النص المفهرس

صفحات 541-560

٥٤١
ذير إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي على ونفر من الصحابة
يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدثني الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس ، عن عكرمة ، عن
ابن عباس ، فذكر هذه القصة بتمامها كما أوردها زياد البكَّائيُّ، عن ابن إسحاق منقطعة . فالله أعلم .
على أنه قد روى البيهقيُّ(١) من طريق أبي بلال الأشعري ، عن زياد البكَّائيِّ، عن محمد بن إسحاق ، عن
الزهريِّ، عن عبيد الله، عن ابن عباس قال: جاء العباس بأبي سفيان إلى رسول الله وَالر، قال : فذكر
القصة، إلا أنه ذكر أنه أسلم من ليلته قبل أن يصبح بين يدي رسول الله ومسليه ، وأنه لما قال له
رسول الله بُّ: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)). قال أبو سفيان: وما تسع داري؟ فقال: ((ومن
دخل الكعبة فهو آمن)). قال: وما تسع الكعبة؟ فقال: ((ومن دخل المسجد فهو آمن)). قال: وما يسع
المسجد؟ فقال: ((ومن أغلق عليه بابه فهو آمن)) . فقال أبو سفيان : هذه واسعة .
وقال البخاري (٢): ثنا عُبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام ، عن أبيه قال : لما سار
رسول الله ◌َّ عام الفتح فبلغ ذلك قريشاً، خرج أبو سفيان بن حرب، وحكيم بن حِزَام ، وبُديل بن
وَرْقَاء، يلتمسون الخبر عن رسول الله وَّر، فأقبلوا يسيرون حتى أتوا مرَّ الظّهران ، فإذا هم بنيران كأنها
نيران عرفة ، فقال أبو سفيان : ما هذه ؟ كأنها نيران عرفة ! فقال بديل بن ورقاء : نيران بني عمرو . فقال
أبو سفيان: عمرو أقلُّ من ذلك. فرآهم ناس من حرس رسول الله وَّر فأدركوهم فأخذوهم ، فأتوا بهم
رسول الله وَلّه، فأسلم أبو سفيان، فلما سار، قال للعباس: (( احبس أبا سفيان عند خطم الجبل حتى
ينظر إلى المسلمين)). فحبسه العباس، فجعلت القبائل تمرُّ مع رسول الله وَّه، تمُّ كتيبة كتيبة على أبي
سفيان ، فمرَّت كتيبة فقال : يا عباس ، من هذه ؟ قال: هذه غفار . قال: ما لي ولغفار. ثم مرَّت
جهينة فقال مثل ذلك ، ثم مرَّت سعد بن هذيم فقال مثل ذلك ، ومرّت سليم فقال مثل ذلك ، حتى أقبلت
كتيبة لم ير مثلها فقال : من هذه ؟ قال : هؤلاء الأنصار ، عليهم سعد بن عبادة معه الراية . فقال سعد بن
عبادة : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُستحل الكعبة . فقال أبو سفيان : يا عباس ، حبذا يوم
الذِّمار . ثم جاءت كتيبة، وهي أقلُّ الكتائب ، فيهم رسول الله وَّ وأصحابه ، وراية رسول الله أَّل مع
الزبير بن العوام، فلما مرَّ رسول الله وَلّ بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة ؟ فقال :
((ما قال؟)) قال: كذا وكذا. فقال: ((كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى
فيه الكعبة)). وأمر رسول الله وَ * أن تركز رايته بالحجون. قال عروة : وأخبرني نافع بن جبير بن
مطعم، قال: سمعت العباس يقول للزبير بن العوَّام: ههنا أمرك رسول الله وَ ليل أن تركز الراية ؟ قال :
نعم. قال: وأمر رسول الله وَّله خالد بن الوليد أن يدخل مِن أعلى مكة من كَداء، ودخل رسول الله وَله
من كُدى فقتل من خيل خالد بن الوليد يومئذ رجلان ؛ حبيش بن الأشعر ، وكُرز بن جابر الفهريُّ .
(١) في ((دلائل النبوة)) (٣١/٥ -٣٢).
(٢) في (( صحيحه )) رقم (٤٢٨٠) .

٥٤٢
صفة دخوله - ح - مكّة
وقال أبو داود١) : ثنا عثمان بن أبي شيبة ، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا ابن إدريس ، عن محمد بن
إسحاق ، عن الزهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أن رسول الله مَّل عام الفتح جاءه
العباس بن عبد المطلب بأبي سفيان بن حرب ، فأسلم بمرِّ الظّهران ، فقال له العباس : يا رسول الله ، إن
أبا سفيان [رجل] يحبُّ هذا الفخر، فلو جعلت له شيئاً؟ قال: (( نعم ، من دخل دار أبي سفيان فهو
آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن » .
صِفَةُ دُخُولِهِ - ◌ِدٌ - مَكَّةَ
ثبت في ((الصحيحين)(٢) من حديث مالك، عن الزُّهريّ، عن أنس، أن رسول الله ێ دخل مكَّة
وعلى رأسه المِغْفَر ، فلما نزعه ، جاءه رجل فقال: إن ابن خَطَل (٣) متعلق بأستار الكعبة . فقال:
((اقتلوه)). قال مالك: ولم يكن رسول الله وَّ، فيما نرى، والله أعلم، محرماً.
وقال أحمد(٤): ثنا عَفَّان، ثنا حمّاد، أنا أبو الزُبير، عن جابر، أن رسول الله وَ﴿ دخل [ يوم فتح ]
مكّة وعليه عِمَامَةٌ سَوْدَاء .
ورواه أهل السنن الأربعة(٥) ، من حديث حماد بن سلمة ، وقال الترمذيُّ : حسن صحيح .
ورواه مسلم(٦) ، عن قتيبة ويحيى بن يحيى، عن معاوية بن عمَّار الدُّهنيِّ، عن أبي الزُّبير ، عن
جابر ، أن رسول الله ◌َّير دخل مكة وعليه عمامة سوداء، من غير إحرام(٧).
وروى مسلمٌ(٨) من حديث أبي أسامة ، عن مساور الوَرَّاق ، عن جعفر بن عمرو بن حُريث ، عن أبيه
في « سننه )) رقم (٣٠٢١) ، وهو حديث حسن .
(١)
(٢) رواه البخاري رقم (٤٢٨٦) ومسلم رقم (١٣٥٧) وانظر ((جامع الأصول)) (٣٧٣/٨).
ابن خَطَل: هو عبد الله بن خَطَل التيمي، مشرك، أمر النبي ◌َّر، بقتله يوم فتح مكة فقتل ، وله قصة . انظر
(٣)
ترجمته وقصته في ((جامع الأصول)) ( ١٣/ ٤٥٥) بتحقيقي، وإشراف والدي وأستاذي المحدِّث الشيخ عبد القادر
الأرناؤوط ، طبع دار ابن الأثير ببيروت .
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) ( ٣٦٣/٣)، وهو حديث صحيح.
(٥) رواه أبو داود رقم (٤٠٧٦) والترمذي رقم (١٧٣٥) والنسائي في (( السنن الكبرى )) رقم (٩٧٥٧) وابن ماجه رقم
(٢٨٢٢) و(٣٥٨٥).
(٦) في ((صحيحه)) رقم (١٣٥٨).
(٧) جاء في ((صحيح مسلم)): دخل رسول الله وَّر مكة وعليه عمامة سوداء . قال النووي: فيه جواز لباس الثياب السوداء
وفي الرواية الأخرى: ((خطب الناس وعليه عمامة سوداء)) فيه جواز لباس الأسود في الخطبة، وإن كان الأبيض أفضل
منه، كما ثبت في الحديث ((خير ثيابكم البياض)) وأما لباس الخطباء السواد في حال الخطبة، فجائز، ولكن الأفضل
البياض، وإنما لبس العمامة السوداء في هذا الحديث بياناً للجواز .
(٨) في ((صحيحه)) رقم (١٣٥٩) (٤٥٣) وليس لفظ (( الحرقانية)) عنده وإنما سبق إلى ذهن المؤلف رحمه الله من=

٥٤٣
صفة دخوله - * - مكة
قال : كأنِّي أنظر إلى رسول الله ◌ِلّه يوم فتح مَكّة وعليه عِمَامَةٌ حَرَقانيَّة سوداء قد أرخى طرفيها بين كتفيه .
وروى مسلم في ((صحيحه))، والتّرمذيُّ والنَّسائي١ُّ) من حديث عَمَّار الدُّهنيّ، عن أبي الزُّبير ، عن
جابر، أن رسول الله مج ل# دخل مكة وعليه عمامة سوداء.
وروى أهل السنن الأربعة٢) من حديث يحيى بن آدم ، عن شريك القاضي ، عن عمَّار الدُّهنيِّ، عن
أبي الزُبير، عن جابر قال: كان لواء رسول الله وَ لَه يوم دخل مكة أبيض.
وقال ابن إسحاق(٣) ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عائشة قالت : كان لواء رسول الله مخ لل يوم الفتح
أبيض ، ورايته سوداء تُسمَّى العُقَاب، وكانت قطعة من مرط مرخّل .
وقال البخاري٤ُّ): ثنا أبو الوليد، ثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّة قال: سمعت عبد الله بن مُغَفَّل
يقول: رأيت رسول الله وَ ل يوم فتح مكة على ناقته وهو يقرأ سورة ((الفتح)) يرجِّع. وقال(٥): لولا أن
يجتمع الناس حولي لرجَّعت كما رجَّع .
[وقال محمد بن إسحاق(٦): حدَّثني عبد الله بن أبي بكر، أن ] رسول الله وَّ لمَّا انتهى إلى ذي
◌ُوى، وقف على راحلته معتجراً بشقّة برد [ حِبَرة ] حمراء، وإن رسول اللهِوَ ◌ّه ليضع رأسه تواضعاً لله،
حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح ، حتى إن عُثنونه ليكاد يمسُّ واسطة الرَّحل .
وقال الحافظ البيهقيُ(٧): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا دَعْلَج بن أحمد ، ثنا أحمد بن عليٍّ
الأبَّار ، ثنا عبد الله بن أبي بكر المقدَّميُّ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس قال : دخل
رسول الله ◌َّ﴾ مكة يوم الفتح وذَقَنه على راحلته متخشعاً .
وقال(٨) : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ ، ثنا أبو بكر بن بالويه ، ثنا أحمد بن صاعد ، ثنا إسماعيل بن أبي
الحارث ، ثنا جعفر بن عون، ثنا إسماعيل بن أبي خالد ، عن قيس ، عن أبي مسعود أن رجلاً كلَّم
=
رواية النسائي في (( السنن الكبرى)) رقم (٩٧٥٩) والله أعلم .
(١) رواه مسلم رقم (١٣٥٨) والترمذي رقم (١٦٧٩) والنسائي رقم (٢٨٦٦).
(٢) رواه أبو داود رقم (٢٥٩٢) والترمذي رقم (١٦٧٩) والنسائي رقم (٢٨٦٦) وابن ماجه رقم (٢٨١٧)، وهو
حديث حسن عند العلماء .
(٣)
انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٥/ ٦٨).
(٤)
رواه البخاري رقم ( ٤٢٨١ ).
(٥)
القائل ( معاوية بن قرَّة) راوي الحديث. وانظر ((فتح الباري)) (١٤/٨).
(٦)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٥/٢) .
انظر ((دلائل النبوة)) (٦٨/٥) وهو عند الحاكم في ((المستدرك)) (٤٧/٣) وقال : هذا حديث صحيح على شرط
(٧)
مسلم ولم يخرجاه ، وفي إسناده عبد الله بن أبي بكر المقدَّمي ، وهو ضعيف .
(٨) يعني البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦٩/٥).

٥٤٤
صفة دخوله - ٣- مكّة
رسول الله * يوم الفتح، فأخذته الرَّعدة، فقال: ((هوَّن عليك، فإنَّما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل
القديد)) . قال : وهكذا رواه محمد بن سليمان بن فارس ، وأحمد بن يحيى بن زهير ، عن إسماعيل بن
أبي الحارث ، موصولاً .
ثم رواهُ ١) عن أبي زكريا المزّي ، عن أبي عبد الله محمد بن يعقوب ، عن محمد بن عبد الوهاب ،
عن جعفر بن عون ، عن إسماعيل عن قيس ، مرسلاً ، قال : وهو المحفوظ .
وهذا التواضع في هذا الموطن عند دخوله مَ﴿ مَّة، في مثل هذا الجيش الكثيف العَرَمْرَم ، بخلاف
ما اعتمده سُفَهَاء بني إسرائيل، حين أُمروا أن يدخلوا باب بيت المقدس وهم سجود، أي رُكُمٌ ،
يقولون : حِطَّة . فدخلوا يزحفون على أستاههم وهم يقولون : حنطة في شعرة .
وقال البخاريُّ(٢): ثنا الهيثم بن خارجة ، ثنا حفص بن ميسرة ، عن هشام بن عُزْوَة ، عن أبيه ، أن
عائشة أخبرته أن رسول الله # دخل عام الفتح من كَداءٍ التي بأعلى مَكّة، وتابعه أبو أسامة ووهيب: في كَداء.
ثناء) عُبيد بن إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه: دخل رسول الله بَّر عام الفتح من
أعلى مكة من كداء ، وهو أصحُ .
إن أراد أن المرسل أصُ من المسند المتقدم انتظم الكلام ، وإلا فكداء بالمدِّ هي المذكورة في
الروايتين ، وهي في أعلى مكَّة ، وكُدى مقصوراً في أسفل مكة ، وهذا هو المشهور والأنسب .
وقد تقدَّم أنَّه ، عليه السلام ، بعث خالد بن الوليد من أعلى مكّة ، ودخل هو ، عليه السلام ، من
أسفلها من كُدى، وهو في ((صحيح البخاريِّ)) ، فالله أعلم .
وقد قال البيهقيُّ(٤): أنبأنا أبو الحسن بن عَبْدَان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصَّفَّارُ ، ثنا عبد الله بن
[الصَّقر، عن]٤) إبراهيم بن المنذر الحزاميِّ، ثنا معن، ثنا عبد الله بن عمر بن حفص ، عن نافع ، عن
ابن عمر قال: لمَّا دخل رسول الله وبر عام الفتح رأى النساء يلطمن وجوه الخيل، فتبسَّم إلى أبي بكر
وقال: (( يا أبا بكر ، كيف قال حَسَّان؟)) فأنشده أبو بكر ، رضي الله عنه (٦):
(١) يعني البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦٩/٥).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٢٩٠) .
(٣) القائل البخاري في (صحيحه)) رقم (٤٢٩١).
(٤)
في ((دلائل النبوة)) (٦٦/٥).
ما بين الحاصرتين مستدرك من (( دلائل النبوة)).
(٥)
البيتان في ((ديوان حسَّان بن ثابت)» (١٧/١) مع بعض الخلاف في ألفاظهما وهما الحادي عشر والثاني عشر من
(٦)
قضيدة مؤلّفة من واحد وثلاثين بيتاً .

٥٤٥
صفة دخوله جة - مكة
عدمت بنّيَّتي إن لم تروها تثير النَّقع من كتفي كَداءُ(١)
ينازعن الأعنَّة مسرَجات يلطّمهن بالخُمُر النساء
فقال رسول الله يح ثُّ: ((ادخُلُوها مِنْ حَيْثُ قال حَسَّان )).
وقال محمد بن إسحاق (٢) : حدَّثني يحيى بن عَبَّاد بن عبد الله بن الزُّبير ، عن أبيه ، عن جدتَّه أسماء
بنت أبي بكر، قالت: لمَّا وقف رسول الله و ﴿ بذي طوى، قال أبو قُحَافة لابنة له من أصغر ولده :
أي بنيّة ، اظهري بي على أبي قُبيس. قالت: وقد كُفَّ بصره . قالت : فأشرفت به عليه ، فقال :
أي بنيّة ، ماذا تَرين ؟ قالت : أرى سواداً مجتمعاً. قال: تلك الخيل . قالت : وأرى رجلاً يسعى بين
يدي ذلك السَّواد مقبلاً ومُذْبراً . قال : أي بنّة ، ذلك الوازع . يعني الذي يأمر الخيل ويتقدَّم إليها. ثم
قالت : قد والله انتشر السَّواد .
فقال: قد والله إذاً دفعت الخيل ، فأسرعي بي إلى بيتي . فانحطّت به ، وتلقَّاه الخيل قبل أن يصل إلى
بيته . قالت : وفي عنق الجارية طوق من ورِق، فتلقاها رجل فيقتطعه من عنقها. قالت : فلمَّا دخل
رسول الله وَ ل مكة ودخل المسجد، أتى أبو بكر بأبيه يقوده، فلمَّا رآه رسول الله مح له قال: «هلاَّ تركت
الشَّيخ في بيته حتى أكون أنا آتيه فيه ؟ )) قال أبو بكر : يا رسول الله ، هو أحقُّ أن يمشي إليك من أن تمشيَ
أنت إليه. قال: فقالت: فأجلسه بين يديه، ثم مسح صدره، ثم قال: ((أسلم)). فأسلم . قالت :
ودخل به أبو بكر، وكان رأسه كالثَّغامة بياضاً ، فقال رسول الله بَّر: ((غيِّروا هذا من شعره)). ثم قام
أبو بكر ، فأخذ بيد أخته ، وقال : أنشُد الله والإسلام طوق أختي . فلم يجبه أحد ، قالت : فقال : أي
أُخيّة ، احتسبي طوقك ، فوالله إن الأمانة في الناس اليوم لقليل . يعني الصِّدِّيق ذلك اليوم على التَّعيين ؛
لأن الجيش فيه كثرة ، ولا يكاد أحد يلوي على أحد مع انتشار الناس ، ولعل الذي أخذه تأوَّل أنَّه من
حربيٍّ ، والله أعلم .
وقال الحافظ البيهقيُ(٣): ثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العبّاس الأصمُّ، ثنا بحر بن نصر، ثنا ابن
وهب ، أخبرني ابن جريج ، عن أبي الزُّبير ، عن جابر أن عمر بن الخطاب أخذ بيد أبي قحافة ، فأتى به
النبيَّ نَّهَ، فلمَّا وقف به على رسول الله وَ له قال: ((غيِّروه ولا تقرِّبوه سواداً)).
قال [ ابن وهب]: وأخبرني عمر بن محمد، عن زيد بن أسلم، أن رسول الله وَليل هنَّا أبا بكر
بإسلام أبيه .
(١) في رواية هذا البيت إقواء .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٥/٢).
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٩٦/٥).

٥٤٦
صفة دخوله - أصلية - مكَّة
قال ابن إسحاق(١): فحدَّثني عبد الله بن أبي نجيح، أن رسول الله وَلَّ حين فرَّق جيشه من ذي طوى،
أمر الزُّبير بن العوَّام أن يدخل في بعض الناس من كُدى ، وكان الزُّبير على المجنَبة اليسرى ، وأمر سعد بن
عبادة أن يدخل في بعض الناس من كَداء .
قال ابن إسحاق (٢): فزعم بعض أهل العلم أن سعداً حين وجَّه داخلاً قال : اليوم يوم الملحمة ،
اليوم تستحلُّ الحرمة . فسمعها رجل ، قال ابن هشام : يقال : إنه عمر بن الخطاب ، فقال :
[ يا رسول الله، ] أتسمع ما يقول سعد بن عبادة؟! ما نأمن أن يكون له في قريش صولة . فقال
رسول الله وَ ل لعليٍّ: ((أدركه فخذ الراية منه، فكن أنت تدخل بها)).
قلت: وذكر غير محمد بن إسحاق ، أن رسول الله وَ ل لما شكى إليه أبو سفيان قول سعد بن عبادة
حين مرَّ به . وقال : يا أبا سفيان ، اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحلُّ الحرمة - يعني الكعبة - فقال النبيُّ
وَ له: ((بل هذا يوم تعظّم فيه الكعبة)). وأمر بالراية - راية الأنصار - أن تؤخذ من سعد بن عبادة كالتأديب
له ، ويقال : إنها دُفعت إلى ابنه قيس بن سعد. وقال موسى بن عقبة ، عن الزهريِّ : دفعها إلى الزُبير بن
العوام . فالله أعلم .
وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة يعقوب بن إسحاق بن دينار ، ثنا عبد الله بن السَّريِّ الأنطاكيُّ ،
ثنا عبد الرحمن بن أبي الزِّناد ، وحدَّثني موسى بن عقبة ، عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله ، قال :
دفع رسول الله وَّ الراية يوم فتح مكة إلى سعد بن عبادة، فجعل يهزُّها ويقول: اليوم يوم الملحمة ، يوم
تستحلُّ الحرمة . قال : فشقَّ ذلك على قريش وكبر في نفوسهم . قال : فعارضت امرأة رسول الله چآ في
مسيره وأنشأت تقول(٣): [من الخفيف ]
يُ قريشٍ ولاتَ حينَ لَجَاءٍ
يا نبيَّ الهُدى إليك لَجَا حَيْ
حين ضاقت عليهمُ سَعَةُ الأر
[والتقت حلقتا البِطَانِ على القو
إن سعداً يريد قاصِمَة الظّهْـ
خَزْرَجِيٌّ لو يستطيعُ من الغَيْـ
فَانْهَيَنْهُ فإنّه الأَسَدُ الأسْـ
ضٍ وعَادَاهُمْ إلهُ السَّمَاء
مٍ ونُودُوا بالصَّيلم الصَّلعاءِ}٤)
ـرِ بأهل الحَجُونِ والبَطْحَاءِ
ظِ رَمَانَا بالنَّسر والعَوَّاءِ
ـودُ واللّيث والغٌّ في الدِّمَاءِ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٤٠٦).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٤٠٦).
(٣) الأبيات الثاني والثالث والرابع والخامس والسابع والثامن في (( الروض الأنف)) للسهيلي (٧/ ٩٩ - ١٠٠) ونسبها
لضرار بن الخطاب .
(٤) هذا البيت لم يرد في (أ) و(ط) وأثبته من ((الروض الأنف)) (٧/ ١٠٠).

٥٤٧
صفة دخوله _ _ مكّة
يا حُمَاةَ اللّوَاءِ أَهْلَ اللّواءِ
فلئن أقحم اللواءَ ونَادَى
بقعة القاع في أكفِّ الإماءِ
لتَكُونَنَّ بالبطَاحِ قريشٌ
يَ صَمُوتٌ كالحيَّةِ الصَّمَّاءِ
إنّه مُصْلَتْ يُريد لَها الرأْ
قال : فلما سمع رسول الله وَّ هذا الشعر دخله رحمة لهم ورأفةٌ بهم ، وأمر بالراية فأخذت من
سعد بن عبادة ، ودفعت إلى ابنه قيس بن سعد . قال : فيروى أنه ، عليه الصلاة والسلام ، أحبّ أن
لا يخيِّيها إذا رغبت إليه واستغاثت به ، وأحبُّ أن لا يغضب سعد ، فأخذ الراية منه فدفعها إلى ابنه .
قال ابن إسحاق(١): وذكر ابن أبي نَجيح في حديثه أن رسول الله وَ ل أمر خالد بن الوليد، فدخل من
اللّيط أسفل مكَّة في بعض الناس، وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها: أسلم، وسليم، وغفار،
ومزينة ، وجهينة، وقبائل من قبائل العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجرّاح بالصَّفِّ من المسلمين، ينصبُّ
لمكة بين يدي رسول الله وَّل، ودخل رسول الله وَله من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، فضربت له هنالك
ووِ
قُبَّتُهُ .
وروى البخاريُّ(٢)، من حديث الزُّهريِّ، عن عليٍّ بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن أسامة بن
زيد، أنه قال زمن الفتح: يا رسول الله، أين تنزل غداً؟ فقال: ((وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟)). ثم
قال: (( لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن)).
ثم قال البخاريُ (٣) : ثنا أبو اليَمَان، ثنا شعيب، ثنا أبو الزِّناد ، عن عبد الرحمن ، عن أبي سلمى عن
أبي هُريرة، عن النبيِّ بَِّ قال: ((منزلنا - إن شاء الله، إذا فتح الله - الخَيْفُ، حيث تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ)) .
وقال الإمام أحمد(٤) : ثنا يونس ، ثنا إبراهيم ، يعني ابن سعد ، عن الزُّهريَّ ، عن أبي سلمة عن
أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: ((منزلنا غداً، إن شاء الله، بخَيف بني كنانة حيث تقاسموا على
الكفر)) . ورواه البخاري(٥) من حديث إبراهيم بن سعد ، به نحوه .
وقال ابن إسحاق (٦): وحدَّثني عبد الله بن أبي نَجيح وعبد الله بن أبي بكر، أن صَفْوَان بن أُمية ،
وعِكْرِمَة بن أبي جهل ، وسُهَيل بن عمرو ، كانوا قد جمعوا ناساً بالخَنْدَمَةِ ليقاتلوا ، وكان حِمَاسُ بن
قيس بن خالد ، أخو بني بكر يُعِدُّ سلاحاً قبل قدوم رسول الله وَّه ويصلح منه ، فقالت له امرأته : لماذا
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٧/٢).
(٢) في ((صحيحه)) رقم (١٥٨٨) و(٤٢٨٢).
(٣) في ((صحيحه )) رقم (٤٢٨٤).
(٤)
في ((المسند)) ( ٢/ ٣٥٣).
(٥) في ((صحیحه )) رقم (٤٢٨٥) .
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٠٧).

٥٤٨
صفة دخوله - الحرية - مكَّة
تُعِدُّ ما أرى؟ قال : لمحمد وأصحابه . فقالت : والله ما أرى يقوم لمحمد وأصحابه شيء . قال : والله
إني لأرجو أن أُخدمك بعضهم . ثم قال : [ من الرجز ]
إن يُقْبلوا اليوم فما لي عِلَّهُ هَذَا سِلاَعٌ كَامِلٌ وألَّهْ
وذو غِرَارَينِ سريعُ السَّلَّهُ
قال: ثم شهد الخَنْدَمَةُ(١) مع صفوان، وعِكْرِمَة ، وسهيل ، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب
خالد ، ناوشوهم شيئاً من قتال ، فقتل كرز بن جابر ، أحد بني محارب بن فهر ، وخنيس بن خالد بن
ربيعة بن أصرم ، حليف بني منقذ ، وكانا في جيش خالد ، فشذا عنه ، فسلكا غير طريقه ، فقتلا جميعاً ،
وكان قبل كرز قتل خنيس . قالا : وقتل من خيل خالد أيضاً سلمة بن الميلاء الجهنيُّ ، وأصيب من
المشركين قريب من اثني عشر أو ثلاثة عشر ، ثم انهزموا ، فخرج حماس منهزماً حتى دخل بيته ، ثم قال
لامرأته : أغلقي عليَّ بابي . قالت : فأين ما كنت تقول ؟ فقال: [ من الرجز ]
إذا فرَّ صَفْوانُ وفَرَّ عِكْرِمَهْ
إنّك لو شَهِدْتِ يوم الخَنْدَمَه
واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
وأبو يزيدَ قائمٌ كالموتَمُ(٢)
ضرباً فلا يسمع إلا غمغمة
يقطعن كلَّ ساعد وجُمجمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
لهم نَهيت خلفنا وهمهمة
قال ابن هشام(٣) : وتُروى هذه الأبيات للرََّماش الهُذليِّ.
قال : وكان شعار المهاجرين يوم الفتح وحنين والطائف : يا بني عبد الرحمن . وشعار الخزرج :
يا بني عبد الله . وشعار الأوس : يا بني عبيد الله .
وقال الطبرانيُ(٤): ثنا عليٍّ بن سعيد الرازيُّ، ثنا أبو حسان الزِّياديُّ، ثنا شعيب بن صفوان ، عن
عطاء بن السائب ، عن طاوس، عن ابن عباس، عن رسول الله وَّم قال: ((إن الله حرَّم هذا البلد يوم
خلق السموات والأرض وصاغه يوم صاغ الشمس والقمر ، وما حِياله من السماء حرام ، وإنه لا يحلُّ لأحد
قبلي ، وإنما حلَّ لي ساعة من نهار ، ثم عاد كما كان )) . فقيل له : هذا خالد بن الوليد يقتل . فقال :
((قم يا فلان فأت خالد بن الوليد، فقل له فليرفع يديه من القتل)). فأتاه الرجل فقال: إن النبيَّ وَّه
(١) الخندمة: جبل بمكّة. انظر ((مراصد الاطلاع)) (٤٨٤/١).
(٢) قال الخشني: الموتمة: هي التي قتل زوجها فبقي لها أيتام. ((شرح غريب السيرة)) (٧٨/٣).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) (٤٠٩/٢).
(٤) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١١٠٠٣) وفي ((الأوسط)) رقم (٣٨٧٨) وفي ((سنده)) شعيب بن صفوان الثقفي
وهو ضعيف عند التفرد ، وفيه عطاء بن السائب وقد اختلط ، ورواية شعيب بن صفوان عنه بعد الاختلاط .

٥٤٩
صفة دخوله - * - مكّة
يقول : اقتل من قدرت عليه. فقتل سبعين إنساناً، فأتى النبيَّ مَيّ فذكر ذلك له ، فأرسل إلى خالد فقال :
(( ألم أنهك عن القتل؟)) فقال: جاءني فلان فأمرني أن أقتل من قدرتُ عليه. فأرسل إليه: ((ألم
آمرك؟)) قال: أردتُ أمراً، وأراد الله أمراً، فكان أمر الله فوق أمرك ، وما استطعت إلا الذي كان .
فسكت عنه النبيُّ ◌َّل، فما ردَّ عليه شيئاً .
قال ابن إسحاق(١): وقد كان رسول الله يَّ عهد إلى أمرائه أن لا يقاتلوا إلا من قاتلهم، غير أنه أهدر
دم نفر سمَّاهم ، وإن وُجدوا تحت أستار الكعبة ، وهم عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح؛ كان قد أسلم
وكتب الوحي ثم ارتدَّ، فلما دخل رسول الله وَ ل ◌ّ مكَّة وقد أهدر دمه ، فرَّ إلى عثمان ، وكان أخاه من
الرَّضاعة ، فلما جاء به ليستأمن له، صمت عنه رسول الله مِّال طويلاً، ثم قال: ((نعم)). فلما انصرف
مع عثمان قال رسول الله وَّر لمن حوله: (( أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني قد صمتُّ
فيقتله)). فقالوا: يا رسول الله، هلا أومأت إلينا؟ فقال: ((إن النبيَّ لا يقتُل بالإشارة)).
وفي رواية: ((إنه لا ينبغي لنبيٍّ أن تكون له خائنة الأعين)).
قال ابن هشام(٢): وقد حَسُنَ إسلامه بعد ذلك، وولاه عمر بعض أعماله ، ثم ولاه عثمان .
قلت : ومات وهو ساجد في صلاة الصبح ، أو بعد انقضاء صلاتها في بيته ، كما سيأتي بيانه .
قال ابن إسحاق (٣) : وعبد الله بن خطل ؛ رجل من بني تيم بن غالب - قلت : ويقال : إن اسمه
عبد العزَّى بن خطل. ويحتمل أنه كان كذلك، ثم لما أسلم سمِّ عبد الله - ولما أسلم بعثه رسول الله و ◌َله
مصدِّقاً وبعث معه رجلاً من الأنصار ، وكان معه مولى له فغضب عليه غضبة فقتله ، ثم ارتدَّ مشركاً(٤) ،
وكان له قَينتان ؛ فَرْتَنَى وصاحبتها، فكانتا تغنيان بهجاء رسول الله بِّهِ والمسلمين ، فلهذا أهدر دمه ودم
قَينتيه ، فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة ، اشترك في قتله أبو برزة الأسلميُّ، وسعيد بن حُريث
المخزوميُّ ، وقتلت إحدى قَينتيه، واستؤمن للأخرى. قال: والحُويرث بن نُقَيذ بن وهب بن عبد بن
قصيٍّ، وكان ممن يؤذي رسول الله بِ له بمَّة، ولما تحمَّل العباس بفاطمة وأمّ كلثوم ليذهب بهما إلى
المدينة يلحقهما برسول الله وَّالر أول الهجرة، نخس بهما الحُويرث هذا الجمل الذي هما عليه ، فسقطتا
إلى الأرض ، فلما أُهدر دمه قتله عليٍّ بن أبي طالب . قال : ومِقْيَس بن صُبابة ؛ لأنه قتل قاتل أخيه
خطأً بعدما أخذ الدِّيّة، ثم ارتدَّ مشركاً ، قتله رجل من قومه يقال له : نُميلة بن عبد الله . قال : وسَارَة
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٩/٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٩/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٩/٢-٤١٠).
(٤) ولتمام الفائدة انظر ((فتح الباري بشرح صحيح البخاري)) (٤/ ٦١) وتعليقي على ((عمدة الأحكام )) ص (١٥٧).

٥٥٠
صفة دخوله - جة - مكّة
مولاة لبني عبد المطلب ولعكرمة بن أبي جهل ؛ لأنها كانت تؤذي رسول اللّه مص ية وهي بمكّة .
قلت : وقد تقدم عن بعضهم أنها التي تحمَّلت الكتاب من حاطب بن أبي بلتعة ، وكأنها عُفي عنها أو
هربت ثم أُهدر دمها، والله أعلم، فهربت حتى استُؤمن لها من رسول اللّه وَّ فأمَّنها ، فعاشت إلى زمن
عمر فأَوطَأها رجلٌ فرساً فماتت. وذكر السُّهيليُّ(١) أن فَرْتَنَى أسلمت أيضاً.
قال ابن إسحاق (٢) : وأما ◌ِكْرمة بن أبي جهل فهرب إلى اليمن ، وأسلمت امرأته أُمُ حكيم بنت
الحارث بن هشام، واستأمنت له من رسول الله بَ ◌ّرٍ فَأَمَّنه، فذهبت في طلبه ، حتى أتت به رسول الله
◌َ﴾، فأسلم .
وقال البيهقي (٣): أنبأنا أبو طاهر محمد بن محمد بن محمِش الفقيه ، أنبأ أبو بكر محمد بن الحسين
القطّان ، أنبأ أحمد بن يوسف السُّلميُّ، ثنا أحمد بن المفضَّل ، ثنا أسباط بن نصر الهمدانيُّ ، قال : زعم
السُّدِّيُّ، عن مصعب بن سعد ، عن أبيه، قال: لما كان يوم فتح مكة أمن رسول اللّه وَلّر الناس إلا أربعة
نفر وامرأتين ، وقال: ((اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلِّقين بأستار الكعبة)) . وهم عِكْرِمَة بن أبي جهل ،
وعبد الله بن خَطَل، ومِقْيَسُ بن صُبابة ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح. فأما عبد الله بن خَطَل فأُدرك
وهو متعلَّق بأستار الكعبة ، فاستبق إليه سعيد بن حُريث ، وعمَّار بن ياسر ، فسبق سعيد عمَّاراً ، وكان
أشبَّ الرجلين ، فقتله، وأما مِقْيَسُ فأدركه الناس في السوق فقتلوه ، وأما عِكْرِمَةُ فركب البحر فأصابتهم
قاصف ، فقال أهل السفينة لأهل السفينة : أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئاً هاهنا . فقال عكرمة :
والله لئن لم ينج في البحر إلا الإخلاص فإنه لا ينجي في البرِّ غيره، اللهم إنَّ لك عليَّ عهداً إن أنت عافيتني
مما أنا فيه ، أن آتي محمداً حتى أضع يدي في يده فلأجدتَّه عفوَّاً كريماً ، فجاء فأسلم ، وأما عبد الله بن
سعد بن أبي سَرْح فإنه اختبأ عند عثمان بن عَفّان ، فلما دعا رسول الله وَ ل الناس إلى البيعة جاء به حتى
أوقفه على النبيِّ وَّ فقال: يا رسول الله، بايع عبد الله. فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثاً، كلُّ ذلك يأبى ،
فبايعه بعد ثلاث ، ثم أقبل على أصحابه فقال: (( أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت
يدي عن بيعته فيقتله؟)) فقالوا : ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك ، هلا أومأت إلينا بعينك ؟ فقال:
(( إنه لا ينبغي لنبيِّ أن تكون له خائنة الأعين)).
ورواه أبو داود والنَّسائيُّ(٤) من حديث أحمد بن المفضَّل به نحوه .
(١) انظر ((الرّوض الأنف)) (١١١/٧).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٠/٢).
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٥٩/٥).
(٤) رواه أبو داود رقم (٢٦٨٣) والنسائي رقم (٤٠٧٨) ، وهو حديث صحيح .

٥٥١
صفة دخوله - ثة - مكّة
وقال البيهقيُّ(١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو العباس الأصمُّ، أنبأنا أبو زُرعة الدِّمشقيُّ، ثنا
الحَسن بن بِشْر الكوفيُّ، ثنا الحكم بن عبد الملك ، عن قتادة ، عن أنس بن مالك قال : أَمَّن
رسول اللّه بَّ الناس يوم فتح مَكّة إلا أربعة؛ عبد العزَّى بن خَطَل، ومِقْيَسَ بن صُبابة ، وعبد الله بن
سعد بن أبي سَرْح ، وأُمَّ سَارَة .
فأمَّا عبد العزَّى بن خَطَل فإنه قُتل وهو متعلِّق بأستار الكعبة . قال : ونذر رجل من الأنصار أن يقتل
عبد الله بن سعد بن أبي سَرْح إذا رآه، وكان أخا عثمان بن عَفّن من الرَّضاعة، فأتى به رسولَ الله ◌ِوَليه
ليشفع له ، فلما بُصر به الأنصاريُّ اشتمل على السَّيف، ثم أتاه فوجده في حلقة رسول الله مَسير ، فجعل
يتردّد ويكره أن يقدم عليه، فبسط النبيُّ وَّل يده فبايعه، ثم قال الأنصاريِّ: ((قد انتظرتك أن
توفي بنذرك)). قال: يا رسول الله، هِبْتَك، أفلا أَومَضْتَ إليَّ؟ قال: ((إنه ليس للنبيِّ أن يُومِض)).
وأما مِقْبَس بن صُبَابة ، فذكر قصته في قتله رجلاً مسلماً بعد إسلامه ، ثم ارتداده بعد ذلك . قال :
وأما أُمُ سَارَة فكانت مولاة لقريش، فأتت النبيَّ وَّ فشكت إليه الحاجة فأعطاها شيئاً، ثم بعث معها رجلٌ
بكتاب إلى أهل مكّة ، فذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة .
وروى محمد بن إسحاق (٢) ، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حَزْم ، أن مِقْيَس بن
صُبابة قُتل أخوه هشام يوم بني المصطلق ، قتله رجل من المسلمين وهو يظنُّه مشركاً ، فقدم مِقْيَس مظهراً
للإسلام ليطلب دِيَة أخيه ، فلما أخذها عدا على قاتل أخيه فقتله ، ورجع إلى مَكَّة مشركاً ، فلما أهدر
رسول الله وَ له دمه قُتِلَ وهو بين الصَّفا والمروة.
وقد ذكر ابن إسحاق والبيهقيُ(٣) شعره حين قتل قاتل أخيه ، وهو قوله : [من الطويل ]
يضرِّج ثوبيه دماءُ الأخادع
شفى النفس من (٤) قد بات بالقاع مسنداً
تلمُّ وتنسيني وطاء المضاجع
وكانت هموم النفس من قبل قتله
سَراة بني النَّجَّار أرباب فارع
قتلت به فِهراً وغرَّمت عقله
وكنت إلى الأوثان أول راجع
حللت به نذري وأدركت ثورتي
[ قلت: ] وقيل: إن القَينتين اللّتين أُهدر دمهما كانتا لِمِقْيَس بن صُبابة هذا، وإنَّ ابن عمه قتله بين
الصفا والمروة .
(١) في ((دلائل النبوة)) (٦٠/٥).
(٢) وهو عند البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٦١/٥) من طريقه.
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٩٣/٢) و((دلائل النبوة)) (٦١/٥).
(٤) في ((السيرة النبوية)) و((دلائل النبوة)): ((أن)).

٥٥٢
صفة دخوله _ لا _ مكّة
وقال بعضهم : قتل ابن خَطَل الزُّبير بن العَوَّام ، رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق (١) : حدَّثني سعيد بن أبي هند ، عن أبي مرَّة مولى عقيل بن أبي طالب ، أن أُمَّ هانىء
ابنة أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله مَ له بأعلى مكة فرَّ إليَّ رجلان من أحمائي من بني مخزوم.
قال ابن هشام(٢): هما الحارث بن هشام ، وزهير بن أبي أمية بن المغيرة .
قال ابن إسحاق(٣) : وكانت عند هبيرة بن أبي وهب المخزوميِّ، قالت: فدخل عليَّ أخي عليُّ بن
أبي طالب فقال: والله لأقتلنّهما. فأغلقتُ عليهما باب بيتي، ثم جئت رسول الله وَّه وهو بأعلى مَكَّة ،
فوجدته يغتسل من جفنة ٤) ، إنَّ فيها لأثر العجين ، وفاطمة ابنته تستره بثوبه ، فلما اغتسل أخذ ثوبه
فتوشَّح به، ثم صلى ثماني ركعات من الضحى، ثم انصرف إليَّ، فقال: «مرحباً وأهلاً بأُمّ هانئ ، ما جاء
بك ؟ )) فأخبرته خبر الرجلين وخبر عليٍّ، فقال: (( قد أجرنا من أَجْرتِ وأَمَّنَّا من أَمَّنتِ ، فلا يَقْتُلُهما )).
وقال البخاريّ(٥) : ثنا أبو الوليد ، ثنا شعبة ، عن عمرو بن مرَّة ، عن ابن أبي ليلى قال : ما أخبرنا
أحد أنه رأى النبيَّ ◌َّه يصلِّي الضُّحى غير أمّ هانئ، فإنها ذكرت أنه يوم فتح مَكّة اغتسل في بيتها ، ثم صلَّى
ثماني ركعات . قالت : ولم أره صلَّى أخفَّ منها ، غير أنه يتمُّ الرّكوع والسجود.
وفي ((صحيح مسلم (٦) من حديث اللَّيث ، عن يزيد بن أبي حَبيب ، عن سعيد بن أبي هند ، أن أبا
مُرَّة مولى عقيل حَدَّثَهُ أن أَمَّ هانىء بنت أبي طالب حدَّثته أنه لما كان عام الفتح ، فَرَّ إليها رجلان من بني
مخزوم فأجارتهما ، قالت : فدخل عليَّ عليٍّ فقال: أقتلهما. فلما سمعتُه أتيت رسول الله وَّل وهو بأعلى
مَكَّة ، فلما رآني رخَب، وقال: (( ما جاء بكِ ؟)) قلت: يا نبيَّ الله، كنت أمَّنت رجلين من أحمائي ،
فأراد عليٍّ قتلهما. فقال رسول الله وَ لَهُ: ((قد أجرنا من أجرتِ يا أمَّ هانئ)).
ثم قام رسول الله مخلية إلى غسله فسترت عليه فاطمة ، ثم أخذ ثوباً فالتحف به ، ثم صلى ثماني ركعات
سبحة الضُحى .
وفي روايةً(٧): أنها دخلت عليه وهو يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب، فقال: ((من هذه؟ )) قالت :
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١١).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١١).
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١١).
(٣)
الجفنة: كالقصعة. انظر ((مختار الصحاح)) ( جفن ).
(٤)
(٥)
في « صحيحه )) رقم (٤٢٩٢) .
رقم (٣٣٦) (٧١) مختصراً في الحيض : باب تستر المغتسل بثوب ونحوه ، واللفظ الذي ساقه المؤلف فهو
(٦)
للبيهقي في « دلائل النبوة)) ( ٨٠/٥ ) .
(٧) وهي بنحوها عند البخاري في ((صحيحه)) رقم (٣٥٧) وعند مسلم رقم ( ٣٣٦) (٨٢).

٥٥٣
صفة دخوله - جدة - مكة
أم هانئ. قال: ((مرحباً بأمِّ هانئ)). قالت: يا رسول الله، زعم ابن أمّي عليُّ بن أبي طالب أنه قاتلٌ
رجلين قد أجرتهما. فقال: ((قَدْ أَجَرْنَا من أجرت يا أمَّ هانئ)). قالت: ثم صلى ثماني ركعات، وذلك
ضحى . فظّن كثير من العلماء أن هذه كانت صلاة الضحى. وقال آخرون : بل كانت هذه صلاة الفتح .
وجاء التصريح بأنه كان يسلِّم مِنْ كلِّ ركعتين .
وهو يردُّ على السهيليُّ(١) وغيره ممن يزعم أن صلاة الفتح تكون ثمانياً بتسليمة واحدة .
وقد صلى سعد بن أبي وقاص يوم فتح المدائن في إيوان كسرى ، ثماني ركعات ، يُسَلّم من كل
ركعتين ، ولله الحمد .
قال ابن إسحاق (٢): وحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير ، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور ، عن
صَفية بنت شَيبة أن رسول الله وَ ل ◌َه لما نزل بمكّة واطمأن الناس ، خرج حتى جاء البيت فطاف به سبعاً على
راحلته ، يستلم الرُّكن بمحجن في يده ، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ،
ففتحت له فدخلها فوجد فيها حَمَامَةً من عيدان ، فكسرها بيده ثم طرحها ، ثم وقف على باب الكعبة وقد
استكفَّ له الناس في المسجد .
وقال موسى بن عقبة(٣) : ثم سَجَدَ سَجْدَتين ، ثم انصرف إلى زمزم فاطّلع فيها ودعا بماءٍ فشرب منها
وتوضأ ، والناس يبتدرون وضوءه ، والمشركون يتعجَّبون من ذلك ، ويقولون : ما رأينا ملكاً قط ولا
سمعنا به - يعني مثل هذا - وأخَّر المقام إلى مقامه اليوم وكان ملصقاً بالبيت .
قال محمد بن إسحاق (٤): فحدَّثني بعض أهل العلم أن رسول الله بَ ي قام على باب الكعبة فقال :
(( لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، صدق وعده ، ونصر عبده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا كلُّ ماتُرة أو
دم أو مال يُدَّعى فهو موضوع تحت قدميَّ هاتين ، إلا سِدانة البيت وسقاية الحاجٌ ، ألا وقتيل الخطأ شبه
العمد بالسّوط والعصا ففيه الدية مغلَّظة ؛ مئة من الإبل ؛ أربعون منها في بطونها أولادها ، يا معشر
قريش ، إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعُّمها بالآباء ، الناس من آدم ، وآدم من تراب )) ثم تلا
هذه الآية: ﴿يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْتَكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى﴾ الآية كلها [الحجرات ١٣]. ثم قال: (( يا معشر
قريش، ما ترون أنى فاعل فيكم ؟)) قالوا: خيراً؛ أخ كريم وابن أخ كريم. قال: (( اذهبوا فأنتم
الطُلقاء)). ثم جلس رسول الله بَّله في المسجد، فقام إليه عليّ بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده ،
(١) انظر ((الروض الأنف)) (١٠٨/٧) والمقصود بقوله: ((وغيره)) الطبري كما جاء مبيناً عند الشُّهيلي.
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١١).
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) (٤٥/٥).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٢/٢)، وإسناده معضل. قال الحافظ العراقي في تخريجه : رواه ابن
الجوزي في (( الوفا)) من طريق ابن أبي الدنيا ، وفيه ضعف .

٥٥٤
صفة دخوله - الحرية - مكَّة
فقال: يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السّقَاية، صلَّى الله عليك. فقال رسول الله عَ ل: ((أين
عثمان بن طلحة؟)) فدعي له فقال: ((هاكَ مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم برِّ ووفاء)).
وقال الإمام أحمد(١) : ثنا سفيان، عن ابن جُدْعَان ، عن القاسم بن ربيعة ، عن ابن عمر ، قال : قال
رسول الله وَّة، يوم فتح مَكَّة، وهو على درج الكعبة: ((الحمد لله الذي صدَق وعده، ونصر عبده ، وهزم
الأحزاب وحده، ألا إن قتيل العمد الخطأ بالسَّوط أو العصا فيه مئة من الإبل)). وقال مرة أخرى: ((مغلَّظة
فيها، أربعون خَلِفة في بطونها أولادها، ألا إن كلَّ مأثُرة كانت في الجاهلية ودم ودعوى - وقال مرة: ومال -
تحت قدميَّ هاتين ، إلا ما كان من سقاية الحاجِّ وسِدَانَة البيت، فإني أمضيتهما لأهلهما على ما كانت)).
وهكذا رواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجه (٢) من حديث علي بن زيد بن جُدْعَان ، عن القاسم بن
ربيعة بن جوشن الغطفانيِّ ، عن ابن عمر به .
قال ابن هشام٣) : وحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله ێ دخل البيت يوم الفتح ، فرأى فيه صور
الملائكة وغيرهم، ورأى إبراهيم ، عليه السلام ، مصوَّراً في يده الأزلام يستقسم بها ، فقال :
((قاتلهم الله، جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام، ما شأن إبراهيم والأزلام؟! ﴿ مَا كَانَ إِنَهِيمُ ◌َهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا
وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾)) [آل عمران: ٦٧ ] ثم أمر بتلك الصُّور كلِّها فطمست.
وقال الإمام أحمد(٤) : ثنا سليمان ، أنبأ عبد الرحمن ، عن موسى بن عقبة ، عن أبي الزبير ، عن
جابر قال: كان في الكعبة صور، فأمر رسول الله وَ﴿ [عمر بن الخطاب] أن يمحوها، قبلَّ عمر ثوباً
ومحاها به، فدخلها رسول الله وَ لوه وما فيها منها شيء.
وقال البخاريّ(٥) : ثنا صدقة بن الفضل ، ثنا ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن أبي
معمر، عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: دخل رسول الله وَ لير مكة يوم الفتح ، وحول البيت ستون
وثلاثمئة نصب ، فجعل يطعنها بعود في يده ، ويقول : (( جاء الحقُّ وزهق الباطل ، جاء الحقُّ وما يبدىء
الباطل وما يعيد )).
وقد رواه مسلم(٦) من حديث ابن عيينة .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ١١)، إسناده ضعيف بطوله، ولأوله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود
رقم ( ٤٥٤٧ ) فهو به حسن .
(٢) رواه أبو داود رقم (٤٥٤٩) وابن ماجة رقم (٢٦٢٨)، وإسناده ضعيف .
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١٣).
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٩٦/٣)، وهو حديث صحيح .
(٥) في (( صحيحه )) رقم (٤٢٨٧) .
(٦) . رقم (١٧٨١) في الجهاد والسّير: باب إزالة الأصنام من حول الكعبة.

٥٥٥
صفة دخوله - جدة - مكة
وروى البيهقيُّ(١)، عن ابن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عليٍّ بن عبد الله بن عباس ، عن
أبيه قال: دخل رسول الله وَّيه يوم الفتح مكة ، وعلى الكعبة ثلاثمئة صنم ، فأخذ قضيبه فجعل يهوي به
إلى الصنم ، وهو يهوي ، حتى مرَّ عليها كلِّها .
ثم من طريق سويد، عن القاسم بن عبد الله، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله وليه
لمَّا دخل مَكَّة وجد بها ثلاثمئة وستين صنماً، فأشار إلى كلِّ صنم بعصاً وقال: (( جاء الحقّ وزهق
الباطل ، إنَّ الباطل كان زهوقاً)) . فكان لا يشير إلى صَنَم إلا ويَسْقُطُ من غير أن يمسَّه بعصاه .
ثم قال : وهذا وإن كان ضعيفاً ، فالذي قبله يؤكده .
وقال حنبل بن إسحاق (٢) : أنبأنا أبو الربيع ، عن يعقوب القمِّيِّ ، ثنا جعفر بن أبي المغيرة ، عن ابن
أبزى قال: لمَّا افتتح رسول الله وَله مكة ، جاءت عجوز شمطاء حبشيَّة تخمش وجهها ، وتدعو بالويل ،
فقال رسول الله وَلي: ((تلك نائلة، أيست أن تعبد ببلدكم هذا أبداً)).
وقال ابن هشام(٣) : حدَّثني من أثق به من أهل الرواية في إسناد له ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن
عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس أنَّه قال: دخل رسول الله وَ لل مكة يوم الفتح على راحلته ، فطاف عليها ،
وحول الكعبة أصنام مشدودة بالرَّصاص ، فجعل النبيُّ مَّل يشير بقضيب في يده إلى الأصنام ويقول :
((جاء الحقُّ وزهق الباطل، إنَّ الباطل كان زهوقاً)). فما أشار إلى صنم منها في وجهه إلا وقع لقفاه ، ولا
أشار إلى قفاه إلا وقع لوجهه، حتى ما بقي منها صنم إلا وقع ، فقال تميم بن أسدِ الخزاعيُّ: [ من الوافر]
وفي الأصنام معتبَرٌ وعلمٌ لمن يرجو الثّواب أو العِقَابَا
وفي ((صحيح مسلم)(٤) عن شيبان بن فروخ ، عن سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ، عن عبد الله بن
رباح ، عن أبي هريرة ، في حديث فتح مكة ، قال : وأقبل رسول الله ولو حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه ،
وطاف بالبيت ، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه ، وفي يد رسول الله وَالر قوس ، وهو آخذ
بسِيتها، فلمَّا أتى على الصنم ، جعل يطعُن في عينه ويقول: (( جاء الحقُّ وزهق الباطل ، إنَّ الباطل كان
زهوقاً)) . فلمَّا فرغ من طوافه أتى الصفا ، فعلا عليه ، حتى نظر إلى البيت ، فرفع يديه وجعل يحمد الله
ويدعو بما شاء أن يدعو .
(١) في ((دلائل النبوة)) (٧١/٥).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٧٥/٥).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٦/٢).
(٤) رقم (١٧٨٠) .

٥٥٦
صفة دخوله - چ : - مكّة
وقال البخاريّ(١): ثنا إسحاق بن منصور، ثنا عبد الصّمد، ثنا أبي، ثنا أيوب، عن عِكْرِمَة ، عن ابن
عباس، أنَّ رسول الله بِّهِ لمَّا قدم مَكَّة، أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة، فأمر بها فأُخرجت ، فأُخرج صورة
إبراهيم وإسماعيل، عليهما السلام، وفي أيديهما من الأزلام، فقال: (( قاتلهم الله، لقد علموا
ما استقسما بها قطُ )). ثم دخل البيت، فكبّر في نواحي البيت، وخرج ولم يصلِّ. تفرَّد به البخاريُّ دون
مسلم .
وقال الإمام أحمد(٢): ثنا عبد الصمد، ثنا همام، ثنا عطاء، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله وَال
دخل الكعبة وفيها ست سوار ، فقام إلى كلِّ سارية ، فدعا ولم يصلِّ فيه . ورواه مسلم ، عن شيبان بن
فرُّوخ ، عن همام بن يحيى العوذيِّ ، عن عطاء به .
وقال الإمام أحمد (٣) : ثنا هارون بن معروف ، ثنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث، أنَّ بكيراً
حدَّثه عن كريب، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله بَّل حين دخل البيت وجد فيه صورة إبراهيم وصورة
مريم، فقال: (( أمَّا هم فقد سمعوا أنَّ الملائكة لا تدخل بيتاً فيه صورة ، هذا إبراهيم مصوَّراً ، فما باله
يستقسم؟!)).
وقد رواه البخاريُّ والنسائي(٤) من حديث ابن وهب به .
وقال الإمام أحمد(٥) : ثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، أخبرني عثمان الجزريُّ، أنَّه سمع مِقسماً يحدِّث
عن ابن عباس قال : دخل رسول الله وَ لآل البيت فدعا في نواحيه، ثم خرج فصلَّى ركعتين. تفرَّد به أحمد.
وقال الإمام أحمد(٦): ثنا إسماعيل، أخبرنا ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله واله
صلَّى في البيت ركعتين .
قال البخاريّ(٧): وقال الليث: ثنا يونس، أخبرني نافع، عن عبد الله بن عمر، أنَّ رسول الله وَل
أقبل يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، مردفاً أسامة بن زيد، [ ومعه بلال ]، ومعه عثمان بن
طلحة ، من الحجبة ، حتى أناخ في المسجد ، فأمره أن يأتي بمفتاح الكعبة ، فدخل ومعه أسامة بن زيد
وبلال وعثمان بن طلحة ، فمكث فيه نهاراً طويلاً ، ثم خرج فاستبق الناسُ ، فكان عبد الله بن عمر أول
(١) في (( صحيحه )) رقم ( ٤٢٨٨).
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٣١١/١)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (١٣٣١).
(٤) رواه البخاري رقم (٣٣٥١) والنسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٩٧٧٢).
(٣)
رواه أحمد في «المسند)) (١/ ٢٧٧).
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٨٣/١)، وهو حديث صحيح.
(٦) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ٥٠)، وهو حديث صحيح.
(٧) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٤٢٨٩) تعليقاً ورقم (٢٩٨٨) موصولًا.

٥٥٧
صفة دخوله - * - مكّة
من دخل، فوجد بلالاً وراء الباب قائماً، فسأله: أين صلى رسول الله وَلَّهِ؟ فأشار له إلى المكان الذي
صلَّى فيه . قال عبد الله: فنسيت أن أسأله كم صلَّى من سجدة .
ورواه الإمام أحمد(١) ، عن هشيم ، ثنا غير واحد وابن عون ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : دخل
رسول الله صل البيت ومعه الفضل بن عباس، وأسامة بن زيد، وعثمان بن طلحة، وبلال، فأمر بلالاً
فأجاف عليهم الباب ، فمكث فيه ما شاء الله ، ثم خرج . قال ابن عمر : فكان أوَّل من لقيت منهم بلالاً ،
فقلت: أين صلَّى رسول الله وَ لّه؟ قال: هاهنا بين الأسطوانتين.
قلت: وقد ثبت في ((صحيح البخاريِّ)) وغيره (٢)، أنَّه ◌ِ ◌ّ صلى في الكعبة تلقاء وُجهة بابِها من وراء
ظهره ، فجعل عمودين عن يمينه ، وعموداً عن يساره ، وثلاثة أعمدة وراءه ، وكان البيت يومئذ على ستة
أعمدة ، وكان بينه وبين الحائط الغربيِّ مقدار ثلاثة أذرع.
قال ابن هشام(٣): وحدَّثني بعض أهل العلم، أنَّ رسول الله وح ليزر دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال ،
فأمره أن يؤذِّن ، وأبو سفيان بن حرب وعتَّاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة ، فقال
عتَّاب : لقد أكرم الله أسِيداً أن لا يكون سمع هذا ، فيسمع منه ما يغيظه . فقال الحارث بن هشام : أما
والله لو أعلم أنه محٌّ لاتَّبعته . فقال أبو سفيان: لا أقول شيئاً ، لو تكلَّمت لأَخبرت عني هذه الحصا .
فخرج عليهم رسول الله وَّر فقال: ((قد علمت الذي قلتم)) . ثم ذكر ذلك لهم ، فقال الحارث وعتَّب:
نشهد أنَّك رسول الله ، ما اطّلع على هذا أحد كان معنا فنقول : أخبرك .
وقال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق ، حدَّثني والدي ، حدَّثني بعض آل جبير بن مطعم ، أنَّ
رسول الله وَّ لَمَّا دخل مكة أمر بلالاً، فعلا على الكعبة على ظهرها، فأذَّن عليها بالصلاة ، فقال
بعض بني سعيد بن العاص : لقد أكرم الله سعيداً إذ قبضه قبل أن يسمع(٤) هذا الأسود على ظهر الكعبة .
وقال عبد الرزاق(٥)، عن معمر، عن أيوب قال: قال ابن أبي مليكة: أمر رسول الله وَلَه بلالاً فأذَّن
يوم الفتح فوق الكعبة ، فقال رجل من قريش للحارث بن هشام : ألا ترى إلى هذا العبد أين صعِد ؟!
فقال : دعه ، فإن يكن الله يكرهه ، فسيغيِّره .
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣/٢)، وهو حديث صحيح ، لكن قوله: ومعه الفضل بن عباس شاذ.
(٢) هو عند البخاري رقم (٥٠٥) وعند أبي داود رقم (٢٠٢٣) وعند النسائي رقم ( ٧٤٨).
(٣)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤١٣).
في ((دلائل النبوة)) للبيهقي: ((قبل أن يرى)).
(٤)
(٥) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٧٩/٥).

٥٥٨
صفة دخوله - 3# - مكة
وقال يونس بن بكير وغيره ، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، أنَّ رسول الله وَ لَّ أمر بلالاً عام الفتح
فأذن على الكعبة ليغيظ به المشركين .
وقال محمد بن سعد(١) ، عن محمد بن عبيد ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي إسحاق ، أنَّ
أبا سفيان بن حرب بعد فتح مكة كان جالساً ، فقال في نفسه: لو جمعت لمحمد جمعاً، فإنَّه ليحدِّث
نفسه بذلك، إذ ضرب رسول الله بَّ﴿ بين كتفيه وقال: ((إذاً يُخْزِيْكَ الله)). قال : فرفع رأسه ، فإذا
رسول الله وَ ◌ّه قائم على رأسه، فقال: ما أَنْقَنْتُ أنَّك نبيٌّ حتى السَّاعة.
قال البيهقيُّ : وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ إجازة ، أنبأنا أبو حامد أحمد بن علي بن الحسن
المقرى ، أنبأنا أحمد بن يوسف السُّلميُّ ، ثنا محمد بن يوسف الفِرْيَابِيُّ ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن
أبي السّفر ، عن ابن عباس قال : رأى أبو سفيان رسول الله وَّل يمشي والناس يطؤون عقبه، فقال بينه
وبين نفسه: لو عاودت هذا الرجل القتال. فجاء رسول الله وَ ل حتى ضرب بيده في صدره فقال: ((إذاً
يخزيك الله)) . فقال: أتوب إلى الله، وأستغفر الله مما تفوَّهتُ به . ثم روى البيهقيُّ، من طريق ابن
خزيمة وغيره ، عن أبي حامد بن الشَّرقيِّ ، عن محمد بن يحيى الذُّهليِّ، ثنا [ محمد ] بن موسى بن أعين
الجزريُّ ، ثنا أبي ، عن إسحاق بن راشد ، عن الزُّهريِّ ، عن سعيد بن المسيّب قال: لمَّا كان ليلة دخل
الناس مكة ليلة الفتح ، لم يزالوا في تكبير وتهليل وطواف بالبيت حتى أصبحوا ، فقال أبو سفيان لهند :
أتريْن هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله. قال: ثم أصبح أبو سفيان فغدا إلى رسول الله مَله، فقال
له رسول الله وَله: ((قلت لهند: أترين هذا من الله؟ قالت: نعم، هذا من الله)). فقال أبو سفيان:
أشهد أنَّك عبد الله ورسوله ، والذي يحلف به ما سمع قولي هذا أحد من الناس غير هند .
وقال البخاريٌّ(٢) : ثنا إسحاق ، ثنا أبو عاصم، عن ابن جريج ، أخبرني حسن بن مسلم ، عن
مجاهد، أنَّ رسول الله وَ لّه قال: ((إنَّ الله حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض ، فهي حرام بحرام الله
إلى يوم القيامة ، لم تحلَّ لأحد قبلي ، ولا تحلُّ لأحد بعدي ، ولم تحلل لي إلا ساعة من الدَّهر ، لا ينفّر
صيدها ، ولا يعضد شوكها ، ولا يختلى خلاها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد)). فقال العباس بن
عبد المطلب: إلا الإذخر يا رسول الله؛ فإنَّه لا بدَّ منه للقَين والبيوت. فسكت ثم قال: ((إلا الإذخر ،
فإنَّه حلال )) .
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (١٠٢/٥).
(٢) في ((صحيحه)) رقم (٤٣١٣).

٥٥٩
صفة دخوله - جدة - مكة
وعن ابن جريج ، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجزريُّ - عن عكرمةُ(١) ، عن ابن عباس بمثل
هذا أو نحو هذا. ورواه أبو هريرة عن النبيِّ وَّه. تفرَّد به البخاريُّ من الوجه الأوَّل ، وهو مرسل، ومن
الوجه الثاني أيضاً .
وبهذا الحديث وأمثاله استدلَّ من ذهب إلى أن مَكَّة فتحت عَنْوَة ، وللوقعة التي كانت في
الخَنْدَمَة٢ُ) ، كما تقدَّم ، وقد قتل فيها قريب من عشرين نفساً من المسلمين والمشركين ، وهي ظاهرة في
ذلك ، وهو مذهب جمهور العلماء . والمشهور عن الشافعيِّ أنها فتحت صلحاً ؛ لأنها لم تقسم ، ولقوله
وَ لّ ليلة الفتح: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ، ومن دخل الحرم فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو
آمن)). وموضع تقرير هذه المسألة في كتاب ((الأحكام الكبير))، إن شاء الله تعالى .
وقال البخاريّ(٣) : ثنا سعيد بن شرحبيل ، ثنا الليث ، عن المقبريِّ، عن أبي شريح العدويٍّ، أنَّه
قال لعمرو بن سعيد ، وهو يبعث البعوث إلى مكة : ائذن لي أيُّها الأمير ، أحدِّثك قولاً قام به رسول الله
وَسّ الغد من يوم الفتح، سمعتْه أذناي ووعاه قلبي وأبصرته عيناي حين تكلّم به؛ إنَّه حمد الله وأثنى عليه
ثم قال: (( إنَّ مكة حرَّمها الله ولم يحرِّمها الناس ، لا يحلُّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها
دماً، ولا يعضد بها شجراً، فإنْ أحد ترخَّص لقتال رسول الله وَ له فقولوا: إنَّ الله أذن لرسوله ولم يأذن
لكم . وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار ، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس ، فليبلِّغ الشاهد
الغائب)) . فقيل لأبي شريح: ماذا قال لك عمرو ؟ قال : قال : أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح ، إن
الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فارّاً بدم ، ولا فاراً بخربة .
وروى البخاريُّ أيضاً ومسلمٌ(٤) ، عن قتيبة ، عن اللّيث بن سعد به نحوه .
وذكر ابن إسحاق(٥) أن رجلاً يقال له: ابن الأَنْوَع. قتل رجلاً في الجاهلية من خُزَاعَة يقال له :
أحمر بأساً . فلمَّا كان يوم الفتح قتلت خزاعة ابن الأثوع وهو بمكة ، قتله خراش بن أمية ، فقال
رسول الله ◌َ له: (( يا معشر خزاعة، ارفعوا أيديكم عن القتل، لقد كثر القتل إن نفع، لقد قتلتم رجلاً
لأدينَّه )) .
(١) يعني ( عكرمة البَرْبَريّ) مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، مات سنة (١٠٤) وقيل (١٠٥) هـ. انظر
((تقريب التهذيب)) ص (٣٩٧) و((شذرات الذهب)) (٣٢/٢) بتحقيقي .
(٢) الخندمة: جبل بمكّة. انظر ((مراصد الاطلاع)) (١/ ٤٨٤).
(٣)
في (( صحيحه )) رقم (٤٢٩٥) .
هو عند البخاري رقم (١٨٣٢) وعند مسلم رقم (١٣٥٤) .
(٤)
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٤/٢).

٥٦٠
صفة دخوله ۔۔ ۔ مكَّة
قال ابن إسحاق(١): وحدَّثني عبد الرحمن بن حرملة الأسلميُّ، عن سعيد بن المسيَّب قال: لمَّا بلغ
رسولَ اللهِوَ لَه ما صنع خراش بن أمّيَّة قال: ((إنَّ خراشاً لقتَّال)).
وقال ابن إسحاق (٢): وحدَّثني سعيد بن أبي سعيد المقبريُّ، عن أبي شريح الخزاعيِّ العدويِّ قال:
لمَّا قدم عمرو بن الزّبير مكة لقتال أخيه عبد الله بن الزبير ، جئته فقلت له : يا هذا ، إنا كنا مع رسول الله
وَالل حين افتتح مكة، فلمَّا كان الغد من يوم الفتح ، عدت خزاعة على رجل من هذيل فقتلوه وهو مشرك ،
فقام رسول الله وَ له فينا خطيباً فقال: (( يا أيُّها الناس، إن الله قد حرَّم مكة يوم خلق السماوات والأرض ،
فهي حرام من حرام الله إلى يوم القيامة ، فلا يحلُّ لامرىء يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دماً ، ولا
يعضد فيها شجراً ، لم تحلل لأحد كان قبلي ، ولا تحلُّ لأحد يكون بعدي ، ولم تحلل لي إلا هذه
الساعة ؛ غضباً على أهلها ، ألا ثُمَّ قد رجعت كحرمتها بالأمس ، فليبلِّغ الشاهد منكم الغائب ، فمن قال
لكم : إنَّ رسول الله بِّل قد قاتل فيها. فقولوا: إنَّ الله قد أحلَّها لرسوله ، ولم يحلَّها لكم . يا معشر
خزاعة ، ارفعوا أيديكم عن القتل فلقد كثر إن نفع ، لقد قتلتم قتيلاً لأدينَه ، فمن قتل بعد مقامي هذا فأهله
بخير النَّظرين؛ إن شاؤوا فدم قاتله، وإنْ شاؤوا فعقله)). ثم ودى رسول الله وَّر ذلك الرجل الذي قتلته
خزاعة ، فقال عمرو لأبي شريح : انصرف أيُّها الشيخ ، فنحن أعلم بحرمتها منك ، إنها لا تمنع سافك
دم ، ولا خالع طاعة ، ولا مانع جزية . فقال أبو شريح : إني كنتُ شاهداً ، وكنتَ غائباً ، وقد أمرنا
رسول الله وَ﴿ أن يبلِّغ شاهدنا غائباً، وقد أبلغتك، فأنت وشأنك .
قال ابن هشام(٣): وبلغني أنَّ أوَّل قتيل وداه رسول الله وَّه يوم الفتح جُنَيْدب بن الأكوع، قتلتْه بنو
كعب ، فوداه رسول الله وَلقه بمئة ناقة .
وقال الإمام أحمد(٤) : ثنا يحيى، عن حسين ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جدِّه قال: لمَّا
فتحت مكَّة على رسول الله وَّه قال: ((كُقُوا السّلاح، إلا خُزَاعَة عن بني بكر)). فأذن لهم حتى صلَّى
العصر، ثم قال: ((كقُّوا السلاح)). فلقي رجل من خُزَاعَة رجلاً من بني بكر من غد بالمزدلفة فقتله ،
فبلغ ذلك رسول الله وَل﴿ فقام خطيباً فقال - فرأيته وهو مسند ظهره إلى الكعبة قال -: ((إنَّ أعدى الناس
على الله من قتل في الحرم ، أو قتل غير قاتله ، أو قتل بذحول الجاهلية )) . وذكر تمام الحديث ، وهذا
غريب جداً .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٥/٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤١٥/٢).
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٧٩/٢).
(٣)
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٩/٢)، وإسناده حسن، ولبعضه شواهد يصح بها.