النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
قصة ثمامة و وفد بني حنيفة
أبغضَ إليّ من بلدك ، فأصبح بلدُكَ أحبَّ البلاد إليّ ، وإن خيلَكَ أخذتني وأنا أريدُ العمرةَ ، فماذا ترى ؟
فبشَّرهُ رسولُ اللهِ وَّهِ وأمره أن يَعْتَمِرَ ، فلمّا قدمَ مكةَ قال له قائلٌ : أصبوت ؟ قال : لا ، ولكن أسلمتُ مع
محمد رَّه، ولا والله لا تأتيكم من اليمامة حبةُ حنطةٍ حتى يأذن فيها النبي ◌َّه.
وقد رواه البخاري في موضع آخر(١) ومسلم(٢) وأبو داود(٣) والنسائي (٤) ، كلهم عن قُتيبة ، عن الليث
به .
وفي ذكر البخاري هذه القصة في الوفود نظر ، وذلك أنّ ثمامة لم يَفِدْ بنفسه ، وإنما أُسر ، وقُدم به في
الوثاق ، فرُبط بساريةٍ من سواري المسجد ؛ ثم في ذِكْرِهِ مع الوفود سنةَ تسعِ نظرٌ آخرُ ، وذلك أنَّ الظاهر
من سياق قصَّتِه أنها قُبيل الفتح ، لأن أهل مكة عَيَّروه بالإسلام ، وقالوا : أصّبوتَ؟ فتوّدهم بأنه لا يفدُ
إليهم من اليمامة حبةُ حنطةٍ ميرةً، حتى يأذنَ فيها رسول الله وَّهِ، فدلَّ على أنَّ مكةَ كانت إذ ذاك دارَ
حربٍ ، لم يُسلم أهلُها بعدُ . والله أعلم .
ولهذا ذكر الحافظ البيهقي(٥) قصةَ تُمامة بن أثال قبل فتح (٦) مكة ، وهو أشبه ، ولكن ذكرناه هاهنا
اتِّباعاً للبخاري رحمه الله .
وقال البخاري(٧): حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا شعيب، عن عبد الله بن أبي حسين ، حدّثنا نافع بن
جبير، عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذابُ على عهد رسول الله وَّله فجعل يقول: إن جَعَل لي
محمدٌ الأمرَ من بعده اتبعته، وقدِمها في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله وَّر، ومعه ثابتُ بن
قيس بن شمّاس، وفي يد رسول الله وَل قطعة جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه . فقال له :
(( لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن تعدوَ أمرَ اللهِ فيك، ولئن أدبرتَ ليعقرنَّك اللهُ، وإني لأُراكَ
الذي أُريت فيه ما رأيتُ(٨)، وهذا ثابت يجيبك عني)) ثم انصرف عنه . قال ابن عباس : فسألت عن قول
رسول الله وَله: ((إنَّكَ أرى الذي أريت فيه ما رأيت))(٩)، فأخبرني أبو هريرة، أنّ رسول الله وَّل قال:
(( بينا أنا نائم ، رأيتُ في يديَّ سِوارين من ذهب ، فأهمني شأنهما، فأُوحي إليَّ في المنام أن أَنفُخْهُما ،
(١) البخاري رقم (٤٦٩) في المساجد ، باب دخول المشرك المسجد.
(٢) صحيح مسلم رقم ١٧٦٤ في الجهاد .
(٣) سنن أبي داود رقم ٢٦٧٩ في الجهاد .
(٤) سنن النسائي (٤٦/١) في المساجد و(١١٠/١) في الطهارة.
(٥) دلائل النبوة للبيهقي (٧٨/٤ - ٨١).
(٦) ليس اللفظ في المطبوعة .
(٧)
صحيح البخاري (٤٣٧٣) .
(٨) في أ ((رأيت فيه ما رأيت)) وفي ط: ( رأيت فيه ما أُريت) وأثبتنا ما في البخاري.
(٩) في أ (( إنك الذي أريت فيه ما أريت)) وفي ط ((إنك الذي رأيت فيه ما أريت)) وأثبتنا ما في البخاري.

٢٢
قصة ثمامة ووفد بني حنيفة
فنفختهما، فطارا، فأولتهما كَذّابَيْن يَخْرجان بعدي، أحدهما [الأسود]١) العنسي، والآخر
مسيلمة )) .
ثم قال البخاري(٢): حدّثنا إسحاق بن نصر (٣)، حدّثنا عبد الرزاق، أخبرني مَعْمر عن هَمّام بن
مُنَّه(٤)، أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله بَّهِ: ((بينا أنا نائم أتيتُ بخزائن الأرض، فوُضع في
كفي سواران من ذهب، فكَيُرا عليّ، فأُوحي إليَّ أن أَنفُخْهَما، فنفختُهما، فذهبا فأوَّلتهما الكَذَابَيْن
اللذين أنا بينهما؛ صاحبَ صَنْعاء ، وصاحبَ اليَمامة)).
ثم قال البخاري(٥): حدّثنا سعيد بن محمد الجَزْمي ، حدّثنا يعقوب بن إبراهيم، حدّثنا أبي ، عن
صالح ، عن ابن عُبيدة بن نشيط - وكان في موضع آخر : اسمه عبد الله - أن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة ،
قال : بلغنا أنّ مُسَيْلمة الكذّاب قدم المدينةَ فنزلَ في دار بنتِ الحارثِ ، وكان تحته بنتُ الحارث بن كُرَیْزِ ،
وهي أم عبد الله بن الحارث(٦) بن كريز، فأتاه رسول الله وَّل ومعه ثابت بن قيس بن شماس ، وهو الذي
يقال له خطيب رسول الله وَله، وفي يد رسول الله وَليل قضيب، فوقف عليه فكلمه، فقال له مسيلمة: إن
شئتَ خليتُ بينك(٧) وبين الأمر، ثم جعلتَهُ لنا بعدك. فقال رسول الله وَّر: ((لو سألتني هذا القضيب
ما أعطيتُكَه ، وإني لأُراك الذي رأيت فيه ما رأيت(٨)، وهذا ثابت بن قيس وسيجيبك عني))، فانصرف
رسول الله وَله. قال عُبَيْد(٩) الله: سألت ابن عباس عن رؤيا رسول الله وَله التي(١٠) ذكر، فقال ابن
عباس: ذُكر لي أن رسول الله وَّر قال: (( بينا أنا نائم أُريت (١١) أنه وضع في يديَّ سواران من ذهب ،
فَفُظِعْتُهما١٢) وكرهتهما فأذن لي ، فنفختهما فطارا، فأؤَّلتهما كذابين ( يخرجان))، فقال عبيد الله :
أحدهما العنسي الذي قتله (١٣) فيروز باليمن ، والآخر مسيلمة الكذاب .
(١) ليس اللفظ في أ.
(٢) رقم (٤٣٧٥).
في ط ، أ (منصور) وهو تحريف والمثبت من البخاري وانظر تهذيب الكمال (٣٨٨/٢).
(٣)
في المطبوعة ( هشام بن أمية ) وانظر تهذيب الكمال (٢٩٨/٣٠).
(٤)
(٥)
صحيح البخاري رقم (٤٣٧٨ - ٤٣٧٩).
في البخاري ((أم عبد الله بن عامر)) وانظر فتح الباري (٩٢/٨).
(٦)
(٧)
في أ: (( بيني)).
في البخاري: ((الذي أُريت فيه ما أُريت))، وهو كما في المتن في رواية من روايات البخاري.
(٨)
في المطبوعة ( عبد ) .
(٩)
(١٠) في الأصول (الذي ) وما هنا عن البخاري.
(١١) في المطبوعة (رأيت ).
(١٢) فى (أ) و(ط): ((فقطعتهما)) وأثبتنا ما في البخاري.
(١٣) ما بين القوسين ساقط من (أ) و(ط ) ومستدرك من البخاري.

٢٣
قصة ثمامة ووفد بني حنيفة
وقال محمد بن إسحاق (١): قدم على رسول الله وَ ل وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة بن ثُمامة بن كثير بن
حبيب بن الحارث بن عبد الحارث بن هِفَّان بن ذُهْل بن الدُّول بن حنيفة ويكنى أبا ثمامةُ(٢) وقيل
أبا هارون ، وكان قد تسمى بالرحمان ، فكان يقال له : رحمان اليمامة ، وكان عمره يوم قتل مئة
وخمسين سنة ، وكان يعرف أبواباً من النيرجات(٣) ، فكان يدخل البيضة إلى القارورة ، وهو أول من فعل
ذلك ، وكان يقص جناح الطير ثم يصله ، ويدَّعي أن ظبية تأتيه من الجبل فيحلب منها .
قلت : وسنذكر أشياء من خبره عند ذكر مقتله ، لعنه الله .
قال ابن إسحاق(٤) : وكان منزلهم في دار بنت الحارث ، امرأةٍ من الأنصار ثم من بني النجار ،
فحدّثني بعض علمائنا من أهل المدينة ، أن بني حنيفة أتت به رسول الله وَ له تستره بالثياب، ورسول الله
وَلّ جالس في أصحابه معه عسيبٌ من سَعَف النخلِ، في رأسه خوصات(٥)، فلما انتهى إلى رسول الله وَليل
وهم يسترونه بالثياب كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله وَّه: ((لو سألتني هذا العسيب ما أعطيتُكَه)).
قال ابن إسحاق : وحدّثني شيخ من بني حنيفة من أهل اليمامة ، أنّ حديثَه كانَ على غَيْرِ هذا . وزعم
أنّ وفدَ بني حنيفة أتوا رسول الله وَله، وخَلّفوا مُسَيْلمة في رحالهم ، فلما أسلموا ذكروا مكانه ، فقالوا :
يا رسول الله، إنا قد خلّفنا صاحباً لنا في رحالنا وفي ركائبنا يحفظها لنا، قال: فأمر له رسول الله وَله
بمثل ما أمر به للقوم، وقال: (( أما إنَّه ليس بشرِّكم مكاناً)). أي: لحفظه ضَيْعَة أصحابه ، ذلك الذي یرید
رسول الله وَلَهُ، قال: ثم انصرفوا عن رسول الله وَله، وجاؤوا مسيلمة بما أعطاه رسول الله وَله ، فلما
انتهوا إلى اليمامة ارتدّ عدوّ الله، وتنبّأ ، وتكذَّب لهم ، وقال: إني قد أُشركتُ في الأمر معه ، وقال لوفده
الذين كانوا معه: ألم يقل لكم حين ذكرتموني له: (( أما إنه ليس بشرِّكم مكاناً)) ، ما ذاك إلا لما كان يعلم
أني قد أُشركت في الأمر معه ، ثم جعل يسجع لهم السجعات ، ويقول لهم فيما يقول مضاهاةً للقرآن :
لقد أنعم الله على الحبلى ، أخرج منها نسمة تسعى ، من بين صِفَاقٍ وحشا . وأحل لهم الخمر والزنا ،
ووضع عنهم الصلاة، وهو مع هذا يشهد لرسول الله وَ لل بأنه نُبِّىء. فأصفقت(٦) معه بنو حنيفة على ذلك.
(١) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٧٦) وما بعد .
(٢) هكذا ورد نسبه في أ، وط، وفي جمهرة أنساب العرب (٣١٠): (( مسيلمة الكذاب بن ثمامة بن كثير بن حبيب بن
الحارث بن عبد الحارث بن عدي بن حنيفة )) .
النيرج : أخذ تشبه السحر ، وليست بحقيقته ولا كالسحر ، إنما هو تشبيه وتلبيس ( اللسان : نرج ) .
(٣)
سيرة ابن هشام ( ٢/ ٥٧٦ ) .
(٥) العسيب: قضيب النخل . والسَعَف: جريد النخل وورقه وورق النخل اليابس . وخوصات: ورقات النخل
(٤)
( المعجم الوسيط : عسب ، سعف ، خوص ) .
(٦) أصفق القوم على كذا أو له : أطبقوا عليه واجتمعوا ( المعجم الوسيط : صفق ) .

٢٤
قصة ثمامة ووفد بني حنيفة
قال ابن إسحاق(١) : فالله أعلم أي ذلك كان .
وذكر السهيلي(٢) وغيره أن الرَّجَّال٣ُ) بن عُنْفُوة - واسمه نَهارُ بن عُنْفوة - وكان قد أسلم وتعلّم شيئاً من
القرآن، وصحبَ رسولَ الله ◌ِ ◌ّهِ مدة، وقد مرَّ عليه رسول الله وَ لّ وهو جالسٌ مع أبي هريرة وفُرات بن
حَيّان، فقال لهم: ((أحدكم ضِرْسُه في النّار مثلُ أُحدٍ )) فلم يزالا خائِفَيْن حتى ارتدّ الرّجَّال مع مَسَيْلمة ،
وشهد له زُوراً أنَّ رسولَ الله ◌ِ لّهِ أَشْرَكَهُ في الأمر معه، وأَلْقَى إليه شيئاً مِمّا كَانَ يَحْفَظُه من القرآن، فادعاهُ
مُسَيْلِمَةُ لنفسه ، فحصل بذلك فتنةٌ عظيمةٌ لبني حَنيفة . وقد قتله زيدُ بن الخَطّب يومَ اليَمامة كما سيأتي .
قال الشُّهَيْلي(٤): وكان مُؤَذِّنُ مُسَيْلِمةَ يقال له حُجَيْرٌ، وكان مُدَبِّرُ الحَرْب بين يَدَيْهِ مُحَكَّمَ بنَ
الطُّفَيْل، وأُضيف إليهم سَجَاح، وكانَتْ نُكَنّى أُمَّ صادِر، تَزَوَّجَها مُسَيْلِمَةُ ، وله معها أخبارٌ فَاحِشَةٌ ،
واسم مُؤَذِّنِها زُهَيْرُ بن عَمْرو ، وقيل جَنَبَةُ بنُ طارِقٍ ، ويقال : إن شَبَثَ بن رِبْعِيٍّ أَذَّنَ لها أيضاً ثم أسلم ،
وقد أسْلَمَتْ هي أيضاً أيام عُمَرَ بن الخطاب ، فحسن إسلامُها .
وقال يونس بن بُكَيْر عن ابن إسحاق(٥): وقد كان مُسَيْلِمَةُ بن حَبيب كتب إلى رسولِ الله وَّ: من
مُسَيْلَمة رسولِ اللهِ إلى محمدٍ رسولِ الله ، سلامٌ عَلَيْكَ، أما بعدُ ، فإني قد أُشْرِكْتُ في الأمْرِ معكَ ، فإنّ
لنا نِصْفَ الأمْرِ، ولقُرُيشٍ نصف الأمْرِ ، ولكن قُريشاً قومٌ يَعْتدول(٦) .
فقدم عليه رسولان بهذا الكتاب، فكتب إليه رسولِ الله وٍَّ﴾(١): ((بسم الله الرحمن الرحيم ، من
محمد رسول الله، إلى مُسَيْلَمة الكَذّاب ، سلامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى ، أما بعد ، فإنَّ الأرضَ لله يُورِثُها منْ
يَشاءُ من عباده والعاقبة للمتقين)). قال: وكان ذلك في آخر سنة عشر - يعني ورودَ هذا الكتاب - .
قال يونس بنُ بكَيْر عن ابن إسحاق(٨): فحدّثني سَعْدُ بن طارِقٍ، عن سَلَمَةَ بن نُعَيْم بن مسعود ،
عن أبيه، قال: سمعت رسول الله وَ ل﴿ل حين جَاءَهُ رَسولا مُسَيْلمةَ الكَذَّابِ بكتابه يقول لهما: ((وأنتما
سيرة ابن هشام (٤/ ٢٤٥) .
(١)
الروض الأنف للسهيلي (٢/ ٣٤٠).
(٢)
في الأصول (الرحال) تحريف. وانظر الإصابة (٥٣٩/١).
(٣)
(٤)
الروض الأنف ( ٢/ ٣٤٠).
(٥)
(٦)
دلائل النبوة للبيهقي ( ٣٣١/٥) .
في ط: ((لا يعتدون)) وأثبتنا ما في أوسيرة ابن هشام والطبري ( ١٤٦/٣). وانظر مجموعة الوثائق السياسية رقم
(٢٠٥) ص (٢٢٧) وفيها: ((نصف الأرض ولقريش نصف الأرض)).
(٧) مجموعة الوثائق السياسية رقم (٢٠٦) ص (٢٢٨).
رواية يونس بن بكير عن ابن اسحاق في دلائل النبوة للبيهقي (٣٣٢/٥) ومنه ينقل المصنف ، وهي عند الطحاوي في
شرح المشكل (٢٨٦٣)، والحاكم (٥٢/٣)، والبيهقي في السنن (٢١١/٩) (بشار).
(٨)

٢٥
قصة ثمامة و وفد بني حنيفة
تقولان ما يقول؟)) قالا: نعم. فقال: أما والله لولا أن الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ لضربتُ أعناقَكُما١).
وقال أبو داود الطيالسي(٢): حدّثنا المَسْعودي، عن عاصم، عن أبي وائل ، عن عبد الله بن
مسعود، قال: جاء ابن النَّواحة وابن ◌ُثَال رسولَيْن لمُسَيْلِمةَ الكذاب إلى رسول الله وَّه، فقال لهما :
((أَتَشْهَدَانِ أنّ رسولُ الله؟)) فقالا: نشهدُ أنّ مسيلمةَ رسول الله، فقال رسول الله مَّ: ((آمنتُ بالله
ورسله، ولو كنتُ قاتلاً رسولاً لقَتَلْتُكُما)). قال عبد الله بن مسعود: فمضت السُّنََّ بأنَّ الرُّسُلَ لا تُقْتَلُ ،
قال عبد الله : فأما ابن أُثال فقد كفاه الله ، وأما ابن النَّواحة فلم يزل في نفسي منه حتى أمكن الله منه .
قال الحافظ البيهقي(٣): أما ثُمامة(٤) بن أثال فإنه أسلم ، وقد مضى الحديث في إسلامه . وأما ابن
النَّواحة فأخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكّي(٥)، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب ، حدّثنا
محمد بن عبد الوهاب ، حدّثنا جعفر بن عون ، أنبأنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس بن أبي حازم ،
قال : جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال : إني مررت ببعض مساجد بني حنيفة ، وهم يقرؤون قراءة
ما أنزلها الله على محمد بَّهِ: والطّاحناتِ طَحْناً، والعاجِناتِ عَجْناً، والخابِزاتِ خَبْزاً، والثّاردات
ثَرْداً ، واللّقِماتِ لَقْماً . قال : فأرسل إليهم عبد الله ، فأُتي بهم وهم سبعون رجلاً ورأسهم عبد الله بن
النَّواحة، قال : فأمر به عبد الله فقتل، ثم قال : ما كنا بمحرزين (٦) الشيطان من هؤلاء ، ولكن
نحوزهم(٧) إلى الشام ، لعل الله أن يكفيناهم .
وقال الواقدي(٨): كان وفد بني حنيفة بضعة عشر رجلاً ، عليهم سلمى بن حنظلة ، وفيهم الرَّجَّال بن
عنفوة وطلق بن علي وعلي بن سنان ومُسَيْلمة بن حبيب الكذاب ، فأنزلوا في دار رملةُ(٩) بنت الحارث ،
وأُجريتْ عليهمُ( ١٠) الضيافة، فكانوا يُؤْتَوْن بغداء وعشاءٍ ، مرةً خبزاً ولحماً، ومرة خبزاً ولبناً ، ومرةً
(١) ورواه من طريق محمد بن إسحاق: أحمد في المسند (٤٨٧/٣) وأبو داود رقم (٢٧٦١) والحاكم (٢/ ١٤٢) وسنده
حسن .
(٢) دلائل النبوة للبيهقي رقم (٢٥١).
(٣) دلائل النبوة (٣٣٢/٥).
في المطبوعة ( أسامة) وهو تحريف انظر الإصابة (٢٠٣/١).
(٤)
(٥)
في المطبوعة ( المزني ) تحريف . وانظر سير أعلام النبلاء ( ١٧ / ٢٩٥) .
(٦)
أ : ( بمحزرين ) .
(٧) أ : ( نحدرهم ) .
(٨) طبقات ابن سعد (٣١٦/١ -٣١٧).
(٩) في المطبوعة (مسلمة ) وما هنا موافق لما في طبقات ابن سعد، وهو المصدر الذي ينقل منه المؤلف .
(١٠) في الأصول ( على ) ، وما أثبتناه من طبقات ابن سعد .

٢٦
وفد أهل نجران
خبزاً، ومرة خبزاً وسمناً ، ومرة تمراً ينثر لهم(١). فلمّا قدموا المسجدَ أسلموا ، وقد خَلَّفوا مُسَيْلمة في
رحالهم، ولما أرادوا الانصرافَ أعطاهم جوائزَهم خمسَ أواقٍ من فضة ، وأمر لمسيلمة بمثل ما أعطاهم ،
لما ذكروا أنّه في رحالهم، فقال: ((أما إنه ليس بشرِّكم مكاناً)). فلما رجعوا إليه أخبروه بما قال عنه ،
فقال : إنما قال ذلك لأنه عرف أن الأمر لي من بعده ، وبهذه الكلمة تشبّث قبّحه الله حتى ادَّعى النبوة.
قال الواقدي(٢): وقد كان رسول الله وَل بعث معهم بإداوة فيها فضل طهوره ، وأمرهم أن يهدموا
بِيعتهم ، وينضحوا هذا الماء مكانها ، ويتخذوه مسجداً ، ففعلوا .
وسيأتي ذكر مقتل الأسود العنسي في آخر حياة رسول الله وَلير، ومقتل مسيلمة الكذاب في أيام
الصِّدّيق ، وما كان من أمر بني حنيفة ، إن شاء الله تعالى .
وَقْدُ أهْلِ نَجْران
قال البخاري(٣): حدّثنا عَّاسُ بن الحُسين ، حدّثنا يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق ،
عن صِلَةَ بن زُفَر، عن حُذيفة، قال: جاء العاقِبُ والسَّيِّد صاحبا نجران إلى رسول الله وَّه، يريدان أن
يلاعناه ، فقال أحدهما لصاحبه : لا تفعل، فوالله لئن كان نبياً فلاعنّا(٤) لا نفلح نحن ولا عَقِبُنا من
بعدنا . قالا : إنا نعُطيكَ ما سَأَلْتَنَا، وابعث معنا رجلاً أميناً ، ولا تبعث معنا إلا أمينا٥ً) . فقال :
((لأبعثَنَّ معكم رجلاً أميناً حقَّ أمين)). فاستشرفَ لها أصحابُ رسول الله وَلّر، فقال(٦): قم
يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله وَل قوله: ((هذا أمين هذه الأمة)).
وقد رواه البخاري أيضاً ومسلم(٧) من حديث شعبة ، عن أبي إسحاق به .
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي(٨): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد محمد بن موسى بن الفضل
قالا : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدّثنا أحمد بن عبد الجبار ، حدّثنا يونس بن بُكير ، عن
سلمة بن عبد(٩) يسوع، عن أبيه، عن جده - قال يونس وكان نصرانياً فأسلم - أنّ رسول الله وَّل كتب إلى
في المطبوعة ( ينزلهم ) .
(١)
(٢)
طبقات ابن سعد (١/ ٣١٧) .
صحيح البخاري رقم ( ٤٣٨٠) وانظر طبقات ابن سعد (٣٥٧/١ -٣٥٨).
(٣)
(٤)
في صحيح البخاري: ((فلاعنّا)) .
في أوط: ((ولا تبعث معنا إلا رجلاً أميناً)) وأثبتنا ما في البخاري، ودلائل النبوة (٣٩٢/٥).
(٥)
(٦)
في الأصول : ( وقال ) وما هنا عن البخاري .
(٧)
البخاري رقم (٤٣٨١) ومسلم رقم (٢٤٢٠) في فضائل الصحابة .
دلائل النبوة (٣٨٥/٥) وما بعد .
(٨)
ليس اللفظ في المطبوعة .
(٩)

٢٧
وفد أهل نجران
نجران قبل أن ينزل عليه ((طسّ)) سليمان (١) ؛ باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب ، من محمد النبي
رسول الله إلى أسقف نجران ( وأهل نجران ، إن أسلمتم )٢) فإني أحمد إليكم إله إبراهيم وإسحاق
ويعقوب ، أما بعد ، فإني أدعوكم إلى عبادة الله من عبادةِ العِباد ، وأدعوكم إلى ولايةِ الله من ولاية
العباد ، فإن أبيتُم فالجزيةُ ، فإن أبيتُم آذنْتُكُم بحربٍ والسلام .
فلما أتى الأُسقُفَّ الكتابُ فقرأه فُظِع به ، وذُعر به ذُعراً شديداً ، وبعث إلى رجلٍ من أهل نَجْرانَ يقال
له : شُرَحْبيل بن وَدَاعة - وكان من همدان، ولم يكن أحدٌ يُدْعى إذا نزلت مُعْضِلة قبلَه لا الأيهم ولا السيد
ولا العاقب - فدفع الأُسْقُفتُّ كتاب رسول الله وَّه إلى شرحبيل فقرأه ، فقال الأسقُفُّ يا أبا مريم ما رأيك؟
فقال شرحبيل : قد علمتَ ما وعدَ الله إبراهيم في ذرية إسماعيل من النبوة ، فما يُؤْمَن أن يكون هذا هو ذاك
الرجل ، ليس لي في النبوة رأيٌ ، ولو كان أمرٌ من أمورِ الدُّنيا لأشرتُ عليك فيه برأي وجهدت لك . فقال
له الأسقُفتُّ: تنعَّ فاجلس ، فتنخَّى شرحبيل ، فجلس ناحية ، فبعث الأسقفُّ إلى رجل من أهل نجران ،
يقال له : ((عبد الله بن شرحبيل))، وهو من ذي أصْبَحَ من حِمْيَر، فأقرأَه الكتاب ، وسأله عن الرأي ،
فقال له مثل قول شرحبيل ، فقال له الأسقُفُّ: تنحَّ فاجلس، فتَنَخَّى فجلس ناحيةُ(٣) ، وبعث الأسقف
إلى رجل من أهل نجران يقال له (( جَبّار بن فَيْضٍ )) من بني الحارث بن كعب ، أحد بني الحِمَاس ، فأقرأه
الكتاب ، وسأله عن الرأي فيه ، فقال له مثل قول شُرَحبيل وعبد الله ، فأمره الأُسقُفتُّ فتنحى، فجلس
ناحية(٣) ، فلما اجتمع الرأي منهم على تلك المقالة جميعاً، أمر الأسقفُّ بالناقوس فضُرب به ، ورُفِعَت
المسوح(٤) في الصوامع ، وكذلك كانوا يفعلون إذا فزعوا بالنهار ، وإذا كان فزعهم ليلاً ضربوا بالناقوس
ورُفعت النيران في الصَّوامع ، فاجتمع حين ضُرب بالناقوس ورفعت المسوح أهلُ الوادي أعلاه وأسفله ،
وطول الوادي مسيرةُ يوم للراكب السَّريع ، وفيه ثلاث وسبعون قرية ، وعشرون ومئة ألف مقاتل ، فقرأ
عليهم كتابَ رسول الله وَّيه، وسألهم عن الرأي فيه، فاجتمع رأي أهلِ الرأي منهم على أنْ يَبْعَثوا
شُرَحبيل بن وَداعة الهَمْداني ، وعبدَ الله بن شُرَحْبيل الأصْبَحي ، وجَّار بن فيض الحارثي ، فيأتوهم بخبر
رسول الله وَله. قال: فانطلق الوفد، حتى إذا كانوا بالمدينة وضعوا ثيابَ السَّفَر عنهم، ولبسوا حللاً لهم
يَجُرّونها من حِبَرةٍ وخَواتيم الذَّهب، ثم انطلقوا حتى أتَوْا رسولَ الله وَّر، فسلموا عليه فلم يَرُدَّ عليهم
السلام، وتَصَدَّوا لكلامه نهاراً طويلاً فلم يُكَلِّمْهم وعليهم تلك الحُلَل والخَواتيم الذهبُ، فانطلقوا يَتَّبَّعونَ
(١) يعني سورة النمل .
(٢) ليس ما بين القوسين في الأصول واستدركتها عن البيهقي.
(٣) في المطبوعة : ( ناحيته ).
(٤) في المطبوعة : ( النيران المسوح ) .

٢٨
وفد أهل نجران
عثمانَ بن عفانَ وعبد الرحمن بن عوف، وكانوا يعرفونهم(١) ، فوجدوهما في ناسٍ من المهاجرين
والأنصار في مجلس ، فقالوا : يا عثمان ويا عبد الرحمن ، إنّ نبيَّكم كتبَ إلينا بكتابٍ ، فأقبلنا مُجيبين
له ، فأتَيْناه فسلَّمنا عليه ، فلم يَرُدّ سلامَنا، وتَصَدَّينا لكلامه نهاراً طويلاً ، فأعيانا أن يكلمنا ، فما الرأي
منكما ، أتَرَوْنَ أن نَرْجِعَ ؟ فقالا لعلي بن أبي طالب وهو في القوم : ما ترى يا أبا الحسن في هؤلاء القوم ؟
فقال عليٍّ لعثمان ولعبد الرحمن رضي الله عنهم : أرى أن يضعوا خُلَلَهم هذه، وخواتيمَهم ، ويلبسوا
ثيابَ سَفَرِهم ، ثم يعودوا إليه ، ففعلوا ، فسلَّموا ، فرد سلامهم، ثم قال: (( والذي بعثني بالحق ، لقد
أتوني المرة الأولى وإنّ إبليسَ لمعهم)). ثم ساءلهم وساءلوه ، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا :
ما تقول في عيسى ، فإنّا نرجع إلى قومنا ، ونحن نصارى ، ليسرنا إن كنت نبياً أن نسمع(٢) ما تقول فيه .
فقال رسول الله وَطاهر: ((ما عندي فيه شيءٌ يَوْمي هذا، فأقيموا حتى أخبركم بما يقول الله في عيسى))
فأصبح الغد وقد أنزل الله عزَّ وجلَّ هذه الآية: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ ءَآدَمّ خَلَقَهُم مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ شِّ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿ فَمَنْ حَاَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَاجَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْشَاءَ كُمْ
وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَ كُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَذِبِينَ﴾ [ آل عمران: ٥٩ -٦١]. فأبوا
أن يُقِرُّوا بذلك، فلما أصبح رسول الله وَل قر الغد بعدما أخبرهم الخبر أقبل مشتملاً على الحسن والحسين
في خَميل له(٣) ، وفاطمة تمشي عندَ ظهره للمُلاعَنَةِ ، وله يومئذ عِدَّةُ نسوةٍ ، فقال شرحبيل لصاحِبَيْه : قد
عَلِمْتُما أنّ الوادي إذا اجتمع أعلاه وأسفله لم يَرِدوا ولم يَصْدُروا إلا عن رأيي ، وإني والله أرى أمراً ثقيلاً ،
والله لئن كان هذا الرجل ملكاً متقويا٤) فكنا أول العرب طعن في عين(٥)، وَرَدَّ عليه أمرَه لا يذهب لنا من
صدره ولا من صدور أصحابه٦) حتى يصيبونا بجائحة ، وإنا أدنى العرب منهم جواراً ، ولئن كان هذا
الرجل نبياً مرسلاً فلاعنَّاه لا يبقى على وجه الأرض منا شَعر ولا ◌ُفر إلا هلكَ ، فقال له صاحباه : فما
الرأي يا أبا مريم ؟ فقال: رأيي أن أحكّمه ، فإني أرى رجلاً لا يَحْكُم شَططاً أبداً . فقالا له : أنت وذاك.
قال: فتلقى شُرحبيل رسول الله وَ ل﴿ فقال: إني قد رأيتُ خيراً من ملاعنتك. فقال: ((وما هو))؟ فقال:
حكمك اليوم إلى الليل، وليلتك إلى الصباح، فمهما حكمت (٧) فينا هو جائز، فقال رسول الله وَله :
(١) في دلائل النبوة: ((وكانا معرفة لهم ، كانا يجدعان العتائر إلى نجران في الجاهلية ، فيشترون لهم من بزها وثمرها
وذرتها ، فوجدوهما في ناس .. )) .
(٢)
في دلائل النبوة: ((أن نعلم)).
(٣)
الخميل : القطيفة ( القاموس : خمل ) .
(٤)
في البيهقي: (( مبعوثاً)).
(٥)
في المطبوعة : ( عيبته ) وفي أ: ( عيبه ) وما هنا عن البيهقي .
(٦)
في الدلائل : ( قومه ) .
في أ ((فمهما حكمك)) وفي ط ((فما حكمك)) وأثبتنا ما في دلائل النبوة .
(٧)

٢٩
وفد أهل نجران
((لعل وراءك أحدٌ) يثرِّبُ عليك؟)) فقال شُرحبيل: سل صاحبيّ: [ فسألهما (٢). فقالا: ما يرد
الوادي ولا يَصْدُرُ إلا عن رأي شُرَحْبيل (٣). فرجع رسول اللهِوَ لاَ فلم يُلاعِنْهُمْ، حتى إذا كان الغدُ أتوه ،
فكتب لهم هذا الكتاب(٤) ؛ بسم الله الرحمن الرحيم ، هذا ما كتب محمد النبي(٥) رسول الله لنجران ،
أن٦) كان عليهم حُكمُه في كل صفراء وبيضاء ورقيق، فَأفْضَل عليهم وترك ذلك كله(١) على ألفَيْ
حُلَّهُ)، في كلّ رجبٍ ألف حُلّةٍ، وفي كُلِّ صَفَرٍ ألفُ حُلةٍ)) وذكر تمام الشروط(٩). إلى أن [ قال (١٦)
شهد أبو سفيان بن حرب ، وغَيْلان بن عمرو ، ومالك بن عوف من بني نصر ، والأقرع بن حابس
الحنظلي ، والمغيرة [ بن شعبة ](١٠) وكتب(١).
حتى إذا قبضوا كتابهم انصرفوا إلى نجران ، [ فتلقاهم الأُسْقُفُّ ووجوه نجران على مسيرة ليلة من
نجران }١٠) ، ومع الأسقُفِّ أخٌ له من أمه ، وهو ابنُ عمّه من النسب ، يقال له بشر بن معاوية ، وكنيتُه
أبو عَلْقَمة، فدفع الوفد كتاب رسول الله وَّه إلى الأسقُفِّ، فبينما هو يقرؤه، وأبو علقمة معه وهما
يسيران، إذ كَبَتْ ببشر ناقته فَتَقَس بشر، غير أنه لا يُكنِّى عن رسول الله ◌ِّهِ، فقال له الأُسْقُفُّ عند ذلك:
في ط : ( أحد ) خطأ .
(١)
(٢)
زيادة عن دلائل النبوة .
بعدها في دلائل النبوة: ((فقال رسول الله بَله: كافر، أو قال جاحد موفق، فرجع .. )).
(٣)
وانظر مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة رقم (٩٤) ص (١١١ - ١١٢).
(٤)
في ط ((النبي الأمي)).
(٥)
في البيهقي (٣٨٩/٥) ومجموعة الوثائق: ((إذا كان عليهم حكمه في كل ثمرة وكل صفراء وبيضاء وسوداء ورقيق
(٦)
وأفضل عليهم . )).
(٧)
في مجموعة الوثائق: (( كله لهم .. )) .
(٨)
في دلائل النبوة، ومجموعة الوثائق: (( على ألفي حلة من حلل الأواقي)).
(٩)
بقية الشروط في دلائل النبوة ومجموعة الوثائق هي: (( ... ومع كل حلة أوقية من الفضة فما زادت على الخراج أو
نقصت عن الأواقي فبالحساب ، وما قضوا من دروع أو خيل أو ركاب أو عروض أخذ منهم بالحساب ، وعلى نجران
مؤنة رسلي ومتعتهم ما بين عشرين يوماً فدُونه ، ولا تحبس رسلي فوق شهر ، وعليهم عارية ثلاثين درعاً وثلاثين فرساً
وثلاثين بعيراً إذا كان كيد باليمن ومعرّة ، وما هلك مما أعاروا من دروع أو خيل أو ركاب فهو ضمان على رسلي حتى
يؤدوه إليهم ، ولنجران وحاشيتها جوار الله وذمة محمد النبيّ على أنفسهم وملتهم وأرضيهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم
وعشيرتهم وبيعهم وأن لا يغيّروا مما كانوا عليه ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم ولا يغيروا أسقف عن أسقفيته ولا
راهب من رهبانيته ولا واقهاً من وقيهاه وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير وليس عليهم دنيّة ولا دم جاهلية ، ولا
يحشرون ولا يعشرون ، ولا يطأ أرضهم جيش ، ومن سأل منهم حقاً فبينهم النصف غير ظالمين ولا مظلومين بنجران ،
ومن أكل ربا من ذي قبل فذمتي منه بريئة ، ولا يؤخذ منهم رجل بظلم آخر . وعلى ما في هذه الصحيفة جواب الله
عزَّ وجلَّ، وذمة محمد رسول الله ◌َّه أبداً حتى يأتي الله بأمره، وما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير مثقلين بظلم)).
(١٠) زيادة عن دلائل النبوة .
(١١) في مجموعة الوثائق: ((وكتب لهم هذا الكتاب عبد الله بن أبي بكر. )) وانظر تاريخ اليعقوبي (٩٠/٢) وما بعد .

٣٠
وفد أهل نجران
قد والله تعَستَ نبياً مرسلاً، فقال له بشر: لا جرم، واللهِ لا أحل عنها عقداً حتى آتي رسولَ الله وَلَه ،
فصرف(١) وجه ناقته نحو المدينة ، وثنى الأسقفُّ ناقته عليه ، فقال له : افهم عني ، إنما قلت هذا ليبلغ
عني العرَبَ مخافةَ أن يَرَوْا أنّا أخذنا حقَّه أو رضينا نصرته أو بَخَعْنا٢ً) لهذا الرجل بما لم تَبْخَعْ به
العرب(٣)، ونحن أعزُّهم وأجمعُهم داراً . فقال له بشر : لا والله لا أقبل ما خرجَ من رأسك أبداً ، فضرب
بشرٌّ ناقتَه وهو مُؤَلِّي الأُسْقُفَّ ظَهْرَهُ ، وارتجز يقول :
إليْكَ تعدُو قَلِقاً وضينُها٤) مُعْتَرِضَاً فِي بَطْنِهَا جَنِينُها
مُخَالِفاً دِينَ النَّصارَىْ دِينُها
حتى أتى رسولَ الله ◌ِ ليه فأسلم، ولم يزل معه حتى قُتل بعد ذلك .
قال(٥) : ودخل الوفدُ نَجرانَ ، فأتى الراهبَ ليثَ بن أبي شمر الزبيدي وهو في رأس صومعته(٦) فقال
له : إن نبياً بُعث بتهامة، فذكر ما كان من وفد نجران إلى رسول الله وَّل، وإنه عرض عليهم الملاعنةَ
فَأَبَوْا ، وأن بشرَ بنَ معاوية دفع إليه فأسلم . فقال الراهب : أنزلوني وإلا ألقيتُ نفسي من هذه الصومعة ،
قال: فأنزلوه، فأخذ معه هدية، وذهب إلى رسول الله وَّهِ منها هذا البُردُ الذي يلبسه الخلفاء وقَعْبٌ
وعصا ، فأقام مدةً عند رسول الله وَّهِ يسمعُ الوَحْيَ، ثم رجع إلى قومه ولم يُقَدَّرْ له الإسلامُ، ووعدَ أنه
سيعود، فلم يُقَدَّرْ له حتى توفِّي رسولُ الله وَلَه .
وأن(٧) الأُسْقُفَّ أبا الحارث أتى رسول الله وَّهِ، ومعه السيدُ والعاقبُ ووجوهُ قومه ، فأقاموا عنده
يسمعون ما يُنَزَّلُ الله عليه، وكتب للأُسْقُفّ هذا الكتاب ولأساقِفَة نَجْرانَ بعده(٨) (( بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد النبيّ للأسقفّ أبي الحارث و[ كلّ }٩) أساقفة نجران وكهنتهم ورهبانهمُ(١٠) وكلّ ما تحت
أيديهم من قليلٍ أو كثير جوار اللهِ ورسوله ، لا يُغَيّرُ أسقُفتٌّ من أَسْقُفَّتِهِ ولا راهبٌ من رهبانيَّته ولا كاهنٌ من
(١) في دلائل النبوة : ( فضرب ) .
بخع له بحقه : أقر به وخضع وتذلل ( اللسان : بخع ) .
(٢)
في أوط: (( نجعنا لهذا الرجل بما لا تنجع به العرب)).
(٣)
(٤)
الوضين : حزام السرج ( اللسان : وضن ) .
أي البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٣٩٠) وانظر تفصيل الخبر فيه.
(٥)
في ط : ( فأتى الراهب بن أبي شمر الزبيدي وهو في صومعته ) وما أثبته عن الدلائل .
(٦)
دلائل النبوة (٣٩١/٥).
(٧)
ليس اللفظ في الدلائل .
(٩) زيادة من دلائل النبوة .
(٨)
(١٠) في دلائل النبوة: ((بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد النبي ◌ّليّ للأسقف أبي الحارث وكل أساقفة نجران وكهنتهم
ورهبانهم وبيعهم وأهل بيعهم ورقيقهم وملتهم ومتواطئهم وعلى كل ما تحت أيديهم .. )) .

٣١
وفد أهل نجران
كهانته ولا يغيّر من حقوقهم ولا سلطانهم ولا مما١) كانوا عليه من ذلك ، جوار الله ورسوله أبداً ،
ما أصلحوا ونصحوا عليه غير مُثْقَلينُ(٢) بظلمٍ ولا ظالمين)) وكتب المغيرة بن شعبة .
وذكر محمد بن إسحاق(٣) أن وفد نصارى نجران كانوا ستين راكباً ، يرجع أمرهم إلى أربعة عشر
منهم ، وهم العاقب واسمه عبد المسيح ، والسيد وهو الأيهم ، وأبو حارثة بن علقمة ، وأوس ،
والحارث(٤)، وزيد، وقيس ، ويزيد، ونُبَيْه، وخُويلد، وعمرو، وخالد، وعبد الله ، ويُحَنَّس ،
وأمر هؤلاء الأربعة عشر يؤول إلى ثلاثة منهم ، وهم العاقب ، وكان أمير القوم وذا رأيهم وصاحب
مشورتهم ، والذي لا يصدرون إلا عن رأيه ، والسيد وكان ثِمالَهمُ(٥) وصاحب رحلهم ، وأبو حارثة بن
علقمة ، وكان أسقفهم وحبرهم ، وكان رجلاً من العرب من بكر بن وائل ، ولكن دخل في دين
النصرانية ، فعظّمته الروم وشرّفوه ، وبنوا له الكنائس ، ومَوَّلوه ، وأخدموه لما يعرفون من صلابته في
دينهم ، وكان مع ذلك يعرف أمر رسول الله وَلَ، ولكن صده الشرف والجاه من اتّباع الحق.
وقال يونس بن بكير(٦) ، عن ابن إسحاق : حدّثني بُرَيْدة بن سفيان، عن ابن البَيْلَماني ، عن
كُرْز بن (٧) علقمة ، قال : قدم وفدُ نصارى نَجْران ستون راكباً منهم أربعة وعشرون رجلاً من أشرافهم ،
والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر ، إليهم يؤول أمرهم ، العاقب ، والسيد ، وأبو حارثة أحدُ بني بكر بن
وائل، أسقُقُّهم وصاحبُ مِدْراسهم(٨)، وكانوا قد شرَّفوه فيه ومَوَّلوه وأكرموه(٩) ، وبسطوا عليه
الكرامات ، وبنوا له الكنائس ؛ لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم ، فلما توجَّهوا من نجران جلسَ
أبو حارثة على بَغْلةٍ له ، وإلى جنبه أخٌ له يقال له كُرْزُ بن عَلْقَمة يُسايره ، إذ عثرت بغلةُ أبي حارثة فقال
كُرْز: تعس الأبعدُ - يريد رسول الله وَ ◌ّهـــ فقال له أبو حارثة: بل أنت تَعِسْتَ. فقال له كُرْزٌ: ولمَ
يا أخي ؟ فقال: والله إنه للنَّبيُّ الذي كنا ننتظره . فقال له كُرْزُ: وما يمنعُكَ وأنت تعلم هذا . فقال له :
في الأصول ( ما ) وما هنا عن الدلائل.
(١)
(٢) في أ ((منقلبين)).
سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٣ _ ٥٧٥ ).
(٣)
في أوط: (( وأوس بن الحارث)) . وأثبتنا ما في سيرة ابن هشام . لأنه بهذا يصير عددهم أربعة عشر رجلاً كما ذكر
(٤)
في أول الخبر .
(٥) الثمال بالكسر : الملجأ والغياث ، وقيل : هو المطعم في الشدة ( النهاية : ثمل).
(٦)
دلائل النبوة (٣٨٢/٥ - ٣٨٣).
في الإصابة (٢٩٢/٣): ((كرز ويقال: كرز بن علقمة البكري النجراني)) ثم ذكر صاحب الإصابة الخلافات في اسمه.
(٧)
(٨) في الأصول ( مدارسهم ) تحريف .
(٩) في أ : ( وأخدموا ) .

٣٢
وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل
ما صنع بنا هؤلاء القوم ، شرّفونا ومؤَّلونا وأخدمونا ، وقد أبوا إلا خلافه ، ولو فعلت نزعوا منا كل
ما ترى . قال : فأضمر عليها منه أخوه كرز حتى أسلم بعد ذلك .
وذكر ابن إسحاق (١) أنهم لما دخلوا المسجد النبوي دخلوا في تجمُّلٍ وثيابٍ حسانٍ ، وقد حانت صلاة
العصر، فقاموا يصلّون إلى المشرق، فقال رسول الله وَ ل: ((دعوهم)). فكان المتكلم لهم أبا حارثة بن
علقمة والسيد والعاقب ، حتى نزل فيهم صَدْرُ(٢) سورة آل عمران والمباهلة ، فأبوا ذلك، وسألوا أن
يرسل معهم أميناً ، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح ، كما تقدم في رواية البخاري .
وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسير سورة آل عمران (٣) . ولله الحمد والمنة .
وَفْدُ بني عامِرٍ وقِصَّةُ عامِرٍ بن الطُّفَيْلِ وأَرْبَدَ بن قَيْسٍ(٤)
قال ابن إسحاق(٥) وقدم على رسول الله وَّل وفد بني عامر فيهم عامر بن الطفيل وأرْبَدُ بن قيس بن
جَزء بن جعفر بن خالد(٦)، وجَبّارُ(٧) بن سُلْمى (٨) بن مالك بن جعفر، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساءَ القوم
وشياطينهم، وقدم عامر بن الطفيل عدو الله على رسول الله وَ له، وهو يريد الغدرَ به ، وقد قال له قومه:
يا عامر، إن الناس قد أسلموا ، فأسْلِمْ. قال: والله لقد كنت آليت ألا أنتهي حتى تتبعَ العرب عَقِبي ، فأنا
أتبع عقب هذا الفتى من قريش ؟ ثم قال لأزبد : إنْ قدمنا على الرجل فإني سأشْغَلُ عنك وجهَه ، فإذا
فعلتُ ذلك فاعْلُهُ بالسيف، فلما قدموا على رسولِ اللهِ وَّر، قال عامر بن الطُّفَيْل: يا محمد،
خالِّني(٩). قال: ((لا والله حتى تؤمنَ بالله وحدَه )) قال: يا محمد، خالِّني. قال: وجعل يُكَلِّمُهُ وينتظر
من أرْبَدَ ما كان أمرَهُ به ، فجعل أرْبَدُ لا يُحير شيئاً ، فلما رأى عامر ما يصنعُ أزبد قال : يا محمد ،
خالني، قال: ((لا، حتى تؤمنَ بالله وحده لا شريكَ له)). فلما أبى عليه رسولُ اللهِوَ لَه قال: أما والله
(١) سيرة ابن هشام (١ /٥٧٤ - ٥٨٤).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٣/٢ - ٤٦).
(٢)
في ط : ( صدر من ) .
في أ وط مقيس، وأثبتنا ما في جمهرة أنساب العرب ( ٢٨٥) وسيرة ابن هشام (٢٣٣/٤) ودلائل النبوة
(٤)
(٣١٨/٥).
سيرة ابن هشام (٢/ ٥٦٧ - ٥٦٩) وانظر طبقات ابن سعد (٣١٠/١).
(٥)
(٦)
في جمهرة الأنساب: (( بن جزء بن خالد بن جعفر)).
(٧)
في أودلائل النبوة ((حيّان)) وأثبتنا ما في الإصابة (٢١٩/١) وط .
(٨)
بضم السين وقيل بفتحها . الإصابة (٢١٩/١) .
(٩) خالني : من رواه - بتخفيف اللام - فمعناه تفرَّدْ لي خالياً حتى أتحدث معك. ومن رواه خالّني - بتشديد اللام -
فمعناه : اتخذني خليلاً وصاحباً من المخالّة وهي الصداقة ( شرح السيرة النبوية لأبي ذر الخشني - مصورة دار الكتب
العلمية عن طبعة بولس برونلة ) .

٣٣
وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل
الأملأنَّها عليكَ خيلاً ورجالًا. فلما ولَّي قال رسول الله وَّرَ: ((اللهم اكفني عامر بن الطُفيل)). فلما
خرجوا من عند رسول الله وَ ل﴿ قال عامر بن الطفيل لأزبد: أين ما كنتُ أمرتُكَ به ؟ والله ما كانَ على ظهر
الأرضِ رجلٌ أخوفَ على نفسي(١) منك، وأيمُ اللهِ لا أخافك بعدَ اليوم أبداً. قال : لا أبالك لا تَعْجَلْ
عليّ، واللهِ ما هَمَمْتُ بالذي أمرتني به (٢) إلا دخلتَ بيني وبين الرجل، حتى ما أرى غيرك أفأضْرِبِكَ
بالسَّيف ؟ . وخَرجوا راجعين إلى بلادهم حتَّى إذا كانوا ببعض الطريق ، بعث الله عزَّ وجلَّ على عامر بن
الطُّغَيْلِ الطاعونَ في عُنُقُه ، فَقَتَلَهُ اللهُ في بيت امرأةٍ من بني سَلُول ، فجعل يقول : يا بني عامر أغُدَّة كغدةٍ
البَكْر في بيت امرأة من بني سلول(٣) ؟!
قال ابن هشام(٤) . ويقال أغدةً كغدة الإبل ، وموتاً في(٥) بيت سلولية .
وروى الحافظ البيهقي (٦) من طريق الزبير بن بكار ، حدّثتني فاطمة بنت عبد العزيز بن مَوَلَّةُ(٧) عن
أبيها، عن جدِّها مَوَلَة بن جميل قال: أتى عامرُ بن الطُّفيل رسولَ اللهِوَ فقال له: ((يا عامر أسْلِمْ)).
فقال: أُسلمُ على أنّ لي الوبَر، ولك المدرَ، قال: ((لا)). ثم قال [ يا عامر (٨) أسلم . فقال: أسلمُ
علي أن لي الوبرَ ، ولك المدرَ . قال: لا، فولّى، وهو يقولُ: والله يا محمدُ لأملأنَّها عليكَ خيلاً جُزْداً
ورجالاً مُرداً، ولأربطنَّ بكل نخلة فرساً. فقال رسول الله وَّرَ: اللهمّ اكفني عامراً واهْدِ قومَه. فخرج
حتى إذا كان بظهرِ المدينة صادفَ امرأةً من قومه يقال لها : سَلولية ، فنزل عن فرسه ، ونام في بيتها ،
فأخذته غدّةٌ في حلقه ، فوثب على فرسه وأخذ رمحه ، وأقبل يجولُ وهو يقول : غُدّة كغُذَّة البَكْر وموتٌ
في بيت سَلولية ، فلم تَزَلْ تلك حاله حتى سَقَطَ عن فرسه ميتاً .
وذكر الحافظ أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب(٩) في أسماء الصحابة مَوَلَة هذا فقال : هو مَوَلة بن
(١) في سيرة ابن هشام ودلائل النبوة: ((أخوف عندي على نفسي)).
(٢)
في سيرة ابن هشام ودلائل النبوة: (( بالذي أمرتني به من أمره».
(٣) المثل في معجم الأمثال العربية ( بعر - بيت - سلل - غدد - موت)، ومصادره فيه: مجمع الأمثال (٢/ ٥٧)،
وجمهرة الأمثال (٩/١) و(١٠/٢ - ١٣) وأمثال القاسم (٢٦١) وفصل المقال (٣٧٤)، والمستقصى
(٢٥٨/١) واللسان (غدد ).
(٤) سيرة ابن هشام ( ٢/ ٥٦٩).
(٥)
في أوط (( وموتٌ)) وأثبتنا ما في سيرة ابن هشام .
(٦)
دلائل النبوة (٣٢١/٥).
(٧) في دلائل النبوة ((مؤمّل)) وأثبتنا ما في أ واسم أبيه في دلائل النبوة: ((جميل)) وفي الإصابة (٤٦٨/٣٠):
( موله ) بفتحتين ابن كنيف بن حمل بن خالد بن عمرو بن الضباب بن كلاب الكلابي .
(٨) الزيادة من دلائل النبوة .
(٩) الاستيعاب (٤ /١٤٨٧) والزيادة عنه .

٣٤
وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل
كُثَيف الضِّبابي الكِلابيّ العامري، من بني عامر بن صعصعة، أتى رسول الله وَّله وهو ابنُ عشرين سنة ،
فأسلم ، وعاش في الإسلام مئة سنة ، وكان [ فصيحاً ] يُدْعى ذا اللسانين من فصاحته ، روى عنه ابنُه
عبد العزيز [بن مَوَلة]، وهو الذي روى قصة عامر بن الطفيل: غُدّة [ كغُدَّةٍ ] البَعير ومَوْتٌ في بيت
سَلوليّة .
قال الزبير بن بكار : حدّثتني ظَمْياء بنت عبد العزيز بن مَوَلة بن كُثَيْف بن حَمَل (١) بن خالد بن
عمرو بن معاوية ، وهو الضِّباب بن كِلاب بن ربيعة بن عامر بن صَعْصَعَة ، قالت : حدّثني أبي ، عن أبيه
مَوَلة، أنه أتى رسول الله وَلَّ، فأسلم وهو ابن عشرين سنة، وبايع رسول الله وَّل، ومسح يَمينَه، وساقَ
إيلَه إلى رسول الله وَّل، فصدقها بنتَ لَبونٍ، ثم صحب أبا هريرة بعد رسول الله الضّل، (وعاش في
الإسلام مئةَ سنة ، وكان يسمى ذا اللسانين من فصاحته )٢) .
قلت : والظاهر أن قصة عامر بن الطُّفَيْل متقدِّمةٌ على الفتح ، وإن كان ابن إسحاق والبيهقي قد ذكراها
بعد الفتح ، وذلك لما رواه الحافظ البيهقي(٣)، عن الحاكم، عن الأصم، أنبأنا محمد بن إسحاق ،
أنبأنا معاوية بن عمرو ، حدّثنا أبو إسحاق الفزاري ، عن الأوزاعي ، عن إسحاق بن عبد الله بن
أبي طلحة ، عن أنس ، في قصة بئر معونة ، ( وقتل عامر بن الطفيل حرام بن ملحان خال أنس بن مالك ،
وغدرِه بأصحاب بئر معونة (٤) حتى قُتلوا عن آخرهم سوى عمرو بن أمية ، كما تقدمُ(٥) ، قال
الأوزاعيُّ: قال يحيى: فمكث رسول الله مَله يدعو على عامر بن الطُّفَيْل ثلاثين صباحاً: ((اللهمّ اكْفني
عامرَ بن الطُّفَيْلِ بما شئتَ، وابعثْ عليه ما يقتلُه)(٦) فبعث الله عليه الطاعون .
ورُوي (٧) عن همَّام ، عن إسحاق بنِ عبد الله، عن أنس في قصة [ حرام ] بن ملحان قال : وكان عامر بن
الطفيل قد أتى رسول الله وَ له فقال: أخيّركَ بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ، ويكون لي أهل
المَدَر(٨) ، وأكون خيلفتَكَ من بعدكَ، أو أغزوكَ بغَطَفان بألفِ أشقرَ وألفِ شَفْراء، قال: فطُعن في بيتِ امرأة،
فقال: غدة كغدة البَكْر(٩) وموت في بيت امرأة من بني فلان ، ائتوني بفرسي ، فركب فمات على ظهر فرسه .
في الأصول : ( حميل ) وأثبت رواية الاستيعاب لأنه ينقل عنه .
(١)
لم يرد ما بين القوسين في الاستيعاب .
(٢)
(٣)
دلائل النبوة (٣٢٠/٥).
ما بين القوسين ساقط من أ .
(٤)
أي كما تقدم عند البيهقي في دلائل النبوة ( ٣٣٨/٣) وما بعدها .
(٥)
(٦)
هكذا في أو ط وفي دلائل النبوة (٣٢٠/٥) ((داءً يقتله)).
(٧)
صحيح البخاري ( ٤٠٩١) ودلائل النبوة (٣٢٠/٥) .
(٨) في أوط: ((الوبر))، وما هنا من صحيح البخاري ودلائل النبوة ، وهو الصواب.
(٩) ط: (البعير ).

٣٥
وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل
قال ابن إسحاق(١) : ثم خرج أصحابه حين وارَؤْه(٢) حتَّى قَدِموا أرضَ بني عامرٍ شاتِيْن ، فلما قَدِموا
أتاهم قومُهم : فقالوا : وما وراءَكَ يا أرْبَد ؟ قال: لا شيءَ، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت لو أنه
عندي الآن ، فأَزْمِيَه بالنَّبْل حتى أقتلَه الآن ، فخرج بعدَ مقالته بيوم أو يومين معه جملٌ له يبيعه (٣) فأرسل الله
عليه وعلى جملِه صاعقةً فأحرقتهما .
ما إن تُعَرِّيُ(٥) المَنُونُ مِنْ أَحَدٍ
أَخْشَى عَلى أزْبَدَ الخُتُوفَ ولا
فَعِيْنٍ(٧) هَلَّ بَكَيْت أزْبَدَ إذْ
إِنْ يَشْغَبُوا لا يُبَالِ شَغْبَهُمُ
حُلْوٌ أريبٌ وفي حَلاوَتِهِ
وَعَيْنِ هَلاَّ بَكَيْتِ أزْبَدَ إذْ
وأصْبَحتْ لاقِحاً مُصَرَّمةٌ
أَشْجَعُ مِنْ لَيْثِ غابةٍ لَحِم
لا تَبْلُغ١٤ُ) العَيْنُ كُلَّ نَهْمتهاً
قال ابن إسحاق(٤): وكان أربد بن قيس أخا لبيد بن ربيعة لأمّه، فقال لبيدٌ يبكي أرْبَدَ : [ من المسرح ]
لا والِدِ مُشْفِقٍ وَلا وَلَدِ
أزْهبُ نَوءَ السَّمَاكِ والأسَدِ(٦)
قُمْنَا وَقَامَ النِّسَاءُ فِي كَبَدٍ
أوْ يَقْصِدُوا في الحُكُومِ يَقْتَصِدِ(٨)
مُرّ لطيف(٩) الاخْشَاءِ وَالكِبِدِ
ألوَتْ رِياحُ الشِّتَاءِ بالعَضَدُ ١٠)
حين تجلَّتُ(١١) غَوابِرُ المُدَرٍ(١)
ذُو نَهمةٍ في العُلا وَمُنْتَقَد١٣ٍ)
لَيْلَةَ تُمْسي الجيادُ كالقِدَكِ(١٥)
(١) سيرة ابن هشام (٢٦٩/٢).
(٢)
في ط : ( رأوه ) .
في السيرة : ( يتبعه ) .
(٣)
سيرة ابن هشام (٢٣٥/٤) وشرح ديوان لبيد ( ١٥٨ - ١٦٢).
(٤)
تعري: يقول : لا تدعه عارياً من المصائب ( شرح الديوان ١٥٨) وفي ابن هشام: ((تعدّي)) أي تترك.
(٥)
قال شارح الديوان: (( كنت أخشى عليه كل سبب من أسباب المنية ، ولم أكن أفرق عليه صاعقة » .
(٦)
(٧)
في ديوانه ( يا عين ) .
قال الشارح: ((الشغب هاهنا: القتال . يقتصدوا : يأخذوا القصد)).
(٨)
(٩) ط: ( لصيق) وما أثبته عن أ ويوافق ما في الديوان .
(١٠) في شرح الديوان: ((ألوت: ذهبت به وطارت. العضد: الشجر اليابس ويقال المقطوع)).
(١١) في الديوان: ( فأصبحت ... حين تقضَّتْ .. ) وفي السيرة ( حتى تحلت .. ).
(١٢) يشبه الحرب بالناقة التي لقحت فشالت بذنبها. قال الشارح: ((هذه الحرب قد هاجت فشالوا فيها بالرماح والسيوف
كما تشول اللاقح بذنبها تري الفحل أنها حامل . الغوابر : الباقية . المدد : الغايات ، واحدتها مدة )) .
(١٣) هذا البيت ساقط من شرح الديوان ..
(١٤) في الديوان: ( لن يُبْلغ العينَ .. ).
(١٥) قال الشارح: ((يقول: لا يحرص ولا يشره ولا يمنع حقاً. يقول: لم يبلغ عيني منه كل ما تريد أن تنظر إليه من
سرور في هذه الليلة التي هذه حالها. وتمسي الجياد كالقدد، أي ضامرة من شدة السير والإتعاب. والقدد: السيور)).

٣٦
وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل
البَاعِثُ النَّوْحَ في مَآتِمِهِ مِثْلَ الظَّبا الأبْكارِ بالجَرَدِ(١)
ـفارس يَوْمَ الكَرِيهَةِ النُّجُدِ(٣)
فَجَّعَنِي البَرْقُ وَالصَّواعِقِ(٢) بالـ
جاءَ نَكيباً وإنْ يَعُدْ يَعُدِ(٤)
والحَارَبِ الجَابرِ الحَرِيبَ إذا
يَنْبُتُ غَيْثُ الرَّبيع(٥) ذُو الرَّصَدِ(٦)
يَعْفُو على الجَهْدِ والسُّؤالِ كَمَا
قُلٌّ وإنْ كَثُرُو(٧) مِنَ العَدَدِ
كُلُّ بَني حَرَّةٍ مَصِيرُهُمُ
يوماً فَهُمْ لِلْهَلاكِ والنَّفَدِ(٩)
إِن يُغْبَطُوا يُهْبَطُوا وإِنْ أَمِرو(٨)
وقد روى ابن إسحاق عن لبيد أشعاراً كثيرة في رثاء أخيه لأمه أرْبَد بن قيس ، تركناها اختصاراً واكتفاءً
بما أوردناه ، والله الموفق للصواب .
قال ابن هشام١٠) : وذكر زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس قال: فأنزل الله عزَّ وجلَّ
في عامر وأزبَد: ﴿ اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيِضُ الْأَزْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَىْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ ﴿ عَلِمُ
سَوَاءٌ مِّنكُم مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ، وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِلَّيْلِ وَسَارِبٌ
اٌلْغَيْبِ وَالشَّهَدَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ
◌ِالنَّهَارِ ﴿ لَهُ مُعَقِّبَتٌ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [ الرعد: ٨ -١١(١١). يعني محمداً بَِّ ثم ذكر
أربد وقتله فقال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ، مِن وَالٍ ( هُوَ الَّذِى يُرِيكُمُ
الْبَّقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنشِئُّ السَّحَابَ النِّقَالَ ( وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلَتِكَةُ مِنْ خِفَتِهِ، وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ
فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمْ يُجَدِلُونَ فِ اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْحَالِ﴾ [ الرعد: ١١ - ١٣].
قلت : وقد تَكَلَّمْنا على هذه الآيات الكريمات في سورة ((الرعد)(١٢). ولله الحمد والمنة .
(١) الجرد : الأرض المستوية وجمعها : أجراد (شرح الديوان).
(٢)
في الديوان : ( الرعد والصواعق ) .
النجد : البطل ذو النجدة ( شرح الديوان ) .
(٣)
نكيباً أي منكوباً وإن بعد الحريب للسؤال يعد له أربد بالعطاء . ( شرح الديوان ) .
(٤) الحارب: من يحرب الأموال. الجابر: الذي يجبر من قد حُرب ماله. نكيب: مصاب. يقول: إذا جاء الحريب
(٥) في شرح الديوان : ( كما أنزل صوب الربيع ذي الرصد ) .
(٦) يعفو: يكثر، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَواْ﴾ [الأعراف: ٩٥]. أي: كثروا. الصوب: المطر. الرصد: المطر
يكون أول الزمان ( شرح الديوان ) .
(٧) في الديوان والسيرة: ( .. وإن كثرت ... ).
(٨) أمِروا : كثروا .
(٩) في شرح الديوان: ( يوماً يصيروا للهُلْكِ والنَّكَدِ ). ومعنى أمروا في شرح الديوان: كثروا .
(١٠) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٧١ - ٥٧٣).
(١١) وتتمة الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمٌ وَ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءً ا فَلاَ مَرَّ لَهُمْ وَمَا لَهُم مِّن دُونِ مِن وَالٍ﴾.
(١٢) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٣٥٧ - ٣٦٧).

٣٧
وفد بني عامر وقصة عامر بن الطفيل
وقد وقع لنا إسناد ما علَّقه ابن هشام رحمه الله ، فروينا من طريق ( الحافظ أبي القاسم سليمان بن
أحمد الطبراني في (( معجمه الكبير))(١)، حيث قال: حدّثنا مسعدة بن سعد)(٢) العطار، حدّثنا
إبراهيم بن المنذر الحزامي(٣) ، حدّثني عبد العزيز بن عمران، حدّثني عبد الرحمن وعبد الله ابنا زيد بن
أسلم ، عن أبيهما ، عن عطاء بن يسار ، عن ابن عباس : أن أرْبَد بن قيس بن جَزْء بن خالد بن جعفر بن
كلاب(٤) وعامر بن الطفيل بن مالك، قدما المدينة على رسول الله وَيه ، فانتهيا إليه وهو جالس ، فجلسا
بين يديه ، فقال عامر بن الطُّفيل: يا محمد ما تجعل لي إن أسلمتُ؟ فقال رسول الله وَلَهُ: ((لك
ما للمسلمين ، وعليك ما عليهم)) . قال: عامر: أتجعل لي الأمرَ إن أسلمتُ من بعدك ؟ فقال رسول الله
وَلَهُ: ((ليس ذلك لك ولا لقومك، ولكن لك أعنَّهُ الخيل)). قال: أنا الآن في أعنَّةِ خيل نجدٍ ، اجعل لي
الوبر ولك المدر، قال رسول الله وَّل: ((لا))، فلما قفل من عنده، قال عامر: أما والله لأملأنّها عليك
خيلاً ورجالاً، فقال رسول الله بَّر: ((يمنعك اللهُ)). فلما خرج أربد وعامر، قال عامر: يا أربد أنا
أشغلُ عنك محمداً بالحديث ، فاضربه بالسيف ، فإن الناس إذا قتلتَ محمداً لم يزيدوا على أن يرضَوْا
بالدّية ويكرهوا الحرب، فسنعطيهم الديةَ ، قال أربد: أفعلُ . فأقبلا راجعين إليه ، فقال عامر : يا محمد،
قم معي أكلمك(٥) فقام معه رسول الله وَّر، فخلّيًا إلى الجدار، ووقف معه رسول الله وَّلِ يُّكَلمه، وسَلَّ
أربدُ السَّيف ، فلما وضعَ يدَه على السيف يبستْ يدُه على قائم السيف فلم يَسْتَطِعْ سَلَّ السيف ، فأبطأ أزْبَدُ
على عامر بالضَّرب، فالتفت رسول الله وََّ، فرأى أرْبَد وما يصنع، فانصرف عنهما، فلما خرج أربدُ
وعامر من عند رسول الله تَّه حتى إذا كانا بالحرَّة حرَّة واقم(٦) نزلا ، فخرج إليهما سعد بن معاذ وأُسيد بن
الحضير فقالا : أشخصا يا عدوي الله لعنكما الله ، فقال عامر : من هذا يا سعد ؟ قال : أُسيد بن حضير
الكتائب ، فخرجا حتى إذا كانا بالرَّقَم(٧) أرسل الله على أَزْبَد صاعقةً فقتلته ، وخرج عامر حتى إذا كان
بالحرة (٨) أرسل الله قرحة فأخذته ، فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول ، فجعل يمس قرحته في حلقه
ويقول : غدة كغدة الجمل في بيت سلولية ، يرغب [ عن ] أن يموت في بيتها . ثم ركب فرسه
(١) المعجم الكبير للطبراني (٣٧٩/١٠ -٣٨١)، وإسناده ضعيف .
(٢) ما بين القوسين ساقط من أ.
(٣) ط: ( الحزاتي ) .
(٤)
جمهرة أنساب العرب ٢٨٥ .
(٥)
في أ: ((قم معي أحملك)).
(٦) حرة واقم: إحدى حرتي المدينة، وهي الشرقية، سميت برجل من العماليق اسمه واقم. ( معجم البلدان ).
(٧) الرَّقَم : موضع بالمدينة تنسب إليه الرقميات ، وفي كتاب نصر : الرقم جبال دون مكة بديار غطفان ( معجم
البلدان ) .
(٨) في ((مجمع الزوائد » (٧/ ٤٢) بالخريم .

٣٨
قدوم ضمام بن ثعلبة
فأحضرها١) حتى مات عليها راجعاً، فأنزل الله فيهما: ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أَنْقَى وَمَا تَغِيضُ آلْأَرْحَامُ وَمَا
تَزْدَادُ ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَتُ مِّنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ،﴾ يعني محمداً وَله، ثم ذكر أَرْبَد وما قتله به ،
فقال: ﴿ وَيُرْسِلُ الصَّوَعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ﴾ الآية [ الرعد: ٨-١٣].
وفي هذا السياق دلالة على ما تقدم [ من ] قصة عامر وأربد ، وذلك لذكر سعد بن معاذ فيه. والله
أعلم .
وقد تقدم وفود الطفيل بن عامر الدّوسي رضي الله عنه على رسول الله وَله بمكة وإسلامه ، وكيف جعل
الله له نوراً بين عينيه، ثم سأل الله فحوَّله له إلى طرفِ سَوْطه ، وبَسَطْنا ذلك هنالك ، فلا حاجةً إلى إعادته
هاهنا كما صنعَ البَيْهقي وغيره .
قُدوم ضِمامُ(٢) بن ثَعْلَبة على رسول الله ◌َّله وافداً عَنْ قومه بني سَعْد بن بَكْرٍ(٣)
قال ابن إسحاق(٤) : حدّثني محمَّد بن الوليد بن نُوَيْفع، عن كُرَيْبٍ، عن ابن عبّاس. قال: بعثت(٥)
بنو سعد بن بكر ضِمامَ بن ثعلبةَ وافداً إلى رسول الله وَّهِ فقدم إليْهُ(٦) وأناخَ بعيرَه على باب المسجد ، ثم
عقله، ثم دخل المسجد ورسولُ اللهِ وَله جالسٌ في أصحابه، وكان ضِمامٌ رجلاً جَلْداً أشعرَ ذا غَديرَتَيْنِ ،
فأقبل حتى وقفَ على رسول الله وَ له في أصحابه، فقال: أيكُم ابنُ عبدِ المطّلب؟ فقال رسول الله إِليه :
(( أنا ابنُ عبد المطلب))، فقال: يا محمد ، قال: نعم. قال: يا بنَ عبد المطلب، إني سائِلُكَ ومُغَلِّظ
عليك في المسألة ، فلا تَجِدَنَّ في نفسك. قال: (( لا أجدُ في نفسي، فَسَلْ عما بدا لك)). فقال :
أنشُدُك اللهُ(١) إلهك وإلهَ منْ كَانَ قبلَكَ وإلهَ مَنْ هو كائن بَعْدَكَ، آلله بَعَثَكَ إلينا رسولاً؟ قال: (( اللهم
نعم )) قال: فأنشُدُكَ اللهَ إلَّهَكَ وإلهَ من كانَ قبلَك وإلهَ منْ هو كائنٌ بعدَكَ، آلله أمَرَكَ أنْ تَأْمُرَنا أن نعبده
وحده، ولا نشرك به شيئاً ، وأن نخلعَ هذه الأندادَ التي كانَ آبَاؤُنَا يَعْبدون؟ قال: ((اللهم نعم)) قال :
فأنشُدُك اللهَ إلَهَكَ وإلَّه منْ كان قَبْلَكَ وإلَّهَ منْ هو كائنٌ بعدَكَ ، اللهُ أمركَ أن نُصلِّي هذه الصَّلواتِ الخَمْسَ ؟
قال : ((نعم)) قال: ثم جعلَ يذكر فرائضَ الإسلام فريضةٌ فريضة، الزكاةَ ، والصِّيامَ، والحجَّ ، وشرائعَ
(١) الاحضار : ارتفاع الفرس في عدوه ( اللسان : حضر).
(٢) الإصابة (٢/ ٢١١) .
ط : ( وافداً على قومه ) .
(٣)
سيرة ابن هشام (٢/ ٥٧٣ _ ٥٧٥).
(٤)
(٥)
ط : ( بعث ) .
في السيرة النبوية ( عليه ) .
(٦)
ليس لفظ الجلالة في ط .
(٧)

٣٩
قدوم ضمام بن ثعلبة
الإسلام كلها ، ينشُدُهُ عند كل فريضةٍ منها ، كما ينشده في التي قبلَها ، حتى إذا فرغَ قال : فإنّي أشهدُ أن
لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمداً رسول الله ، وسأؤدِّي هذه الفرائض ، وأجتنبُ ما نهيتَني عنه ، ثم
لا أزيدُ ولا أنقُصُ. ثم انصرفَ إلى بعيره راجعاً. قال: فقال رسولُ اللهِوَّ: ((إن صَدَقَ ذو العَقِيصَتَيْنِ
دخلَ الجنة )) . قال : فأتى بعيره ، فأطْلَق ◌ِقَالة ، ثم خرجَ حتى قدم ، على قومه ، فاجتمعوا إليه فكان
أولَ ما تكلَّمَ أنّ قالَ : بئسَتِ اللاتُ والعُزّى . فقالوا: مَهْ يا ضِمام، اتَّقِ البَرَصَ ، اتّقَ الجُذامَ، اتّقِ
الجُنونَ . فقال: ويلَكُم، إنّهما واللهِ لا يَضُران ولا يَنْفَعان، إن اللهَ قد بعثَ رسولًا، وأنزلَ عليه كتاباً
استنقَذِكُمْ به مما كنتم فيه ، وإنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأن محمداً عبدُه ورسولُه ،
وقد جئتكُم من عنده بما أمَركُمْ به وما نَهاكُمْ عنه . قال : فوالله ما أمسى من ذلك اليوم وفي حاضره رجل
ولا امرأة إلا مسلماً . قال : يقول ابن عباس فما سَمِعْنا بوافدٍ قوم كانَ أفضلَ من ضِمام بن ثعلبة .
وهكذا رواه الإمام أحمد (١) ، عن يعقوب بن إبراهيم الزهري ، عن أبيه ، عن ابن إسحاق فذكره .
وقد روى هذا الحديث أبو داود(٢) من طريق سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن سلمة بن
كُهيل ، ومحمد بن الوليد بن نُويفع ، عن كُريب ، عن ابن عباس بنحوه .
وفي هذا السياق ما يدل على أنه رجع إلى قومه قبل الفتح ، لأن العُزّى خَرَّبَها خالد بن الوليد أيام
الفتح !
وقد قال الواقدي(٣): حدّثني أبو بكر بن عبد الله بن أبي سَبْرة، عن شَريك بن عبد الله بن أبي نَمِرٍ ،
عن كُريب ، عن ابن عباس . قال : بعثَتْ بنو سَعْدِ بن بَكْرٍ في رجب سنة خمس ضِمام بن ثعلبة ، وكان
جَلْداً أشعر ذا غدِيرتين، وافداً إلى رسول الله وَ يه، فأقبل حتى وقف على رسول الله وَله، فسأله فأغلظ في
المسألة ، سأله عمن أرسله، وبمَ أرسله ، وسأله عن شرائع الإسلام، فأجابه رسول الله بَّ في ذلك
كلِّه، فرجع إلى قومه مسلماً قد خلع الأنداد ، فأخبرهم بما أمرهم به ونهاهم عنه ، فما أمسى في ذلك
اليوم في حاضره رجلٌ ولا امرأةٌ إلا مسلماً ، وبنوا المساجدَ وأذّنوا بالصلاةِ .
وقال الإمام أحمد(٤) : حدّثنا هاشم بن القاسم ، حدّثنا سليمان - يعني ابن المغيرة - ، عن ثابت ،
عن أنس بن مالك قال: كنا نُهينا أن نسأل رسول اللهوَ لَهعن شيء، فكان يُعْجبنا أن يجيء الرجلُ من أهل
البادية العاقلُ يسأله ونحن نسمع ، فجاء رجل من أهل البادية ، فقال : يا محمد ، أتانا رسولك ، فزعم لنا
أنَّكَ تزعمُ أنّ اللهَ أرسلَكَ. قال: ((صدق)). قال: فمن خلق السموات؟ قال: ((الله)). قال : فمن
(١) مسند الإمام أحمد (٢٦٤/١ - ٢٦٥) وهو حديث حسن .
(٢)
أبو داود رقم ( ٤٨٧ )، وهو حديث حسن .
طبقات ابن سعد (٢٩٩/١) عن الواقدي .
(٣)
(٤) مسند الإمام أحمد (١٤٣/٣).

٤٠
قدوم ضمام بن ثعلبة
خلق الأرض، قال: ((الله)) قال: فمن نصبَ هذه الجبال، وجعل فيها ما جعل؟ قال: ((الله)). قال:
فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال، آللهُ أرسلَك؟ قال: ((نعم))، قال: وَزَعم
رسولُكَ أنَّ علينا خمسَ صلواتٍ في يومنا وليلتنا. قال: ((صدق)) قال: فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا ؟
قال: ((نعم)). قال: وزعم رسولُك أنّ علينا زكاةً في أموالنا. قال: ((صدق)) قال: فبالذي أرسلك
الله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) قال: وزعمَ رسولُكَ أنَّ علينا صوم شهر في سنتنا. قال: ((صدق)). قال:
فبالذي أرسلك الله أمرك بهذا؟ قال: ((نعم)) قال: وزعم رسولك أن علينا حَجَّ البيت من استطاعَ إليه
سبيلاً. قال: ((صدق)) قال: ثم وَلَّى، فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن شيئاً، ولا أنقصُ
منهن(١) شيئاً. فقال النبيِنَُّ: ((إن صدق ليدخُلنَّ الجنةَ)).
وهذا الحديث مُخَرَجٌ في ((الصحيحين))، وغيرهما بأسانيد وألفاظ كثيرة عن أنس بن مالك رضي الله
عنه .
وقد رواه مسلم من حديث أبي النَّضْرِ هاشم بن القاسم ، عن سليمان بن المغيرة ، وعَلَّقه البخاري من
٢) .
طريقه ( ٢)
وأخرجه من وجه آخر بنحوه ؛ فقال الإمام أحمد (٣): حدّثنا حجاج ، حدّثنا ليث ، حدّثني سعيد بن
أبي سعيد ، عن شريك بن عبد الله بن أبي نِمر ، أنّه سمعَ أنس بن مالك يقول : بينا٤) نحن عند رسول الله
وَل﴿ جلوساً في المسجد، دخل رجل على جمل ، فأناخه في المسجد ، ثم عقله، ثم قال: أيكم محمد(٥)
ورسول الله وَلهر متكىء بين ظهرانيهم. قال: فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكىء. فقال الرجل: يا بن
عبد المطلب. فقال رسول الله وَطاهر: ((قد أجبتك)) فقال الرجل: يا محمد، إني سائلك فمشتد(٦) عليك
في المسألة، فلا تجد عليّ في نفسك. فقال: ((سل ما بدا لك)). فقال الرجل: أسألك(٧) بربّك وربِّ
منْ كان قبلك، اللهُ أرسلكَ إلى الناس كلَّهم؟ فقال رسول الله بِّهِ: ((اللهم نعم)) قال: فأنشدك الله، اللهُ
أمرك أن ( نصلّي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : اللهم نعم . قال : فأنشدك الله الله أمرك
أن)١) نصوم هذا الشهر من السنة؟ فقال رسول الله وَليقول: ((اللهم نعم)) (قال: أنشدك الله، الله أمرك أن
في الأصول : ( عليهن ) وما أثبته عن المسند .
(١)
رواه مسلم رقم (١٢) (١٠) والبخاري من طريق سليمان بن المغيرة معلقاً عقب الحديث (٦٣).
(٢)
(٣)
مسند الإمام أحمد (١٦٨/٣).
في المسند ((بينما)) وفي ط: (بينما نحن عند رسول الله وَلل جلوس).
(٤)
(٥)
في المسند: ((أيكم محمد رسول الله؟)).
(٦)
في المسند : (( فمشدد)».
في المسند : (( نشدتك)).
(٧)
(٨) ما بين القوسين ساقط من أوط .