النص المفهرس

صفحات 1-20

النَّدُ الَّوَالتَّالِمُ
السيرة النبوية
من كتاب الوفود - إلى أفراسه وعَ الهدمراكبه

الطبعة الثانية
1431 هـ - 2010
حقوق الطبع محفوظة
يمنع طبع هذا الكتاب أو جزء منه بكل طرق الطبع
و التصوير والنقل والترجمة والتسجيل المرئي
والمسموع و الحاسوبي وغيرها من الحقوق
إلا بإذن خطي من
كاراب ـ
للطباعة والنشر والتوزيع
دمشق - سوريا - ص.ب : 311
حلبوني - جادة ابن سينا - بناء الجابي
صالة المبيعات تلفاكس: 2225877 - 2228450
الإدارة تلفاكس: 2243502 - 2458541
بيروت - لبنان - ص.ب : 113/6318
برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي - بناء الحديقة
تلفاكس : 817857 01 - جوال : 204459 03
www.ibn-katheer.com
info@ibn-katheer.com
الموضوع: تاريخ
العنوان: البداية والنهاية 20/1
التأليف: الإمام ابن كثير
التحقيق: مجموعة من العلماء
الورق: كريم
ألوان الطباعة: لونان
عدد الصفحات: 10128
القياس: 17×24
التجليد: فني - لوحة
الوزن: 15215 غ
التنفيذ الطباعي :
مطبعة ايبكس - بيروت
التجليد :
مؤسسة فؤاد البعينو للتجليد - بيروت
ISBN: 978-9953-520-84-1
9 789953 520841

البدائيةُ وَالتَّهَامَةَ
٩
سيرة النبوية
من كتاب الوفود - إلى أفراسه فَ الله ومراكبه
تأليف
الإمَامِ الْحَافِظِ المؤرخ أبي الفِدَاءِإِستماعيل بن كَثْر
٧٠١ - ٧٧٤ هـ
حَقَّقَهُ وَفَرََّ أَصَادِيَهُ وَلَّْعَلَيْهِ
د. رياض عبدالحميد سداد
رَاجَعَهُ
الدكتور بشارعوادمعروف
الشيخ عبدالقادر الأرناؤوط
الجُزءُ الخَامِسُ
دار ابن كَثِيرُ
رِقشق - بَيرُوت

-3
6-
2

ممم مم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحَيَـ
تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ تَرَهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَنَاْ سِيمَاهُمْ فِ وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِّ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِ التَّوْرَةِ وَمَثَلُهُمْ فِ آلْإِلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ
شَطْكَهُ فَازَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَأَسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ، يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارُ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ
وَعَمِلُواْ الصَِّحَتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا
٣

٧
كتاب الوفود
كتاب الوفود
الواردين إلى رسول الله وَ له
قال محمد بن إسحاق (١): لمّا افتتحَ رسولُ اللهِ ◌ّ﴿ مكةَ، وفرغَ من تَبَوكَ، وأسلمتْ ثقيفٌ وبايَعَتْ،
ضَرَبَتْ إلیه وفودُ العربِ من كلِّ وجه .
قال ابنُ هشاءُ(٢) : حدّثني أبو عُبَيْدَةَ ، أن ذلك في سنةٍ تسع، وأنها كانَتْ تُسَمَّى سنةَ الوفودِ .
قال ابن إسحاق(٢): وإنما كانت العرب تَرَبَّصُ بإسلامها، أمْرَ هذا الحيِّ من قريشٍ، لأنَّ قريشاً كانوا
إمامَ النّاسِ وهاديتَهم(٣) . وأهل البيت والحرم وصريح ولد إسماعيل بن إبراهيم وقادة العرب لا ينكرون
ذلك . وكانت قريشٌ هي التي نَصَبَتِ الحربَ لرسول اللهِ وَّهَ وخلافَه، فلمّا افْتُتِحَتْ مكةُ، ودانَتْ له
قريشٌ، ودوَّخها الإسلامُ ، عرفتِ العربُ أنهم لا طاقةَ لهم بحرب رسول الله بَ لّ ولا عداوتِهِ ، فدخلوا في
دين الله، كما قال عزَّ وجلَّ: أفواجاً، يضربون إليه من كُلِّ وجهٍ، يقولُ اللهُ تعالى لنبيِّهِ وَّ: ﴿إِذَا جَآءَ
نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ ﴿ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ
تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ -٣] أي: فاحْمَدِ اللهَ على ما ظَهَرَ من دينكَ، واسْتَغْفِرْهُ إنَّه كان تَوّاباً .
وقد قدَّمنا حديث عمرو بن سَلِمةُ(٤) قال : كانت العرب تَلَوَّمُ(٥) بإسلامهم الفَتْحَ ، فيقولون : اتركوه
وقومَهُ ، فإنَّه إن ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادِقٌ . فلما كانت وقعةُ أهلِ الفتحِ بادَرَ كلّ قومٍ بإسلامهم . وبدر
أبي قومي بإسلامهم ، فلمَّا قَدِمَ قال: جِئْتُكُمْ واللهِ من عند النبيّ حَقاً . قال : صَلوا صلاة كذا في حين
كذا ، وصلاة كذا في حين كذا ، فإذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أحَدُكُمْ ، ولْيَؤُمَّكُمْ أكْثَرُكمُ قرآنا .
وذكر تمام الحديث وهو في صحيح البخاري(٦) .
(١) سيرة ابن هشام (٥٥٩/٢).
(٢) سيرة ابن هشام (٢ / ٥٦٠) .
(٣)
في سيرة ابن هشام : ( وهاديَهم ) .
في الأصول: ((عمرو بن مسلمة)) وهو تحريف. انظر جامع الأصول (٥٥٥/١٤) (٤).
(٤)
(٥) تلوَّم في الأمر : تمكّث وانتظر ( القاموس : لَوَمَ ) .
(٦) رواه البخاري رقم (٤٣٠٢) في المغازي، باب مقام النبي ◌َّ يوم الفتح.

٨
کتاب الوفود
قلت : وقد ذكر محمد بن إسحاق ، ثم الواقدي ، والبخاري ، ثم البيهقي بعدهم ، من الوفود ما هو
مُتَقَدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة . وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَّنْ أَنْفَقَ مِن
قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ أَلَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [ الحديد: ١٠].
وتقدم قوله بَّه يوم الفتح(١) ((لا هجرة ولكن جهاد ونية)(٢)، فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء
الوافدين على زمن الفتح، ممن يُعدّ وفودُه هجرةً، وبينَ اللاحقِ لهم بعدَ الفَتْح، ممَّن وعده الله خيراً
وحسنى . ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة ، والله أعلم ، على أن هؤلاء الأئمة الذين
اعتنوا بإيراد الوفود، قد تركوا فيما أوردوه أشياءَ لم يذكروها . ونحن نورد بحمدِ الله ومَنّهِ ما ذكروه، ونُنَبِّه
على ما يَنْبَغِي التَّنْبِيهُ عليه من ذلك، ونذكرُ ما وقعَ لنا ممّا أَهْمَلُوه، إن شاء الله، وبه الثقةُ، وعليه التُّكلان.
وقد قال محمد بن عمر الواقدي (٣): حدّثنا كَثير بن عبد الله المُزني، عن أبيه ، عن جده قال : كان
أول من وفد على رسول الله وَّه من مُضَرَ أربع مئة من مُزَيْنَة، وذاك في رجب سَنةَ خَمْسٍ ، فجعل لهم
رسول الله وَلقر الهجرةَ في دارهم، وقال: ((أنتم مهاجرون حيث كنتم، فَارْجِعُوا إلى أموالكم)). فرَجعوا
إلى بلادهم .
ثم ذكر الواقديُّ عن هشام بن الكَلْبِي بإسناده ، أنّ أولَ منْ قَدِمَ من مُزَيْنَةَ خُزَاعِيّ بن عبد نُهْم(٤) ومعه
عشرة من قومه ، فبايع رسول الله وَّر على إسلام قومه . فلما رَجَع إليهم لم يَجدْهم كما ظنّ فيهم ،
فَتَأخَّروا عنه، فأمر رسول الله وَ ل حسان بن ثابتٍ أن يُعرّض بخُزَاعيّ من غير أن يهجوه، فذكر أبياتا٥ً) ،
فلما بلغت خزاعياً شكا ذلك إلى قومه، فجمعوا له، وأسلموا معه، وقدم بهم إلى رسول الله وَ ◌ّر ، فلما
كان يوم الفتح دفع رسول الله وَ لّ لواء مزينة - وكانوا يومئذ ألفاً - إلى خزاعيَّ هذا٦). قال : وهو
(٧)
أخو عبد الله ذو البجادين
(١) أي فتح مكة .
(٢) رواه البخاري رقم (١٨٣٤) في الجهاد، باب الهجرة بعد الفتح، ومسلم رقم ( ١٣٥٣) في الحج ، باب تحريم
مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها إلا لمنشد على الدوام من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .
(٣) هو محمد عمر بن واقد الأسلمي، صاحب المغازي، الواقدي، قال الحافظ ابن حجر في ((التقريب)) (١٩٤/٢):
متروك مع سعة علمه ، فإسناده ضعيف .
(٤) الإصابة (٤٢٤/١).
(٥) الديوان (٤٠٥/١) والإصابة (٤٢٤/١) وأول الأبيات :
ألا أبلغ خُزاعياً رسولاً
فإنّ الغدر يغسله الوفاء
في نسخة أ: ((وكان يومئذ ألقى)) وهو تصحيف، وأثبتنا ما في نسخة ط، والإصابة (٤٢٥/١).
(٦)
(٧) في أ: ((النجادين)) بالنون وهو تصحيف، وأثبتنا ما في الإصابة (٣٣٨/٢) والبجاد كساء مخطط ( القاموس:
بجد ).

٩
كتاب الوفود
وقال البخاري(١) رحمه الله: باب وفد تميم. حدثنا أبو نُعيم، حدّثنا سفيان، عن أبي صخرة ، عن
صفوان بن محرز المازني، عن عمران بن حُصَيْن قال: أتى نفر من بني تميم إلى النبي(٢) وَ ر فقال:
((أقبلوا البشرى يا بني تميم)). قالوا : يا رسول الله، قد بشرتنا فأعطنا. فرُئي ذلك في وجهه ، ثم جاء
نفر من اليمن فقال: ((أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم)) . قالوا : قبلنا يا رسول الله .
ثم قال البخاري(٣): حدّثنا إبراهيم بن موسى، حدّثنا هشام بن يوسف، أن أبنَ جُريج أخبره ، عن
ابن أبي مليكة ، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم ، أنه قدم ركبٌ من بني تميم على النبي وَّر فقال أبو بكر :
أمّرِ القعقاعَ بن معبد بن زرارة ، فقال عمر : بل أمِّرِ الأقرعَ بن حابسٍ ، فقال أبو بكر : ما أردتَ إلا
خلافي . فقال عمر : ما أردتُ خلافَكَ . فتماريا، حتى ارتفعت أصواتُهما . فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ
لَا نُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، ﴾ [ الحجرات: ١] حتى انقضت .
ورواه البخاري أيضاً من غير وجه، عن ابن أبي مُلَيكة بألفاظ أُخَرَ ، وقد ذكرنا ذلك في (( التفسير))،
عند قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [ الحجرات: ٢] الآية.
وقال محمد بن إسحاق(٤): ولما قدمتْ على رسول الله ◌َّال وفودُ العرب قدم عليه عُطاردُ بنُ حَاجبٍ
ابن زُرَارَةَ بن عُدُسٍ التميمي في أشراف من بني تميم ، منهم الأقرع بن حَابس التميمي ، والزِّبْرقان بن بدر
التميمي - أحد بني سعد - ، وعمرو بن الأهْتَم ، والحَبْحاب(٥) بن يزيد ، ونعيم بن يزيد ، وقيس بن
الحارث ، وقيس بن عاصم - أخو بني سعد - في وفد عظيم من بني تميم .
قال ابن إسحاق(٦) : ومعهم عُبَيْنة بن حِصْن بن حُذيفة بن بدر الفَزاري وقد كان الأقرع بن حابس
وعيينة شهدا مع رسول الله وَلّر فتح مكة وحُنَيْناً والطائف ، فلما قدم وفد بني تميم كانا معهم ، ولما دخلوا
المسجد نادَوْا رسول الله وَ الر (من وراء حجراته أن أخرج إلينا يا محمد. فآذى ذلك رسول الله وَليه (٧) من
صياحهم ، فخرج إليهم . فقالوا : يا محمد ، جئناك نفاخرك ، فأذن لشاعرنا وخطيبنا . قال : قد أذِنْتُ
لخَطِيْبكم فليقل .
(١) رواه البخاري رقم (٤٣٦٥) في المغازي ، باب وفد بني تميم .
في ط: (( إلى النبي)) وما هنا من أ، وهو الموافق لما في صحيح البخاري (بشار).
(٢)
(٣)
رواه البخاري رقم ( ٤٣٦٧) في المغازي ، باب وفد بني تميم .
(٤)
سيرة ابن هشام (٢٢٢/٤) وانظر طبقات ابن سعد (٢٩٣/١ - ٢٩٥).
في ط: ((الحتحات)) وهو خطأ، وأثبتنا ما في أوالإصابة (٣٠٢/١) وانظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٦٠) مصورة
(٥)
مؤسسة علوم القرآن وهو الصواب .
(٦) سيرة ابن هشام (٢ / ٥٦٠ - ٥٦٣).
(٧) ما بين القوسين ساقط من أوالاستدراك من ط وسيرة ابن هشام (٢٢٣/٤ - ٢٢٤).

١٠
كتاب الوفود
فقام عُطارِد بن حاجب فقال : الحمدُ لله الذي له علينا الفَضْلُ والمَنّ(١) وهو أهله الذي جعلنا ملوكاً ،
ووهب لنا أموالاً عِظاماً نفعل فيها المعروف، وجعلنا أَعَزَّ أهلِ المَشْرِق وأكثره عدداً وأيسره عُدَّة . فمَنْ
مِثْلُنا في الناس ؟ ألسنا برؤوس النّاس وأُولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليُعَدِّدْ مثلَ ما عَدَّدْنا . وإنا لو نشاء
لأكثرنا الكلام ، ولكن نحيى (٢) من الإكثار فيما أعطانا. وإنا نعرفُ بذلك (٣)، أقول هذا لأن تأتوا بمثل
قولنا ، وأمرٍ أفضل من أمرنا . ثم جلس .
فقال رسول الله وَ ل﴿ لثابت بن قيس بن شماس، أخي بني الحارث بن الخزرج: ((قم فأجب الرجل في
خطبته )) .
فقام ثابت فقال : (( الحمدُ للهِ الذي السمواتُ والأرض خَلْقُهُ، قضى فيهن أمرَهُ، ووسِعَ كُرْسِيَّه
علمُهُ ، ولم يكُ شيءٌ قَطُ إلا من فَضْلِه، ثم كانَ من قُدْرَتِهِ أن جعلنا ملوكاً ، واصطفى من خيرته رسولاً ،
أكرمَه نسباً، وأصدقَه حديثاً، وأفضلَه حسباً ، فأنزل عليه كتاباً ، وائتمنه على خلقِه ، فكان خِيرةَ الله من
العالمين ، ثم دعا الناسَ إلى الإيمان به ، فآمن برسول الله المهاجرون من قومه وذوي رحمه ، أکرمُ الناس
أحسابا٤)، وأحسن الناس وجوهاً ، وخير الناس فَعَالًا، ثم كان أوّل الخلق إجابة ، واستجابَ للهِ حِينَ
دعاهُ رسولُ اللهِ وَلَ نحن، فنحنُ أنصارُ الله ووزراء رسوله ، نقاتلُ الناس حتى يؤمنوا، فمَنْ آمَنَ بالله
ورسوله مَنَع مالَه ودمَه . ومن كَفَر جاهَدْناه في الله أبداً ، وكان قتلُه علينا يسيراً . أقولُ قولي هذا وأستغفر
الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات ، والسلامُ عليكم .
فقام الزبرقان بن بدر فقال(٥) ( من البسيط ]
مِنَّا المُلُودُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ(٦)
نَحْنُ الكرامُ فلا حَيٌّ يُعادِلُنا
عِنْدَ النِّهَابِ وفَضْلُ العِزِّ يُتَّبِعُ
وكَمْ قَسَرْنا منَ الأحياءِ كُلِّهمٍ
منَ الشِّواءِ إذا لم يُؤْنَس القَزَعُ(٧)
ونَحْنُ يُطْعمُ عِنْدِ القَحْطِ مطْعِمُنَا
(١) لفظة ((المنّ)) ساقطة من أ والاستدراك من ط ، وسيرة ابن هشام.
(٢) في ط: ((نخشى)) ولا تصح، وماهنا من سيرة ابن هشام، ودلائل النبوة للبيهقي (٣١٣/٥) وتاريخ الإسلام
للذهبي (٤٥٢/١) وفيه : نستحيي، وهي بمعنى (بشار).
(٣)
ليس اللفظ في أ .
في سيرة ابن هشام «حَسَباً)).
(٤)
الأبيات في ديوان حسان ( ٢٤٥) وسيرة ابن هشام (٢ / ٥٦٣) وديوان الزبرقان بن بدر - مؤسسة الرسالة - ( ٤٦ -
(٥)
٤٨ ) .
(٦)
في الديوان (( وفينا يقسم الربع )» وفي دیوان الزبرقان ( وفضل العز يتبع ) .
(٧) في أوط ((الفزع)) وأثبتنا ما في السيرة والديوان. و((القزع)): قطع السحاب الواحدة قزعه ( القاموس: قرع).

١١
كتاب الوفود
بما تَرَى الناسَ تَأْتِينا سَراتُهُمُ
فَتَنْحَرُ الْكُوْمَ عُبْطاً في أرُومتنا
مِنْ كُلِّ أرضٍ هُوِي١ًَّ) ثم نصْطَنِعُ
لِلنَّازِلِينَ إذا ما أُنْزِلُوا شَبعُو(٢)
إلَّا استفادوا وكانُوا الرأسَ يُقْتَطَعُ
فمَا تَرَانًا إلى حيَّ نُفَاخِرُهُمْ
فَيَرْجِعُ القومُ والأخبارُ تُسْتَمعُ
فَمَنْ يُفاخِرُنا في ذَاكَ نَعْرِفُه
إِنا كَذَلِكَ عِنْدَ الفَخْرِ نَرْتَفِعُ
إنّا أَبَيْنا ولا يأبى(٣) لنا أحَدٌ
قال ابن إسحاق(٤) : وكان حسان بن ثابت غائباً، فبعث إليه رسول الله ێ .
قال: فلما انتهيت إلى رسول الله وَّه وقام شاعر القوم فقال ما قال ، عرضت في قوله ، وقلت على
نحو ما قال .
فلما فرغ الزبرقان قال رسول الله وَلّ لحسان بن ثابت: ((قم يا حسان، فأجب الرجل فيما قال)) فقال
حسان(٥) [من البسيط ]
إِنَّ الذَّوائِبَ مِنْ فِهْرٍ وأخْوتِهِمْ
يُرْضَى بها كُلُّ مِنْ كَانَتْ سريرتُه
قَوْمٌ إذا حَارَبُوا ضَرُوا عَدُؤَّهُمُ
سَجِيَّةٌ تِلْكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ
إِنْ كَانَ في النَّاسِ سَبَّاقونَ بَعْدَهُمُ
لا يَزْقَعُ النَّاسُ ما أوْهَتْ أكُفُّهُمُ
إِنْ سَابَقُوا النَّاسَ يَوْماً فَازَ سَبْقُهُمُ
أعِقَّةٌ ذُكِرَتْ في الوَحْي عِقَّتُهُمْ
قَدْ بَيَّنوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
تَقْوَى الإلّهِ وَكُلَّ الخَيْرِ يُصْطَنَعُ(٢)
أو حَاوَلُوا النَّفْعَ في أشَاعِهِمْ نَفَعُوا
إنَّ الخَلائقَ - فَأَعْلَمْ(٧) - شَرُّهَا البِدَعُ
فَكُلُّ سَبْقٍ لأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
عِنْدَ الدِّفَاعِ ولا يُوهُونَ ما رَقَعُوا
أوْ وَازَنُوا أَهْلَ مِجْدٍ بالنَّدِى مَتَعُو(٨)
لا يطبعون(٩) ولا يُزْدِیھُمُ طَمَئُ
(١) هوياً : سراعاً.
(٢) الكوم : جمع كوماء وهي الناقة العظيمة السنام ( القاموس : كوم). عبطاً : عبط الذبيحة يعبطها ، نحرها من غير
علة وهي سمينة فتية ( القاموس : عبط) . الأرومة : الأصل (القاموس : أرم ).
(٣)
في أ (( ولم يأتي)) وهو خطأ . وأثبتنا ما في الديوان وسيرة ابن هشام.
(٤)
سيرة ابن هشام ( ٢/ ٥٦٣ _ ٥٦٥ ).
(٥)
الديوان (١/ ١٠٢) تحقيق الدكتور وليد عرفات .
في الديوان: (( وبالأمر الذي شرعوا)).
(٦)
في الديوان: ((إن الخلائق حقاً .. )).
(٧)
متعوا: أي ظهروا وارتفعوا من قولهم : متع النهار متوعاً : ارتفع غاية الارتفاع ، وهو ما قبل الزوال ( أساس البلاغة : متع ).
(٨)
(٩) لا يطبعون: لا يفعلون ما يدنسهم . وفي أساس البلاغة: طبع: إن فلاناً لطمع طبع: دنس الأخلاق. وفي
الديوان: ((لا يطمعون ولا يرديهم .. )) .

١٢
كتاب الوفود
لا يَبْخَلُونَ على جَارٍ بِفَضْلِهُمُ
إذا نصبْنَا لِحِي لَمْ نَدِبَّ لَهُمْ
نَسْمُو إذا الحزبُ نالَتْنا مَخَالبُهَا
لا يَفخرُونَ إذا نَالُوا عَدُوَهُمُ
كَأَنَّهِمْ في الوَغَى والموْتُ مُكْتِنِعُ
خُذْ مِنْهُمُ ما أتَوْا عَفْواً إذا غَضِبُوا
فإنَّ فِي حَرْبِهِم - فاتْرُكْ عَدَاوَتَهَم -
أكَرِمْ بِقوْمٍ رَسُولُ اللهِ شِيعَتُهُمْ(٦)
أهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُؤازرُهُ
فإنّهُمْ أَفْضِلُ الأحْيَاءِ كُلِّهِمٍ
ولا يَمَسُّهُمُ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعُ(١)
كما يَدِبُّ إلى الوحشيَّةِ الذَّرَعُ
إذا الزعانِفُ(٢) مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
وإنْ أصيبُوا فلا خُوْرٌ ولا هُلُعُ(٣)
أُسْدٌ بِحَلْيَةَ في أرسَاغِهَا فَدَعُ(٤)
ولا يَكُنْ هَمُّكَ الأمرَ الذي مَنَعُوا
شراً يُخَاضُ عَلَيْهِ السُّمُّ وَالسَّلَعُ(٥)
إذا تَفاوَتَت الأهْواءُ والشِّيعُ
فِيما أُحِبُّ(٧) لَسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
إِنْ جَدَّ في الناسِ جِدُّ القَوْلِ أَو شَمَعُو(٨)
وقال ابن هشام(٩) : وأخبرني بعض أهل العلم بالشعر من بني تميم ، أن الزبرقان [ بن بدر }١٠) لما
قدم على رسول الله وَّهر في وفد بني تميم قام فقال: [ من الطويل ]
إذا اخْتَلِفُو ١١) عِنْدَ اخْتِضارِ المَوَاسِمِ
أَتَيْنَاكَ كَيْمَا يَعْلَمَ النَّاسُ فَضْلَنا
وأنْ لَيْسَ في أرض الحِجَازِ كَدَارِمٍ
بأنَّا فُرُوعُ النّاسِ في كُلّ مَوْطنٍ
(١) في الديوان :
ولا يضنون عن مولى بفضلهم ولا يصيبهم في مطمع طبع
(٢) الزعانف : كل جماعة ليس أصلهم واحداً ( القاموس : زعنف ).
(٣) لم يرد هذا البيت في أولا في الديوان ، وأثبتناه من ط وسيرة ابن هشام.
(٤) كنع الأمر: قرب ( القاموس: كنع ) حلية : مكان ، قيل هو في أرض اليمن ، وقيل بنواحي الطائف ( معجم
البلدان: حلية ) وفي الديوان: ((أسد بيشة)) وبيشة: موضع من بلاد اليمن وهو كثير الأسْد (معجم البلدان :
بيشة ) وفدع : اعوجاج الرسغ من اليد أو الرجل حتى ينقلب الكف أو القدم إلى أنسيّها ( القاموس : فدع ) .
(٥) في الديوان: (( الصاب والسلع)) والصاب شجر مر ، وكذا السلع ( القاموس: صوب ، سلع ).
(٦) في الديوان :
إذا تفرقت ... ))
((رسول الله قائدهم
في الديوان: ((فيما يحبّ)).
(٧)
شمع : كمنع : لعب ومزح ( القاموس : شمع ) .
(٨)
(٩) سيرة ابن هاشم (٢/ ٥٦٥ - ٥٦٦).
(١٠) الزيادة من سيرة ابن هشام .
(١١) في سيرة ابن هشام ((احتفلوا)).

١٣
كتاب الوفود
وأنَّا نذودُ المُعْلمين(١) إذا انْتَخَوْا
وإنَّ لَنا المِرْبَاغَ(٢) في كلِّ غَارَة
قال : فقام حسان فأجابه فقال(٣) [ من الطويل ]
هَل المَجْدُ إلَّ السُؤْدَد العَوْدُ والنَّدَى
نَصَرْنا وَآوَيْنا النبيَّ مُحمَّداً
بِحِيٍّ(٤) حرِيدٍ أضْلُهُ وَثَراؤُ(٥)
نَصَرْناهُ لمَّا حَلّ بَيْنَ بُيوتنا(٦)
جَعَلْنَا بَنِيْنَا دُونَهُ وَبَناتِنَا
وَنحْنُ ضَرَبْنَا النَّاسَ حَتَّى تَتَابَعُوا
ونَحْنُ ولذْنا مِنْ قُرِيشٍ عَظيمَها
يَنْي دارِمٍ لا تَفْخَرُوا إنَّ فَخْرَكُمْ
هَبِلْتُمْ(٧)ْ عَلَيْنَا تَفْخَرون وأَنْتُمُ
فَإِنْ كُنْتُمُ جِْم لِحَقْنٍ دِمَائِكُمْ
فلا تَجْعَلُوا للهِ نِدّاً وَأَسْلِمُوا
ونَضْربُ رأس الأصيدِ المُتَفَاقِمِ
نُغير بنجدٍ أو بأرضِ الأعاجمِ
وجَاهُ المُلوكِ واحْتِمَالُ العَظَائِمِ
عَلى أنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغٍِ
بِجَابَيَةِ الجَوْلان وَسْطَ الأعَاجِمِ
بأسيافِنَا مِنْ كُلّ بَاعٍ وَظَالِمٍ
وَطِنَا لَهُ نَفْساً بفيءِ المَغَانِمِ
عَلَى دِينه بالمُرِهَفَاتِ الصَّوارِمِ
ولَدنا نبيَّ الخَّيْرِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ
يَعُودُ وَيَالاً عِنْدَ ذِكْرِ المَكَارِمِ
لَنا خَوَلٌ من بَيْن(٨) ظِئْرٍ وَخَادِمِ
وَأَمْوالِكُم أن تُقْسَمُوا في المقاسمِ
وَلا تَلْبَسُوا زِياً كزيِّ الأعاجِمِ
قال ابن إسحاق : فلما فرغ حسان بن ثابت من قوله ، قال الأقرع بن حابس : وأبي إن هذا الرجل
لَمُؤَنَّى (٩) له ، لَخطيبُهُ أخطبُ من خطيبنا ، ولَشاعرُه أشعرُ من شاعرنا ، ولأصواتُهم أعلى من أصواتنا .
قال : فلما فرغ القوم أسلموا وجَوَّزَهم رسول الله ◌َلّ فأحسن جوائزهم .
وكان عمرو بن الأهتم قد خلّفه القوم في رحالهم وكان أصغرَهم سِناً ، فقال قيس بن عاصم - وكان
يبغض عمرو بن الأهتم - يا رسول الله إنه كان رجل منَّا في رحالنا وهو غلام حدَث ، وأزرى به ، فأعطاه
(١) المعلمين : الذين يضعون علامة ليعرفوا بها في القتال.
(٢) المرباع : ما يأخذه الرئيس ، وهو ربع الغنيمة ( اللسان : ربع).
(٣) الديوان (١٠٩/١).
(٤) حريد : منفرد لعزته ( القاموس : حرد) .
(٥) في سيرة ابن هشام ((أصله وذِماره)).
(٦) في سيرة ابن هشام: ((لما حلّ وسط ديارنا)) وفي الديوان: ((لما حل وسط رحالنا)).
(٧)
هَبِل فلان : فقد عقله وتمييزه . المعجم الوسيط ( هبل ) .
(٨) في الديوان وسيرة ابن هشام: ((ما بين)).
(٩) أتَّى الشيء: هيأه وسهله. المعجم الوسيط (أتّى ).

١٤
كتاب الوفود
رسول الله وَّل﴿ مثل ما أعطى القومَ. فقال عمرو بن الأهتم حين بلغه أن قيساً قال ذلك يهجوه(١): [البسيط ]
ظَلِلْتَ مُفْتَرِشَ الهَلْبَاءِ تَشْتِمُني عِنْدَ الرَّسُولِ فَلَمْ تَصْدُقْ وَلَمْ تُصِبِ
سُدْنَاكُمُ سُؤْدُداً رَهْوا٢) وَسُؤْدُدُكُمْ بَادٍ نَوَاجِذُهُ مُفْعٍ على الذَّنبِ
وقد روى الحافظ البيهقي(٣) من طريق يعقوب بن سفيان ، حدّثنا سليمان بن حرب ، حدّثنا حماد بن
زيد ، عن محمد بن الزبير الحنظلي (٤) ، قال :
قدم على رسول الله وَ ﴿ الزَّبْرقان بن بَدْرٍ، وقَيْسُ بنُ عاصم، وعَمْرو بن الأَهْتم . فقال لعمرو بن
الأهتم : أخبرني عن الزِّبرقان ، فأما هذا فلستُ أسألكَ عنه . وأَراه كان قد عرف قيساً . قال : فقال :
مطاع في أذْنَيَّه ، شديد العارضة ، مانع لما وراء ظهره . فقال الزِّبرقان : قد قال ما قال ، وهو يعلمُ أنّي
أفضلُ مما قال. قال : فقال عمرو: والله ما علمتك إلا زَمِرُ(٥) المُروءة، ضَيِّقَ العَطَنْ(٦) ، أحمقَ الأب،
لئيمَ الخال ، ثم قال : يا رسولَ الله ، قد صدقتُ فيهما جميعاً ، أرضاني فقلت بأحسن ما أعلم فيه ،
وأسخطني فقلت بأسوأ ما أعلم. قال: فقال رسول الله وَّهُ: ((إنَّ من البيانِ سحراً)(٧) وهذا مرسل من
هذا الوجه .
قال البيهقي(٨): وقد رُوي من وجهٍ آخرَ موصولاً، أخبرنا أبو جعفر كامل بن أحمد المُسْتَملي ،
حدّثنا محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن عثمان البغدادي (٩) ، حدّثنا محمد بن عبد الله بن الحسن
العلاف ببغداد ، حدّثنا عليّ بن حَرْبِ الطّائي، أنبأنا أبو سَعْدٍ الهيثمُ بن مَحْفوظٍ ، عن أبي المُقَوِّم
يحيى بن يزيد الأنصاري ، عن الحكم [ بن عتيبة ١٠٣) ، عن مِقْسَم ، عن ابن عباس . قال: جلس إلى
(١) البيتان ثلاثة في ديوان عمرو بن الأهتم - الرسالة - (٨١ - ٨٢) برواية أخرى مختلفة وبخاصة في البيت الثاني ،
وهما في السيرة النبوية ( ٢/ ٥٦٧ ) .
أي متتابعةً ، غارة رهو : متتابعة أيضاً، وجاءت الخيل رهواً : متتابعة لينة . المعجم الوسيط ( رهو ) .
(٢)
(٣)
دلائل النبوة للبيهقي ( ٣١٦/٥).
محمد بن الزبير الحنظلي ، متروك ، وهو تابعي يروي عن أبيه وعن الحسن البصري وغيرهما ، والذي يرويه غرائب
(٤)
وأفراد .
(٥) في أو ط ((زَبِر)) وهو تصحيف وما أثبتناه من دلائل النبوة. وفي القاموس (زمر): (والزَّمِرُ ككتف : القليل
المروءة ) .
العطن : مكان الإبل ( القاموس : عطن ) .
(٦)
وهو مرسل كما قال المصنف رحمه الله .
(٧)
دلائل النبوة ( ٣١٧/٥) .
(٨)
(٩) في آعثمان بن البغدادي وما أوردناه من ط ودلائل النبوة .
(١٠) الزيادة من دلائل النبوة .

١٥
كتاب الوفود
رسول الله وَّلَه قيسُ بن عاصم، والزِّبرقان بن بدر، وعَمْرو بن الأَهْتَم التميميون، ففخر الزبرقان فقال:
يا رسول الله، أنا سيّد تميم، والمُطاعُ فيهم والمجاب ، أمنعُهُمْ من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم ، وهذا
يعلم ذلك - يعني عمرو بن الأهتم - قال عمرو بن الأهتم : إنه الشديدُ العارضة ، مانعٌ لجانبه ، مطاعٌ في
أدنيه . فقال الزبرقان: والله يا رسول الله لقد علم مني غير ما قال، وما منعه أن يَتَكَلّم إلا الحَسَدُ . فقال
عَمْرو بن الأهتم : أنا أحسدك ! فواللهِ إنّكَ للئيمُ الخالِ ، حديثُ المال ، أحمقُ الوالد ، مُضيَّع في
العَشيرة ، والله يا رسولَ الله ، لقد صدقتُ فيما قلتُ أولًا، وما كذبتُ فيما قلت آخراً ، ولكني رجل ، إذا
رضيتُ قلتُ أحسنَ ما عَلِمت ، وإذا غضبتُ قلتُ أقبحَ ما وجدتُ ، ولقد صدقتُ في الأولى والأخرى
جميعاً. فقال رسول الله بَلير: ((إن من البيان سحراً)) وهذا إسناد غريب جدا١ً).
وقد ذكر الواقدي سبب قدومهم ، وهو أنه كانوا قد شهروا السِّلاحَ على خُزاعة فبعث إليهم رسولُ الله
وَلّ عيينة بن بدر في خمسين، ليس فيهم أنصاريّ ولا مهاجريّ. فأسر منهم أحدَ عشرَ رجلاً وإحدى عشرةَ
امرأة وثلاثين صبياً ، فقدم رؤساؤهم بسبب أَسرائهم ، ويقال : قدم منهم تسعون أو ثمانون رجلاً في
ذلك ، منهم عطارد ، والزِّبرقان ، وقيس بن عاصم ، وقيس بن الحارث ، ونعيم بن سعد ، والأقرعُ بن
حابس ورياحُ(٢) بن الحارث، وعمرو بن الأهتم، فدخلوا المسجد وقد أذَّن بلالُ الظهرَ ، والناس
ينتظرون رسول الله وَّةٍ ليخرج إليهم ، فعجّل هؤلاء، فنادوه من وراء الحُجُرات ، فنزل فيهم ما نزل .
ثم ذكر الواقدي خطيبهم وشاعرهم ، وأنه عليه الصلاة والسلام أجازهم على كل رجل اثنتي عشرة
أوقية ونشأ٣) إلا عمرو بن الأهتم ، فإنما أعطي خمسة أواق لحداثة سنه ، والله أعلم .
قال ابن إسحاق(٤): ونزل فيهم من القرآن قوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُزَتِ أَكْثَرُهُمْ
لَا يَعْقِلُونَ ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُواْ حَتَّى تَّخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرَ لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [ الحجرات: ٤ -٥].
قال ابن جرير(٥): حدّثنا أبو عَمّار الحسين بن حُرَيْث المروزي(٦) ، حدّثنا الفضل بن موسى ، عن
(١) وقد ثبت حديث ( إن من البيان لسحراً) بغير هذا السياق . فقد رواه البخاري (٥٧٦٧) في الطب ، ومالك في
(«الموطأ)) (٩٨٦/٢) في الكلام، باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وأبو داود رقم (٥٠٠٧) في الأدب ،
والترمذي رقم (٢٠٢٨) في البر . من حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، ورواه مسلم رقم
(٨٦٩) في الجمعة ، باب تخفيف الصلاة والخطبة من حديث أبي وائل، ورواه الترمذي رقم (٢٨٤٥) في
الأدب ، وأبو داود رقم (٥٠١١ ) في الأدب من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما .
(٢)
في الأصول : رباح ، وانظر الإصابة ( ٥٢٣/٥) .
(٣)
النشُّ: نصف أوقية ، عشرون درهماً . ( القاموس : نشّ ) .
(٥) تفسير الطبري (٢٦/ ١٢١).
(٤)
انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٥٦٧) .
(٦) في الطبري: ((حدّثنا أبو عمار المروزي والحسن بن الحارث قالا .. )).

١٦
حديث في فضل بني تميم - وفد بني عبد القيس
الحسين بن واقد ، عن أبي إسحاق، عن البراء في قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ الْمُجُرَّتِ﴾. قال :
جاء رجل إلى رسول الله وَلَ فقال: يا محمد إنّ حَمْدي زَيْنٌ، وذمّي شَيْرٌ. فقال: (( ذاك الله
عزَّ وجلَّ )) .
وهذا إسناد جيد متصل .
وقد روي عن الحسن البصري وقتادة مرسلاً عنهما .
وقد وقع تسمية هذا الرجل ، فقال الإمام أحمد(١): حدّثنا عفان، حدّثنا وُهَيْب ، حدّثنا موسى بن
عقبة ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن الأقرع بن حابس، أنه نادى رسول الله مَّر فقال: يا محمد
يا محمد ، وفي رواية يا رسول الله، فلم يجبه . فقال : يا رسول الله، إن حمدي لزَيْنٌ ، وإن ذَمّي
لشَيْرٌ. فقال: ((ذاك الله عزَّ وجلَّ)) .
حديثٌ في فَضْلٍ بني تَمِيمٍ
قال البخاري(٢): حدّثنا زهير بن حرب، حدّثنا جرير، عن عُمارة بن القعقاع، عن أبي زُرعة ، عن
أبي هريرة. قال: لا أزال أحبّ بني تميم بعد ثلاثٍ سمعتُهنّ من رسول اللهِوَلَّ يقولها فيهم: (( هم أشَدُّ
أُمّتي على الدّجّال))، وكانت فيهم سبيّة عند عائشة فقال: ((أعتقيها فإنّها من ولد إسماعيل))، وجاءت
صدقاتُهم فقال: (( هذه صدقاتُ قوم - أو قومي - )).
وهكذا رواه مسلم(٣) ، عن زهير بن حرب .
وهذا الحديث يردُّ على ما ذكره صاحب الحماسة وغيره من شعر من ذمهم حيث يقول : [ من الطويل ]
تَمِيمٌ بطُرقِ الُّلؤْمِ أهْدَى مِنَ القَطَا وَلَوْ سَلَكَتْ طُرْقَ الرَّشَادِ لَضَلتِ
رَأَتْهُ تَمِيمٌ مِنْ بَعِيدٍ لَوَلَّتِ
وَلَوْ أَنَّ بُرْغُوثاً عَلَى ظَهْرٍ قَمْلَةٍ
وقْدُ بَنِي عَبْدِ القَيْسِ
ثم قال البخاري(٤) بعد وفد بني تميم : باب وفد عبد القيس . حدّثنا إسحاق(٥) ، حدّثنا أبو عامر
مسند الإمام أحمد (٤٨٨/٣)، (٣٩٣/٦)، وإسناده ضعيف، لانقطاعه أبو سلمة لم يثبت سماعه من الأقرع.
(١)
(٢)
صحيح البخاري رقم ( ٤٣٦٦) .
(٣)
صحيح مسلم رقم ( ٢٥٢٥) في فضائل الصحابة .
صحيح البخاري ( ٤٣٦٨) وانظر طبقات ابن سعد (٣١٤/١ _ ٣١٥).
(٤)
في أوط ((أبو إسحاق)) وأثبتنا ما في البخاري وانظر تهذيب الكمال (٣٧٣/٢).
(٥)

١٧
وفد بني عبد القيس
العَقَدي، حدّثنا قُرَّة، عن أبي جمرة(١)، قال: قلت لابن عباس: إن لي جَرَّةً يُنْتَبَذُ لي فيها [ نبيذ (٢)
فأشربه حلواً في جَرٍّ ، إن أكثرت منه فجالست القوم فأطلت الجلوس خشيت أن أفتضح . فقال : قدم وفد
عبد القيس على رسول الله وَليل فقال: ((مرحباً بالقوم غير خزايا ولا الندامى)) فقال: يا رسول الله، إن
بيننا وبينك المشركين من مُضَر، وإنا لا نصل إليك إلا في الشهر الحرام(٣)، فحَدِّثْنا بجُمَلُ(٤) من الأمر إن
عملنا به دخلنا الجنة، وندعو به من وراءنا. قال: ((آمُرُكم بأربعٍ ، وأَنْهاكم عن أربعٍ : الإيمانُ بالله ، هل
تدرون ما الإيمانُ بالله ؟ شهادةُ أن لا إله إلا الله، وإقامُ الصلاة ، وإيتاءُ الزكاة ، وصومُ رمضانَ ، وأن
تُعْطوا من المَغانِمِ الخُمُسَ، وأنهاكُمْ عن أربعٍ ، ما يُتَبَذُ في الدَُّاء والنَّقير والحَنْتَم والمُزَفَّت (٥) .
وهكذا رواه مسلمٌ(٦) من حديث قُرّة بن خالدٍ ، عن أبي جَمْرة به ، وله طرقٌ في الصحيحين عن أبي جمرة(٧) .
وقال أبو داود الطيالسي(٨) في ((مسنده)): حدّثنا شعبة عن أبي جَمرَة، سمعت ابن عباس يقول: إنّ
وفدَ عبد القيس لما قدم على رسول الله وسلم قال: ((ممن القوم؟)) قالوا: من ربيعة. قال: ((مَرْحباً
بالوَفْدِ غيرِ الخَزايا ولا النَّدامى)) . فقالوا: يا رسول الله: إنّ حيٌّ من ربيعة، وإنّا نأتيك من شُقَّة بعيدةٍ ،
وإنّه يحولُ بيننا وبينَكَ هذا الحيّ من كُفّار مُضَرَ ، وإنا لا نَصل إليك إلا في شهر حرام، فمُرْنا بأمرٍ فَضْلٍ
ندعو إليه مَنْ وَراءنَا، وندخلُ به الجنة. فقال رسول الله وَّل: ((آمركم بأربعٍ، وأنهاكم عن أربعٍ: آمركم
بالإيمان بالله وحده ، أتدرون ما الإيمان بالله ؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام
الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وأن تُعْطوا من المغانم الخُمُسَ . وأنهاكم عن أربع : عن الدُّباء
والحَنْتَم والنَّقير والمُزَفَّت - وربما قال والمُقَيَّر - فاحفظوهن، وادعوا إليهن من وراءكم (٩).
في أ، ط : ( حمرة) وهو تحريف انظر تهذيب الكمال (٣٦٢/٢٩).
(١)
(٢)
الزيادة من البخاري .
(٣)
في البخاري: ((في أشهر الحرم)).
(٤)
في المطبوعة : ( بجميل ) تحريف .
الدباء : القرع واحدها دباءة ، كانوا ينتبذون فيها فتسرع الشدة في الشراب ( النهاية : دبب ).
النقير : أصل النخلة ينقر في وسطه ثم ينتبذ فيه التمر ويلقى عليه الماء ليصير نبيذاً مسكراً ( النهاية : نقر).
الحنتم : جرار مدهونة خضر كانت تحمل الخمر فيها إلى المدينة ( النهاية : حنتم ) .
المزفت : الإناء الذي طلي بالزفت ، وهو نوع من القار ، ثم انتبذ فيه ( النهاية : زَفْت ) .
(٦)
في المطبوعة : ( حمزة ) تحريف انظر تهذيب الكمال (٣٦٢/٢٩).
(٧)
مسند الطيالسي (٢٧٤٧) برواية ( غير خزايا ولا ندامى ) .
(٨)
(٥)
صحيح مسلم رقم ١٧ باب الأمر بالإيمان بالله تعالى .
(٩) قال بشار : النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية قد نسخ ، فقد ثبتت الرخصة في الانتباذ في كل وعاء مع النهي عن شرب
كل مسكر ( ينظر كتاب الأشربة في صحيح البخاري، باب ترخيص النبي وَ ير في الأوعية والظروف بعد النهي) . انظر
البخاري رقم (٥٥٩٢ - ٥٥٩٥) وشرحه في فتح البخاري .

١٨
وفد بني عبد القيس
وقد أخرجه صاحبا الصحيحين من حديث شعبة بنحوه(١) .
وقد رواه مسلم(٢) من حديث سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة ، عن أبي نَضْرَة ، عن أبي سعيد ،
بحديث قِصَّتِهم بمثل هذا السياق .
وعنده أن رسول الله وَ ل ◌َ قال لأشجِّ عبد القيس: ((إن فيك لَخَلَّتين يحبهما الله عزَّ وجلَّ: الحِلْمُ
والأناةُ )).
وفي روايةٌ(٣): (( يحبُّهُما الله ورسولُه)) . فقال: يا رسول الله، تَخَلَّقْتُهُمَا أم جَبَلَني اللهُ عليهما؟
فقال: ((بل جَبَلَكَ اللهُ عليهما)). فقال: الحمدُ لله الذي جَبَلني على خُلُقَيْن يُحِبُّهما اللهُ ورسولُه .
وقال الإمام أحمد(٤) : حدّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدّثنا مطر بن عبد الرحمن ، سمعت هند
بنت الوازع أنها سمعت الوازع يقول: أتيتُ رسولَ الله وَلَّهِ والأشجُّ المنذرُ بن عامر - أو عامر بن المنذر -
ومعهم رجلٌ مصابٌ فانْتَهَوْا إلى رسول الله وَّرَ، فلما رأوا رسول الله بَ لٍ وَ ثَبوا من رواحلهم، فأتَوْا رسولَ الله
وَ﴿ فَقبَّلوا يَدَهُ، ثم نزل الأشجّ، فَعَقَلَ راحلَتَه وأخرجَ عَيْبَتَه(٥) ففتحها، فأخرج ثوبين أبيضين من ثيابه
فلبسهما ، ثم أتى رواحلهم فعقلها، فأتى رسولَ الله ◌َله فقال: ((يا أشَجُّ إنّ فيكَ خَصْلَتَيْن يُحبُّهما اللهُ
عزَّ وجلَّ ورسولُهُ ؛ ، الحِلْمُ والأَنَاةُ)) فقال: يا رسول الله، أنا تَخَلَّقْتُهُما. أو، جَبَلَني اللهُ عليهما؟
فقال: ((بل اللهُ جَبَلَكَ عليهما)). قال: الحمدُ لله الذي جَبَلَني على خُلُقَيْن يُحِبُّهُما الله عزَّ وجلَّ ورسولُه.
فقال الوازع: يا رسول الله، إنَّ معي خالًا لي مصاباً، فادع الله له، فقال: (( أين هو ؟! ائتني به)).
قال : فصنعت مثل ما صنع الأشج ، ألبستُهُ ثَوْبَيْه، وأتيتُه، فأخذ [ طائفة (٦) من ردائه يرفعُها حتّى رأينا
بياضَ إبطه، ثم ضربَ بظهره فقال: ((اخرج عدو الله)) فولَّى وجهَه، وهو ينظُر بنَظَرِ رَجُلٍ صَحيح .
وروى الحافظ البيهقي(٧) من طريق هود بن عبد الله بن سعد، أنه سمع جده مَزِيدَة العصريُ(٨)
قال :
(١) حديث شعبة أخرجه البخاري في الإيمان (٥٣)، وفي العلم (٨٧)، ومسلم في الإيمان (١٧) (٢٤) (بشار).
صحيح مسلم رقم ( ١٨) باب الأمر بالإيمان بالله تعالى .
(٢)
(٣)
أخرجه بنحوه البخاري في ((الأدب المفرد)) رقم (٥٨٧) وإسناده ضعيف.
وهو في أطرافه رقم (٧٥١٩) وذكره المصنف أيضاً في ((جامع المسانيد)) رقم (٩٧٥٠) أقول : وإسناده ضعيف
(٤)
لجهالة هند بنت الوازع .
(٥)
العيبة : زبيل - أي وعاء - من أدم ، وما يجعل فيه الثياب (القاموس : عيب) .
(٦)
في المطبوعة : ( فأخذ من ورائه ) والتصحيح والزيادة عن مجمع الزوائد .
دلائل النبوة للبيهقي (٣٢٧/٥)، وإسناده ضعيف .
(٧)
الإصابة ( ٤٠٦/٣ ) .
(٨)

١٩
وفد بني عبد القيس
بينما رسول الله وَل﴿ يحدث أصحابَه، إذ قال لهم «سيطلع [عليكم ]١) من هاهنا ركبٌ، هم خيرُ
أهلِ المَشْرِق )). فقام عمر فتوجَّهَ نحوهم فلقي(٢) ثلاثة عشر راكباً ، فقال : مَن القومُ؟ فقالوا: من بني
عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد، التجارةُ؟ قالوا: لا. قال: أما إنّ النبيّ وَّ قد ذكركم
آنفاً، فقال خيراً، ثم مَشَوْا معه حتّى أَتَوا النبيَّ وَّر. فقال عمر للقوم : هذا صاحبُكم الذي تُريدون،
فرمى القومُ بأنفسهم عن ركائبهم ، فمنهم من مشى [ إليه](٣)، ومنهم من هَزْوَلَ، ومنهم من سَعى ،
حتى أتَوْا رسولَ الله وَلَ فأخذوا بيده فَقَبَّلوها، وتخلَّف الأشجُّ في الرِّكاب حتى أناخَها، وجمع متاع
القوم ، ثم جاء يَمْشي، حتى أخذَ بيد رسولِ اللهِ ◌َّ فَقَبَّلها، فقال النبيُّ ◌ََّ: ((إن فيك خَلََّيْن يُحبُّهما الله
ورسولُهُ)). قال: جَبْلٌ جُبلْتُ [عليه](٣) أم تخلُّقُ(٣) مني؟ قال: بل جَبْلٌ. فقال : الحمدُ لله الذي
جَبَلني على ما يحبُّ اللهُ ورسولُه .
وقال ابن إسحاق(٤): وقدم على رسول الله وَ ل﴿ الجارُودُ بن عمرو بن حَنَش أخو عبد القيس.
قال ابن هشام : وهو الجارود بن بشر بن المعلى(٥)، في وفد عبد القيس ، وكان نصرانياً .
قال ابن إسحاق: وحدّثني من لا أتَّهم، عن الحسن، قال: لما انتهى إلى رسول الله وَلَ كلَّمه ،
فعرض عليه الإسلام ، ودعاه إليه ، ورغبه فيه ، فقال : يا محمد ، إنّي كنتُ على دِينٍ ، وإنّي تاركٌ دِيني
لدينك، أفتضمن لي ديني؟ فقال رسول الله وَ له: ((نعم أنا ضامنٌ أن قد هَدَاكَ اللهُ، إلى ما هو خيرٌ منه))
قال: فأسلم وأسلم أصحابه ، ثم سأل رسولَ الله وَّرَ الحُمْلانَ فقال: (( والله ما عندي ما أحملُكم
عليه )). قال: يا رسول الله إنَّ بيننا وبين بلادنا ضَوالَّ من ضَوالِّ الناس، أَفَنتَبلَّغُ عليها إلى بلادنا ؟ قال :
لا ، إِيَّاكَ وإيّاها، فإنما تلك حَرَقُ النار . قال: فخرج الجارود راجعاً إلى قومه ، وكان حسنَ الإسلام ،
صُلباً على دينه حتى هلكَ ، وقد أدركَ الرِّدَّةَ .
فلما رجع مِنْ قومه مَنْ كانَ أسلمَ منهم إلى دينهم الأول مع الغَرُور بن المنذر بن النعمان بن المنذر ،
قام الجارود فتشهَّدَ شهادةَ الحق ودعا إلى الإسلام فقال : أيُّها الناسُ إنّي أشهدُ أن لا إله إلا الله ، وأن
محمداً عبدهُ ورسولُه ، وأكفِّر من لم يشهد .
وقد كان رسول الله وَلي بعثَ العلاء بن الحَضْرَميّ قبل فتح مكة إلى المنذر بن ساوَى العَبْدي ، فأسلم
(١) الزيادة من دلائل النبوة للبيهقي.
(٢) في المطبوعة: ( فتلقى ).
(٣)
في المطبوعة ( تخلقاً ) .
(٤) سيرة ابن هشام (٢/ ٥٧٥) - وما بعدها ، وفيه جهالة وإرسال.
(٥) الإصابة (٢١٦/١).

٢٠
قصة ثمامة ووفد بني حنيفة
فحسنَ إسلامُه، ثم هلكَ بعدَ رسولِ الله وَّه قبل رِدّة أهل البحرين، والعلاءُ عندَه أميراً لرسول الله وَ له على
البحرين .
ولهذا روى البخاري(١) من حديث إبراهيم بن طَهْمان عن أبي جَمْرَة(٢) عن ابن عباس. قال: [إنّ ]٣) أول
جمعة جُمِّعت [ بعد جمعة جمعت](٣) في مسجد رسول الله وَّر في مسجد عبد القيس بجُوائى من البحرين.
وروى البخاري(٤) عن أم سلمة: أن رسول الله وَّي أَخَّر الركعتين بعد الظهر بسبب وفد عبد القيس،
حتى صلاّهما بعد العصر في بيتها .
قلت : لكن في سياق ابن عباس ما يدلّ على أنَّ قدومَ وفد عبد القيس كانَ قبلَ فتح مكة ، لقولهم
وبيننا وبينك هذا الحيّ من مُضَر ، لا نصل إليك إلا في شهر حرام، والله أعلم .
قصة ثُمامة ووفد بني حنيفة ومنهم(٥) مسيلمة الكذاب
قال البخاري(٦) باب وفد بني حنيفة وقصة ثمامة بن أُثَال: حدّثنا عبد الله بن يوسف ، حدّثنا الليث بن
سعد، حدّثني سعيد بن أبي سعيد [ أنّه (٧) سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعث النبي ◌َّ خيلاً قِبَل
نجد ، فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثُمامة بن أثالٍ ، فربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج
إليه النبيّ وَلَه فقال: ((ما عندك يا ثُمامةً؟ )) قال: عندي خيرٌ يا محمد، إن تَقْتُلْني تَقْتُلْ ذا دمٍ، وإن تُنْعِم
تُنْعِمْ على شاكر ، وإن كنتَ تُريد المالَ فَسَلْ منه ما شئتَ . فتركَه حتّى كان الغد، ثم قال له: (( ما عندك
يا ثمامةُ)). فقال: عندي ما قلتُ لك، إن تُنْعِمْ تُنْعمْ على شاكرٍ، فتركَه حتى [ كان] (٧) بعد الغد فقال :
(( ما عندك يا ثمامةُ؟ )) فقال: عندي ما قلتُ لكَ. فقال: ((أطلقوا ثمامة))، فانطلق إلى نَجْلٍ(٨) قريب
من المسجد فاغتسل ، ثم دخل المسجد . فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ،
يا محمد، والله ما كان على وجه الأرض وجهٌ أبغضَ إليّ من وجهك، فقد أصبحَ وجهُكَ أحبَّ الوجوه
إلي، والله ما كان [ من ](٩) دين أبغض إليَّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ إليّ ، والله ما كان من بلد
(١) صحيح البخاري رقم (٨٩٢) في الجمعة .
في المطبوعة : ( حمزة ) تحريف . وقد تقدم .
(٢)
(٣) ساقطة من أو ط .
صحيح البخاري ( ٤٣٧٠ ).
(٤)
(٥)
في ط ومعهم .
صحيح البخاري رقم (٤٣٧٢) في المغازي باب وفد بني حنيفة. وانظر طبقات ابن سعد (٣١٦/١ - ٣١٧).
(٦)
الزيادة من صحيح البخاري .
(٧)
النّجْل : الماء السائل (القاموس: نجل) وفي هامش صحيح البخاري: ((وفي نسخة نخل)). وكذا في أوط.
(٨)
(٩) الزيادة من صحيح البخاري .