النص المفهرس
صفحات 641-660
٦٤١
ذكر عمرة الجعرانة
نزل الجِعْرَانة فقسم بها الغنائم ، ثم اعتمر منها ، وذلك لليلتين بقيتا من شوالٍ ، فإنه غريبٌ جداً ، وفي
إسناده نظرٌ ، والله أعلم .
وقال البخاريٌّ(١): ثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا إسماعيل، ثنا ابن جُريجٍ ، أخبرني عطاءٌ أن صفوان بن
يعلى بن أُمية أخبره أن يعلى كان يقول: ليتني أرى رسول الله وَ ل و حين يُنزل عليه . قال : فبينا رسول الله
وَ بالجِعْرَانة وعليه ثوبٌ قد أَظلَّ به ، معه فيه ناسٌ من أصحابه، إذ جاءه أعرابيّ عليه جبَّةٌ متضمّخٌ
بطيبٍ ، فقال : [ يا رسول الله، كيف ترى في رجلٍ أحرم بعمرةٍ في جبَّةٍ بعدما تضمَّخ بالطيب ؟ ] فأشار
عمر بن الخطاب إلى يعلى بيده أن تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا النبيُّ وَّ محمرُ الوجه يغطُّ كذلك
ساعةً، ثم سُرِّي عنه، فقال: (( أين الذى يسألني عن العمرة آنفاً؟)) فالتمس الرجل فأتي به ، قال: (( أما
الطِّيب الذي بك فاغسله ثلاث مراتٍ، وأمَّ الجبّة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك كما تصنع في حجِّك )) .
ورواه مسلم(٢) من حديث ابن جريج ، وأخرجاه(٣) من وجهٍ آخر ، عن عطاءٍ ، كلاهما عن صفوان بن
يعلى ، عن أبيه به .
وقال الإمام أحمد(٤): ثنا أبو أسامة، أنا هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة قالت: دخل رسول الله وَله
"عام الفتح من كَداءٍ من أعلى مكّة ، ودخل في العمرة من كُدىّ .
وقال أبو داو(٥) : ثنا موسى أبو سلمة، ثنا حَمَّادٌ ، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن سعيد بن
جبيرٍ، عن ابن عباسٍ ، أن رسول الله وَ ر وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً ومشوا
أربعاً ، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ، ثم قذفوها على عواتقهم اليسرى . تفرد به أبو داود .
ورواه أيضاً ابن ماجه(٦) من حديث ابن خثيمٍ ، عن أبي الطُّفيل ، عن ابن عباسٍ مختصراً .
وقال الإمام أحمد (٧) : ثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن جريجٍ ، حدَّثني حسن بن مسلمٍ ، عن طاوسٍ ،
أن ابن عباسٍ أخبره أن معاوية أخبره قال: قصَّرت عن رسول الله وَّ بمِشقصٍ أو قال: رأيته يقصّر عنه
بمشقصٍ عند المروة .
(١) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٢٩) .
(٢)
في « صحيحه » رقم (١١٨٠).
(٣) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (١٧٨٩)ة (١٨٤٧) و(٤٩٨٥)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (١١٨٠).
رواه أحمد في (( المسند)) (٢٠١/٦ و٢٠٢) وهو عند البخاري رقم (١٥٧٨) ومسلم رقم (١١٨٠) (٦) و(٧)
(٤)
و(٩) و(١٠).
(٥)
رواه أبو داود رقم (١٨٨٤ ) ، وهو حديث صحيح .
(٦) رواه أبو داود رقم (١٨٩٠) وابن ماجه رقم (٢٩٥٣) ، وهو حديث صحيح .
(٧) رواه أحمد في ((المسند)) (٩٨/٤).
٦٤٢
ذكر عمرة الجعرانة
وقد أخرجاه في (( الصحيحين )( ١) من حديث ابن جريجٍ به .
ورواه مسلمٌ(٢) أيضاً من حديث سفيان بن عيينة، عن هشام بن حُجيرٍ ، عن طاوسٍ ، عن ابن
عباسٍ ، عن معاوية به .
ورواه أبو داود ، والنسائيُّ(٣) أيضاً من حديث عبد الرزاق ، عن معمرٍ ، عن ابن طاوسٍ ، عن أبيه به .
وقال عبد الله بن الإمام أحمد(٤) : حدَّثني عمرو بن محمدٍ الناقد ، ثنا أبو أحمد الزُّبيريُّ ، ثنا سفيان ،
عن جعفر بن محمدٍ ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، عن معاوية قال: قصَّرتُ عن رأس رسول الله،وَله عند
المروة .
والمقصود أن هذا إنما يتوجَّه أن يكون في عمرة الجِعْرَانة، وذلك أن عُمْرَة الحُديبية لم يدخل إلى مكة
فيها ، بل صُدَّ عنها كما تقدم بيانه ، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ، ولم يبق بمكة من أهلها
أحدٌ حين دخل رسول الله وَ له، بل خرجوا منها، وتغيّبوا عنها مدة مقامه بَّه بها تلك الثلاثة الأيام،
وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلَّل منها بالاتفاق . فتعيَّن أن هذا التقصير الذى تعاطاه معاوية بن
أبي سفيان، رضي الله عنهما، من رأس رسول الله وَ ل عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا،
والله تعالى أعلم
.
وقال محمد بن إسحاق(٥)، رحمه الله: ثم خرج رسول الله وَ لّ من الجِعْرَانة معتمراً ، وأمر ببقايا
الفيء فحبس بمجنَّةَ بناحية مرِّ الظّهران .
قلت: الظَّاهر أنه وَلّ إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكَّة
والمدينة .
قال ابن إسحاق(٦): فلمَّا فرغ رسول الله من عمرته انصرف راجعاً إلى المدينة ، واستخلف عتَّاب بن
أَسيدٍ على مكة ، وخلَّف معه معاذ بن جبلٍ يفقِّه الناس في الدين ، ويعلِّمهم القرآن .
وذكر عروة ، وموسى بن عقبة(٧) أن رسول الله وَثير خلَّف معاذاً مع عتَّابٍ بمكة قبل خروجه إلى
هوازن ، ثم خلَّفهما بها حين رجع إلى المدينة .
(١) رواه البخاري رقم (١٧٣٠) مختصراً، ومسلم رقم (١٢٤٦ ) بنحوه .
(٢) رواه مسلم رقم (١٢٤٦) (٢٠٩).
(٣) رواه أبو داود رقم (١٨٠٣) والنسائي رقم (٢٩٨٨).
(٤) وهو في ((المسند)) (٩٧/٤) وانظر ((أطراف المسند)) (٣٤٠/٥)، وهو حديث صحيح.
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٠٠).
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٠٠).
(٧) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٠١/٥) .
٦٤٣
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه
وقال ابن هشامُ(١): وبلغني عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل رسول الله ﴿ ﴿ عتَّاب بن أَسيدٍ على
مكة رزقه كلَّ يوم درهماً ، فقام فخطب الناس فقال : أيها الناس ، أجاع الله كبد من جاع على درهمٍ ، فقد
رزقني رسول الله وٌَّ(٢) درهماً كلَّ يومٍ ، فليست بي حاجةٌ إلى أحدٍ .
قال ابن إسحاق: وكانت عمرة رسول الله ◌ّله في ذي القعدة، وقدم المدينة في بقية ذي القعدة ، أو
في أول ذي الحجّة .
قال ابن هشامٍ : قدمها لستِّ بقين من ذي القعدة . فيما قال أبو عمروٍ المدينيُّ .
قال ابن إسحاق : وحجَّ الناس ذلك العام على ما كانت العرب تحجُّ عليه ، وحجَّ بالمسلمين تلك
السنة عتَّاب بن أَسيدٍ ، وهي سنة ثمانٍ . قال: وأقام أهل الطائف على شِركهم وامتناعهم في طائفهم
ما بين ذي القعدة إلى رمضان من سنة تسعٍ .
إسلام كعب بن زهير بن أبي سُلَمى رضي الله عنه ،
وأبوه هو صاحب إحدى المعلّقات السبع ، الشاعر ابن الشاعر ،
وذكر قصيدته التي سمعها رسول الله مَ ثّ وهي : بانت سُعَاد
قال ابن إسحاق(٣): ولما قدم رسول اللهوَ ﴿ من منصرفه عن الطائف كتب بُجَير بن زهير بن أبي سُلمی
إلى أخيه لأبويه كعب بن زهير يخبره أن رسول الله وَ ◌ّ ر قتل رجالاً بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأنَّ من
بقي من شعراء قريشٍ ؛ ابن الزِّبعرى ، وهُبيرة بن أبي وهبٍ ، هربوا في كل وجهٍ ، فإن كانت لك في
نفسك حاجةٌ، فطِر إلى رسول الله وَّه ، فإنه لا يقتل أحداً جاءه تائباً، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائك
من الأرض . وكان كعبٌ قد قال(٤): [من الطويل ]
ألا أبلغا عني بُجَيراً رسالةً
فبيِّن لنا إن كنت لست بفاعل
على خلقٍ لم ألف يوماً أباً له
فإن أنت لم تفعل فلستُ بآسفٍ
فوَيحك ممَّا قلت وَيحك هل لَكَا
على أيِّ شيءٍ غير ذلك دلَّكا
عليه وما تُلفي عليه أباً لكا
ولا قائلٍ إِمَّا عثرت لعاً لكا
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٠٠).
(٢) أي : بمعنى أعطاني.
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٠١/٢).
(٤) الأبيات في (( شرح ديوانه )) ص (٦).
٦٤٤
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سُلمى رضي الله عنه
سقاك بها المأمون كأساً رويَّةً فأنهلك المأمون منها وعلَّكا
قال ابن هشامُ(١) : وأنشدني بعض أهل العلم بالشعر :
من مبلغٌ عني بُجيراً رسالةً فهل لك فيما قلت بالخَيف هل لَكَا
فأنهلك المأمون منها وعلَّكَا
شربت مع المأمون كأساً رويّةً
على أيِّ شيءٍ ويب غيرك دلَّكَا
وخالفت أسباب الهدى واتَّبعته
عليه ولم تدرك عليه أخاً لكًا
على خُلُقٍ لم تلف أمَّاً ولا أباً
ولا قائلٍ إمّا عثرت لعاً لكًا
فإن أنت لم تفعل فلستُ بآسفٍ
قال ابن إسحاق(٢): وبعث بها إلى بُجيرِ، فلما أتت بُجيراً كره أن يكتمها رسول الله وَ ل، فأنشده
إيَّاها، فقال رسول الله وَّل لما سمع: سقاك بها المأمون: ((صَدَقَ وإنه لَكَذُوبٌ، أَنَا المأْمُون)). ولما
سمع: على خلقٍ لم تُلفِ أُمَّاً ولا أباً عليه. قال: ((أجل، لم يلف عليه أباه ولا أمَّه)). قال: ثم كتب
بجيرٌ إلى كعب يقول له : [ من الطويل ]
تلوم عليها باطلاً وهي أَحْزَمُ
مَنْ مبلغ كعباً فهل لك في التي
فتنجو إذا كان النَّجاءُ وتسلمُ
إلى الله لا العُزَّى ولا اللات وحده
من الناس إلا طاهر القلب مسلمُ
لدى يومَ لا ينجو وليس بمفلتٍ
ودين أبي سُلمى عليَّ محرَّمُ
فدين زهيرٍ وهو لا شيء دينه
قال : فلما بلغ كعباً الكتاب ضاقت به الأرض ، وأشفق على نفسه ، وأرجف به من كان في حاضره
من عدوّه، وقالوا: هو مقتولٌ. فلما لم يجد من شيءٍ بدّاً قال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله وَلآل ،
وذكر فيها خوفه وإرجاف الوشاة به من عدوّه ، ثم خرج حتى قدم المدينة فنزل على رجلٍ - كانت بينه وبينه
معرفةٌ - من جُهينة، كما ذُكر لي ، فغدا به إلى رسول الله وَّه في صلاة الصبح، فصلَّى مع رسول الله ◌ِّر ،
ثم أشار له إلى رسول الله وَله، فقال: هذا رسول الله، فقم إليه فاستأمنْه. فذكر لي أنه قام إلى
رسول الله وَّير فجلس إليه، ووضع يده في يده، وكان رسول الله وَ يقول لا يعرفه، فقال: يا رسول الله، إن
كعب بن زهيرٍ قد جاء ليستأمن منك تائباً مسلماً ، فهل أنت قابلٌ منه إن جئتك به؟ فقال رسول الله اَليات :
((نعم)) . فقال : إذاً أنا يا رسول الله كعب بن زهيرٍ .
قال ابن إسحاق(٣) : فحدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنه وثب عليه رجلٌ من الأنصار ، فقال :
انظر (( السيرة النبوية)) (٢/ ٥٠٢ ).
(١)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٠٢).
(٢)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٠٣).
(٣)
٦٤٥
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه
يا رسول الله، دعني وعدوَّ الله أضرب عنقه. فقال رسول الله وَ له: ((دعه عنك، فإنه قد جاء تائباً نازعاً)).
قال : فغضب كعب بن زهيرٍ على هذا الحيٍّ من الأنصار لما صنع به صاحبهم ؛ وذلك أنه لم يتكلَّم فيه
رجلٌ من المهاجرين إلا بخيرٍ، فقال في قصيدته التي قال حين قدم على رسول الله وَخ (١): [من البسيط ]
بانت سُعَادُ فقلبي اليوم متبولُ
وما سُعاد غَدَاة البين إذا برزت
تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت
شَجَّت بذي شبمٍ من ماء محنيةٍ
تنفي الرياح القذى عنه وأفرطه
فيا لها خلَّةً لو أنَّها صَدَقَتْ
لكنَّها خلَّةٌ قد سيط من دمها
فما تدوم على حالٍ تكون بها
وما تُمسِّك بالعهد الذي زعمت
فلا يغرَّنْك ما منَّت وما وعدت
كانت مواعيدُ عرقوبٍ لها مثلاً
أرجو وآمل أن يعجلنَ في أبدٍ
أمست سُعَادُ بأرضٍ لا يبلِّغها
ولن يبلِّغها إلا عُذافرةٌ
من كل نضَّاخة الذِّفرى إذا عرِقت
ترمي النِّجادَ بعيني مفردٍ لَهقٍ
ضخمٌ مقلَّدها فعمٌ مقيَّدها
حرفٌ أخوها أبوها من مُهَجَّنة
يمشي القُراد عليها ثم يُزلقه
عَيرانةٌ قذفت بالنَّحض عن عُرضٍ
قنواءُ في حرَّتيها للبصير بها
كأنَّ ما فات عينيها ومذبحها
تُمُّ مثل عسيب النخل ذا خُصلٍ
متَيَّمٌ إِثْرَها لم يُفْدَ مكبولُ
إلا أغنُّ غَضِيضُ الطَّرف مكحولُ
كأنَّه مُنهلٌ بالراح معلولُ
صافٍ بأبطحَ أضحى وهو مشمولُ
من صوب غاديةٍ بيضٌ يعاليلُ
بوعدها أو لوَ أَنَّ النُّصْحَ مقبول
فجعٌ وولعٌ وإخلافٌ وتبديلُ
كما تلوَّن في أثوابها الغولُ
إلا كما يُمسك الماء الغرابيلُ
إن الأمانيَّ والأحلام تضليلُ
وما مواعيدها إلا الأباطيلُ
وما لهن إخال الدَّهر تعجيلٌ
إلا العِتاق النَّجيبات المراسيلُ
فيها على الأين إرقالٌ وتبغيلُ
عُرضتُها طامس الأعلام مجهولُ
إذا توقَّدت الحِزَّان والميلُ
في خلقها عن بنات الفحل تفضيلُ
وعمُّها خالها قوداء شمليلُ
منها لَبانٌ وأقرابٌ زهاليلُ
مرفقها عن بنات الزَّور مفتولُ
عِتقٌ مبينٌ وفي الخدَّين تسهيلُ
من خطمها ومن اللَّحيين بِرطيلٌ
في غارزٍ لم تخوَّنْه الأحاليلُ
(١) الأبيات في ((شرح ديوانه)) ص (٦ - ٢٥).
٦٤٦
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه
تهوي على يسراتٍ وهى لاهية
[ سمر العجايات يتركن الحصا زِيماً
يوماً يظلُّ به الحرباء مرتبئاً
وقال للقوم حاديهم وقد جعلت
[ كأنَّ أوب ذراعيها وقد عرقت
أوبَ يدَي فاقدٍ شمطاءَ مُعولةٍ
نَّواحةٌ رخوة الضَّبعين ليس لها
تفري اللَّبان بكفَّيها ومدرعها
تسعى الغُواة جنابيها وقولهم
وقال كلُّ صديقٍ كنت آملهُ
فقلت خلوا سبيلي لا أبا لكمُ
كلُّ ابن أنثى وإن طالت سلامته
نَبِّئت أنَّ رسول الله أو عدني
مهلاً هداك الذي أعطاك نافلة الـ
لا تأخذنِّي بأقوال الوشاة ولم
لقد أقوم مقاماً لو يقوم به
لظلَّ تُرعد من وجدٍ بوادره
حتى وضعتُ يميني ما أنازعه
فلهْو أخوف عندي إذا أكلِّمه
من ضيغمٍ بضرَاء الأرض مخدره
يغدو فیلحم ضرغامین عيشهما
إذا يساور قرناً لا يحلُّ له
منه تظلُّ حمير الوحش نافرةٌ
ولا يزال بواديه أخو ثقةٍ
إن الرسول لنورٌ يستضاء به
في عصبةٍ من قريشٍ قال قائلهم
زالوا فما زال أنكاسٌ ولا كشفٌ
يمشون مشي الجمال الزُهر یعصمهم
ذوابلٍ وقعهنَّ الأرض تحليلُ
لم يقِهنَّ رؤوس الأُكم تنغيلُ ]
كأنَّ ضاحيه بالشمس مملولُ
وُرْق الجنادب يركضن الحصا قيلُوا
وقد تلفَّع بالقُور العساقيلُ ]
قامت فجاوبها نُكدّ مثاكيلُ
لما نعى بكرَها الناعون معقولُ
مشقَّقٌ عن تراقيها رعابيلُ
إنّك يا بن أبي سُلمى لمقتولُ
لا أُلُهِينَّك إنَّي عنك مشغولٌ
فكلُّ ما قدَّر الرحمن مفعولٌ
يوماً على آلة حدباء محمولُ
والعفو عند رسول الله مأمولُ
ـقرآن فيه مواعيظٌ وتفصيلُ
أُذنب ولو كثرت فيَّ الأقاويلُ
أرى وأسمع ما قد يسمع الفيلُ
إن لم يكن من رسول الله تنويلٌ
في كفِّ ذي نَقَماتٍ قوله القيلُ
وقيل إنَّك منسوبٌ ومسؤولُ
في بطن عثَّر غِيلٌ دونه غيلُ
لحمٌ من الناس معفورٌ خراديلٌ
أن يترك القِرن إلا وهو مفلولُ
ولا تَمشَّى بواديه الأراجيلُ
مضرَّج البزِّ والدِّرسان مأكولُ
مهنَّدٌ من سيوف الله مسلولُ
ببطن مكة لمَّا اسلموا زُولوا
عند اللقاء ولا ميلٌ معازيلٌ
ضربٌ إذا عزَّد السُّود التَّابيلُ
٦٤٧
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه
من نسج داود في الهيجا سرابيلُ
شُّ العرانين أبطالٌ لَبوسهِمُ
كأنها حَلَق القفعاء مجدولٌ
بيضٌ سوابغ قد شكَّت لها حلقٌ
قوماً وليسوا مجازيعاً إذا نيلوا
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهمُ
وما لهم عن حياض الموت تهليلُ
لا يقع الطَّعن إلا في نحورهمُ
هكذا أورد محمد بن إسحاق هذه القصيدة ، ولم يذكر لها إسناداً .
وقد رواها الحافظ البيهقيُّ في (( دلائل النبوة»(١) بإسنادٍ متصلٍ، فقال: أنا أبو عبد الله الحافظ ، أنا
أبو القاسم عبد الرحمن بن الحسن بن أحمد الأسديُّ بِهِمْدان ، ثنا إبراهيم بن الحسين ، ثنا إبراهيم بن
المنذر الحزاميُّ ، ثنا الحجّاج ابن ذي الرُّقيبة - بن عبد الرحمن - بن كعب بن زهير بن أبي سُلْمى ، عن
أبيه ، عن جدِّه قال : خرج كعبٌ وبجيرٌ ابنا زهيرٍ حتى أتيا أبرق العَزَّاف ، فقال بجيرٌ لكعبٍ : اثبت في هذا
المكان حتى آتي - هذا الرجل - يعني رسول الله وَّل ــ فأستمع ما يقول. فثبت كعبٌ، وخرج بجيرٌ فجاء
رسول الله ◌َّل ، فعرض عليه الإسلام، فبلغ ذلك كعباً فقال: [من الطويل]
على أي شيءٍ ويب غيرك دلَّكا
ألا أبلغا عني بُجيراً رسالةً
عليه ولم تدرك عليه أخاً لكا
على خُلُقٍ لم نلف أمَّاً ولا أباً
وأنهلك المأمون منها وعلَّكا
سقاك أبو بكرٍ بكأسٍ رويَّةٍ
فلما بلغت الأبيات رسول الله وَ ﴿ أَهْدَرَ دمه، وقال: ((مَنْ لَقِي كعباً فليقتله)) . فكتب بذلك بجيرٌ إلى
أخيه، وذكر له أن رسول الله وَ له قد أهدر دمه، ويقول له: النَّجاء وما أراك تنفلت . ثم كتب إليه بعد
ذلك: اعلم أنَّ رسول الله وَ لّه لا يأتيه أحدٌ يشهد أن لا إله إلا الله وأنَّ محمداً رسول الله، إلا قبل ذلك منه
وأسقط ما كان قبل ذلك ، فإذا جاءك كتابي هذا ، فأسلم وأقبل . قال : فأسلم كعبٌ ، وقال قصيدته التي
يمدح فيها رسول الله وَله، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله وَل، ثم دخل المسجد
ورسول الله مع أصحابه كالمائدة بين القوم ، متحلَّقون معه حلقةً خلف حلقةٍ ، يلتفت إلى هؤلاء مرةً
فيحدِّثهم ، وإلى هؤلاء مرةً فيحدِّثهم . قال كعبٌ : فأنخت راحلتي بباب المسجد [ ثم دخلت المسجد ]
فعرفت رسول الله وَ له بالصّفة، فتخطَّيت حتى جلست إليه، فأسلمت وقلت: أشهد أن لا إله إلا الله ،
وأنَّك محمدٌ رسول الله، الأمان يا رسول الله. قال: (( ومن أنت؟)) قلت : كعب بن زهيرٍ . قال :
((الذي يقول)). ثم التَفَتَ رسول الله وَّل [ إلى أبي بكرٍ] فقال: (( كيف قال يا أبا بكرٍ؟)) فأنشده
أبو بكرٍ : [ من الطويل ]
سَقَاكَ أبو بكرٍ بكأسٍ رَويَّةٍ وأنهلك المأمور منها وعلَّكَا
(١) (٢٠٧/٥ -٢٠٩) وما بين الحاصرتين في النقل زيادة منه، وفي إسنادها ضعف.
٦٤٨
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه
قال: يا رسول الله، ما قلتُ هكذا. قال: ((فكيف قلت؟)) قال: قلت: [ من الطويل ]
سقاك أبو بكرٍ بكأسٍ رويَّةٍ وأنهلك المأمونُ منها وعلَّكا
فقال رسول الله وَلَهُ: ((مأمونٌ والله)). ثم أنشده القصيدة كلَّها حتى أتى على آخرها، وهي هذه
القصيدة : [ من البسيط ]
بَانَتْ سُعَاد فقلبي اليوم متبولُ مَتَّيمٌ عندها لم يفد مكبولُ
وقد تقدَّم ما ذكرناه من الرَّمز لما اختلف فيه إنشاد ابن إسحاق والبيهقيِّ، رحمهما الله عزَّ وجلَّ .
وذكر أبو عمر بن عبد البرِّ في كتاب ((الاستيعاب(١) أنَّ كعباً لمَّا انتهى إلى قوله :
إنَّ الرَّسولَ لنورٌ يُسْتَضَاءُ بهِ مهنَّدٌ من سيوف الله مسلولُ
نُّئت أنَّ رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمولُ
قال: فأشار رسول الله وَ له إلى من معه أن اسمعوا.
وقد ذكر ذلك قبله موسى بن عقبة في ((مغازيه (٢) ولله الحمد والمِنَّة .
قلت : ورد في بعض الروايات أنَّ رسول الله ،وَّهِ أعطاه بُرْدَتَهُ حين أنشده القصيدة . وقد نظم ذلك
الصَّرصري٣ّ) في بعض مدائحه .
وهكذا ذكر ذلك الحافظ أبو الحسن بن الأثير في (( الغابة(٤) قال : وهي البُردة التي عند الخلفاء .
قلت : وهذا من الأمور المشهورة جداً ، ولكن لم أر ذلك في شيءٍ من هذه الكتب المشهورة بإسنادٍ
أرتضيه ، فالله أعلم .
وقد روي أنَّ رسول الله وَّيُ قال له - لمَّا قال: بانت سعاد -: ((ومن سعاد؟)) قال : زوجتي
يا رسول الله، قال: ((لم تَبِنْ)) ولكن لم يصحَّ ذلك، وكأنَّه على ذلك توهَّم أنَّ بإسلامه تبين امرأته ،
والظاهر أنَّه إنَّما أراد البينونة الحسِّيَّة لا الحكميَّة ، والله تعالى أعلم .
انظر (( الاستيعاب بمعرفة الأصحاب)) (١٣١٤/٣).
(١)
(٢)
انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢١١/٥).
هو يحيى بن يوسف بن يحيى الصَّرْصري أبو زكريا ، الشيخ العلاَّمة القدوة ، كان إليه المنتهى في معرفة اللغة وحسن
(٣)
الشعر ، وديوانه ومدائحه سائرة . قتله التتار سنة (٦٥٦) حين دخلوا بغداد بعد أن قاومهم وقتل منهم عدداً كبيراً .
انظر ترجمته ومصادرها في (( شذرات الذهب)» (٧/ ٤٩٣ - ٤٩٤) لابن العماد الحنبلي ، بتحقيقي .
(٤) انظر ((أسد الغابة» (٤ / ٤٧٧).
٦٤٩
ذكر إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى رضي الله عنه
قال ابن إسحاق(١): وقال عاصم بن عمر بن قتادة: فلمَّا قال كعبٌ - يعني في قصيدته - : إذا عَرَّد
السود التَّنابيل . وإنَّما يريدنا معشر الأنصار ؛ لما كان صاحبنا صنع به ، وخصّ المهاجرين من قريشٍ
بمدحته ؛ غضبت عليه الأنصار فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار، ويذكر بلاءهم من رسول الله وَل
وموضعهم من اليمن : [ من الكامل ]
من سَرَّه كَرَمُ الحياة فلا يَزَلْ
ورثوا المكارم كابراً عن كابرٍ
المكرِهين السَّمهريَّ بأذرعٍ
والنَّاظرين بأعينٍ محمرَّةٍ
والبائعين نفوسهم لنبيِّهم
والقائدين الناس عن أديانهم
يتطهَّرون يرونه نُسُكاً لهم
دربوا كما دربت ببطن خفيَّةٍ
وإذا حللتَ ليمنعوك إليهمُ
ضربوا عليًّا يوم بدرٍ ضربةً
لو يعلم الأقوام علميَ كلَّه
قومٌ إذا خوت النجوم فإنهم
في مِقْنَبٍ من صالحي الأنصارِ
إنَّ الخيار همُ بنو الأخيارِ
كسوالف الهنديِّ غير قصارٍ
كالجمر غير كليلة الأبصارِ
للموت يوم تَعانقٍ وكرارِ
بالمشرفيِّ وبالقنا الخطَّارِ
بدماء من علقوا من الكفَّارِ
غلب الرِّقاب من الأسود ضواري
أصبحت عند معاقل الأغفار
دَانَتْ لوقعتها جميعِ نزارِ
فيهم لصدَّقني الذين أُماري
للطَّارقين النّازلين مقاري
قال ابن هشام(٢): ويقال: إن رسول الله وَ ل قال له حين أنشده بانت سعاد: (( لولا ذكرت الأنصار
بخيرٍ ، فإنهم لذلك أهلٌ )) . فقال كعبٌ هذه الأبيات ، وهي في قصيدةٍ له .
قال: وبلغني عن عليٍّ بن زيد بن جدعان أن كعب بن زهير أنشد رسول الله وَ الر في المسجد: بانت
سعاد فقلبي اليوم متبول .
وقد رواه الحافظ البيهقيّ(٣) بإسناده المتقدم إلى إبراهيم بن المنذر الحزاميِّ، حدَّثني معن بن
عيسى ، حدَّثني محمد بن عبد الرحمن الأوقص ، عن ابن جدعان ، فذكره ، وهو مرسلٌ .
وقال الشيخ أبو عمر بن عبد البرِّ، رحمه الله، في كتاب (( الاستيعاب في معرفة الأصحاب )(٤) بعد
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ /٥١٤).
(١)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٥/٢) .
(٢)
انظر ((دلائل النبوة)) (٢١١/٥).
(٣)
(٤) (١٣١٣/٣) .
٦٥٠
ذكر ما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمان من الهجرة والوفيات
ما أورد طرفاً من ترجمة كعب بن زهيرٍ إلى أن قال : وقد كان كعب بن زهيرٍ شاعراً مجوّداً كثير الشعر
مقدَّماً في طبقته هو وأخوه بُجيرٌ ، وكعبٌ أشعرهما ، وأبوهما زهيرٌ فوقهما ، ومما يستجاد من شعر
كعب بن زهيرٍ قوله : [ من البسيط ]
سَعْيُ الفتى وهو مخبوءٌ له القدر
لو كنت أَعْجَبُ من شيءٍ لأعجبني
فالنفس واحدةٌ والهمُّ منتشر
یسعی الفتی لأمور ليس يُدرکھا
لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
والمرء ما عاش ممدودٌ له أملٌ
ثم أورد له ابن عبد البرِّ أشعاراً كثيرةً يطول ذكرها ولم يؤرِّخ وفاته ، وكذا لم يؤرِّخها أبو الحسن بن
الأثير في كتاب ((الغابة في معرفة الصحابة(١) ولكن حكى أن أباه توفَّى قبل المبعث بسنةٍ ، فالله أعلم.
وقال السهيلي٢ّ): ومما أجاد فيه كعب بن زهيرٍ قوله يمدح رسول الله مَّل: [من البسيط ]
تجري به النَّاقةُ الأدماء مُعتجراً بالبُرد كالبَدر جلَّى ليلة الظُّلم
ما يعلم الله من دين ومن كرم
ففي عطافيه أو أثناء بُردته
* *
فصل
فيما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمانٍ
والوفيات
فكان في جمادى منها وقعة مؤتة ، وفي رمضان غزوة فتح مكة ، وبعدها في شوالٍ غزوة هوازن
بحُنينٍ ، وبعدها كان حصار الطائف ، ثم كانت عمرة الجِعْرَانة في ذي القعدة ، ثم عاد إلى المدينة في بقية
السنة .
قال الواقديٌ(٣): رجع رسول الله وَّل إلى المدينة لليال بقين من ذي الحجَّة في سفرته هذه.
قال الواقديُّ: وفي هذه السنة بعث رسول الله وَّ عمرو بن العاص إلى جيفرٍ وعمروٍ ابني الجُلَنْدى(٤)
(١) انظر ((أسد الغابة)) (٣٠٤/٧).
(٢)
انظر ((الروض الأنف)) (٧/ ٣٠٤).
انظر ((تاريخ الطبري)» ( ٩٥/٣).
(٣)
(٤) انظر ((إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين)) لابن طولون الدمشقي ص (٩٦ - ١٠٠) بتحقيقي، طبع مؤسسة
الرسالة ببيروت .
٦٥١
ذكر ما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمان من الهجرة والوفيات
من الأزد، وأخذت الجزية من مجوس بلدهما ومن حولها من الأعراب. قال: وفيها تزوج رسول الله بَل
فاطمة بنت الضَّخَّاك بن سفيان الكلابيِّ في ذي القعدة، فاستعادت منه بَّه ، ففارقها ، وقيل : بل خيَّرها
فاختارت الدنيا ففارقها . قال: وفي ذي الحِجَّة منها ولد إبراهيم ابن رسول الله وعليه من مارية القبطية،
فاشتدَّت غيرة أمهات المؤمنين منها حين رزقت ولداً ذكراً، وكانت قابلتها فيه سَلمى مولاة رسول الله وَ له ،
فخرجت إلى أبي رافعٍ فأخبرته فذهب فبشَّر به رسولَ الله ◌ِوَ ي# فأعطاه مملوكاً، ودفعه رسول اللهَ وَّل إلى أم
بردة بنت المنذر بن زيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عديٍّ بن النجار، وزوجها البراء بن أوس بن خالد
ابن الجعد بن عوف بن مبذولٍ. وكانت فيها وفاة من ذكرنا من الشهداء في هذه الوقائع. وقد قدّمنا هدم
خالد بن الوليد البيت الذي كانت العزَّى تعبد فيه بنخلة بين مكة والطائف ، وذلك لخمسٍ بقين من رمضان
منها .
قال الواقديُّ : وفيها كان هدم سُواع الذي كانت تعبده هذيلٌ بُهاطٍ ، هدمه عمرو بن العاص ،
رضي الله عنه ، ولم يجد في خزانته شيئاً. وفيها هُدم مناة بالمشلَّل ، وكانت الأنصار أوسها وخزرجها
يعظمونه ، هدمه سعد بن زيدِ الأشهليُّ ، رضي الله عنه .
وقد ذكرنا من هذا فصلاً مفيداً مبسوطاً في تفسير ((سورة النجم)(١) عند قوله تعالى: ﴿أَفَرَّ يَُّ الَّتَ
وَالْعُزَّىِ وَمَنَوَةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىَ﴾ [ النجم: ٢٠ -١٩].
قلت : وقد ذكر البخاريُّ بعد فتح مكة قصة تخريب خثعم البيت الذي كانت تعبده ويسمُّونه الكعبة
اليمانية مضاهيةً للكعبة التي بمكة ، ويسمُّون التي بمكة الكعبة الشاميَّة ، ولتلك الكعبة اليمانية .
فقال البخاريُّ(٢) : ثنا يوسف بن موسى ، ثنا أبو أسامة، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ ، عن قيسٍ ، عن
جريرٍ قال: قال لي رسول الله وَله: ((ألا تريحني من ذي الخلصة؟)) فقلت: بلى. فانطلقت في خمسين
ومئة فارسٍ من أحمس، وكانوا أصحاب خيلٍ، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي وَّر ،
فضرب يده في صدري حتى رأيت أثر يده على صدري، وقال: ((اللهم ثبّته واجعله هادياً مهدياً)).
قال : فما وقعت عن فرسٍ بعدُ . قال : وكان ذو الخلصة بيتاً باليمن لخثعم وبجيلة ، فيه نصبٌ تعبد ،
يقال له : الكعبة اليمانية . قال : فأتاها فحرَّقها في النار وكسرها . قال : فلما قدم جريرٌ اليمن كان بها
رجلٌ يستقسم بالأزلام ، فقيل له: إن رسول رسول الله وَّ هاهنا، فإن قدر عليك ضرب عنقك . قال :
فبينما هو يضرب بها إذا وقف عليه جرير ، فقال : لَتكسرنَّها وتشهد أن لا إله إلا الله أو لأضربنَّ عنقك.
فكسرها وشهد. ثم بعث جريرٌ رجلاً من أحمس يكنَّى أبا أرطاة إلى النبيِّ بَّهِ يبشره بذلك، قال : فلما
(١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (٧/ ٤٣٠).
(٢) في ((صحيحه)) رقم (٤٣٥٧).
٦٥٢
ذكر ما كان من الحوادث المشهورة في سنة ثمان من الهجرة والوفيات
أتى رسولَ الله لَّه قال: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقِّ ما جئت حتى تركتها كأنها جملٌ أجرب.
قال : فبرَّك رسول الله وَ ◌ّل على خيل أحمس ورجالها خمس مراتٍ.
ورواه مسلمٌ(١) من طرقٍ متعددةٍ ، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ ، عن قيس بن أبي حازمٍ ، عن جرير بن
عبد الله البجليِّ بنحوه .
*
(١) رواه مسلم رقم (٢٤٧٦) ( ١٣٧).
٦٥٣
أحداث سنة ٩ هـ
سنة تسع من الهجرة
ذکر
غزوة تَبُّوكُ(١) في رجبٍ منها
قال الله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ تَجَسُ فَلَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ
قَائِلُواْ الَّذِينَ لَا
هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيَكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ: إِن شَآءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيهُ حَكِيمٌ(
يُؤْمِنُونَ بِلَّهِ وَلَا بِالْيَّوْمِ الْآَخِرِ وَلَا يُحِّمُونَ مَا حََّمَ اَللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ
حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ﴾ [ التوبة: ٢٨ -٢٩] .
روي عن ابن عباسٍ ، ومجاهدٍ ، وعِكْرِمَة ، وسعيد بن جُبيرٍ ، وقتادة ، والضَّخَّاك وغيرهم ، أنه لما
أمر الله تعالى أن يمنع المشركون من قُربان المسجد الحرام في الحجِّ وغيره قالت قريشٌ : لينقطعنَّ عنا
المتاجر والأسواق أيام الحجِّ ، وليذهبنَّ ما كنا نُصيب منها ، فعوَّضهم الله عن ذلك بالأمر بقتال أهل
الكتاب حتى يُسلموا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون .
قلت : فعزم رسول الله بَّر على قتال الرُّوم ؛ لأنهم أقرب الناس إليه وأولى الناس بالدّعوة إلى
الحقِّ ؛ لقربهم إلى الإسلام وأهله .
وقد قال الله تعالى: ﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَائِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةٌ وَأَعْلَمُوا أَنَّ
اللَّهَ مَعَ الْمُنَّقِينَ﴾ [ التوبة : -
فلما عزم رسول الله وَّر على غزو الرُّوم عام تَبُوك - وكان ذلك في حرٍّ شديدٍ وضيق من الحال - جلَّى
للناس أمرها ودعا من حوله من أحياء الأعراب للخروج معه ، فأوعب معه بشرٌ كثيرٌ ، كما سيأتي ، قريباً
من ثلاثين ألفاً ، وتخلَّف آخرون ، فعاتب الله من تخلَّف منهم لغير عذرٍ من المنافقين والمقصِّرين ،
ولامهم ووبّخهم وقرَّعهم أشدَّ التَّقريع، وفضحهم أشدَّ الفضيحة ، وأنزل فيهم قرآناً يُتلى وبيَّن أمرهم في
(١) انظر أخبارها في ((الاكتفا بمغازي الرسول والثلاثة الخلفا)) و((الروض الأنف)) (٣٠٤/٧) و((عيون الأثر))
(٢٩٢/٢) و((زاد المعاد)) (٤٦٠/٣) و((الفصول في سيرة الرسول)) ص (٢١٠) و((شذرات الذهب))
(١٢٨/١) بتحقيقي.
٦٥٤
أحداث سنة ٩ هـ
سورة ((براءةٌ)) كما قد بيًَّا ذلك مبسوطاً في (( التفسير (١) وأمر المؤمنين بالنَّفْر على كلِّ حالٍ . فقال
تعالى: ﴿أَنِفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَهِدُواْ بِأَمْوَلِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُتُمْ
تَعْلَمُونَ ﴿ لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيَبًا وَسَفَرًّا قَاصِدًا لََّتَبَّعُوكَ وَلَكِنْ بَعْدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ أَسْتَطَعْنَا
لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ﴾ ثم الآيات بعدها [التوبة: ٤١ -٤٢].
ثم قال تعالى: ﴿﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنِفِرُواْ ككَافَّةٌ فَلَوْلًا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَآَيِفَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِ
الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢]. فقيل: إن هذه ناسخةٌ لتلك. وقيل :
لا ، فالله أعلم .
قال ابن إسحاق(٢): ثم أقام رسول الله وَليل بالمدينة ما بين ذي الحِجَّة إلى رجبٍ يعني من سنة تسعٍ ثم
أمر الناس بالتهيُّؤْ لغزو الروم . فذكر الزهريُّ ، ويزيد بن رومان ، وعبد الله بن أبى بكرٍ ، وعاصم بن
عمر بن قتادة ، وغيرهم من علمائنا ، كلٌّ يحدِّث عن غزوة تبوك ما بلغه عنها ، وبعض القوم يحدِّث ما لم
يحدِّث بعضٌ، أن رسول الله وَ له أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم، وذلك في زمان عُسْرةٍ من الناس وشدةٍ
من الحرِّ وجدبٍ من البلاد ، وحين طابت الثمار ، فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم ، ويكرهون
الشُّخوص في الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله وَ لَهَ قلَّما يخرج في غزوة إلا كنَّى عنها إلا
ما كان من غزوة تبوك ، فإنه بيَّنها للناس ، لبعد المشقة وشدة الزمان وكثرة العدوّ الذي يصمد إليه ليتأهب
الناس لذلك أُهبته، فأمرهم بالجهاد وأخبرهم أنه يريد الروم، فقال رسول الله بَّ ذات يوم وهو في جهازه
ذلك، للجدِّ بن قيسٍ أحد بني سِلمة: (( يا جدُّ، هل لك العام في جلاد بني الأصفر؟)) فقال :
يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتنِّي، فوالله لقد عرف قومي أنه ما رجلٌ بأشد عجباً بالنساء مني ، وإني
أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر. فأعرض عنه رسول الله وَّر وقال: ((قد أذنت لك)). ففي
الجدِّ أنزل الله هذه الآية: ﴿وَمِنْهُم مَن يَقُولُ آَخْذَن ◌ِّيِ وَلَا نَفْتِخٍِّ أَلَا فِى الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ
لَمُحِيطَةٌ بِالْكَفِرِينَ﴾ [التوبة: ٤٩].
وقال قومٌ من المنافقين بعضهم لبعضٍ : لا تنفروا في الحرِّ ، زهادةً في الجهاد وشكّاً في الحقِّ
وإرجافاً بالرسول وَله، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿ وَقَالُواْ لَا تَنْفِرُواْ فِى الْخَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُ حَزَّأَ لَّوْ كَانُواْ
يَفْقَهُونَ {أَ فَلْيَضْحَكُوْ قَلِيلًاً وَلْيَبَكُواْ كَثِيرًا جَزَاءُ بِمَا كَانُواْيَكْسِبُونَ﴾ [التوبة: ٨١ -٨٢].
قال ابن هشام(٣): حدثني الثقة، عمَّن حدَّثه ، عن محمد بن طلحةَ بن عبد الرحمن ، عن إسحاق بن
(١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (٤/ ٩٤).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق (٥١٥/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) (٢/ ٥١٧).
٦٥٥
أحداث سنة ٩ هـ
إبراهيم بن عبد الله بن حارثة ، عن أبيه ، عن جدِّه قال : بلغ رسول الله مثّ أن ناساً من المنافقين يجتمعون
في بيت سُوَيلم اليهوديِّ - وكان بيته عند جاسوم - يثبّطون الناس عن رسول الله بِ لوفي غزوة تبوك، فبعث
إليهم طلحة بن عبيد الله في نفرٍ من أصحابه ، وأمره أن يحرِّق عليهم بيت سُوَيْلم ، ففعل طلحة ، فاقتحم
الضَّخَّاك بن خليفة من ظهر البيت ، فانكسرت رجله ، واقتحم أصحابه فأفلتوا ، فقال الضَّخَّاك في ذلك :
[ من الطويل ]
يشيط بها الضَّحاكُ وابن أُبيرقِ
كادَت وبيتِ الله نارُ محمدٍ
أنوء على رجلي كسيراً ومرفقي
وظلْت وقد طبَّقت كبس سويلم
أخاف ومن تشمل به النار يُحرقِ
سلامٌ عليكم لا أعوذُ لمثلها
قال ابن إسحاقُ(١): ثم إن رسول الله وَ لَ جدَّ في سفره وأمر الناس بالجهاز والانكماش، وحضَّ أهل
الغنى على النفقة والحُملان في سبيل الله ، فحمل رجالٌ من أهل الغنى واحتسبوا ، وأنفق عثمان بن عقَّان
نفقةً عظيمةً لم ينفق أحدٌ مثلها .
قال ابن هشامٌ(٢): فحدَّثني من أثق به أن عثمان أنفق في جيش العُسْرَة في غزوة تبوك ألف دينارٍ ،
فقال رسول الله وَ لّ: ((اللّهُمَّ ارض عن عثمان، فإني عنه راضٍ)).
وقد قال الإمام أحمد(٣) : حدَّثنا هارون بن معروفٍ ، ثنا ضمرة ، ثنا عبد الله بن شَوذبٍ ، عن
عبد الله بن القاسم ، عن كثيرٍ مولى عبد الرحمن بن سمرة قال: جاء عثمان بن عَفَّان إلى النبيِّ وَّر بألف
دينارٍ في ثوبه حين جهّز النبيُّ وَّل جيش العسرة. قال: فصبَّها في حجر النبيِّ، فجعل النبيُّ وَله يقلِّبها
بيده، ويقول: (( ما ضرَّ ابنَ عَفَّان ما عمل بعد اليوم)) .
ورواه الترمذيّ(٤) ، عن محمد بن إسماعيل، عن الحسن بن واقع ، عن ضمرة به . وقال : حسنٌ
غريبٌ .
وقاله عبد الله بن أحمد في (( مسند)) أبيهُ(٥): حدَّثني أبو موسى العنزيُّ، حدَّثنا عبد الصَّمد بن
عبد الوارث ، حدَّثني سكن بن المغيرة ، حدَّثني الوليد بن أبي هشام ، عن فرقدٍ أبي طلحة ، عن
عبد الرحمن بن خَبَّابِ السُّلميِّ قال: خطب النبيُّ وَّرِ فحثَّ على جيش العسرة ، فقال عثمان بن عفان :
عليَّ مئة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها . قال : ثم نزل مرقاةً من المنبر ثم حثَّ، فقال عثمان: عليَّ مئةٌ أخرى
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٧/٢ - ٥١٨).
(١)
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٨/٢).
(٣)
في ((المسند)) (٦٣/٥) ، وإسناده حسن .
رواه الترمذي رقم ( ٣٧٠١).
(٤)
(٥) انظر ((أطراف المسند)) (٤/ ٢٥٧).
٦٥٦
ذكر من تخلَّف معذوراً من البكائين وغيرهم
بأحلاسها وأقتابها. قال: فرأيت رسول الله وَله يقول بيده هكذا يُحَرِّكها، وأخرج عبد الصَّمَد يده،
كالمتعجّب: ((ما على عثمان ما عمل بعد هذا)).
وهكذا رواه الترمذيُّ(١) ، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي ، عن سكن بن المغيرة
أبي محمد مولى لآل عثمان به . وقال : غريبٌ من هذا الوجه .
ورواه البيهقيُ (٢) ، من طريق عمرو بن مرزوقٍ ، عن سكن بن المغيرة به . وقال : ثلاث مراتٍ ، وإنه
التزم بثلاثمئة بعيرٍ بأحلاسها وأقتابها. قال عبد الرحمن: فأنا شهدت رسول الله بَّه يقول وهو على
المنبر: ((ما ضرّ عثمان بعدها)). أو قال: (( بعد اليوم)).
وقال أبو داود الطّالسيُّ(٣): حدَّثنا أبو عَوَانة، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن جاوان،
عن الأحنف بن قيسٍ قال : سمعت عثمان بن عَفَّان يقول لسعد بن أبي وقّاصٍ وعليٍّ والزُّبير وطلحة :
أَنشُدكم بالله هل تعلمون أن رسول الله وَّر قال: ((من جهّز جيش العسرة غفر الله له)) فجهّزتهم حتى
ما يفقدون خطاماً ولا عقالاً . قالوا : اللهم نعم .
ورواه النسائيُ(٤) من حديث حصينٍ به .
*
فصلٌ
فيمن تخلَّف معذوراً من البكَّائين وغيرهم
قال الله تعالى: ﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةً أَنْ ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَجَنِهِدُواْ مَعَ رَسُولِهِ اسْتَعْذَنَكَ أُوْلُواْ الَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُواْ ذَرْنَا
نَكُنْ مَعَ الْقَعِدِينَ ﴿ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَيِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾َلَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ
ءَامَنُواْ مَعَهُ جَهَدُواْ بِأَمْوَلِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَتُّ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿ أَعَذَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن
◌َ وَجَ اٌلْمُعَذِرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
تَحْتِهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(
(أَ لَّيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا
سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ
يُتْفِقُونَ حَرَجُ إِذَا نَصَحُوْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍّ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَآ أَنَوَّكَ
(١) رواه الترمذي رقم (٣٧٠٠) .
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٢١٤/٥).
(٣) رواه أبو داود الطيالسي في ((مسنده)) رقم (٨٢) بتحقيق الدكتور محمد عبد المحسن التركي ، طبع دار هجر
بالقاهرة ، وقد أطال في تخريجه فليراجع .
(٤) رواه النسائي رقم (٣٦٠٨)، وهو حديث صحيح.
٦٥٧
ذكر من تخلّف معذورا من البكانين وغيرهم
لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَآ أَجِدُمَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنَا أَلَّا يَجِدُواْمَا يُنفِقُونَ (٨) إِنَّمَا
السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَعْدِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُواْبِأَنْ يَكُونُواْ مَعَ الْخَوَاِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ التوبة: ٨٦ -٩٣]. قد تكلَّمنا على تفسير هذا كله في («التفسير»(١) بما فيه كفايةٌ ، ولله الحمد والمِنَّة.
والمقصود ذكر البكَّائين الذين جاؤوا إلى رسول الله وَالّ ليحملهم ، حتى يصحبوه في غزوته هذه،
فلم يجدوا عنده من الظّهر ما يحملهم عليه ، فرجعوا وهم ييكون ؛ تأسُّفاً على ما فاتهم من الجهاد في
سبيل الله ، والنَّفقة فيه .
قال ابن إسحاق (٢) : وكانوا سبعة من الأنصار وغيرهم ؛ فمن بني عمرو بن عوفٍ سالم بن عميرٍ ،
وعُلبة بن زيدٍ أخو بني حارثة ، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعبٍ أخو بني مازن بن النَّجّار ، وعمرو بن
الحُمَام بن الجَمُوح أخو بني سلمة ، وعبد الله بن المغفَّل المزنيُّ ، وبعض الناس يقولون : بل هو
عبد الله بن عمروٍ المزنيُّ . وهرَميُّ بن عبد الله أخو بني واقفٍ ، وعرباض بن سارية الفَزَارُّ .
قال ابن إسحاق(٣): فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعبِ النَّريَّ لقي أبا ليلى، وعبد الله بن مغفَّلٍ
وهما يبكيان ، فقال: ما يبكيكما ؟ قالا: جئنا رسول الله وَ ل ه ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه،
وليس عندنا ما نتقوَّى به على الخروج معه . فأعطاهما ناضحاً له فارتحلاه ، وزوَّدهما شيئاً من تمرٍ ،
فخرجا مع النبيِّ ◌ََّ. زاد يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق: وأمَّا عُلبة بن زيدٍ فخرج من الليل ، فصلى
من ليلته ما شاء الله ، ثم بكى وقال : اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغَّبت فيه ، ثم لم تجعل عندي ما أتقوَّى
به. ولم تجعل في يد رسولك ◌َّ﴿ ما يحملني عليه، وإني أتصدَّق على كلِّ مسلم بكلِّ مظلمةٍ أصابني
فيها؛ في مالٍ أو جسدٍ أو عرضٍ. ثم أصبح مع الناس، فقال رسول الله وَ له: (( أين المتصدِّق هذه
الليلة؟ )) فلم يقم أحدٌ، ثم قال: ((أين المتصدِّق؟ فليقم)). فقام إليه فأخبره، فقال رسول الله رشدي :
(( أبشر ، فوالذي نفسي بيده ، لقد كُتبت في الزكاة المتقبَّلة)).
وقد أورد الحافظ البيهقيُّ(٤) هاهنا حديث أبي موسى الأشعريِّ، فقال: حدَّثنا أبو عبد الله الحافظ ،
حدَّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، ثنا أحمد بن عبد الحميد الحارثيُّ، حدَّثنا أبو أسامة ، عن بُرِيدٍ ،
عن أبي بُرْدَة ، عن أبي موسى قال: أرسلني أصحابي إلى رسول الله وَّل أسأله لهم الحُملان، إذ هم معه
في جيش العُسْرَة ، وهو في غزوة تبوك، فقلت : يا نبيَّ الله ، إن أصحابي أرسلوني إليك لتحملهم ،
فقال: ((والله لا أحملكم على شيءٍ)). ووافقته وهو غضبان ولا أشعر، فرجعت حزيناً من منع
(١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) (١٣٥/٤).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٨/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٨/٢).
(٤) انظر ((دلائل النبوة)) (٢١٦/٥).
٦٥٨
ذكر من تخلّف معذورا من البكانين وغيرهم
رسول الله ، ومن مخافة أن يكون رسول الله قد وجد في نفسه عليَّ، فرجعت إلى أصحابي فأخبرتهم بالذي
قال رسول الله وَلّ، فلم ألبث إلا سُوَيعةً إذ سمعت بلالاً ينادي : أين عبد الله بن قيسٍ ؟ فأجبته فقال :
أجب، رسولُ الله وَلَه يدعوك. فلمَّا أتيت رسول الله وَل قال: (( خذ هذين القرينين وهذين القرينين
وهذين القرينين)). لستة أبعرةٍ ابتاعهنَّ حينئذٍ من سعدٍ، فقال: (( انطلق بهنَّ إلى أصحابك، فقل:
إن الله - أو قال: إنَّ رسول الله - يحملكم على هؤلاء، فاركبوهم)) فقلتُ: إن رسول الله وَل﴾ يحملكم
على هؤلاء ولكن والله لا أدعكم حتى ينطلق معي بعضكم إلى من سمع مقالة رسول الله مَ له حين سألته
لكم ، ومنعه لي في أول مرةٍ ، ثم إعطاءه إياي بعد ذلك ، لا تظنُّوا أنِّي حدَّثتكم شيئاً لم يقله . فقالوا لي :
والله إنَّك عندنا لمصدَّقٌ ولنفعلنَّ ما أحببت . قال : فانطلق أبو موسى بنفرٍ منهم ، حتى أتوا الذين سمعوا
مقالة رسول الله و ﴿ من منعه إياهم، ثم إعطائه بعد، فحدَّثوهم بما حدَّثهم به أبو موسى سواءً. وأخرجه
البخاريُّ ومسلمٌ(١) جميعاً، عن أبي كريبٍ ، عن أبي أسامة . وفي روايةٍ لهما٢) ، عن أبي موسى قال :
أتيت رسول الله في رهطٍ من الأشعريِّين ليحملنا، فقال: (( والله ما أحملكم ، وما عندي ما أحملكم
عليه)). قال: ثم جيء رسولُ اللهِ وَ لَه بنهب إبلٍ، فأمر لنا بستِّ ذودٍ غرِّ الذُّرى، فأخذناها، ثم قلنا:
تغفَّلنا رسول الله ◌ِ ◌ّ يمينه، والله لا يبارك لنا. فرجعنا له فقال: (( ما أنا حملتكم، ولكنَّ الله حملكم)).
ثم قال: (( إنِّي والله، إن شاء الله، لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خيرٌ
وتحلَّلتها )).
قال ابن إسحاق(٣): وقد كان نفرٌ من المسلمين أبطأتْ بهم النّة حتى تخلَّفوا عن رسول الله وَّل من غير
شكٍّ ولا ارتيابٍ ؛ منهم كعب بن مالك بن أبي كعبٍ أخو بني سلمة ، ومرارة بن ربيعٍ أخو بني عمرو بن
عوفٍ ، وهلال بن أمية أخو بني واقفٍ ، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوفٍ، وكانوا نفر صدقٍ لا يُتَّهمون
في إسلامهم .
قلت : أما الثلاثة الأول فستأتي قصتهم مبسوطة قريباً ، إن شاء الله تعالى ، وهم الذين أنزل الله
فيهم: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَنْ لَّ مَلْجَاً
مِنَ اللَّهِ إِلَّ إِلَيْهِ ﴾ [التوبة: ١١٨].
وأما أبو خثيمة، فإنَّه عاد وعزم على اللُّحوق برسول الله وَلِهِ، كما سيأتي.
(١) رواه البخاري رقم (٤٤١٥) ومسلم (١٦٤٩) (٨).
رواه البخاري رقم (٣١٣٣) ومسلم (١٦٤٩) (٧).
(٢)
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٩/٢) .
٦٥٩
ذكر أمور مختلفات وقعت في سنة تسع من الهجرة
فصلٌ
قال يونس بن بكيرٍ، عن ابن إسحاق(١): ثم استتبَّ برسول الله وَّل سفره وأجمع السير ، فلما خرج
يوم الخميس ضرب عسكره على ثنية الوداع ، ومعه زيادة على ثلاثين ألفاً من الناس ، وضرب عبد الله بن
أُبيِّ عدوُ الله عسكره أسفل منه، وما كان فيما يزعمون بأقلِّ العسكرين ، فلما سار رسول الله مَ ﴿ تخلّف عنه
عبد الله بن أُبيِّ في طائفةٍ من المنافقين وأهل الرَّيب .
قال ابن هشامٌ(٢): واستخلف رسول الله وَ ﴿ على المدينة محمد بن مسلمة الأنصاريَّ. قال: وذكر
الدَّراورديُّ أنه استخلف عليها عام تبوك سِبَاع بن عُرْقُطَة .
قال ابن إسحاق(٣): وخلّف رسول الله وَ لَه عليَّ بن أبي طالبٍ على أهله وأمره بالإقامة فيهم فأرجف به
المنافقون ، وقالوا : ما خلَّفه إلا استثقالا له وتخفُّفاً منه. فلما قالوا ذلك أخذ عليٌّ سلاحه ، ثم خرج حتى
لحق برسول الله وَّجر وهو نازلٌ بالجرف، فأخبره بما قالوا فقال: ((كذبوا ولكنِّي خلَّفتك لما تركتُ
ورائي ، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك ، أفلا ترضى يا عليُّ أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى ، إلا
أنه لا نبيَّ بعدي؟ )) فرجع عليٍّ، ومضى رسول الله ◌َّل في سفره.
ثم قال ابن إسحاق(٤) : حدَّثني محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة ، عن إبراهيم بن سعد بن أبي
وقّاصٍ ، عن أبيه سعدٍ أنه سمع رسول الله ◌ِّل يقول لعليٍّ هذه المقالة .
وقد روى البخاريُّ ومسلم(٥) هذا الحديث من طريق شعبة ، عن سعد بن إبراهيم ، عن إبراهيم بن
سعد بن أبي وقاصٍ ، عن أبيه به .
وقد قال أبو داود الطَّيالسيُّ في ((مسنده(٦): حدَّثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مصعب بن سعدٍ ، عن
أبيه قال: خلَّف رسول الله وَ لَ عليّ بن أبي طالبٍ في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله ، أتخلِّفني في
النساء والصبيان؟ فقال: (( أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبيَّ بعدي؟))
وأخرجاه من طرقٍ ، عن شعبة نحوه . وعلَّقه البخاريُّ أيضاً من طريق أبي داود ، عن شعبة .
(١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢١٩/٥).
(٢)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٩/٢).
(٣)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٥١٩/٢).
(٤)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٥٢٠).
رواه البخاري رقم (٣٧٠٦) ومسلم رقم (٢٤٠٤).
(٥)
(٦) رقم (٢٠٦) بتحقيق الدكتور محمد بن عبد المحسن التركي ، طبع دار هجر بالقاهرة ، وقد أطال في تخريجه
فليراجع .
٦٦٠
ذكر أمور مختلفات وقعت في سنة تسع من الهجرة
وقال الإمام أحمد(١): حدَّثنا قتيبة بن سعيدٍ، حدَّثنا حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمارٍ ، عن
عامرٍ بن سعدٍ ، عن أبيه قال: سمعت رسول الله بِّه يقول له وخلَّفه في بعض مغازيه ، فقال عليٍّ:
يا رسول الله ، تخلّفني مع النساء والصبيان؟ فقال: (( يا عليُّ ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
موسى إلا أنه لا نبيَّ بعدي؟ )) ورواه مسلمٌ، والترمذيُّ (٢)، عن قتيبة، زاد مسلمٌ: ومحمد بن عبَّادٍ ،
كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به . وقال الترمذيُّ : حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه .
قال ابن إسحاق (٣): ثم إن أبا خيثمة رجع بعدما سار رسول الله وَّله أياماً إلى أهله في يوم حارٍّ، فوجد
امرأتين له في عريشين لهما في حائطه ، قد رشَّت كلُّ واحدةٍ منهما عريشها ، وبرَّدت له فيه ماءً ، وهيَّأت له
فيه طعاماً ، فلما دخل قام على باب العريش فنظر إلى امرأتيه وما صنعتا له، فقال: رسولُ الله ◌ِ لَّ فِي
الضَّحِّ والريح والحرِّ، وأبو خيثمةَ في ظلِّ باردٍ وطعام مُهيّأْ وامرأةٍ حسناء، في ماله مقيمٌ! ما هذا
بالنَّصَف . والله لا أدخل عريش واحدةٍ منكما حتى ألحق برسول الله بَّر، فهيِّئا زاداً. ففعلتا، ثم قدَّم
ناضحه فارتحله ، ثم خرج في طلب رسول الله وَ ل حتى أدركه حين نزل تبوك ، وقد كان أدرك أبا خيثمة
عمير بن وهبٍ الجمحيُّ في الطريق يطلب رسول الله وَل﴿ فترافقا، حتى إذا دنَوا من تبوك قال أبو خيثمة
لعمير بن وهبٍ: إنَّ لي ذنباً فلا عليك أن تخلَّف عني حتى آتي رسول الله وَ ل ◌ّر. ففعل حتى إذا دنا من
رسول الله وَّوَل قال الناس: هذا راكبٌ على الطريق مقبلٌ. فقال رسول الله وَّر: ((كن أبا خيثمة)).
فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة. فلما بلغ أقبل فسلَّم على رسول الله وَ له، فقال له: ((أولى
لك يا أبا خيثمة! )). ثم أخبر رسول الله الخبر ، فقال خيراً ، ودعا له بخيرٍ .
وقد ذكر عُرْوَة بن الزُّبير ، وموسى بن عُقْبَة قصة أبي خيثمة بنحوٍ من سياق محمد بن إسحاق وأبسط ،
وذكر أن خروجه ، عليه السلام ، إلى تبوك كان في زمن الخريف . فالله أعلم .
قال ابن هشام(٤) : وقال أبو خيثمة ، واسمه مالك بن قيسٍ ، في ذلك : [من الطويل ]
لمَّا رأيتُ الناس في الدِّين نافقوا أَتَيْتُ التي كانت أَعَفَّ وأكرمَا
فلم أكتسب إثماً ولم أغشَ محرمًا
وبايعتُ باليمنى يدي لمحمدٍ
صَفايا كِرَاماً بُسْرُهَا قد تحمَّمَا
تركت خضيباً في العريش وصِرمةً
إلى الدِّين نفسي شطرَه حيث يمَّما
وكنتُ إذا شكَّ المُنَافِقِ أَسمَحَتْ
(١) في ((المسند)) (١/ ١٨٥).
(٢) رواه مسلم في ( صحيحه)) رقم (٢٤٠٤)، والترمذي رقم (٣٧٢٤) .
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢٠/٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٢١/٢).