النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١
ذكر غزوة ذي قرد
خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرُّضَّعِ
قال : فقال : يا ثُكل أمّ أكوع بُكرةَ . فقلت : نعم ، أي عدوَّ نفسه . وكان الذي رميته بكرة ، وأتبعته
سهماً آخر فعلق به سهمان ، ويخلفون فرسين فجئت [ بهما ] أسوقهما إلى رسول الله وَله وهو على الماء
الذي أجليتهم عنه، ذو قرد، وإذا بنبيِّ الله ◌ََّ في خمسمئة، وإذا بلال قد نحر جزوراً مما خَلَفْتُ ، فهو
يشوي لرسول الله وَ خلو من كبدها وسنامها، فأتيت رسول الله وسلم فقلت: يا رسول الله، خلِّني فأنتخب من
أصحابك مائة، فآخذ على الكُفَّار بالعشوة، فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فقال: ((أكنتَ فاعلاً ذلك
يا سلمة؟)) قال: قلت: نعم والذي أكرمك. فضحك رسول الله وَل، حتى رأيت نواجذه في ضوء
النار، ثم قال: ((إنهم يُقْرَون الآن بأرض غطفان)). فجاء رجل من غطفان فقال: مَرُّوا على فلان
الغطفانيِّ ، فنحر لهم جزوراً ، فلمَّا أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة ، فتركوها وخرجوا هراباً ، فلمَّا
أصبحنا قال رسول الله وَ ل: ((خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجَّالتنا سلمة)). فأعطاني رسول الله
وَلَه سهم الفارس والراجل جميعاً، ثم أردفني وراءه على العضباء راجعين إلى المدينة، فلمَّا كان بيننا
وبينها قريب من ضحوة ، وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق ، جعل ينادي : هل من مسابق ؟ ألا
رجل يسابق إلى المدينة ؟ فأعاد ذلك مراراً، وأنا وراء رسول الله وَّ مردفي، فقلت له : أما تكرم كريماً
ولا تهاب شريفاً؟ قال: لا، إلا رسول الله وَ له. قال: قلت يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، خلِّني
فلأسابق الرجل . قال: ((إن شئت)). قلت : اذهب إليك . فطفر عن راحلته وثنيت رجليَّ فطفرت عن
الناقة ، ثم إني ربطت عليه شرفاً أو شرفين ، يعني استبقيت من نفسي ، ثم إني عدوت حتى ألحقه ،
فأَصُكُ بين كتفيه بيدي ، قلت : سبقتك والله . أو كلمة نحوها . قال : فضحك وقال : إن أظنُّ . حتى
قدمنا المدينة .
وهكذا رواه مسلمٌ(١) ، من طرق، عن عكرمة بن عمَّار، بنحوه ، وعنده : سبقتُه إلى المدينة ، فلم
نلبث إلا ثلاثاً حتى خرجنا إلى خيبر . ولأحمد هذا السياق .
ذكر البخاريُّ والبيهقيُّ هذه الغزوة بعد الحديبية وقبل خيبر ، وهو أشبه مما ذكره ابن إسحاق ، والله
أعلم ، فينبغي تأخيرها إلى أوائل سنة سبع من الهجرة ، فإنَّ خيبر كانت في صفر منها .
وأما قصة المرأة التي نجت على ناقة النبيِّ رَّه ونذرت نحرها لنجاتها عليها ، فقد أوردها ابن
إسحاق(٢) بروايته ، عن أبي الزبير ، عن الحسن البصريِّ مرسلاً ، وقد جاء متَّصلاً من وجوه أخر .
قال الإمام أحمد(٣) : ثنا عفَّان، ثنا حمَّاد بن زيد ، ثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المُهَلَّب ،
في « صحيحه )) رقم ( ١٨٠٧ ) .
(١)
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨٥/٢).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٣٠/٤).

٣٦٢
ذكر غزوة ذي قرد
عن عِمْرَان بن حُصين قال : كانت العضباء لرجل من بني عقيل ، وكانت من سوابق الحاجِّ ، [ فأسر
الرجل ١٤)، فأخذت العضباء معه. قال: فمرَّ به رسول الله مح له وهو في وثاق، ورسول الله وح له على حمار
عليه قطيفة فقال: يا محمد، علام تأخذوني وتأخذون سابقة الحاجّ؟ فقال رسول الله مخ لة: ((نأخذك بجريرة
حلفائك ثقيف)). قال: وكانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبيِّ وَّ. وقال فيما قال: وإني مسلم.
فقال رسول الله بَ ◌ّه: ((لو قلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كلَّ الفلاح)). قال: ومضى رسول الله الظلم
فقال: يا محمد، إني جائع فأطعمني، وإني ظمآن فاسقني. فقال رسول اللّه ◌ُع لل: ((هذه حاجتك)). ثم
فدي بالرجلين، وحبس رسول الله ملة العضباء لرحله . قال: ثم إن المشركين أغاروا على سرح المدينة ،
فذهبوا [ به ]، وكانت العضباء فيه ، قال: وأسروا امرأة من المسلمين . قال : وكانوا إذا نزلوا أراحوا
إبلهم بأفنيتهم . قال : فقامت المرأة ذات ليلة بعد ما نوَّموا ، فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت
على العضباء، فأتت على ناقة ذلول مجرّسه٢ُ) فركبتها، ثم وجّهتها قبل المدينة . قال : ونذرت إنِ اللهُ
أنجاها عليها لتنحرنَّها ، فلمّا قدمت المدينة عرفت الناقة، فقيل: ناقة رسول الله مَ له. قال: وأُخبر
رسول الله مَل بنذرها، أو أتته فأخبرته، فقال: ((بئس ما جزيتها)) أو: ((بئس ما جزتها أن أنجاها الله عليها
لتنحرنَّها)). قال: ثم قال رسول الله وَلّل: ((لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم)).
ورواه مسلمٌ(٣) ، عن أبي الرَّبيع الزَّهرانيِّ، عن حمَّاد بن زيد ، به .
قال ابن إسحاق(٤) : وكان مما قيل من الأشعار في غزوة ذي قَرَد قول حسان بن ثابت ، رضي الله
عنه " : [ من الكامل ]
بجنوب سايةَ أمس في التَّقوادِ
لولا الذي لاقت ومسَّ نُسورها
حامي الحقيقة ماجدِ الأجدادِ
للقينكم يحملن كلَّ مدجَّج
ولسرّ أولاد اللَّقيطة أننا
سِلْم غداة فوارس المقدادِ
لجِباً فشُكُوا بالرِّماح بدادٍ
كنّا ثمانية وكانوا جحفلاً
ويقدِّمون عنان كلِّ جوادٍ
كنا من القوم الذين يلونهم
يقطعن عرض مخارم الأطوادِ
كلَّّ وربِّ البراقصات إلى منى
ونؤوب بالملَكات والأولادِ
حتى نبيل الخيل في عرصاتكم
في كلِّ معترك عطفن ووادٍ
رهواً بكلِّ مقلَّص وطِمرَّة
(١) ما بين الحاصرتين لم يرد في (أ) و(ط) واستدركته من ((مسند الإمام أحمد)).
(٢) أي : مدربة في الركوب .
في ( صحيحه )) رقم (١٦٤١).
(٣)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨٥/٢).
(٤)
الأبيات في (( ديوان حسَّان بن ثابت)) (١ / ٢٧٦) مع بعض الخلاف في ألفاظها .
(٥)

٣٦٣
ذكر غزوة ذي قرد
يومٌ تقاد به ويوم طرادِ
والحرب مشعلة بريح غوادٍ
جنن الحديد وهامة المرتادِ
أفنى دوابرها ولاح متونها
فكذاك إنَّ جيادنا ملبونةٌ
وسيوفنا بيض الحدائد تجتلي
ولعزَّة الرحمن بالأسدادِ
أيام ذي قَرَد وجوه عنادِ
أخذ الإله عليهم لحرامه
كانوا بدار ناعمين فبدِّلوا
قال ابن إسحاق(١): فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس المتقدمين أمام رسول الله وَ لل على
حسان ، وحلف لا يكلِّمه أبداً، وقال : انْطَلَقَ إلى خيلي وفوارسي فجعَلها للمقداد ، فاعتذر إليه حسان
بأنه وافق الرَّويّ اسم المقداد ، ثم قال أبياتاً يمدح بها سعد بن زيد(٢) : [ من الرجز ]
إذا أردتم الأشدَّ الجلدا أو ذا غناءٍ فعليكم سعدا
سعد بن زيد لا يهدُّ هدّاً
قال : فلم تقع منه بموقع .
وقال حسان بن ثابت (٣) في يوم ذي قرد : [ من المتقارب ]
بأن سوف يهدم فيها قُصُورا
أظنَّ عُيينةُ إذ زارها
وقلتم سنغنم أمراً كبيرا
فأُكذبتَ ما كنت صدَّقته
وآنست للأسد فيها زئيرا
فعفت المدينة إذ زرتها
ولم يكشفوا عن ملطِّ حصيرا
وولّوا سراعاً كشدِّ النَّعام
ـك أحبب بذاك إلينا أميرا
أمير علينا رسول المليـ
رسول نصدِّق ما جاءه
ويتلو كتاباً مضيئاً منيرا
وقال كعب بن مالك(٤) في يوم ذي قرد ، يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين : [ من الطويل ]
أيحسب أولاد اللَّقيطة أننا
وإنا أُناس لا نرى القتل سُبَّة
وإنا لنقري الضَّيف من قمع الذُّرى
نردُّ كُماة المعلمين إنا انتخوا
بكلِّ فتى حامي الحقيقة ماجد
على الخيل لسنا مثلهم في الفوارسِ
ولا ننثني عند الرِّماحِ المداعسِ
ونضرب رأس الأبلغُ(٥) المتشاوسِ
بضرب يسلِّي نخوة المتقاعسِ
كريم كسِر حان العِضَاءِ مخالسِ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٨٧).
(٢)
الأبيات في (( ديوان حسَّان بن ثابت)).
(٣) الأبيات في ((ديوانه)) (١٦٩/١) مع بعض الخلاف .
(٤) الأبيات فى ((ديوانه)) ص (١٧٦ - ١٧٧ ) مع بعض الخلاف اليسير.
(٥) أي : المتكبر .

٣٦٤
ذكر غزوة بني المصطلق
ببيض تقدُّ الهام تحت القوانسِ
يذودون عن أحسابهم وتِلادهم
بما فعل الإخوان يوم التَّمارسِ
فسائل بني بدر إذا ما لقيتهم
إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتمُ
ولا تكتموا أخباركم في المجالسِ
به وحَر في الصدر ما لم يمارسِ
وقولوا زللنا عن مخالب خادر
*
غَزْوَةٌ بني المُصْطَلِقْ من ◌ُزَاعَة
قال البخاريُّ: وهي غزوة المُرَيْسِيعُ(١)
قال محمد بن إسحاق(٢): وذلك في سنة ستّ. وقال موسى بن عقبة : سنة أربع. وقال النُّعمان بن
راشد ، عن الزُّهريِّ : كان حديث الإفك في غزوة المريسيع . هكذا حكاه البخاريُّ ، عن مغازي
موسى بن عقبة ؛ أنَّها كانت في سنة أربع(٣) .
والذي حكاه البيهقيّ(٤) عنه وعن عروة ؛ أنَّها كانت في شعبان ، سنة خمس .
وقال الواقديٌّ(٥) : كانت لليلتين من شعبان ، سنة خمس ، في سبعمئة من أصحابه .
وقال محمد بن إسحاق بن يسار(٦)، بعدما أورد قصة ذي قَرَد: فأقام رسول الله وَلَه بالمدينة بعض
جمادى الآخرة ، ورجباً ، ثم غزا بني المُصْطَلِقْ من خُزَاعَة في شعبان ، سنة ستّ.
قال ابن هشام(٧): واستعمل على المدينة أبا ذرّ الغفاريَّ، ويقال: نُمَيْلَة بن عبد الله اللَِّيُّ.
قال ابن إسحاق(٨): فحدَّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة ، وعبد الله بن أبي بكر ، ومحمد بن يحيى بن
حبَّان، كُلّ قد حدَّثني بعض حديث بني المُصْطَلِقْ، قالوا: بلغ رسول اللهِ ﴿ أَنَّ بني المُصْطَلِقْ يجمعون
(١) المُرَيْسِيع: اسم ماءٍ من ناحية قُديد إلى الساحل. قاله الفيروزابادي في ((المغانم المطابة)) ص (٣٨٠). وانظر
خبر هذه الغزوة في ((الروض الأنف)) (٣٩٩/٦)، و((زاد المعاد)) (٢٢٩/٣)، و((عيون الأثر)) (١٣٤/٢)،
و(( الفصول في سيرة الرسول)) ص (١٧٩).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨٩/٢).
(٣) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) (٧/ ٤٣٠): (( كذا ذكره البخاري ، وكأنه سبق قلم ، أراد أن يكتب سنة
خمس فكتب سنة أربع .
(٤)
انظر (( دلائل النبوة)) (٤٥/٤).
(٥) انظر ((المغازي)) (٤٠٤/١) ولم يرد فيه ذكر لقوله: ((في سبعمئة)).
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨٩/٢).
(٧) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨٩/٢).
(٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٠).

٣٦٥
ذكر غزوة بني المصطلق
له، وقائدهم الحارث بن أبي ضِرَار، أبو جُويرية بنت الحارث التي تزوَّجها رسول الله وَ له بعد هذا، فلمَّا
سمع بهم خرج إليهم ، حتى لقيهم على ماءٍ من مياههم يقال له : المُرَيْسِيع ، من ناحية قُديد إلى الساحل ،
فتزاحم الناس واقتتلوا ، فهزم الله بني المصطلق ، وقتل من قتل منهم، ونقَّل رسول الله وَّر أبناءهم
ونساءهم وأموالهم ، فأفاءهم عليه .
وقال الواقديُّ(١): خرج رسول الله وَ له لليلتين خلتا من شعبان، سنة خمس من الهجرة، في سبعمئة
من أصحابه إلى بني المصطلق ، وكانوا حلفاء بني مدلج ، فلمَّا انتهى إليهم ، دفع راية المهاجرين إلى أبي
بكر الصِّدِّيق ، ويقال: إلى عمّار بن ياسر . وراية الأنصار إلى سعد بن عُبَادة، ثم أمر عمر بن الخطّاب ،
فنادى في الناس ، أن قولوا : لا إله إلا الله ، تمنعوا بها أنفسكم ، وأموالكم . فأبوا ، فتراموا بالنَّبل ، ثم
أمر رسول الله بَّ المسلمين، فحملوا حملة رجل واحد ، فما أفلت منهم رجل واحد ، وقتل منهم
عشرة ، وأسر سائرهم ، ولم يقتل من المسلمين إلَّ رجل واحد .
وثبت في ((الصحيحين )(٢) من حديث عبد الله بن عون ، قال : كتبت إلى نافع أسأله عن الدُّعاء قبل
القتال ، فقال: قد أغار رسول الله بَ لّره على بني المصطلق وهم غارُّون، وأنعامهم تُسقى على الماء، فقتل
مقاتلتهم ، وسبى سبيهم ، فأصاب يومئذ - أحسبه قال : - جُويرية بنت الحارث(٣) . وأخبرني عبد الله بن
عمر بذلك ، وكان فى ذلك الجيش .
قال ابن إسحاق : وقد أُصيب رجل من المسلمين ، يقال له : هشام بن صُبابة . أصابه رجل من
الأنصار ، وهو يرى أنه من العدوِّ ، فقتله خطأ .
وذكر ابن إسحاق (٤) أنَّ أخاه مِقْيَس بن صُبابة قدم من مكة مظهراً للإسلام ، فطلب دية أخيه هشام من
رسول الله وَ يليه؛ لأنَّه قتل خطأ، فأعطاه ديته، ثم مكث يسيراً، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ، ورجع
مرتدّاً إلى مكة ، وقال في ذلك : [ من الطويل ]
شَفَى النفس أن قد بات بالقاع مُسْنَداً يُضرِّجُ(٥) ثَوبيه دماءُ الأخادعِ
(١) انظر ((المغازي)) (٤٤٠/١).
(٢) رواه البخاري رقم (٢٥٤١) ومسلم رقم (١٧٣٠).
هي أم المؤمنين جُويرية بنت الحارث المصطلقية ، سباها النبي ◌َّ في غزوة المريسيع ، وهي غزوة بني المصطلق ،
(٣)
في سنة خمس ، وقيل سنة ست ، وكانت قبله تحت مسافع بن صفوان المصطلقي ، وقيل : صفوان بن مالك ،
فوقعت في سهم ثابت بن قيس بن شمّاس ، فكاتبها ، فقضى عنها النبي ◌َّ كتابها ثم أعتقها وتزوجها ، وكان اسمها
برَّة ، فغيّره النبي ◌َّ وسماها جويرية ، وماتت في ربيع الأول سنة ست وخمسين ، ولها خمس وستون سنة ،
رضي الله عنها وأرضاها. انظر ترجمتها ومصادرها في ((جامع الأصول)) (١٢ / ٢٥٦) بتحقيقي .
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٣).
(٥) أي: يلطّخ. انظر ((شرح غريب السيرة)) للخشني (٤١/٣).

٣٦٦
ذكر غزوة بني المصطلق
تُلمُّ فتحمينى وطاء المضاجع
وكانت همومُ النفس من قبل قتله
وكنت إلى الأوثان أوَّل راجعٍ
حللت به وِتْرِي وأدركت ثُؤرتي
سَراة بني النَّجَار أربابَ فَارِعُ(١)
ثأرت به فِهِراً وحمَّلت عقله
قلت : ولهذا كان مِقْيَسُ هذا من الأربعة الذين أهدر رسول الله وَّل يوم الفتح دماءهم، وإن وجدوا
مُعلَّقين بأستار الكعبة .
قال ابن إسحاق (٢): فبينا الناس(٣) على ذلك الماء، وردت واردة الناس، ومع عمر بن الخطّاب
أجير له من بني غِفَار ، يقال له : جهجاه بن مسعود ، يقود فرسه ، فازدحم جهجاه ، وسنان بن وبر
الجهنيُّ ، حليف بني عوف بن الخزرج ، على الماء ، فاقتتلا ، فصرخ الجهنيُّ : يا معشر الأنصار ،
وصرخ جهجاه : يا معشر المهاجرين ، فغضب عبد الله بن أبيٍّ بن سلول ، وعنده رهط من قومه ، فيهم
زيد بن أرقم ؛ غلامٌ حدث ، فقال : أوقد فعلوها ؟ قد نَافرونا، وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعُدُّنا
وجلابيب قريش(٤) هذه، إلَّا كما قال الأول: سَمِّنْ كلبك يأكلك(٥)، أما والله ، لئن رجعنا إلى المدينة
ليخرجنَّ الأعزُّ منها الأذلَّ. ثم أقبل على من حضره من قومه فقال : هذا ما فعلتم بأنفسكم ؛ أحللتموهم
بلادكم ، وقاسمتموهم أموالكم ، أما والله ، لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم ؛ لتخَولوا إلى غير داركم .
فسمع ذلك زيد بن أرقم، فمشى به إلى رسول الله مَ له، وذلك عند فراغ رسول الله مَّله من عدوّه، فأخبره
الخبر، وعنده عمر بن الخطاب فقال: مر به عبّاد بن بشر فليقتله. فقال رسول الله وَله: ((فكيف
يا عمر، إذا تحدَّث الناس أن محمداً يقتل أصحابه ، لا، ولكن أذِّن بالرحيل)) . وذلك في ساعة لم يكن
رسول اللّه وَ لّه يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله بن أَبيِّ بن سلول إلى رسول الله وَل، حين
بلغه أن زيد بن أرقم قد بلَّغه ما سمع منه ، فحلف بالله : ما قلت ما قال ، ولا تكلَّمت به . وكان في قومه
شريفاً عظيماً، فقال من حضر رسول الله وَ ل# من الأنصار من أصحابه : يا رسول الله ، عسى أن يكون
الغلام أوهم في حديثه ، ولم يحفظ ما قال الرجل . حَدَبأ٦) على ابن أَبيِّ ودفعاً عنه. فلمَّا استقلَّ
رسول الله ◌َ﴿ وسار ، لقيه أسيد بن حضير ، فحيَّاه بتحية النبوة وسلَّم عليه، وقال: يا رسول الله، والله
(١) وقال السهيلي في ((الروض الأنف)) نقلاً عن ابن إسحاق: ((وقال مِقَيس بن صُبابة أيضاً: [ من البسيط ]
جللته ضربة باءت لها وشلٌ
من ناقع الجوف يعلوه وينصرم
لا تأمنن بني بكر إذا ظلموا»
فقلت والموت تغشاه أسِرّته
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٩٠/٢).
(٣) كذا في (أ) و(ط): ((فبينا الناس ... )) وفي ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((فبينا رسول الله وَل)).
(٤) وهو لقب لمن كان أسلم من المهاجرين، لقبهم بذلك المشركون. انظر ((شرح غريب السيرة)) (٣/ ٤٠).
(٥) وعند بعضهم: ((أسمن كلبك يأكلك)) وهو مثل مشهور من أمثال العرب. انظر مصادره في (( معجم الأمثال
العربية)) لصديقي الفاضل الأستاذ رياض عبد الحميد مراد (٥٣/٤).
(٦) أي: تحنناً. انظر ((شرح غريب السيرة)) (٤٠/٣).

٣٦٧
ذكر غزوة بني المصطلق
لقد رحتَ في ساعة منكرة، ما كنت تروح في مثلها. فقال له رسول الله اله: ((أوما بلغك ما قال
صاحبكم؟)) قال: أيُّ صاحب يا رسول الله؟ قال: ((عبد الله بن أبيٍّ)). قال: وما قال؟ قال: ((زعم
أنَّه إن رجع إلى المدينة ؛ أخرج الأعزُّ منها الأذلَّ)). قال : فأنت والله يا رسول الله ، تخرجه إن شئت ،
هو والله الذَّليل وأنت العزيز . ثم قال: يا رسول الله ارفق به ، فوالله لقد جاءنا الله بك، وإنَّ قومه
لينظمون له الخرز ليتوِّجُوه، فإنَّه ليرى أنَّك قد استلبته مُلكاً. ثم مشى رسول الله مَلَه بالناس يومهم ذلك
حتى أمسى ، وليلتهم حتى أصبح ، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس ، ثم نزل بالناس ، فلم يلبثوا
أن وجدوا مسَّ الأرض ، فوقعوا نياماً ، وإنَّما فعل ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس ؛ من
حديث عبد الله بن أَبيِّ، ثم راح رسول الله وَله بالناس، وسلك الحجاز ، حتى نزل على ماء بالحجاز
فُوَيق النَّقيع ، يقال له: بقعاء. فلمَّا راح رسول اللّه وَّر ، هبَّت على الناس ريح شديدة ، فَآذتهم
وتخوَّفوها، فقال رسول الله وع شير: ((لا تخوَّفوها؛ فإنَّما هبّت لموت عظيم من عظماء الكفار)). فلمَّا
قدموا المدينة وجدوا رِفَاعة بن زيد بن الثَّابوت ، أحد بني قينقاع ، وكان عظيماً من عظماء يهود ، وكهفاً
للمنافقين ، مات ذلك اليومُ(١) . وهكذا ذكر موسى بن عقبة، والواقديُّ .
وروى مسلم(٢) ، من طريق الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر نحو هذه القصة ، إلّ أنه لم يسمّ
الذي مات من المنافقين، قال: هبَّت ريح شديدة والنبيُّ وَله في بعض أسفاره، فقال: ((هذه لموت
منافق)) . فلمَّا قدمنا المدينة ، إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين .
قال ابن إسحاق(٣) : ونزلت السورة التي ذكر الله فيها المنافقين ؛ في ابن أبيٍّ ، ومن كان على مثل
أمره، فأخذ رسول الله (وَ ل(٤) بأذن زيد بن أرقم، وقال: ((هذا الذي أوفى الله بأذنه)).
قلت: وقد تكلَّمنا على تفسيرها بتمامها؛ في كتابنا (( التفسير (٥) بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا ،
وسردنا طرق هذا الحديث عن زيد بن أرقم ، ولله الحمد والمنّة ، فمن أراد الوقوف عليه ، أو أحبَّ أن
يكتبه هاهنا ، فليطلبه من هناك ، وبالله التوفيق .
قال ابن إسحاق(٦) : حدَّثني عاصم بن عمر بن قتادة أنَّ عبد الله بن عبد الله بن أُبيِّ بن سلول أتى
رسول الله وَ لّ فقال: يا رسول الله، إنَّه بلغني أنَّك تريد قتل عبد الله بن أبيِّ ، فيما بلغك عنه، فإن كنت
فاعلاً فمرني به ، فأنا أحمل إليك رأسه ، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان بها من رجل أبرَّ بوالده منّي ،
(١) انظر ((الروض الأنف)) (٤٠٢/٦ - ٤٠٣).
(٢) رواه مسلم رقم ( ٢٧٨٢) .
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٩٢/٢)، و((الروض الأنف)) (٦/ ٤٠٣).
(٣)
(٤)
في ((الروض الأنف)): ((فلما نزلت أخذ رسول الله اَل)).
انظر (( تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف ( ١٥١/٨).
(٥)
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٢).

٣٦٨
ذكر غزوة بني المصطلق
وإنّي أخشى أن تأمر [به غيري] فيقتله ، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل عبد الله بن أَبيِّ يمشي في
الناس، فأقتله، فأقتل مؤمناً بكافر، فأدخل النار. فقال رسول الله وم الية: ((بل نترفّق به ، ونحسن صحبته
ما بقي معنا )) .
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث ؛ كان قومه هم الذين يعاتبونه ، ويأخذونه ويعنِّونه ، فقال
رسول الله وَّ لعمر بن الخطّاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: (( كيف ترى يا عمر ، أما والله لو قتلتُه يوم
قلت لي : اقتُله . لأرعدت له أَنُف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته)) . فقال عمر : قد والله علمت ؛ لأمر
رسول الله وَّ أعظم بركة من أمري .
وقد ذكر عكرمة ، وابن زيد ، وغيرهما ، أنَّ ابنه عبد الله ، رضي الله عنه ، وقف لأبيه عبد الله بن أُبيِّ
ابن سلول عند مضيق المدينة فقال: قف، فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله بص له في ذلك، فلمَّا جاء
رسول الله ◌َ ﴿ استأذنه في ذلك ، فأذن له ، فأرسله حتى دخل المدينة .
قال ابن إسحاق(١): وأُصيب يومئذ من بني المُصْطَلق ناس ، وقتل عليّ بن أبي طالب منهم رجلين ؛
مالكاً وابنه .
قال ابن هشامُ(٢): وكان شعار المسلمين : يا منصور، أَمِتْ أَمِتْ.
قال ابن إسحاق(٣): وكان رسول الله يَليل أصاب منهم سبياً كثيراً، فقسمهم في المسلمين.
وقال البخاري٤ّ) : ثنا قتيبة بن سعيد ، أخبرني إسماعيل بن جعفر ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن ،
عن محمد بن يحيى بن حبَّان ، عن ابن محيريز ، أنَّه قال: دخلت المسجد فرأيت أبا سعيد الخُدري
فجلست إليه ، فسألته عن العزل ، فقال أبو سعيد: خرجنا مع رسول الله بَّر في غزوة بني المصطلق ،
فأصبنا سَبْياً من سبي العرب ، فاشتهينا النساء ، واشتدَّت علينا العُزُوبة ، وأحببنا العزل ، وقلنا : نعزل
ورسول الله وَله بين أظهرنا، قبل أن نسأله. فسألناه عن ذلك فقال: (( ما عليكم أن لا تفعلوا ، ما من
نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلَّ وهي كائنة)) وهكذا رواه(٥).
قال ابن إسحاق(٦) : وكان فيمن أُصيب يومئذ من السَّبايا جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار ، فحدَّثني
محمد بن جعفر بن الزُبير، عن عُروة، عن عائشة قالت: لمَّا قسم رسول الله وَّول سبايا بني
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٤).
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٤).
(٢)
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٩٤/٢).
(٣)
(٤)
رواه البخاري رقم ( ٤١٣٨).
يعني البخاري في كتاب المغازي من ((صحيحه)) ورواه بمواضع أخرى من ((صحيحه)) بألفاظ أخرى مختلفة عن
(٥)
ألفاظ روايته هذه .
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٩٤/٢).

٣٦٩
ذكر غزوة بني المصطلق
المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شمَّاس ، أو لابن عمّ له ، فكاتبتْه على
نفسها ، وكانت امرأة حلوة ملاَّحة، لا يراها أحد إلَّ أخذت بنفسه، فأتت رسول الله وَلّ لتستعينه في
كتابتها . قالت : فوالله، ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها١) ، وعرفت أنَّه سيرى منها
ما رأيت . فَدَخَلَتْ عليه فقالت : يا رسول الله ، أنا جُويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيِّد قومه ، وقد
أصابني من البلاء ما لم يخف عليك، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيس بن شمَّاس ، أو لابن عمِّ له ،
فكاتبته على نفسي ، فجئتك أستعينك على كتابتي. قال: ((فهل لك في خير من ذلك؟ )) قالت : وما هو
يا رسول الله؟ قال: ((أقضي عنك كتابتك، وأتزوَّجك؟)). قالت: نعم، يا رسول الله. قال: ((قد
فعلت)). قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله وَ ليل قد تزوَّج جُويرية بنت الحارث ، فقال
الناس: أصهار رسول الله وَ لي. فأرسلوا ما بأيديهم . قالت : فلقد أعتق بتزويجه إيَّاها مئة أهل بيت من
بني المصطلق ، فما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها .
ثم ذكر ابن إسحاق(٢) قصة الإفك بتمامها في هذه الغزوة، وكذلك البخاريّ(٣) ، وغير واحد من أهل
العلم، وقد حرَّرتُ طرق ذلك كلِّه في تفسير سورة النُّورُ(٤)، فليلحق بكماله إلى هاهنا . وبالله المستعان.
وقال الواقديّ(٥) : ثنا حرام ، عن هشام بن مُروة ، عن أبيه ، قال : قالت جُويرية بنت الحارث :
رأيت قبل قدوم النبيِّ وََّ بثلاث ليال، كأنَّ القمر يسير من يثرب ، حتى وقع في حَجْري ، فكرهت أن
أخبر به أحداً من الناس، حتى قدم رسول الله بَّر، فلمَّا سُبينا رجوت الرُّؤيا. قالت: فأعتقني
رسول الله وَ له وتزوَّجني، والله ما كلَّمته في قومي ، حتى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم ، وما شعرت
إلّ بجارية من بنات عمِّ تخبرني الخبر ، فحمدت الله تعالى .
قال الواقديُّ(٦): ويقال: إنَّ رسول الله وَّل جعل صداقها عتق أربعين من بني المصطلق.
وذكر موسى بن عقبة(٧)، عن بني المصطلق أنَّ أباها طلبها وافتداها، ثم خطبها منه رسول الله وَله
فزوَّجه إيّاها .
(١) قلت : والكره هنا من باب غيرة المرأة من المرأة وخوفها منها على زوجها.
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٧).
(٣)
في ((صحيحه )) رقم (٤١٤١) و(٤٧٥٠).
انظر (( تفسير القرآن العظيم )) للمؤلف ( ٦ / ١٧ ).
(٤)
(٥)
انظر ((المغازي)) (٤١١/١) .
(٦) انظر ((المغازي)) (٤١٢/١).
(٧) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي)) (٤/ ٥١).

٣٧٠
ذكر قصة الإفك
قصة الإِفْكِ(١)
وهذا سياق محمد بن إسحاق لحديث الإفك .
قال ابن إسحاق(٢): حدَّثني الزُّهريُّ، عن علقمة بن وقّاص، وسعيد بن المسيِّب، وعُرْوَة بن
الزُّبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة. قال الزُّهريُّ: كلّ (٣) قد حدَّثني بعض هذا الحديث ، وبعض
القوم كان أوعى له من بعض ، وقد جمعت لك الذي حدَّثني القوم .
قال ابن إسحاق٤ُ) وحدَّثني يحيى بن عبَّاد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة،
وعبد الله بن أبي بكر ، [ عن عمرة بنت عبد الرحمن ] ، عن عائشة ، عن نفسها ، حين قال فيها أهل
الإفك ما قالوا ، فكلّ قد دخل في حديثها ، عن هؤلاء جميعاً ، يحدِّث بعضهم ما لم يحدِّث صاحبه ،
وكلّ كان عنها ثقة، فكلُّهم حدَّث عنها بما سمع، قالت: كان رسول الله مثّ إذا أراد سفراً أقرع بين
نسائه ، فأيتُهن خرج سهمها ، خرج بها معه ، فلمَّا كان غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه ، كما كان
يصنع، فخرج سهمي عليهنَّ معه، فخرج بي رسول الله مثله. قالت: وكان النساء إذ ذاك يأكلن
العُلَقُش)، لم يهّجهزُأ) اللحم فيثقلن، وكنت إذا رُحِّل لي بعيري جلست في هودجي ، ثم يأتي القوم
الذين كانوا يرخِّلون لي ، ويحملونني فيأخذون بأسفل الهودج ، فيرفعونه فيضعونه على ظهر البعير ،
فيشدُّونه بحباله ، ثم يأخذون برأس البعير فينطلقون به. قالت: فلمَّا فرغ رسول اللّهِ وَ لل من سفره ذلك،
وجَّه قافلاً ، حتى إذا كان قريباً من المدينة نزل منزلاً ، فبات به بعضَ الليل ، ثم أذَّن في الناس بالرحيل ،
فارتحل الناس ، وخرجت لبعض حاجتي ، وفي عنقي عقد لي ، فيه جَزع ظفارٍ ، فلمَّا فرغت انسلَّ من
عنقي ، ولا أدري ، فلمَّا رجعت إلى الرَّحل ذهبت ألتمسه في عنقي ، فلم أجده ، وقد أخذ الناس في
الرَّحيل ، فرجعت إلى مكاني الذي ذهبت إليه ، فألتمسته حتى وجدته ، وجاء القوم خلافي ، الذين كانوا
يرخِّلون لي البعير ، وقد كانوا فرغوا من رحلته ، فأخذوا الهودج وهم يظنُّون أنّي فيه ، كما كنت أصنع ،
فاحتملوه فشدُّوه على البعير ، ولم يشكُّوا أنّي فيه ، ثم أخذوا برأس البعير فانطلقوا به ، فرجعت إلى
العسكر ، وما فيه داع ولا مجيب ، قد انطلق الناس . قالت : فتلفَّفت بجلبابي ، ثم اضطجعت في
(١) الإفك: الكذب. انظر ((مختار الصحاح)) ( أفك).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٧).
(٣)
في (ط): ((وكل)).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٩٧).
(٥) العلق: جمع علقة، وهي ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغداء. قاله الخشني في (( شرح غريب السيرة))
(٤١/٣) .
(٦) في (أ) و(ط): ((لم يهجهن)) وأثبت لفظ ((الروض الأنف)) (٤٣٦/٦) وانظر التعليق عليه في هذا الموضع ففي
ذلك فائدة إن شاء الله .

٣٧١
ذكر قصة الإفك
مكاني ، وعرفت أن لو افتقدت لرُجع إليَّ. قالت: فوالله إنِّي لمضطجعة إذ مرَّ بي صفوان بن المعطّل
الشُّلميُّ ، وقد كان تخلّف عن العسكر لبعض حاجته ، فلم يبت مع الناس ، فرأى سوادي فأقبل حتى وقف
عليَّ، وقد كان يراني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فلمَّا رآني قال: إنّا لله وإنّا إليه راجعون ، ظعينة
رسول الله صل وأنا متلفّفة في ثيابي. قال: ما خلَّفكِ، يرحمكِ الله؟ قالت: فما كلَّمته . ثم قَرَّب إليَّ
البعير ، فقال : اركبي . واستأخر عني . قالت : فركبت ، وأخذ برأس البعير ، فانطلق سريعاً يطلب
الناس ، فوالله ما أدركنا الناس ، وما افتُقدت حتى أصبحت ، ونزل الناس ، فلمَّا اطمأنّوا طلع الرجل يقود
بي ، فقال أهل الإفك ما قالوا ، وارتجَّ العسكر ، ووالله ما أعلم بشيء من ذلك ، ثم قدمنا المدينة ، فلم
ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ، لا يبلغني من ذلك شيء، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وَلية وإلى
أبويَّ، لا يذكرون لي منه قليلاً ولا كثيراً، إلَّا أنّي قد أنكرت من رسول الله وَ ل# بعض لطفه بي؛ كنت إذا
اشتكيت رحمني ، ولطف بي ، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك ، فأنكرت ذلك منه ، كان إذا دخل
عليَّ وعندي أُمِّي تمرِّضني قال: كيف تيكم ؟ لا يزيد على ذلك . قالت : حتى وجدت في نفسي فقلت :
يا رسول الله - حين رأيت ما رأيت من جفائه لي - لو أذنت لي فانتقلت إلى أمّي فمرَّضتني؟ قال :
(( لا عليك)) . قالت: فانتقلت إلى أَمِّي ، ولا علم لي بشيء ممَّا كان ، حتى نقِهت من وجعي بعد بضع
وعشرين ليلة ، وكنّا قوماً عرباً، لا نتَّخذ في بيوتنا هذه الكُنف التي تتَّخذها الأعاجم ، نعافها ونكرهها ،
إنَّما كنا نخرج في فسح المدينة ، وإنَّما كانت النساء يخرجن في كلّ ليلة في حوائجهنَّ ، فخرجتُ ليلة
لبعض حاجتي ومعي أَمُّ مسطح، ابنة أبي رُهم بن المطّلب . قالت: فوالله، إنَّها لتمشي معي ، إذ عثرت
في مِرطها فقالت : تعس مسطح . ومسطح لقب ، واسمه عوف . قالت : فقلت : بئس لعمر الله ما قلت
الرجل من المهاجرين ، وقد شهد بدراً . قالت : أوَما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر ؟ قالت : قلت : وما
الخبر ؟ فأخبرتني [ بالذي ] كان من قول أهل الإفك . قلت : أوَقد كان هذا ؟ قالت : نعم والله لقد كان .
قالت : فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ، ورجعت ، فوالله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء
سيصدع كبدي . قالت : وقلت لأُمِّي: يغفر الله لك ، تحدَّث الناس بما تحدَّثوا به ولا تذكرين لي من
ذلك شيئاً ؟ قالت : أي بُنيَّة، خَفِّضي(١) عليك الشأن، فوالله لقلَّما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبُّها ،
لها ضرائر ، إلَّ كثَرن، وكثَّر الناس عليها. قالت: وقد قام رسول الله مَّ فخطبهم، ولا أعلم بذلك ،
فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (( أيها الناس ، ما بال رجال يؤذونني في أهلي ، ويقولون عليهم غير
الحقّ ، والله ما علمت عليهم إلَّ خيراً، ويقولون ذلك لرجل ؛ والله ما علمت منه إلَّ خيراً ، وما يدخل
بيتاً من بيوتي إلَّ وهو معي)). قالت: وكان كِبْر ذلك عند عبد الله بن أَبيِّ ابن سلول ، في رجال من
الخزرج ، مع الذي قال مسطح ، وحمنة بنت جحش ؛ وذلك أنَّ أَختها زينب بنت جحش [ كانت ] عند
(١) في (أ): ((خففي)) وأثبت لفظ ( ط) و(( السيرة النبوية)) لابن هشام.

٣٧٢
ذكر قصة الإفك
رسول الله وَّلة، ولم تكن امرأة من نسائه تناصيني(١) في المنزلة عنده غيرها، فأمَّا زينب فعصمها الله بدينها
فلم تقل إلَّا خيراً ، وأمَّا حمنة فأشاعت من ذلك ما أشاعت ، تضارُّني لأختها ، فشقيت بذلك ، فلمَّا قال
رسول الله وَل تلك المقالة، قال أُسيد بن حضير: يا رسول الله، إن يكونوا من الأوس ، نكفكهم ، وإن
يكونوا من إخواننا من الخزرج ، فمرنا أمرك ، فوالله إنَّهم لأهلٌ أن تضرب أعناقهم . قالت : فقام سعد بن
عبادة وكان قبل ذلك [ يُرى ] رجلاً صالحاً ، فقال : كذبت ، لعمر الله ، لا تضرب أعناقهم ، أما والله
ما قلت هذه المقالة إلَّ أنَّك قد عرفت أنَّهم من الخزرج ، ولو كانوا من قومك ما قلت هذا . فقال
أُسيد [ بن حضير] : كذبت لعمر الله، ولكنَّك منافق تجادل عن المنافقين . قالت : وتساور الناس ،
حتى كاد يكون بين هذين الحيّين من الأوس والخزرج شرّ، ونزل رسول الله وَ لّ فدخل عليَّ. قالت:
فدعا عليّ بن أبي طالب ، وأسامة بن زيد فاستشارهما ، فأمَّا أسامة فأثنى خيراً وقاله ، ثم قال :
يا رسول الله، أهلك ولا نعلم منهم إلَّ خيراً، وهذا الكذب والباطل ، وأمَّا عليّ فإنَّه قال :
يا رسول الله، إنَّ النساء لكثير، وإنَّك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية فإنَّها ستصدقك . فدعا
رسول الله وَلَه بَرِيرة ليسألها. قالت: فقام إليها عليّ فضربها ضرباً شديداً، ويقول : اصدقي رسول الله
وَلّر. قالت: فتقول: والله ما أعلم إلَّا خيراً، وما كنت أعيب على عائشة شيئاً، إلّا أنّي كنت أعجن
عجيني، فآمرها أن تحفظه، فتنام عنه، فتأتي الشاة فتأكله. قالت: ثم دخل عليّ رسول الله وَل وعندي
أبواي ، وعندي امرأة من الأنصار ، وأنا أبكي وهي تبكي ، فجلس فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال :
يا عائشة، إنَّه قد كان ما قد بلغك من قول الناس ، فاتَّقي الله ، وإن كنتِ قد قارفت سوءاً مما يقول
الناس ، فتوبي إلى الله ؛ فإنَّ الله يقبل التوبة عن عباده . قالت : فوالله إن هو إلَّ أن قال لي ذلك ،
فقلص(٢) دمعي، حتى ما أحسّ منه شيئاً، وانتظرت [ أبويَّ ] أن يجيبا عنِّي رسول الله ◌ِّر، فلم يتكلَّما.
قالت : وايم الله لأنا كنت أحقر في نفسي ، وأصغر [ شأناً ] من أن يُنَزِّل الله فيّ قرآناً يُقرأ به ويصلَّى به ،
ولكنّي كنت أرجو أن يُرى النبيّ وَلّ في نومه شيئاً يكذّب به الله عني ؛ لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبراً ،
وأمَّا قرآناً ينزل فيّ ، فوالله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك . قالت : فلمَّا لم أر أبويَّ يتكلَّمان ، قلت
لهما : ألا تجيبان رسول الله وَّر؟ فقالا: والله ما ندري بماذا نجيبه . قالت : ووالله ما أعلم أهل بيت
دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في تلك الأيام . قالت : فلمَّا استعجما عليّ ، استعبرت فبكيت ، ثم
قلت : والله لا أتوب إلى الله ممَّا ذكرت أبداً، والله إنّي لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس ، والله يعلم أنّ
منه بريئة ، لأقولنَّ ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت ما يقولون ، لا تصدِّقونني. قالت : ثم التمست اسم
يعقوب، فما أذكره، فقلت: ولكن سأقول كما قال أبو يوسف: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا
تَصِفُونَ﴾ [ يوسف: ١٨]. قالت: فوالله ما برح رسول الله وَ لَه [مجلسه] حتى تغشَّاه من الله ما كان يتغشَّاه،
(١) أي : تنازعني.
(٢) أي : ارتفع.

٣٧٣
ذكر قصة الإفك
فسجِّي بثوبه، ووضعت وسادة من أدم تحت رأسه ، فأمّا أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ، فوالله ما فزعت
وما باليت ، قد عرفت أنّي بريئة ، وأنَّ الله غير ظالمي ، وأمَّا أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ، ما سُرِّي عن
رسول الله ◌ُّه، حتى ظننت لتخرجنَّ أنفسهما ؛ فرقاً من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس : قالت : ثم
سُرِّي عن رسول الله وَّه، فجلس وإنَّه ليتحذَّر من وجهه مثل الجمالُ(١) في يوم شاتٍ ، فجعل يمسح العرق
عن جبينه ويقول: أبشري يا عائشة، قد أنزل الله، [عزَّ وجلَّ]، براءتك. قالت: قلت: الحمد لله(٢)
ثم خرج إلى الناس فخطبهم [ وتلا عليهم ] ما أنزل الله، عزَّ وجلَّ، من القرآن في ذلك، ثم أمر بمسطح بن
أثاثة ، وحسان بن ثابت ، وحمنة بنت جحش ، وكانوا ممَّن أفصح بالفاحشة ، فضربوا حدَّهم .
وهذا الحديث مخرَّج في (( الصحيحين (٣) عن الزُّهريِّ .
وهذا السياق فيه فوائد جمَّة ، وذكر حدّ القذف لحسان ومن معه رواه أبو داود في ((سننه)(٤).
قال ابن إسحاق(٥): وقال قائل من المسلمين في ضرب حسان وأصحابه: [ من الطويل ]
وحَمْنَةُ إذ قالوا هجيراً ومسطح
لقد ذاق حسّان الذي كان أهله
وسَخطةَ ذي العرش الكريم فأُتْرِحوا
تعاطَوا برجم الغيب زوج نبيِّهم
مخازي تبقى عمّموها وفُضِّحوا
وأَذَوا رسول الله فيها فجُلِّلوا
شآبيب قطر من ذرا المزن تسفح
وصبّت عليهم محصدات كأنَّها
وقد ذكر ابن إسحاق (٦) أن حسان بن ثابت قال شعراً(٧) ، يهجو فيه صفوان بن المعطّل وجماعة من
قريش ممَّن تخاصم على الماء من أصحاب جهجهاه كما تقدَّم ، أوَّله : [من البسيط ]
وابنُ الفُريعة أمسى بيضةَ البلد
أمسى الجلابيب قد عزّوا وقد كثروا
أو كان منتشباً في بُرئن الأسد
قد تكلت أمُّه من كنت صاحبه
من دية فيه يعطاها ولا قوَد
ما لقتيلي الذي أغدو فآخذه
فيغطئلّ ويرمي العبر بالزَّبد
ما البحر حين تهبُّ الرِّيح شامِيَة
ملغيظ أفري كفري العارض البرد
يوماً بأغلب منِّي حين تبصرني
(١) قال الخشني: الجمان: حب من فضة يصنع على مثال الدُّرِّ. انظر ((شرح غريب السيرة)) (٤٢/٣).
(٢) في (أ): ((لحمد الله)) وأثبت لفظ ( ط ) .
(٣) رواه البخاري رقم (٢٦٦١) و(٤١٤١) و(٤٧٥٠) ومسلم رقم (٢٢٧٠) (٥٦).
(٤) رواه أبو داود رقم (٤٤٧٥ ) وهو حديث حسن يشهد له حديث عمرة عن عائشة الذي قبله رقم (٤٤٧٤) فإنه يقوى
بها ، فهو حسن .
(٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٠٧/٢).
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٠٤/٢).
(٧) الأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (١/ ٢٨٤) مع بعض الفارق الطفيف في ألفاظها.

٣٧٤
ذكر قصة الإفك
حتى ينيبوا من الغَيَّات للرَّشد
أمّا قريش فإني لا أسالمها
ويتركوا اللّت والعزَّى بمعزلة
ويسجدوا كلُّهم للواحد الصمد
حقّ فَيُوفوا بحقّ الله والؤكد
ويشهدوا أنَّ ما قال الرسول لهم
قال : فاعترضه صفوان بن المعطّل ، فضربه بالسيف وهو يقول : [ من الطويل ]
تلقَّ ذُباب السيف عنّي فإنَّني غلامٌ إذا هُوجيت لستُ بشاعرٍ
وذكر(١) أن ثابت بن قيس بن شمَّاس أخذ صفوان حين ضرب حسَّان ، فشدَّه وَثاقاً ، فلقيه عبد الله بن
رواحة فقال : ما هذا؟ فقال: ضرب حسَّان بالسيف . فقال عبد الله: هل علم رسول الله ◌َّ بشيء مما
صنعت ؟ قال: لا. فأطلقه، ثم أتَوا كلّهم رسول الله وَ لَه، فقال ابن المعطّل: يا رسول الله، آذاني
وهجاني، فاحتملني الغضب فضربته. فقال رسول الله وَّلة: ((يا حسّان، أتشوَّهت على قومي إذ
هداهم الله)). ثم قال: ((أحسن يا حسان فيما أصابك)) . فقال: هي لك يا رسول الله . فعوَّضه منها
بيرحاء التي تصدَّق بها أبو طلحة ، وجارية قبطيّة ، يقال لها : سيرين . جاءه منها ابنه عبد الرحمن(٢)
قال : وكانت عائشة تقول: سُئل [ عن ] ابن المعطّل، فوجد رجلاً حصور(٣) ما يأتي النساء ، ثم
قتل بعد ذلك شهيداً ، رضي الله عنه .
قال ابن إسحاق(٤) : ثم قال حسان بن ثابت(٥) ، يعتذر من الذي كان قال في شأن عائشة: (من الطويل]
وتصبح غَرْثَى من لحوم الغَوافلِ
حَصَانٌ رزانٌ ما تُزَنّ بريبةٍ
كرام المساعي مجدهم غير زائلٍ
عقيلة حيّ من لؤيّ بن غالب
وطهَّرها من كلّ سوءٍ وباطلٍ
مهذَّبة قد طيّب الله خِيمها
فلا رفعتْ سوطي إليّ أناملي
فإن كنت قد قلت الذي قد زعمتم
لآل رسول الله زين المحافلِ
وكيف وودِّي ما حييت ونصرتي
تقاصر عنه سَورة المتطاولِ
له رَتَب عالٍ على الناس كلِّهم
ولكنَّه قول امرىء بي ماحلٍ
فإنَّ الذي قد قيل ليس بلائط
وقد زاد يونس بن بكير في روايته عن ابن إسحاق قبل البيت الأوّل :
(١) يعني ابن إسحاق. انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٠٥/٢).
(٢) انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٣١٤/٢)، و((شذرات الذهب)) (٣١٤/٢) بتحقيقي.
الحصور : وأما في حق يحيى عليه السلام أنه كان حصوراً ، يعني لا يأتي النساء ، فغلط بل هذه نقيصة وعيب ، ولا
(٣)
يليق بالأنبياء ، وإنما معناه أنه معصوم من الذنوب ، كأنه حصر عنها .
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٠٦/٢).
(٥) الأبيات في ((ديوانه)) (٥١٠/١) وانظر ((معجم الشعراء من تاريخ مدينة دمشق)) (١٤٦/٢) بتحقيقي بالاشتراك
مع عدد من الأصدقاء الأفاضل ، وإشراف أستاذنا العلامة الدكتور شاكر الفحّام ، طبع دار الفكر بدمشق .

٣٧٥
ذكر غزوة الحديبية
رأيتكِ وليغفر لك الله حُرَّة
حصان رزان ما تُزنّ بريبة
وإنَّ الذي قد قيل ليس بلائط
فإن كنت أهجوكم كما بلَّغوكمُ
فكيف وودّي ما حييت ونصرتي
وإنَّ لهم عزّاً يرى الناس دونه
من المحصنات غير ذات غوائلٍ
وتصبح غرثى من لحوم الغوافلٍ
بك الدَّهر بل قيل امرىء متماحلٍ
فلا رجعت سوطي إليَّ أناملي
لآل رسول الله زين المحافل
قصاراً وطال العزّ كلّ التّطاولِ
ولتكتب هاهنا الآيات من سورة النُّور، وهي من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُ و ◌ِالْإِقِكِ عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ
شَّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِ آَخْرٍِ مِّنْهُم مَّا أَكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِّ﴾ إلى قوله: ﴿لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقُ كَرِيمٌ ﴾[ النور :
١١ - ٢٦]. وما أوردناه هنالك من الأحاديث، والطُّرق، والآثار عن السَّلف والخلف (١)، وبالله التوفيق.
٥٠-٠ (٢)
غَزْوَةُ الحُدَيْبِيَةُ(٢)
وقد كانت في ذي القعدة سنة ستّ بلا خلاف . وممَّن نصَّ على ذلك الزُّهريُّ ، ونافع مولى ابن
عمر ، وقتادة ، وموسى بن عقبة ، ومحمد بن إسحاق بن يسار ، وغيرهم ، وهو الذي رواه ابن لهيعة ،
عن أبي الأسود ، عن عُروة أنها كانت في ذي القعدة سنة ستّ .
وقال يعقوب بن سفيان(٣) : ثنا إسماعيل بن الخليل ، عن عليّ بن مسهر ، أخبرني هشام بن عُروة ،
عن أبيه قال: خرج رسول الله مَّةٍ إلى الحُديبية في رمضان، وكانت الحُديبية في شؤَّال ، وهذا غريب جدّاً
عن عُروة .
وقد روى البخاريُّ ومسلمُ(٤) جميعاً ، عن هُذْبَة ، عن هَمَّام ، عن قتادة ، أن أنس بن مالك أخبره أن
رسول الله وَّه اعتمر أربع عُمَرٍ، كلُّهنَّ في ذي القعدة [إلَّ العُمْرَة التي مع حَّته؛ عمرة من الحُديبية في
ذي القعدة ] وعُمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعُمْرَة من الجِعْرَانَةُ(٥) في ذي القعدة ، حيث قسم
غنائم حنين ، وعمرة مع حجَّته . وهذا لفظ البخاريّ .
(١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (١٧/٦ - ٣٥).
(٢) انظر خبرها في ((المغازي)) لابن أبي شيبة ص (٢٧٠)، و((الروض الأنف)) (٤٥٢/٦)، و((زاد المعاد))
(٢٥٥/٣)، و((الفصول في سيرة الرسول)) ص (١٨٤).
(٣) انظر ((المعرفة والتاريخ)) (٢٨٧/٣).
(٤) رواه البخاري رقم (٤١٤٨)، ومسلم رقم ( ١٢٥٣) .
(٥) الجِعْرَانة: ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أقرب. انظر ((مراصد الاطلاع)) (٣٣٦/١).

٣٧٦
ذكر غزوة الحديبية
وقال ابن إسحاق(١): ثم قام رسول الله وَ ل بالمدينة رمضان وشؤَّالاً، وخرج في ذي القعدة معتمراً
لا يريد حرباً .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة نُمَيْلَة بن عبد الله اللَّينيّ.
قال ابن إسحاق : واستنفر العربَ ومن حوله من أهل البوادي من الأعراب ليخرجوا معه ، وهو يخشى
من قريش أن يعرضوا له بحرب ، أو يصدُّوه عن البيت ، فأبطأ عليه كثير من الأعراب ، وخرج رسول الله
وَله بمن معه من المهاجرين والأنصار، ومن لحق به من العرب، وساق معه الهَدْيَ، وأحرم بالعُمْرَة ؛
ليأمن الناسُ من حربه ، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائراً لهذا البيت ، ومعظّماً له .
قال ابن إسحاق(٢): وحدَّثني محمد بن مُسلم بن شِهَاب الزُّهريّ، عن عُروة بن الزُّبير ، عن
المِسْوَر بن مَخْرَمَة، ومَزْوان بن الحَكَم، أنَّهما حدَّثاه قَالا: خرج رسول الله بَّ عام الحديبية ، يريد
زيارة البيت لا يريد قتالاً، وساق معه الهَدْيَ سبعين بدنة، وكان الناس سبعمئة رجل ، وكانت كلّ بدنة عن
عشرة نفرٍ ، وكان جابر بن عبد الله فيما بلغني يقول: كُنَّا أصحاب الحُديبية أربع عشرة مئة .
قال الزهريُّ(٣): وخرج رسول الله وَ له، حتى إذا كان بعُسْفَان لقيه بِشْو(٤) بن سُفيان الكَعبيّ فقال:
يا رسول الله، هذه قريش قد سمعت بمسيرك، فخرجوا معهم العُوذُ المَطَافِیل ، قد لبسوا جلود النّمور ،
وقد نزلوا بذي طُوى(٥) ، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبداً، وهذا خالد بن الوليد في خيلهم ، قد قدَّموها
إلى كُرَاعِ الغَمِيمُ(٦). قال: فقال رسول الله وَّل: (( يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب ماذا عليهم لو خلَّوا
بيني وبين سائر العرب؛ فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا، وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام
وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظنّ قريش ؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذي بعثني الله به حتى
يظهره الله أو تنفرد هذه السَّالفة)). ثم قال: ((من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم التي هم بها؟)).
قال ابن إسحاق : فحدَّثني عبد الله بن أبي بكر أن رجلاً من أسلم قال : أنا يا رسول الله . قال :
فسلك بهم طريقاً وعراً أجرل(٧) بين شعاب ، فلمَّا خرجوا منه ، وقد شقَّ ذلك على المسلمين ، فأفضَوا
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٣٠٨).
انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٠٨/٢ -٣٠٩).
(٢)
انظر ((الروض الأنف)) (٦ / ٤٥٣).
(٣)
وقال ابن هشام في ((السيرة النبوية)) (٣٠٩/٢): ((ويقال: بُسْر)). وهو الصواب، فقد أورده ابن عبد البرّ في
(٤)
((الاستيعاب))، وابن الأثير في ((أسد الغابة))، وابن حجر العسقلاني في ((الإصابة)) في رسم ( بُشْر) ولم يذكروا
فيه خلافاً .
ذو طُوقّ : موضع قرب مكة .
(٥)
كراع الغميم: موضع في الحجاز بين مكة والمدينة. انظر ((مراصد الاطلاع)) (١١٥٣/٣).
(٦)
الأجرل : الكثير الحجارة .
(٧)

٣٧٧
ذكر غزوة الخديبية
إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، قال رسول الله وَ له: ((قولوا: نستغفر الله ونتوب إليه)). فقالوا
ذلك، فقال: ((والله إنها للحطّة (١) التي عرضت على بني إسرائيل، فلم يقولوها)).
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله وَّ الناس فقال: ((اسلكوا ذات اليمين)) بين ظهري الحَمْضِ في
طريق تخرجه على ثنيَّة المرار ، مهبط الحُديبية من أسفل مكّة . قال : فسلك الجيش ذلك الطريق ، فلمَّا
رأت خيل قريش قَتَرَةَ الجيش(٢) قد خالفوا عن طريقهم، ركضوا راجعين إلى قريش، وخرج
رسول الله وَ لّل، حتى إذا سلك في ثنيّة المُرَار(٣) بركت ناقته، فقال الناس: خلأت. فقال:
(( ما خلأت، وما هو لها بخُلق ، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، لا تدعوني قريش اليوم إلى خُطّة(٤)
يسألونني فيها صلة الرَّحم، إلا أعطيتهم إيّاها)). ثم قال للناس: ((انزلوا)) . قيل له: يا رسول الله ،
ما بالوادي ماء ننزل عليه . فأخرج سهماً من كنانته ، فأعطاه رجلاً من أصحابه ، فنزل به في قليب من تلك
القُلُب ، فغرزه في جوفه ، فجاش بالرَّواء ، حتى ضرب الناس عنه بعطن (٤) .
قال ابن إسحاق(٥): فحدَّثني بعض أهل العلم ، عن رجال من أسلم ، أن الذي نزل في القليب بسهم
رسول الله وَ الر ناجية بن جندب، سائق بدن رسول الله وَ له. قال ابن إسحاق: وقد زعم بعض أهل العلم
أن البراء بن عازب كان يقول: أنا الذي نزلتُ بسهم رسول الله وَّ. فالله أعلم أيّ ذلك كان. ثم استدلّ
ابن إسحاق للأول بأن جارية من الأنصار جاءت البئر ، وناجية في أسفله يميح ، فقالت : (من الرجز ]
يا أيُّها المائح دَلوي دونكا إني رأيت الناس يحمدونكا
يُٹنون خيراً ويُمجّدونكا
فأجابها فقال :
ـد علمت جاريةٌ يمانية أنّي أنا المائح واسمي ناجيه
طعنتها عند صدور العاديه
وطعنة ذات رشاش واهيه
قال الزهريّ في حديثه: فلمَّا أطمأنّ رسول الله وَّر، أتاه بُديل بن ورقاء ، في رجال من خزاعة،
فكلَّموه وسألوه ما الذي جاء به ، فأخبرهم أنه لم يأت يريد حرباً ، وإنما جاء زائراً للبيت ومعظّماً لحرمته .
(١) قال الله تعالى لهم ﴿وقولو حطة نغفر لكم خطاياكم﴾ أي احطط عنا ذنوبنا وخطايانا، فاستهزؤوا وقالوا حبة في
شعرة .
(٢) أي : غباره .
(٣) ثنية المُرَار: موضع عند الحُديبية من نواحي مكة. عن تعليق شيخنا العلاَّمة حمد الجاسر رحمه الله على ((المغانم
المطابة )) ص (٨٥) بتصرف .
(٤) أي : خصلة . والعطن : مبرك الإبل حول الماء .
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١٠/٢).

٣٧٨
ذكر غزوة الحديبية
ثم قال لهم نحواً مما قال لبشر بن سفيان ، فرجعوا إلى قريش فقالوا : يا معشر قريش ، إنكم تعجلون على
محمد ، إن محمداً لم يأت لقتال ، إنما جاء زائراً لهذا البيت .
فاتّهموهم وجبّهوهم وقالوا : وإن كان جاء ولا يريد قتالاً ؛ فوالله لا يدخلها علينا عنوة أبداً ، ولا
تحدّث بذلك عنا العرب. قال الزّهريّ: وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله وَ ل؛ مسلمها ومشركها ،
لا يخفون عنه شيئاً كان بمكة . قال : ثم بعثوا إليه مكرز بن حفص بن الأخيف ، أخا بني عامر بن لؤيّ ،
فلمّا رآه رسول الله بَ ل﴿ مقبلاً قال: ((هذا رجل غادر)). فلمّا انتهى إلى رسول الله بَّل وكلَّمه، قال له
رسول الله بَّه نحواً مما قال لبديل وأصحابه، فرجع إلى قريش فأخبرهم بما قال له رسول الله بَله، ثم
بعثوا إليه الحليس بن علقمة ، أو ابن زبّان ، وكان يومئذ سيد الأحابيش ، وهو أحد بني الحارث بن عبد
مناة بن كنانة، فلمّا رآه رسول الله وَ لَه قال: ((إنَّ هذا من قوم يتألّهون ، فابعثوا الهدي في وجهه حتى
يراه)) . فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده ، قد أكل أوباره من طول الحبس عن
محلّه، رجع إلى قريش، ولم يصل إلى رسول الله بَّ؛ إعظاماً لما رأى، فقال لهم ذلك . قال : فقالوا
له : اجلس ، فإنما أنت أعرابي لا علم لك . قال ابن إسحاق : فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أن الحُليس
غضب عند ذلك وقال: يا معشر قريش ، والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم ، أَيُصَدُّ عن
بيت الله من جاءه معظّماً له؟ والذي نفس الحُليس بيده لتخلُنّ بين محمد وبين ما جاء له ، أو لأنفرنّ
بالأحابيش نفرة رجل واحد . قالوا : مه ، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به .
قال الزّهريّ في حديثهُ(١): ثم بعثوا إلى رسول الله وَ ل عروة بن مسعود الثّقفيّ، فقال: يا معشر
قريش ، إني قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد إذا جاءكم ؛ من التّعنيف ، وسوء اللفظ ، وقد
عرفتم أنكم والد وأني ولد - وكان عُرْوَة لسُبَيْعَة بنت عبد شمس - وقد سمعتُ بالذي نابكم ، فجمعت من
أطاعني من قومي ، [ ثم ] جئتكم ، حتى آسيتكم بنفسي. قالوا : صدقت ، ما أنت عندنا بمتّهم . فخرج
حتى أتى رسول الله وَ ل ، فجلس بين يديه، ثم قال : يا محمد ، أجمعت أوشاب الناس ، ثم جئت بهم
إلى بيضتك لتفضّها بهم ، إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل ، قد لبسوا جلود النّمور ،
يعاهدون الله، لا تدخلها عليهم عنوة أبداً، وايم الله لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غداً . قال : وأبو بكر
الصِّدِّيق، رضي الله عنه، خلف رسول الله وَ له، فقال: امصص بظر اللاّت، أنحن ننكشف عنه ؟ قال :
من هذا يا محمد؟ قال: (( هذا ابن أبي قُحَافَة)) . قال: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها ،
ولكن هذه بها. قال: ثم جعل يتناول لحية رسول الله مَ له وهو يكلّمه. قال: والمغيرة بن شعبة واقف
على رأس رسول الله وَعليه في الحديد. قال: فجعل يقرع يده، إذا تناول لحية رسول الله وَ له ويقول:
اكفف يدك عن وجه رسول الله بِّله، قبل ألا تصل إليك. قال: فيقول عروة: ويحك، ما أفظّك
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١١/٢)، و((الروض الأنف)) (٦/ ٤٥٧).

٣٧٩
ذكر غزوة الحديبية
وأغلظك. قال: فتبسّم رسول الله وَّله، فقال له عروة: من هذا يا محمّد؟ قال: ((هذا ابن أخيك،
المغيرة بن شعبة )) . قال: أي غدر، وهل غَسَلْتُ سَوْءَتَكَ إلَّ بالأمس ؟!
قال الزّهريّ: فكلَّمه رسول الله بَّله، بنحو ممّا كلّم به أصحابه، وأخبره أنه لم يأت يريد حرباً ،
فقام من عند رسول الله وَ ئية ، وقد رأى ما يصنع به أصحابه ، لا يتوضأ إلّ ابتدروا وضوءه ، ولا يبصق
بصاقاً إلا ابتدروه ، ولا يسقط من شعره شيء إلّ أخذوه ، فرجع إلى قريش ، فقال : يا معشر قريش ، إني
قد جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، والنّجاشيّ في ملكه ، وإني والله ما رأيت ملكاً في قومه قطّ
مثل محمد في أصحابه ، ولقد رأيت قوماً لا يُسلمونه لشيء أبداً ، فَرَوا رأيكم .
قال ابن إسحاق(١): وحدّثني بعض أهل العلم أن رسول الله وَل دعا خراش بن أمية الخزاعيّ، فبعثه
إلى قريش بمكة ، وحمله على بعير له ، يقال له : الثّعلب . ليبلّغ أشرافهم عنه ما جاء له ، فعقروا به جمل
رسول الله عليه، وأرادوا قتله، فمنعه الأحابيش، فخلّوا سبيله، حتى أتى رسول الله وَل.
قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني بعض من لا أتّهم، عن عكرمة، [عن ابن عباس] أن قريشاً كانوا بعثوا
أربعين رجلاً منهم أو خمسين ، وأمروهم أن يُطيفوا بعسكر رسول الله [وَّ]؛ ليصيبوا لهم من أصحابه
أحداً، فأُخذوا [أخذاً]، فأُتي بهم رسول الله وَ له، فعفا عنهم وخلّى سبيلهم، وقد كانوا رموا في
عسكر رسول الله وَّه بالحجارة والنّبل، ثم دعا عمر بن الخطاب ليبعثه إلى مكة، فيبلّغ عنه أشراف قريش
ما جاء له ، فقال : يا رسول الله ، إني أخاف قريشاً على نفسي ، وليس بمكة من بني عديّ بن كعب أحد
يمنعني، وقد عرفت قريش عداوتي إيّاها وغلظتي عليها ، ولكني أدلّك على رجل أعزّ بها مني ،
عثمان بن عفان . فدعا رسول الله وَّر عثمان بن عفان، فبعثه إلى أبي سفيان وأشراف قريش ، يخبرهم أنه
لم يأت لحرب ، وإنما جاء زائراً لهذا البيت ومعظّماً لحرمته ، فخرج عثمان إلى مكة ، فلقيه أبان بن
سعيد بن العاص حين دخل مكة ، أو قبل أن يدخلها ، فحمله بين يديه ، ثم أجاره حتى بلَّغ رسالة
رسول الله وَل ﴿، فانطلق عثمان حتى أتى أبا سفيان وعُظماء قريش، فبلَّغهم عن رسول الله بَّ ما أرسله
به، فقالوا لعثمان حين بلّغ رسالة رسول الله وَلّه إليهم: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف. قال: ما كنت
لأفعل حتى يطوف به رسول الله وَّله. واحتبسته قريش عندها، فبلغ رسول الله ◌ُّله والمسلمين أن عثمان قد
قتل .
قال ابن إسحاق(٣): فحدّثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله وَ ليل قال حين بلغه أن عثمان قد قتل:
((لا نبرح حتى نناجز القوم)). ودعا رسول الله وَّل إلى البيعة، فكانت بيعة الرّضوان تحت الشجرة،
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١٤/٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١٤/٢ _ ٣١٥)، و((الروض الأنف)) (٤٥٩/٦).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١٥/٢ -٣١٦).

٣٨٠
ذكر غزوة الحديبية
فكان الناس يقولون: بايعهم رسول الله وم # على الموت. وكان جابر بن عبد الله يقول: إن رسول الله وح له
لم يبايعنا على الموت، ولكن بايعنا على ألّ نفرّ. فبايع رسول الله وَّ الناس، ولم يتخلّف عنه أحد من
المسلمين حضرها ، إلّ الجدّ بن قيس، أخو بني سلمة، وكان جابر بن عبد الله يقول : والله لكأنّي أنظر
إليه لاصقاً بإبط ناقته، [ قد ] ضبأ إليها، يستتر من الناس، ثم أتى رسول الله و ل قول أن الذي كان من [ أمر ]
عثمان باطل .
قال ابن هشامُ(١): فذكر وكيع ، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشّعبيّ أن أول من بايع
رسول الله وَ لل بيعة الرّضوان أبو سنان الأسديّ.
قال ابن هشامُ(٢): وحدّثني من أثق به، عمّن حدّثه بإسناد له، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن ابن عمر أن
رسول الله مخي بايع لعثمان ، فضرب بإحدى يديه على الأخرى .
وهذا الحديث الذي ذكره ابن هشام بهذا الإسناد الضعيف ثابت في ((الصحيحين)(٣).
قال ابن إسحاق(٤) : قال الزّهريّ : ثم بعثت قريش سهيل بن عمرو أخا بني عامر بن لؤيّ إلى
رسول الله و ﴿ وقالوا : ائت محمداً وصالحه ، ولا يكن في صلحه إلّ أن يرجع عن عامه هذا، فوالله
لا يتحدّث العرب أنه دخلها عنوة أبداً. فأتاه سهيل بن عمرو، فلمّا رآه رسول الله وَل مقبلاً قال: ((قد
أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل)). فلما انتهى سهيل إلى رسول الله وَلقول ، تكلّم فأطال الكلام
وتراجعا ، ثم جرى بينهما الصلح ، فلمّا التأم الأمر ولم يبق إلّ الكتاب ، وثب عمر فأتى أبا بكر ، فقال :
يا أبا بكر ، أليس برسول الله ؟! قال: بلى . قال: أو لسنا بالمسلمين ؟! قال : بلى . قال : أوليسوا
بالمشركين ؟! قال : بلى . قال : فعلام نعطي الدَّنيَّة في ديننا ؟! قال أبو بكر : يا عمر ، الزم غرزه ،
فإني أشهد أنه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله. ثم أتى رسول الله وَ له فقال:
يا رسول الله، ألست برسول الله؟! قال: ((بلى)). قال: أوَلسنا بالمسلمين؟! قال: ((بلى)). قال :
أو ليسوا بالمشركين؟! قال: ((بلى)). قال: فعلام نعطي الدّنيّة في ديننا؟! قال: (( أنا عبد الله
ورسوله ، لن أخالف أمره ولن يضيّعني)). فكان عمر ، رضي الله عنه يقول : ما زلت أصوم،
وأتصدّق ، وأصلّي ، وأعتق ، من الذي صنعت يومئذ ؛ مخافة كلامي الذي تكلّمت يومئذ ، حتى رجوت
أن يكون خيراً. قال: ثم دعا رسول الله وَ ل عليّ بن أبي طالب، رضي الله عنه، فقال: (( اكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم)). قال : فقال سهيل : لا أعرف هذا ، ولكن اكتب : باسمك اللهمّ . قال :
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١٦/٢)، و((الروض الأنف)) (٦/ ٤٦١).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١٦/٢).
(٣) رواه البخاري رقم (٣٦٩٩)، ومسلم رقم (١٨٥٦) (٦٩).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣١٦/٢).