النص المفهرس

صفحات 461-480

٤٦١
ذكر عمرة القضاء
الحميريَّ عن ذلك، فقال له : على الخبير سقطتَ ، حججت عام ابن الزُّبير في الحصر الأول ، فأهديت
هدياً، فحالوا بيننا وبين البيت، فنحرت في الحرم، ورجعت إلى اليمن، وقلت: لي برسول الله وَل
أسوة . فلمَّا كان العام المقبل حججت ، فلقيت ابن عباس ، فسألته عما نحرت : عليَّ بدله أم لا ؟ قال :
نعم فأبدل ، فإن رسول الله وَ لّ وأصحابه قد أبدلوا الهدي الذي نحروا عام صدَّهم المشركون ، فأبدلوا
ذلك في عمرة القضاء، فعزَّت الإبل عليهم، فرخَّص لهم رسول الله بَّ في البقر .
وقال الواقديُّ(١): حدَّثني غانم بن أبي غانم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال : جعل
رسول الله وَ ل ناجية بن جندب الأسلميَّ على هديه، يسير بالهدي أمامه، يطلب الرِّعي في الشجر، معه
أربعة فتيان من أسلم ، وقد ساق رسول الله وَ ليره في عمرة القضيَّة ستين بَدَنةً.
فحذَّثني(٢) محمد بن نُعَيم المُجْمِر، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : كنت مع صاحب البدن
أسوقها .
قال الواقديّ(٣): وسار رسول الله وَل يلبّي والمسلمون معه يلبُّون، ومضى محمد بن مسلمة بالخيل
إلى مرِّ الظّهران، فيجد بها نفراً من قريش، فسألوا محمد بن مسلمة، فقال: هذا رسول الله وَّة يصبِّح
هذا المنزل غداً إن شاء الله . ورأوا سلاحاً كثيراً مع بشير بن سعد ، فخرجوا سراعاً حتى أتوا قريشاً ،
فأخبروهم بالذي رأوا من السلاح والخيل ، ففزعت قريش وقالوا : والله ما أحدثنا حدثاً ، وإنا على كتابنا
وهدنتنا ، ففيم يغزونا محمد في أصحابه؟ ونزل رسول الله وَ له مرَّ الظّهران، وقدَّم رسول الله وَّ السلاح
إلى بطن يأجَج ، حيث ينظر إلى أنصاب الحرم ، وبعثت قريش مِكرز بن حفص بن الأحنف في نفر من
قريش، حتى لقوه ببطن يأجج، ورسول الله وَ لير في أصحابه والهدي والسلاح ، قد تلاحقوا ، فقالوا :
يا محمد، ما عُرفت صغيراً ولا كبيراً بالغدر ، تدخل بالسلاح في الحرم على قومك ، وقد شرطت لهم أن
لا تدخل إلا بسلاح المسافر ؛ السيوف في القرب؟ فقال النبيُّ بَ له: ((إني لا أدخل عليهم السلاح)).
فقال مكرز بن حفص : هذا الذي تعرف به ؛ البرُ والوفاء . ثم رجع سريعاً بأصحابه إلى مكة [ فقال: إن
محمداً لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذي شرط لكم ] فلما أن جاء مكرز بن حفص بخبر النبيِّ وَّر ،
خرجت قريش من مكة إلى رؤوس الجبال ، وخلّوا مكة ، وقالوا : لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه . فأمر
رسول الله وَ له بالهدي أمامه حتى حبس بذي طوى، وخرج رسول الله وَليل وأصحابه وهو على ناقته
القصواء ، وهم محدقون به يلبُّون ، وهم متوشِّحون السيوف ، فلما انتهى إلى ذي طُوى ، وقف على ناقته
(١) انظر ((المغازي)) (٧٣٢/٢).
(٢) القائل الواقدي في ((المغازي)) (٧٣٢/٢).
(٣) انظر ((المغازي)) (٧٣٤/٢).

٤٦٢
ذكر عمرة القضاء
القصواء ، [ والمسلمون حوله ، ثم دخل من الثَّنيَّة التي تطلعه على الحَجون على راحلته القصواء ] وابن
رواحة آخذ بزمامها، وهو يرتجز بشعره ويقول (١): 1 من الرجز ]
خُلُّوا بني الكُفَّار عن سبيله
إلى آخره .
وفي ((الصحيحين)(٢) من حديث ابن عباس قال: قدم رسول الله وَلّر وأصحابه صبيحة رابعة - يعني
من ذي القعدة سنة سبع - فقال المشركون: إنه يقدَم عليكم وفد قد وهَنتهم حمَّى يثرب . فأمر رسول الله
وَ لجه أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الرُّكنين، ولم يمنعه أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء
عليهم .
وقال الإمام أحمد(٣): حدَّثنا محمد بن الصَّبَّاح ، ثنا إسماعيل ، يعني ابن زكريا ، عن عبد الله بن
عثمان، عن أبي الطُّفيل، عن ابن عباس أن رسول الله وَّه لما نزل مرَّ الظّهران في عمرته ، بلغ أصحاب
رسول الله و لم أن قريشاً تقول: ما يتباعثون من العجف. فقال أصحابه : لو انتحرنا من ظهرنا ، فأكلنا من
لحمه ، وحسونا من مرقه ، أصبحنا غداً حين ندخل على القوم وبنا جَمامة. فقال: (( لا تفعلوا ، ولكن
اجمعوا لي من أزوادكم)). فجمعوا له ، وبسطوا الأنطاع، فأكلوا حتى تركوا ، وحثا كلُّ واحد منهم في
جرابه، ثم أقبل رسول الله وَ له حتى دخل المسجد ، وقعدت قريش نحو الحِجر ، فاضطبع بردائه ثم قال :
(( لا يرى القوم فيكم غَميزة)) . فاستلم الرُّكن ثم رمل، حتى إذا تغيَّب بالركن اليمانيّ مشى إلى الركن
الأسود، فقالت قريش : ما يرضَون بالمشي ، أما إنهم لينقزون نقز الظّباء . ففعل ذلك ثلاثة أطواف ،
فكانت سُنَّةَ. قال أبو الطُّفيل: وأخبرني ابن عباس أن رسول الله وَّر فعل ذلك في حجَّة الوداع . تفرَّد به
أحمد من هذا الوجه .
قال أبو داود(٤) : ثنا أبو سلمة موسى ، ثنا حمَّاد - يعني ابن سلمة - أنبأنا أبو عاصم الغنويُّ ، عن أبي
الطُّفيل قال: قلت لابن عباس: يزعم قومك أن رسول الله وَلَه قد رمل بالبيت، وأن ذلك سُنَّة . فقال:
صدقوا وكذبوا . قلت: ما صدقوا وما كذبوا؟ قال: صدقوا؛ رمل رسول الله مَ ليه ، وكذبوا؛ ليس
بسُنة ، إنَّ قريشاً قالت زمن الحديبية : دعوا محمداً وأصحابه حتى يموتوا موت النَّغْف . فلمَّا صالحوه
على أن يجيئوا من العام المقبل فيقيموا بمكة ثلاثة أيام، فقدم رسول الله وَالر والمشركون من قِبل
(١) انظر ((ديوانه)) ص (١٤٤).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٢٥٦) ومسلم رقم (١٢٦٦).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٠٥/١)، وإسناده حسن.
(٤) في ((سننه)) رقم (١٨٨٥)، وهو حديث صحيح .

٤٦٣
ذكر عمرة القضاء
قعيقعان، فقال رسول الله مح له لأصحابه: ((ارملوا بالبيت ثلاثاً)). قال: وليس بسُنة.
وقد رواه مسلمُ (١) من حديث سعيد الجُريريّ ، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين ،
وعبد الملك بن سعيد بن أبجر ، ثلاثتهم عن أبي الطُّفيل عامر بن واثلة ، عن ابن عباس ، به نحوه .
وكونُ الرَّمَل في الطّواف سُنة مذهب الجمهور، فإن رسول الله بَ لَّ رمل في عمرة القضاء ، وفي عمرة
الجعرانة أيضاً ، كما رواه أبو داود وابن ماجه ، من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم ، عن أبي الطُفيل ،
عن ابن عباس ، فذكره (٢) . وثبت في حديث جابر عند مسلم وغيره ، أنه صلَّى الله عليه وسلم رمل في
حجة الوداع في الطواف (٣) . ولهذا قال عمر بن الخطاب: فيم الرَّملان وقد أط٤َّ) الله الإسلام؟ ومع هذا
لا نترك شيئاً فعله رسول الله (صل(٥) وموضع تقرير هذا كتاب ((الأحكام)).
وكان ابن عباس في المشهور عنه لا يرى ذلك سُنة، كما ثبت في (( الصحيحين)(٦) من حديث
سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس قال: إنما سعى النبيُّ وَجَّ بالبيت وبين
الصّفا والمروة ؛ ليُريَ المشركين قوَّته ، لفظ البخاريِّ .
وقال الواقديُّ): لما قضى رسول الله وَّر نسكه في القضاء، دخل البيت، فلم يزل فيه حتى أذَّن
بلال الظهر فوق ظهر الكعبة ، وكان رسول الله وَ لقر أمره بذلك، فقال عكرمة بن أبي جهل : لقد أكرم الله
أبا الحكم حيث لم يسمع هذا العبد يقول ما يقول . وقال صفوان بن أمية : الحمد لله الذي أذهب أبي قبل
أن يرى هذا. وقال خالد بن أسيد : الحمد لله الذي أمات أبي ولم يشهد هذا اليوم ، حين يقوم بلال بن أمّ
بلال ينهق فوق الكعبة . وأما سهيل بن عمرو ورجال معه ، لمَّا سمعوا بذلك غَطّوا وجوههم .
قال الحافظ البيهقيُّ(٨) : قد أكرم الله أكثرهم بالإسلام .
قلت : كذا ذكره البيهقيُّ(٩) من طريق الواقديِّ؛ أن هذا كان في عُمْرَة القَضَاء . والمشهور أن ذلك
كان في عام الفتح ، والله أعلم .
(١) فى ((صحيحه)) رقم (١٢٦٤) و(١٢٦٥).
رواه أبو داود رقم ( ١٨٩٠) وابن ماجه ( ٢٩٥٣) وهو حديث صحيح .
(٢)
(٣) رواه مسلم رقم (١٢١٨) .
(٤)
أي : ثبّت .
(٥) رواه أحمد في (( المسند)) وأبو داود (١٨٨٧) وابن ماجه (١٩٥٢) وهو حديث صحيح .
(٦) رواه البخاري رقم (١٦٤٩) و(٤٢٥٧) ومسلم رقم (١٢٦٦) (٢٤١).
(٧) انظر ((المغازي)) (٢/ ٧٣٧).
(٨) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٢٩/٤).
(٩) فى ((دلائل النبوة)) (٣٢٩/٤).

٤٦٤
ذكر زواجه ئية بميمونة رضي الله عنها
وأما قصة تزويجه ، عليه الصلاة والسلام ، بِمَيمُونَةً
فقال ابن إسحاق(١) : حدَّثني أبان بن صالح وعبد الله بن أبي نجيح ، عن عطاء ومجاهد ، عن ابن
عباس ، أنَّ رسول الله وَ ل تزوَّج ميمونة بنت الحارث في سفره ذلك وهو حرام ، وكان الذي زوَّجه إيَّاها
العباس بن عبد المطّلب . قال ابن هشام : كانت جعلت أمرها إلى أختها أمّ الفضل ، فجعلت أمُّ الفضل
أمرها إلى زوجها العباس، فزوَّجها رسول الله وَّله، وأصدقها عنه أربعمئة درهم.
وذكر الشُّهيليُّ(٢) أنَّه لمَّا انتهت إليها خطبة رسول الله يَّ لها وهي راكبة بعيراً قالت : الجمل وما عليه
لرسول الله بَّه. قال: وفيها نزلت الآية: ﴿ وَأَمْرَّةً مُؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِىُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا
خَالِصَةٌ لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينٌ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
وقد روى البخاريّ(٣) من طريق أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، أنَّ رسول اللهَوَ لَه تزوَّج مَيْمُونَةَ
وهو محرمٌ ، وبنى بها وهو حلالٌ ، وماتت بِسَرِف .
قال السُّهيليُّ(٤) : وروى الدار قطنيُّ من طريق أبي الأسود يتيم عروة ، ومن طريق مطر الورّاق، عن
عكرمة ، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله وَّرَ تزوَّج ميمونة وهو حلال . قال : وتأؤَلوا رواية ابن عباس
الأولى أنَّه كان محرماً ؛ أي في شهر حرام ، كما قال الشاعر(٥): [من الكامل ]
قَتَلُوا ابنَ عَفَّن الخليفةَ مُحْرِمَاً فدَعا٦) فلم أر مثله مخذولاً
أي : في شهر حرام .
قلت : وفي هذا التأويل نظر ؛ لأنَّ الروايات متظافرة عن ابن عباس بخلاف ذلك ، ولا سيَّما قوله :
تزوَّجها وهو محرم ، وبنى بها وهو حلال ، وقد كان في شهر ذي القعدة أيضاً ، وهو شهر حرام .
وقال محمد بن يحيى الذُّهْليُّ: ثنا عبد الرزاق قال : قال لي الثَّورُّ: لا تلتفت إلى قول أهل
المدينة ؛ أخبرني عمرو، عن أبي الشَّعثاء، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله ◌ِ ◌ّو تزوَّج وهو محرم .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٢/٢).
(٢) انظر ((الروض الأنف)) (٢٩/٧).
(٣)
في « صحيحه )) رقم (٤٢٥٨) .
انظر ((الروض الأنف)» ( ٧/ ٣٠).
(٤)
وهو الراعي النميري، والبيت في ((ديوانه)) ص (٢٠٧).
(٥)
(٦) كذا في كتابنا هنا، وفي ((الروض الأنف)) (٧/ ٣٠): ((فدعا)) وفي ((زاد المعاد)) (٣٣٠/٣): ((ورعاً)).

٤٦٥
ذكر زواجه * بميمونة رضي الله عنها
قال أبو عبد الله(١): قلت لعبد الرزاق: روى سفيان الحديثين جميعاً؛ عن عمرو عن أبي الشَّعثاء عن
ابن عباس (٢)، وابن خُثَيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (٣) ؟ قال : نعم ، أمَّا حديث ابن خثيم فحدَّثنا
هاهنا - يعني باليمن - وأمَّا حديث عمرو فحدَّثنا ثَمَّ - يعني بمكة - وأخرجاه في (( الصحيحين )(٤) من
حدیث عمرو بن دينار به .
وفي ((صحيح البخاريٍّ)(٥) من طريق الأوزاعيِّ، أنبأنا عطاء، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله وَال
تزوَّج مَيمونة وهو محرمٌ .
فقال سعيد بن المسيَّب : وَهَم٦ُ) ابن عباس، وإن كانت خالته ؛ ما تزوَّجها إلا بعد ما أَحَلَّ .
وقال يونس(٧) ، عن ابن إسحاق: حدَّثني ثقة، عن سعيد بن المسيَّب أنَّه قال : هذا عبد الله بن
عباس ، يزعم أنَّ رسول اللهوَ ل ﴿ نكح ميمونة وهو محرم. فذكر كلمته: إنَّما قدم رسول الله وَل مكة،
فكان الحلُّ والنّكاح جميعاً ، فشُبِّه ذلك على الناس .
وروى مسلم وأهل السُّنن(٨) من طرق، عن يزيد بن الأصمِّ العامريِّ، عن خالته ميمونة بنت الحارث
قال: تزوَّجني رسول الله بَ له ونحن حلالان بسرف. ولكن قال الترمذيُّ: روى غير واحد هذا الحديث ،
عن يزيد بن الأصمِّ مرسلاً، أنَّ رسول الله وَ ل ◌َ تزوَّج ميمونة [ وهو حلال ] .
وقال الحافظ البيهقيُّ(٩): أنبأنا أبو عبد الله [ الحافظ، أنبأنا أبو عبد الله ] محمد بن عبد الله
الأصفهانيُّ الزاهد ، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، ثنا سليمان بن حرب ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا مطر
الورّاق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: تزوَّج رسول الله وَلهم
ميمونة وهو حلال ، وبنى بها وهو حلال ، وكنت الرسولَ بينهما .
(١) يعني ( الذُّهْلِيّ) وهو محمد بن يحيى بن عبد الله الذُّهْلِيّ النَّيْسَابُوريّ، أبو عبد الله، المتوفى سنة (٢٥٨) هـ.
انظر ((شذرات الذهب)) (٢٥٩/٣) بتحقيقي ، طبع دار ابن كثير .
(٢) انظر ((المسند)) للإمام أحمد بن حنبل (١/ ٣٦٢)، وإسناده صحيح.
(٣)
انظر ((المسند)) للإمام أحمد بن حنبل (٢٨٣/١ و٣٦٢)، وإسناده حسن.
(٤) رواه البخاري رقم (٥١١٤) ومسلم رقم (١٤١٠).
(٥) رقم ( ١٨٣٧) .
(٦) أي: ذهب وهمه إليه. قاله ابن الأثير في ((جامع الأصول)) (٣/ ٥٢) وقد ذكر أبو داود أثر ابن المسيب هذا في
(( سننه)) رقم (١٨٤٥) وهو صحيح مقطوع .
(٧) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٣٦/٤).
(٨) هو عند مسلم رقم (١٤١١) وأبي داود رقم (١٨٤٣) والترمذي رقم (٨٤٥) والنسائي رقم (٥٤٠٤ ) وابن ماجه
رقم (١٩٦٤) .
(٩) انظر ((دلائل النبوة)) (٣٣٦/٤).

٤٦٦
ذكر خروجه من مكة بعد قضاء عمر ناه
وهكذا رواه الترمذيُّ والنَّسائيُ(١) جميعاً، عن قتيبة ، عن حَمَّاد بن زيد ، به ، ثم قال الترمذيُّ:
حسن ، ولا نعلم أحداً أسنده غير حَمَّاد عن مطر. ورواه مالك ، عن ربيعة ، عن سليمانَ مرسلاً . ورواه
سليمان بن بلال ، عن ربيعةً مرسلاً .
قلت : وكانت وفاتها بسرف سنة ثلاث وستين ، [ ويقال : سنة ستين ] ، رضي الله عنها .
ذكر خروجه * من مَكَّة بعد قضاء عُمْرَتِهِ
قد تقدَّم ما ذكره موسى بن عقبة ؛ أنَّ قريشاً بعثوا إليه حُويطب بن عبد العُزَّى بعد مضيٍّ أربعة أيام
ليرحل عنهم ، كما وقع به الشّرط ، فعرض عليهم أن يعمل وليمة عُرْسه بمَيْمُونةَ عندهم ، وإنَّما أراد
تأليفهم بذلك ، فأبوا عليه وقالوا : بل اخرُج عنا ، فخرج وكذلك ذكره ابن إسحاق (٢)
وقال البخاريُّ (٣) : ثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق ، عن البراء قال: اعتمر
النبيُّ رَّ في ذي القعدة، فأبى أهل مكة [ أن يدعوه يدخل مَكَّة ] حتى قاضاهم على أن يقيموا بها ثلاثة
أيام ، فلمَّا كتبوا الكتاب ، كتبوا : هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله . قالوا : لا نقُّ بهذا ، لو نعلم
أنَّك رسول الله ما منعناك شيئاً ، ولكن أنت محمد بن عبد الله .
قال: ((أنا رسول الله، وأنا محمد بن عبد الله)). ثم قال لعليٍّ بن أبي طالب: ((امْحُ رسول الله)).
قال: لا والله لا أمحوك أبداً. فأخذ رسول الله (وَ ﴿ الكتاب، وليس يُحسن يكتب، فكتب٤) : هذا
ما قاضى عليه محمد بن عبد الله ؛ لا يُدخل مَكَّةَ إلَّ السيفَ في القِراب ، وأن لا يخرج من أهلها بأحد أراد
أن يتبعه ، وأن لا يمنع من أصحابه أحداً أراد أن يقيم بها . فلمَّا دخلها ومضى الأجل ، أتَوا عليّاً فقالوا :
قل لصاحبك: اخرج عنا، فقد مضى الأجل. فخرج النبيُّ وَّ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عمّ ، ياعمّ.
فتناولها عليٍّ فأخذ بيدها ، وقال لفاطمة: دونكِ ابنةَ عمِّكِ . فحملتها ، فاختصم فيها عليٍّ وزيد
(١) رواه الترمذي رقم (٨٤١) والنسائي في (( السنن الكبرى)) رقم (٥٤٠٢)، وهو ضعيف بطوله، وصح عنه ((تزوج
ميمونة وهو حلال )) .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٧٢).
(٣) رواه البخاري رقم (٤٢٥١) .
(٤) أي: أمر بالكتابة وَه، وإلا فَأُمِّيَّتُه مسلَّم بها، نصّ عليها القرآن الكريم، وهي من الإعجاز العظيم الذي كان في
شخصيته ودعوته ري كما هو معلوم لدى أهل العلم من المسلمين سلفاً وخلفاً . وانظر لتمام الفائدة الفصل الخاص
بِأُمََِّّهِ وَله من مقدمتي لكتاب ((إعلام السائلين عن كتب سيد المرسلين)) لابن طولون الدمشقي.

٤٦٧
ذكر خروجه34 من مكة بعد قضاء عمرته
وجعفر ، فقال عليٍّ: أنا أخذتها وهي ابنة عَمِّي. وقال جعفر : ابنة عَمّي ، وخالتها تحتي . وقال زيد :
ابنةُ أخي، فقضى بها النبيُّ ◌َ ◌ّ لخالتها١) وقال: (( الخَالَةُ بمنزلةِ الأُمّ)). وقال لعليٍّ: «أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا
مِنْكَ)). وقال لجعفر: ((أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقي)). وقال لزيد: ((أَنْتَ أَخُونَا وَمَولانَا)) . قال عليّ : ألا
تتزوَّج ابنةَ حمزة؟ قال: ((إنها ابنةُ أخي من الرَّضَاعَةِ)) . تفرَّد به البخاريُّ من هذا الوجه .
وقد روى الواقديُّ(٢) قصة ابنة حمزة، فقال: حدَّثني ابن أبي حَبيبة، عن داود بن الحُصَين ، عن
عِكْرِمَة ، عن ابن عباس ، أن عُمَارة ابنة حمزة بن عبد المطلب ، وأمّها سَلمى بنت عُميس ، كانت بمكة ،
فلمَّا قدم رسول الله بَ ◌ّ كلَّم عليّ بن أبي طالب رسول الله يمثّل فقال: علام نترك ابنة عمِّنا يتيمة بين ظهراني
المشركين؟ فلم ينه النبيُّ ◌َّ عن إخراجها، فخرج بها، فتكلَّم زيد بن حارثة وكان وصيَّ حمزة ، وكان
النبيُّ وَّ قد آخى بينهما حين آخى بين المهاجرين، فقال: أنا أحقُّ بها ؛ ابنة أخي. فلمَّا سمع بذلك
جعفر قال : الخالة والدة ، وأنا أحقُّ بها لمكان خالتها عندي أسماء بنت عميس . وقال عليٍّ : ألا أراكم
تختصمون ، هي ابنة عمِّي ، وأنا أخرجتها من بين أظهر المشركين ، وليس لكم إليها سبب دُوني ، وأنا
أحقُّ بها منكم. فقال النبيُّمِلّه: «أنا أَحْكُمُ بينكم، أمّا أنت يا زيد فمولى الله ومولى رسول الله، [ وأمّا
أنت يا عليٌّ فأخي وصَاحبي ]، وأما أنت يا جَعْفَرُ فتشبه خَلْقي وخُلُقي ، وأنت يا جعفر أولى بها ؛ تحتك
خالتُها ، ولا تنكح المرأة على خالتها ولا على عمَّتها )) فقضى بها لجعفر .
قال الواقديُّ: فلما قضى بها لجعفر، قام جعفر فحَجَل حول رسول الله مح له، فقال: ((ما هذا
يا جعفر؟)) فقال: يا رسول الله، كان النَّجاشيُّ إذا أرضى أحداً، قام فَحَجَل حوله. فقال النبيِّ وَلّ:
تزوَّجها. فقال: ((ابنة أخي من الرَّضاعة)). فزوَّجها رسول اللهَوَ لَ سَلَمَةَ بن أبي سَلَمَة، فكان النبيُّ وَلَّه
يقول: (( هَلْ جَزَيْتُ سَلَمَة؟)).
قلت : لأنَّ ذَكَرَ الواقديُّ وغيره، أنَّه هو الذي زوَّج رسول اللهِ وَّهُ بِأُمِّه أُمِّ سَلَمَةَ؛ لأنَّه كان أكبر من
أخيه عُمر بن أبي سلمة ، والله أعلم .
قال ابن إسحاق(٣): ورجع رسول الله# إلى المدينة في ذي الحجَّة، وتولَّى المشركون تلك
الحجّة .
قال ابن هشامُ(٤): وأنزل الله في هذه العُمرة، فيما حدَّثني أبو عبيدة، قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ صَدَفَ
(١) أي : لزوجة جعفر رضي الله عنه .
(٢) انظر ((المغازي)) (٧٣٨/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٧٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٧٢).

٤٦٨
ذكر ردّ رسول الله خليّة ابنته زينب على زوجها أبي العاص بن الربيع
اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّغْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُ ءَامِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُ وسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونٌَ فَعَلِمَ مَا لَمْ
تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحَاقَرِيبًا﴾ [ الفتح: ٢٧ ] يعني خَيبر.
***
فصل
ذكر البيهقيُّ(١) هاهنا سريّة ابن أبي العَوجَاء السُّلميِّ إلى بني سُليم، ثم ساق بسنده عن الواقديّ(٢):
حدَّثني محمد بن عبد الله بن مسلم ، عن الزُّهريِّ قال: لمَّا رجع رسول الله وَّل من عمرة القضيَّة ، رجع
في ذي الحجّة من سنة سبع ، فبعث ابن أبي العوجاء السُّلميَّ في خمسين رجلاً ، فخرج [ إلى بني سُليم ،
وكان عين بني سليم معه ، فلما فصل من المدينة ، خرج ] العين إلى قومه ، فحذَّرهم وأخبرهم ، فجمعوا
جمعاً كثيراً، وجاءهم ابن أبي العوجاء والقوم معدُّون، فلمَّا أن رآهم أصحاب رسول الله مَّل ورأوا
جمعهم ، دعوهم إلى الإسلام ، فرشقوهم بالنَّبل ولم يسمعوا قولهم ، وقالوا : لا حاجة لنا إلى ما دعوتم
إليه ، فرموهم ساعة ، وجعلت الأمداد تأتي ، حتى أحدقوا بهم من كلِّ جانب ، فقاتل القوم قتالاً شديداً ،
حتى قتل عامَّتهم ، وأصيب ابن أبي العوجاء بجراحات كثيرة ، فتحامل حتى رجع إلى المدينة بمن بقي معه
من أصحابه في أول يوم من صفر سنة ثمان .
* *
فصل
قال الواقديّ(٣): في المحرَّم من هذه السنة - يعني سنة سبع - ردَّ رسول الله وَّل ابنته زينب على زوجها
أبي العاص بن الربيع ، وقد قدَّمنا الكلام على ذلك .
وفيها قدم حاطب بن أبي بلتعة من عند المقوقس ومعه مارية وسيرين ، وقد أسلمتا في الطريق ،
وغلام خصيٌّ .
قال الواقديّ(٤): وفيها اتَّخذ رسول الله بَ له منبره درجتين ومقعده. قال: والثَّبَتُ عندنا أنَّه عُمل في
سنة ثمان .
انظر ((دلائل النبوة)) (٣٤١/٤).
(١)
(٢) انظر ((المغازي)) (٢/ ٧٤١).
انظر ((تاريخ الطبري)) (٢١/٣).
(٣)
(٤) انظر ((تاريخ الطبري)) (٢٢/٣).

٤٦٩
أحداث سنة ٨ هـ
ربّ يسّر وأَعِنْ بحولِكَ وقوتك
سنة ثمان من الهجرة النبوية
فصل
في إسلام عمرو بن العَاص ، وخالد بن الوليد ، وعثمان بن طلحة ، رضي الله عنهم ،
وكان قدومهم أوائل سنة ثمانٍ ، على ما سيأتي
قد تقدَّم طرف من ذلك ، فيما ذكره ابن إسحاق بعد مقتل أبي رافع اليهوديِّ ، وذلك في سنة خمس
من الهجرة، وإنَّما ذكره الحافظ البيهقيُّ(١) هاهنا بعد عُمْرَة القَضَاء، فَروى من طريق الواقديّ(٢): أنبأ
عبد الحميد بن جعفر ، عن أبيه قال : قال عمرو بن العاص : كنت للإسلام مجانباً معانداً ، حضرت بدراً
مع المشركين فنجوت ، ثم حضرت أُحداً فنجوتُ ، ثم حضرت الخَنْدَقَ فنجوتُ . قال : فقلت في
نفسي: كم أُوضِعُ(٣) ؟ والله ليظهرنَّ محمدٌ على قريش، فلحقتُ بمالي بالوَهْطِ(٤) ، وأقللت من الناس
- أي: من لقائهم - فلمَّا حضر الحُديبية، وانصرف رسول الله وََّ في الصُّلحِ، وَرَجَعَتْ قريش إلى مَكّة ،
جعلت أقول : يَدْخُل محمدٌ قابلاً مَكَّة بأصحابه ، ما مَكَّهُ بمنزل ولا الطائف ولا شيء خير من الخروج .
وأنا بعدُ ناءٍ عن الإسلام ، وأرى لو أَسْلَمَتْ قريشٌ كلُّها لم أُسْلِمْ ، فقدمتُ مَكَّة وجمعت رجالاً من قومي ،
وكانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، ويقدِّمونني فيما نابهم ، فقلت لهم : كيف أنا فيكم ؟ قالوا : ذو
رأينا ومِدْرَهُن٥َّ) في يُمن نقيبة وبركةِ أمرٍ ، قال: قلت : تعلمون أنِّي والله لأَرى أَمْرَ محمدٍ أَمْراً يعلو الأمور
علوّاً منكراً، وإنِّي قد رأيت رأياً . قالوا: وما هو ؟ قلت: نَلْحَقُ بالنجاشيِّ فتكون معه ، فإن يظهر محمدٌ
(١) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٣٤٣).
(٢) انظر ((المغازي)) (٢/ ٧٤١).
(٣)
أي : أدبر وأحاربُ .
في (أ) و(ط): ((بالرّهط)) وهو خطأ، والتصحيح من ((مراصد الاطلاع)) (١٤٤٧/٣) وقد جاء فيه مايلي :
(٤)
((وهط ... كرم كان لعمرو بن العاص بالطائف ، قيل: يعرش على ألف ألف خشبة . وقيل : قرية بالطائف على
ثلاثة أميال من وچٍ ، كانت لعمرو بن العاص )) .
(٥) أي : سيدنا ومقدَّمنا .

٤٧٠
أحداث سنة ٨هـ
كنا عند النجاشيِّ ، فنكون تحت يد النَّجاشيِّ أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يد محمدٍ ، وإن تظهر قريش
فنحن مَن قد عرفوا . قالوا : هذا الرأي . قال : قلت : فاجمعوا ما نهديه له . وكان أحبَّ ما يُهدى إليه
من أرضنا الأَدَمُ ، فجمعنا أَدَماً كثيراً ، ثم خرجنا حتى قدمنا على النجاشيِّ، فوالله إنَّا لعنده إذ جاء
عمرو بن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيّ، وكان رسولُ الله ◌ِّرَ قد بعثه بكتابٍ كَتَبَّهُ، يُزَوَّجُه أَمَّ حَبيبة بنت أبي سفيان ،
فدخل عليه ثم خرج من عنده ، فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أَمَيَّة ، ولو قد دخلت على النجاشيِّ
فسألته إيَّاء فأعطانيه فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك سَرَرْتُ قريشاً ، وكنت قد أجزأْتُ عنها حين قتلت
رسول محمد . فدخلت على النجاشيِّ فسجدت له كما كنت أصنع ، فقال : مرحباً بصديقي ، أهديت لي
من بلادك شيئاً ؟ قال : قلت : نعم أيها الملك ، أهديت لك أدماً كثيراً . ثُمَّ قدَّمته فأعجبه ، وفرَّق منه
شيئاً بين بطارقته ، وأمر بسائره فأدخل في موضع ، وأمر أن يكتب ويحتفظ به ، فلما رأيت طيب نفسه
قلت : أيها الملك ، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك ، وهو رسول عدوّ لنا قد وترنا ، وقتل أشرافنا
وخيارنا ، فأعطنيه فأقتله . فغضب من ذلك ، ورفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنَّه كسره ، فابتدر
منخِراي ، فجعلت أتلقَّى الدَّم بثيابي ، فأصابني من الذُّلِّ ما لو انشقَّت بي الأرض دخلت فيها ؛ فرَقاً منه .
ثم قلت : أيها الملك ، لو ظننت أنَّك تكره ما قلت ما سألتك . قال : فاستحيا وقال : يا عمرو ، تسألني
أن أعطيك رسول من يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، والذي كان يأتي عيسى لتقتله ؟ قال
عمرو : فغيَّر الله قلبي عمَّا كنت عليه ، وقلت في نفسي : عرف هذا الحقَّ العرب والعجم وتخالف أنت ؟
ثم قلت : أتشهد أيُّها الملك بهذا؟ قال : نعم ، أشهد به عند الله يا عمرو ، فأطعني واتَّبعه ، فوالله إنَّه
لعلى الحقِّ ، وليظهرنَّ على من خالفه ، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . قلت : أتبايعني له على
الإسلام ؟ قال : نعم . فبسط يده فبايعني على الإسلام ، ثم دعا بطَست ، فغسل عني الدم وكساني ثياباً ،
وكانت ثيابي قد امتلأت بالدّم فألقيتها ، ثم خرجت على أصحابي ، فلمَّا رأوا كسوة النجاشيِّ سُرُّوا بذلك
وقالوا : هل أدركت من صاحبك ما أردت ؟ فقلت لهم : كرهت أن أكلِّمه في أول مرة ، وقلت : أعود
إليه . فقالوا : الرأي ما رأيت . قال : ففارقتهم وكأنِّي أعمد لحاجة ، فعمدت إلى موضع السُّفن ، فأجد
سفينة قد شحنت تدفع . قال : فركبت معهم ودفعوها ، حتى انتهوا إلى الشُّعيبة ، وخرجت من السفينة
ومعي نفقة ، فابتعت بعيراً ، وخرجت أريد المدينة ، حتى مررت على مرّ الظّهران ، ثم مضيت ، حتى إذا
كنت بالهدَة ، فإذا رجلان قد سبقاني بغير كثير يريدان منزلًا ، وأحدهما داخل في الخيمة ، والآخر يمسك
الرَّاحلتين . قال : فنظرت فإذا خالد بن الوليد . قال : قلت : أين تريد ؟ قال : محمداً ؛ دخل الناس في
الإسلام ، فلم يبق أحد به طعم ، والله لو أقمت لأُخذ برقابنا كما يؤخذ برقبة الصَّبع في مغارتها . قلت :
وأنا والله قد أردت محمداً ، وأردت الإسلام . فخرج عثمان بن طلحة فرخَّب بي ، فنزلنا جميعاً في
المنزل ، ثم ترافقنا حتى أتينا المدينة ، فما أنسى قول رجل لقيناه ببئر أبي عنبة يصيح : يا رباح ،

٤٧١
أحداث سنة ٨ هـ
يا رباح ، يا رباح . فتفاءلنا بقوله وسررنا ، ثم نظر إلينا فأسمعه يقول : قد أعطت مكة المقادة بعد
هذين . فظننت أنه يعنيني ويعني خالد بن الوليد، وولَّى مدبراً إلى المسجد سريعاً ، فظننت أنَّه بشَّر
رسول الله وَّلل بقدومنا، فكان كما ظننت، وأنخنا بالحرَّة ، فلبسنا من صالح ثيابنا ، ثم نودي بالعصر ،
فانطلقنا حتى اطّلعنا عليه وإنَّ لوجهه تهُّلاً ، والمسلمون حوله قد سُرُوا بإسلامنا ، فتقدَّم خالد بن الوليد
فبايع ، ثم تقدَّم عثمان بن طلحة فبايع ، ثم تقدَّمتُ ، فوالله ما هو إلا أن جلست بين يديه ، فما استطعت
أن أرفع طرفي [ إليه] حياءً منه. قال : فبايعته على أن يغفر لي ما تقدَّم من ذنبي ، ولم يحضرني
ما تأخّر، فقال: ((إنَّ الإسلام يجبُّ ما كان قبله، والهجرة تجبُّ ما كان قبلها)). قال : فوالله ما عدل
بي رسول الله مَّةٍ وبخالد بن الوليد أحداً من أصحابه في أمر حزبه منذ أسلمنا، ولقد كنّا عند أبي بكر بتلك
المنزلة ، ولقد كنت عند عمر بتلك الحالة ، وكان عمر على خالد كالعاتب .
قال عبد الحميد بن جعفر شيخ الواقديّ(١) : فذكرت هذا الحديث ليزيد بن أبي حبيب ، فقال :
أخبرني راشد مولى حبيب بن أبي أوس الثقفيِّ ، عن مولاه حبيب ، عن عمرو بن العاص نحو ذلك .
قلت : كذلك رواه محمد بن إسحاق(٢) ، عن يزيد بن أبي حبيب ، عن راشد ، عن مولاه حبيب
قال : حدَّثني عمرو بن العاص مِن فيه . فذكر ما تقدَّم في سنة خمس بعد مقتل أبي رافع . وسياق الواقديِّ
أبسط وأحسن . قال الواقديُّ ، عن شيخه عبد الحميد : فقلت ليزيد بن أبي حبيب : وقَّت لك متى قدم
عمرو وخالد ؟ قال : لا ، إلا أنَّه قال : قبل الفتح . قلت : فإنَّ أبي أخبرني أنَّ عَمْراً وخالداً وعثمان بن
طلحة قدموا لهلال صفر سنة ثمان .
وسيأتي عند وفاة عمرو من ((صحيح مسلم)(٣) ما يشهد لسياق إسلامه ، وكيفية حُسن صحبته
لرسول الله وَ ﴿ مدة حياته، وكيف مات وهو يتأسَّف على ما كان منه في مدة مباشرته الإمارة بعده ، عليه
الصلاة والسلام ، وصفة موته ، رضى الله عنه .
(١) انظر ((المغازي)) (٧٤٥/٢) .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٧٦/٢).
(٣) رقم ( ١٢١) .

٤٧٢
ذكر إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه
طریقُ إسلام خالد بن الوليد
قال الواقديٌّ(١): حدَّثني يحيى بن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال: سمعت أبي
يحدِّث عن خالد بن الوليد قال: لمَّا أراد الله بي ما أراد من الخير ، قذف في قلبي الإسلام ، وحضرني
رُشدي، فقلت: قد شهدت هذه المواطن كلَّها على محمد بِّلَه، فليس [ في ] موطن أشهده إلا أنصرف
وأنا أرى في نفسي أنِّي مُوضع في غير شيء، وأنَّ محمداً سيظهر، فلمَّا خرج رسول الله وَّل إلى الحُديبية
خرجت في خيل من المشركين ، فلقيت رسول الله وَ لّه في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه وتعرَّضت [ له ]
فصلَّى بأصحابه الظّهر أمامنا ، فهممنا أن نغير عليهم ، ثم لم يعزم لنا - وكانت فيه خِيَرة - فاطّلع على ما في
أنفسنا من الهمّ به ، فصلَّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف ، فوقع ذلك منَّا موقعاً ، وقلت : الرجل
ممنوع . فاعتزلَنا وعدل عن سير خيلنا ، وأخذ ذات اليمين ، فلمَّا صالح قريشاً بالحديبية ، ودافعته قريش
بالراح ، قلت في نفسي : أيُّ شيء بقي ؟ أين المذهب ؟ إلى النجاشيِّ؟ فقد اتّبع محمداً ، وأصحابه عنده
آمنون ، فأخرج إلى هرقل ؟ فأخرج من ديني إلى نصرانيَّة أو يهودية ، فأقيم مع عجم تابعاً ، فأقيم في داري
[ فيمن بقي؟] فأنا في ذلك إذ دخل رسول الله وَ ل مكة في عمرة القضيّة ، فتغيَّبت ولم أشهد دخوله ،
وكان أخي الوليد بن الوليد قد دخل مع النبيِّ وَّلَ في عمرة القضية، فطلبني فلم يجدني، فكتب إليَّ
كتاباً ، فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، أمَّا بعد ، فإنِّي لم أر أعجب من ذهاب رأيك عن الإسلام
وعقلك عقلك! ومثل الإسلام جهله أحد؟! وقد سألني رسول الله وَ ل عنك، وقال: ((أين خالد؟))
فقلت: يأتي الله به. فقال: (([ ما ] مثله جهل الإسلام ، ولو كان جعل نكايته وحدَّه مع المسلمين كان
خيراً [ له ] ولقدَّ مناه على غيره)). فاستدرك يا أخي ما قد فاتك ، فقد فاتك مواطن صالحة .
قال: فلمَّا جاءني كتابه نشطت للخروج، وزادني رغبة في الإسلام، وسرّني سؤال رسول الله وَله
عني ، وأرى في النوم كأنّي في بلاد ضيِّقة مجدبة ، فخرجت إلى بلاد خضراء واسعة ، فقلت : إنَّ هذه
الرؤيا ، فلمّا أن قدمت المدينة قلت : لأذكرنَّها لأبي بكر . فقال : مخرجك الذي هداك الله [ للإسلام]
والضَّيق الذي كنت فيه [ من ] الشرك .
[ قال: ] فلمَّا أجمعت الخروج إلى رسول الله وَّل، قلت: من أَصاحب إلى رسول الله وَل؟ فلقيت
صفوان بن أُميَّة ، فقلت : يا أبا وهب ، أما ترى ما نحن فيه ، إنَّما نحن كأضراس ، وقد ظهر محمد على
العرب والعجم ، فلو قدمنا على محمد واتَّعناه ؛ فإنَّ شرف محمد لنا شرف . فأبى أشدَّ الإباء ، فقال :
لو لم يبق غيري ما اَّبعته [ أبداً ] .
(١) انظر ((المغازي)) (٧٤٥/٢).

٤٧٣
ذكر إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه
فافترقنا، وقلت: هذا رجل قتل أبوه وأخوه ببدر . فلقيت عكرمة بن أبي جهل ، فقلت له مثل ما قلت
لصفوان بن أمية، فقال لي مثل ما قال صفوان بن أمية، قلت : فاكتم عليَّ. قال : لا أذكره . فخرجت إلى
منزلي ، فأمرت براحلتي ، فخرجت بها إلى أن لقيت عثمان بن طلحة ، فقلت : إنَّ هذا لي صديق ، فلو
ذكرت له ما أرجو . ثم ذكرت من قتل من آبائه ، فكرهت أن أذكِّره ، ثم قلت : وما عليَّ وأنا راحل من
ساعتي. فذكرت له ما صار الأمر إليه، فقلت: إنما نحن بمنزلة ثعلب في جُحر ، لو صبَّ فيه ذنوب من ماءٍ
لخرج. وقلت له نحواً ممَّا قلت لصاحبيَّ، فأسرع الإجابة، وقال: إنِّي غدوت اليوم وأنا أريد أن أغدوَ ،
وهذه راحلتي بفحِّ مناخةً . قال : فاتَّعدت أنا وهو يأجَج؛ إن سبقني أقام ، وإن سبقته أقمت [ عليه ] .
قال : فأدلجنا سَحَراً ، فلم يطلع الفجر حتى التقينا بيأجج ، فغدونا حتى انتهينا إلى الهدَة ، فنجد
عمرو بن العاص بها فقال : مرحباً بالقوم . فقلنا : وبك . فقال : إلى أين مسيركم ؟ فقلنا : وما
أخرجك؟ فقال: وما أخرجكم؟ قلنا: الدخول في الإسلام واتِّباع محمدٍ وََّ. قال: وذاك الذي
أقدمني. فاصطحبنا جميعاً حتى دخلنا المدينة، فأنخنا بظهر الحرّة ركابنا، فأُخبر بنا رسول الله وَ لَ فِسُرَّ
بنا، فلبست من صالح ثيابي، ثم عمدت إلى رسول الله وب لير فلقيني أخي ، فقال: أسرع، فإنَّ رسول الله
وَ﴿ قد أُخبر بك، فسرَّ بقدومك، وهو ينتظركم .
فأسرعنا المشي ، فاطّلعت عليه ، فما زال يتبسَّم إليَّ حتى وقفت عليه ، فسلَّمت عليه بالنبوة ، فردَّ
عليَّ السلام بوجه طلق، فقلت: إنِّي أشهد أن لا إله إلا الله، وأنَّك رسول الله. فقال: ((تعال)). ثم
قال رسول الله وَله: ((الحمد لله الذي هداك، وقد كنت أرى لك عقلاً رجوت أن لا يسلمك إلا إلى
خير )) . قلت : يا رسول الله ، قد رأيتَ ما كنت أشهد من تلك المواطن عليك معانداً للحقِّ ، فادع الله
[ أن] يغفرها لي. فقال رسول الله وَّر: ((الإسلام يجبُّ ما كان قبله)). قلت: يا رسول الله، على
ذلك؟ قال : ((اللهمَّ اغفر لخالد بن الوليد كلَّ ما أَوْضَعَ فيه من صدِّ عن سبيلك)) . قال خالد: وتقدَّم
عثمان وعمرو فبايعا رسول الله وَله .
قال: وكان قدومنا في صفر سنة ثمان. قال: فوالله ما كان رسول الله وَ لَو يعدل بي أحداً من أصحابه
فيما حزبه .
سريّة شُجَاعِ بنِ وَهْب الأسديِّ إلى نفرٍ من هَوازِن
قال الواقديٌّ(١): [ حدثني ] ابن أبي سَبْرَة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، عن عمر بن
(١) انظر ((المغازي)) (٢/ ٧٥٣).

٤٧٤
ذكر إسلام خالد بن الوليد رضي الله عنه
الحكم قال: بعث رسول الله بِّ شُجَاع بن وَهْبٍ في أربعة وعشرين رجلاً إلى جمع من هَوازِن ، وأمره أن
يغير عليهم ، فخرج وكان يسير الليل ويكمن النهار ، حتى صبَّحهم غارِّين ، وقد أوعز إلى أصحابه أن
لا يُمعِنوا في الطَّلب، فأصابوا نَعَمَاً كثيراً وشاءً، فاستاقُوا ذلك حتى قدموا المدينة ، فكانت سهامهم
خمسة عشر بعيراً ، كلَّ رجلٍ .
وزعم غيره أنَّهم أصابوا سبياً أيضاً ، وأنَّ الأمير اصطفى منه جارية وضيئة ، ثم قدم أهلوهم مسلمين ،
فشاور النبيُّ بِّل أميرهم في ردِّهن إليهم، فقال: نعم. فردُوهن، وخيَّر [ الجارية]١) التي عنده
فاختارت المقام عنده .
وقد تكون هذه السريّة هي المذكورة فيما رواه الشافعيُّ(٢) ، عن مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر أنَّ
رسول الله وَّل بعث سريّة قِبل نجد، فكان فيهم عبد الله بن عمر. قال : فأصبنا إبلاً كثيراً ، فبلغت سهامنا
اثني عشر بعيراً ، ونفَّلنا رسول الله بَ له بعيراً بعيراً. أخرجاه في ((الصحيحين)) من حديث مالك ، ورواه
مسلم أيضاً من حديث الليث ، ومن حديث عبيد الله ، كلُّهم عن نافع ، عن ابن عمر ، بنحوه(٣) .
وقال أبو داود٤): حدَّثنا هنَّاد ، حدَّثنا عبدة ، عن محمد بن إسحاق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال:
بعث رسول الله وَ﴿ سرية إلى نجد، فخرجتُ فيها، فأصبنا نعماً كثيراً فنفَّلنا أميرنا بعيراً بعيراً لكلِّ إنسان، ثم
قدمنا على رسول الله وسل﴿ فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كلُّ رجل منا اثني عشر بعيراً بعد الخمس، وما حاسبنا
رسول الله وَ لَهَ بالذي أعطانا صاحبنا، ولا عاب عليه ما صنع، فكان لكلِّ منا ثلاثة عشر بعيراً بنفله(٥).
سريّة كعب بن عُمَير إلى بني قُضَاعَة من أرض الشام
قال الواقديُّ(٦): حدَّثنا محمد بن عبد الله، [عن ] الزُّهْريِّ، قال: بعث رسول الله وَ لِ كَعْبَ بن
عُمير الغِفَاريَّ في خمسة عشر رجلاً ، حتى انتهَوا إلى ذات أطلاح(٧) من الشام ، فوجدوا جمعاً من جمعهم
كثيراً، فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم ورشقوهم بالنَّل، فلمَّا رأى ذلك أصحاب رسول الله وَّله
(١) لفظ ((الجارية)) الذي بين الحاصرتين لم يرد في (أ) وورد في (ط) بعد قوله: ((التي عنده)) وموقعها الصحيح في
المكان الذي أثبته كما يقتضيه السياق .
(٢) هو في ((مسند الشافعي)) (٢/ ١٢٤ بترتيب السّندِي).
(٣)
رواه البخاري رقم (٣١٣٤) ومسلم (١٧٤٩ ) .
(٤) رواه أبو داود رقم (٢٧٤٣).
هو حديث صحيح بطرقه وشواهده انظر أبا داود رقم ( ٢٧٤١) .
(٥)
(٦) انظر ((المغازي)) (٧٥٢/٢).
(٧) انظر ((معجم البلدان)) (١/ ٣١١).

٤٧٥
ذكر غزوة مؤتة
قاتلوهم أشدَّ القتال حتى قُتلوا ، فأفلت منهم رجل جريح في القتلى ، فلمَّا أن برد عليه الليل تحامل حتى
أتى رسول الله وَّل، فهمَّ بالبعثة إليهم ، فبلغه أنهم ساروا إلى موضع آخر .
غزوة مُؤْتَةٌ (١)
وهي سَرِية زيد بن حارثة ، في نحو من ثلاثة آلاف ، إلى أرض البلقاء مِنْ أرض الشام .
قال [ محمد ] بن إسحاق(٢) بعد قصة عُمْرَة القضيّة: فأقام رسول الله ◌َيليه بالمدينة بقية ذي الحجَّة
- وولي تلك الحجة المشركون - والمحرَّم وصفراً وشهري ربيع ، وبعث في جمادى الأولى بَعْثَه إلى
الشام ، الذين أصيبوا بمؤتة ، فحدَّثني محمد بن جعفر بن الزُّبير ، عن عُروة بن الزُّبير قال : بعث
رسول الله وَ ل بعثه إلى مُؤْتَةَ في جمادى الأولى من سنة ثمان ، واستعمل عليهم زيد بن حارثة ،
وقال: ((إن أُصيبَ زيد فجعفر بن أبي طالب على الناس ، فإن أُصيب جعفر فعبد الله بن رَوَاحَة على
الناس)).
فتجهّز الناس ثم تهيَّؤوا للخروج ، وهم ثلاثة آلاف .
وقال الواقديٌّ(٣): حدَّثني ربيعة بن عُثمان ، عن عمر بن الحكم ، عن أبيه قال : جاء النُّعمان بن
فُنْخُصِ اليهوديُّ، فوقف على رسول الله وَ له مع الناس، فقال رسول الله وَالر: ((زيد بن حارثة أمير
الناس ، فإن قتل زيد فجعفر بن أبي طالب ، فإن قتل جعفر فعبد الله بن رَوَاحَة ، فإن قتل عبد الله بن
رَوَاحَة فليرتض المسلمون بينهم رجلاً ، فليجعلوه عليهم )) .
فقال النُّعمان : أبا القاسم، إن كنت نبيّاً، فلو سمّيت من سمَّيت قليلاً أو كثيراً، أُصيبوا
[ جميعاً]، إن الأنبياء من بني إسرائيل كانوا إذا سمَّوا الرجل على القوم، فقالوا : إن أُصيب فلان
(١) مؤتة: بالضم ثم واو مهموزة ساكنة، وتاء فوقها نقطتان ، وبعضهم لا يهمزه : قرية من قرى البلقاء في حدود
الشام. انظر ((مراصد الاطلاع)) ( ١٣٣٠/٣).
وانظر خبر هذه الغزوة في ((كتاب المغازي)) ص (٣٦٦ - ٣٧٨) و((عيون الأثر)) (٢٠٨/٢ -٢١٣) و((زاد المعاد))
(٣٣٦/٣ - ٣٤٠) و((الفصول في سيرة الرسول)) للمؤلف ص (١٩٣ - ١٩٥) و((شذرات الذهب)) (١٢٦/١)
لابن العماد الحنبلي بتحقيقي .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٧٣) طبع دار ابن كثير.
(٣) انظر ((المغازي)) (٧٥٥/٢) .

٤٧٦
ذكر غزوة مؤتة
ففلان . فلو سمَّوا مئة أصيبوا جميعاً . ثم جعل اليهوديُّ يقول لزيد : اعهد فإنَّك لا ترجع أبداً ، إن كان
محمد نبيّاً . فقال زيد : أشهد أنه نبيٌّ صادق بارٌ. رواه البيهقيُّ(١).
قال ابن إسحاق (٢): فلما حضر خروجهم، وذَّع الناس أمراء رسول الله وَلّ وسلَّموا عليهم ، فلمَّا
ودّع عبد الله بن رواحة مع من وُدِّع بكى ، فقالوا : ما يبكيك يا بن رواحة ؟ فقال : أما والله ما بي حبُّ
الدنيا ولا صبابة بكم، ولكني سمعت رسول الله وَ لا يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار: ﴿ وَإِن ◌ِّنكُمْ إِلَّا
وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [ مريم: ٧١]، فلست أدري كيف لي بالصَّدر بعد الورود ؟ فقال المسلمون :
صحبكم الله ودفع عنكم، وردّكم إلينا صالحين . فقال عبد الله بن رواحة (٣) : [من البسيط ]
وضربةً ذات فَرْعٍ تَقْذِفُ الزَّبَدا
لكنَّني أسأل الرحمنَ مغفرةً
بحريةٍ تُنْفِذُ الأحشاءَ والكَبِدا
أو طعنةً بيدَي حرَّان مُجْهِزَةً
أرشَدَهُ الله من غازٍ وقد رَشَدا
حتى يُقَال إذا مَرُوا على جَدَثي
قال ابن إسحاق(٤): ثم إن القوم تهيَّؤوا للخروج، فأتى عبد الله بن رواحة رسول الله وَالر، فودَّعه ثم
قال(٥) : [ من البسيط ]
تثبيتَ موسى ونصراً كالذي نُصِرُوا
فَثَبَّتَ الله مَا آتَاكَ مِنْ حَسَنٍ
الله يَعْلَمُ أني ثابتُ البَصَرِ(٧)
إِنِّي تَفَرَّسْتُ فيك الخَيْرَ نافلةٌ(٦)
والوَجْهَ منه فقد أزرى به القَدَرُ
أَنْتَ الرَّسُولُ فَمَنْ يُحْرَمْ نَوَافِلَهُ
قال ابن إسحاق(٨): ثم خرج القوم وخرج رسول الله وَّل يشيِّعهم، حتى إذا ودَّعهم وانصرف قال
عبد الله بن رواحة ٩) : [ من الكامل ]
خَلَفَ السَّلامُ عَلَى امرىءٍ وَدَّعْتُهُ فِي النَّخْلِ خَيْرٍ مُشَيِّع وَخَلِيْلٍ
(١) في ((دلائل النبوة)) (٣٦١/٤ - ٣٦٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٣/٢).
الأبيات في ( ديوانه )) ص ( ١٤٧).
(٣)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٤/٢).
(٤)
الأبيات في (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٤/٢) و(( ديوانه )) ص (١٥٩) مع تقديم وتأخير وخلاف يسير.
(٥)
(٦)
في (( ديوانه)): ((إني تفرست فيك الخير أعرفه)).
(٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٧٤).
(٧)
في هذا البيت إقواء .
(٩) البيت في ((ديوانه)) ص (١٤٨).

٤٧٧
ذكر غزوة مؤتة
وقال الإمام أحمد(١) : ثنا عبد الله بن محمد، ثنا أبو خالد الأحمر ، عن الحجّاج ، عن الحكم ،
عن مِقْسَم ، عن ابن عباس أن رسول الله وَ له بعث إلى مُؤْتَة، فاستعمل زيداً، فإن قُتل زيدٌ فجعفر ، فإن
قُتل جعفر فابنُ رَوَاحَة، فتخلَّ ابن رَوَاحَة، فجمَّع مع النبيِّ وَّه، فرآه فقال: ((مَا خَلَّفْك؟)) فقال:
أُجمِّع معك. قال: ((لَغَدْوَةٌ أو رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا)) .
وقال أحمد(٢): ثنا معاوية، ثنا الحَجَّاج، عن الحَكَم ، عن مِقْسَم ، عن ابن عباس قال : بعث
رسول الله وَل عبد الله بن رَوَاحَة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة. قال: فقدَّم أصحابه ، وقال :
أتخلَّف فأصلِّي مع رسول الله وَّ الجمعة، ثم ألحقهم. قال: فلمَّا صلَّى رسول الله وَ لَه رآه فقال:
(( ما مَنَعَكَ أن تغدوَ مع أصحابك؟)) قال: فقال: أردت أن أُصلِّيَ معك الجمعة ، ثم ألحقهم . قال:
فقال رسول الله بَّ: ((لَو أَنْفَقْتَ ما في الأرض جَميعاً مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَتَهُمْ)).
وهذا الحديث قد رواه الترمذيّ(٣) من حديث أبي مُعَاوية ، عن الحَجَّاج - وهو ابن أرطاة - ثم علَّله
الترمذيُّ بما حكاه عن شُعْبَة أنه قال : لم يسمع الحكم عن مِقْسَم إلّ خمسة أحاديث ، وليس هذا منها .
قلت : والحجَّاج بن أرطاة في روايته نظر ، والله أعلم ، والمقصود من إيراد هذا الحديث ، أنه
يقتضي أن خروج الأمراء إلى مُؤْتَةً كان في يوم جمعة ، والله أعلم .
قال ابن إسحاق(٤) : ثم مضوا حتى نزلوا مَعَان من أرض الشامُ(٥) ، فبلغ الناس أن هرقل قد نزل
مَآبَ (٦) من أرض البلقاء ، في مئة ألف من الرُّوم ، وانضمَّ إليه من لخْم وجذام والقين وبهراء وبليٍّ مئة ألف
منهم ، عليهم رجل من بليٍّ ، ثم أحد إراشة ، يقال له : مالك بن زافلة - وفي رواية يونس ، عن ابن
إسحاق : فبلغهم أن هرقل نزل بمآب ، في مئة ألف من الرُّوم ومئة ألف من المستعربة . [ وقيل : كان
الرُّوم مئتي ألف ، ومَن عداهم خمسون ألفاً . وأقلُّ ما قيل : إن الرُّوم كانوا مئة ألف ، ومن العرب
خمسون ألفاً . حكاه السُّهَيليُّ(٧) ] فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على معانَ ليلتين ينظرون في أمرهم ،
وقالوا: نكتب إلى رسول الله وَ ل نخبره بعدد عدوًّنا؛ فإما أن يمدَّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضيَ
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٥٦/١)، وإسناده ضعيف، وفي الباب عن ابن عمر عند البخاري رقم (٤٢٦١)
دون آخره كما سيأتي بعد صفحات ، وآخره رواه البخاري رقم ( ٢٧٩٢) ومسلم ( ١٨٨٠ ) من حديث أنس .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٢٤/١)، وإسناده ضعيف.
(٣)
رقم (٥٢٧) وإسناده ضعيف .
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٥/٢).
(٥) المدينة الشهيرة في جنوب المملكة الأدرنية الهاشمية. انظر ((مراصد الاطلاع)) (١٢٨٧/٣).
(٦) انظر ((مراصد الاطلاع)) (١٢١٦/٣).
(٧) انظر ((الروض الأنف)) ( ٧/ ٤١).

٤٧٨
ذكر غزوة مؤتة
له . قال : فشجّع الناس عبد الله بن رَوَاحة وقال : يا قوم ، والله إن التي تكرهون لَلتي خرجتم تطلبون ؛
الشهادة ، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة ، ما نقاتلهم إلا بهذا الدِّين الذي أكرمنا الله به ، فانطلقوا
فإنما هي إحدى الحسنيين ؛ إما ظهور وإما شهادة . قال : فقال الناس : قد والله صدق ابن رَوَاحة ،
فمضى الناس ، فقال عبد الله بن رَوَاحَة في محبسهم ذلك (١): [ من الوافر ]
جَلَبْنَا الخيل من أجٍ وَفَرْع تُغَرُّ من الحشيش لها العُكُومُ
أَزَلَّ كأَنَّ صَفْحَتَهُ أَديمُ
حَذْوِنَاهَا من الصَّوَّانِ سِبْتاً
فأُعقب بعد فَتْرَتِهَا جُمُومُ
أَقَامتْ ليلتينِ على معانٍ
تنفّسُ في مناخِرِهَا السَّمُومُ
فَرُحْنَا والجيادُ مُسوَّمات
وإِن كَانَتْ بها عَرَبٌ ورُوْمُ
فلا وأبي مآبَ لنأتينها
عوابسَ والغبارُ لها بريمُ
فعبَّأنا أَعنَتَها فَجَاءَتْ
إذا برزت قَوَانِسُهَا النّجومُ
بِذِي لَجَب كأنَّ البَيضَ فيهِ
فراضيةُ المعيشة طلّقتْها
أَسِنَّتُا فتنكحُ أو تَثِيْمُ
قال ابن إسحاق(٢): فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر ، أنه حُدِّث عن زيد بن أَرْقَم قال : كنت يتيماً
لعبد الله بن رواحة في حجره ، فخرج بي في سفره ذلك ، مُزْدِفي على حقيبةِ رَحْلِهِ ، فوالله إنه ليسير ليلة إذ
سمعته وهو ينشد أبياته هذه ٣) : [ من الوافر ]
مَسِيْرَةً أَرْبَعِ بعدَ الحِسَاء(٥)
إِذا أَذَّيِني(٤) وحَمَلْتِ رَحْلِي
ولا أَرْجِعْ إلَى أَهْلي وَرَائي
فَشَأُنْكَ أَنْعُمٌ وخَـلاكٍ ذَكّ
بأرض الشّام مشتهيَ الثَّواءِ
وجَاءَ المُسْلِمُونَ وغَادَرُوني
إلى الرحمن مُنْقَطِعَ الإخاءِ
وردّكِ كُلُّ ذِي نسبٍ قريبٍ
ولا نَخالٍ أسافلُها رَواءٍ
هُنَالِكَ لا أُبالي طَلْعَ بَعْلٍ
قال : فلمَّا سمعتهن منه بكيت ، فخفقني بالدِّرَّة وقال : ما عليك يا لكع أن يرزقني الله الشهادة ،
وترجع بين شعبتي الرَّحل ؟! ثم قال عبد الله بن رواحة في بعض سفره ذلك وهو يرتجز(١): [ من الرجز ]
(١) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٤٩ - ١٥٠).
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٦/٢).
(٢)
(٣)
الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٥١) وشرح الألفاظ عنه .
أي : أوصلتني . والخطاب للناقة الذي كان يركبها .
(٤)
جمع حِسْي ، ويجمع على أحساء أيضاً ، وهو ماء يغور في الرمل حتى يجد صخراً .
(٥)
(٦) البيت في ( ديوانه)) ص (١٥٢) مع زيادة لم يبين جامعه مصدرها في موطنها عنده.

٤٧٩
ذكر غزوة مؤتة
يا زيدَ زيدَ اليَعْمَلاتِ الذُّبَلِ تطاول اللَّيلُ هُدِيتَ فَانزِلٍ
قال ابن إسحاق(١) : ثم مضى الناس ، حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء ، لقيتهم جموع هرقل من الروم
والعرب ، بقرية من قرى البلقاء يقال لها : مشارف . ثم دنا العدوُ ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها :
مؤتة . فالتقى الناس عندها ، فتعبَّأ لهم المسلمون ، فجعلوا على ميمنتهم رجلاً من بني عذرة يقال له :
قطبة بن قتادة . وعلى ميسرتهم رجلاً من الأنصار يقال له : عباية بن مالك .
وقال الواقديّ(٢) : حدَّثني ربيعة بن عثمان، عن المقبريِّ، عن أبي هريرة قال: شهدت مُؤْتَةً ، فلمَّا
دنا منا المشركون ، رأينا ما لا قبل لأحد به ، من العُدَّة، والسِّلاح، والكُراع، والدِّيباج ، والحرير ،
والذهب ، فَبَرِقَ بَصَري ، فقال لي ثابت بن أَقْرَمَ: يا أبا هريرة ، كأنك ترى جموعاً كثيرة ! قلت : نعم .
قال : إنك لم تشهد معنا بدراً، إنا لم نُنْصَر بالكثرة . رواه البيهقيُّ(٣)
قال ابن إسحاق(٤): ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة براية رسول الله وَ ل حتى شاط(٥)
في رماح القوم ، ثم أخذها جعفر ، فقاتل [ بها ، حتى إذا ألحمه القتال ] ، اقتحم عن فرس له شقراء
فعقرها ، ثم قاتل القوم حتى قُتِلَ ، فكان جعفر أول رجل من المسلمين عقر في الإسلام .
وقال ابن إسحاق(٦): وحدَّثني يحيى بن عبَّاد [ بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد ] حدَّثني أبي الذي
أرضعني ، وكان أحد بني مرَّة بن عوف ، وكان في تلك الغزوة غزوة مؤتة ، قال : والله لكأني أنظر إلى
جعفر حين اقتحم عن فرس له شقراء ثم عقرها ، ثم قاتل القوم حتى قتل وهو يقول : [ من الرجز ]
طيبة وبارداً شرابُهـا
يا حبَّذا الجنة واقترابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرةً بعيدةً أنسابُها
عليَّ إن لاقيتها ضِرابُهَا
وهذا الحديث قد رواه أبو داود(٧) من حديث ابن إسحاق ، ولم يذكر الشعر . وقد استدل [ به ] من
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٧٧).
(٢) انظر ((المغازي)) (٢ /٧٦٠).
(٣) في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٣٦٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٧٨).
(٥) أي : هلك .
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٨/٢).
(٧) رواه أبو داود رقم (٢٥٧٣)، قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر في ((مختصر سنن أبي داود)) (٣٩٧/٣):
هكذا قال أبو داود ، ولا أدري لماذا هو ليس بالقوي ، الإسناد صحيح لا علة فيه ، وصرح ابن إسحاق بسماعه من
یحیی بن عباد .

٤٨٠
ذكر غزوة مؤتة
جوَّز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدؤُ ، كما يقول أبو حنيفة في الأغنام إذا لم تتبع في السَّير ، ويخشى
من لحوق العدو لها وانتفاعهم بها ، أنها تذبح وتحرَّق ؛ ليحال بينهم وبين ذلك . والله أعلم .
قال السهيليُّ(١): ولم يُنكر أَحَدٌ على جعفر ، فدلّ على جوازه [إذا خيف ] أخذ العدوِّ له ، ولا يدخل
ذلك في النهي عن قتل الحيوان عبثاً .
قال ابن هشامُ(٢): وحدَّثني من أثق به من أهل العلم أن جعفراً أخذ اللواء بيمينه فقطعت ، فأخذه
بشماله فقطعت ، فاحتضنه بعضديه ، حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنةً ، فأثابه الله بذلك جناحين في
الجنة يطير بهما حيث شاء ، ويقال : إن رجلاً من الروم ضربه يومئذ ضربة فقطعه بنصفين .
قال ابن إسحاق(٣): وحدَّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عبَّاد قال: حدَّثني أبي
الذي أرضعني ، وكان أحد بني مزّة بن عوف ، قال : فلما قتل جعفر ، أخذ عبد الله بن رواحة الراية ، ثم
تقدَّم بها وهو على فرسه ، فجعل يستنزل نفسه ، ويتردّد بعض التردُّد، ثم قال(٤) : [ من الرجز ]
لتنزِلنَّ أو لتكرهنَّه
أَقسمت يا نفسُ لتنزِلِنَّهْ
مالي أراك تكرهين الجنَّهُ
إن أجلب الناس وشدُّوا الرَّنَّه
هل أنت إلا نطفة في شنَّهْ
قد طال ما قد كنت مطمئنَّه
وقال أيضاً : ( من الرجز ]
هذا حِمام الموت قد صَلَيْتِ
يا نفسُ إن لا تقتلي تموتي
إن تفعلي فعلهما هُدِيتِ
وما تَمَنّيتِ فقد أُعطيت
يريد صاحبيه ؛ زيداً وجعفراً ثم نزل ، فلمَّا نزل أتاه ابن عمِّ له بعَرق من لحم فقال : شدَّ بهذا صلبك ،
فإنك قد لقيت في أيَّامك هذه ما لقيت . فأخذه من يده ، فانتهس منه نهسة ، ثم سمع الحطمة في ناحية
الناس فقال : وأنت في الدنيا ؟! ثم ألقاه من يده، ثم أخذ سيفه ، ثم تقدَّم فقاتل حتى قتل ، رضي الله
عنه . قال : ثم أخذ الراية ثابت بن أقرم ، أخو بني العجلان ، فقال : يا معشر المسلمين ، اصطلحوا
على رجل منكم . قالوا : أنت . قال : ما أنا بفاعل . فاصطلح الناس على خالد بن الوليد ، فلما أخذ
الراية دافع القوم وحاشى بهم ، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف بالناس .
(١) انظر ((الروض الأنف)) (٣٦/٧).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٨/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٧٩/٢).
(٤) الأبيات في ((ديوانه)) ص ( ١٥٣) مع بعض الخلاف.