النص المفهرس

صفحات 341-360

٣٤١
ذكر مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق
فقال: ((هاتوا أسيافكم)). فجئنا بها، فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله بن أنيس: (( هذا قتله ، أرى فيه
أثر الطعام)). قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت (١) في ذلك: [ من الكامل ]
يابن الحُقَيق وأنت يا بن الأشرف
ـمْ
لله درّ عِصابة لاقيتَهُـ
مُرحاً كأُسد في عرين مُغرف
يَسْرُون بالبيض الخِفاف إليكمُ
فسقَوكُم حتفاً ببيضٍ ذُقَّف
حتى أتَوكم في محلِّ بلادكم
مستصغرين لكلِّ أمر مُجحف
مستبصرين لنصر دين [ نبيِّهم ]
هكذا أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق ، رحمه الله .
وقد قال الإمام أبو عبد الله البخاريّ(٢) : ثنا إسحاق بن نصر، ثنا يحيى بن آدم ، ثنا ابن أبي زائدة ،
عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال: بعث النبيُّ ◌َّهَ رهطاً إلى أبي رافع ، فدخل عليه
عبد الله بن عتيك بيته ليلاً وهو نائم فقتله .
ثم قال البخاريّ(٣) : ثنا يوسف بن موسى ، ثنا عبيد الله بن موسى ، عن إسرائيل ، عن أبي إسحاق ،
عن البراء قال: بعث رسول الله وَّه إلى أبي رافع اليهوديِّ رجالاً من الأنصار، وأمَّر عليهم عبد الله بن
عتيك ، وكان أبو رافع يؤذي رسول الله وَّه، ويعين عليه، وكان في حصن له بأرض الحجاز ، فلمَّا دنوا
منه ، وقد غربت الشمس ، وراح الناس بسرحهم ، قال عبد الله لأصحابه : اجلسوا مكانكم ، فإني منطلق
ومتلطّف للبوَّاب ؛ لعلِّي أن أدخل . فأقبل حتى دنا من الباب ، ثم تقنَّع بثوبه كأنه يقضي حاجته ، وقد
دخل الناس ، فهتف به البؤَّاب : يا عبد الله ، إن كنت تريد أن تدخل فادخل ، فإني أريد أن أغلق الباب .
فدخلت فكمنت ، فلمَّا دخل الناس أغلق الباب ، ثم علَّق الأغاليق على وَدِّ . قال: فقمت إلى الأقاليد
فأخذتها ففتحت الباب ، وكان أبو رافع يُسمَر عنده ، وكان في علاليَّ له ، فلمَّا ذهب عنه أهل سمره ،
صَعِدت إليه ، فجعلت كلما فتحت باباً أغلقت عليَّ من داخل ، فقلت : إن القوم نذِروا بي لم يخلصوا إليَّ
حتى أقتله . فانتهيت إليه ، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله ، لا أدري أين هو من البيت ، قلت :
أبا رافع . قال : من هذا ؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش ، فما أغنيت شيئاً ،
وصاح فخرجت من البيت ، فأمكث غير بعيد ، ثم دخلت إليه فقلت : ما هذا الصوت يا أبا رافع ؟
فقال : لأُمِّك الويل ، إنَّ رجلاً في البيت ضربني قبل بالسيف . قال : فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ،
ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه ، حتى أخذ في ظهره ، فعرفت أني قتلته ، فجعلت أفتح
(١) الأبيات في ((ديوانه)) (٢١١/٢)، وانظر ((معجم الشعراء من تاريخ مدينة دمشق)) لابن عساكر (١٨٠/٢)
بتحقيقي بالاشتراك مع الأساتذة : د . حسام الدين فرفور ، رياض عبد الحميد مراد ، د . نزار أباظة ، بإشراف
أستاذنا العلامة الدكتور شاكر الفخَّام ، طبع دار الفكر بدمشق .
(٢) رواه البخاري رقم ( ٤٠٣٨).
(٣) رواه البخاري رقم (٤٠٣٩ ) .

٣٤٢
ذكر مقتل أبي رافع سلام بن أبي الحقيق
الأبواب باباً باباً ، حتى انتهيت إلى درجة له فوضعت رجلي ، وأنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض ،
فوقعت في ليلة مقمرة ، فانكسرت ساقي فعصبتها بعمامة ، ثم انطلقت حتى جلست على الباب ، فقلت :
لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته . فلمَّا صاح الديك، قام الناعي على السُّور فقال : أنعي أبا رافع تاجر أهل
الحجاز. فانطلقت إلى أصحابي، فقلت: النَّجاء، فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبيِّي وَلـ
فحدَّثته، فقال لي: (( ابسط رِجلك)) . فبسطت رجلي فمسحها، فكأنما لم أشتكها قطُ .
ثم قال البخاريُّ(١): ثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأوديُّ ، ثنا شريح ، ثنا إبراهيم بن يوسف ، عن
أبيه، عن أبي إسحاق، سمعت البراء قال: بعث رسول الله بَّله إلى أبي رافع عبد الله بن عتيك
وعبد الله بن عتبة في ناس معهم ، فانطلقوا حتى دنَوا من الحصن ، فقال لهم عبد الله بن عتيك : امكثوا
أنتم حتى أنطلق أنا فأنظر. قال: فتلطّفت حتى أدخل الحصن، ففقدوا حماراً لهم، فخرجوا بقبس
يطلبونه . قال : فخشيت أن أُعرف . قال : فغطَّيت رأسي ، وجلست كأني أقضي حاجة ، فقال البواب :
من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أُغلقه . فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن ، فتعشَّوا
عند أبي رافع ، وتحدَّثوا حتى ذهبت ساعة من الليل ، ثم رجعوا إلى بيوتهم ، فلمَّا هدأت الأصوات ولا
أسمع حركة ، خرجت . قال : ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوَّة ، فأخذتُه ففتحت
به باب الحصن . قال : قلت : إن نذِر بي القوم انطلقت على مَهَل ، ثم عمدت إلى أبواب بيوتهم فغلَّقتها
عليهم من ظاهر ، ثم صعِدت إلى أبي رافع في سلَّم ، فإذا البيت مظلم ، قد طفىء سراجه ، فلم أدر أين
الرجل ؟ فقلت : أبا رافع . قال : من هذا؟ قال: فعمدت نحو الصوت فأضربه وصاح ، فلم تغن شيئاً .
قال : ثم جئت كأني أَغيثه ، فقلت: ما لك أبا رافع؟ وغيّرت صوتي . قال: ألا أَعجبك، لأَمَّك الويل ،
دخل عليَّ رجل فضربني بالسيف . قال : فعمدت إليه أيضاً فأضربه أخرى فلم تغن شيئاً ، فصاح وقام
أهله ، ثم جئت وغيّرت صوتي كهيئة المغيث ، فإذا هو مستلق على ظهره ، فأضع السيف في بطنه ثم
أنكفىء عليه ، حتى سمعت صوت العظم ، ثم خرجت دهشاً ، حتى أتيت السُّلَّم أريد أن أنزل ، فأسقط
منه فانخلعت رِجلي، فعصبتها ثم أتيت أصحابي أحجل، فقلت: انطلقوا فبشِّروا رسول الله وَّر، فإني
لا أبرح حتى أسمع الناعية ، فلمَّا كان في وجه الصبح صعِد الناعية فقال : أنعى أبا رافع . قال : فقمت
أمشي ما بي قلَبة، فأدركت أصحابي قبل أن يأتوا رسول الله وَ له فبشَّرته . تفرد به البخاريّ بهذه السياقات
من بين أصحاب الكتب الستة .
قلت : يحتمل أن عبد الله بن عتيك لما سقط من تلك الدرجة ، انفكَّت قدمه ، وانكسرت ساقه ،
ووثئت رِجله ويده ، فلمَّا عصبها استكنَّ ما به ؛ لما هو فيه من الأمر الباهر ، ولما أراد المشي أعين على
ذلك ؛ لما هو فيه من الجهاد النافع، ثم لما وصل إلى رسول الله وَّه واستقرَّت نفسه، ثاوره الوجع في
(١) رواه البخاري رقم (٤٠٤٠) .

٣٤٣
ذكر مقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي
رجله ، فلما بسط رجله ومسح رسول الله مخ لل، ذهب ما كان بها من بأس في الماضي ، ولم يبق بها وجع
يتوقَّع حصوله في المستقبل ، جمعاً بين هذه الرواية والتي تقدَّمت ، والله أعلم .
هذا وقد ذكر موسى بن عقبة في (( مغازيه (١) مثل سياق محمد بن إسحاق ، وسمَّى الجماعة الذين
ذهبوا إليه كما ذكره ابن إسحاق ، وإبراهيم ، وأبو عُبيد .
ثم قال: قال الزُّهريُّ: قال ابن كعب (٢): فقدموا على رسول الله وجَّه وهو على المنبر، فقال:
((أفلحت الوجوه)) قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله، قال: ((أفتكتموه؟)) قالوا : نعم ، قال:
((ناولني السّيف)) فسلَّه فقال: ((أجل هذا طعامه في ذُباب السيف)).
مقتل خالد بن سُفْيَان بن نُبَيح الهُذَلِيِ(٣)
ذكره الحافظ البيهقيُّ في ((الدلائل)(٤) تِلو مقتل أبي رافع .
قال الإمام أحمد(٥) : ثنا يعقوب، ثنا أبي ، عن ابن إسحاق ، حدَّثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن
ابن عبد الله بن أنيس، عن أبيه قال: دعاني رسول الله وَ ل فقال: (( إنه قد بلغني أن خالد بن سفيان بن
نُبيح الهُذَليَّ يجمع لي الناس ليغزوني، وهو بعُرَنَةً(٦)، فأته فاقتله)) . قال : قلت : يا رسول الله ، انعته
لي حتى أعرفه. قال: (( إذا رأيته وجدت له قُشعريرة)). قال: فخرجت متوشِّحاً سيفي حتى وقعت
عليه ، وهو بعُرَنَةَ مع ظُعُنِ يرتاد لهنّ منزلًا ، حين(٧) كان وقت العصر ، فلمَّا رأيته وجدت ما وصف لي
رسول الله وَله من القُشعريرة، فأقبلت نحوه ، وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة ،
فصلَّت وأنا أمشي نحوه ؛ أومىء برأسي للركوع والسجود ، فلمَّا انتهيت إليه قال : من الرجل ؟ قلت :
رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل ، فجاءك لذلك . قال : أجل ، إنّا في ذلك . قال :
فمشَيت معه شيئاً ، حتى إذ أمكنني حملت عليه السيف حتى قتلته ، ثم خرجت وتركت ظعائنه مُكبَّات
عليه ، فلمّا قدمت على رسول الله بِّله فرآني قال: ((أفلح الوجه)). قال : قلت : قتلته يا رسول الله.
(١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٨/٤).
(٢) في (أ) و(ط): (( أُبي بن كعب)).
(٣) انظر ((زاد المعاد)) لابن القيم (٢١٨/٣).
(٤)
انظر ((دلائل النبوة)) (٤ / ٤٠).
(٥)
رواه أحمد في ((المسند)) (٤٩٦/٣)، وفي إسناده ضعف .
(٦) قال ياقوت: عُرَنَةُ: بوزن هُمزة وضُحكة وهو الذي يضحك من الناس فيكون في القياس الكثير ... واد بحذاء
عرفات، ... وقيل مسجد عرفة والمسيل كله. عن ((معجم البلدان)) (٤/ ١١١).
(٧) في (أ) و(ط): ((وحين)) والتصحيح من ((دلائل النبوة)) للبيهقي مصدر المؤلف.

٣٤٤
ذكر مقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي
قال: ((صدقت)). قال: ثم قام معي رسول الله ◌ُّله، فدخل في بيته فأعطاني عصاً فقال: ((أمسك هذه
عندك يا عبد الله بن أنيس)) . قال : فخرجت بها على الناس ، فقالوا : ماهذه العصا ؟ قال : قلت :
أعطانيها رسول الله وَّه، وأمرني أن أمسكها. قالوا: أو لا ترجع إلى رسول الله وَ ل فتسأله عن ذلك؟
قال: فرجعت إلى رسول الله وَ يول فقلت: يا رسول الله، لم أعطيتني هذه العصا؟ قال: (( آية بيني وبينك
يوم القيامة، إنَّ أقلَّ الناس المتخصِّرون يومئذ)). قال: فقرنها عبد الله بسيفه ، فلم تزل معه ، حتى إذا
مات أُمر بها فضمَّت في كفنه ، ثم دفنا جميعاً .
ثم رواه الإمام أحمد(١) ، عن يحيى بن آدم ، عن عبد الله بن إدريس ، عن محمد بن إسحاق ، عن
محمد بن جعفر [بن الزُّبير]، عن بعض ولد عبد الله بن أنيس - أو قال : عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس -
عن عبد الله بن أنيس ، فذكر نحوه .
وهكذا رواه أبو داو(٢) ، عن أبي معمر ، عن عبد الوارث ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن
جعفر ، عن ابن عبد الله بن أنيس ، عن أبيه ، فذكر نحوه .
ورواه الحافظ البيهقيُّ(٣)، من طريق محمد بن سلمة ٤) ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن
جعفر بن الزبير ، عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس ، عن أبيه فذكره .
وقد ذكر نحوه عُروة بن الزبير ، وموسى بن عقبة في (( مغازيهما)) مرسلة ، فالله أعلم.
قال ابن هشامُ(٥): وقال عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان: [من الطويل ]
نوائحُ تَفْرِي كلَّ جَيب مقدَّدٍ
تَرَكْتُ ابن ثَورٍ كالحُوار وحولَهُ
بأبيض من ماء الحديد مُهَنَّدٍ
تناولتُه والُعن خلفي وخلفَه
شهاب غضئّ من مُلهب متوقٌّدٍ
عَجُومٍ لهام الدَّارعين كأنه
أنا ابنُ أُنيسٍ فارساً غير قُعدُدِ
أقولُ لَه والشَّيفُ يَعْجُمُ رَأْسَهُ
رحيبُ فناءِ الدَّارِ غيرُ مزنَّد
أنا ابنُ الذي لم يُنْزِلِ الدَّهْرَ قِدْرَهُ
حنيفِ على دين النبيِّ محمدٍ
وقلت له خُذْمَا بضربة ماجدٍ
سَبَقْتُ إليه باللِّسان وباليدِ
وكنتُ إذا هَمَّ النَّبِيُّ بِكَافِرٍ
قلت : عبد الله بن أنيس بن أسعد بن حرام ، أبو يحيى الجُهَنيُّ ، صحابيٌّ مشهور كبير القدر ، كان
(١) في ((المسند)) (٤٩٦/٣)، وفي إسناده ضعف .
(٢) في (( سننه)) رقم (١٢٤٩)، وفي إسناده ضعف.
(٣)
في ((دلائل النبوة)) (٤/ ٤٢).
في (أ): ((من طريق محمد بن مسلمة)) وأثبت لفظ ( ط ) وهو الصواب.
(٤)
(٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٦٢٠).

٣٤٥
ذكر قصة عمرو بن العاص مع النجاشي وإسلامه
فيمن شهد العقبة ، وشهد أحداً والخندق وما بعد ذلك ، وتأخّر موته بالشام إلى سنة ثمانين على
المشهور ، وقيل : توفِّي سنة أربع وخمسينُ(١) ، والله أعلم .
وقد فرَّق عليُّ بن المدينيِّ، وخليفة بن خيَّاط بينه وبين عبد الله بن أنيس أبي عيسى الأنصاريّ(٢)،
الذي روى عن النبيِّ ◌َّ ر أنه دعا يوم أحد بإداوة فيها ماء، فخنث فمها وشرب منها، كما رواه أبو داود
والترمذيُّ(٣) ، من طريق عبد الله العمريِّ، عن عيسى بن عبد الله بن أنيس ، عن أبيه . ثم قال الترمذيُّ:
وليس إسناده يصحُ ، وعبد الله العمريُّ ضعيف من قبل حفظه .
** *
قصة عمرو بن العاص مع النجاشي وإسلامه (٤)
قال محمد بن إسحاق (٥)، بعد مقتل أبي رافع: وحدَّثني يزيد بن أبي حبيب، عن راشد(٦) مولى
حبيب بن أبي أوس الثَّقَفيِّ ، عن حبيب بن أبي أوس ، حدَّثني عمرو بن العاص ، مِن فيه ، قال : لما
انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق ، جمعت رجالًا من قريش كانوا يرون رأيي ، ويسمعون مني ، فقلت
لهم : تعلمون والله أني أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّاً منكراً ، وإني قد رأيت أمراً ، فما ترون فيه ؟
قالوا : وما رأيت ؟ قال : رأيت أن نلحق بالنجاشيِّ فنكون عنده ، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند
النجاشيِّ ، فإنّا أن نكون تحت يديه أحبُّ إلينا من أن نكون تحت يدي محمد ، وإن ظهر قومنا فنحن من قد
عرفوا ، فلن يأتينا منهم إلا خير . قالوا : إنّ هذا الرأي . قلت : فاجمعوا لنا ما نُهدي له . وكان أحبَّ
ما يهدى إليه من أرضنا الأَدَم٧ُ) ، فجمعنا له أدماً كثيراً ، ثم خرجنا حتى قدمنا عليه ، فوالله إنا لعنده ، إذ
جاءه عمرو بن أمية الضَّمريُّ، وكان رسول الله بَ ل قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه . قال : فدخل
عليه ثم خرج من عنده . قال : فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن أمية ، لو قد دخلتُ على النجاشيّ فسألته
إيّاه فأعطانيه فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد .
قال : فدخلت عليه ، فسجدت له كما كنت أصنع . فقال : مرحباً بصديقي ، هل أهديت لي من بلادك
(١) وقال ابن حجر العسقلاني: ((ومات بالشام في خلافة معاوية، سنة أربع وخمسين، ووهم من قال سنة ثمانين)).
انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٢/ ١٩٢ ).
(٢) انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٢/ ١٩٢).
(٣) رواه أبو داود رقم (٣٧٢١)، والترمذي رقم (١٨٩١).
(٤) لفظ ((وإسلامه)) لم يرد في ( ط ).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٧٦).
(٦) في (أ): ((وحدثني يريد بن أبي حبيب، عن أبي حبيب، عن راشد ... )) وهو وهم من ناسخها، والله أعلم ،
وأثبت لفظ ( ط ) وهو موافق لما في (( السيرة النبوية)) لابن هشام التي بين يدي ، طبع دار ابن كثير.
(١) الأدم : الجلد .

٣٤٦
ذكر قصة عمرو بن العاص مع النجاشي وإسلامه
شيئاً ؟ قال : قلت : نعم أيُّها الملك ، قد أهديت لك أَدَماً كثيراً . قال : ثم قرَّبتُه إليه ، فأعجبه واشتهاه ،
ثم قلت له : أيُّها الملك ، إني قد رأيت رجلاً خرج من عندك ، وهو رسول رجل عدوّ لنا ، فأعطنيه
لأقتله ؛ فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا . قال : فغضب ثم مدَّيده ، فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد
كسره ، فلو انشقَّت الأرض لدخلت فيها فرَقاً منه. ثم قلت له : أيُّها الملك ، والله لو ظننت أنك تكره هذا
ما سألتكه . قال : أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى لتقتله ؟!
قال : قلت : أيُّها الملك ، أكذاك هو؟ قال : ويحك يا عمرو! أطعني واتَّبعه ، فإنَّه والله لعلى الحقِّ ،
وليظهرنَّ على من خالفه ، كما ظهر موسى بن عِمْرَان على فرعون وجنوده . قال : قلت : أفتبايعني له
على الإسلام ؟ قال : نعم . فبسط يده ، فبايعته على الإسلام ، ثم خرجت على أصحابي وقد حال رأيي
عما كان عليه ، وكتمت أصحابي إسلامي، ثم خرجت عامداً إلى رسول الله وَّ لأسلم ، فلقيت خالد بن
الوليد ، وذلك قبيل الفتح ، وهو مقبل من مكة ، فقلت : أين أبا سليمان ؟ فقال : والله لقد استقام
المِيسم، وإنَّ الرجل لنبيّ، أذهب والله فأسلم، فحتى متى ؟ قال : قلت : والله ما جئت إلا لأسلم. قال :
فقدمنا المدينة على النبيِّ بَّرَ، فتقدَّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت : يا رسول الله ، إني
أبايعك على أن يغفر لي ما تقدَّم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخّر. قال: فقال رسول الله وَّير: (( يا عمرو ،
بايع فإن الإسلام يجبُّ ما كان قبله ، وإن الهجرة تجبُّ ما كان قبلها)) . قال : فبايعته ثم انصرفت .
قال ابن إسحاق(١): وقد حدَّثني من لا أتَّهم أن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة كان معهما ، أسلم
حين أسلما ، فقال عبد الله بن الزِّبَعْرى السَّهميُّ(٢): [من الطويل ]
ومُلقى نِعَال القومِ عند المُقَبَّلِ
أَنْشُدُ عُثمان بن طلحة حِلْفَنَا
وما خالدٌ من مثلها بمحلَّلٍ
وما عَقَدَ الآباءُ من كلِّ حِلفة
وما يبتغى من مَجْدٍ بيتٍ مؤثّلٍ
أمفتاحَ بيتٍ غير بيتكَ تبتغي
وعثمان جاءا بالدُّهيم المعضَّلِ
فلا تأمننَّ خالداً بعد هذه
قلت : كان إسلامهم بعد الحُديبية ، وذلك أن خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين ، كما
سيأتي بيانه ، فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب ، ولكن ذكرنا ذلك تبعاً للإمام محمد بن
إسحاق ، رحمه الله تعالى ؛ لأن أول ذهاب عمرو بن العاص إلى النجاشيٍّ كان بعد وقعة الخندق ،
والظاهر أنه ذهب في بقيّة سنة خمس ، والله أعلم .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٧٨/٢).
(٢) الأبيات في ((شعر عبد الله بن الزبعرى)) ص (٤٤).

٣٤٧
ذكر زواج النبّي ◌ِّ بأم حبيبة رضي الله عنها
فصل
في تزويج الشَّبِيِّ وَّ بِأَم حَبيبة بنت أبي سُفْيَانُ(١)
ذكر البيهقيُّ(٢) بعد وقعة الخندق من طريق الكلبيِّ ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس في قوله تعالى :
﴿﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ يَبْتَكُمْ وَبَيّنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ قَوَدَّةٌ﴾ [الممتحنة: ٧]. قال: هو تزويج النبي ◌َّ بأم
حبيبة بنت أبي سفيان ، فصارت أمَّ المؤمنين ، وصار معاوية خال المؤمنين .
ثم قال البيهقيُّ(٣): أنبأ أبو عبد الله الحافظ ، ثنا علي بن عيسى(٤) ، ثنا أحمد بن نجدة ، ثنا يحيى بن
عبد الحميد ، أنبأ ابن المبارك ، عن معمر ، عن الزُّهريِّ ، عن عُرْوَة ، عن أُمّ حبيبة ، أنها كانت عند
عبيد الله بن جحش، وكان رحل إلى النجاشيِّ فمات، وأن رسول اللهَ وَل تزوَّج بأُمِّ حبيبة وهي بأرض
الحبشة ، وزوَّجها إيّاه النجاشيُّ، ومَهَرَهَا أربعة آلاف درهم ، وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهَّزها
من عنده، وما بعث إليها رسول الله وَ ◌ّر بشيء. قال: وكان مهور أزواج النبيِّ وَّل أربعمئة.
قلت : الصحيح أن مهور أزواج النبيِّ وَّ كانت ثنتي عشرة أوقيَّة ونشّاً، والأوقيَّة أربعون درهماً،
والنَّشُّ : النصف ، وذلك يعدل خمسمئة درهم .
ثم روى البيهقيُّ(٥)، من طريق ابن لهيعة، عن أبي الأسود ، عن عُزْوَة ، أن عبيد الله بن جحش مات
بالحبشة نصرانيّاً، فَخَلَفَ على زوجته أَمِّ حبيبة رسول الله وَّه، زوَّجها منه عثمان بن عَفَّان، رضي الله
عنه .
قلت : أمّا تنصُّر عبيد الله بن جَحْش فقد تقدَّم بيانه ، وذلك على أثر ما هاجر مع المسلمين إلى أرض
الحبشة ؛ استزلَّه الشيطان فزيَّن له دين النَّصارى ، فصار إليه حتى مات ، عليه لعنة الله ، وكان يلقى
المسلمين فيقول لهم : أبصرنا وصأصأتم(٦) . وقد تقدَّم شرح ذلك في هجرة الحبشة . وأما قول عُروة :
إنَّ عثمان زوَّجها منه فغريب ؛ لأن عثمان كان قد رجع إلى مَكَّة قبل ذلك ، ثم هاجر إلى المدينة وصحبته
زوجته رُقيَّة كما تقدَّم ، والله أعلم .
(١) ترجمتها ومصادرها في ((جامع الأصول)) (٢٥٥/١٢) بتحقيقي، وقوله: ((بنت أبي سفيان)) لم يرد في (ط ).
(٢) في ((دلائل النبوة)) (٤٥٩/٣).
(٣) في ((دلائل النبوة)) (٤٦٠/٣).
(٤) سقط من ( ط ) .
(٥) في ((دلائل النبوة)) ( ٣/ ٤٦٠) وهي رواية ضعيفة لضعف ابن لهيعة.
(٦) أي: أبصرنا أمرنا ولم تبصروا أمركم. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (٣/ ٣٠).

٣٤٨
ذكر زواج النبي وسة بأم حبيبة رضي الله عنها
والصحيح ما ذكره يونس ، عن محمد بن إسحاق قال : بلغني أن الذي ولي نكاحها ابن عَمِّها خالد بن
سعيد بن العاص .
قلت: وكان وكيل رسول الله وَّمه في قبول العقد أَصْحَمَة النجاشيُّ ملك الحبشة ، كما قال يونس ،
عن محمد بن إسحاق: حدَّثني أبو جعفر محمد بن عليٍّ بن الحسين قال: بعث رسول الله وَ ل عمرو بن
أُميَّة الضَّمريَّ إلى النجاشيِّ، فزوَّجه أمَّ حَبيبة بنت أبي سفيان ، وساق عنه أربعمئة دينار .
وقال الزُّبير بن بكَّارُ(١): حدَّثني محمد بن الحسن ، عن أبيه ، عن عبد الله بن عمرو بن زهير ، عن
إسماعيل بن عمرو ، أن أمّ حبيبة بنت أبي سفيان قالت : ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشيِّ
جارية يقال لها : أَبرهة . كانت تقوم على ثيابه ودهنه ، فاستأذنت عليَّ فأذنت لها ، فقالت : إن الملك
يقول لك: إن رسول الله وَ ﴿ل كتب إليَّ أن أُزوّجكِه. فقلت: بشَّرك الله بالخير. وقالت: يقول لك
الملك : وكِّلي من يزوِّجك . قالت : فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص ، فوَّلته ، وأَعطيت أَبرهة
سوارين من فضَّة، وخدمتين(٢) من فضة كانتا عليَّ ، وخواتيم من فضة كانت في كلِّ أصابع رجليَّ ؛
سروراً بما بشَّرتني به ، فلما أن كان من العشيِّ أمر النجاشيُّ جعفر بن أبي طالب ومن كان هناك من
المسلمين أن يحضروا ، وخطب النجاشيُّ وقال : الحمد لله، الملك القدُّوس السلام ، المؤمن المهيمن
العزيز الجبار ، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، وأنه الذي بشَّر به عيسى ابن مريم ، أمَّا
بعد ، فإن رسول الله وَّل كتب إليَّ أن أزوجه أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله
وَلّ ، وقد أصدقتها أربعمائة دينار . ثم سكب الدنانير بين يدي القوم، فتكلَّم خالد بن سعيد فقال:
الحمد لله ، أحمده وأستغفره ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أرسله بالهدى
ودين الحقِّ ليظهره على الدين كلَّه ولو كره المشركون ، أمّا بعد ، فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله
وَلَّ، وزوَّجته أمَّ حبيبة بنت أبي سفيان، فبارك الله لرسول الله وضَّه. ودفع النجاشيُّ الدنانير إلى خالد بن
سعيد فقبضها ، ثم أرادوا أن يقوموا ، فقال : اجلسوا ، فإن من سنة الأنبياء إذا تزوَّجوا أن يؤكل طعام على
التزويج ، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرّقوا .
قلت : فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أمية خارجاً من عند النجاشيِّ بعد الخندق إنما كان
في قضية أُمَّ حبيبة ، فالله أعلم .
لكن قال الحافظ البيهقيُ(٣): ذكر أبو عبد الله بن منده أن تزويجه، عليه السلام، بأُمّ حبيبة كان في
سنة ستّ ، وأن تزويجه بأُمِّ سلمة كان في سنة أربع .
(١) انظر ((دلائل النبوة)) ( ٣/ ٤٦١).
(٢) أي : خلخالين.
(٣) في ((دلائل النبوة)) (٤٦٢/٣).

٣٤٩
ذكر زواج النبّي ◌َّ بأم حبيبة رضي الله عنها
قلت : وكذا قال خليفة ، وأبو عُبيدة مَعْمَر بن المثنَّى، وابن البرقيِّ : إن تزويج أُمِّ حبيبة كان في سنة
ستّ . وقال بعض الناس : سنة سبع .
قال البيهقي: وذهب ابن إسحاق إلى أنه وَّ تزوج بأُم حبيبة قبل أُمّ سلمة.
قال البيهقيُّ : وهو أشبه .
قلت : قد تقدَّم تزويجه ، عليه السلام ، بأُمّ سلمة في أواخر سنة أربع ، وأمَّا أُمُّ حبيبة فيحتمل أن
يكون قبل ذلك ، ويحتمل أن يكون بعده ، وكونه بعد الخندق أشبه ؛ لما تقدَّم من ذكر عمرو بن العاص
أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشيِّ، فهو في قضيتها ، والله أعلم .
وقد حكى الحافظ ابن الأثير في (( الغابة)(١) عن قتادة ، أن أمّ حبيبة لما هاجرت من الحبشة إلى
المدينة خطبها رسول الله وَ لٍّ وتزوَّجها. وحَكَى عن بعضهم أنه تزوَّجها بعد إسلام أبيها بعد الفتح ، واحتجَّ
هذا القائل بما رواه مسلم(٢) من طريق عكرمة بن عمَّار اليماميّ(٣) ، عن أبي زميل سماك بن الوليد ، عن
ابن عباس أن أبا سفيان قال: يا رسول الله، ثلاث أعطنيهن. قال: ((نعم)). قال: تؤمّرني على أن
أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال: ((نعم)) . قال : ومعاوية تجعله كاتباً بين يديك. قال :
((نعم)). قال : وعندي أحسن العرب وأجملهم أمُّ حبيبة بنت أبي سفيان أزوِّجكها ... الحديث بتمامه.
قال ابن الأثير : وهذا الحديث مما أُنكر على مسلم ؛ لأن أبا سُفيان لما جاء يجدِّد العقد قبل الفتح ،
دخل على ابنته أمّ حبيبة فثنت عنه فراش النبيِّ وَّ ، فقال: والله ما أدري أرغبتِ بي عنه ، أو به عني ؟
قالت: بل هذا فراش رسول الله وَ له، وأنت رجل مشرك. فقال : والله لقد أصابك بعدي يا بنيّة شرّ.
وقال ابن حزم : هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمَّار . وهذا القول منه لا يتابع عليه .
وقال آخرون : أراد أن يجدِّد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه .
وقال بعضهم : لأنه اعتقد انفساخ نكاح ابنته بإسلامه . وهذه كلُّها ضعيفة ، والأحسن في هذا أنه أراد
أن يزوِّجه ابنته الأخرى عزَّة ، لما رأى في ذلك من الشرف له ، واستعان بأختها أُمّ حبيبة كما في
(( الصحيحين )(٤) ، وإنما وهم الراوي هذا بتسميته أُمَّ حبيبة، وقد أفردنا لذلك جزءاً مفرداً .
قال أبو عبيد القاسم بن سلام: توقِيت أُمُ حبيبة سنة أربع وأربعين(٥).
(١) انظر ((أسد الغابة)) ( ١١٦/٧).
(٢) في (صحيحه)) رقم (٢٥٠١).
(٣) في (ط): ((اليماني)) وهو خطأ، وانظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٣١/٣).
(٤) رواه البخاري رقم (٥١٠١) و(٥١٠٦) و(٥٣٧٢) ومسلم رقم (١٤٤٩).
(٥) وهو ما جزم به ابن العماد الحنبلي في ((شذرات الذهب)) (٢٣٦/١) بتحقيقي .

٣٥٠
ذكر زواج النبي لة بزينب بنت جحش رضي الله عنها
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة : توفِيت قبل معاوية بسنة ، وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين .
تزويجه ، عليه السلام ، بزينب بنت جحش(١)
وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب، عمَّة رسول الله وَله، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة
رضي الله عنه .
قال قتادة ، والواقدي ، وبعض أهل المدينة : تزوَّجها ، عليه السلام ، سنة خمس . زاد بعضهم :
في ذي القعدة .
قال الحافظ البيهقيُّ : تزوَّجها بعد بني قريظة .
وقال خليفة بن خيَّاط ، وأبو عبيدة معمر بن المثنَّى، وابن منده : تزوّجها سنة ثلاث . والأول
أشهر ، وهو الَّذي سلكه ابن جرير وغير واحد من أهل التاريخ .
وقد ذكر غير واحد من المفسِّرين ، والفقهاء ، وأهل التاريخ في سبب تزويجه إيَّاها ، عليه السلام ،
حديثاً ذكره أحمد بن حنبل في (( مسنده)(٢) تركنا إيراده قصداً؛ لئلاَّ يضعه بعض من لا يفهم على غير
موضعه، وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىّ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ
وَتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَنَّهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّحْنَكَهَا لِكَ لَا
يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِيَ أَرْوَجٍ أَدْعِيَابِهِمْ إِذَا قَضَوْاْ مِنْهُنَّ وَطَرَأْ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٦) مَّا كَانَ عَلَى النَِّّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ
اللَّهُ لَهِّ سُنَّةَ اللَّهِ فِ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ [الأحزاب: ٣٧ -٣٨].
وقد تكلَّمنا على ذلك في (( التفسير )(٣) بما فيه كفاية .
فالمراد بالَّذي أنعم الله عليه - هاهنا - زيد بن حارثة، مولى رسول الله وَّه، أنعم الله [عليه ]
بالإسلام ، وأنعم عليه رسول الله وَلير بالعتق، وزوَّجه بابنة عمَّته زينب بنت جحش .
قال مُقاتل بن حيَّان : وكان صداقه لها عشرة دنانير وستين درهماً وخِمَاراً، وملحفةً ودرعاً،
وخمسين مُدّاً من طعام ، وعشرة أمداد من تمر ، فمكثت عنده قريباً من سنة أو فوقها ، ثم وقع بينهما ،
فجاء زوجها يشكوها إلى رسول الله وَليره، فجعل صلى الله عليه وسلم يقول له: (( اتق الله وأمسك عليك
زوجك)). قال الله: ﴿ وَتُخْفِى فِ نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ ﴾.
(١) ترجمتها ومصادرها في ((جامع الأصول)) (١٢ / ٢٥٣) بتحقيقي .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) ( ١٤٩/٣).
(٣) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (٤١٩/٦).

٣٥١
ذكر زواج النبي مئة بزينب بنت جحش رضي الله عنها
قال علي بن الحسين زين العابدين ، والسُّدِّيُّ : كان الله قد أعلمه أنها ستكون من أزواجه ، فهو الذي
كان في نفسه ، عليه السلام . وقد تكلم كثير من السَّلف بآثار غريبة ، وبعضها فيه نظر ، تركناها قصداً .
قال الله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَحْنَكَهَا﴾ وذلك أنَّ زيداً طلَّقها ، فلما انقضت عدتها،
بعث إليها رسول الله وعليه ، يخطبها إلى نفسها ، ثم تزوجها ، وكان الذي زوَّجها منه ربُّ العالمين تبارك
وتعالى (١)، كما ثبت في ((صحيح البخاري)(٢) عن أنس بن مالك ، أن زينب بنت جحش كانت تفخر
على أزواج النبي رَ ﴿ فتقول: زوجكنَّ أهاليكنَّ، وزوَّجني الله من فوق سبع سماوات .
وفي رواية (٣) من طريق عيسى بن طَهْمَان، عن أنس قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي بَ ل
وتقول : أنكحني الله من السماء .
وفيها أنزلت آية الحجاب: ﴿يََّيُّهَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَ نَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ غَيْرَ
نَظِرِينَ إِنَنَهُ﴾ الآية [ الأحزاب: ٥٣].
وروى البيهقي(٤) من حديث حَمَّاد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس قال : جاء زيد يشكو زينب ، فجعل
رسول الله وَ له يقول: ((اتق الله، وأمسك عليك زوجك)). قال أنس: فلو كان رسول الله وَ لل كاتماً شيئاً
لكتم هذه، فكانت تفخر على أزواج النَّبِيِّ بَ لّ تقول: زوَّجكن أهاليكنَّ، وزوَّجني الله من فوق سبع
سماوات . ثم قال : رواه البخاري ، عن أحمد ، عن محمد بن أبي بكر المقدَّمي ، عن حمّاد بن زيد .
ثم روى البيهقيُّ(٥) من طريق عَفَّان ، عن حَمَّاد بن زيد ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : جاء زيد يشكو
إلى رسول الله ◌َ من زينب بنت جحش، فقال النبي وَ ير: ((أمسك عليك أهلك)). فنزلت: ﴿ وَتُخْفِىفِی
نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ﴾. ثم قال: [ رواه ] البخاري(٦)، عن محمد بن عبد الرحيم، عن معلَّى بن
منصور ، عن حَمَّاد مختصراً .
وقال ابن جرير : ثنا ابن حميد ، ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن الشعبي قال : كانت زينب تقول للنبي
وَّهِ: إِنِّي لأَدِلُّ عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدِلُّ بهنَّ؛ أنَّ جدِّي وجدَّك واحد - تعني عبد المطّلب،
فإنه أبو أَبي النبي ◌َِّ وأبو أُمِّها أُميمة بنت عبد المطلب - وأني أنكحنيك الله، عزَّ وجلَّ، من السماء ، وأن
السفير جبريل ، عليه السلام .
(١) قلت: واعتبر الإمام ابن القيم ذلك من خواصّها. انظر ((زاد المعاد)) (١٠٥/١).
(٢) رواه البخاري رقم (٧٤٢٠) .
(٣) وهي عند البخاري رقم (٧٤٢١) وعند النسائي في ((السنن الكبرى)) (١١٤١١) باللفظ الذي ساقه المؤلف
رحمه الله .
(٤) انظر ((دلائل النبوة)) (٤٦٥/٣).
(٥) انظر ((دلائل النبوة)) ( ٤٦٦/٣).
(٦) وهو في ((صحيحه )) رقم ( ٤٧٨٧) .

٣٥٢
ذكر نزول آية الحجاب
وقال الإمام أحمد(١): ثنا هاشم - يعني ابن القاسم أبا النَّضر - ثنا سليمان بن المغيرة ، عن ثابت ،
عن أنس قال: لما انقضت عدَّة زينب، قال النبيُّ وَّ لزيد: ((اذهب فاذكرها عليَّ)). فانطلق حتى أتاها
وهي تخمِّر عجينها . قال : فلمَّا رأيتها ، عَظمت في صدري ، حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أنَّ رسول الله
وَلّ ذكرها، فولَّيتها ظهري، ونكصت على عقبيَّ وقلت: يا زينب، أبشري، أرسلني رسول الله وله
يذكرك . قالت : ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربِّي، عزَّ وجلَّ . فقامت إلى مسجدها ، ونزل القرآن ،
وجاء رسول الله وَّ فدخل عليها بغير إذن. قال أنس: ولقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله اليه ،
أطعمنا عليها الخبز واللحم ، فخرج الناس ، وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطَّعام ، فخرج
رسول الله ◌ِّله واتَّبعتُه، فجعل يتَبَّع حُجَر نسائه يسلّم عليهنَّ، ويقلن: يا رسول الله لَ ◌ّل، كيف وجدت
أهلك ؟ فما أدري أنا أخبرته أنَّ القومُ(٢) قد خرجوا، أو أُخبر . قال: فانطلق حتى دخل البيت ، فذهبت
أدخل معه ، فألقى السِّتر بيني وبينه ، ونزل الحجاب، ووعِظ القوم بما وعِظوا به ﴿لَنَدْ خُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ
أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ ﴾ الآية .
وكذا رواه مسلم والنسائي(٣) من طرق، عن سليمان بن المغيرة .
ذکر
نزول الحِجَابِ صَبيحة عُرْسِهَا٤) الذي ولي الله عقد نكاحه
فناسب نزول الحجاب في هذا العرس صيانة لها ولأَخواتها من أُمَّهَات المؤمنين ، وذلك وفق الرأي
العُمَريِّ .
قال البخاريُّ(٥) : ثنا محمد بن عبد الله الرّقاشيُّ، ثنا معتمر بن سليمان، سمعت أبي ، ثنا
أبو مجلز، عن أنس بن مالك قال: لما تزوَّج رسول الله وَ لَ زينب بنت جحش دعا القوم فطَعِمُوا ثم جلسوا
يتحدَّثون ، فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا ، فلمَّا رأى ذلك قام ، فلمّا قام ، قام من قام ، وقعد ثلاثة نفرٍ ،
وجاء النبي ◌َّ ليدخل فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي بَ لو أنهم قد
(١) رواه أحمد في ((المسند)) ( ١٩٥/٣).
(٢) في ( ط): ((والقوم)).
(٣) رواه مسلم رقم (١٤٢٨) والنسائي رقم (٣٢٥١).
(٤) يعني زينب بنت جحش رضي الله عنها وأرضاها، وقوله: ((الذي ولي الله عقد نكاحه)) لم يرد في ( ط ).
(٥) رواه البخاري رقم ( ٤٧٩١) .

٣٥٣
ذكر نزول آية الحجاب
انطلقوا ، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه، فأنزل الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَمَنُواْ لَ نَدْ خُلُواْ بُوتَ النَّبِّ﴾ الآية [ الأحزاب: ٥٣].
وقد رواه البخاري في مواضع أُخر ومسلم والنسائي(١)، من طرق عن معتمر .
ثم رواه البخاريُّ(٢) منفرداً به من حديث أيوب ، عن أبي قلابة ، عن أنس ، بنحوه .
وقال البخاري(٣): ثنا أبو معمر ، ثنا عبد الوارث ، ثنا عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس بن مالك ،
قال: بُنِيَ على النبي ◌ِّه بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فَأُرْسِلْتُ على الطعام داعياً، فيجىء قوم
فيأكلون ويخرجون ، ثم يجىء قوم فيأكلون ويخرجون ، فدعوت حتى ما أجد أحداً أدعوه ، فقلت :
يا نبيَّ الله، ما أجد أحداً أدعوه. قال: ((فارفعوا طعامكم)). وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت،
فخرج النبي بَّر، فانطلق إلى حجرة عائشة فقال: ((السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته)).
قالت : وعليك السلام ورحمة الله ، كيف وجدت أهلك ، بارك الله لك ؟ فتقرَّى(٤) حُجَر نسائه كلِّهن ،
يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقُلن له كما قالت عائشة، ثم رجع النبي وَّر، فإذا رهط ثلاثة في البيت
يتحدثون، وكان النبي ◌َّ﴾ شديد الحياء، فخرج منطلقاً نحو حجرة عائشة، فما أدري آخْبَرْتُهُ، أم أُخبر
أن القوم خرجوا ؟ فخرج حتى إذا وضع رجله في أُسكفَّة الباب(٥) داخلة(٦) وأخرى خارجة ، أرخى السِّتر
بيني وبينه ، وأَنزلت آية الحجاب . تفرَّد به البخاريُّ من هذا الوجه .
ثم رواه(٧) منفرداً به أيضاً ، عن إسحاق ــ هو ابن منصور - عن عبد الله بن بكر السَّهميِّ، عن حميد ،
عن أنس ، بنحو ذلك ، وقال : رجلان ، بدل : ثلاثة ، فالله أعلم .
قال البخاريُّ(٨): وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن الجَعْد أبي عثمان، عن أنسٍ ، فذكر نحوه .
وقد قال ابن أبي حاتم(٩) : ثنا أبي، ثنا أبو المظفَّر ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن الجعد أبي عثمان
اليشكريِّ، عن أنس بن مالك، قال: أَعْرَس رسول الله وِّ ببعض نسائه، فصنعت أُمُّ سُلَيم حَيْساً ثم
(١) هو عند البخاري رقم (٦٢٣٩) و(٦٢٧١) وعند مسلم رقم (١٤٢٨) (٩٢) وعند النسائي في (( السنن الكبرى))
( ١١٤٢٠ ).
(٢) في (( صحيحه)) رقم (٤٧٩٢) .
(٣) رواه البخاري رقم ( ٤٧٩٣) .
(٤) أي : تتبع .
(٥) أي: عتبته. انظر ((مختار الصحاح)) (سكف).
(٦) لفظ ((داخلة)) سقط من ( ط ).
(٧) يعني البخاري في (( صحيحه )) رقم (٤٧٩٤).
(٨) في ((صحيحه)) رقم (٥١٦٣) تعليقاً .
(٩) وذكره المؤلف في ((تفسير القرآن العظيم)) (٤٤٢/٦).

٣٥٤
ذكر نزول آية الحجاب
وضعته في تَوْر (١)، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله وَّه، وأخبره أنَّ هذا مِنَّا له قليل. قال أنس:
والناس يومئذ في جهد ، فجئت به فقلت : يا رسول الله بعثتْ بهذا أمُّ سُلَيم إليك ، وهي تقرئك السلام
وتقول: أخبره أن هذا منّا له قليل. فنظر إليه ثم قال: (( ضعه)) . فوضعتُه في ناحية البيت ، ثم قال :
((اذهب فادع لي فلاناً وفلاناً)) فسمَّى رجالاً كثيراً. قال: ((ومن لقيتَ من المسلمين)). فدعوت من قال
لي ، ومن لقيت من المسلمين ، فجئت والبيت والصُّفة والحُجْرَة ملأى من الناس ، فقلت : يا أبا
عثمان، كم كانوا؟ قال: كانوا زهاء ثلاثمئة. قال أنس: فقال لي رسول الله وَّل: ((جىء به)). فجئت
به إليه، فوضع يده عليه ودعا، وقال: (( ما شاء الله)). ثم قال: ((ليتحلّق عشرة عشرة، ويُسَمُّوا،
وليأكل كلُّ إنسان مما يليه)). فجعلوا يسمُّون ويأكلون حتى أكلوا كلَّهم، فقال لي رسول الله وَليّةٍ :
((ارفعه)). قال: فجئت فأخذت التَّوْر فنظرت، فما أدري أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته . قال :
وتخلَّف رجال يتحدَّثون في بيت رسول الله بَّه، وزوج رسول الله وَّل التي دخل بها معهم مولِّية وجهها إلى
الحائط، فأطالوا الحديث، فشقُّوا على رسول الله وَ ◌ّه، وكان أشدَّ الناس حياءً، ولو علموا كان ذلك
عليهم عزيزاً ، فقام رسول الله بِّه، فخرج فسلّم على حجره وعلى نسائه ، فلمَّا رأوه قد جاء ظنُّوا أنهم قد
ثقَّلوا عليه ، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله وَ لَّ، حتى أرخى السِّتر، ودخل البيت وأنا في
الحجرة، فمكث رسول اللّه مَّل في بيته يسيراً، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية :
· يَأَُهَا الَّذِينَ ءَمَنُوْ لَا نَدْخُلُواْ بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامِ غَيْرَ نَظِرِينَ إِنَنْهُ وَلَكِنْ إِذَا دُ عِيتُمْ فَادْ خُلُواْ فَإِذَا
طَعِمْتُمْ فَأَنْتَشِرُواْ وَلَا مُسْتَْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِى النَّبِىِّ فَيَسْتَحِىء مِنكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَخِىء مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا
سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَعًا [ فَسْئَلُوهُنَّ] مِن وَرَآءٍ حَجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُواْ رَسُولَ
اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنكِحُواْ أَزْوَجَهُ مِنْ بَعْدِهِ، أَبَدَّأَ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا (٢) إِن تُبْدُواْ شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلّ
شَىْءٍ عَلِيمًا﴾ [ الأحزاب: ٥٣ - ٥٤]. قال أنس: فقرأهن عليَّ قبل الناس، وأنا أَحْدَثُ الناس بهن عهداً.
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي(٢) جميعاً، عن قتيبة ، عن جعفر بن سليمان ، عن الجعد أبي
عثمان به . وقال الترمذي : حسن صحيح .
ورواه مسلم أيضاً(٣) ، عن محمد بن رافع ، عن عبد الرزّاق ، عن معمر ، عن الجعد أبي عثمان ، به.
وقد روى هذا الحديث البخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ(٤) ، من طرق، عن بيان أبي بشر الأحمسيِّ
الكوفيِّ ، عن أنس ، بنحوه .
(١) أي: في إناء. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (١٩٩/١).
(٢) رواه مسلم رقم (١٤٢٨) (٩٤) والترمذي رقم (٣٢١٨) والنسائي رقم (٣٣٨٧).
(٣) في ((صحيحه)) رقم (١٤٢٨) (٩٥).
(٤) رواه البخاري رقم (٥١٧٠) والترمذي رقم (٣٢١٩) والنسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (١١٤١٧).

٣٥٥
ذكر نزول آية الحجاب
ورواه ابن أبي حاتم (١) من حديث أبي نَضْرَةَ العَبْدي ، عن أنس ، بنحوه ، ولم يخرجوه .
ورواه ابن جرير(٢) ، من حديث عمرو بن سعيد ، ومن حديث الزهري ، عن أنس ، بنحو ذلك .
قلت : كانت زينب بنت جحش ، رضي الله عنها ، من المهاجرات الأُوَل ، وكانت كثيرة الخير
والصَّدقة، وكان اسمها أولاً بَرَّة فسمَّاها النبيُّ نَ ◌ّه زينب، وكانت تُكنَّى بِأُمِّ الحكم، قالت عائشة،
رضي الله عنها : ما رأيت امرأة قطُ خيراً في الدِّين من زينب ، وأتقى لله ، وأصدق حديثاً ، وأوصل
للرّحم ، وأعظم أمانة وصدقة .
وثبت في (( الصحيحين)(٣) كما سيأتي في حديث الإفك ، عن عائشة أنها قالت : وسأل رسول الله
وَثّ عنِّي زينب بنت جحش، وهي التي كانت تُسَاميني من نساء النبي ◌َّر، فعصمها الله بالورع، فقالت:
يا رسول الله ، أحمي سمعي وبصري ، ما علمت إلَّا خيراً .
وقال مسلم بن الحجاج في (( صحيحه)(٤) : ثنا محمود بن غيلان ، ثنا الفضل بن موسى السِّينانيُّ ،
ثنا طلحة بن يحيى بن طلحة ، [ عن عائشة بنت طلحة ] ، عن عائشة أمّ المؤمنين قالت : قال رسول الله
وَّة: ((أسرعكنَّ لُحوقاً بي أطولكن يداً)). قال: فكنّا نتطاول أَيُّنا أطول يداً . قالت: فكانت زينب
أطولنا يداً ؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدَّق . انفرد به مسلم .
قال الواقديُّ وغيره من أهل السِّير والمغازي والتَّواريخُ(٥): توقِّيت سنة عشرين من الهجرة، وصلَّى
عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب ، رضي الله عنه، ودفنت بالبقيع ، وهي أول امرأة صُنِعَ لها النَّعش .
(١) وذكره المؤلف في ((تفسير القرآن العظيم)) (٤٤٣/٦).
(٢) انظر ((تفسير الطبري)) ( ٢٢/ ٣٧).
(٣) رواه البخاري رقم (٤٧٥٠) ومسلم رقم (٢٧٧٠).
(٤) رقم (٢٤٥٢) .
(٥) انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (١١٥/٨)، و((تاريخ الطبري)) (١١٣/٤)، و((شذرات الذهب))
(١٧١/١) بتحقيقي .

٣٥٦
أحداث سنة ٦ هـ
سنة ست من الهجرة النبوية
قال البيهقي(١) : يقال: في المحرم منها كانت سرية محمد بن مسلمة قِبَلَ نجد ، وأسروا فيها
ثُمامة بن أُثال اليمامي .
قلت : لكن في سياق ابن إسحاق ، عن سعيد المقبريِّ ، عن أبي هريرة ، أنه شهد ذلك ، وهو إنما
هاجر بعد خيبر ، فتؤخَّر إلى ما بعدها ، والله أعلم .
وهي السنة التي كان في أوائلها غزوة بني لِحْيَان ، على الصحيح .
قال ابن إسحاق(٢) : وكان فتح بني قريظة في ذي القعدة وصدر من ذي الحجّة ، وولي تلك الحجّة
المشركون . يعني في سنة خمس كما تقدَّم. قال: ثم أقام رسول الله وَ ◌ّر بالمدينة ذا الحجّة والمحرَّم
وصفراً وشهري ربيع ، وخرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح بني قريظة إلى بني لحيان
يطلب بأصحاب الرَّجيع، خُبيب وأصحابه ، وأظهر أنه يريد الشام ليصيب من القوم غِرَّةً .
قال ابن هشام(٣): واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم، والمقصود أنه ، عليه السلام ، لما انتهى
إلى منازلهم هربوا من بين يديه ، فتحصَّنوا في رؤوس الجبال فمال إلى عُسْفَان فلقي بها جمعاً من
المشركين ، وصلَّى بها صلاة الخوف .
وقد تقدَّم ذِكر هذه الغزوة في سنة أربع ، وهنالك ذكرها البيهقيُّ ، والأشبه ما ذكره ابن إسحاق أنها
كانت بعد الخندق ، فإنّ صلاة الخوف على المشهور إنما فُعلت بعد يوم الخندق .
وقد ثبت أنه صلَّى بعُسْفَان يوم بني لحيان ، فلتكتب هاهنا ، وتحوَّل من هناك اتِّباعاً لإمام أصحاب
المغازي في زمانه وبعده ، كما قال الشافعيُّ رحمه الله : من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن
إسحاق .
وقد قال كعب بن مالك(٤) في غزوة بني لحيان: [ من الطويل ]
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (٧٨/٤).
(٢) انظر (٢٧٩/٢).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٧٩/٢).
(٤) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٩٤).

٣٥٧
ذكر غزوة ذي قرد
لِقُوا عُصَباً في دارهم ذات مَصْدَقِ
لَوَ أَنَّ بني لحيان كانوا تناظروا
أمام طَحونٍ كالمجرَّة فيلقٍ
لِقُوا سَرَعاناً يملأ السَّرب روعه
شِعابَ حجارٍ غير ذي متنفَّقِ
ولكنَّهم كانوا وِباراً تتبَّعت
* **
غَزْوَة ذي قرد
قال ابن إسحاق(١): ثم قدم رسول الله وَ ل المدينة، فلم يقم بها إلّ ليالي قلائل ، حتى أغار عيينة بن
حصن [ بن حذيفة ] بن بدر الفَزَاريُّ، في خيل من غطفان على لقاح النبيِّ وَّ بالغابة، وفيها رجلٌ من بني
غِفَار ومعه امرأته ، فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللّقاح .
قال ابن إسحاق(٢): فحدَّثني عاصم بن عمر بن قَتَادة ، وعبد الله بن أبي بكر ، ومن لا أتَّهم ، عن
عبد الله بن كعب بن مالك - كلٌّ قد حدَّث في غزوة ذي قَرَدٍ بعض الحديث - أنه كان أول من نذِر بهم
سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلميُّ ، غدا يريد الغابة متوشِّحاً قوسه ونبله ، ومعه غلام لطلحة بن عُبيد الله
معه فرس له يقوده ، حتى إذا علا ثَنِيَّةَ الوَدَاعُ(٣) نظر إلى بعض خيولهم ، فأشرف في ناحية سَلْعُ(٤) ، ثم
صرخ : واصباحاه . ثم خرج يشتدُّ في آثار القوم ، وكان مثل السَّبُع ، حتى لحق بالقوم ، فجعل يردّهم
بالنَّبل ويقول إذا رمى: [ من مجزوء الرجز ]
خُذْهَا [و] أنا ابنُ الأَكوغْ اليومُ يوم الرُّضَّغْ
فإذا وجِّهت الخيل نحوه انطلق هارباً ثم عارضهم ، فإذا أمكنه الرَّمي رمى ، ثم قال :
خُذْهَا [ و] أنا ابن الأَكوغ اليومُ يوم الرُّضَّعْ
قال: فيقول قائلهم أُوَيْكِعُنا٥) هو أول النهار. قال: وبلغ رسول الله وَ ل صياح ابن الأكوع، فصرخ
بالمدينة: ((الفَزَعَ الفَزَعَ)). فترامت الخيول إلى رسول الله بَّه، فكان أول من انتهى إليه من الفُرسان
المقداد بن الأسود ، ثم عبّاد بن بشر، وسعد بن زيد ، وأُسيد بن ظهير - يشكُّ فيه - وعُكَّاشة بن
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٨١).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨١/٢ - ٢٨٢).
(٣) قال الفيروزابادي: وهي ثنية مشرفة على المدينة، يطأها من يريد مكة، وقيل: من يريد الشام. (( المغانم
المطابة )) ص (٨٠) بتحقيق شيخنا العلامة حمد الجاسر رحمه الله تعالى وأحسن إليه.
(٤) قال الفيروزابادي: سلع: جُبيل بسوق المدينة. وقال الأزهري: موضع بقرب المدينة. (( المغانم المطابة))
ص (١٨٣).
(٥) أي : يخوفنا ، أو يصرفنا عن غايتنا .

٣٥٨
ذكر غزوة ذي قرد
محصن ، ومحرز بن نضلة ، أخو بني أسد بن خزيمة ، وأبو قتادة الحارث بن ربعيٍّ ، أخو بنيٍ سلمة ،
وأبو عيَّاش ◌ُعُبيد بن زيد بن صامت، أخو بني زريق. قال: فلمَّا اجتمعوا إلى رسول اللّه بِّه، أمَّر عليهم
سعد بن زيد، ثم قال: ((اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس)). وقد قال النبيُّ بَّ لأبي عيَّاش
فيما بلغني عن رجال من بني زريق: (( يا أبا عيَّاش، لو أُعطيت هذا الفرس رجلاً هو أفرس منك فلحق
بالقوم . قال أبو عيّاش : فقلت : يا رسول الله ، أنا أفرس الناس . ثم ضربت الفرس ، فوالله ما جرى بي
خمسين ذراعاً حتى طرحني ، فعجبت من ذلك ، فزعم رجال من بني زريق أن رسول الله مَّ أعطى فرس
أبي عيَّاش معاذ بن ماعص ، أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خَلَدَة ، وكان ثامناً. قال: وبعض الناس يعدُّ
سَلَمَةَ بن الأكوع ثامناً ، ويطرح أُسيد بن ظهير ، فالله أعلم أيُّ ذلك كان . قال : ولم يكن سلمة بن الأكوع
يومئذ فارساً ، وقد كان أول من لحق بالقوم على رجليه . قال : فخرج الفرسان حتى تلاحقوا ، فحدَّثني
عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة ، وكان يقال له : الأخرم . ويقال له :
قُمير . وكانت [ الفرس ] التي تحته لمحمود بن مسلمة - وكان يقال للفرس: ذو اللَّمَّة . فلما انتهى إلى
العدوّ قال لهم : قفوا معشر بني اللَّكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار.
قال : فحمل عليه رجل منهم فقتله ، وجال الفرس فلم يُقدر عليه حتى وقف على أَرِيَّة من بني
عبد الأشهل ، أي : رجع إلى مربطه الذي كان فيه بالمدينة .
قال ابن إسحاق (١) : ولم يقتل يومئذ من المسلمين غيره .
قال ابن هشام(٢): وقد ذكر غير واحد من أهل العلم أنه قد قتل معه أيضاً وقَّاص بن مجزِّز المدلجيُّ.
قال ابن إسحاق (٣): وحدَّثني بعض من لا أنَّهم، عن عبد الله بن كعب بن مالك ، أن محرزاً كان
على فرس لعُكَّاشة بن محصن يقال لها : الجَنَاح ، فقتل محرز واستلبت الجَنَاحِ ، فالله أعلم .
قال(٤): ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حَبيب بن عيينة وغشَّاه برده ، ثم لحق بالناس ، وأقبل
رسول الله وَّل في المسلمين - قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أمِّ مكتوم - فإذا حبيبٌ مسجّى بُيُرد
أبي قتادة، فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة. فقال رسول الله وَ له: (( ليس بأبي قتادة ، ولكنه
قتيل لأبي قتادة ، ووضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه)). قال: وأدرك عَُّاشة بن محصن أوباراً وابنه
عمرو بن أوبار ، وهما على بعير واحد ، فانتظمهما بالرُّمح فقتلهما جميعاً واستنقذوا بعض اللَّقاح.
قال: وسار رسول الله وَ ل حتى نزل بالجبل من ذي فَرَد، وتلاحق به الناس ، فأقام عليه يوماً وليلة، وقال
له سلمة بن الأكوع : يا رسول الله، لو سرَّحتني في مئة رجل لاستنقذت بقية السَّرح وأخذت بأعناق
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٨٣).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٨٣) وقد نقل المؤلف عنها بتصرف.
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٨٤).
(٤) القائل (ابن إسحاق). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨٤/٢ - ٢٨٥).

٣٥٩
ذكر غزوة ذي قرد
القوم. فقال رسول الله ومية - فيما بلغني -: ((إنهم الآن ليُغبَقون في غطفان)). فقسم رسول الله بِ ◌ّله في
أصحابه في كل مائة رجل جزوراً ، وأقاموا عليها ، ثم رجع قافلاً حتى قدم المدينة .
قال: وأقبلت امرأة الغفاريٍّ على ناقة من إبل النبيِّي وَلّه، حتى قدمت عليه المدينة فأخبرته الخبر،
فلمّا فرغت قالت : يا رسول الله ، إني قد نذرت لله أن أنحرها إن نجَّاني الله عليها. قال : فتبسَّم رسول الله
ومثّ ثم قال: ((بئس ما جزيتِها أن حملك الله عليها ونجَّاك بها ثم تنحرينها ، إنه لا نذر في معصية الله، ولا
فيما لا تملكين ، إنما هي ناقة من إبلي ، فارجعي إلى أهلك على بركة الله)).
قال ابن إسحاق(١) : والحديث في ذلك عن أبي الزُّبير المكِّيِّ، عن الحسن البصريِّ. هكذا أورد ابن
إسحاق هذه القصة بما ذكره من الإسناد والسِّياق .
وقد قال البخاريُّ(٢): رحمه الله ، بعد قصة الحُديبية وقبل خيبر : غزوة ذي فَرَد ، وهي الغزوة التي
أغاروا على لِفَاح النبيِّ بَّه قبل خيبر بثلاث، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حاتم ، عن يزيد بن أبي عُبيد ،
سمعت سلمة بن الأكوع يقول: خرجت قبل أن يؤذَّن بالأولى، وكانت لقاح النبيِّ وَ ل ترعى بذي قرد ،
قال : فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف، فقال: أَخذت لقاح النبيِّ مَ له. فقلت: من أخذها ؟ قال :
غطفان . قال : فصرخت ثلاث صرخات : يا صباحاه . قال : فأسمعت ما بين لابتي المدينة ، ثم
اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء ، فجعلت أرميهم بنبلي ، وكنت رامياً ،
وأقول : أنا ابن الأكوع ، اليوم يوم الرُضَّع . وأرتجز حتى استنقذت اللَّقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين
بردة. قال: وجاء النبيُّ وَلّه والناس فقلت: يا رسول الله، قد حميت القوم الماء، وهم عطاش،
فابعث إليهم الساعة. فقال: (( يابن الأكوع ملكت فَأَسْجِحُ(٣))). ثم رجعنا، ويردفني رسول الله وَّل على
ناقته حتى قدمنا المدينة .
وهكذا رواه مسلم(٤) ، عن قتيبة ، به ، ورواه البخاريُّ(٥) ، عن أبي عاصم النَّبيل ، عن يزيد بن أبي
عُبيد ، عن مولاه سلمة ، بنحوه .
وقال الإمام أحمد(٦) : ثنا هاشم بن القاسم ، ثنا عكرمة بن عمَّار ، حدَّثني إياس بن سلمة بن
الأكوع، عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحُديبية مع رسول الله وَ ◌ّل، فخرجت أنا ورباح غلام النبيِّ وَّ
بظهر رسول الله وَله، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله، كنت أريد أن أندِّيَه مع الإبل، فلمَّا كان بغَلَسٍ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٨٥/٢).
(٢) في ((صحيحه)) رقم (٤١٩٤).
(٣) أي : اعف .
(٤) في ((صحيحه)) رقم (١٨٠٦).
(٥) في ((صحيحه)) رقم (٣٠٤١) من طريق مكي بن إبراهيم بن بشير التميمي البلخي أبو السكن .
(٦) رواه أحمد في ((المسند)) (٥٢/٤) وهو حديث صحيح. وانظر ((زاد المعاد)) (٢٤٩/٣ - ٢٥٠).

٣٦٠
ذكر غزوة ذي قرد
أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله وَله، فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل ،
فقلت: يا رباح، اقعد على هذا الفرس فألحقه بطلحة، وأخبر رسول الله وَ لل أنه قد أَغير على سرحه.
قال : وقمت على تلّ فجعلت وجهي من قبل المدينة ، ثم ناديت ثلاث مرات : يا صباحاه . قال : ثم
اتَّبعت القوم ، معي سيفي ونبلي ، فجعلت أرميهم وأعقر بهم ، وذلك حين يكثر الشَّجر . فإذا رجع إليَّ
فارس جلست له في أصل شجرة ، ثم رميت ، فلا يُقبل عليَّ فارس إلا عقرت به ، فجعلت أرميهم ، وأنا
أقول : أنا ابن الأَكوع ، واليوم يوم الرُضَّع . قال : فألحق برجل منهم فأرميه ، وهو على راحلته فيقع
سهمي في الرَّجل حتى انتظم كتفه ، فقلت :
خُذْهَا وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرُّضَّعِ
فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنَّبل ، فإذا تضايقت الثَّنايا علوت الجبل فردَيتهم بالحجارة ، فما زال
ذاك شأني وشأنهم أتبعهم وأرتجز ، حتى ما خلق الله شيئاً من ظهر رسول الله وَّه إلَّا خلَّفته وراء ظهري ،
فاستنقذته من أيديهم ، ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحاً ، وأكثر من ثلاثين بردة يستخفُون
منها، ولا يلقون من ذلك شيئاً إلا جعلت عليه حجارة، وجمعت على طريق رسول الله وَله، حتى إذا امتدَّ
الضُّحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاريُّ مدداً لهم ، وهم [ في ] ثنيَّة ضيِّقة ، ثم علوت الجبل ، فأنا فوقهم ،
فقال عيينة : ما هذا الذي أرى ؟ قالوا: لِقِينا [ من هذا ] البرح، ما فارقنا بسحر حتى الآن، وأخذ كلَّ
شيء في أيدينا وجعله وراء ظهره . فقال عيينة: لولا أنَّ هذا يرى أنَّ وراءه طلباً لقد ترككم ، ليقم إليه نفر
منكم . فقام إليه نفر منهم أربعة ، فصعِدوا في الجبل ، فلمَّا أسمعتُهم الصوت قلت : أتعرفونني ؟ قالوا :
ومن أنت ؟ قلت : أنا ابن الأكوع ، والذي كرَّم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركني ولا أطلبه
فيفوتني . فقال رجل منهم : إنْ أَظُن . قال : فما برحتُ مقعدي ذلك حتى نظرت إلى فوارس رسول الله
وَله، يتخَلَّلون الشجر، وإذا أولهم الأخرم الأسديُّ، وعلى أثره أبو قتادة فارس رسول الله مَليل] وعلى أثر
أبي قتادة المقداد بن الأسود الكنديُّ ، فولَّى المشركون مدبرين ، وأنزل من الجبل فآخذ عنان فرسه ،
فقلت: يا أخرم، انذر القوم - يعني احذرهم - فإني لا آمن أن يقتطعوك، فاتَّئد حتى يلحق رسول الله له
وأصحابه . قال : يا سلمة ، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أنَّ الجنة حقّ والنار حقّ ، فلا تحل
بيني وبين الشهادة .
قال : فخلَّيت عَنَانَ فرسه ، فيلحق بعبد الرحمن بن عيينة ، ويعطف عليه عبد الرحمن ، فاختلفا
طعنتين، فعقر الأخرم بعبد الرحمن ، وطعنه عبد الرحمن فقتله ، فتحوَّل عبد الرحمن على فرس الأخرم ،
فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة ، وقتله أبو قتادة ، وتحوَّل أبو قتادة على
فرس الأخرم ، ثم إني خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبيِّ وَّ شيئاً، ويعرضون
قبل غيبوبة الشَّمس إلى شِعْبٍ فيه ماءٌ يقال له : ذو قرد . فأرادوا أن يشربوا منه ، فأبصروني أعدو وراءهم
فعطفوا عنه ، واشتدوا في الثنيَّة ثنَّةِ ذي بئر ، وغربت الشمس ، وألحق رجلاً فأرميه فقلت :