النص المفهرس

صفحات 501-520

٥٠١
ذكر ما قيل في غزوة مؤتة من الأشعار
((دلائل النبوة)) وهو كتاب جليل(١) - : ثنا صَفْوان بن صالح الدمشقيُّ، ثنا الوليد ، ثنا ابن جابر.
( ح) وحدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي ، ثنا الوليد وعمرو - يعني ابن عبد الواحد - قالا : ثنا
ابن جابر ، سمعت سُلَيم بن عامر الخبائريَّ يقول: أخبرني أبو أمامة الباهليُّ، سمعت رسول الله وَل
يقول: (( بينا أنا نائم إذ أتاني رجلان، فأخذا بضَبْعيَّ فأتيا بي جبلاً وعراً فقالا : اصعد . فقلت :
لا أطيقه . فقالا: إنَّا سنسهله لك. قال : فصعدت حتى إذا كنت في سواء الجبل إذا أنا بأصوات
شديدة ، فقلت : ما هؤلاء الأصوات ؟ فقالا : عواء أهل النار . ثم انطلقا بي ، فإذا بقوم معلّقين
بعراقيبهم ، مشقَّقة أشداقهم ، تسيل أشداقُهم دماً ، فقلت : ما هؤلاء ؟ فقالا : هؤلاء الذين يفطرون قبل
تحلَّة صومهم)). فقال: ((خابت اليهود والنصارى)). قال سُليم: [ لا أدري] أسمعه من رسول الله وَل
أم من رأيه « ثم انطلقا بي، فإذا قوم أشدُّ شيء انتفاخاً، وأنتنُ شيء ريحاً ، كأنَّ ريحهم المراحيض ،
قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء قتلى الكفار . ثم انطلقا بي ، فإذا بقوم أشد [ شيء ] انتفاخاً ، وأنتن
شيء ريحاً ، كأنَّ ريحهم المراحيض . قلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء الزانون والزواني ، ثم انطلقا
بي ، فإذا بنساءٍ تَنْهَشُ ثُدِيَّهُنَّ الحِيات ، فقلت : ما بال هؤلاء؟ قالا : هؤلاء اللاتي يمنعن أولادهن
ألبانهن . ثم انطلقا بي ، فإذا بغِلْمَان يلعبون بين بحرين ، قلت : من هؤلاء؟ قالا : هؤلاء ذراريُّ
المؤمنين . ثم أشرفا بي شرفاً ، فإذا بنفر ثلاثة يشربون من خمر لهم ، فقلت : من هؤلاء ؟ قالا : هؤلاء
جعفر بن أبي طالب ، وزيد بن حارثة ، وعبد الله بن رواحة . ثم أشرفا بي شرفاً آخر ، فإذا أنا بنفر ثلاثة ،
فقلت : من هؤلاء ؟ قالا: هؤلاء إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، عليهم السلام، وهم ينتظرونك)(٢).
*
فصل
فيما قيل من الأشعار في غَزْوَة مُؤْتَةً
قال ابن إسحاق (٣): وكان مما يُكِي به أصحاب مؤتة قول حَسَّانُ(٤): [من الطويل ]
تأوّبني ليلٌ بيثربَ أَعسرُ وهمٌّ إذا ما نوَّم الناس مسهرُ
(١) قلت : وهو مخطوط لم يطبع بعد فيما أعلم .
(٢) رواه ابن خزيمة في ((صحيحه)) رقم (١٩٨٦) وعنه ابن حبان في ((صحيحه)) رقم (٧٤٩١) وإسناده صحيح .
وذكره بنحوه الطبراني في ((المعجم الكبير)) رقم (٧٦٦٧) وقال الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٧٦/١ - ٧٧) :
(( ورجاله رجال الصحيح)).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٨٣/٢).
(٤) الأبيات في ((ديوانه)) (٩٨/١) مع بعض الخلاف في ألفاظها.

٥٠٢
ذكر ما قيل في غزوة مؤتة من الأشعار
لذكرى حبيبٍ هَيَّجَتْ لي عَبرةً
بلى إنّ فُقدان الحبيبِ بليّةٌ
رأيت خيارَ المسلمين تواردوا
فلا يُبْعِدَنَّ اللّه قتلى تتابعوا
وزيد وعبد الله حين تتابعوا
غداة مضَوا بالمؤمنين يقودهم
أغرُّ كضوء البدر من آل هاشم
فَطَاعَنَ حتّى مَالَ غير موسّدٍ
فَصَارَ مع المستشهدين ثَوَابُهُ
وكنا نرى في جعفر مِنْ محمدٍ
وما زال في الإسلام من آل هاشمٍ
هُمُ جبل الإسلام والناس حولهم
بهاليلُ منهم جعفر وابن أمه
وحمزة والعبّاس منهم ومنهمُ
بهم تفرجُ اللأواء في كلّ مأزق
هُمُ أولياء الله أنزل حكمَه
وقال كعب بن مالك رضي الله عنه (١): [ من الكامل ]
سَفُوحاً وأسبابُ البُكاء التَّذَكُرُ
وكم من كريم يُبتلى ثم يَصْبِرُ
شعوباً وخلفاً بعدهم يتأخرُ
بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفرٌ
جميعاً وأسباب المنيّة تخطرُ
إلى الموت ميمون النقيية أزهرُ
أبيّ إذا سيم الظلامة مجسرُ
بمعترَك فيه القنا مُتَكَسِّرُ
جِنَانٌ وملتف الحدائقِ أَخضرُ
وفاءً وأَمراً حازماً حين يأمرُ
دعائمُ عزّ لا يُزلْن ومفخرُ
رِضام إلى طود يروق ويقهرُ
عليّ ومنهم أحمد المتخيَّرُ
عقيل وماء العود من حيث يُعصرُ
عَمَاسٍ إذا ما ضَاقَ بالناس مَصْدَرُ
عليهم وفيهم ذا الكتاب المطهّرُ
نام العيونُ ودمعُ عينك يهمُلُ سَحّاً كما وكَفَ الطَّبابُ المُخضِلُ
طوراً أَحِنُ وتارةً أتمَلملُ
في ليلة وردت عليَّ هُمُومُهَا
واعتادني حُزْنٌّ فِتّ كأنّني
وكأنما بين الجَوانِحِ والحَشَا
وَجداً على النّفر الذين تتابعوا
صلى الإله عليهمُ من فتيةٍ
صبروا بمُؤْتَةً للإله نفوسهمْ
فَمَضَوا أمام المسلمين كأنّهم
إذ يهتدونَ بجعفرٍ ولوائهِ
ببناتِ نعشٍ والسِّمَاكُ مُوَكَّلُ
ممّا تأوَّبني شِهَابٌ مُدْخَلُ
يوماً بمؤتة أسندوا لم ينقلوا
وسقى عِظَامَهُمُ الغَمَامُ المسبلُ
حَذَرَ الرّدى ومَخَافَةٌ أن يَنْكُلُوا
فُنُق٢ٌ) عليهن الحديد المرفلُ
قُدَّام أولهم فنعم الأوّلُ
(١) الأبيات في ((ديوانه)) ص (٢٠٥ - ٢٠٦).
(٢) الفنق : الفحول من الإبل ، الواحد فنيق .

٥٠٣
ذكر بعث رسول الله بين إلى ملوك الآفاق
حتى تفرجت الصفوف وجعفرٌ
فتغيّر القمرُ المنيرُ لفقدهِ
قرْم علا بنيانه من هاشم
قوم بهم عَصَمَ الإلهُ عِبَادَهُ
فضلوا المعاشر عزّة وتكرّماً
لا يطلقون إلى السّفاه حُبُاهُمُ
بيض الوجوه ترى بطون أَكُفِّهِمْ
وبهَدْيِهِمْ رضي الإلهُ لِخَلْقِهِ
حيث التقى وعث الصفوف مجدّلُ
والشمسُ قد كَسَفَتْ وكادت تَأْفِلُ
فرعاً أشمّ وسؤددا ما ينقلُ
وعليهمُ نَزَلَ الكِتَابُ المنزلُ
وتغمّدت أحلامهم من يجهلُ
ويرى خطيبهمُ بحق يفصلُ
تندى إذا اعتَذَرَ الزَّمَانُ الممحلُ
وبجدّهم نُصِرَ النَّبيّ المرسلُ
*
بسم الله الرحمن الرحيم
کتاب
بعث رسول الله ◌ِ ية إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم
يدعوهم إلى الله، عزَّ وَجَلَّ، وإلى الدخول في الإسلامُ(١)
ذكر الواقديّ(٢) أن ذلك كان في آخر سنة ستّ في ذي الحجَّة، بعد عُمْرَة الحُديبية.
وذكر البيهقيّ(٣) هذا الفصل في هذا الموضع ، بعد غزوة مُؤْتَةً ، والله أعلم . ولا خلاف بينهم أن بدء
ذلك كان قبل فتح مكة وبعد الحُديبية ؛ لقول أبي سُفيان لهِرَقْلَ حين سأله : هل يَغْدرُ ؟ فقال : لا ، ونحن
منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها .
وفي لفظ للبخاري(٤) : وذلك في المدة التي ما(٥) فيها أبو سُفيان رسول الله.
(١) لتمام الفائدة فيما يتصل برسائل رسول الله به له الملوك الأمم وزعماء القبائل راجع كتاب ((إعلام السائلين عن كتب
سيّد المرسلين)) لابن طولون الدمشقي ، بتحقيقي .
(٢)
انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٤٤/٢ ).
(٣)
انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٧٦/٤).
(٤) في (( صحيحه)) رقم ( ٧).
(٥) أي: صالحهم إلى مدة استقرت بينهم. عن ((جامع الأصول)) (١١/ ٢٧٢).

٥٠٤
ذكر بعث رسول الله بيئة إلى ملوك الآفاق
وقال محمد بن إسحاق(١) : كان ذلك ما بين الحُدَيبية ووفاته ، عليه الصلاة والسلام . ونحن نذكر
ذلك هاهنا ، وإن كان قول الواقدي محتملاً ، والله أعلم .
وقد روى مسلمُ(٢) ، عن يوسف بن حَمَّاد المعنيّ ، عن عبد الأعلى بن عبد الأعلى ، عن سعيد بن
أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أنس بن مالك، أن رسول الله مَّل كتب قبل موته إلى كسرى وقَيصر، وإلى
النجاشي ، وإلى كلّ جَبَّار ؛ يدعوهم إلى الله، عزّ وجلّ ، وليس بالنجاشيّ الذي صلّى عليه .
وقال يونس بن بكير ، عن محمد بن إسحاق ، حدثني الزّهريّ(٣) ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبة ،
عن عبد الله بن عباس ، حدثني أبو سفيان ، مِن فيه إلى فيّ ، قال : كنا قوماً تُجَّاراً ، وكانت الحرب قد
حصرتنا حتى نهكت أموالنا، فلمّا كانت الهُدْنَة - هُدْنَة الحُدَيبية - بيننا وبين رسول الله وَل ار لم نأمن أن
وجدنا أمناً ، فخرجْتُ تاجراً إلى الشام مع رهطٍ من قريش ، فوالله ما علمت بمكة امرأة ولا رجلاً إلا وقد
حمّلني بضاعةً ، وكان وجه متجرنا من الشام غَزَّة من أرض فلسطين ، فخرجنا حتى قدمناها ، وذلك حين
ظهر قيصر صاحب الروم على من كان في بلاده من الفرس ، فأخرجهم منها ، وردّ عليه صليبه الأعظم ،
وقد كان استلبوه إياه ، فلمّا أن بلغه ذلك ، وقد كان منزله بحمص من أرض الشام ، فخرج منها يمشي
متشكّراً إلى بيت المقدس ؛ ليصلي فيه ، تُبسط له البسط ، وتطرح له عليها الرَّياحين ، حتى انتهى إلى
إيلياء فصلّى بها ، فأصبح ذات غداة وهو مهموم ، يقلَّب طرفه إلى السماء ، فقالت بطارقته : أيها
الملك ، لقد أصبحت مهموماً . فقال : أجل . فقالوا : وما ذاك ؟ فقال : أُريت في هذه الليلة أن ملك
الختان ظاهرٌ . فقالوا : والله ما نعلم أمة من الأمم تختن إلا اليهود ، وهم تحت يديك وفي سلطانك ، فإن
كان قد وقع هذا في نفسك منهم ، فابعث في مملكتك كلّها ، فلا يبقى يهوديّ إلا ضربت عنقه ، فتستريح
من هذا الهم . فإنهم في ذلك من رأيهم يدبرونه ، إذ أتاهم رسول صاحب بُصْرَى برجل من العرب قد وقع
إليهم ، فقال : أيها الملك ، إن هذا رجل من العرب من أهل الشاء والإبل ، يحدثك عن حدث كان
ببلاده ، فاسأله عنه . فلمّا انتهى إليه ، قال لترجمانه : سله ما هذا الخبر الذي كان في بلاده ؟ فسأله
فقال : رجل من العرب من قريش ، خرج يزعم أنه نبيّ ، وقد اتبعه أقوام وخالفه آخرون ، وقد كانت بينهم
ملاحم في مواطن ، فخرجتُ من بلادي وهم على ذلك . فلمّا أخبره الخبر قال : جرّدوه . فإذا هو
مختون ، فقال : هذا والله الذي قد أُريت ، لا ما تقولون ، أعطه ثوبه ، انطلق لشأنك .
ثم إنه دعا صاحب شرطته ، فقال له : قَلِّب لي الشام ظهراً لبطنٍ ، حتى تأتيَ برجل من قوم هذا أسأله
عن شأنه .
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٤٥/٢).
(٢) رواه مسلم رقم (١٧٧٤ ) .
(٣) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٤٦/٢) و((دلائل النبوة)) (٣٨١/٤).

٥٠۵
ذكر بعث رسول الله بية إلى ملوك الآفاق
قال أبو سفيان : فوالله إنّي وأصحابي لَبِغزّة ، إذ هجم علينا ، فسألنا : ممّن أنتم ؟ فأخبرناه ، فساقنا
إليه جميعاً ، فلمّا انتهينا إليه ، قال أبو سفيان : فوالله ما رأيت من رجل قط أزعم أنه كان أدهى من ذلك
الأغلف - يريد هرقل - قال: فلمّا انتهينا إليه قال: أيكم أمسّ به رحماً ؟ فقلت : أنا . قال : أدنوه مني .
قال : فأجلسني بين يديه ثم أمر بأصحابي ، فأجلسهم خلفي ، وقال : إن كذب فردوا عليه .
قال أبو سفيان : فلقد عرفت أني لو كذبت ما ردوا عليّ ، ولكنّي كنت امرءاً سَيّداً ، أتكرم وأستحي
من الكذب ، وعرفت أنّ أدنى ما يكون في ذلك أن يرووه عنّي ، ثم يتحدثوا به عنّي بمكّة ، فلم أكذبه .
فقال : أخبرني عن هذا الرجل الذي خرج فيكم . فزهَّدْتُ له شأنه ، وصَغّرت له أَمْرَهُ ، فوالله ما التفت إلى
ذلك منّي ، وقال لي : أخبرني عما أسألك عنه من أمره . فقلت : سلني عما بدا لك ؟ فقال: كيف نسبه
فيكم ؟ فقلت : محضا١ً) ، من أوسطنا نسباً . قال : فأخبرني هل كان من أهل بيته أحد يقول مثل قوله ،
فهو يتشبّه به ؟ فقلت : لا . قال : فأخبرني هل كان له مُلك فاستلبتموه إيَّاه ، فجاء بهذا الحديث لتردّوه
عليه ؟ قلت : لا . قال : فأخبرني عن أتباعه ، من هم ؟ فقلت : الأحداثُ والضّعفاء والمساكين ، فأمّا
أشرافهم وذوو الأسنان(٢) فلا . قال : فأخبرني عمّن يصحبه ، أيحبه ويلزمه ، أم يقليه ويفارقه ؟ قلت :
قلّ ما صحبه رجل ففارقه . قال : فأخبرني عن الحرب بينكم وبينه ؟ فقلت : سِجَال ، يُدال علينا ونُدال
عليه . قال : فأخبرني هل يغدر؟ فلم أجد شيئاً أغرّه به إلا هي ، قلت : لا ، ونحن منه في مدّة ، ولا
نأمن غدره فيها ، فوالله ما التفت إليها مني . قال : فأعاد عليّ الحديث ، فقال: زعمتَ أنه [ من ]
أمحضكم نسباً ، وكذلك يأخذ الله النبيّ إذا أخذه ، لا يأخذه إلا من أوسط قومه ، وسألتك هل كان من
أهل بيته أحد يقول مثل قوله فهو يتشبّه به ، فقلت : لا . وسألتك هل كان له مُلك فاستلبتموه إيَّاه ، فجاء
بهذا الحديث لتردّوا عليه ملكه ، فقلتَ : لا . وسألتك عن أتباعه ، فزعمت أنهم الأحداث والمساكين
والضعفاء ، وكذلك أتباع الأنبياء في كلّ زمان ، وسألتك عمّن يتبعه ، أيحبه ويلزمه ، أم يَقليه ويفارقه ،
فزعمت أنه قلّ من يصحبه فيفارقه ، وكذلك حلاوة الإيمان ، لا تدخل قلباً فتخرج منه ، وسألتك كيف
الحرب بينكم وبينه ، فزعمت أنها سِجَال ؛ يُدال عليكم وتدالون عليه ، وكذلك تكون حرب الأنبياء ،
ولهم تكون العاقبة ، وسألتك هل يغدر ، فزعمت أنه لا يغدر ، فلئن كنت صدقتني ، ليغلبنّ على ما تحت
قدميّ هاتين ، ولوددت أني عنده فأغسل عن قدميه . ثم قال : الحَق بشأنك . قال : فقمت وأنا أضرب
بإحدى يديّ على الأخرى ، وأقول : يا عباد الله، لقد أَمِرِ أمْرُ ابن أبي كبشة٣ُ) ! أصبح ملوك بني
(١) أي: خالص النسب. انظر ((لسان العرب)) ( محض ).
(٢) أي : كبار السنّ .
(٣) أي: كبر شأنه وعظم واتسع، وكان المشركون ينسبون النبي ◌َّه إلى أبي كبشة، لأن أبا كبشة الخزاعي، واسمه
وجز ، كان قد خالف قريشاً في عبادة الأوثان ، وعبد الشِّعرى العبور ، وهو النجم المعروف في نجوم السماء ، فلما-

٥٠٦
ذكر بعث رسول الله بية إلى ملوك الآفاق
الأصفر(١) يخافونه في سلطانهم .
قال ابن إسحاق(٢): وحدثني الزّهريّ قال: حدثني أُسقفٌّ من النَّصارى، قد أدرك ذلك الزمان
قال: قدم دِحْيَةُ بن خليفة على هِرَقْل بكتاب رسول الله وَّر فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد
رسول الله إلى هِرَقْلَ عظيم الرُّوم، سَلاَمٌ على من اتَّبَع الهُدَى .
أمّا بعد: فأسلِم تَسلَم، وأَسلِم يؤتك الله أَجْرَكَ مَرَّتين، فإن أَبَيْتَ فإنَّ إثم الأكّارِينُ(٣) عَلَيْكَ)).
قال: فلمّا انتهى إليه كتابه وقرأه، أخذه فجعله بين فخذه وخاصرته، ثم كتب إلى رجل من أهل رومية، كان
يقرأ من العِبْرَانِيّة ما يقرأ، يخبره عما جاءه من رسول الله وَالر، فكتب إليه : إنه النبيُّ الذي ينتظر لا شك
فيه ، فاتّبعه . فأمر بعظماء الرُّوم ، فجمعوا له فى دَسْكره٤) ملكه ، ثم أمر بها فأشرجت عليهم ، واطلع
عليهم من عِلَّة له وهو منهم خائف، فقال: يا معشر الرُّوم ، إنه قد جاءني كتاب أحمد ، وإنه والله النبيّ
الذي كُنَّا ننتظر ونجد ذكره فى كتابنا، نعرفه بعلاماته وزمانه ، فأسلموا واتبعوه تسلم لكم دنياكم
وآخرتكم . فنخروا نَخرة رجل واحد، وابتدروا أبواب الدَّسكرة فوجدوها مُغْلَقةً دونهم، فخافهم وقال:
ردُوهم عليَّ. فردّوهم عليه ، فقال لهم : يا معشر الرُّوم، إني إنما قلت لكم هذه المقالة أختبركم بها ؛
لأنظر كيف صلابتكم في دينكم ، فلقد رأيت منكم ما سرَّني. فوقعوا له سُجَّداً، ثم فتحت لهم أبواب
الدَّسْكَرَة فخرجوا .
وقد روى البخاريُّ قصة أبي سفيان مع هرقل بزيادات أُخر ، أحببنا أن نوردها بسندها وحروفها من
((الصحيح)) ؛ ليُعلم ما بين السياقين من التباين ، وما فيها من الفوائد .
قال البخاريُّ قبل الإيمان من (( صحيحه (٥) : حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع ، ثنا شعيب ، عن
الزُّهريّ ، أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مَسعود ، أن عبد الله بن عباس أخبره ، أن أبا سُفْيَان
أخبره أن هِرَقْلَ أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تُجَّاراً بالشام في المدَّة التي كان رسول الله وَلِّ ماذَ
فيها أبا سفيان وكُفّار قريش، فأتوه وهم بإيلياء(٦) ، فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الرّوم ، ثم دعاهم
خالفهم النبي ◌َّ في عبادة الأصنام شبهوه به، وقيل: كان جدَّ جدِّ النبي ◌َّ لأمه ، أرادوا: أنه نزع إليه في الشبه.
=
عن ((جامع الأصول)) (١١/ ٢٧٣).
(١) بنو الأصفر: هم الروم، سمُّوا بذلك لما يعرض لألوانهم في الغالب من الصفرة. عن ((جامع الأصول))
( ٢٧٣/١١) .
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٨٤/٤).
الأكارون: الذين يحرثون الأرض. انظر ((القاموس المحيط)) ( أكر).
(٣)
(٤)
الدَّسْكَرَة: بناء على هيئة القصر. انظر ((النهاية)) (١١٧/٢ ).
(٥)
رقم ( ٧) .
(٦) إيلياء: هي بيت المقدس. انظر ((الروض المعطار في خبر الأقطار)) للحميري ص (٦٨).

٥٠٧
ذكر بعث رسول الله بعثة إلى ملوك الآفاق
ودعا بالتَّرجمان فقال : أيّكم أَقْرَبُ نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيٌّ؟. قال أبو سفيان : فقلت : أنا
أقربهم نسباً . قال : أدنوه مني ، وقرِّبوا أصحابه ، فاجعلوهم عند ظهره . ثم قال لترجمانه : قل لهم :
إني سائل هذا عن هذا الرجل ، فإن كذبني فكذِّبوه ، فوالله لولا أن يأثِروا عنّي كذباً لكذبت عنه ، ثم كان
أوَّل ما سألني عنه أن قال : كيف نسبه فيكم ؟ قلت : هو فينا ذو نسب . قال : فهل قال هذا القول منكم
أحد قطُ قبله ؟ قلت : لا . قال : فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت : لا . قال : فأشراف الناس اتبعوه أم
ضعفاؤهم ؟ قلت : بل ضعفاؤهم . قال : أيزيدون أم ينقصون ؟ قلت : بل يزيدون . قال : فهل يرتدُّ
أحد منهم سَخطة لدينه بعد أن يدخل فيه ؟ قلت : لا . قال : فهل كُنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول
ما قال ؟ قلت : لا . قال : فهل يغدر ؟ قلت : لا ، ونحن منه في مدَّة لا ندري ما هو فاعل فيها . قال :
ولم تمكّنِّي كلمة أُدخِل فيها شيئاً غيرَ هذه الكلمة . قال : فهل قاتلتموه ؟ قلت : نعم . قال : فكيف كان
قتالكم إيَّاه ؟ قلت : الحرب بيننا وبينه سِجَالٌ ؛ ينال منَّا وننال منه . قال : ماذا يأمركم ؟ قلت : يقول :
اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئاً ، واتركوا ما يقول آباؤكم ، ويأمرنا بالصلاة والصِّدْق والعَفَاف
والصِّلة . فقال للترجمان : قل له : سألتك عن نسبه ، فزعمت أنه فيكم ذو نسب ، وكذلك الرُّسل تبعث
في نسب قومها ، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول قبله ، فذكرت أن لا ، فقلت : لو كان أحد قال
هذا القول قبله ، لقلت : رجل يتأسَّى بقول قيل قبله . وسألتك هل كان من آبائه من ملك ، فذكرت أن
لا ، فلو كان من آبائه من ملك ، قلت : رجل يطلب مُلْكَ أبيه . وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن
يقول ما قال ؟ فذكرت أن لا ، فقد أعرف أنه لم يكن ليذَر الكذب على الناس ويكذب على الله . وسألتك
أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاهم ؟ فذكرت أن ضعفاهم اتبعوه ، وهم أتباع الرسل . وسألتك أيزيدون أم
ينقصون ، فذكرت أنهم يزيدون ، وكذلك أمر الإيمان حتى يتم ، وسألتك أيرتدُّ أحد منهم سَخطة لدينه
بعد أن يدخل فيه ؟ فذكرت أن لا ، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب . وسألتك : هل يغدر ؟
فذكرت أن لا ، وكذلك الرُسل لا تغدر . وسألتك بما يأمركم ؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله
ولا تشركوا به شيئاً ، وينهاكم عن عبادة الأوثان ، ويأمركم بالصلاة والصّدق والعَفَاف ، فإن كان ما تقول
حقاً ، فسيملك موضع قدميَّ هاتين ، وقد كنت أعلم أنه خارج ، لم أكن أظنُّ أنه منكم ، فلو أعلم أني
أخلص إليه ، لتجشَّمت لقاءه ، ولو كنت عنده ، لغَسّلْتُ عن قدميه. ثم دعا بكتاب رسول الله بَّر الذي
بعث به مع دِخْيَةً إلى عظيم بُصرى، فدفعه إلى هرقل ، فإذا فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمدٍ
عبد الله ورسولهِ إلى هِرَقْلَ عظيم الزُوم ، سَلامٌ على من اتبع الهدى ، أما بعد : فإني أدعوك بدعاية
الإسلام، أسلم تسْلَم، يؤتك الله أجرك مَرَّتين، فإن توليتَ فإنّ عليك إثم الأريسيِّينُ(١)، و: ﴿يَأَهْلَ
(١) أي: الفلاحين. انظر ((جامع الأصول)) (١١/ ٢٧٢ - ٢٧٣).

٥٠٨
ذكر بعث رسول الله جة إلى ملوك الآفاق
اُلْكِنَبِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاْءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ، شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًّا أَرْبَابًا مِّن دُونِ
اُللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ أَشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [ آل عمران: ٦٤]١)
قال أبو سفيان : فلمَّا قال ما قال ، وفرغ من قراءة الكتاب ، كثر عنده الصَّخب ، وارتفعت
الأصوات، وأُخرجنا ، فقلت لأصحابي حين أُخرجنا: لقد أَمِرَ أمْرُ ابن أبي كَبْشَة ! إنَّه يخافه مَلِكُ بني
الأصفر ! فما زلت موقناً أنَّه سيظهر ، حتى أدخل الله عليَّ الإسلام . قال : وكان ابن النَّاطور - صاحب
إيلياء وهرقل - سُقُفَّاً على نصارى الشام، يُحَدِّثُ أن هرقل حين قدم إيلياء أصبح يوماً خبيثَ النَّفس ، فقال
بعض بطارقته : قد استنكرنا هيئتك . قال ابن الناطور : وكان هرقل حَزَّاءً ينظر في النجوم ، فقال لهم حين
سألوه : إنَّي رأيت حين نظرت في النجوم ملك الختان قد ظهر ، فمن يختتن من هذه الأمة ؟ قالوا : ليس
يختتن إلا اليهود، فلا يهمَّنَّك شأنهم ، واكتب إلى مدائن ملكك فليقتلوا من فيهم من اليهود . فبينما هم
على أمرهم، أتي هرقل برجل أَرسل به ملك غسّان، يخبر عن خبر رسول الله وَّ فلمَّا استخبره هرقل قال :
اذهبوا فانظروا أمختتن هو أم لا؟ فنظروا إليه، فحدثوه أنَّه مختتن. وسأله عن العرب، فقال: هم يختتنون.
فقال هرقل : هذا مُلْك هذه الأمة قد ظهر . ثم كتب هرقل إلى صاحب له برومية ، وكان نظيره في العلم ،
وسار هرقل إلى حمص، فلم يَرِم حمص حتى أتاه كتاب من صاحبه ، يوافق رأي هرقل على خروج النبي
وَليّ وأنه نبيٍّ، فأذن هرقل لعظماء الروم في دسكرة له بحمص، ثم أمر بأبوابها فغلِّقت، ثم اطّلع فقال:
يا معشر الروم ، هل لكم في الفلاح والرُّشد، وأن يثبت لكم مُلككم ، فتبايعوا لهذا النبيِّ . فحاصوا
حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلَّقت، فلمَّا رأى هرقل نفرتهم، وأيس من الإيمان قال:
ردُوهم عليٍّ. وقال : إني إنما قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدَّتكم على دينكم ، فقد رأيت . فسجدوا له
ورضوا عنه ، فكان ذلك آخر شأن هرقل . قال البخاري : ورواه صالح بن كيسان ، ويونس ، ومعمر ،
عن الزهريِّ .
وقد رواه البخاريُّ في مواضع كثيرة في ((صحيحه)) بألفاظ يطول استقصاؤها ٢).
وأخرجه بقية الجماعة ، إلا ابن ماجه ، من طرق عن الزُّهريّ(٣).
وقد تكلَّمنا على هذا الحديث مطولاً في أول شرحنا لـ ((صحيح البخاريِّ)) بما فيه كفاية ، وذكرنا فيه
من الفوائد والنُّكت المعنوية واللفظية ، ولله الحمد والمنَّة .
(١) انظر نصّ الرسالة ومصادرها في ((إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين)) لابن طولون ص (٧٠) بتحقيقي ، طبع
مؤسسة الرسالة ببيروت .
(٢) ومنها في الأرقام (٢٩٤١) و(٤٥٥٣) و(٢٨٠٤) و(٢٩٤١) و(٢٩٧٨) و(٦٢٦٠) وغيرها .
(٣) رواه مسلم رقم ( ١٧٧٣) وأبو داود رقم (٥١٣٦) والترمذي رقم (٢٧١٧) والنسائي في (( السنن الكبرى )) رقم
( ١١٠٦٤ ) .

٥٠٩
ذكر بعث رسول الله إلى ملوك الآفاق
وقال ابن لهيعة ، عن الأسود، عن عُرْوَة قال(١) : خرج أبو سفيان بن حرب إلى الشام تاجراً في
نفر من قريش، وبلغ هرقل شأن رسول الله مح له، فأراد أن يعلم ما يعلم من أمر رسول الله وَّر، فأرسل
إلى صاحب العرب الذي بالشام في ملكه ، فأمره أن يبعث إليه برجال من العرب يسألهم عنه ، فأرسل
إليه ثلاثين رجلاً ، منهم أبو سفيان بن حرب ، فدخلوا عليه في كنيسة إيلياء التي في جوفها ، فقال
هرقل : أرسلت إليكم لتخبروني عن هذا الذي بمكة ، ما أمره ؟ قالوا : ساحر كذاب ، وليس بنبيٍّ .
قال : فأخبروني بأعلمِكم به وأقربكم منه رحماً ؟ قالوا : هذا أبو سفيان ابن عَمِّه ، وقد قاتله . فلمَّا
أخبروه ذلك ، أمر بهم فأخرجوا عنه ، ثم أجلس أبا سفيان فاستخبره ، قال : أخبرني يا أبا سفيان .
فقال : هو ساحر كذاب . فقال هرقل : إني لا أريد شتمه ، ولكن كيف نسبه فيكم ؟ قال : هو والله من
بيت قريش . قال : كيف عقله ورأيه ؟ قال : لم نعب له عقلاً ولا رأياً قط . قال هرقل : هل كان
حَلَافاً كذَّاباً مخادعاً في أمره ؟ قال : لا والله ما كان كذلك . قال : لعله يطلب مُلكاً أو شرفاً كان لأحد
من أهل بيته قبله ؟ قال أبو سفيان : لا . ثم قال : من يتبعه منكم هل يرجع إليكم منهم أحد ؟ قال : لا .
قال هرقل : هل يغدر إذا عاهد ؟ قال : لا ، إلا أن يغدر مدَّته هذه. فقال هرقل: وما تخاف من مدَّته
هذه ؟ قال : إن قومي أمدُّوا حلفاءهم على حلفائه وهو بالمدينة . قال هرقل : إن كنتم أنتم بدأتم فأنتم
أغدر . فغضب أبو سفيان وقال : لم يغلبنا إلا مرة واحدة وأنا يومئذ غائب - وهو يوم بدر - ثم غزوته
مرَّتين في بيوتهم ، بقر البطون ، ونجدِّع الآذان والفروج . فقال هرقل : أكاذباً تراه أم صادقاً ؟ فقال :
بل هو كاذب . فقال : إن كان فيكم نبي ، فلا تقتلوه ، فإنَّ أفعل الناس لذلك اليهود . ثم رجع
أبو سفيان .
ففي هذا السياق غَرَابة ، وفيه فوائد ليست عند ابن إسحاق ، ولا البخاريِّ . وقد أورد موسى بن عقبة
في ((مغازيه)) قريباً مما ذكره عُروة بن الزُّبير ، والله أعلم .
وقال ابن جرير في (( تاريخه)(٢): ثنا ابن حُميد، ثنا سلمة ، ثنا محمد بن إسحاق ، عن بعض أهل
العلم ، أن هرقل قال لدِحْيَةَ بن خليفة الكلبيِّ حين قدم عليه بكتاب رسول الله وَّه: والله إني لأعلم أن
صاحبك نبي مرسل ، وأنه الذي كنا ننتظر ونجده في كتابنا ، ولكنِّي أخاف الروم على نفسي ، ولولا ذلك
لا تبعته ، فاذهب إلى ضغاطر الأسقف ، فاذكر له أمر صاحبكم ، فهو والله في الروم أعظم منِّي ، وأجوز
قولاً عندهم منِّي، فانظر ماذا يقول لك؟ قال: فجاءه دحية، فأخبره بما جاء به من رسول الله وَّل إلى
هرقل ، وبما يدعو إليه ، فقال ضغاطر : صاحبك والله نبي مرسل ، نعرفه بصفته ، ونجده في كتابنا
(١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٨٤/٤).
(٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٢/ ٦٥٠).

٥١٠
ذكر بعث رسول الله به إلى ملوك الآفاق
باسمه . ثم دخل وألقى ثياباً كانت عليه سوداً ، ولبس ثيابا بياضاً ، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم في
الكنيسة فقال : يامعشر الرُّوم ، إنه قد جاءنا كتاب من أحمد ، يدعونا فيه إلى الله ، وإني أشهد أن لا إله
إلا الله ، وأن أحمد عبده ورسوله . قال : فوثبوا إليه وثبة رجل واحد ، فضربوه حتى قتلوه . قال : فلما
رجع دحية إلى هرقل ، فأخبره الخبر ، قال : قد قلت لك : إنا نخافهم على أنفسنا ، فضغاطر والله كان
أعظم عندهم ، وأجوز قولاً منِّي .
وقد روى الطبرانيُ(١) من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل ، عن أبيه ، عن عبد الله بن شداد ، عن دحية
الكلبيِّ قال: بعثني رسول الله بَّه إلى قيصر صاحب الرُّوم بكتاب، فقلت: استأذنوا الرسولٍ
رسولِ الله وَّةٍ. فأُتي قيصر فقيل له: إن على الباب رجلاً يزعم أنَّه رسول الله. ففزعوا لذلك، فقال:
أدخله . فأدخلني عليه وعنده بطارقته، فأعطيته الكتاب، فإذا فيه: (( بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد
رسول الله إلى قيصر صاحب الروم)) . فنخر ابن أخ له أحمر أزرق سبط ، فقال : لا تقرأ الكتاب اليوم ،
فإنه بدأ بنفسه ، وكتب صاحبَ الرُّوم ، ولم يكتب ملكَ الرُّوم . قال : فقرىء الكتاب حتى فرغ منه ، ثم
أمرهم فخرجوا من عنده ، ثم بعث إليَّ ، فدخلت عليه ، فسألني فأخبرته ، فبعث إلى الأسقفِّ فدخل
عليه ، وكان صاحب أمرهم ، يصدرون عن رأيه وعن قوله ، فلمَّا قرأ الكتاب قال الأسقفُّ : هو والله
الذي بشَّرنا به موسى وعيسى ، الذي كنا ننتظر . قال قيصر : فما تأمرني ؟ قال الأسقفُّ: أمَّا أنا فإنِّي
مُصَدِّقه ومتَبعه. فقال قيصر : أعرف أنَّه كذلك ، ولكن لا أستطيع أن أفعل ، إن فعلتُ ذهب مُلْكي وقتلني
الزُّوم .
وبه قال محمد بن إسحاق(٢) ، عن خالد بن يسار ، عن رجل من قدماء أهل الشام قال : لمَّا أراد
هرقل الخروج من أرض الشام إلى القسطنطينيّة ؛ لِما بلغه من أمر النبيِّ وَّرَ جمع الرُّوم فقال: يا معشر
الرُّوم ، إنى عارض عليكم أموراً ، فانظروا فيما أردت بها . قالوا : ما هي ؟ قال : تعلمون والله أن هذا
الرجل لنبي مرسل ، نجده في كتابنا ، نعرفه بصفته التي وُصف لنا ، فهلمَّ فلتَّبعه ، فتسلم لنا دنيانا
وآخرتنا. فقالوا : نحن نكون تحت أيدي العرب، ونحن أعظم الناس ملكاً ، وأكثرهم رجالاً ،
وأقصاهم بلداً ؟! قال : فهلمَّ أعطيه الجزية كلَّ سنة ، أكسر عنِّي شوكته ، وأستريح من حربه بما أعطيه
إياه. قالوا: نحن نعطي العرب الذُّلّ والصغار بخرج يأخذونه منّا، ونحن أكثر الناس عدداً، وأعظمهم
ملكاً، وأمنعهم بلداً ؟! لا والله لا نفعل هذا أبداً . قال : فهلمَّ فلأصالحه على أنْ أُعطيه أرض سورية ،
ويدعني وأرضَ الشام - قال : وكانت أرض سورية ؛ فلسطين ، والأردن ، ودمشق ، وحمص ، وما دون
(١) في ((المعجم الكبير)) رقم (٤١٩٨) وفيه يحيى بن سلمة بن كهيل وهو متروك، ويحيى بن عبد الحميد الحِمّاني
وهو ضعيف .
(٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٢/ ٦٥١).

٥١١
ذكر بعث رسول الله عليه إلى ملوك الآفاق
الدرب من أرض سورية ، وما كان وراء الدَّرب عندهم فهو الشام - فقالوا : نحن نعطيه أرض سورية وقد
عرفتَ أنها سُرَّة الشام ؟! لا نفعل هذا أبداً. فلمَّا أبوا عليه قال: أما والله لتوذُّن أنَّكم قد ظفرتم ، إذا
امتنعتم منه في مدينتكم . قال : ثم جلس على بغل له فانطلق ، حتى إذا أشرف على الدَّرب ، استقبل
أرض الشام ، ثم قال : السلام عليكِ يا أرض سورية تسليم الوداع ، ثم ركض حتى دخل القسطنطينيّة ،
والله أعلم .
ذکر
إرساله ◌ِّية إلى ملك العرب من النصارى الذين بالشام
قال ابن إسحاق (١): ثم بعث رسول الله وَ ل﴿ شُجَاع بن وَهْب، أخا بني أسد بن خُزيمة ، إلى المنذر بن
الحارث بن أبي شَمِر الغَسَّانيِّ ، صاحب دمشق .
قال الواقديّ(٢): وكتب معه: ((سَلاَمٌ على من اتَبع الهُدى وآمنَ بهِ ، وأدعوكَ إلى أن تؤمن بالله وحده
لا شريكَ له ؛ يبقى لك مُلْكُكَ (٣) ، فقدم شُجَاع بن وَهْب فقرأه عليه فقال: ومن ينتزع ملكي؟ إنِّي
سأسير إليه .
ذکر
بعثه ◌ِّلَه إلى كِسْرى مَلِكِ الفُرس
روى البخاريٌّ(٤) من حديث اللّث، عن يونس، عن الزُّهريِّ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عُتبةَ ،
عن ابن عبّاس أن رسول الله بَ ل بعث بكتابه مع رجل إلى كسرى ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ،
فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ، فلما قرأه كسرى مزّقَهُ . قال : فحسبت أن ابن المُسَيّب قال : فدعا
عليهم رسول الله بَّهِ أن يُمَزّقوا كلّ مُمَزّقٍ .
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٥٢/٢).
(٢)
انظر ((تاريخ الطبري)) (٢/ ٦٥٢) .
انظر نص الرسالة ومصادرها في ((إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين)) لابن طولون ص (١٠٦ - ١٠٨) بتحقيقي.
(٣)
في (( صحيحه )) رقم (٧٢٦٤).
(٤)

٥١٢
ذكر بعث رسول الله بحاجة إلى ملوك الآفاق
وقال عبد الله بن وهب(١) ، عن يونس ، عن الزُّهريِّ، حدثني عبد الرحمن بن عبد القاريُّ، أنَّ
رسول الله بَّ قام ذات يوم على المنبر خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وتشهَّد ثم قال: ((أمَّا بعد: فإنِّي
أُريد أن أبعث بعضكم إلىّ مُلُوك الأعاجم ، فلا تختلفوا عليَّ كما اختلفت بنو إسرائيل على عيسى ابن
مريم)). فقال المهاجرون : يا رسول الله، إنا لا نختلف عليك في شيء أبداً فمرنا وابعثنا . فبعث
شُجَاع بن وَهْب إلى كسرى ؛ فأمر كسرى بإيوانه أن يزيّن ، ثم أذن لعظماء فارس ، ثم أذن لشُجَاع بن
وَهْب، فلما أن دخل عليه أمرَ كسرى بكتاب رسول الله وَ لّ أن يقبض منه ، فقال شُجَاع بن وهب: لا ،
حتى أدفعه أنا إليك كما أمرني رسول الله وَالّ. فقال كسرى : ادنه . فدنا فناوله الكتاب ، ثم دعا كاتباً له
من أهل الحيرة فقرأه ، فإذا فيه: (( من محمد عبد الله ورسوله إلى كسرى عظيم فارس)) . قال : فأغضبه
حين بدأ رسول الله بِ لّه بنفسه، وصَاح وغضب ومَزَّق الكِتَاب قبل أن يعلم ما فيه ، وأمر بشُجَاع بن وهب
فأُخرج ، فلمَّا رأى ذلك قعد على راحلته ، ثم سار ، ثم قال : والله ما أَبالي على أيّ الطريقين أكون إذ
أَدَّيت كتاب رسول الله وَلَّر. قال: ولما ذهب عن كسرى سورة غضبه بعث إلى شجاع ليدخل عليه،
فالتُّمس فلم يوجد ، فطُلِبَ إلى الحيرة فسَبَق ، فلما قدم شُجَاع على النبيِّ وَّ أخبره بما كان من أمر كسرى
وتمزيقه لكتاب رسول الله مَّله، فقال رسول الله وَّل: «مَزَّق كِسْرى مُلْكَهُ)).
وروى محمد بن إسحاق(٢) ، عن عبد الله بن أبي بكر ، [ عن الزُّهريِّ ] عن أبي سلمة، أن
رسول الله وَل بعث عبد الله بن حذافة بكتابه إلى كسرى، فلما قرأه مزَّقه، فلما بلغ رسولَ الله وَّ قال:
(( مزَّق ملكه)) .
وقال ابن جرير(٣) : ثنا أحمد بن حُمَيد ، ثنا سلمة ، ثنا ابن إسحاق ، عن يزيد بن أبي حبيب ، قال :
وبَعَثَ عبدَ الله بن حُذَافَةَ بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم إلى كسرى بن هرمز ملك فارس ، وكتب
معه: (( بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله وَّل إلى كسرى عظيم فارس، سَلامٌ على من اتبع
الهدى ، وآمن بالله ورسوله ، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمداً عبده ورسوله ،
وأدعوك بدعاء الله ، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة ؛ لأُنذر من كان حياً ، ويحقَّ القول على
الكافرين ، فإن تُسلِمْ تَسلَمْ ، وإن أبيت فإن إثم المجوس عليك)(٤) قال : فلما قرأه شقَّه ، وقال : يكتب
إليَّ بهذا وهو عبدي ؟! قال : ثم كتب كسرى إلى باذام ، وهو نائبه على اليمن ، أن ابعث إلى هذا الرجل
(١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤ / ٣٨٧).
(٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٥٥/٢).
(٣) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٥٤/٢).
(٤) انظر نص الرسالة ومصادرها في ((إعلام السائلين عن كتب سيّد المرسلين)) لابن طولون ص (٦٦) بتحقيقي ، طبع
مؤسسة الرسالة ببيروت .

٥١٣
ذكر بعث رسول الله # إلى ملوك الآفاق
بالحجاز رجلين من عندك جَلدين فليأتياني به . فبعث باذام قهرمانه ، وكان كاتباً حاسباً بكتاب فارس ،
وبعث معه رجلاً من الفرس يقال له : خُرخرة. وكتب معهما إلى رسول الله وَ لَه يأمره أن ينصرف معهما
إلى كسرى ، وقال لأباذويه : ائت بلاد هذا الرجل وكلِّمه وأتني بخبره . فخرجا حتى قدما الطائف ،
فوجدا رجلاً من قريش في أرض الطائف ، فسألوه عنه فقال : هو بالمدينة . واستبشر أهل الطائف - يعني
وقريش بهما - وفرحوا ، وقال بعضهم لبعض : أبشروا ، فقد نصِب له كسرى ملك الملوك ، كفيتم
الرجل . فخرجا حتى قدما على رسول الله مَ ليل ، فكلَّمه أباذويه فقال : شاهنشاه ملك الملوك [ كسرى ] قد
كتب إلى الملك باذام يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك ، وقد بعثني إليك لتنطلق معي ، فإن فعلت كتب
لك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك ، وإن أبيت فهو من قد علمت ، فهو مهلكك ومهلك قومك
ومخرِّب بلادك. ودخلا على رسول الله وَ له وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما، فكره النظر إليهما،
وقال: ((ويلكما! من أمركما بهذا؟!)) قالا: أمرنا ربُّنا. يعنيان كسرى، فقال رسول الله مَله: ((ولكنَّ
ربي أمرني بإعفاء لحيتي وقصّ شاربي)). ثم قال: ((ارجعا حتى تأتياني غداً)). قال: وأتى رسول الله
وَلّ الخبر من السماء ، بأن الله قد سلَّط على كسرى ابنه شيرويه ، فقتله في شهر كذا وكذا ، في ليلة كذا
وكذا ؛ من الليل ؛ سُلُّط عليه ابنه شيرويه فقتله . قال : فدعاهما فأخبرهما فقالا : هل تدري ما تقول ؟!
إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا، فنكتب عنك بهذا ونخبر الملك باذام؟ قال: (( نعم أخبراه ذلك
عني ، وقولا له : إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى ، وينتهي إلى منتهى الخفِّ والحافر،
وقولا له : إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك من الأبناء)). ثم أعطى خُرخرة
منطقة فيها ذهب وفضة كان أهداها له بعض الملوك ، فخرجا من عنده حتى قدما على باذام فأخبراه الخبر ،
فقال : والله ما هذا بكلام ملك ، وإني لأرى الرجل نبيّاً كما يقول ، وليكوننَّ ما قد قال ، فلئن كان هذا
حقاً فإنه نبيٌّ مرسل ، وإن لم يكن فسنرى فيه رأينا . فلم ينشب باذام أن قدم عليه كتاب شيرويه : أما بعد ،
فإني قد قتلت كسرى ، ولم أقتله إلا غضباً لفارس ؛ لما كان استحلَّ من قتل أشرافهم ونحرهم في
ثغورهم ، فإذا جاءك كتابي هذا فخذ لي الطاعة ممن قِبلك ، وانطلق إلى الرجل الذي كان كسرى قد كتب
فيه ، فلا تهجه حتى يأتيك أمري فيه . فلما انتهى كتاب شيرويه إلى باذام قال : إن هذا الرجل لرسول .
فأسلم وأسلمت الأبناء من فارس من كان منهم باليمن . قال : وقد قال باذويه لباذام : ما كلَّمت أحداً
أهيب عندي منه . فقال له باذام : هل معه شُرَط ؟ قال : لا .
قال الواقديُّ(١) ، رحمه الله: وكان قتل كسرى على يدي ابنه شيرويه ليلة الثلاثاء ، لعشر ليالٍ مضين
من جمادى الأولى من سنة سبع من الهجرة ، لست ساعات مضت منها .
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٦٥٦/٢).

٥١٤
ذكر بعث رسول الله به إلى ملوك الآفاق
قلت: وفي شعر بعضهم ما يُرشد أن قتله كان في شهرٍ حَرام ، وهو قول بعض الشعراء : [ من الرمل ]
قَتَلوا كسرى بليلٍ مُحْرِماً فتولَّى لم يُمَتَّعِ بِكَفَنْ
وقال بعض شعراء العرب : [ من الوافر ]
وكِسْرى إذا تقاسمه بنُوهُ بأسيافٍ كما اقتُسِمَ اللَّحامُ
تمخضت المنُونُ له بيوم أتى ولكلِّ حاملةٍ تَمَامُ
وروى الحافظ البيهقي(١) من حديث حَمَّاد بن سَلَمَة، عن حُمَيد، عن الحسن ، عن أبي بكرة ، أن
رجلاً من أهل فارس أتى رسول الله مَ له، فقال رسول الله وَّل: ((إنّ رَبّي قد قتل الليلة ربَّك)). قال:
وقيل له - يعني النبيَّ بَّه -: إنه قد استخلف ابنته. فقال: ((لا يُفْلِحُ قَومٌ تَمْلِكُهُمُ امْرَأَةٌ ».
قال البيهقيُّ(٢) : وروي في حديث دحية بن خليفة ، أنه لما رجع من عند قيصر وجد عند رسول الله
وَّ رسل عامل كسرى، وذلك أن كسرى بعث يتوعّد صاحب صنعاء ، ويقول له : ألا تكفيني أمر رجل قد
ظهر بأرضك يدعوني إلى دينه؟ لتكفينَّه أو لأفعلنَّ بك. فبعث إليه، فقال لرسله: (( أخبروه أن ربي قد
قتل ربَّه الليلة)) . فوجدوه كما قال .
قال(٣) : وروى داود بن أبي هند ، عن عامر الشعبيِّ نحو هذا .
ثم روى البيهقي٤ُّ) من طريق أبي بكر بن عيَّاش، عن داود بن أبي هند ، عن أبيه ، عن أبي هريرة
قال: أقبل سعد إلى رسول الله وَ ل﴿ فقال: ((إن في وجه سعد خبراً)). فقال: يا رسول الله، هلك
كسرى . فقال: (( لعن الله كسرى ، أول الناس هلاكاً فارس ثم العرب )) .
قلت : الظاهر أنه لما أخبر رسول الله مَله بهلاك كسرى لذينك الرجلين - يعني الأميرين اللذين قدما
من نائب اليمن باذام - فلما جاء الخبر بوفق ما أخبر به ، عليه الصلاة والسلام ، وشاع في البلاد ، وكان
سعد بن أبي وقاص أول من سمع ، جاء إلى رسول الله وَ الر فأخبره بوفق إخباره ، عليه السلام ، وهكذا
بنحو هذا التقدير . ذكره البيهقي ، رحمه الله .
ثم روى البيهقيُ(٥) من غير وجه ، عن الزُّهريِّ ، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن ، أنه بلغه أن
كسرى بينما هو في دسكرة ملكه بُعث له - أو قيض له ــ عارض يعرض عليه الحقَّ، فلم يفجأ كسرى إلا
انظر ((دلائل النبوة)) (٣٩٠/٤).
(١)
انظر ((دلائل النبوة)) (٣٩٠/٤ - ٣٩١).
(٢)
يعني في ((دلائل النبوة)) (٣٩١/٤).
(٣)
في ((دلائل النبوة)) (٣٩١/٤).
(٤)
(٥) فى ((دلائل النبوة)) (٣٩١/٤).

٥١٥
ذكر بعث رسول اللّه بعثة إلى ملوك الآفاق
برجل يمشي وفي يده عصا ، فقال : يا كسرى ، هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا ؟ فقال
كسرى : نعم ، لا تكسرها . فولَّى الرجل ، فلما ذهب ، أرسل كسرى إلى حجَّابه فقال : من أذن لهذا
الرجل عليَّ ؟ فقالوا : ما دخل عليك أحد . فقال : كذبتم . قال : فغضب عليهم وتهدَّدهم ، ثم
تركهم . قال : فلما كان رأس الحول ، أتى ذلك الرجل ومعه العصا ، قال : يا كسرى ، هل لك في
الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال : نعم ، لا تكسرها . فلما انصرف عنه دعا حجَّابه ، فقال لهم
كالمرة الأولى ، فلما كان العام المستقبل أتاه ذلك الرجل ، معه العصا ، فقال له : هل لك يا كسرى في
الإسلام قبل أن أكسر العصا ؟ فقال : لا تكسرها . فكسرها ، فأهلك الله كسرى عند ذلك .
وقال الإمام الشافعيُّ : أنبأنا ابن عيينة ، عن الزُّهريِّ، عن سعيد بن المسيّب ، عن أبي هُريرة أن
رسول الله وَ ﴾ قال: ((إذا هَلَكَ كِسرى فلا كِسْرى بعده، وإذا هَلَكَ قيصر فلا قيصر بعده ، والذي نفسي
بيده لتنفقنَّ كنوزهما في سبيل الله)). أخرجه مسلمُ(١) من حديث ابن عُيينة، وأخرجاه٢ً) من حديث
الزُّهريِّ ، به .
قال الشافعيُّ: ولما أُتي كسرى بكتاب رسول الله وَّهِ مَزَّقه، فقال رسول الله ◌َّهِ: « تَمَزَّقَ مُلْكُهُ)).
وحفظنا أن قيصر أكرم كتاب رسول الله وَّل ووضعه في مَسْكٍ(٣)، فقال رسول الله وَله: (( ثَبَتَ
مُلْكُهُ )) .
قال الشافعيُّ وغيره من العلماء(٤): ولمّا كانت العرب تأتي الشام والعراق للتجارة ، فأسلم من
أسلم منهم، شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام إلى رسول الله وَ لَه فقال: ((إذا هلك كسرى فلا
كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده )). قال: فباد مُلك الأكاسرة بالكُلِّية ، وزال مُلْكُ قيصر عن
الشام بالكُلِّية ، وإن ثبت لهم ملك في الجملة ببركة دعاء رسول الله وَّ لهم حين عَظّموا كتابه ، والله
أعلم .
قلت : وفي هذا بشارة عظيمة بأن مُلْكَ الروم لا يعود أبداً إلى أرض الشام ، وكانت العرب تُسمِّي
قيصر لمن ملك الشام مع الجزيرة من الرُّوم ، وكسرى لمن ملك الفُرس ، والنجاشيُّ لمن ملك الحَبَشة ،
والمقوقس لمن ملك الإسكندرية ، وفرعون لمن ملك مصر كافراً ، وبطليموس لمن ملك الهند ، ولهم
أعلامُ أجناس غير ذلك ؛ وقد ذكرناها في غير هذا الموضع ، والله أعلم .
(١) في ((صحيحه)) رقم (٢٩١٨) (٧٥).
يعني البخاري وهو عنده رقم (٣٦١٨) ومسلم وهو عنده رقم (٢٩١٨) (٧٥) .
(٢)
المَسْكُ: الجلد . انظر (( القاموس المحيط)) ( مسك ) .
(٣)
(٤) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٣٩٤).

٥١٦
ذكر بعث رسول الله * إلى ملوك الآفاق
وروى مسلمُ(١)، عن قُتيبة وغيره، عن أبي عَوَانة، عن سِمَاك، عن جابر بن سَمُرَة قال : قال.
رسول اللّه وَّلهُ: ((لتَفتحنَّ عِصَابَةٌ من المسلمين كُنُوزَ كسرى في القصر الأبيض)).
وروى أسباط ، عن سماك، عن جابر بن سَمُرَة مثل ذلك(٢)، وزاد : وكنت أنا وأبي فيهم ، فأصبنا
من ذلك ألف درهم .
*
بعثه - مِثَة -[إلى] المُقَوقِس صاحب مدينة الإسكندرية
واسمه جُرَيج بن مِيْنَا القِبْطِيُّ
قال يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق : حدَّثني الزُّهريُّ ، عن عبد الرحمن بن عبد القاريِّ ، أن
رسول الله وَ لهي بعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله اله
إليه، فَقَبَّلَ الكتاب، وأكرم حاطباً وأحسن نزله، وسرَّحه إلى النبيِّ وَّر، وأهدى له مع حاطب كسوة ،
وبغلة بسرجها، وجاريتين ؛ إحداهما أمُّ إبراهيم(٣)، وأمّا الأخرى فوهبها رسول الله وَّل لمحمد بن قيس
العبدي . رواه البيهقي(٤)
ثم روى من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ، عن أبيه ، ثنا يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب ،
عن أبيه ، عن جدِّه حاطب بن أبي بلتعة، قال: بعثني رسول الله وَّ إلى المقوقس ملك الإسكندرية .
قال: فجئته بكتاب رسول الله وَ الر فأنزلني في منزله وأقمت عنده، ثم بعث إليَّ وقد جمع بطارقته،
وقال : إنِّي سائلك عن كلام، فأحبُّ أن تفهم عني. قال : قلت : هَلُمَّ . قال: أخبرني عن
صاحبك ، أليس هو نبيّاً؟ قلت : بلى ، هو رسول الله . قال : فما له حيث كان هكذا ، لم يدعُ على
قومه حيث أخرجوه من بلده إلى غيرها ؟ قال : فقلت : عيسى ابن مريم ، أليس تشهد أنَّه رسول الله ؟
قال : بلى . قلت : فما له حيث أخذه قومه ، فأرادوا أن يصلبوه ، ألَّ يكون دعا عليهم بأن يهلكهم الله
حتى رفعه الله إلى السماء الدنيا ؟ فقال لي : أنت حكيم ، قد جاء من عند حكيم ، هذه هدايا أبعث بها
معك إلى محمد، وأرسل معك ببذرقة يبذرقونك إلى مأمنك. قال: فأهدى إلى رسول الله وَّه ثلاث
جوار، منهنَّ أمُّ إبراهيم ابن رسول الله وَّهَ وواحدة وهبها رسول الله وَّهَ لأبي جهم بن حذيفة العدويِّ،
(١) في (( صحيحه)) رقم (٢٩١٩).
(٢) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٨٩/٤).
(٣) واسمها (مارية القبطية). انظر ترجمتها ومصادرها في ((جامع الأصول)) (١٢/ ٢٦٩) بتحقيقي .
(٤) في ((دلائل النبوة)) (٣٩٥/٤).

٥١٧
ذكر غزوة ذات السلاسل
وواحدة وهبها رسول الله وَّليوالحسَّان بن ثابت الأنصاريّ(١)، وأرسل إليه بطرف من طرفهم.
وذكر ابن إسحاق(٢) أنه أهدى إلى رسول الله وَ ل﴿ل أربع جوارٍ؛ إحداهنَّ مارية أمُّ إبراهيم، والأخرى
سِيْرين التي وهبها لحَسَّان بن ثابت ، فولدت له عبد الرحمن بن حَسَّانُ(٣)
قلت : وكان في جملة الهديَّة غلام أسود خصي ، اسمه مأبور ، وخُفَّان ساذَجان أسودان ، وبغلة
بيضاء اسمها الدُّلدل ، وكان مأبور هذا خصيّاً ، ولم يعلموا بأمره بادىء الأمر ، فصار يدخل على مارية ،
كما كان من عاداتهم ببلاد مصر ، فجعل بعض الناس يتكلم فيهما بسبب ذلك ، ولا يعلمون بحقيقة
الحال، وأنَّ خصي ، حتى قال بعضهم: إنَّه الذي أمر رسول الله وَ ◌ّر عليَّ بن أبي طالب بقتله، فوجده
خصيّاً فتركه، والحديث في ((صحيح مسلم )(٤)
قال ابن إسحاق (٥): وبعث رسول الله وَ لهَ سَلِيطَ بن عمرو بن عبد ودٍّ ، أخا بني عامر بن لؤي، إلى
هَوَذَة بن عليٍّ صاحب اليمامة ، وبعث العلاء بن الحضرميِّ ، إلى المنذر بن ساوى ، أخي بني
عبد القيس ، صاحب البحرين ، وعمرو بن العاص إلى جيفر بن الجلندى وعمَّار(٦) بن الجُلَنْدى
الأزديَين ، صاحبي عُمَان .
غَزْوَةُ ذاتِ السّلَاسِل(٧)
ذكرها الحافظ البيهقي(٨) هاهنا قبل غزوة الفتح ، فساق من طريق موسى بن عقبة وعُروة بن الزّبير ،
قالا : بعث رسول الله ﴿ عمرو بن العاص إلى ذات السَّلاسل من مشارف الشام في بَلِيٍّ، وعبد الله، ومن
يليهم من قُضَاعَة - قال عُرْوَةُ بن الزّبير: بنو بَلِيٍّ أخوال العاص بن وائل - فلما صار إلى هناك خاف من كثرة
(١) وهو المشهور عند المؤرخين وأصحاب السِّير .
(٢) انظر ((الذخائر والتحف)) لابن الزُّبير ص (٦ - ٧).
(٣) قال ابن الزبير في ((الذخائر والتحف)) ص (٧): (( وكانتا لهما شأن عظيم وجمال بارع، لم يكن بمصر أحسن
منهما )).
(٤) رقم ( ٢٧٧١) .
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) (٦٠٧/٢).
(٦) المعروف في اسمهما ( جيفر وعبد).
(٧) انظر أخبارها في ((الاكتفا في مغازي الرسول وَلهر والثلاثة الخلفا)) (٤٢١/٢) و((زاد المعاد)) (٣٤٠/٣)
و((السيرة النبوية الصحيحة)) (٤٧١/٢). وقال الإمام ابن القيم في ((زاد المعاد)) (٣٤١/٣): ((وذكر ابن
إسحاق نزولهم على ماءٍ لجذام يقال له : السلسل ، قال: وبذلك سمّيت ذات السلاسل )).
(٨) انظر ((دلائل النبوة)) (٤/ ٣٩٧).

٥١٨
ذكر غزوة ذات السلاسل
عدوّه، فبعث إلى رسول الله وَ ل يستمده، فندب رسول الله وَلل المهاجرين الأولين، فانتدب أبو بكر
وعمر في جماعة من سَراة المهاجرين، رضي الله عنهم أجمعين، وأَمَّر عليهم رسول الله و# أبا عبيدة بن
الجَرَّاح .
قال موسى بن عُقبة: فلما قَدِموا على عمرو قال: أنا أَميركم، وأنا أَرسلت إلى رسول الله ◌ُ له أستمده
بكم . فقال المهاجرون : بل أنت أمير أصحابك ، وأَبو عبيدة أمير المهاجرين . فقال عمرو : إنَّما أنتم
مددٌ أُمددته . فلما رأى ذلك أَبو عبيدة - وكان رجلاً حسن الخلُقَ لَيِّن الشِّيمة - قال: تعلَّم يا عمرو أن آخر
ما عهد إليَّ رسول الله وَّل أن قال: ((إذا قَدِمْتَ على صَاحِبِكَ فتطاوعا)). وإنك إن عَصيتني لأُطيعَنَّك،
فسلَّم أبو عبيدة الإمارة لعمرو بن العاص .
وقال محمد بن إسحاق(١) : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحُصَين التَّميمي قال :
بعث رسول الله وَ ل عمرو بن العاص يستنفر العرب إلى الإسلام، وذلك أن أمَّ العاص بن وائل كانت من
بني بليٍّ، فبعثه رسول الله وَّه [إليهم ] يستألفهم بذلك، حتى إذا كان على ماءٍ بأرض جذام يقال له :
السلاسل. وبه سميت تلك الغزوة ذات السلاسل. قال: فلمَّا كان عليه وخاف، بعث إلى رسول الله له
يستمده ، فبعث إليه أبا عبيدة بن الجراح في المهاجرين الأوَّلين ، فيهم أبو بكر وعمر ، وقال لأبي عبيدة
حين وجَّهه: (( لا تختلفا)). فخرج أبو عبيدة، حتى إذا قدم عليه قال له عمرو: إنَّما جئت مدداً إليَّ.
فقال له أبو عبيدة : لا ، ولكنِّي على ما أنا عليه، وأنت على ما أنت عليه . وكان أبو عبيدة رجلاً ليّناً
سهلاً ، هيِّناً عليه أمر الدنيا ، فقال له عمرو: أنت مددي . فقال له أبو عبيدة : يا عمرو ، إنَّ
رسول الله وَّة قد قال لي: ((لا تختلفا)). وإنك إن عصيتني أطعتك. فقال له عمرو: فإني أميرٌ عليك،
وإنَّما أنت مددٌ لي. قال: فدونك . فصلى عمرو [ بن العاص ] بالناس .
وقال الواقديُّ(٢): حدثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رومان، أنَّ أبا عبيدة لمَّا آب إلى عمرو بن
العاص ، فصاروا خمسمئة ، فساروا الليل والنهار حتى وطىء بلاد بليٍّ ودوَّخها ، وكلَّما انتهى إلى موضع
بلغه أنَّه قد كان بهذا الموضع جمع ، فلمَّا سمعوا بك تفرّقوا ، حتى انتهى إلى أقصى بلاد بليٍّ وعذرة
وبلقين ، ولقي في آخر ذلك جمعاً ليس بالكثير ، فاقتتلوا ساعةً ، وتراموا بالنَّبل ، ورمي يومئذٍ عامر بن
ربيعة وأصيب ذراعه ، وحمل المسلمون عليهم فهربوا ، وأعجزوا هرباً في البلاد وتفرَّقوا ، ودَّخ عمرو
ما هناك ، وأقام أياماً لا يسمع لهم بجمع ولا مكان صاروا فيه ، وكان يبعث أصحاب الخيل فيأتون بالشاء
والنعم ، فكانوا ينحرون ويذبحون ، ولم يكن في ذلك أكثر من ذلك ، ولم تكن غنائم تقسم .
(١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٩٩/٤).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤ /٤٠١).

٥١٩
ذكر غزوة ذات السلاسل
وقال أبو داود١) : ثنا ابن المثنَّى ، ثنا وهب بن جرير ، ثنا أبي، سمعت يحيى بن أيوب يُحَدِّث عن
يزيد بن أبي حبيب ، عن عِمْرَان بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن عمرو بن العاص ، قال :
احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السَّلاسل ، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك . قال : فتيممت ثم صليت
بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك لرسول الله وَ له فقال: ((يا عمرو، صليتَ بأصحابك وأنت جنب؟))
قال : فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال وقلت: إنى سمعت الله يقول: ﴿ وَلَ نَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
بِكُمْ رَحِيمًا﴾ فضحك نبي الله ◌ُّ ولم يقل شيئاً.
ثنا(٢) محمد بن سلمة، [ ثنا ابن وهب، ] ثنا ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث ، عن يزيد بن أبي
حَبيب ، عن عِمْرَان بن أبي أنس ، عن عبد الرحمن بن جُبير ، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص ، أنَّ
عمرو بن العاص كان على سرية . فذكر الحديث بنحوه ، قال : فغسل مغابنه وتوضأ وضوءه للصلاة ، ثم
صلى بهم . فذكر نحوه ، ولم يذكر التيمم .
قال أبو داود : وروى هذه القصة عن الأوزاعي ، عن حسان بن عطية ، وقال فيه : فتيمَّم .
وقال الواقدي(٣): حدثني أفلح بن سعيد بن عبد الرحمن بن رُقَيش(٤) ، عن أبي بكر بن حزم قال :
كان عمرو بن العاص حين قفلوا ، احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد ، فقال لأصحابه :
ما ترون ؟ قد والله احتلمت ، فإن اغتسلت مت . فدعا بماءٍ فتوضأ ، وغسل فرجه وتيمَّم ، ثم قام فصلى
بهم، فكان أوَّل من بعث عوف بن مالك بريداً ، قال عوف: فقدمت على رسول الله وَّل في السحر وهو
يصلي في بيته ، فسلمت عليه، فقال رسول الله مَ له: ((عوف بن مالك؟)) فقلت : عوف بن مالك
يا رسول الله. قال: ((صاحب الجزور؟)) قلت: نعم . ولم يزد على هذا بعد ذلك شيئاً ، ثم قال :
((أخبرني)). [ فأخبرته ] بما كان من مسيرنا ، وما كان بين أبي عبيدة وعمرو ، ومطاوعة أبى عبيدة ،
فقال رسول الله وَليل: ((يرحم الله أبا عبيدة بن الجراح)). قال: ثم أخبرته أن عَمراً صلى بالناس وهو
جنب ومعه ماءٌ، لم يزد على أن غسل فرجه وتوضأ. فسكت رسول الله وَلير، فلما قدم عمرو على
رسول الله بَّه سأله عن صلاته، فأخبره فقال: والذي بعثك بالحق ، إنى لو اغتسلت لمت، لم أجد برداً
قط مثله، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَ نَقْتُلُوَاْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾. قال : فضحك
رسول الله مَّ، ولم يبلغنا أنَّه قال له شيئاً .
(١) في ((سننه)) رقم (٣٣٤)، وهو حديث صحيح.
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤ / ٤٠١).
(٢)
القائل أبو داود ، والحديث في (( سننه)) رقم (٣٣٥)، وهو حديث صحيح .
(٤) في (أ) و(ط): ((حدثني أفلح بن سعيد عن ابن عبد الرحمن بن رُقيش)) والتصحيح من ((دلائل النبوة))
و ((تقريب التهذيب)) لابن حجر العسقلاني.

٥٢٠
ذكر غزوة ذات السلاسل
وقال ابن إسحاق (١) : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنت في
الغزوة التي بعث فيها رسول الله صل# عمرو بن العاص، وهي غزوة ذات السلاسل ، فصحبت أبا بكر
وعمر ، فمررت بقوم وهم على جزور قد نحروها، وهم لا يقدرون على أن يُعضُّوها٢)، وكنت امرأً
جازراً ، فقلت لهم : تعطوني منها عَشيرا٣ً) على أن أقسمها بينكم ؟ قالوا : نعم . فأخذت الشفرة ،
فجزَّأتها مكاني ، وأخذت منها جزءاً فحملته إلى أصحابي ، فاطَّبخناه وأكلناه ، فقال أبو بكر وعمر: أنَّى
لك هذا اللحم يا عوف ؟ فأخبرتهما ، فقالا: لا والله ما أحسنت حين أطعمتنا هذا . ثم قاما يتقيَّن ما في
بطونهما منه ، فلمَّا أن قفل الناس من ذلك السفر، كنت أول قادم على رسول الله وَّل، فجئته وهو يصلي
في بيته فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته. فقال: (( أعوف بن مالك؟ )) فقلت :
نعم ، بأبي أنت وأمي . فقال: (( صاحبُ الجزور ؟ )) ولم يزدني على ذلك شيئاً .
هكذا رواه محمد بن إسحاق ، عن يزيد بن أبى حَبيب ، عن عوف بن مالك ، وهو منقطع ، بل
معضل .
قال الحافظ البيهقي(٤) : وقد رواه ابن لهيعة وسعيد بن أبي أيوب ، عن يزيد بن أبي حَبيب ، عن
ربيعة بن لقيط ، عن مالك بن هِدم ، أظنُّه عن عوف بن مالك ، فذكر نحوه ، إلا أنَّه قال : فعرضته على
عمر فسألني عنه ، فأخبرته فقال : قد تعجلت أجرك . ولم يأكله . ثم حكى عن أبي عُبَيْدَة مثله ، ولم
يذكر فيه أبا بكر ، وتمامه كنحو ما تقدَّم .
وقال الحافظ البيهقي(٥) : أنبأنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا : ثنا أبو العباس
محمد بن يعقوب الأصم ، ثنا يحيى بن أبي طالب ، ثنا عليُّ بن عاصم ، ثنا خالد الحَذَّاء ، عن أبي عثمان
النَّهْديِّ، سمعت عمرو بن العاص يقول: بعثني رسول الله وَّر على جيش ذات السَّلاسل، وفي القوم
أبو بكر وعمر ، فحدَّثت نفسي أنَّه لم يبعثني على أبي بكر وعمر إلا لمنزلة لي عنده . قال : فأتيته حتى
قعدت بين يديه ، فقلت: يا رسول الله، من أحبُّ الناس إليك؟ قال: ((عائشة)). قلت: إنِّي لست
أسألك عن أهلك. قال: ((فأبوها)). قلت: ثم من؟ قال: ((عمر)). قلت: ثم من؟ حتى عدَّد
رهطاً ، قال : قلت في نفسي : لا أعود أسأل عن هذا .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٦٢٥).
(٢) أي: يقسموها أعضاءً .
(٣) أي : نصيباً.
(٤) انظر ((دلائل النبوة)) (٤٠٥/٤).
(٥) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٤/ ٤٠٠).