تميم )) فقالوا : قَبلنا يا رسولَ الله . صحيح مسلم رقم ( ٥٢) في الإيمان . (١) (٢) رقم (٤٣٩٠) . (٣) البخاري (٤٣٨٩). ط : (المغيث) تحريف. انظر تهذيب الكمال (١٠ / ١٧٩ ). (٤) (٥) مسلم رقم ( ٥٢) (٨٩) . (٦) البخاري ( ٤٣٨٧). الفدّادين - إذا شدَّدتها فهم الذين تعلو أصواتهم في حروثهم ، واحدهم فدّاد ، وقيل هم المكثرون من الإبل ، وقيل (٧) هم الجمّالون والحمّارون والرعيان . وإذا خففتها فواحدها فدّان مشدد وهي البقر التي يحرث بها وأهلها أهل جفاء وغلظة ( النهاية في غريب الحديث والأثر ( فدد ) . (٨) رواه البخاري رقم (٣٣٠٢) ومسلم (٥١). (٩) رواه البخاري رقم (٤٣٨٦) . ٥١ قصة عمان والبحرين وقد رواه الترمذي (١) والنسائي (٢) من حديث الثوري به . وهذا كله مما يدل على فضل وفودٍ أهل اليمن، وليس فيه تعرُّضٌ لوقتٍ وفودهم. ووفد بني تميم، وإن كان متأخراً قدومهُم لا يلزم من هذا أن يكون مقارناً لقدوم الأشعريين ، بل الأشعريون متقدمٌ وفدهم على هذا ، فإنهم قدموا صحبة أبي موسى الأشعري ، في صحبة جعفر بن أبي طالب وأصحابه من المهاجرين الذين كانوا بالحبشة، وذلك كله حين فتح رسول الله وَ ل﴿ خيبر ، كما قدمناه مبسوطاً في موضعه . وتقدم قوله اَ له: ((والله ما أدري بأيهما أُسرُ أبقدوم جعفر أو بفتح خيبر)(٣) والله سبحانه وتعالى أعلم. قال البخاري (٤) : قصَّةُ عُمان والبحرين حدّثنا قتيبةُ بن سعيد، حدّثنا سُفيان، سمع محمد بن المُنْكَدر ، سمع جابر بن عبد الله يقول : قال لي رسول الله وَله: ((لو قد جاء مالُ البَحْرين لقد أعطيتُك هكذا وهكذا٥))) ثلاثاً، فلم يقدَم مالُ البحرين حتى قُبض رسولُ الله ◌ِّيه، فلما قدمَ على أبي بكر أمرَ منادياً فنادى: منْ كانَ له عند النبيِنَّ دينٌ أو عِدَةٌ فليأتني . قال جابر: فجئتُ أبا بكر فأخبرتُه أنّ رسول الله وَ ◌ّ قال: ((لو قد جاء مال البحرين أعطيتُكَ هكذا وهكذا ثلاثاً)). قال: فأعطاني(٦) قال جابر : فلقيت أبا بكر بعد ذلك ، فسألته ، فلم يعطني ، ثم أتيته فلم يعطني ، ثم أتيته الثالثة فلم يعطني ، فقلت له : قد أتيتك فلم تعطني ، ثم أتيتك فلم تعطني ، ثم أتيتك فلم تعطني ، فإما أن تُعْطيني وإمّا أنْ تَبْخَلَ عَنّي . قال: أقلتَ: تبخل عني؟ قال: وأيُّ داءٍ أدواً من البُخْل ! قالها ثلاثاً : ما منعتك من مرةٍ إلا وأنا أريدُ أن أعطيَكَ . هكذا رواهُ البخاري هاهنا وقد رواه مسلم(٧) عن عمرو الناقد ، عن سُفيان بن عيينة به . ثم قال البخاري(٨) بعده : وعن عمرو ، عن محمد بن علي ، سمعتُ جابر بن عبد الله يقول : جئتُه فقال لي أبو بكر: عُدّها . فعددتُها، فوجدتُها خمس مئة. فقال: خُذْ مثلها مَرّتين . وقد رواه البخاري(٩) أيضاً ، (١) جامع الترمذي رقم (٣٩٥١) في المناقب ، وهو حديث صحيح . لم نجده عند النسائي بهذا اللفظ ، لا في الصغرى ، ولا في الكبرى . (٢) (٣) رواه الطبراني في الكبير (٢٢/ ٢٤٤)، وهو حديث حسن . (٥) بعد هذا اللفظ في ط : (وهكذا). (٤) صحيح البخاري رقم ( ٤٣٨٣ ). (٦) ط : ( فأعرض عني ). (٧) صحيح مسلم رقم (٢٣١٤) في كتاب الفضائل . (٨) صحيح البخاري رقم (٤٣٨٣). (٩) صحيح البخاري رقم (٢٦٩٦). ٥٢ وفود فروة بن مسيك المرادي عن عليّ بن المديني ، عن سُفيان - هو ابن عيينة - ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن علي أبي جعفر الباقر ، عن جابر كروايته له عن قُتيبة . ورواه أيضاً هو ومسلم من طرق أُخر ، عن سُفيان بن عيينة ، عن عمرو، عن محمد بن علي ، عن جابر بنحوه١) وفي رواية أخرى له (٢) أنه أمره فحثى بيديه من دراهم فعدَّها فإذا هي خمسمئة فأضعَفَها له مرتين ، يعني فكان جملة ما أعطاه ألفاً وخمس مئة درهم . وُقُودُ فَرْوَةَ بنِ مُسَيْكٍ(٣) المُرَادِيّ إلى رسولِ اللهِ وَل قال ابن إسحاق(٤): وقدمَ فَرْوةُ بن مُسَيْكِ المُراديُّ، مُفارقاً لمُلوك كِنْدَةَ ومُباعِداً لهم إلى رسول الله ونَ﴿، وقد كان بينَ قومه مُرادٍ وبينَ هَمْدان وقعةٌ قُبيلَ الإسلام ، أصابت ھَمْدان من قومه حتى أثخنوهم ، وكان ذلك في يوم يقال له الرَّدْم ، وكان الذي قاد هَمْدان إليهم الأجدع بن مالك . قال ابن هشام : ويقال مالك بن حَرِيْمُ(٥) الهَمْداني . قال ابن إسحاق(٦) : فقال فروة بن مُسَيْك في ذلك اليوم : [ الوافر ] مَرَرْنَ عَلى لُفَاتٍ(٧) وهُنَّ خُوصٌ يَنَازِعْنَ الأَعِنَّةَ يَنْتَحِينَ(٨) وإنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا فَإِنْ نَغْلِبْ فَغْلاَّبُونَ(٩) قِدْماً مَنَايَانا وطُعْمَةُ آخَرِينا١٠) ومَا إن طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ تَكِرُّ صُرُوفٌُ(١) حِيناً فَحِيناً كَذَاكَ الدّهْرُ دوْلَتُهُ سِجَالٌ وَلَوْ لُبِسَتْ غضَارَتُهُ سِنينا فَبَيْنا ما نُسَرُ بِهِ ونَرْضَى فَأَلْفَى في الأُلى غُبِطُوا طَحِينًا(١٢) إذا انْقَلَبَتْ بِهِ كَرّاتُ دَهْرٍ (١) رواه البخاري رقم (٢٦٩٦) ومسلم (٢٣١٤). (٢) رواه البخاري رقم (٣١٣٧) . (٣) الإصابة ( ٢٠٥/٣) . سيرة ابن هشام (٢/ ٥٨١) وانظر طبقات ابن سعد (٣٢٧/١). (٤) القاموس المحيط: ( حرم) وأورد أبو ذر الخشني في شرح السيرة وجهاً آخر وهو خُريم ( شرح السيرة ٤٤١ ) . (٥) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٨١) وانظر طبقات ابن سعد (٣٢٧/١). (٦) في معجم البلدان : لُفات اسم موضع من ديار مراد ، وأورد الأبيات الأربعة الأولى من هذه القصيدة ( لفت ) ويبدو (٧) أن اللام مثلثة الحركات ، انظر شرح أبي ذر الخشني للسيرة النبوية (٤٤٢). خوص : الخوص ضيق العين وصغرها وغؤورها ، ورجل أخوص : غائر العين ( اللسان : خوص ) . (٨) في معجم البلدان ( فإن نهزم فهزامون ) . (١٠) الطب هاهنا العادة (القاموس: طبّ) ورواية معجم البلدان: ( فما إن .. منايانا ودولة آخرينا). (٩) (١١) في معجم البلدان: ( يكرّ بصرفهٍ .. ). (١٢) في سيرة ابن هشام: ( فألفيتَ الأَلَى غَبطوا طحينا ). ٥٣ قدوم عمرو بن معدیکرب في أناس من زبید يَجدْ رَيْبَ الزَّمَان لَهُ خَؤُونا فَمَنْ يُغْبَطْ بِرَيبِ الدّهرِ مِنْهُمْ وَلَوْ بَقِي الكِرَامُ إذنْ بَقِينا فَلَو خَلَدَ المُلُوكُ إذن خَلَّدْتا كَمَا أفنَى القُرونَ الأَوَّلِينا فَأَقْنَى ذُلِكُمْ سَرَواتٍ قَوْمي قال ابن إسحاق(١) ولما توجه فروة بن مُسَيْك إلى رسول الله وَ ل﴿ مفارقاً ملوك كندة قال: [ من الكامل ] كَالرِّجْلِ خَانَ الرِّجْلَ عِرْقُ نسَائِها لَمَّا رَأَيْتَ مُلُوكَ كِنْدَةَ أَعْرَضَتْ أرجو فواضِلَهَا وَحُسْنَ ثَرائِها٢) قِرَّبْتُ رَاحِلَتي أوْمُ مُحمَّدا قال: فلما انتهى فَروة إلى رسول الله ما قال له فيما بلغني: (( يا فروة ، هل ساءك ما أصاب قومك يوم الرّدْم؟ )) فقال : يا رسول الله ، من ذا الذي يصيب قومه ما أصاب قومي يوم الرَّدْم لا يسوؤه ذلك ؟ فقال له رسول الله وَ لير: ((أما إنَّ ذلك لم يزد قومَك في الإسلام إلا خيراً)) واستعمله على مُراد وزُبيد ومَذْحِج كلها ، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة ، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله وَ له . قُدوم عَمْرو بن مَعْدِیگرِب في أُناس من زُبيد قال ابن إسحاق(٣): وقد كان عمرو بن معديكرب قال لقيس بن مَكْشُوحِ المُرادي ، حين انتهى إليهم أمر رسول الله وَّله: يا قيسُ، إنّك سيّدُ قومِكَ، وقد ذُكر لنا أن رجلاً من قُريش يُقال له مُحمَّدٌ قد خرجَ بالحجاز ، يُقال إنه نبيٌّ، فانطلقْ بنا إليه حتى نعلَمَ علمَه ، فإن كان نبياً كما يقول ، فإنه لن يَخْفى علينا(٤)، وإذ(٥) لقيناه اتّبعناه، وإن كان غير ذلك علمنا علمَه ، فأبى عليه قيس ذلك ، وسفَّه رأيه ، فركب عمرُو بن مَعْدِيكَرِب حتّى قَدِم على رسول الله بََّ، فأسلمَ، وصدَّقه، وآمن به ، فلما بلغَ ذلك قيسَ بن مَكْشوح أوعد عَمْراً وقال: خالَفني وتركَ أمري ورأيي. فقال عمرو بن معديكرب في ذلك(٦): [ مجزوء الوافر ] (١) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٨٢ - ٥٨٣). (٢) ورد البيتان في الإصابة ( ٢٠٥/٣) برواية (يمَّمت راحلتي أمام محمد*) في البيت الثاني بالإضافة إلى السيرة النبوية (٢/ ٣٠٧) وشرح أبو ذر الخشني ألفاظهما في شرح السيرة (٤٤٢ - ٤٤٣). سيرة ابن هشام (٢/ ٥٨٣ - ٥٨٤) وانظر طبقات ابن سعد (٣٢٨/١). (٣) في السيرة : ( عليك ) . (٤) في الأصول : ( إذا ) بلا واو استدركتها من السيرة . (٥) شعر عمرو بن معديكرب ( ٨٧ - ٨٩): بالإضافة إلى السيرة النبوية (٥٨٣/٢ - ٥٨٤): وجاء تفسير الأبيات في (٦) شرح السيرة لأبي ذر الخشني ( ٤٤٣ - ٤٤٥). ٥٤ قدوم عمرو بن معدیکرب في أناس من زبيد أمْرتُكَ يَومَ ذِي صَنْعَا ءَ أمْراً بَادِياً رَشَدُهْ أمَرْتُكَ باتِّقَاءِ اللهِ والمعروفِ تَشَّعِدُهُ(١) ـحُمَيِّرِ غَرَّهُ وَتِدُهُ(٢) عَلَيْه جَالسِاً أسَدُهُ ــٍ أخلَصَ مَاءَهُ جَدَدُ(٣) سِنانِ عَوائراً قِصَدُ(٤) خَرَجْتَ منَ المُنَى مِثْلَ الـ تَمَنَّانِي عَلَى فَرَسٍ عَليَّ مُفَاضَةٌ كالنَّهـ تَرُدُ الرُمْحَ مَنْثَنِيَ الـ فَلَو لاقَيْتَنِي لَلَقِيـ تُلاقي شَنْبئاً شَفْنَ الـ يُسامي القِرنَ إنْ قِرْنٌ ـتَ ليثاً فَوْقَهُ لِبَدُهْ ـبَرائِنِ ناشزاً كَتَدُ(٥) تَيَمَّمَهُ فَيَعْتَضِدُ(٦) فَيَخْفِضُهُ فَيَقْتَصِدُ(٧) فَيَأْخِذُهُ فَيَزْفَعُهُ فَيَخْمِضُهُ فَيَزْدَرِدُ(٨) فَيَدْمَغُهُ فَيَحْطِمُهُ رَزَتْ أنْيَابُهُ وَيَدُه(٩) ظَلومُ الشِّرْكِ فيما أحْـ قال ابن إسحاق(١٠) : فأقام عمرو بن مَعْدِيكَرِب في قومه من بني زُبيد ، وعليهم فَروة بن مُسيك ، فلما توفي رسول الله ◌َِّارتدَّ عمرو بن مَعْدِيكَرِب في مَن ارتدَّ، وهجا فَرْوةَ بن مُسَيْكِ، فقال(١١) [ الوافر ] (١) تتعده : تلتزمه . (٢) قال محقق الشعر في ص (٨٧) نقلاً عن الميمني: ((هذا من المثل: عَيْرٌ عارَه وتِدُه - عاره: أهلكه . وأصل المثل أنّ رجلاً أشفق على حماره فربطه إلى وتد فهجم عليه السبع فلم يمكنه الفرار فأهلكه ما احترس له به » . (٣) المفاضة : الدرع الواسعة . النّهي: بكسر النون وفتحها : الغدير من الماء . الجدد : الأرض الصلبة . شبه الدرع بالغدير في صفائها واطرادها . (٤) عوائر : متطايرة. القصد: جمع قِصْدَة، وهي ما تكسّر من الرمح. (٥) قال محقق الشعر في ص (٨٨) نقلاً عن الخشني: (( الشنب : الذي يتعلق بقرنه ولا يزايله . وقوله شئن ، أي غليظ الأصابع. والبراثن للسباع بمنزلة الأصابع للإنسان. وناشز: مرتفع. والكتد : - بفتح التاء وكسرها - ما بين الكتفين)). (٦) يعتضده : يأخذ تحت عضده ليصرعه . (٧) يقتصده : يقتله . (٨) يدمغه : يصيب دماغه . يخضمه : يأكله . يزدرده : يبتلعه . (٩) وفي شعر عمرو خمسة أبيات أخرى لم يوردها المصنف. (١٠) سيرة ابن هشام (٥٨٤/٢ _ ٥٨٥). (١١) شعر عمرو بن معديكرب (١٢٣) بخلاف في الرواية بالإضافة إلى السيرة (٥٨٥/٢ ) وشرحها عند أبي ذر الخشني ( ٤٤٤ - ٤٤٥ ) . ٥٥ قدوم عمرو بن معدیکرب في أناس من زبيد وَجَدْنَا مُلْكَ فَرْوَةَ شَرَّ مُلْكٍ حماٌ(١) سَافَ منخرُهُ بِثَقْرٍ(٢) وَكُنْتَ إذا رَأَيْتَ أبا عُمَّيْرٍ تَرى الحَوْلاءَ مِنْ خُبْثٍ وَغَدْرٍ(٣) قلتُ : ثم رجعَ إلى الإسلام، وحَسُنَ إسلامُه، وشهدَ فتوحاتٍ كثيرةً في أيام الصِّديق وعمر الفاروق رضي الله عنهما ، وكان من الشجعان المذكورين ، والأبطال المشهورين ، والشعراء المجيدين . توفي سنة إحدى وعشرين ، بعدما شهد فتح نهاوند ، وقيل : بل شهد القادسية وقتل يومئذ . قال أبو عمر بن عبد البر(٤): وكان وفودُه إلى رسول الله وَ ل سنة تسع، وقيل: سنة عشر. فيما ذكره ابن إسحاق والواقديّ . قلت : وفي كلام الشافعيّ ما يدلّ عليه . فالله أعلم . قال يونس عن ابن إسحاق : وقد قيل إن عمرو بن معديكرب لم يأتِ النبيّ وَّر، وقد قال في ذلك (٥): [الخفيف ] إنّني بالنَّبِي مُوقِئَةٌ نَفْـ سَيِّدُ العَالمِينَ طُراً وأَدْنَا جَاءَنا بالنَّامُوسِ منْ لَدُنِ اللـ حِكْمةً بَعْدَ حِكْمَةٍ وضياءً ورَكِبْنَا السَّبِيلَ حِينَ رَكِبْنَا وعَبَدْنا الإلّهَ حَقاً وَكُنَّا وَائْتَلَفْنَا بِهِ وَكُنّا عَدُوّاً فَعَلَيْهِ السلامُ والسِّلْم مِنَّا إِنْ نَكُنْ لَمْ نَرَ النبيَّ فإِنّا قَدْ تَبِعْنَا سَبِيلَهُ إِيمَانَ(٧) سي وإنْ لَمْ أَرَ النبيّ عِيانًا هُمْ إلى الله حينَ بَانَ مَكَانا ــه وكانَ الأمينَ فيهِ المُعَانَا فاهْتدَيْنا بِنورِهَا مِنْ عَمَانَا هُ جَديداً بِكُرْهِنَا وَرِضَانا٦ً) لِلجهَالاتِ نَعْبُدُ الأوثَانَا فَرُجِّعْنا بهِ مَعاً إخْوَانا حَيْثُ كُنَّا مِنَ البلادِ وكانا (١) كذا في الأصول . وهو في السيرة وشرحها: ( حماراً) وانظر هامش شعر عمرو ففيها تفصيل أكثر . (٢) في شعر عمرو : ( بقذر ) . (٣) رواية البيت في شعر عمرو : ملأتَ يديك من غدر وخترٍ وإنك لو رأيت أبا عمير (٤) الاستيعاب (١٢٠٢/٣) . شعر عمرو بن معديكرب ( ١٦٨ - ١٦٩) وبلغت فيه القصيدة ستة عشر بيتاً . (٦) في شعر عمر: (ورأينا السبيل حين رأيناه ). (٥) (٧) بعد هذا البيت في ديوان عمرو (١٦٩) سبعة أبيات. ٥٦ قدوم الأشعث بن قيس في وفد كندة قدومُ الأَشْعَثِ بنِ قَيْسٍ في وفد كِنْدة قال ابن إسحاق(١): وقدم على رسول الله وَّ﴿ل الأشعثُ بن قَيْس في وَفْدِ كِنْدة، فحدّثني الزهريُّ أنه قدمَ في ثمانين راكباً من كِنْدة، فدخلوا على رسول الله وَ له مسجدَه، قد رجَّلوا جُمَمَهم وتَكَخَّلوا ، عليهم جُبَب الحِبَرَةُ(٢)، قد كفَّفُوها بالحرير، فلما دخلوا على رسول الله بِّل قال لهم: (( ألم تُسْلِموا؟ )) قالوا: بلى. قال : ((فما بالُ هذا الحرير في أعناقِكُم )) قال: فَشَقُّوه منها ، فألقوه . ثم قال له الأشعثُ بن قيس: يا رسول الله! نحن بنو آكل المُرار، وأنت ابن آكل المُرار. قال: فتبسم رسول الله بَّه وقال : ( ناسِبُوا بهذا النَّسَبِ العباس بن عبد المطلب، وربيعةً بن الحارث)) وكانا تاجِرَيْن إذا شاعة٣) في العرب فسئلا ممن أنتما؟ قالا : نحن بنو آكل المُرار ، يعني ينسبان إلى كِنْدة ، لَيَعِزَّا في تلك البلاد ، لأنّ كِنْدة كانوا ملوكاً، فاعتقدَتْ كِنْدة أن قريشاً منهم ، لقول عباس وربيعة: نحن بنو آكل المُرار ، وهو الحارث بن عمرو ( بن حُجْر بن عمرو )(٤) بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن معاوية بن كِنْديّ ، ويقال: ابن كِنْدة. ثم قال رسول الله وَ ل﴿ لهم: ((لا، نحن بنو النَّضْر بن كنانة، لا نَقْفُو أمَّنا، ولا ننتفي من أبينا)) . فقال لهم الأشعث بن قيس: والله يا معشر كندة لا أسمع رجلاً يقولها إلا ضربته ثمانين . وقد روي هذا الحديث متصلاً من وجه آخر ، فقال الإمام أحمد(٥) : حدّثنا بَهْزٌ وعَفّان، قالا : حدّثنا حماد بن سلمةَ ، حدّثني عقيل بن طلحة ، وقال عَفّان في حديثه : أنبأنا عَقيل بن طلحة السُّلَمي ، عن مسلم بن هَيْصَمُ(٢)، عن الأشعث بن قيس أنه قال: أتيتُ رسولَ الله وَّ في وفد كِنْدة . قال عفان : لا يَرَوْني أفضلَهم، قال: قلت: يا رسول الله، إنا نَزْعُمُ(٧) أنَّكُمْ منّا. قال: فقال رسول الله وَله: (( نحن بنو النَّصْر بن كنانة، لا نقفو أمَّنَا، ولا نَنْتَفي من أَبينا)) قال: قال الأشعث: فواللهِ لا أسمعُ أحداً نَفَى قُريشاً من النَّصْرِ بن كِنانة إلا جلدتُّه الحدَّ . وقد رواه ابن ماجه (٨) ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون . وعن محمد بن يَحْيى ، عن سليمان بن حَرْب. وعن هارون بن حيَّان عن عبد العزيز بن المغيرة. ثلاثتهم عن حماد بن سلمة به نحوه . (١) سيرة ابن هشام (٥٨٥/٢ - ٥٨٦) وانظر طبقات ابن سعد (٣٢٨/١). (٢) الحِبَرَة: بكسر الحاء وفتحها وفتح الباء ضروب من برود اليمن منمَّر (اللسان: حبر). (٣) ط: (إذ شاعا)، وشاعا: بَعُدا، كما في شرح السيرة لأبي ذر الخشني (١٤٤). ما بين القوسين زيادة من سيرة ابن هشام (٢/ ٥٨٦) وانظر جمهرة الأنساب (٤٢٧). (٤) (٥) مسند الإمام أحمد ( ٢١٢/٥)، وإسناده حسن. (٦) ط: ( هيضم) تحريف. انظر تهذيب الكمال ( ٢٧ / ٥٤٧). في الأصول : ( أنا ابن عم ) وما أثبته عن المسند . (٧) (٨) سنن ابن ماجه رقم (٢٦١٢) كتاب الحدود باب من نفى رجلاً من قبيلته ، وهو حديث حسن . ٥٧ قدوم أعشى بني مازن وقال الإمام أحمد(١): حدّثنا سُرَيْج بن النُّعمان، حدّثنا هُشَيْم، أنبأنا مُجالد، عن الشعبيّ، حدّثنا الأشْعَثُ بن قيس، قال: قَدِمْتُ على رسول الله وَّرَ فِي وَفْدِ كِنْدة، فقال لي: «هل لكَ منْ ولدٍ؟)) قلت: غلام وُلد لي في مخرجي إليك من ابنة جَمْدٍ(٢)، ولوددتُ أنّ مكانَه شَبِعَ القومُ. قال: (( لا تقولَنَّ ذلك فإنّ فيهم قُرّةً عينٍ وأجراً إذا قُبِضوا ثَمَّ ، ولئن قلتُ ذاك إنَّهم لمَجْبَنَة مَحْزَنَةٌ ، إنهم لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ )). تفرد به أحمد ، وهو حديث حسن جيّد الإسناد . قُدومُ أعْشَى بني(٣) مازِنٍ على النبيِّ ◌َِّه قال عبد الله ابن الإمام أحمد(٤) : حدّثني العباس بن عبد العظيم العَنْبَري، حدّثنا أبو سلمة عُبَيْد بن عبد الرحمن الحنفي، قال: حدّثني الجُنَيَّد بن أُمَيْن بن ذِرْوة بن نَضْلةَ بن طَريف بن نهصل (٥) الحِرْمازي(٦)، حدّثني أبي أُمَيْنٌ، عن أبيه ذِرْوة، عن أبيه نَضْلَة ، أنّ رجلاً منهم يقال له الأعشى ، واسمه عبد الله بن (٧) الأعور كانت عنده امرأةٌ يُقال لها مُعاذةٌ ، خرجَ في رجبٍ يَميرُ أهْلَهُ من هَجَر(٨) فهربَتِ امرأتُه بَعده ناشزاً عليه ، فعاذَت برجلٍ منهم يقال له مُطَرِّف بنُ نَهْشَلٍ بنِ كَعْب بن قُمَيْثع بن ذُلَفِ بن أهْضَمُ(٩) بن عبد الله بن الحِزْماز، فجعلَها خلفَ ظَهْره ، فلمّا قَدِم لم يَجِدها في بيته ، وأُخْبِرَ أنّها نَشَزَتْ عليه ، وأنّها عاذَتْ بمُطَرِّفِ بن نَهْشل، فأتاه ، فقال: يا بن عَمِّ ، أعندكَ امرأتي مُعاذَة ، فادفعها إليَّ. قال : ليست عندي ، ولو كانَتْ عندي لم أدْفَعْها إليكَ . قال: وكان مُطَرِّفٌ أعزَّ منه. قال : فخرجَ الأعشى حتى أتى النبيََّ ◌ّ فِعاذَ به، فأنشأ يقول١٠): [ من الرجز ] يَا سَيِّدَ النَّاسِ وَدَيَّانَ العَرَبْ إلَيْكَ أَشْكُو ذِرْبَةً مِنَ الذِّرَبُ(١) (١) مسند الإمام أحمد (٢١١/٥)، أقول: فيه مجالد بن سعيد ، ضعيف ، ولكن الحديث حسن بطرقه وشواهده. (٢) هو جَمْد بن وليعة الكندي، انظر المعجم الكبير للطبراني (٢٠٧/١) (٦٤٧). (٣) ط : ( بن ) . (٤) رواه عبد الله بن الإمام أحمد، في زوائد المسند (٢/ ٢٠٢). قال: ( حدّثني أبي)، وإسناده ضعيف لجهالة أكثر رواته . (٥) الإصابة (٥٥٦/٣) وفي المسند (بُهْصل الحرمازي ). الأنساب (٤ /١١٥ ) . (٦) ليس اللفظ في ط ، أ . (٧) (٨) معجم البلدان : هجر . (٩) في مسند الإمام أحمد ((مطرف بن بهصل بن كعب بن قميشع بن دلف بن أهضم)) وفي الإصابة: ((مطرف بن نهصل)). (١٠) الصبح المنير في شعر أبي بصير الأعشى والأعشية الآخرين (٢٨٧ - ٢٨٨) باختلاف في الرواية وزيادة في الأبيات. (١١) الذربة: السليطة اللسان (القاموس : ذرب). ٥٨ قدوم صرد بن عبد الله الأزدي خَرَجْتُ أَبْغِيها الطَّعَامَ في رَجَبْ كَالذِّثْبَةِ الغَبْسَاءِ(١) فِي ظِلِّ السَّرَبْ أخْلَفَتِ الوعد(٢) وَلَطَّتْ بِالذَّنَبْ(٣) فَخَلَّفَتْنِي بِنِزَاعِ وَهَرَبْ وهُنَّ شَرُ غَالِبٍ لِمَنْ غَلَبْ وَقَذَفَتْنِي بَيْنَ عِيصٍ مُؤْتَشَبْ (٤) فقال النبي ◌َّ عند ذلك: ((وهن شر غالب لمن غلب)). فشكى إليه امرأته وما صنعت به ، وأنها عند رجل منهم يقال له مُطَرِّف بن نَهْشَل، فكتب له النبي وَهُ إلى مُطَرِّف: ((انظر امرأة هذا معاذة ، فادفعها إليه))، فأتاه كتاب النبي ◌ََّ، فقرىء عليه، فقال لها: يا مُعاذة، هذا كتاب النبي ◌َِّ فِيكِ، فأنا دافعكِ إليه ، فقالت : خذ لي عليه العهدَ والميثاقَ وذمةَ نَبَيه أن لا يعاقِبَني فيما صَنَعْتُ . فأخذَ لها ذلك عليه ، ودفعها مُطَرف إليه ، فأنشأ يقول(٥) [ الطويل ]: العمرُكَ ما حبِّ مُعَاذَةَ بالذَّي يُغَيرُهُ الوَاشي ولا قِدَمُ العَهْدِ غُواةُ الرِّجَالِ إِذْ يُنَاجُونَها بَعْدِي وَلا سُوءُ مَا جَاءَتْ بِهِ إِذْ أَزَالَهَا قُدومُ صُرَ(٦) بن عَبْد الله الأَزْدي في نَفَرٍ من قَوْمِهِ ثم وُفودُ أهل جُرَش(٧) بعدهم قال ابن إسحاق(٨): وقدم صُرَد بن عبد الله الأزدي على رسول الله وَّل في وفدٍ من الأزد ، فأسلم وحَسُنَ إسلامُه، وأمّره رسول الله وَّر على من أسلم من قومه، وأمره أن يجاهِدَ بمَنْ أسلم مَنْ يليه من أهل الشرك من قبائل اليمن ، فذهب فحاصر جُرَش وبها قبائل من اليمن ، وقد ضَوَت (٩) إليهم خَشْعَمُ حين سمعوا بمسيره إليهم ، فأقام عليهم قريباً من شهر ، فامتنعوا فيها منه ، ثم رجعَ عنهم ، حتى إذا كان قريباً من جبل يُقال له شكر( ١٠) فظنوا أنّه قد ولّى عنهم مُنْهزماً ، فخرجوا في طلبه ، فعطفَ عليهم ، فقتلهم قتلاً شديداً. وقد كان أهل جُرَش بعثوا منهم رجلين إلى رسول الله وَّل إلى المدينة، فبينما هما عنده بعدَ (٢) (١) الغبساء: الرمادية اللون وكل ذئب أغبس. وقيل: الأغبس من الذئاب الخفيف الحريص (اللسان : غبس). كذا في أوط ( الوعد ) : وهي في مسند الإمام أحمد والإصابة والديوان واللسان في مادة لطط : ( العهد ) . قال ابن منظور في اللسان بمادة لطط: ((والناقة تلط بذنبها إذا ألزقته بفرجها وأدخلته بين فرجيها )» ثم أورد هذا البيت (٣) وقال في شرحه له : أراد أنها منعته بضعها وموضع حاجته منها كما تلط الناقة بذنبها إذا امتنعت على الفحل أن يضربها وسدت فرجها به . وقيل أراد توارت وأخفت شخصها عنه كما تخفي الناقة فرجها بذنبها )). (٤) المؤتشب : الملتف . والعيص : أصل الشجر ( اللسان : أشب). (٥) الصبح المنير ٢٨٨ . (٦) الاستيعاب (٢/ ٧٣٧). جُرش : مدينة عظيمة باليمن من مخاليف اليمن من جهة مكة ( معجم البلدان : جرش ) . (٧) (٩) ضوى يضوى ضيّاً وضُوياً: انضم ولجأ وأتى ليلاً (القاموس: ضوى). (٨) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨) وانظر طبقات ابن سعد (٣٣٧/١ -٣٣٨). (١٠) شَكَر : جبل باليمن قريب من جُرش ( معجم البلدان: شكر). ٥٩ قدوم رسول ملوك حمير العصر إذ قال : (( بأيّ بلادِ الله شَكَر؟)) فقام الجُرَشيّان فقالا: يا رسول الله ، ببلادنا جبل يقال له كَشَر - وكذلك يسميه (١) أهل جرش - فقال: (( إنه ليس بكشر، ولكنه شكر)) قالا : فما شأنه يا رسول الله؟ فقال: ((إن بُدْنَ الله لتُنْحَر عنده الآن)) قال: فجلس الرجلان إلى أبي بكر أو إلى عثمان ، فقال لهما : ويحكما إنّ رسول الله وََّ الآن لَيَنْعَى إليكُما قومَكُما، فقوما إليه، فاسألاه أن يدعوَ الله فيرفعَ عن قَوْمِكما، فقاما إليه ، فسألاه ذلك، فقال: (( اللهم ارفع عنهم )) فرجعا فوجدا قومهما قد أصيبوا يوم أخبر عنهم رسول الله وَّيقول. وجاء وفد أهل جرش بمن بقي منهم، حتى قدموا على رسول الله وَّل، فأسلموا وحسن إسلامهم ، وحمى لهم [ حِمىّ (٢) حول قريتهم . قدُومُ رسول ملوك حِمْيَر إلى رسول الله وَله قال الواقدي(٣) : وكان ذلك في رمضان سنة تسع . قال ابن إسحاق(٤): وقدم على رسول الله وَليل كتاب ملوك حمير ورسلهم بإسلامهم مقْدَمَه من تبوك، وهم الحارث بن عبد كُلال ، ونُعيم بن عبد كُلال، والنُّعمان قَيْلُ(٥) ذي رُعَين، ومَعَافِر(٦) ، وهَمْدَان ، وبعث إليه زُرعة ذو يزن مالكَ بن مرة الرَّهاوي بإسلامهم ومفارقتِهم الشركَ وأهلَه ، فكتب إليهم رسول الله وَل﴿ ٧) : (( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله النبي إلى الحارث بن عبد كُلال ونُعيم بن عبد كُلال والنعمان قَيْلٍ ذي رُعَين ومَعَافِر وهَمْدَان ، أما بعد ذلكم ؛ فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو ، فإنّه قد وقع بنا رسولُكُم منقلبَنا من أرض الروم ، فلقيَنا بالمدينة ، فبلّغ ما أرسلتم به ، وخبَّرنا ما قبلكم ، وأنبأنا بإسلامكم وقتلكم المشركين، وإنّ الله قد هداكم بهُداه، إنْ أصلحتم وأطعتم اللهَ ورسولَه، وأقمتُم الصلاةَ، وآتيْتُم الزكاة، وأعطيتم من المغانم خُمُسَ الله، وسهمَ النبيَِّ وصفيَّه، وما كُتب على المؤمنين في(٨) الصدقة من العقار عُشْرُ ما سَقَت العينُ وسَقَت السماءُ، وعلى ما سَقَى الغَرْب(٩) نصفُ في ط : ( تسمية ) . (١) الزيادة من سيرة ابن هشام . (٢) تاريخ الطبري ( ١٢٠/٣) . (٣) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٨٨) وانظر طبقات ابن سعد (٣٥٦/١). (٤) القيل : الملك أو هو دون الملك ، أي يقول ما شاء فينفذ قوله ( اللسان : قول ) . (٥) مَعَافِرِ : بالفتح اسم قبيلة من اليمن ( معجم البلدان : معافر ) . (٦) مجموعة الوثائق السياسية رقم (١٠٩) ص (١٤٤ - ١٤٦). (٧) في السيرة : ( من ) . (٨) الغرب : الدلو العظيمة ( القاموس : غرب ) . (٩) ٦٠ قدوم رسول ملوك حمير العُشْرِ ، وإنّ في الإبل في الأربعين ابنةَ لَبون ، وفي ثلاثين من الإبل ابنُ لبون ذكر ، وفي كلّ خَمْس من الإبل شاةٌ ، وفي كل عشرٍ من الإبل شاتان، وفي كل أربعين من البقر بقرةٌ ، وفي كلّ ثلاثين [ من البقر ﴾(١) تبيعٌ جَذَعٌ أو جَذَعةٌ ، وفي كل أربعين من الغنم سائمة وَحْدَها شاة ، وإنها فريضة الله التي فرض على المؤمنين في الصدقة . فمن زاد خيراً فهو خيرٌ له، ومن أدَّى ذلك وأشهد على إسلامه وظاهر المؤمنين على المشركين فإنّه من المؤمنين ، له ما لهم ، وعليه ما عليهم ، وله ذمةُ الله وذمةُ رسوله ، وإنّه منْ أسلم من يهودي أو نصراني فإنّه من المؤمنين ، له ما لهم وعليه ما عليهم ، ومن كان على يهوديته أو نصرانيته فإنّه لا يُردُّ عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر وأنثى، حرّ أو عبد دينارٌ وافٍ من قيمة المَعَافِرِ(٢)، أو عِوَضُهُ(٣) ثياباً، فمن أدّى ذلك إلى رسول الله فإنّ له ذمة الله وذمةً رسوله ، ومن منعه فإنّه عدو لله ولرسوله. أما بعد فإنّ رسول الله محمداً النبي أرسل إلى زُرعة ذي يزن أن إذا أتاك رسلي فأُوصيكم بهم خيراً ؛ معاذ بن جبل ، وعبد الله بن زيد ، ومالك بن عُبادة ، وعُقْبَة بن نَمِر ، ومالك بن مُرَّة وأصحابهم ، وأن اجمعوا ما عندكم من الصدقة والجزية من مَخَالِيْفِكم ، وأبلغوها رسلي ، وإنّ أميرهم معاذ بن جبل ، فلا ينقلبن إلا راضياً . أما بعد فإنّ محمداً يشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وأنه عبدُه ورسولُه ، ثم إن مالك بن مُرّة الرّهاوي قد حدّثني أنكَ أسلَمْتَ من أوَّلِ حِمْيَر ، وقتلتَ المشركين ، فأبشر بخير ، وآمرك بحمير خيراً ، ولا تخونوا ، ولا تخاذلوا ، فإنّ رسولَ اللهِ هو مولى غنيكم وفقيركم ، وإنّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لمحمد ولا لأهل بيته ، وإنما هي زكاة يُزَّى بها على فقراء المسلمين وابن السبيل ، وإنّ مالكاً قد بلَّغ الخبر وحفظ الغيب ، فآمركم به خيراً ، وإني قد أرسلت إليكم من صالحي أهلي وأولي دينهم، وأولي علمهم، فآمركم بهم خيراً ، فإنهم منظور إليهم . والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . وقد قال الإمام أحمد(٤): حدّثنا حسن، حدّثنا عُمارة، عن ثابت، عن أنس بن مالك، أنّ مَلِك(٥) ذا يزن أهدى رسول الله وَلِ حُلَّةً قد أخذها بثلاثةٍ وثلاثين بعيراً وثلاث وثلاثين ناقةً . ورواه أبو داود(٦) عن عمرو بن عون الواسطي ، عن عُمارة بن زاذان الصَّيْدلاني ، عن ثابت البناني ، عن أنس به . (١) الزيادة من سيرة ابن هشام وإعلام السائلين ومجموعة الوثائق السياسية . (٢) المعافر: ثياب من ثياب اليمن ( القاموس : عفر) . مسند الإمام أحمد (٢٢١/٣)، وإسناده ضعيف، فإن عمارة - وهو ابن زاذان - يروي عن ثابت عن أنس مناكير. (٤) في ط : ( عرضه ) . (٣) (٥) في أوط ((مالك)) وأثبتنا ما في مسند الإمام أحمد وسنن أبي داود . (٦) سنن أبي داود رقم (٤٠٣٤) في كتاب اللباس باب في لبس الصوف الشعر ، وإسناده ضعيف .