النص المفهرس

صفحات 521-540

٥٢١
ذكر سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
وهذا الحديث مخرَّج في (( الصحيحين)(١) من طريق خالد بن مِهْرَان الحَذَّاء ، عن أبي عثمان
النَّهديِّ، واسمه عبد الرحمن بن مَلِّ، حدثني عمرو بن العاص أنَّ رسول الله وَّل بعثه على جيش ذات
السَّلاسل، فأتيته فقلت: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: ((عائشة)). قلت : فمن الرجال ؟ قال :
((أبوها)). قلت: ثم من؟ قال: ((ثمَّ عمر بن الخطاب)). فعدَّ رجالاً، وهذا لفظ البخاري .
وفي رواية٢ٌ) : قال عمرو : فسكتُ مخافة أن يجعلني في آخرهم .
سَرِيةٌ أَبِي عُبَيْدَةَ بن الجَرَّاحِ
إلى سيف البحر(٣)
قال الإمام مالك ، عن وهب بن كيسان ، عن جابر قال: بعث رسول الله وَ ل بعثاً قبل الساحل، وأمَّر
عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح ، وهم ثلاثمئة . قال جابر : وأنا فيهم ، فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق
فني الزاد ، فأتوا أبا عبيدة بأزواد ذلك الجيش ، فجُمع كلُّه ، فكان مزودي تمر ، فكان يقوتنا كل يوم قليلاً
قليلاً حتى فني ، فلم يكن يصيبنا إلا تمرة تمرة . قال : فقلت : وما تعني تمرة ؟ فقال : لقد وجدنا فقدها
حين فنيت . قال : ثم انتهينا إلى البحر ، فإذا حوت مثل الظرب . قال : فأكل منه ذلك الجيش ثماني
عشرة ليلة ، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا ، ثم أمر براحلة فرحلت ، ثم مرَّت تحتهما فلم
تصبهما. أخرجاه في (( الصحيحين )(٤) من حديث مالك ، بنحوه .
وهو في (( الصحيحين)) أيضا6) من طريق سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن جابر قال : بعثنا
رسول الله و180 في ثلاثمئة راكب ، وأميرنا أبو عبيدة بن الجراح ، نرصد عيراً لقريش ، فأصابنا جوع
شديد ، حتى أكلنا الخبَط ، فسمى ذلك الجيش جيش الخبَط . قال : ونحر رجل ثلاث جزائر ، ثم نحر
ثلاث جزائر ، ثم ثلاثاً ، فنهاه أبو عبيدة . قال : وألقى البحر دابة يقال لها : العنبر . فأكلنا منها نصف
شهر وادّهنّا ، حتى ثابت إلينا أجسامنا وصلحت . ثم ذكر قصة الصِّلع . فقوله في الحديث : نرصد عيراً
لقريش . دليل على أنَّ هذه السريّة كانت قبل صلح الحُدَيبية، والله أعلم .
(١) رواه البخاري رقم (٣٦٦٢) و(٤٣٥٨) ومسلم رقم (٢٣٨٤) .
(٢)
وهي عند البخاري رقم ( ٤٣٥٨) .
انظر خبرها في ((الاكتفا في مغازي الرسول ◌َطُهر والثلاثة الخلفا)) للكلاعي (٤٢٨/٢).
(٣)
(٤ )
رواه البخاري رقم (٢٤٨٣) و(٤٣٦٠) ومسلم رقم (١٩٣٥) (٢١).
(٥) رواه البخاري رقم (٤٣٦١) و(٥٤٩٤) ومسلم رقم (١٩٣٥).

٥٢٢
ذكر سرية أبي عبيدة بن الجراح إلى سيف البحر
والرجل الذي نحر لهم الجزائر هو قَيس بن سَعد بن عُبَادَة ، رضي الله عنهما.
وقال الحافظ البيهقي(١): أنبأنا أبو عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو بكر بن إسحاق ، ثنا إسماعيل بن
قُتيبة، ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خَيْثَمَة ، وهو زُهير بن معاوية ، عن أبي الزّبير ، عن جابر قال : بعثنا
رسول الله ◌َّةٍ، وأَمَّر علينا أبا عبيدة، نتلقَّى عيراً لقريش، وزؤَّدنا جِرَابا٢ً) من تمرٍ ، لم يجد لنا غيره ،
فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة . قال : فقلت : كيف كنتم تصنعون بها ؟ قال : كنا نمصها كما يمص
الصبيُّ، ثم نشرب عليها الماء ، فتكفينا يومنا إلى الليل ، وكنا نضرب بعِصيِّنا الخبَط ، ثم نبلُه بالماء
فنأكله . قال : فانطلقنا إلى ساحل البحر ، فرفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم ، فأتيناه فإذا
به دابّة تدعى العنبر، فقال أبو عبيدة: ميتة. ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول الله وَّةٍ وفي سبيل الله،
وقد اضطررتم ؛ فكلوا . قال : فأقمنا عليه شهراً ونحن ثلاثمئة حتى سمنًا ، ولقد كنّا نغرف من وقب عينه
بالقلال الذُّهن ، ونقتطع منه الفِدَر كالثَّور ، أو كقَدر الثور ، ولقد أخذ منَّا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلاً ،
فأقعدهم في عينه ، وأخذ ضلعاً من أضلاعه ، فأقامها ثم رحل أعظم بعير منها ، فمرَّ تحتها ، وتزوَّدنا من
لحمها وشائقَ، فلما قدمنا المدينة، أتينا رسول الله وَ لّ فذكرنا ذلك له، فقال: ((هو رزق أخرجه الله
لكم ، فهل معكم شيء من لحمه تطعمونا؟)) قال: فأرسلنا إلى رسول الله بَّليل فأكل منه. ورواه مسلم ،
عن يحيى بن يحيى وأحمد بن يونس ، وأبو داود ، عن النُّيليِّ، ثلاثتهم عن أبي خيثمة زهير بن معاوية
الجعفي [ الكوفي ] عن أبي الزُّبير محمد بن مسلم بن تَدْرُس المَكِّي ، عن جابر بن عبد الله الأنصاري ،
[ به ] .
قلت : ومقتضى [ أكثر] هذه السِّيَاقَات، أنَّ هذه السريّة كانت قبل صلح الحديبية ، ولكن أوردناها
هاهنا تبعاً للحافظ البيهقيِّ، رحمه الله، فإنَّه أوردها بعد مُؤْتَةً وقبل غزوة الفتح ، والله أعلم .
وقد ذكر البخاري(٣) بعد غزوة مؤتة سرية أُسامة بن زيد إلى الحُرَقَاتِ (٤) من جُهينة، فقال: حدَّثنا
عمرو بن محمد ، ثنا هشيم ، أنبأنا حصين بن جندب ، ثنا أبو ظبيان ، قال : سمعت أسامة بن زيد
يقول: بعثنا رسول الله وَ لَه إلى الحُرَقة، فصبَّحْنا القوم فهزمناهم، ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلاً
منهم ، فلمَّا غشيناه قال : لا إله إلا الله . فكف الأنصاري ، فطعنته برمحي حتى قتلته ، فلمّا قدمنا بلغ
النبيَّ ◌َّله فقال: (( يا أسامة، أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟)) قلت: كان متعوِّداً. فما زال يكرِّرها،
حتى تمنّيت أنّي لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم . وقد تقدَّم هذا الحديث والكلام عليه فيما سلف .
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (٤ /٤٠٨).
(٢) الجراب: المزود أو الوعاء. انظر ((القاموس المحيط)) (جرب).
(٣) في ((صحيحه )) رقم (٤٢٦٩).
(٤) انظر ((مراصد الاطلاع)) (٣٩٣/١).

٥٢٣
ذكر سرية أبي عبيدة بن الجرّاح إلى سيف البحر
ثم روى البخاري(١) من حديث يزيد بن أبي عُبيد، عن سلمة بن الأكوع قال : غزوتُ مع رسول الله
مِ ثلّ سبع غزوات ، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، علينا مرّةً أبو بكر ، ومرّة أُسامة بن
زيد ، رضي الله عنهما .
ثم ذكر الحافظ البيهقيُّ(٢) هاهنا موت النجاشي - صاحب الحبشة - على الإسلام، ونَعيَ رسول الله
وِيّ له إلى المسلمين، وصلاته عليه(٣)، فروى من طريق مالك، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيَّب ،
عن أبي هُريرة، أنَّ رسول الله وََّ نَعى إلى الناس النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى
المصلَّى، فصفَّ بهم وكبّر أربع تكبيرات . أخرجاه(٤) من حديث مالك ، وأخرجاه أيضا٥ً) من حديث
اللّيث ، عن عقيل ، عن الزهريِّ ، عن سعيد وأبي سلمة ، عن أبي هريرة بنحوه .
وأخرجاه٦) من حديث ابن جُريج، عن عطاءٍ، عن جابر قال: قال رسول الله وَلَهَ: «مَاتَ اليومَ
رَجُلٌ صَالِحٌ)) فصلَّوا على أَصْحَمَة .
وقد تقدَّمت هذه الأحاديث أيضاً والكلام عليها ، ولله الحمد .
قلت : والظّاهر أن موت النجاشيِّ كان قبل الفتح بكثير؛ فإنَّ في ((صحيح مسلم)) أنَّه لمَّ كتب إلى
ملوك الآفاق ، كتب إلى النَّجاشيِّ، وليس هو بالمسلم(٧) ، وزعم آخرون كالواقدي أنَّه هو ، والله أعلم .
وروى الحافظ البيهقي(٨) من طريق مسلم بن خالد الزَّنجيِّ ، عن موسى بن عقبة ، عن أبيه ، عن أم
كلثوم قالت: لمَّا تزوج النبيّ ◌َّهِ أَمَّ سَلَمة قال: ((قد أَهْدَيْتُ إلى النجاشيِّ أواقي من مِسكٍ وحُلّة ، وإِنِّي
لا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية إلا ستُرَدُّ عليَّ، فإن ردَّت عليَّ - أظنُّه قال - قسمتها بينكنَّ)) أو (( فهي
لكِ)). قال: فكان كما قاله رسول الله وَ ل؛ مات النجاشيُّ وردَّت الهدية، فلمَّا رُدَّت عليه، أعطى كلَّ
(١) في (( صحيحه)) رقم (٤٢٧٠).
(٢)
في (( دلائل النبوة» (٤ / ٤١٠).
(٣) انظر ((عمدة الأحكام)) للمقدسي ص (١١٧) بتحقيقي ، ومراجعة والدي وأستاذي المحدّث الشيخ عبد القادر
الأرناؤوط ، طبع دار الثقافة العربية بدمشق ، و((إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين)) لابن طولون ص (٥٧ -
٨٠ ) بتحقيقي .
(٤) رواه البخاري رقم (١٢٤٥) و(١٣٣٣) ومسلم رقم (٩٥١) (٦٢).
(٥) رواه البخاري رقم (١٣٢٧) و(١٣٢٨) ومسلم رقم (٩٥١) (٦٣).
(٦) رواه البخاري رقم (١٣٢٠) و(٣٨٧٧) ومسلم رقم (٩٥٢) (٦٥).
(٧) قلت : ولكنه أسلم حين وصلته الرسالة وردّ عليها ردّاً حسناً كما هو مبين فيما ساقه ابن طولون من النصوص في
(( إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين)) ص (٥٥ - ٥٦) بتحقيقي ، والذي أرجحه هو أن الذي كتب له هو نفسه
الذي صلى عليه، مَلّر .
(٨) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٤١٢).

٥٢٤
ذكر غزوة الفتح الأعظم
امرأةٍ من نسائهِ أوقيَّةً من ذلك المِسْكِ، وأعطى سائره أُمَّ سلمة ، وأعطاها الحُّة ، والله أعلم.
غَزْوَةٌ الفتح الأعظمُ(١)
وكانت في رمضان سنة ثمان
وقد ذكرها الله تعالى في القرآن في غير موضع، فقال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنكُ مَنْ أَنَفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ
وَقَتَلْ أُوْلَّكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَىَّ﴾ الآية [ الحديد: ١٠].
وقال تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ (®] وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْ خُلُونَ فِ دِيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ فَسَمِعْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ -٣].
وكان سبب الفتح بعد هُدنة الحُديبية ما ذكره محمد بن إسحاق ، حدثني الزُّهريُّ، عن عُرْوَة بن
الزّبير ، عن المسور بن مَخْرَمَة ، ومروان بن الحكم ، أنهما حدَّثاه جميعاً قالا: كان في صُلح الحُديبية أنه
من شاء أن يدخُل في عقد محمدٍ وعهده دخل ، ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل ،
فتواثبت خُزَاعَة وقالوا : نحن ندخل في عقد محمدٍ وعهده . وتواثبت بنو بكر وقالوا : نحن ندخل في عقد
قريش وعهدهم . فمكثوا في تلك الهُدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهراً ، ثم إن بني بكر وثبوا على
خُزَاعة ليلاً ، بماءٍ يقال له : الوتير . وهو قريب من مكة ، وقالت قريش : ما يعلم بنا محمدٌ ، وهذا الليل
وما يرانا أحد. فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح، وقاتلوهم معهم، للضِّغن على رسول الله وَله، وإنَّ
عمرو بن سالم ركب عندما كان من أمر خُزَاعَة وبني بكر بالوتير ، حتى قدم على رسول الله وَلَه يخبره
الخبر ، وقد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول الله وَطير أنشده إياها: [من الرجز ]
لا هُمَّ إني ناشدٌ محمدا حِلْفَ أبيه وأبينا الأتْلَدَا
قد كنتم وُلداً وكنا والدا ثُمَّت أسلمنا فلم ننزع يدا
وادعُ عباد الله يأتوا مَدَدا
فانصر رَسُولَ الله نصراً أعتدا٢)
إن سِيمَ خسفاً وجههُ تَرَبَّدَا
فيهم رسولُ الله قد تجرّدا
(١) انظر خبرها في ((عيون الأثر)) (٢٢٣/٢) و((زاد المعاد)) (٣٤٧/٣) و(( الفصول في سيرة الرسول)) ص (١٩٥)
و((شذرات الذهب)) (١٢٧/١) بتحقيقي و((صحيح السيرة النبوية)) (٤٧٣/٢).
(٢) أي : نصراً حاضراً .

٥٢٥
ذكر غزوة الفتح الأعظم
إن قريشاً أخلفوك الموعدًا
في فَيْلَقٍ كالبحر يجري مُزبدا
وجعلوا لي في كَداءِ رُصَّدا
ونقضوا ميثاقَكَ المؤَّدا
فهم أَذَلُّ وأقلُّ عددا
وزعموا أن لستُ أدعو أحدا
وقتَّلونا رُكَّعَاً وسُجَّدا
هم بيّتونا بالوتير هُجَّدا
فقال رسول الله وَّة: ((نصرت يا عمرو بن سالم)). فما برح رسول الله وَ له حتى مرَّت بنا عَنَانَةُ(١) في
السماء، فقال رسول الله وَ لَّهُ: ((إن هذه السَّحَابَة لَتَسْتَهِلُّ بنصر بني كعب)). وأمر رسول الله ◌َّل الناس
بالجهاز ، وكتمهم مخرجه ، وسأل الله أن يُعَمِّي على قريش خبره ، حتى يبغتهم في بلادهم .
قال ابن إسحاق (٢) : وكان السبب الذي هاجهم، أنَّ رجلاً من بني الحضرميِّ ، اسمه مالك بن
عبّاد، من خلفاء الأسود بن رزن خرج تاجراً، فلمَّا توسط أرض خُزَاعَة ، عدوا عليه ، فقتلوه وأخذوا
ماله ، فعدت بنو بكر على رجل من بني خُزَاعَة فقتلوه ، فعدت خُزَاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن
رزن الذُّئِلِيِّ - وهم منخر بني كنانة وأشرافهم ؛ سلمى وكلثوم وذؤيب ــ فقتلوهم بعرفة عند أنصاب
الحرم .
قال ابن إسحاق(٣): وحدثني رجل من الدُّئِل قال : كان بنو الأسود بن رزن يودَون في الجاهلية ديتين
ديتين .
قال ابن إسحاق (٤): فبينا بنو بكر وخُزَاعَة على ذلك ، إذ حجز بينهم الإسلام ، فلمَّا كان يوم
الحُديبية، ودخل بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خُزَاعَةُ في عقد رسول الله وَلَه، وكانت الهُدْنة،
اغتنمها بنو الدُّئل من بني بكر ، وأرادوا أن يصيبوا من خزاعة ثأراً بأولئك النفر ، فخرج نوفل بن معاوية
الدُّئليُّ في قومه ، وهو يومئذٍ سيدُهم وقائدهم ، وليس كلُّ بني بكر تابعة ، فبيَّت خزاعة وهم على الوتير
- ماءٍ لهم - فأصابوا رجلاً منهم ، وتحاوزوا واقتتلوا ، ورفدت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من
قريش من قاتل بالليل مستخفياً ، حتى حازوا خزاعة إلى الحرم ، فلمّا انتهوا إليه ، قالت بنو بكر :
[ يا نوفل ] إنا قد دخلنا الحرم ! إلهك إلهك . فقال كلمةً عظيمةً : لا إله اليوم ، يا بني بكر أصيبوا
تأركم ، فلعمري إنَّكم لتشرقون في الحرم ، أفلا تصيبون ثأركم فيه ؟! ولجأت خزاعة إلى دار بديل بن
ورقاء بمكة ، وإلى دار مولى لهم يقال له : رافعٌ .
(١) أي : سحابة .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٩/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٩/٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٩٠/٢).

٥٢٦
ذكر غزوة الفتح الأعظم
وقد قال الأخزر بن لُعْطِ الدُّئليُ في ذلك (١) : [ من الطويل ]
رَدَدْنا بني كعبٍ بأفوقَ ناصلِ
ألا هل أتى قُصوى الأحابيش أنَّنا
حَبَسْنَاهُمُ في دارةِ العبد رافعٍ
بدار الذليل الآخذ الضّيم بعدما
حبسناهمُ حتى إذا طالَ يومهم
وعندَ بُدَيْل مَحْبِساً غير طَائِلِ
شفَيْنا النُّفُوسِ مِنْهِمُ بالمناصلِ
نَفَحْنَا لهم مِنْ كُلِّ شعبٍ بوابلٍ
أُسُودٌ تبارى فيهمُ بالقواصلِ
نُذَبَّحُهمْ ذبح التّيُوس كأنَّنا
هم ظلَمونا واعتدَوا في مسيرهمْ
وكانوا لدى الأنصاب أَوَّل قَاتلِ
قَفَا ثورَ حَفَّانُ النَّعامِ الجَوَافلِ
كأنَّهم بالجِزْعِ إذ يطرودُنَهم
قال : فأجابه بُدَيل بن عبد مناة بن سلمة بن عمرو بن الأجب ، وكان يقال له : بُديل بن أُمّ أَصْرَم ،
فقال : [ من الطويل ]
لهم سيّدا يندوهمُ غير نافلٍ
تجيز الوتير خائفاً غير آيلٍ
العقلٍ ولا يُحبى لنا في المعاقلِ
بأسيافنا يسبقن لوم العواذلِ
إلى خَيف رضوى من مجرِّ القنابلِ
عبيس فجعناه بجلد حلاحلٍ
بجعموسها تنزون إن لم نُقَاتلٍ
ولكن تركنا أمركم في بَلابِلِ
تعاقد قوم يفخرونَ ولم نَدَعْ
أمن خيفةِ القوم الأُلى تزدريهمُ
وفي كلِّ يوم نحن نحبو حباءنا
ونحن صبحنا بالتَّلاعة داركم
ونحن منعنا بين بيض وعتْوَد
ويوم الغميم قد تكفَّتَ ساعياً
أَنْ أجمرت في بيتها أُمُّ بعضكم
كذبتم وبيتِ اللهِ ما إن قتلتمُ
قال ابن إسحاق (٢): فحدثني عبد الله بن أبي سلمة أن رسول الله وَ ل قال: ((كأنكم بأبي سفيان قد
جاءكم يشدُّ في العقد ويزيد في المدة )) .
قال ابن إسحاق(٣): ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة، حتى قدموا على رسول الله وَالخير ،
فأخبروه بما أصيب منهم ، ومظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ثم انصرفوا راجعين ، حتى لقوا أبا سفيان
بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله وَلّل يشدُّ العقد ويزيد في المدة، وقد رهبوا للذي صنعوا، فلمَّا
لقي أبو سفيان بُديلاً قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظنَّ أنه قد أتى رسول الله بَّر، فقال: سرت في
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٩٢/٢).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٧/٥).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٩٥/٢).

٥٢٧
ذكر غزوة الفتح الأعظم
خزاعة في هذا الساحل وفي بطن هذا الوادي . قال : فعمَد أبو سفيان إلى مبرك راحلته فأخذ من بعرها
ففتَّه ، فرأى فيه النوى ، فقال : أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً . ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على
رسول الله صلّ المدينة، فدخل على ابنته أم حبيبة، فلمَّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله مح له طوته،
فقال : يا بنية ، ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش أو رغبت به عنِّي ؟ فقالت : هو فراش رسول الله
وِّ، وأنت مشرك نجس ، فلم أحبّ أن تجلس على فراشه . فقال : يا بنية ، والله لقد أصابك بعدي
شرّ. ثم خرج فأتى رسول الله بِ ◌ّرَ فكلَّمه، فلم يردّ عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلَّمه أن يكلِّم له
رسول الله مخ لة، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب فكلَّمه، فقال عمر: أنا أشفع لكم إلى
رسول الله ◌َّ؟! فوالله لو لم أجد لكم إلا الذَّرَّ لجاهدتكم به. ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب،
وعنده فاطمة بنت رسول الله وَّر، وعندها حسن، غلام يدب بين يديها ، فقال: يا عليُّ، إنك أمسُ
القوم بي رحماً ، وأقربهم مني قرابةً ، وقد جئت في حاجةٍ ، فلا أرجعنَّ كما جئت بن خائباً ، فاشفع لي
إلى رسول الله وَله. فقال: ويحك أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله مَّيّة على أمر ما نستطيع أن نكلمه
فيه . فالتفت إلى فاطمة فقال : يا بنت محمد ، هل لك أن تأمري بُنيَّك هذا فيجير بين الناس ، فيكون سيد
العرب إلى آخر الدهر؟ فقالت: والله ما بلغ بُنيَّ ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير أحدٌ على النبيِّ ◌ِّ.
فقال : يا أبا الحسن ، إنِّ أرى الأمور قد اشتدت عليَّ ، فانصحني ؟ قال : والله ما أعلم شيئاً يغني
عنك ، ولكنَّك سيد بني كنانة ، فقم فأجر بين الناس ، ثم الحق بأرضك . فقال: أوَترى ذلك مغنياً عنِّي
شيئاً ؟ قال : لا والله ما أظنُّ، ولكن لا أجد لك غير ذلك . فقام أبو سفيان في المسجد ، فقال: أيُّها
الناس ، إنِّي قد أجرت بين الناس . ثم ركب بعيره فانطلق ، فلمَّا قدم على قريش قالوا : ما وراءك ؟
قال : جئت محمداً فكلمته ، فوالله ما ردَّ عليَّ شيئاً ، ثم جئت ابن أبي قحافة ، فوالله ما وجدت فيه خيراً ،
ثم جئت عمر فوجدته أعدى العدوّ ، ثم جئت علياً فوجدته ألين القوم ، وقد أشار عليَّ بأمر صنعته ، فوالله
ما أدري هل يغني عنَّا شيئاً أم لا؟ قالوا : بماذا أمرك ؟ قال : أمرني أن أجير بين الناس ، ففعلت . قالوا :
هل أجاز ذلك محمدٌ ؟ قال : لا . قالوا : ويحك ! ما زادك الرجل على أن لعب بك ، فما يغني عنَّا
ما قلت . فقال : لا والله ما وجدت غير ذلك .
فائدةٌ ذكرها السُّهيليُّ(١)، تكلَّم على قول فاطمة في هذا الحديث: وما يُجِيرُ أحدٌ على رسول الله وَله.
على ما جاء في الحديث: (( ويجير على المسلمين أدناهم)). قال: وجه الجمع بينهما ، بأن المراد
بالحديث من يجير واحداً أو نفراً يسيراً ، وقول فاطمة فيمن يجير عدوًاً من غزو الإمام إيَّاهم فليس له
ذلك. قال: كان سحنون وابن الماجشون يقولان: إن أمان المرأة موقوفٌ على إجازة الإمام، لقوله ◌ِله
(١) انظر ((الروض الأنف)) (٧/ ٨٥).

٥٢٨
ذكر غزوة الفتح الأعظم
لأمّ هانئ: ((قد أجرنا من أجرت يا أمَّ هانئ)). قال: ويروى هذا عن عمرو بن العاص ، وخالد بن
الوليد ، وقال أبو حنيفة : لا يجوز أمان العبد .
وفي قوله عليه الصلاة والسلام: ((ويجير عليهم أدناهم)) . ما يقتضي دخول العبد والمرأة ، والله
أعلم .
وقد روى البيهقي(١) من طريق حَمَّاد بن سَلَمَة، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هُريرة
قال : قالت بنو كعبٍ : [ من الرجز ]
لاهُمَّ إنِّي ناشدٌ محمداً حلف أبينا وأبيه الأَتْلَدَا
وادع عباد الله يأتوا مددا
فانصر هداك الله نصراً أعْتدا
وقال موسى بن عقبة في فتح مكة ٢): ثم إن بني نفاثة من بني الدُّئل أغاروا على بني كعب ، وهم في
المدَّة التي بين رسول الله وَ له وبين قريش، وكانت بنو كعب في صلح رسول الله وَ ل، وكانت بنو نفاثة في
صلح قريش ، فأعانت بنو بكر بني نفاثة ، وأعانتهم قريش بالسلاح والرَّقيق ، واعتزلتهم بنو مدلج ، ووفوا
بالعهد الذي كانوا عاهدوا عليه رسول الله مص يره، وفي بني الدُّئل رجلان هما سيداهم ؛ سلم بن الأسود ،
وكلثوم بن الأسود ، ويذكرون أن ممَّن أعانهم صفوان بن أمية ، وشيبة بن عثمان ، وسهيل بن عمرو ،
فأغارت بنو الدُّئل على بني عمرو ، وعامَّتهم - زعموا - نساءٌ وصبيانٌ وضعفاءُ الرجال ، فألجؤوهم
وقتلوهم حتى أدخلوهم إلى دار بُديل بن ورقاء بمكة، فخرج ركبٌ من بني كعب حتى أتوا رسول الله ◌ِصَار ،
فذكروا له الذي أصابهم، وما كان من قريش عليهم في ذلك، فقال لهم رسول الله وَ ل: ((ارجعوا فتفرَّقوا
في البلدان)). وخرج أبو سفيان من مكَّة إلى رسول الله وَلَرَ، وتخوَّف الذي كان ، فقال : يا محمد ، اشدد
العقد، وزدنا في المدة. فقال رسول الله بَّل: ((ولذلك قدمتَ؟ هل كان من حدث قِبلكم؟)) فقال:
معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الحديبية، لا نغيّر ولا نبدل. فخرج من عند رسول الله وَ ليل فأتى
أبا بكر فقال: جدد العقد، وزدنا في المدة. فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله وَّر، والله لو
وجدت الذَّرَّ تقاتلكم لأعنتها عليكم . ثم خرج فأتى عمر بن الخطاب فكلمه ، فقال عمر بن الخطاب :
ما كان من حلفنا جديداً فأخلقه الله ، وما كان منه متيناً فقطعه الله ، وما كان منه مقطوعاً فلا وصله الله .
فقال له أبو سفيان : جزيت من ذي رحم شرًّاً . ثم دخل على عثمان فكلّمه ، فقال عثمان : جواري في
جوار رسول الله وَله. ثم اتَّبع أشراف قريش يكلمهم، فكلُّهم، يقول: عقدنا في عقد رسول الله وَل .
فلمَّا يئس ممَّا عندهم ، دخل على فاطمة بنت رسول الله ﴿ فكلمها ، فقالت : إنما أنا امرأة ، وإنَّما ذلك
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (١٣/٥).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٩/٥).

٥٢٩
ذكر غزوة الفتح الأعظم
إلى رسول الله وح لول. فقال لها: فأمري أحد ابنيك. فقالت: إنَّهما صبيَّان، وليس مثلهما يجير. قال:
فكلِّمي عليّاً .
فقالت : أنت فكلِّمه . فكلَّم عليّاً، فقال له : يا أبا سفيان ، إنَّه ليس أحدٌ من أصحاب
رسول الله ◌ّلا يفتات على رسول الله وَ له بجوار، وأنت سيد قريش وأكبرها وأمنعها، فأجِر بين
عشيرتك . قال : صدقت ، وأنا كذلك ، فخرج فصاح : ألا إنِّي قد أجرت بين الناس ، ولا والله ما أظنُّ
أن يُخفرني أحدٌ. ثم دخل على النبيِّ وَ لّ فقال: يا محمد، إني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظنُّ
أن يُخفرني أحدٌ ولا يردّ جواري. فقال: (( أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟! )) فخرج أبو سفيان على
ذلك، فزعموا - والله أعلم - أن رسول الله رَّر قال حين أدبر أبو سفيان: ((اللهمَّ خذ على أسماعهم
وأبصارهم، فلا يرونا إلا بغتةً، ولا يسمعوا بنا إلا فجأة)). وقدم أبو سفيان مكة، فقالت له قريش :
ما وراءك ؟ هل جئت بكتاب من محمد أو عهد ؟ قال : لا والله ، لقد أبى عليَّ ، وقد تتبعت أصحابه ،
فما رأيت قوماً لملك عليهم أطوع منهم له ، غير أنَّ عليّ بن أبي طالب قد قال لي : لم تلتمس جوار
الناس على محمد ، ولا تجير أنت عليه وعلى قومك ، وأنت سيد قريش وأكبرها وأحقُّها أن لا يُخفر
جواره ؟ فقمت بالجوار ، ثم دخلت على محمد ، فذكرت له أنِّي قد أجرت بين الناس ، وقلت : ما أظنُّ
أن تُخفرني. فقال: (( أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة ؟! )) فقالوا مجيبين له : رضيت بغير رضا ، وجئتنا
بما لا يغني عنَّا ولا عنك شيئاً، وإنما لعب بك عليٍّ، لعمر الله ما جوارك بجائز، وإنَّ إخفارك عليهم
لهيِّنٌ . ثم دخل على امرأته فحدَّثها الحديث فقالت : قبحك الله من وافد قوم ، فما جئت بخير . قال :
ورأى رسولُ اللهِ وَ لهَ سحاباً فقال: ((إنَّ هذه السحاب لتبِضُّ بنصر بني كعب)). فمكث رسول الله وَل
ما شاء الله أن يمكث بعدما خرج أبو سفيان ، ثم أخذ في الجهاز ، وأمر عائشة أن تجهّزه وتخفي ذلك ، ثم
خرج رسول الله وَّ إلى المسجد أو إلى بعض حاجاته ، فدخل أبو بكر على عائشة ، فوجد عندها حنطة
تُنسف وتُنقَّى، فقال لها: يا بنيّة، لماذا تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت، فقال: أيريد رسول الله وَ ل أن
يغزو ؟ فصمتت ، فقال : يريد بني الأصفر ؟ - وهم الرُّوم - فصمتت، قال : فلعله يريد أهل نجد ؟
فصمتت، قال: فلعله يريد قريشاً؟ فصمتت. قال: فدخل رسول الله وَلاهور، فقال له : يا رسول الله ،
أتريد أن تخرج مخرجاً؟ قال: ((نعم)). قال: فلعلك تريد بني الأصفر؟ قال: ((لا)). قال: أتريد
أهل نجد؟ قال: ((لا)). قال: فلعلك تريد قريشاً؟ قال: ((نعم)). قال أبو بكر : يا رسول الله،
أليس بينك وبينهم مدَّةٌ؟ قال: ((ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟)) قال: وأذَّن رسول الله وَّل في الناس
بالغزو ، وكتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش ، وأطلع الله رسوله وَ له على الكتاب . وذكر القصة كما
سيأتي .

٥٣٠
ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة
وقال محمد بن إسحاق (١) : حدثني محمد بن جعفرٍ ، عن عروة ، عن عائشة أن أبا بكر دخل على
عائشة وهي تغربل حنطة ، فقال: ما هذا؟ أمركم رسول اللّه ومثير بالجهاز ؟ قالت : نعم فتجهز . قال :
وإلى أين ؟ قالت : ما سمَّى لنا شيئاً ، غير أنَّه قد أمرنا بالجهاز .
قال ابن إسحاق(٢): ثم إن رسول اللّه وَ﴿ أعلم الناس أنَّه سائر إلى مكة، وأمر بالجدِّ والتهيُّؤ،
وقال: ((اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش، حتى نبغتها في بلادها)» . فتجهز الناس ، فقال حَسَّان
يحرّض الناس، ويذكر مصاب خُزَاعَةُ(٣) : ( من الطويل ]
رجال بني كَعْبٍ تحزُّ رِقَابُهَا
عناني ولم أشهد ببطحاء مكَّة
وقتلى كثير لم تجنَّ ثيابها
بأيدي رجال لم يَسُلّوا سيوفهم
سهيل بن عمرو حرّها وعقابها
أَلَا لَيْتَ شِعْري هل تنالنَّ نُصرتي
فهذا أوان الحرب شُدَّ عصابها
وصفوان عَود حزَّ من شُفر استه
إذا احتلبت صرفاً وأعصل نابُها
فلا تأمنًّا يا بن أمّ مجالد
ولا تجزعوا منها فإن سيوفنا
لها وقعة بالموت يفتح بابُها
قصةُ حاطب بن أبي بَلْتَعَة
قال محمد بن إسحاق(٤) : حدثني محمد بن جعفر ، عن عروة بن الزُّبير وغيره من علمائنا قالوا : لمَّا
أجمع رسول الله بَّه المسير إلى مكَّة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع
عليه رسول اللّه ◌َ لي من الأمر في السير إليهم ، ثم أعطاه امرأة - زعم محمد بن جعفر أنَّها من مزينة ، وزعم
لي غيره أنَّها سارة ، مولاة لبعض بني عبد المطلب - وجعل لها جُعلاً على أن تبلِّغه قريشاً ، فجعلته في
رأسها، ثم فتلت عليه قرونها ثم خرجت به، وأتى رسولَ اللهَ وَّهِ الخبرُ من السماء بما صنع حاطب ،
فبعث عليّ بن أبي طالب، والزُّبير بن العوام فقال: (( أدركا امرأة قد كتب معها حاطب بن أبي بلتعة
بكتاب إلى قريش ، يحذّرهم ما قد أجمعنا له من أمرهم)) . فخرجا حتى أدركاها بالخليقة خليقة بني
أبي أحمد ، فاستنزلاها ، فالتمساه في رحلها فلم يجدا فيه شيئاً ، فقال لها عليٌّ : إنِّي أحلف بالله ما كذب
رسول الله مَ ﴿ ولا كذبنا، ولتخرجِنَّ لنا هذا الكتاب أو لنكشفنَّك.
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (١٢/٥).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٩٧).
الأبيات في ((ديوانه)) (٢٩٦/١) مع بعض الخلاف .
(٣)
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٩٨/٢).

٥٣١
ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة
فلمَّا رأت الجدَّ منه قالت : أعرض . فأعرض ، فحلت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها
فدفعته إليه، فأتى به رسول الله وَ له، فدعا رسول الله وَل خاطباً فقال: (( يا حاطب، ما حملك على
هذا؟)) فقال: يا رسول الله، أما والله إنِّي لمؤمنٌ بالله وبرسوله، ما غيَّرت ولا بدلت، ولكنَّني كنت امرأ
ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل فصانعتهم عليهم . فقال عمر بن
الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه؛ فإنَّ الرَّجل قد نافق. فقال رسول الله وَل: ((وما يدريك
يا عمر، لعلَّ الله قد اطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر . فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)) . وأنزل
الله تعالى في حاطب: ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَآءَ تُلْقُونَ إلَيْهِم بِالْمَوَذَّةِ وَقَدْ كَفَرُواْ بِمَا بَّكُم مِّنَ
الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُواْ بِالَّهِ رَتِّكُمْ إِن كُمْ خَرَحْتُمْ جِهَدًا فِى سَبِيلِى وَابْنِغَ مَرْ ضَائِّ ◌ُِّرُونَ إِلَيْهِم ◌ِلْمَوَذَّةِ ﴾ إلى
آخر القصة .
هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة مرسلة ، وقد ذكر السهيليُّ(١) أنه كان في كتاب حاطب : إنَّ
رسول الله وَ ل قد توجَّه إليكم بجيش كالليل يسير كالسَّيل، وأقسم بالله لو سار إليكم وحده لنصره الله
عليكم ، فإنَّه منجز له ما وعده . قال: وفي (( تفسير ابن سَلام)(٢) أنَّ حاطباً كتب : إن محمداً قد نفر ؛
فإمَّا إليكم وإمَّا إلى غيركم ، فعليكم الحذر .
وقد قال البخاري(٣): ثنا قتيبة، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني الحسن بن محمد ، أنَّه
سمع عبيد الله بن أبي رافع، سمعت علياً يقول: بعثني رسول الله ◌َّل أنا والزُّبير والمقداد فقال: ((انطلقوا
حتى تأتوا روضة خاخ فإنَّ بها ظعينةً معها كتاب فخذوه منها)) . فانطلقنا تعادى بنا خيلُنا حتى أتينا
الرَّوضة ، فإذا نحن بالظعينة ، فقلنا : أخرجي الكتاب . فقالت : ما معي كتاب . فقلنا : لتخرجِنَّ
الكتاب أو لنلقينَّ الثياب. قال: فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله بَّر، فإذا فيه: من حاطب بن
أبي بلتعة. إلى ناسٍ بمكَّة من المشركين، يخبرهم ببعض أمر رسول الله وَله، فقال: (( يا حاطب ،
ما هذا؟ )) فقال: يا رسول الله، لا تعجل عليَّ، إنَّي كنت امرأً ملصقاً في قريش - يقول: كنت حليفاً ولم
أكن من أنفسها - وكان من معك من المهاجرين من لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم ، فأحببت إذ
فاتني ذلك من النسب فيهم أن أتخذ عندهم يداً يحمون قرابتي ، ولم أفعله ارتداداً عن ديني ، ولا رضاً
(١) في ((الروض الأنف)) (٨٦/٧).
(٢) ومؤلفه الإمام يحيى بن سَلَّم بن أبي ثعلبة التّيمي البَصْري ثم الإفريقي، وكان مفسّراً، فقيهاً، عالماً بالحديث
واللغة . أدرك نحو عشرين من التابعين وروى عنهم. و((تفسيره )) الذي أشار إليه المؤلف مخطوط لم يطبع بعد ،
ومنه أجزاء في تونس والقيروان، مات سنة ( ٢٠٠)هـ. انظر ترجمته ومصادرها والتعليق عليها في ((الأعلام))
للزركلي ( ١٤٨/٨ ) .
(٣) رواه البخاري رقم (٤٢٧٤ ) .

٥٣٢
ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة
بالكفر بعد الإسلام. فقال رسول الله وَّله: ((أما إنَّه قد صدقكم)). فقال عمر: يا رسول الله ، دعني
أضرب عنق هذا المنافق. فقال: (( إنَّه قد شهد بدراً، وما يدريك لعلَّ الله قد اطّلع على من شهد بدراً
فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). فأنزل الله السورة ﴿يََّيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّى وَعَدُؤَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾
إلى قوله: ﴿ فَقَدْ ضَلَّ سَوَآءَ السَّيِلِ﴾ [ الممتحنة: ١].
وأخرجه بقية الجماعة(١) ، إلا ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة ، وقال الترمذي : حسن صحيح .
وقال الإمام أحمد٢ُ): ثنا حُجَينٌ ويونس قالا : حدثنا ليث بن سعد ، عن أبي الزُّبير ، عن جابر بن
عبد الله، أنَّ حاطب بن أبي بلتعة كتب إلى أهل مكَّة يذكر أنَّ رسول الله وَّل أراد غزوهم، فدُلَّ رسول الله
وَلّر على المرأة التي معها الكتاب، فأرسل إليها، فأخذ كتابها من رأسها، وقال: ((يا حاطب،
أفعلت؟)) قال: نعم. قال: أما إنّي لم أفعله غشّاً لرسول الله وَله ولا نفاقاً، قد علمت أنَّ الله مظهر
رسوله ، ومتمّ له أمره ، غير أنِّي كنت عريرا٣ً) بين ظَهريهم ، وكانت والدتي معهم ، فأردت أن أتخذ هذا
عندهم . فقال له عمر: ألا أضرب رأس هذا؟ فقال: (( أتقتل رجلاً من أهل بدر ، وما يدريك لعل الله قد
اطّلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم)). تفرد بهذا الحديث من هذا الوجه الإمام أحمد ، وإسناده
على شرط مسلم ، ولله الحمد .
فصل
قال ابن إسحاق(٤) : فحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهريُّ ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ،
عن ابن عباس قال: ثم مضى رسول الله وَله لسفره، واستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن
عتبة بن خلف الغفاري ، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان ، فصام وصام الناس معه ، حتى إذا كان
بالكَديد ، بين عسفان وأمج أفطر ، ثم مضى حتى نزل مرَّ الظهران في عشرة آلاف من المسلمين - وقال
عروة بن الزُّبير : كان معه اثنا عشر ألفاً .
وكذا قال الزهريُّ وموسى بن عقبة - فسبَّعت سُلَيم، وبعضهم يقول: ألَّفت سليم - وألَّفت مزينة ،
(١) رواه مسلم رقم (٢٤٩٤) وأبو داود رقم (٢٦٥٠) والترمذي (٣٣٠٥) والنسائي في (( السنن الكبرى )) رقم
( ١١٥٨٥ ) .
(٣)
(٢) في ((المسند)) (٣٥٠/٣).
أي دخيلاً غريباً ، ولم أكن من حميمهم .
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٩٩/٢).

٥٣٣
ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة
وفي كلِّ القبائل عدد وإسلام، وأوعب مع رسول الله وَّ المهاجرون والأنصار فلم يتخلف عنه منهم
أحد. وروى البخاريٌّ(١)، عن محمود ، عن عبد الرَّزَّاق، عن معمر ، عن الزهريِّ نحوه .
وقد روى البيهقي(٢) من حديث عاصم بن علي ، عن الليث بن سعد ، عن عقيل ، عن الزهريِّ ،
أخبرني عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله وََّ غزا غزوة الفتح في رمضان . قال :
وسمعت سعيد بن المسيَّب يقول مثل ذلك ، لا أدري أخرج في ليال من شعبان فاستقبل رمضان ، أو خرج
في رمضان بعدما دخل ؟ غير أن عبيد الله بن عبد الله أخبرني أن ابن عباس قال: صام رسول الله بَّل حتى
بلغ الكدَيد - الماء الذي بين قُديد وعسفان - أفطر ، فلم يزل يفطر حتى انصرم الشهر . ورواه البخاريُّ ،
عن عبد الله بن يوسف ، عن الليث ، غير أنَّه لم يذكر التَّرديد بين شعبان ورمضان .
وقال البخاريٌّ(٣) : ثنا عليُّ بنُ عبدِ الله ، ثنا جرير ، عن منصور ، عن مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن
عباس قال : سافر رسول الله وَّر في رمضان، فصام حتى بلغ عُسفان ، ثم دعا بإناءٍ فشرب نهاراً ليراه
الناس، فأفطر حتى قدم مكة. قال: وكان ابن عباس يقول: صام رسول الله بَّل في السَّفر وأفطر ، فمن
شاء صام ، ومن شاء أفطر .
وقال يونس ، عن إبن إسحاق ، عن الزهريِّ ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : مضى
رسول الله ◌َّية لسفرة الفتح، واستعمل على المدينة أبارُهم كلثوم بن الحصين الغفاريَّ، وخرج لعشر
مضين من رمضان ، فصام وصام الناس معه ، حتى أتى الكَديد - ماءً بين عسفان وأمَج - فأفطر ، ودخل
مكة مفطراً ، فكان الناس يرون أن آخر الأمرين من رسول الله وَلي الفطر ، وأنَّ نسخ ما كان قبله .
قال البيهقيُّ(٤) : فقوله : خرج لعشر من رمضان . مدرج في الحديث ، وكذلك ذكره عبد الله بن
إدريس ، عن ابن إسحاق . ثم روى من طريق يعقوب بن سفيان ، عن حامد بن يحيى ، عن صدقة ، عن
ابن إسحاق ، أنَّه قال: خرج رسول الله وَّل لعشر مضين من رمضان سنة ثمان.
ثم روى البيهقيُّ(٥) من حديث أبي إسحاق الفزاريٌّ ، عن محمد بن أبي حفصة ، عن الزهريِّ ، عن
عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس قال : كان الفتح لثلاث عشرة خلت من شهر رمضان . قال البيهقيُّ :
وهذا الإدراج وهم ، إنما هو من كلام الزهريِّ .
ثم روى من طريق ابن وهب ، عن يونس، عن الزهريِّ قال: غزا رسول الله وَّ غزوة الفتح - فتح
في « صحيحه » رقم (٤٢٧٦) .
(١)
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٢١/٥).
في « صحيحه )) رقم (٤٢٧٥).
(٣)
انظر ((دلائل النبوة)) (٢٠/٥) .
(٤)
(٥) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٣/٥).

٥٣٤
ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة
مكة - فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف ، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف
سنة من مقدمه المدينة ، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان .
وروى البيهقيُّ(١) من طريق عبد الرزاق ، عن معمر ، عن الزهريِّ ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن
عباس أن رسول الله مَثّ خرج في رمضان ومعه عشرة آلاف من المسلمين ، فصام حتى بلغ الكَديد ثم
أفطر. فقال الزهريُّ: وإنَّما يؤخذ بالأحدث فالأحدث. قال الزهريُّ: فصبَّح رسول الله وَّه مكة لثلاث
عشرة ليلة خلت من رمضان. ثم عزاه إلى ((الصَّحيحين)) من طريق عبد الرزاق ، والله أعلم .
وروى البيهقيُّ(٢) من طريق سعيد بن عبد العزيز التَّنوخيِّ ، عن عطية بن قيس ، عن قزعة بن يحيى ،
عن أبي سعيد الخدريِّ قال: آذننا رسول الله وَّرَ بالزَّحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان ، فخرجنا
صُؤَّاماً حتى بلغنا الكَديد ، فأمرنا رسول الله وَّه بالفطر، فأصبح الناس شَرجين ؛ منهم الصَّائم ومنهم
المفطر ، حتى إذا بلغنا المنزل الذي نلقى العدوّ فيه ، أمرنا بالفطر فأفطرنا أجمعون .
وقد رواه الإمام أحمد(٣) ، عن أبي المغيرة ، عن سعيد بن عبد العزيز ، حدَّثني عطية بنُ قيس ، عمَّن
حذَّثه، عن أبي سعيد الخدريِّ قال: آذننا رسول الله بَّهَ بِالرَّحيل عام الفتح لليلتين خلتا من رمضان ،
فخرجنا صُوَّاماً حتى بلغنا الكَديد ، فأمرنا رسول الله بَّه بالفطر، فأصبح الناس منهم الصَّائم ومنهم
المفطر ، حتى إذا بلغ أدنى منزل تلقاء العدوِّ ، أمرنا بالفطر ، فأفطرنا أجمعون .
قلت : فعلى ما ذكره الزهريُّ من أن الفتح كان يوم الثالث عشر من رمضان ، وما ذكره أبو سعيد من
أنَّهم خرجوا من المدينة في ثاني شهر رمضان ، يقتضي أنَّ مسيرهم كان بين مكة والمدينة في إحدى عشرة
ليلة .
ولكن روى البيهقيُّ(٤) ، عن أبي الحسين بن الفضل ، عن عبد الله بن جعفر ، عن يعقوب بن سفيان ،
عن الحسن بن الربيع ، عن ابن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن الزهريِّ ، ومحمد بنِ علي بن
الحسين ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعمرو بن شعيب ، وعبد الله بن أبي بكر وغيرهم قالوا : كان فتح
مكة في عشر بقيت من شهر رمضان سنة ثمان .
وقال أبو داود الطَّيالسيُّ(٥) : ثنا وهيب ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن جابر بن عبد الله قال:
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (٢١/٥).
(٢)
انظر ((دلائل النبوة)) (٢٤/٥).
فى («المسند)) (٣/ ٨٧) وأصله في ((صحيح مسلم)) رقم (١١٢٠).
(٣)
انظر ((دلائل النبوة)) (٢٤/٥).
(٤)
(٥) في ((مسنده)) رقم ( ١٦٦٧) .

٥٣٥
ذكر إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي ـ ونفر من الصحابة
خرج رسول الله بحثية عام الفتح صائماً حتى أتى كراع الغميم ، والناس معه مشاة وركباناً ، وذلك في شهر
رمضان ، فقيل : يا رسول الله، إنَّ الناس قد اشتدَّ عليهم الصوم ، وإنَّما ينظرون إليك كيف فعلت . فدعا
رسول الله مَ لّ بقدح فيه ماءٌ فرفعه، فشرب والناس ينظرون ، فصام بعض الناس وأفطر البعض ، حتى
أُخبر النبيُّ ◌ََّ أنَّ بعضهم صائمٌ، فقال رسول الله وَّةُ: ((أولئك العصاة)). وقد رواه مسلم(١) من حديث
الثَّقفيِّ والدَّراورديِّ ، عن جعفر بن محمد .
وروى الإمام أحمد(٢) من حديث محمد بن إسحاق ، حدَّثني بُشَير بن يسار ، عن ابن عباس قال :
خرج رسول الله ګ عام الفتح في رمضان ، فصام وصام المسلمون معه ، حتى إذا كان بالحديد دعا بماءٍ
في قعب وهو على راحلته ، فشرب والناس ينظرون ؛ يُعلمهم أنَّه قد أفطر ، فأفطر المسلمون . تفرَّد به
أحمد .
فصل
في إسلام العبّاس بن عبد المطّلب عمّ النبيِّ ◌ِّ
وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب ابن عمِّ رسول الله وَل
وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزوميِّ أخي أمِّ سلمة أمِّ المؤمنين
وهجرتهم إلى رسول الله وَ ليه
فوجدوه في أثناء الطريق وهو ذاهب إلى فتح مكة
قال ابن إسحاق(٣): وقد كان العبّاس بن عبد المطّلب لقي رسول الله وَل ببعض الطريق. قال ابن
هشام: لقيه بالجُحفة مهاجراً بعياله، وقد كان قبل ذلك مقيماً بمكة على سقايته ، ورسول الله وَل عنه
راضٍ ، فيما ذكره ابن شهاب الزهريُّ .
قال ابن إسحاق(٤): وقد كان أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب، وعبد الله بن أبي أُمَيَّةٍ قد لقيا
رسول الله وَ ل﴿ل أيضاً بينِيقِ العُقَاب فيما بين مكَّة والمدينة(٥)، والتمسا الدُّخول عليه، فكلَّمته أُمُ سلمة
(١) في ((صحيحه)) رقم (١١١٤).
في ((المسند)) (٢٦١/١)، وهو حديث صحيح .
(٢)
(٣)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٠/٢).
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ /٤٠٠-٤٠١).
(٤)
(٥) انظر (( المغانم المطابة في معالم طابة)) للفيروزابادي ص (٤١٩) بتحقيق شيخنا العلامة حمد الجاسر رحمه الله .

٥٣٦
ذكر إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي مئة ونفر من الصحابة
فيهما ، فقالت: يا رسول الله، ابنُ عمِّك، وابن عمَّتك وصهرك. قال: (( لا حاجة لي بهما ؛ أمَّا ابن
عَمِّي فهتك عِرْضي (١)، وأمَّا ابن عَمَّتي فهو الذي قال لي بمكّة ما قال(٢) . قال : فلمَّا خرج إليهما الخبر
بذلك ومع أبي سفيان بُيِّ له ، فقال : والله ليأذننَّ لي أو لآخذنَّ بيد بنيَّ هذا، ثم لنذهبنَّ في الأرض حتى
نموت عطشاً وجوعاً . فلمَّا بلغ ذلك النبيَّ وَّ رقَّ لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه فأسلما ، وأنشد
أبو سفيان قوله في إسلامه ، واعتذر إليه ممَّا كان مضى منه: [ من الطويل ]
لَعَمْرُكَ إني يومَ أحملُ رايةً لِتَغْلِبَ خيل اللَّتِ خيلِ محمدٍ
فهذا أَوَاني حين أُهدى وأَهْتَدي
لِكَالُمْدلجِ الحَيْرَان أظلم لَيْلُهُ
هَدَاني هادٍ غير نفسي ونالني
أَصُدُّ وأنأى جاهداً عن محمدٍ
هُمُ ما هُمُ من لم يَقُلْ بِهِواهُمُ
أُريد لأُرضيهم ولَسْتُ بلائطِ
فقُلْ لثقيف لا أُرِيد قِتَالَهَا
فما كُنْتُ في الجيش الذي نال عَامراً
قبائلُ جاءَت من بلادٍ بعيدةٍ
مع الله من طَرَّدْتُ كلَّ مطرَّدٍ
وأُدعى وإنْ لم أنتسب من محمد
وإن كان ذَا رأى يُلَمْ ويفنّدِ
مع القوم ما لم أُهد في كل مقعدٍ
وقُل لثقيفٍ تلك غيريَ أَو عدي
وما كان عن جَرًّا لساني ولا يدي
نزائعُ جاءت مِنْ سهامٍ وسَرْدُدِ
قال ابن إسحاق(٣): فزعموا أنَّه حين أنشد رسول الله وَليم:
. ونالني مع الله من طرَّدت كلَّ مُطَرَّد
ضرب رسول الله وَّلَه بيده في صدره وقال: «أنت طَرَّدتني كُلَّ مُطَرَّد!)).
*
فصل
ولمَّا انتهى رسول الله وَّه إلى مرِّ الظّهرانُ(٤) ، نزل فيه فأقام ؛ كما روى البخاريُّ عن يحيى بن بكير ،
(١) لأنه كان يؤذي رسول الله - مح له - ويهجوه .
(٢) فهو الذي قال له بَّه: والله لا آمنت بك حتى تتخذ سُلَّماً إلى السماء فتعرج فيه وأنا أنظر، ثم تأتي بصك وأربعة من
الملائكة يشهدون أن الله قد أرسلك. قاله السُّهيلي في (( الروض الأنف)) (٨٩/٧) بتحقيق الأستاذ عبد الرحمن
الوكيل .
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٠١).
(٤) مرّ الظّهران: موضع على مرحلة من مكة. انظر ((مراصد الاطلاع)) (١٢٥٧/٣).

٥٣٧
ذكر إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي ثة ونفر من الصحابة
عن اللَّيث، ومسلمُ(١) عن أبي الطَّاهر، عن ابن وهب كلاهما، عن يونس ، عن الزهريِّ ، عن
أبي سلمة، عن جابر قال: كنَّا مع رسول الله وَ يُّهَ بمرِّ الظّهران نجتني الكباثَ(٢)، وإنَّ رسول الله وَل
قال: ((عليكم بالأسود منه فإنَّه أطيب)). قالوا: يا رسول الله، أكنت ترعى الغنم؟ قال: ((نعم، وهل
من نبيِّ إلا وقد رعاها؟)).
وقال البيهقيُّ(٣) : عن الحاكم ، عن الأصم ، عن أحمد بن عبد الجَبَّار ، عن يونس بن بُكير ، عن
سِنَان بن إسماعيل، عن أبي الوليد سعيد بن مينا قال: لمَّا فرغ أهل مُؤْتَةً ورجعوا، أمَرهم رسول الله وِيل
بالمسير إلى مَكّة ، فلمَّا انتهى إلى مرِّ الظّهران نزل بالعقبة ، فأرسل الجُناة يَجْتَنُون الكَبَاث، فقلت لسعيد :
وما هو ؟ قال : ثمر الأراك . قال : فانطلق ابن مسعود فيمن يجتني . قال : فجعل أحدهم إذا أصاب حَبَّة
طيِّة قذفها في فيه ، وكانوا ينظرون إلى دقَّة ساقي ابن مسعود وهو يرقى في الشَّجرة فيضحكون ، فقال
رسول الله وَّهُ: ((تَعْجَبُونَ مِنْ دِقَّة سَاقَيْهِ؟ فوالذي نفسي بَيَدِهِ لهُمَا أَنْقَلُ في الميزان من أُحد ».
وكان ابن مسعود ما اجتنى من شيءٍ، جاء به وخياره فيه إلى رسول الله وَلقر، فقال في ذلك(٤):
هَذَا جَنَايَ وخِيَارُه فيهْ إِذْ كلُّ جانٍ يدهُ إلى فِيهْ
وفي (( الصَّحيحين )(٥) عن أنس قال: أنفجنا٦) أرنباً ونحن بمرِّ [الظّهران ] فسعى القوم فلغبوا ،
فأدركتها فأخذتها ، فأتيت بها أبا طلحة فذبحها، وبعث إلى رسول الله وَ له بورِكها أو فخذيها فقبله .
وقال ابن إسحاق (٧): ونزل رسول الله وَ لَهَ مرَّ الظّهران، وقد عُمِّيت الأخبار عن قريش ، فلا يأتيهم
خبر عن رسول الله وَّر، ولا يدرون ما رسول الله وَل فاعل، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب،
وحكيم بن حزام ، وبُديل بن ورقاء ، يتحسَّسون الأخبار ، وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به .
وذكر ابن لهيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة (٨) أنَّ رسول اللهِ وَّل بعث بين يديه خيلاً يقتصُون
(١) في (( صحيحه )) رقم (٣٤٠٦) ومسلم رقم (٢٠٥٠).
(٢) انظر فوائده في ((زاد المعاد)) (٣٣٥/٤).
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٩/٥).
(٤) هذا مثل من أمثال العرب الشهيرة. انظره مع مصادره في ((معجم الأمثال العربية)) (١/ ٣٦٥) لصديقي وزميلي
الأستاذ رياض عبد الحميد مراد ، طبع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض .
(٥) رواه البخاري رقم (٢٥٧٢) و(٥٤٨٩) و(٥٥٣٥) ومسلم رقم (١٩٥٣).
(٦) أي: أثرنا. انظر ((لسان العرب)) (نفج).
(٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٠/٢).
(٨) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٦/٥).

٥٣٨
ذكر إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي مي ونفر من الصحابة
العيون ، وخُزَاعَة لا تدع أحداً يمضي وراءها ، فلمَّا جاء أبو سفيان وأصحابه أخذتهم خيل المسلمين ،
وقام إليه عمر يجأ في عنقه ، حتى أجاره العبّاس بن عبد المطّلب ، وكان صاحباً لأبي سفيان .
قال ابن إسحاق (١): وقال العبّاس حين نزل رسول الله وَّل مرّ الظّهران: قلت: واصباح قريش، والله
لئن دخل رسول الله وَل مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال:
فجلستُ على بغلة رسول الله وَ لَه البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت : لعلّ أجد بعض
الحطّابة، أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتي مكة فيخبرهم بمكان رسول الله وَّه ؛ ليخرجوا إليه فيستأمنوه
قبل أن يدخل عليهم عنوة . قال : فوالله إني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له ، إذ سمعت كلام
أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيراناً قطُّ ولا عسكراً !
قال : يقول بُديل: هذه والله خُزَاعَة حمشتها الحرب . قال: يقول أبو سفيان : خُزَاعَة أذلُّ وأقلُّ من أن
تكون هذه نيرانها وعسكرها . قال : فعرفت صوته فقلت : يا أبا حنظلة . فعرف صوتي ، فقال :
أبو الفضل ؟ قال : قلت : نعم . قال : مالك ، فدى لك أبي وأمي ؟ قال : قلت : ويحك يا أبا سفيان !
هذا رسول الله وَّل في الناس، واصباح قريش والله. قال: فما الحيلة ، فداك أبي وأمي ؟ قال : قلت :
والله لئن ظفر بك ليضربنَّ عنقك، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله وَ له فأستأمنه لك.
قال: فركب خلفي ورجع صاحباه - وقال عُرْوَة: بل ذهبا إلى النبي ◌ُّ فأسلما ، وجعل يستخبرهما عن
أهل مكّة. وقال الزهريُّ وموسى بن عقبة: بل دخلوا مع العباس على رسول الله وَلَو [ قال ابن إسحاق: ]
قال: فجئت به كلما مررت بنار من نيران المسلمين قالوا: من هذا؟ فإذا رأوا بغلة رسول الله وَله وأنا عليها
قالوا: عمّ رسول الله وََّ على بغلة رسول الله وَله. حتى مررت بنار عمر بن الخطاب فقال: من هذا؟
وقام إليَّ ، فلما رأى أبا سفيان على عجز الدابة قال : أبو سفيان عدوُ الله ! الحمد لله الذي أمكن منك بغير
عقد ولا عهد. [ وزعم عُرْوَة بن الزّبير أن عمر وج(٢) في رقبة أبي سفيان ، وأراد قتله فمنعه منه العباس .
وهكذا ذكر موسى بن عقبة ، عن الزُّهريِّ أن عيون رسول الله وَّ أخذوهم بأزمَّة جِمالهم ، فقالوا :
من أنتم؟ قالوا: وفد رسول الله وَّر. فلقيهم العباس، فدخل بهم على رسول الله، فحادثهم عامَّة
الليل ، ثم دعاهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله ، فشهدوا ، وأن محمداً رسول الله ، فشهد حکیم وبدیل ،
وقال أبو سفيان: ما أعلم ذلك. ثم أسلم بعد الصبح، ثم سألوه أن يؤمِّن قريشاً ، فقال: ((من دخل دار
أبي سفيان فهو آمن - وكانت بأعلى مكة - ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن - وكانت بأسفل مكة - ومن
أغلق بابه فهو آمن )» .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٢/٢).
(٢) وجأه باليد والسكين: ضربه. انظر ((القاموس المحيط)) (وجأ).

٥٣٩
ذكر إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي ◌ِيّةٍ ونفر من الصحابة
قال العباس: ] ثم خرج [عمر ] يشتدُّ نحو رسول الله وَ له وركضت البغلة، فسبقته بما تسبق الدابة
البطيئة الرجل البطيء . قال: فاقتحمتُ عن البغلة، فدخلت على رسول الله وَّه ودخل عليه عمر ،
فقال : يا رسول الله ، هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد ، فدعني فلأضرب عنقه . قال :
قلت: يا رسول الله، إني قد أجرته. ثم جلست إلى رسول الله وَ ل ◌ّ فأخذت برأسه، فقلت: والله
لا يناجيه الليلة دوني رجل . فلما أكثر عمر في شأنه . قال : قلت : مهلاً يا عمر ، فوالله أن [ لو ] كان من
رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا ، ولكنك قد عرفت أنه من رجال بني عبد مناف . فقال : مهلاً
يا عباس ، فوالله لإسلامك يوم أسلمت كان أحبّ إليَّ من إسلام الخطاب لو أسلم ، وما بي إلا أني قد
عرفت أن إسلامك كان أحبَّ إلى رسول الله وَ له من إسلام الخطاب لو أسلم. فقال رسول الله واليوم :
(( اذهب به يا عباس إلى رحلك ، فإذا أصبحت فأتني به )) . قال : فذهبت به إلى رحلي ، فبات عندي ،
فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ◌َّله، فلما رآه رسول الله وَ ل قال: ((ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك
أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟)) فقال : بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، والله لقد ظننت أن
لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً بعد. قال: (( ويحك يا أبا سفيان ! ألم يأن لك أن تعلم أني
رسول الله؟)) قال: بأبي أنت وأمي ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أمَّا هذه والله فإن في النفس منها
حتى الآن شيئاً . فقال له العباس : ويحك! أسلم واشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، قبل
أن تضرب عنقك . قال : فشهد شهادة الحق فأسلم . قال العباس : فقلت : يا رسول الله ، إن أبا سفيان
رجل يحبُّ هذا الفخر ، فاجعل له شيئاً. قال: (( [ نعم ] من دخل دار أبي سفيان فهو آمن [ زاد عُرْوَة:
((ومن دخل دار حكيم بن حِزَام فهو آمن)).
وهكذا قال موسى بن عقبة عن الزهريِّ ] ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو
آمن)). فلما ذهب لينصرف قال رسول الله وَّل: ((يا عباس، احبسه بمضيق الوادي عند خطم الجبل؛
حتى تمرَّ به جنود الله فيراها )) .
[ وذكر موسى بن عقبة، عن الزهريِّ أن أبا سفيان وبُدَيْلاً، وحكيم بن حِزَام كانوا وقوفاً مع العباس
عند خطم الجبل ، وذكر أن سعداً لما قال لأبي سفيان : اليوم يوم الملحمة ، اليوم تُستحل الحُرمة .
فشكى أبو سفيان إلى رسول الله وَ له، فعزله عن راية الأنصار، وأعطاها الزبير بن العوَّام ، فدخل بها من
أعلى مكة وغرزها بالحَجون ، ودخل خالد من أسفل مكة ، فلقيه بنو بكر وهذيل ، فقتل من بني بكر
عشرين ومن هذيل ثلاثة أو أربعة ، وانهزموا فقتلوا بالحزورة حتى بلغ قتلهم باب المسجد ] .
قال [العباس(١):] فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي حيث أمرني رسول الله وَ ليل أن
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٠٢).

٥٤٠
ذكر إسلام العباس بن عبد المطلب عم النبي لة ونفر من الصحابة
أحبسه . قال : ومرّت القبائل على راياتها ، كلما مرّت قبيلة قال : يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول :
سُلَيم . فيقول : مالي ولسليم . ثم تمرُّ به القبيلة فيقول : يا عباس ، من هؤلاء ؟ فأقول : مزينة .
فيقول : مالي ولمزينة . حتى نفِدت القبائل ، ما تمرُّ به قبيلة إلا سألني عنها ، فإذا أخبرته قال : مالي
ولبني فلان. حتى مزَّ رسول الله وَّ في كتيبته الخضراء وفيها المهاجرون والأنصار ، لا يرى منهم إلا
الحَدق من الحديد، فقال: سبحان [الله ] يا عباس، من هؤلاء؟ قال: قلت: هذا رسول الله وَلّ في
المهاجرين والأنصار . قال : ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة ، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن
أخيك الغداة عظيماً . قال : قلت : يا أبا سفيان، إنها النبوة. قال : فنعم إذاً . قال : قلت : النَّجاء إلى
قومك . حتى إذا جاءهم صرخ بأعلى صوته : يا معشر قريش ، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قِبل لكم به ،
فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن . فقامت إليه هند بنت عتبة ، فأخذت بشاربه فقالت : اقتلوا الحمِيت
الدَّسم الأحمس ، قبّح من طليعة قوم . فقال أبو سفيان : ويلكم لا تغرَّنَّكم هذه من أنفسكم ، فإنه قد
جاءكم ما لا قبل لكم به ، من دخل دار أبي سفيان فهو آمن . قالوا : قاتلك الله ، وما تغني عنا دارك ؟
قال : ومن أغلق عليه بابه فهو آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن . فتفرق الناس إلى دورهم وإلى
المسجد .
وذكر عُرْوَة بن الزُّبير أن رسول الله وَ ل﴿ لما مزَّ بأبي سفيان قال له : إني لأرى وجوهاً كثيرة لا أعرفها ،
لقد كثرت هذه الوجوه عليَّ. فقال له رسول الله وَله: ((أنت فعلت هذا وقومك، إن هؤلاء صدَّقوني إذ
كذَّبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني)). ثم شكى إليه قول سعد بن عبادة حين مرَّ عليه فقال:
يا أبا سفيان، اليوم يوم الملحمة، اليوم تُستحل الحُرمة. فقال رسول الله وَّر: ((كذب سعد ، بل هذا
يوم يعظّم الله فيه الكعبة ، ويوم تكسى فيه الكعبة )).
وذكر عُزْوَة أن أبا سفيان لما أصبح صبيحة تلك الليلة التي كان عند العباس ، ورأى الناس يجنحون
للصلاة ، وينتشرون في استعمال الطَّهارة خاف وقال للعباس : ما بالهم ؟ قال : إنهم سمعوا النّداء ، فهم
ينتشرون للصلاة . فلما حضرت الصلاةُ ورآهم يركعون بركوعه ، ويسجدون بسجوده قال : يا عباس ،
ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه ! قال : نعم ، والله لو أمرهم بترك الطعام والشراب لأطاعوه .
وذكر موسى بن عقبة، عن الزهريّ(١)، أنه لما توضَّأ رسول الله بَّه جعلوا يتكفَّفون، فقال:
يا عَبَّاس، ما رأيت كالليلة ولا مُلْكَ كِسْرى وقَيْصَرَ .
وقد روى الحافظ البيهقيُ(٢) ، عن الحاكم وغيره ، عن الأصمِّ، عن أحمد بن عبد الجَبّار ، عن
(١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤٠/٥).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٢/٥).