النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
ذكر غزوة بني النّضير
عمّك ، وما همّ به من شأني؟ )) فجعل يامين لرجلٍ جُعلاً على أن يقتل عمرو بن جحّاشٍ فقتله ، لعنه الله .
قال ابن إسحاق: فأنزل الله فيهم سورة (( الحشر )) بكمالها ، يذكر فيها ما أصابهم به من نقمته وما
سَأَّطَ عليهم به رسوله مَّل ، وما عمل به فيهم .
ثم شرع ابن إسحاق يفسّرها ، وقد تكلّمنا عليها بطولها مبسوطةً في كتابنا ((التفسير)(١) ولله الحمد.
قال الله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِ الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿ هُوَ الَّذِىَّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ
الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِّ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُواْ وَنُّواْ أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِنَ اللَّهِ فَأَنَهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ
وَذَفَ فِ قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَّ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيَدِهِمْ وَأَبْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ ﴿ وَلَوْلَآ أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَآءَ
لَعَذَّبَهُمْ فِ الدُّنْيَأْ وَلَهُمْ فِ الْآَخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ ﴿ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ شَاقُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَآقِ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ أَمَا
قَطَعْتُمْ مِّن لَّيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىَّ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾ [الحشر: ١ -٥].
سبّح سبحانه وتعالى نفسه الكريمة ، وأخبر أنه يسبّح له جميع مخلوقاته العلويّة والسّفليّة ، وأنه العزيز
وهو منيع الجناب ، فلا ترام عظمته وكبرياؤه ، وأنه الحكيم في جميع ما خلق وجميع ما قدّر وشرع ، فمن
ذلك تقديره وتدبيره وتيسيره لرسول الله عليه وعباده المؤمنين في ظفرهم بأعدائهم من اليهود ، الذين
شاقّوا الله ورسوله ، وجانبوا رسوله وشرعه ، وما كان من السبب المقتضي لقتالهم ، كما تقدّم ، حتى
حاصرهم المؤيّد بالرعب والرّهب مسيرة شهرٍ ، ومع هذا فأسرهم بالمحاصرة بجنوده ونفسه الشريفة ستّ
ليالٍ ، فذهب بهم الرعب كلّ مذهبٍ ، حتى صانعوا وصالحوا على حقن دمائهم ، وأن يأخذوا من أموالهم
ما استقلّت به ركابهم ، على أنهم لا يستصحبون شيئاً من السلاح ؛ إهانةً لهم واحتقاراً ، فجعلوا
﴿ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيَدِهِمْ وَأَيْدِى الْمُؤْمِنِينَ فَأَعْتَبِرُوا يَتَأُوْلِ الْأَبْصَرِ﴾. ثم ذكر تعالى أنه لو لم يصبهم هذا الجلاء ،
وهو التّسيير والنّفي من جوار الرسول ◌َ ل من المدينة، لأصابهم ما هو أشدّ منه من العذاب الدنيويّ، وهو
القتل ، مع ما ادّخر لهم في الآخرة من العذاب الأليم المقدّر لهم . ثم ذكر تعالى حكمة ما وقع من تحريق
نخلهم، وترك ما بقي منه لهم، وأن ذلك كلّه سائغٌ، فقال: ﴿ مَا قَطَعْتُم مِّنِ لِيِنَةٍ﴾ وهو جيّد التمر ﴿أَوْ
تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ إن الجميع قد أُذن فيه شرعاً وقدراً ، فلا حرج عليكم فيه ، ولنعم ما
رأيتم من ذلك ، وليس هو بفسادٍ ، كما قاله شرار العباد ، إنما هو إظهارٌ للقوة ، وإخزاءٌ للكفرة الفجرة .
وقد روى البخاريّ ومسلمٌ(٢) ، جميعاً عن قتيبة ، عن اللّيث، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنّ
رسول الله وَّهُ حرّق نَخْل بني النّضير، وقطع، وهي البويرةُ(٣)، فأنزل الله تعالى: ﴿مَاقَطَعْتُمْ مِنِ لِبِنَةٍ أَوْ
تَكْتُوهَا قَآئِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْرِىَ الْفَسِقِينَ﴾.
(١) انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (٨١/٨).
(٢) رواه البخاري رقم (٤٨٨٤) ومسلم رقم (١٧٤٦).
(٣) وهي تصغير البئر التي يُستقى منها الماء. انظر (( المغانم المطابة)) للفيروزابادي ص (٦٦) بتحقيق شيخنا العلاَّمة
حمد الجاسر رحمه الله .

٢٦٢
ذكر غزوة بني النضير
وعند البخاريّ(١)، من طريق جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله وَ لَه حرّق
نخل بني التّضير وقطع ، وهي البويرة ، ولها يقول حسان بن ثابتٍ(٢): [ من الوافر ]
حريقٌ بالبويرة مستطير
وهان على سراة بني لؤيٍّ
فأجابه أبو سفيان بن الحارث يقول(٣) : [ من الوافر )
وحرّق في نواحيها السعير
أدام الله ذلك من صنيعٍ
وتعلم أيّ أرضينا تضير
ستعلم أتنا منها بنزهٍ
قال ابن إسحاق : وقال كعب بن مالك(٤) يذكر إجلاء بني النّضير وقتل كعب بن الأشرف ، فالله
أعلم : [ من الوافر ]
لقد خزيت بغدرتها الحبور
وذلك أنهم كفروا بربِّ
وقد أوتوا معاً فهماً وعلماً
نذيرٌ صادقٌ أدّى كتاباً
فقالوا ما أتيت بأمر صدقٍ
فقال بلى لقد أدّيت حقاً
فمن يتبعه يهد لكلّ رشدٍ
فلمّا أُشربوا غدراً وكفراً
أرى الله النبيّ برأي صدقٍ
فأيّده وسلّطه عليهم
فغودر منهم كعبٌ صريعاً
على الكفّين ثَمّ وقد علته
بأمر محمدٍ إذا دسّ ليلاً
فما كَره فأنزله بمَكرٍ
فتلك بنو النّضير بدار سوء
غداة أتاهمُ في الزّحف رهواً
كذاك الدّهر ذو صرفٍ يدورُ
عظيم أمره أمرٌ كبيرٌ
وجاءهمُ من الله النذيرُ
وآياتٍ مبيّنةً تنيرُ
وأنت بمنكرٍ منا جديرٌ
يصدّقني به الفهِم الخبيرُ
ومن يكفر به يُجْزَ الكفورُ
وجدّ بهم عن الحقّ النّفورُ
وكان الله يحكم لا يجورُ
وكان نصيره نعم النصيرُ
فذلّت بعد مصرعه النّضيرُ
بأيدينا مشهّرةٌ ذُكورُ
إلى كعبٍ أخا كعبٍ يسيرُ
ومحمودٌ أخو ثقةٍ جسورُ
أبارهمُ بما احترموا المبيرُ
رسول الله وهو بهم بصيرُ
(١) رواه البخاري رقم (٢٣٢٦) و(٤٠٣٢).
(٢) انظر ((ديوانه)) (٢١٠/١) ولفظ صدر البيت فيه: ((لهان ... )).
(٣) البيتان في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢٧٢) مع بعض الخلاف في ألفاظهما .
(٤) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٦٨ - ١٦٩). وانظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٩٩/٢).

٢٦٣
ذكر غزوة بني النّضير
على الأعداء وهو لهم وزير
وغسّان الحماة مؤازروه
وخالف أمرهم كذبٌ وزور
فقال السّلم ويحكم فصدّوا
لكلّ ثلاثةٍ منهم بعير
فذاقوا غبّ أمرهم وبالاً
وغودر منهمُ نخلٌ ودور
وأجلوا عامدين لقينقاعٍ
وقد ذكر ابن إسحاق جوابها لسِمَاكٍ اليهوديّ ، فتركناها قصداً .
قال ابن إسحاق(١) : وكان ممّا قيل في بني النّضير ، قول ابنِ لُقَيمِ العبسيّ ، ويقال : قالها قيس بن
بحر بن طريفٍ الأشجعيّ : [ من الطويل ]
أحلّ اليهود بالحسيّ المزنّم
أهيضب عودى بالوديّ المكمّم
تروا خيله بين الصّلا ويرمرم
عدوّ وما حيّ صديقٌ كمجرم
يهزّون أطراف الوشيج المقوّم
توورثن من أزمان عادٍ وجرهم
فهل بعدهم في المجد من متكرّم
تليد الندى بين الحجون وزمزم
وتسمو من الدّنيا إلى كلّ معظم
ولا تسألوه أمر غيبٍ مرجّم
لكم يا قريشاً والقليب الملمّم
إليكم مطيعاً للعظيم المكرّم
رسولاً من الرحمن حقّاً بمعلم
فلمّا أنار الحقّ لم يتلعثم
علوّاً لأمرٍ حمّه الله محكم
أهلي فداءٌ لامرىء غير هالكِ
يقيلون في جمر الغضاة وبدّلوا
فإن يك ظنّي صادقاً بمحمدٍ
يؤمّ بها عمرو بن بهثة إنّهم
عليهنّ أبطالٌ مساعيرُ في الوغى
وكلّ رقيق الشّفرتين مهنّدٍ
فمن مبلغٌ عني قريشاً رسالةً
بأنّ أخاهم فاعلمُنّ محمداً
فدينوا له بالحقّ تجسم أموركم
نبيٌّ تلاقته من الله رحمةٌ
فقد كان في بدرٍ لعمريَ عبرةٌ
غداة أتى في الخزرجيّة عامداً
معاناً بروح القدس ينكي عدوّه
رسولاً من الرحمن يتلو كتابه
أرى أمره يزداد في كلّ موطنٍ
قال ابن إسحاق(٢) : وقال عليّ بن أبي طالبٍ - وقال ابن هشام : قالها رجلٌ من المسلمين ، ولم أر
أحداً يعرفها لعليٍّ - : [ من المتقارب ]
عرفت ومن يعتدل يعرفِ
عن الكلم المحكم الآي(٣) من
وأيقنت حقاً ولم أصدفِ
لدى الله ذي الرّأفة الأرأف
(١) انظر ((السيرة النبوية)) (١٩٥/٢ - ١٩٦).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٩٦/٢).
(٣) فى ((السيرة النبوية)) لابن هشام: ((اللاء)).

٢٦٤
ذكر غزوة بني النَّضير
رسائل تدرس في المؤمنين
فأصبح أحمد فينا عزيزاً
فيا أيّها الموعدوه سفاهاً
ألستم تخافون أدنى العذاب
وأن تُصرعوا تحت أسيافه
غداة رأى الله طغيانه
فأنزل جبريل في قتله
فدسّ الرسول رسولاً له
فباتت عيونٌ له معولاتٌ
وقلن لأحمد ذرنا قليلا
فخلاّهمُ ثم قال اظعنوا
وأجلى النّضير إلى غربةٍ
إلى أذرعاتٍ ردافاً وهم
وتركنا جوابها أيضاً من سَمَّاكِ اليهوديّ قصداً .
بهنّ اصطفى أحمد المصطفي
عزيز المقامة والموقف
ولم يأت جوراً ولم يعنف
وما آمِنُ الله كالأخوف
كمصرع كعبٍ أبي الأشرف
وأعرض كالجمل الأجنف
بوحي إلى عبده ملطف
بأبيض ذي هبّةٍ مرهف
متى ينع كعبٌ لها تذرف
فإنّا من النّوح لم نشتف
دحوراً على رغم الآنف
وكانوا بدارٍ ذوي زخرف
على كلّ ذي دبَر أعجف
ثم ذكر تعالى حكم الفيء، وأنه حكم بأموال بني النّضير لرسول الله وَّر، وملّكها له ، فوضعها
رسول الله وَّل حيث أراه الله تعالى، كما ثبت في ((الصحيحين)) عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنّه
قال: كانت أموال بني النّضير ممّا أفاء الله على رسوله بَّه، ممّا لم يوجف المسلمون عليه بخيلٍ ولا
ركابٍ، فكانت لرسول الله وَّر خاصّةً، فكان يعزل نفقة أهله سنةً، ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح
عدّةً في سبيل الله ، عزّ وجلّ .
ثم بينّ تعالى حكم الفيء ، وأنّه للمهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسانٍ على منوالهم وطريقتهم :
﴿ وَلِذِى الْقُرْبَى وَالْيَتَى وَالْمَسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَآ ءَانَنَّكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنَّكُمْ
عَنْهُ فَأَنْنَهُواْ وَأَتَّقُواْاللّهُ إِنَّاللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [ الحشر: ٧].
قال الإمام أحمد : حدّثنا عارمٌ وعفَّان، قالا: حدّثنا معتمرٌ، سمعت أبي يقول : حدّثنا أنس بن
مالكِ ، عن نبيّ الله وَ لَه، أن الرجل كان يجعل له من ماله النّخلات، أو كما شاء الله ، حتى فتحت عليه
قريظة والنّضير . قال: فجعل يردّ بعد ذلك. قال : وإنّ أهلي أمروني أن آتي النبيّ مطر فأسأله الذي كان
أهله أعطوه أو بعضه، وكان نبيّ الله وَ لَّ أعطاه أمّ أيمن، أو كما شاء الله. قال: فسألت النبيّ الَّه
فأعطانيهنّ ، فجاءت أمّ أيمن فجعلت الثوب في عنقي وجعلت تقول : كلا والله الذي لا إله إلّا هو ،
لا يعطيكهنّ وقد أعطانيهنّ. أو كما قالت. فقال النبيّ وَ لَّ: ((لك كذا وكذا)). وتقول: كلا والله. قال:
ويقول: ((لك كذا وكذا)). وتقول: كلاًّ والله. قال: ويقول: ((لك كذا وكذا)). حتى أعطاها - حسبته

٢٦٥
ذكر قصة عمرو بن سعدى القرظي
قال - عشرة أمثاله . أو قال: قريباً من عشرة أمثاله . أو كما قال . أخرجاه بنحوه من طرقٍ ، عن معتمرٍ به .
ثم قال تعالى ذاماً للمنافقين الذين مالوا لبني النّضير في الباطن ، كما تقدّم ، ووعدهم النصر ، فلم
يكن من ذلك شيءٌ، بل خذلوهم أحوج ما كانوا إليهم، وغرّوهم من أنفسهم، فقال: ﴿﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى
الَّذِينَ نَافَقُوْ يَقُولُونَ لِإِخْوَِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ لَيِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَبَ مَعَكُمْ وَلَا تُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًّا أَبَدًا وَإِنِ
قُوْزِلْتُمْ لَتَنَصُرَّتَّكُمْ وَاَللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَذِبُونَ (١) لَيِنْ أُخْرِجُوْلَا يَخْعُونَ مَعَهُمْ وَلَيِن قُوتِلُواْ لَا يَصُرُونَهُمْ وَلَيْنِ نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُنْبَ
اْأَدْبَرَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [الحشر: ١١ - ١٢]. ثم ذمّهم تعالى على جُبنهم، وقلّة علمهم، وخفّة عقلهم
النافع، ثم ضرب لهم مثلاً قبيحاً شنيعاً بالشيطان حين قال للإنسان: ﴿أَكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِّ بَرِىٌّ
مِنْكَ إِنَّ أَخَافُ اَللَّهَ رَبَّ الْعَلَمِينَ
فَكَانَ عَقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِ النَّارِ خَلِدَيْنِ فِيَهَأْ وَذَلِكَ جَزََّؤُاْ اُلَّلِمِينَ﴾
[ الحشر: ١٦ - ١٧ ] .
قصّة عمرو بن سعدى القرظيّ
حين مرّ على ديار بني النّضير وقد صارت يباباً(١) ، ليس بها داع ولا مجيب
وقد كانت بنو النّضير أشرف من بني قريظة ، حتى حداه ذلك على الإسلام ، وأظهر صفة
رسول الله وَّر من التوراة .
قال الواقديّ : ثنا إبراهيم بن جعفرٍ ، عن أبيه قال: لمّا خرجت بنو النّضير من المدينة، أقبل عمرو بن
سعدى ، فأطاف بمنازلهم فرأى خرابها ، وفكّر ثم رجع إلى بني قريظة ، فوجدهم في الكنيسة ، فنفخ في
بوقهم ، فاجتمعوا ، فقال الزَّبير بن باطا : يا أبا سعيدٍ ، أين كنت منذ اليوم لم نرك ؟ وكان لا يفارق
الكنيسة ، وكان يتألّه في اليهوديّة ، قال : رأيت اليوم عبراً قد عبّرنا بها ؛ رأيت منازل إخواننا خاليةً بعد
ذلك العزّ والجلد ، والشّرف الفاضل والعقل البارع ، قد تركوا أموالهم ، وملكها غيرهم ، وخرجوا
خروج ذُلِّ ، ولا والتوراة ما سلّط هذا على قوم قطُ لله بهم حاجةٌ ، وقد أوقع قبل ذلك بابن الأشرف ذي
عزّهم ، ثم بيّته في بيته آمناً ، وأوقع بابن سُنينة سيّدهم ، وأوقع ببني قينقاع فأجلاهم ، وهم أهل جدًّ
يهود ، وكانوا أهل عدّةٍ وسلاحِ ونجدةٍ ، فحصرهم ، فلم يخرج إنسانٌ منهم رأسه حتى سباهم ، وكلّم
فيهم ، فتركهم على أن أجلاهم من يثرب ، يا قوم ، قد رأيتم ما رأيتم ، فأطيعوني وتعالوا نتّبع محمداً ،
فوالله إنّكم لتعلمون أنّه نبيٌّ ، قد بشّرنا به وبأمره ابن الهيّبان أبو عميرٍ وابن حراشٍ ، وهما أعلم يهود ،
جاءانا يتوكّفان قدومه ، وأمرانا باتباعه ، جاءانا من بيت المقدس ، وأمرانا أن نقرئه منهما السلام ، ثم ماتا
على دينهما، ودفنّاهما بحرّتنا هذه . فأسكت القوم ، فلم يتكلّم منهم متكلّمٌ ، ثم أعاد هذا الكلام ونحوه،
وخوفهم بالحرب والسّباء والجلاء . فقال الزَّبير بن باطا : قد والتوراة قرأت صفته في التي نزلت على
(١) أي : خراباً .

٢٦٦
ذكر غزوة بني لحيان
موسى ، ليس في المثاني الذي أحدثنا . قال : فقال له كعب بن أسدٍ : ما يمنعك يا أبا عبد الرحمن من
اتّباعه ؟ قال : أنت .. قال كعبٌ : فلم ، والتوراة ما حلت بينك وبينه قطّ ؟! قال الزَّبير : بل أنت صاحب
عهدنا وعقدنا ، فإن اتّبَعته اتّبعناه ، وإن أبيت أبينا . فأقبل عمرو بن سعدى على كعبٍ . فذكر ما تقاولا
في ذلك ، إلى أن قال كعبٌ : ما عندي في أمره إلّا ما قلت ، ما تطيب نفسي أن أصير تابعاً . رواه
(١)
البيهقيّ(١)
غزوة بني لحيان
التي صلّى فيها صلاة الخوف بعسفان
هاهنا ذكرها البيهقيّ في ((الدلائل)(٢)، وإنّما ذكرها ابن إسحاق ، فيما رأيت ، من طريق ابن
هشامُ(٣) ، عن زيادٍ عنه، في جمادى الأولى من سنة ستٍّ من الهجرة بعد الخندق وبني قريظة ، وهو أشبه
ممّا ذكره البيهقيّ ، والله أعلم ، فلنؤخِّرها إلى هناك .
وقال الحافظ البيهقيّ(٤) : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدّثنا أبو العباس الأصمّ ، حدّثنا أحمد بن
عبد الجبار قال : حدّثنا يونس بن بكيرٍ ، عن ابن إسحاق قال : حدّثنا عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن
عمرو بن حزم وغيره ، قالوا : لمّا أصيب خبيبٌ وأصحابه خرج رسول الله و لو طالباً بدمائهم ؛ ليصيب من
بني لحيان غرّةً ، فسلك طريق الشام ؛ ليري أنّه لا يريد بني لحيان ، حتى نزل بأرضهم ، فوجدهم قد
حذروا وتمنّعوا في رؤوس الجبال ، فقال رسول الله وَله: ((لو أنّا هبطنا عسفان؛ لرأت قريشٌ أنا قد جئنا
مكة )) . فخرج في مئتي راكبٍ حتى نزل عسفان ، ثم بعث فارسين حتى جاءا كراع الغميم ، ثم انصرفا ،
فذكر أبو عياشِ الزّرقيّ أنّ رسول الله ◌ِ لّهِ صلّى بعسفان صلاة الخوف.
وقد قال الإمام أحمد(٥) : ثنا عبد الرّزاق ، ثنا الثّوريّ، عن منصورٍ ، عن مجاهدٍ ، عن أبي عيّاشٍ
قال : كنّا مع رسول الله وَّهَ بعسفان، فاستقبلنا المشركون ، عليهم خالد بن الوليد ، وهم بيننا وبين
القبلة، فصلّى بنا رسول الله وَّ الظهر، فقالوا: قد كانوا على حالٍ لو أصبنا غرّتهم . ثم قالوا: تأتي
عليهم الآن صلاةٌ هي أحبّ إليهم من أبنائهم وأنفسهم. قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر :
﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَوَةَ﴾ [النساء: ١٠٢]. قال: فحضرت، فأمرهم رسول الله وَليل فأخذوا
السلاح ، فصففنا خلفه صفّين ، ثم ركع ، فركعنا جميعاً ، ثم رفع فرفعنا جميعاً ، ثم سجد بالصفّ الذي
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ٣٦١/٣).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) (٣/ ٣٦٤).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) (٢٧٩/٢).
(٤) في ((دلائل النبوة)) (٣٦٤/٣).
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٥٩/٤)، وإسناده صحيح.

٢٦٧
ذكر غزوة بني لحيان
يليه، والآخرون قيامٌ يحرسونهم، فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخَرون فسجدوا في مكانهم، ثم تقدّم هؤلاء
إلى مصافِّ هؤلاء، وجاء هؤلاء إلى مصافِّ هؤلاء . قال : ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم رفع فرفعوا جميعاً،
ثم سجد النبيّ والصفّ الذي يليه والآخرون قيامٌ يحرسونهم ، فلمّا جلسوا جلس الآخرون ، فسجدوا ؛ ثم
سلّم عليهم، ثم انصرف . قال: فصلاها رسول الله بَ له مرتين؛ مرةً بعسفان ومرةً بأرض بني سليمٍ . ثم
رواه أحمد(١) ، عن غندرٍ ، عن شعبة، عن منصورٍ به نحوه. وقد رواه أبو داود٢) عن سعيد بن منصورٍ ،
عن جرير بن عبد الحميد ، والنسائي (٣) عن الفلاَّس ، عن عبد العزيز بن عبد الصمد، [ و ] عن محمد بن
المثنى وبندارٍ ، عن غندرٍ ، عن شعبة، ثلاثتهم عن منصورٍ به. وهذا إسنادٌ على شرط ((الصحيحين )) ولم
يخرجه واحدٌ منهما ، لكن روى مسلم(٤) من طريق أبي خيثمة زهير بن معاوية ، عن أبي الزّبير، عن جابرٍ
قال: غزونا مع رسول الله وَّليل قوماً من جهينة، فقاتلوا قتالاً شديداً، فلمّا أن صلّي الظهر قال المشركون :
لو ملنا عليهم ميلةً لاقتطعناهم. فأخبر جبريل رسول الله مسير بذلك، وذكر لنا رسول الله اصله قال:
(( وقالوا : إنّه ستأتيهم صلاةٌ هي أحبّ إليهم من الأولاد)) . فذكر الحديث كنحو ما تقدّم .
وقال أبو داود الطّيالسيّ(٥): حدّثنا هشامٌ، عن أبي الزّبير، عن جابر بن عبد الله قال: صلّى
رسول الله وََّ بأصحابه الظهر بنخلٍ، فهمّ به المشركون، ثُمَّ قالوا : دعوهم ؛ فإنّ لهم صلاةً بعد هذه
الصلاة هي أحبّ إليهم من أبنائهم. قال: فنزل جبريل على رسول الله وَيرٍ فأخبره ، فصلّى بأصحابه
العصر، فصفّهم صفّين؛ رسول الله وَ لهول بين أيديهم، والعدوّ بين يدى رسول الله وَّله، فكبّر وكبّروا
جميعاً، وركعوا جميعاً، ثم سجد الذين يلونه، والآخرون قيامٌ ، فلمّا رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون ،
ثم تقدّم هؤلاء وتأخر هؤلاء ، فكبّروا جميعاً ، وركعوا جميعاً ، ثم سجد الذين يلونهم ، والآخرون قيامٌ ،
فلما رفعوا رؤوسهم سجد الآخرون .
وقد استشهد البخاريّ في ((صحيحه)(٦) برواية هشام هذه ، عن أبي الزُّبير ، عن جابرٍ .
وقال الإمام أحمد(٧) : ثنا عبد الصمد ، ثنا سعيد بن عُبيدِ الهُنائيّ ، ثنا عبد الله بن شقيقٍ ، حدّثنا
أبو هريرة أنّ رسول الله وَل نزل بين ضجنان وعُسفان، فقال المشركون : إنّ لهؤلاء صلاةً هي أحبّ
إليهم من آبائهم وأبنائهم - وهي العصر - فأجمعوا أمركم ، فميلوا عليهم ميلةً واحدةً . وإنّ جبريل أتى
(١) رواه أحمد في ((المسند)) (٤/ ٦٠) .
(٢) رواه أبو دواد في ((السنن)) رقم (١٢٣٦).
(٣) رواه النسائي في ((المجتبى)) (١٧٧/٣).
(٤)
في « صحيحه » رقم (٨٤٠) .
(٥) في ((مسنده)) رقم (١٧٣٨).
(٦) رقم (٤١٣٠) تعليقاً .
(٧) رواه أحمد فى ((المسند)) (٥٢٢/٢)، وإسناده حسن.

٢٦٨
ذكر غزوة ذات الرقاع
رسول الله وَّقه، فأمره أن يقسم أصحابه شطرين ، فيصلّى ببعضهم ، وتقوم الطائفة الأخرى وراءهم
وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ؛ ثم تأتي الأُخرى فيصلون معه ، ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ليكون
لهم ركعةٌ ركعةٌ مع رسول الله [مَلل]، ولرسول الله [مَّل] ركعتان.
ورواه الترمذيّ والنسائيّ(١) من حديث عبد الصمد به، وقال الترمذيّ: حسنٌ صحيحٌ .
قلت : إن كان أبو هريرة شهد هذا ، فهو بعد خيبر ، وإلّ فهو من مرسلات الصحابيّ ، ولا يضرّ ذلك
عند الجمهور ، والله أعلم .
ولم يذكر في سياق حديث جابرٍ عند مسلم ، ولا عند أبي داود الطيالسيّ ، أمر عُسفان ولا خالد بن
الوليد ، لكنّ الظاهر أنّها واحدةٌ . بقي الشأن فيّ أنّ غزوة عسفان قبل الخندق أو بعدها ، فإنّ من العلماء ،
منهم الشافعيّ ، من يزعم أنّ صلاة الخوف إنّما شرعت بعد يوم الخندق ؛ فإنّهم أخّروا الصلاة يومئذ عن
ميقاتها لعذر القتال ، ولو كانت صلاة الخوف مشروعةً إذ ذاك ، لفعلوها ولم يؤخّروها ، ولهذا قال بعض
أهل المغازي : إنّ غزوة بني لحيان التي صلّى فيها صلاة الخوف بعُسفان ، كانت بعد بني قريظة .
وقد ذكر الواقدي(٢) بإسناده، عن خالد بن الوليد قال: لمّا خرج رسول الله بَّو إلى الحديبية لقيته
بعسفان ، فوقفت بإزائه وتعرّضت له ، فصلّى بأصحابه الظهر أمامنا ، فهممنا أن نغير عليه ، ثم لم يعزم
لنا ، فأطلعه الله على ما في أنفسنا من الهمّ به ، فصلّى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف.
قلت : وعمرة الحديبية كانت في ذي القعدة سنة ستِّ(٣) بعد الخندق وبني قريظة كما سيأتي.
وفي سياق حديث أبي عيّاشِ الزّرقيّ ، ما يقتضي أنّ آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم
عُسفان ، فاقتضى ذلك أنّها أول صلاة خوفٍ صلاّها، والله أعلمُ(٤) .
وسنذكر، إن شاء الله تعالى، كيفية صلاة الخوف واختلاف الروايات فيها في كتاب (( الأحكام
الكبير )) إن شاء الله، وبه الثقة ، وعليه التكلان .
غزوة ذات الرِّقَاعُ(٥)
قال ابن إسحاق(٦): ثم أقام رسول الله # بالمدينة بعد غزوة بني النّضير شهري ربيعٍ وبعض
(١) رواه الترمذي رقم (٣٠٣٥) والنسائي في ((السنن الكبرى)) رقم (١٩٢٣).
(٢) انظر ((المغازي)) (٧٤٥/٢) .
(٣) وقال ابن قيم الجوزية : قال نافع: كانت سنة ست في ذي القعدة ، وهذا هو الصحيح ، وهو قول الزهري ،
وقتادة، وموسى بن عقبة، ومحمد بن إسحاق، وغيرهم. انظر ((زاد المعاد)) (٣/ ٢٥٥).
(٤) انظر ((زاد المعاد)) (٢٢٥/٣).
(٥) وتسمى غزوة نجد أيضاً. انظر ((عيون الأثر)) (٧٩/٢) و((زاد المعاد)) (٢٢٤/٣) و((الفصول في سيرة الرسول))
ص( ١٥٨ ) .
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٠٣/٢).

٢٦٩
ذكر غزوة ذات الرقاع
جمادى ، ثم غزا نجداً يريد بني محاربٍ وبني ثعلبة من غطفان ، واستعمل على المدينة أبا ذرًّ .
قال ابن هشامٍ : ويقال : عثمان بن عفان . قال ابن إسحاق : فسار حتى نزل نخلاً ، وهي غزوة ذات
الزّقاع .
قال ابن هشام: لأنهم رقّعوا فيها راياتهم، ويقال : لشجرةٍ هناك اسمها ذات الزّقاع . وقال
الواقديّ : بجبلٍ فيه بقعٌ حمرٌ وسودٌ وبيضٌ . وفي حديث أبي موسى : إنما سمّيت بذلك لما كانوا يربطون
على أرجلهم [ من ] الخِرَق من شدّة الحرّ . قال ابن إسحاق: فلقي بها جمعاً من غطفان ، فتقارب
الناس ، ولم يكن بينهم حربٌ، وقد خاف الناس بعضهم بعضاً، حتى صلّى رسول اللّه ◌َ# بالناس صلاة
الخوف .
وقد أسند ابن هشامٌ(١) حديث صلاة الخوف هاهنا عن عبد الوارث بن سعيدِ التّنّريّ ، عن يونس بن
عبيدٍ ، عن الحسن عن جابر بن عبد الله ، وعن عبد الوارث ، عن أيوب ، عن أبي الزّبير ، عن جابرٍ ،
وعن عبد الوارث ، عن أيوب ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر . ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجدٍ ولا
ذات الرّقاع، ولم يتعرّض لزمانٍ ولا مكانٍ . وفي كون غزوة ذات الرّقاع - التي كانت بنجدٍ ، لقتال بني
محاربٍ وبني ثعلبة بن غطفان - قبل الخندق نظرٌ . وقد ذهب البخاريّ إلى أنّ ذلك كان بعد خيبر ،
واستدلَّ على ذلك ، بأنّ أبا موسى الأشعريّ شهدها، كما سيأتي ، وقدومه إنّما كان ليالي خيبر صحبة
جعفرٍ وأصحابه ، وكذلك أبو هريرة، وقد قال: صلّيت مع رسول الله وَ # في غزوة نجدٍ صلاة الخوف .
ومما يدل على أنّها بعد الخندق أنّ ابن عمر إنّما أجازه رسول الله ◌َ في القتال أول ما أجازه يوم
الخندق .
وقد ثبت [ عنه] في ((الصحيح (٢) أنّه قال: غزوت مع رسول الله # قبل نجدٍ ، فذكر صلاة
الخوف .
وقول الواقدي (٣) : إنّه عليه السلام خرج إلى ذات الرّقاع في أربعمئةٍ، ويقال: سبعمئةٍ ، من
أصحابه ليلة السبت ، لعشرٍ خلون من المحرم سنة خمسٍ . فيه نظرٌ، ثم لا يحصل به نجاةٌ من أنّ صلاة
الخوف إنّما شرعت بعد الخندق ؛ لأنّ الخندق كان في شوالٍ سنة خمسٍ على المشهور ، وقيل : في
شوالٍ سنة أربعٍ . فتحصَّل على هذا القول مخلصٌ من حديث ابن عمر ، فأما حديث أبي موسى وأبي هريرة
فلا .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٠٤/٢).
(٢) رواه البخاري رقم (٩٤٢) .
(٣) انظر ((المغازي)) (٣٩٦/١).

٢٧٠
ذكر قصة غورث بن الحارث
قصة
غورث بن الحارث
قال ابن إسحاق(١) في هذه الغزوة : حدّثني عمرو بن عبيدٍ ، عن الحسن ، عن جابر بن عبد الله ، أن
رجلاً من بني محاربٍ يقال له : غورثٌ ، قال لقومه من غطفان ومحاربٍ : ألا أقتل لكم محمداً ؟ قالوا :
بلى، وكيف تقتله؟ قال: أفتِك به. قال: فأقبل إلى رسول الله وَل وهو جالسٌ، وسيف رسول الله له
في حجره، فقال: يا محمد، أنظر إلى سيفك هذا؟ قال: ((نعم)). فأخذه فاستلّه ثم جعل يهزّه
ويهمّ ، فكبته الله. ثم قال: يا محمد، أما تخافني؟ قال: (( لا، وما أخاف منك؟ )) قال : أما تخافني
وفي يدي السيف؟ قال: ((لا، يمنعني الله منك)). ثم عمد إلى سيف النبيّ بَّل، فردّه عليه،
فانزل الله، عزّ وجلّ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوَاْ إِلَيْكُمْ
أَيْدِيَهُمْ فَكَفَ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمَّ وَاتَّقُواْ اللَّهُ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَّكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ المائدة: ١١].
قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني يزيد بن رُومان، أنها [ إنما ] أنزلت في عمرو بن جحَاشٍ أخي بني
النّضير ، وما همّ به .
هكذا ذكر ابن إسحاق قصة غورثٍ هذا ، عن عمرو بن عبيدِ القَدَريّ ، رأس الفرقة الضَّالة ، وهو وإن
كان لا يتّهم بتعمّد الكذب في الحديث ، إلا أنه ممن لا ينبغي أن يروى عنه ؛ لبدعته ودعائه إليها .
وهذا الحديث ثابتٌ في (( الصحيحين)) من غير هذا الوجه ، ولله الحمد .
وقد أورد الحافظ البيهقي (٣) هاهنا طُرقاً لهذا الحديث من عدة أماكن، وهي ثابتة في
(( الصحيحين)(٤) من حديث الزهريّ ، عن سنان بن أبي سنانٍ وأبي سلمة ، عن جابرٍ أنه غزا مع
رسول الله وَ الل غزوة نجدٍ، فما قفل رسول الله وَله، أدركته القائلة في وادٍ كثير العضاه، فتفرّق الناس
يستظلّون بالشجر، وكان رسول الله وَّل تحت ظلّ شجرةٍ، فعلّق بها سيفه، قال جابرٌ: فنمنا نومةً ، فإذا
رسول الله ◌َ ل﴿ يدعونا، فأجبناه، وإذا عنده أعرابيٌّ جالسٌ، فقال رسول الله وَ ليقول: ((إنّ هذا اخترط سيفي
وأنا نائمٌ، فاستيقظت وهو في يده صلتاً ، فقال : من يمنعك مني ؟ قلت : الله . فقال : من يمنعك
مني؟ قلت: الله. فشام السيف وجلس)). ولم يعاقبه رسول الله وَ ل وقد فعل ذلك.
وقد رواه مسلمٌ(٥) أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن عفَّان ، عن أبانٍ ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ،
.(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٠٥/٢) .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢ / ٢٠٦).
(٣)
في (( دلائل النبوة)) ( ٣/ ٣٧٣).
(٤) رواها البخاري رقم (٤١٣٥) ومسلم رقم (٨٤٣) (١٣) و(١٤).
(٥) رواه مسلم رقم (٨٤٣) .

٢٧١
ذكر قصة الذي أصيبت امرأته في غزوة ذات الرقاع
عن أبي سلمة ، عن جابرٍ قال: أقبلنا مع رسول الله بم له حتى إذا كنا بذات الرّقاع، وكنا إذا أتينا على شجرةٍ
ظليلةٍ تركناها لرسول الله رَ ◌ّ، فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول الله وَ ﴿ معلّقٌ بشجرةٍ، فأخذ سيف
رسول الله صَ لّ فاخترطه، وقال لرسول الله وَ ل: تخافني؟ قال: ((لا)) قال: فمن يمنعك مني؟ قال: ((الله
يمنعني منك)). قال: فتهدّده أصحاب رسول الله وَّةٍ، فأغمد السيف وعلّقه. قال: ونودي بالصلاة،
فصلّى بطائفةٍ ركعتين، ثم تأخّروا وصلّى بالطائفة الأخرى ركعتين. قال: فكانت لرسول الله بَّل أربع
ركعاتٍ وللقوم ركعتان .
وقد علّقه البخاريّ(١) بصيغة الجزم ، عن أبانٍ به .
قال البخاريّ : وقال مسدّدٌ ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشرٍ : إنّ اسم الرجل غورث بن الحارث .
وأسند البيهقيّ(٢) ، من طريق أبي عوانة ، عن أبي بشرٍ ، عن سليمان بن قيسٍ ، عن جابرٍ قال : قاتل
رسول الله وَّ محارب خصفة بنخلٍ، فرأوا من المسلمين غِرّةً، فجاء رجلٌ منهم يقال له : غورث بن
الحارث .
حتى قام على رأس رسول الله وَله بالسيف وقال: من يمنعك مني؟ قال: ((الله)). فسقط السيف من
يده، فأخذ رسول الله وَ لَه السيف وقال: ((من يمنعك مني؟)). فقال: كن خير آخذٍ. قال: ((تشهد أن
لا إله إلا الله؟)).
قال : لا ، ولكن أعاهدك على أن لا أُقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك . فخلّى سبيله ، فأتى
أصحابه ، فقال : جئتكم من عند خير الناس . ثم ذكر صلاة الخوف ، وأنه صلّى أربع ركعاتٍ ، بكلّ
طائفةٍ ركعتين . وقد أورد البيهقيّ هنا طرق صلاة الخوف بذات الرّقاع ، عن صالح بن خوّات بن جبيرٍ ،
عن سهل بن أبي حثمة ، وحديث الزهريّ ، عن سالم ، عن أبيه في صلاة الخوف بنجدٍ ، وموضع ذلك
كتاب (( الأحكام)) والله تعالى أعلم .
قصة
الذي أُصيبت امرأته في هذه الغزوة
قال محمد بن إسحاق(٣): حدّثني عمّي صدقة بن يسار(٤) ، عن عقيل بن جابرٍ ، عن جابر بن
(١) رقم (٤١٣٦).
(٢) في ((دلائل النبوة)) (٣٧٥/٣).
(٣) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٠٨/٢).
(٤) قال أبو ذر الخشني: ذِكر ((عمي)) في هذا الحديث خطأ ، وصدقة هذا جزري سكن بمكة . وليس بعم محمد بن
إسحاق. انظر ((شرح غريب السيرة)) (٢/ ١٩١).

٢٧٢
ذكر قصة الذي أصيبت امرأته في غزوة ذات الرِّقاع
عبد الله الأنصاريّ قال : خرجنا مع رسول الله بَّرفي غزوة ذات الرّقاع من نخلٍ، فأصاب [ رجلٌ ] امرأة
رجلٍ من المشركين، فلمّا انصرف رسول الله وَّ قافلاً، أتى زوجها وكان غائباً ، فلما أخبر الخبر ، حلف
لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمدٍ دماً. فخرج يتبع أثر رسول الله وَ له، فنزل رسول الله وُّل منزلًا،
فقال: ((من رجلٌ يكلؤنا ليلتنا؟)) فانتدب رجلٌ من المهاجرين ورجلٌ من الأنصار . فقالا : نحن
يا رسول الله. قال: ((فكُونا بفم الشّعب من الوادي)». وهما عمار بن ياسرٍ ، وعبّاد بن بشرٍ، فلمّا
خرجا إلى فم الشّعب قال الأنصاريّ للمهاجريّ : أيّ الليل تحبّ أن أكفيكه ؛ أوله أم آخره ؟ قال : بل
اكفني أوله . فاضطجع المهاجريّ فنام ، وقام الأنصاريّ يصلّي . قال : وأتى الرجل ، فلما رأى شخص
الرجل ، عرف أنه ربيئة القوم ، فرمى بسهم فوضعه فيه ، فانتزعه ووضعه ، وثبت قائماً . قال : ثم رمى
بسهم آخر فوضعه فيه . قال : فانتزعه ، فوضّعه وثبت قائماً . قال : ثم عاد له بالثالث ، فوضعه فيه فنزعه
فوضعه ، ثم ركع وسجد ، ثم أهبّ صاحبه ، فقال : اجلس فقد أُثبتّ . قال : فوثب الرجل ، فلمّا رآهما
الرجل ، عرف أن قد نذرا به ، فهرب . قال : ولما رأى المهاجريّ ما بالأنصاريّ من الدماء ، قال :
سبحان الله! أفلا أهببتني أول ما رماك ؟! قال : كنت في سورةٍ أقرؤها ، فلم أحبّ أن أقطعها حتى
أنفدها ، فلما تابع عليّ الرّمي ركعت فآذنتك، وايم الله لولا أن أضيّع ثغراً أمرني رسول الله وَل بحفظه ،
لقطع نفسى قبل أن أقطعها أو أنفدها .
هكذا ذكره ابن إسحاق في (( المغازي)) .
وقد رواه أبو داود(١) ، عن أبي توبة ، عن عبد الله بن المبارك ، عن ابن إسحاق به .
وقد ذكر الواقديّ(٢) ، عن عبد الله العمريّ، عن أخيه عبيد الله ، عن القاسم بن محمدٍ ، عن
صالح بن خوّاتٍ ، عن أبيه حديث صلاة الخوف بطوله قال: وكان رسول الله بَّر قد أصاب في محالّهم
نسوةٌ ، وكان في السبي جاريةٌ وضيئةٌ ، وكان زوجها يحبّها ، فحلف ليطلبنّ محمداً ، ولا يرجع حتى
يصيب دماً أو يخلّص صاحبته . ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد بن إسحاق .
قال الواقديّ(٣): وكان جابر بن عبد الله يقول: [ بينا] أنا مع رسول الله وَله، إذ جاء رجلٌ من
أصحابه بفرخ طائرٍ، ورسول الله وَله ينظر إليه ، فأقبل إليه أبواه أو أحدهما ، حتى طرح نفسه في يدي
الذي أخذ فرخَه، فرأيت أنَّ الناس عجبوا من ذلك، فقال رسول الله وَ له: ((أتعجبون من هذا الطائر؟!
أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمةً لفرخه ، فوالله لربّكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه )) .
(١) رواه أبو داود رقم (١٩٨ ) ، وهو حديث حسن .
(٢) انظر ((المغازي)) (٣٩٦/١).
(٣) انظر ((المغازي)) (٣٩٨/١).

٢٧٣
ذكر قصة جمل جابر في غزوة ذات الرِّقاع
قصة
جمل جابرٍ في هذه الغزوة
قال محمد بن إسحاق (١) : حدّثني وهب بن كيسان ، عن جابر بن عبد الله قال : خرجت مع
رسول الله وَّة إلى غزوة ذات الرّقاع من نخلٍ، على جملٍ لي ضعيفٍ، فلمّا قفل رسول الله مَّ جعلت
الرّفاق تمضي ، وجعلت أتخلّف حتى أدركني رسول الله وَل فقال: ((ما لك يا جابر؟)) قلت:
يا رسول الله، أبطأ بي جملي هذا. قال: ((أنخه)). قال: فأنخته وأناخ رسول الله وَّل ثم قال:
((أعطني هذه العصا من يدك)). أو: ((اقطع عصاً من شجرةٍ)). ففعلت فأخذها رسول الله وَ لٌ فَنَخَسَهُ بها
نَخَسَاتٍ ، ثم قال: اركب، فركبتُ، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقةً فقال لي: (( أتبيعني
جملك هذا يا جابر؟)) قال: قلت: بل أهبه لك. قال: (( لا، ولكن بعنيه)).
قال: قلت: فسُمنيه. قال: ((قد أخذتُه بدرهم)). قال: قلت: لا ، إذاً تغبنني يا رسول الله.
قال: ((فبدرهمين)). قال: قلت: لا. قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله وَله، حتى بلغ الأوقيّة. قال:
فقلت: أفَقد رضيت يا رسول الله؟ قال: ((نعم)). قلت: فهو لك. قال: ((قد أخذته)). ثم قال:
((يا جابر، هل تزوّجت بعد؟)) قال: قلت: نعم يا رسول الله. قال: (( أثيّيا أم بكراً؟)) قال: قلت :
بل ثيّيا. قال: ((أفلا جاريةً تلاعبها وتلاعبك؟)). قال : قلت : يا رسول الله ، إن أبي أُصيب يوم أحدٍ ،
وترك بناتٍ له سبعاً، فنكحت امرأةً جامعةً ، تجمع رؤوسهن ، فتقوم عليهن. قال: (( أصبت إن شاء الله ،
أما إنا لو قد جئنا صراراً ، أمرنا بجزورٍ فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعتْ بنا فنفضت نمارقها)).
قال: فقلت: والله يا رسول الله، ما لنا من نمارق. قال: ((إنّها ستكون ، فإذا أنت قدمت فاعمل
عملاً كيِّساً)). قال: فلمّا جئنا صراراً أمر رسول الله وَ له بجزورٍ فنحرت، فأقمنا عليها ذلك اليوم، فلمّا
أمسى رسول الله لل دخل ودخلنا. قال: فحدّثتُ المرأة الحديث، وما قال لي رسول الله وَله. قالت:
فدونك ، فسمعٌ وطاعةٌ . فلمّا أصبحت أخذت برأس الجمل ، فأقبلت به حتى أنخته على باب
رسول الله وَّل، ثم جلست في المسجد قريباً منه. قال: وخرج رسول الله وَله، فرأى الجمل فقال: (( ما
هذا؟)). قالوا: يا رسول الله، هذا جملٌ جاء به جابرٌ. قال: ((فأين جابرٌ؟)) . فدعيت له . قال :
فقال: ((يابن أخي، خذ برأس جملك، فهو لك)). قال: ودعا بلالاً فقال: ((اذهب بجابرٍ فأعطه
أُوقِيّة)). قال : فذهبت معه، فأعطاني أوقيّةً ، وزادني شيئاً يسيراً . قال : فوالله ما زال ينمي عندي
ويُرى مكانه من بيتنا ، حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا . يعني يوم الحرّة . وقد أخرجه صاحبا
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٠٦/٢).

٢٧٤
ذكر غزوة بدر الآخرة
(( الصحيح )) من حديث عبيد الله بن عمر العمريّ ، عن وهب بن كيسان ، عن جابرٍ بنحوه .
( قال السّهيليّ(١): في هذا الحديث إشارةٌ إلى ما كان أخبر به رسول الله وَ له جابر بن عبد الله؛ أنّ الله
﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى
أحيا [ والده ] وكلّمه، فقال له: ((تمنّ عليّ)). وذلك أنّه شهيدٌ، وقد قال الله تعالى: ﴿
مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُمْ﴾ [ التوبة: ١١١] وزادهم على ذلك في قوله: ﴿﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَ
وَزِيَادَةٌ﴾ [ يونس: ٢٦]. ثم جمع لهم بين العوض والمعوّض، فردّ عليهم أرواحهم التي اشتراها منهم،
فقال: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [ آل عمران: ١٦٩]. والرّوح
للإنسان بمنزلة المطّة، كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز. قال: ولذلك اشترى رسول الله [ * ] من
جابرٍ جمله وهو مطيّته فأعطاه ثمنه ، ثم ردّه عليه وزاده مع ذلك . قال : ففيه تحقيقٌ لما كان أخبره [ به ] ،
عن أبيه . وهذا الذي سلكه السهيليّ ههنا إشارةٌ غريبةٌ وتخيّلٌ بديعٌ . والله سبحانه وتعالى أعلم )(٢)
وقد ترجم الحافظ البيهقيّ في كتابه (( دلائل النبوة٣٨) على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال : باب
ما ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبد الله ، رضي الله عنه . وهذا الحديث له طرقٌ
عن جابرٍ وألفاظٌ كثيرةٌ ، وفيه اختلافٌ كثيرٌ في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع . وتحرير ذلك
واستقصاؤه لائقٌ بكتاب البيع من ((الأحكام)) والله أعلم .
وقد جاء تقييده بهذه الغزوة ، وجاء تقييده بغيرها ، كما سيأتي ، ومُسْتَبْعَد تعداد ذلك ، والله أعلم .
غزوة بدرٍ الآخرة
وهي بدرٌ الموعد(٤) ، التي تواعدوا إليها من أحدٍ ، كما تقدم .
قال ابن إسحاق(٥): ولما رجع رسول الله وَله إلى المدينة من غزوة ذات الرّقاع، أقام بها بقية جمادى
[ الأولى ] وجمادى الآخرة ورجباً، ثم خرج في شعبان إلى بدر لميعاد أبي سفيان . قال ابن هشام :
واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبيّ بن سلول. قال ابن إسحاق: فنزل رسول الله وَل بدراً ،
وأقام عليه ثمانياً ينتظر أبا سفيان ، وخرج أبو سفيان في أهل مكة ، حتى نزل مجنّة من ناحية الظّهران ،
وبعض الناس يقول : قد بلغ عُسفان . ثم بدا له في الرجوع ، فقال: يا معشر قريشٍ، إنه لا يصلحكم إلّ
عامٌ خصيبٌ ، ترعون فيه الشجر ، وتشربون فيه اللبن ، فإن عامكم هذا عامُ جدبٍ ، وإني راجعٌ
فارجعوا . فرجع الناس ، فسمّاهم أهل مكة جيش السَّوَيق ، يقولون : إنما خرجتم تشربون السّويق .
(١) انظر ((الروض الأنف)) (٢٤٨/٦).
(٢) ما بين القوسين ورد في حاشية الأصل (آ) وما بين الحاصرتين سقط منه وأثبته من ( ط ).
(٣) (٣٨١/٣).
(٤) وقال المؤلف في ((الفصول في سيرة الرسول)) ص (١٦٣): ((وهذه الغزوة تسمى بدراً الثالثة، وبدر الموعد)).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٠٩/٢).

٢٧٥
ذكر غزوة بدر الآخرة
قال: وأتى مخشيّ بن عمرو الضّمريّ، وقد كان وادع النبيّ بَّ في غزوة وَدّان على بني ضمرة ، فقال:
يا محمد، أجئت للقاء قريشٍ على هذا الماء؟ قال: (( نعم يا أخا بني ضمرة ، وإن شئت رددنا إليك
ما كان بيننا وبينك وجالدناك ، حتى يحكم الله بيننا وبينك)) . قال: لا والله يا محمد ، ما لنا بذلك من
حاجةٍ . ثم رجع رسول الله وَّر إلى المدينة ، ولم يلق كيداً .
قال ابن إسحاق(١): وقد قال عبد الله بن رواحة - يعني في انتظارهم أبا سفيان، ورجوعه بقريشٍ عامه
ذلك - قال ابن هشام: وقد أنشدنيها [ أبو ] زيدٍ لكعب بن مالكٍ (٢): [من الطويل ]
لميعاده صدقاً وما كان وافيا
وعدنا أبا سفيان بدراً فلم نجد
لأُبْتَ ذَميماً وافتقدت المواليا
فأُقسم لو لاقيتنا فلقيتنا
تركنا به أوصال عتبة وابنه
عصيتم رسول الله أُفِّ لدينكم
فإني وإن عنّفتموني لقائلٌ
أطعناه لم نعدله فينا بغيره
وعَمْراً أبا جهلٍ تركناه ثاويا
وأمركم السَّيْءِ الذي كان غاويا
فِدىّ لرسول الله أهلي وماليا
شهاباً لنا في ظلمة الليل هادياً
قال ابن إسحاق : وقال حسان بن ثابتٍ في ذلك(٣): [من الطويل ]
جلادٌ كأفواه المخاض الأواركِ
وأنصاره حقاً وأيدي الملائكِ
فقولا لها ليس الطريق هنالكٍ
بأرعن جرّارٍ عريض المباركِ
وقُبِّ طوالٍ مشرفات الحواركِ
مناسم أخفاف المطيّ الرّواتكِ
فرات بن حيّانٍ يكن رهن هالك
يزد في سواد لونُه لونُ حالكِ
فإنك من غرّ الرجال الصّعالك
دعوا فلجات الشام قد حال دونها
بأيدي رجالٍ هاجروا نحو ربّهم
إذا سلكت للغَور من بطن عالج
أقمنا على الرّسّ النّزوع ثمانياً
بكلّ كميتٍ جَوزه نصف خلقه
ترى العرفج العاميّ تذري أصوله
فإن نلق في تطوافنا والتماسنا
وإن تلق قيس بن امریء القيس بعده
فأبلغ أبا سفيان عني رسالةٌ
قال : فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب - وقد أسلم فيما بعد ذلك - : [ من الطويل ]
أحسان إنَّا يا بن آكلة الغفا وجدّك نغتال الخروق(٤) كذلكِ
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٠/٢).
(٢) انظر ((ديوانه)) ص (٢٢٢).
(٣) انظر ((ديوانه)) (٨٥/١) وفيها بعض الخلاف عما في كتابنا بألفاظها وترتيبها.
(٤) في هامش ((السيرة النبوية)): ((الغفا: التمر. يري أنهم أهل نخيل وتمر. ونغتال: نقطع. والخروق: جمع خرق
وهو الفلاة الواسعة)).

٢٧٦
ذكر غزوة بدر الآخرة
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا ولو وأَلت منا بشدّ مدارك
مُدَمَّنَ أهل الموسم المتعارك
وتتركنا في النخل عند المداركِ
فما وطئت ألصقنه بالدَّكادك
بجرد الجياد والمطىّ الرّواتك
كمأخذكم بالعين أرطال أنُك
على نحو قول المعصم المتماسك
فوارس من أبناء فهر بن مالكِ
ولا حرمات دينها أنت ناسكُ
· إذا ما انبعثنا من مناخٍ حسبتَه
أقمتَ على الرّسّ النّزوع تريدنا
على الزرع تمشي خيلنا وركابنا
أقمنا ثلاثاً بين سلعٍ وفارعٍ
حسبتم جلاد القوم عند فنائكم
فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها
سعدتم بها وغيركم كان أهلها
فإنك لا في هجرة إن ذكرتَها
قال ابن هشامُ(١) : تركنا منها أبياتاً ؛ لاختلاف قوافيها .
وقد ذكر موسى بن عقبةُ(٢) ، عن الزهريّ ، وابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزّبير ، أن
رسول الله بَ# استنفر الناس لموعد أبي سفيان ، وانبعث المنافقون في الناس يثبّطونهم، فسلّم الله
أولياءه ، وخرج المسلمون صحبة رسول الله وّل إلى بدرٍ، وأخذوا معهم بضائع، وقالوا : إن وجدنا
أبا سفيان ، وإلّا اشترينا من بضائع موسم بدرٍ . ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبي سفيان إلى
مجنّةَ ورجوعه ، وفي مقاولة الضّمريّ، وعرض النبيّ وَّ المنابذة فأبى ذلك.
قال الواقديّ(٣): خرج رسول الله وَلَه إليها في ألفٍ وخمسمئةٍ من أصحابه، واستخلف على المدينة
عبد الله بن رواحة، وكان خروجه إليها في مستهلَّ ذي القعدة . يعني سنة أربعٍ . والصحيح قول ابن
إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة ، ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان ، لكن قال :
في سنة ثلاثٍ . وهذا وهمٌ ؛ فإنّ هذه تواعدوا إليها من أحدٍ ، وقد كانت أحدٌ في شوالٍ سنة ثلاثٍ كما
تقدّم ، والله أعلم .
قال الواقديّ(٤) : فأقاموا ببدرٍ مدة الموسم الذي كان يعقد فيها ثمانية أيام ، فرجعوا وقد ربحوا من
الدرهم درهمين . وقال غيره : فانقلبوا، كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسُْمْ سُوّةٌ
وَأَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [ آل عمران: ١٧٤].
(١) انظر ((السيرة النبوية)) (٢١٣/٢).
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٣٨٤/٣).
(٣) انظر ((المغازي)) (٣٨٧/١).
(٤) انظر ((المغازي)) (٣٨٨/١).

٢٧٧
ذكر جمل من الحوادث الواقعة في سنة أربع من الهجرة
فصلٌ
في جملٍ من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة
قال ابن جريرٍ(١) : وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عقَّان ، رضي الله عنه
- قلت: من رُقَيّة بنت رسول اللهِوَ لَه- وهو ابن ست سنين، فصلّى عليه رسول اللهِوَ لره، ونزل في حفرته
والده عثمان بن عفَّان ، رضي الله عنه .
قلت : وفيه توفّي أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عُمَر بن مخزوم القرشيّ
المخزوميّ(٢)، وأمّه برّة بنت عبد المطلب، عمّة رسول الله وَله، وكان رضيع رسول الله وَّل؛ ارتضعا
من ثويبة مولاة أبي لهبٍ ، وكان إسلام أبي سلمة وأبي عبيدة وعثمان بن عفان(٣) والأرقم بن أبي الأرقم
قديماً في يوم واحدٍ ، وقد هاجر هو وزوجته أمّ سلمة إلى أرض الحبشة ، ثم عاد إلى مكة ، وقد ولد لهما
بالحبشة أولادٌ ، ثم هاجر من مكَّة إلى المدينة ، وتبعته أمّ سلمة إلى المدينة كما تقدّم ، وشهد بدراً
وأحداً ، ومات من آثار جرحٍ جرحه بأُحدٍ ، رضي الله عنه وأرضاه ، له حديثٌ واحدٌ في الاسترجاع عند
المصيبة، سيأتي في سياق تزويج رسول الله وَ له بأمّ سلمة قريباً.
قال ابن جرير(٤): وفي ليالٍ خلون من شعبان ولد الحسين بن عليّ من فاطمة بنت رسول الله وَلير ،
ورضي الله عنهم .
قال(٥): وفي شهر رمضان من هذه السنة، تزوّج رسول الله وَّو زينب بنت خزيمة بن الحارث بن
عبد الله بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلاليّة .
وقد حكى أبو عمر بن عبد البر(٦) ، عن عليٍّ بن عبد العزيز الجرجانيّ أنه قال : كانت أخت ميمونة
بنت الحارث ، ثم استغربه وقال : لم أره لغيره ، وهي التي يقال لها : أمّ المساكين . لكثرة صدقاتها
عليهم وبرّها لهم وإحسانها إليهم ، وأصدقها ثنتي عشرة أوقيّةً ونشّاً ، ودخل بها في رمضان ، وكانت قبله
عند الطّفيل بن الحارث فطلّقها .
(١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٥٥٥/٢).
(٢) ترجمته في ((أسد الغابة)) (٦/ ١٥٢).
(٣) كذا في (أ) و(ط)، والصحيح هنا والله أعلم، ذكر عثمان بن مظعون، لا عثمان بن عفَّان ، لأن عثمان بن
مظعون ، هو الذي هاجر إلى الحبشة، انظر ((الإصابة)) (٤٦٤/٢).
(٤)
انظر ((تاريخ الطبري)» ( ٥٥٥/٢ ) .
انظر ((تاريخ الطبري)) (٥٥٥/٢) و((شذرات الذهب)) (١١٩/١).
(٥)
(٦) في ((الاستيعاب بمعرفة الأصحاب)) (١٨٥٤/٤).

٢٧٨
ذكر جمل من الحوادث الواقعة في سنة أربع من الهجرة
قال أبو عمر بن عبد البر(١)، عن عليّ بن عبد العزيز الجرجانيّ : ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن
الحارث بن المطلب بن عبد منافٍ .
قال ابن الأثير في (( الغابة)(٢): وقيل: كانت تحت عبد الله بن جحشٍ ، فقتل عنها يوم أحدٍ .
قال أبو عمر: ولا خلاف أنها ماتت في حياة رسول الله مُّل، وقيل: لم تلبث عنده إلا شهرين أو
ثلاثةً حتى توفّيت ، رضي الله عنها .
وقال الواقدي(٣): في شوالٍ من هذه السنة تزوج رسول الله وَّ أمّ سلمة بنت أبي أميّة .
قلت : وكانت قبله عند زوجها ، أبي أولادها ، أبي سلمة بن عبد الأسد ، وقد كان شهد بدراً وأحداً
كما تقدّم ، وجرح يوم أحدٍ ، فداوى جرحه شهراً حتى برأ ، ثم خرج في سريةٍ ، فغنم منها نَعَماً ومغنماً
جيداً ، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يوماً ، ثم انتقض عليه جرحه ، فمات لثلاثٍ بقين من جمادى الأولى
من هذه السنة ، فلما حلّت في شوالٍ خطبها رسول الله وَ له إلى نفسها بنفسه الكريمة، وبعث إليها عمر بن
الخطاب في ذلك مراراً ، فتذكر أنها امرأةٌ غيرى ؛ أي شديدة الغيرة ، وأنها مُصبيةٌ ؛ أي لها صبيانٌ
يشغلونها عنه، ويحتاجون إلى مؤنةٍ، تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: ((أما الصّبية فإلى الله
وإلى رسوله - أي نفقتهم - ليس إليك، وأما الغيرة فأدعو الله فيذهبها)) . فأذنت في ذلك ، وقالت لعمر
آخر ما قالت له: قم ، فزوّج النبيّ وَّه. تعني: قد رضيت وأذنت. فتوهّم بعض العلماء أنها تقول لابنها
عمر بن أبي سلمة ، وقد كان إذ ذاك صغيراً لا يلي مثله العقد ، وقد جمعت في ذلك جزءاً مفرداً بيّنت فيه
الصواب في ذلك ، ولله الحمد والمنة ، وأن الذي ولي عقدها عليه ابنها سلمة بن أبي سلمة ، وهو أكبر
ولدها ، وساغ هذا ؛ لأن أباه ابن عمّها ، فللابن ولاية أمّه إذا كان سبباً لها من غير جهة البنوّة بالإجماع .
وكذا إذا كان معتقاً أو حاكماً ، فأما محض البنوة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعي وحده ، وخالفه
الثلاثة ؛ أبو حنيفة ومالكٌ وأحمد بن حنبلٍ ، رحمهم الله، ولبسط هذا موضعٌ آخر يذكر فيه ، وهو كتاب
النّكاح من (( الأحكام الكبير)) ، إن شاء الله .
قال الإمام أحمد(٤) : ثنا يونس ، ثناليث ، يعني ابن سعدٍ ، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ،
عن عمرو بن أبي عمرٍو ، عن المطلب، عن أمّ سلمة قال: أتاني أبو سلمة يوماً من عند رسول الله اله
فقال: لقد سمعت من رسول الله وَ ل﴿ل قولًا فسررت به؛ قال: (( لا يصيب أحداً من المسلمين مصيبةٌ ،
فيسترجع عند مصيبته ، ثم يقول : اللهم أجُرني في مصيبتي ، واخلف لي خيراً منها . إلا فعل به )) . قالت
(١) انظر ((الاستيعاب)) (٤/ ١٨٥٤).
(٢) يعني في ((أسد الغابة)) والنقل فيه (١٢٩/٧).
(٣) انظر ((المغازي)) (٣٤٤/١).
(٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٧/٤)، والمطلب روايته عن الصحابة مرسلة ، إلا أمثال أنس بن مالك ، وسهل بن
سعد ، وسلمة بن الأكوع ومن كان قريباً من طبقتهم ، ولكن يشهد للحديث ما بعده .

٢٧٩
ذكر جمل من الحوادث الواقعة في سنة أربع من الهجرة
أمّ سلمة : فحفظت ذلك منه ، فلما توفّ أبو سلمة استرجعت ، وقلت : اللهم أجرني في مصيبتي واخلف
لي خيراً منها . ثم رجعت إلى نفسي ، قلت : من أين لي خيرٌ من أبي سلمة ؟ فلما انقضت عدّتي استأذن
عليّ رسول الله مَّ وأنا أدبغ إهاباً لي ، فغسلت يديّ من القرظ ، وأذنت له ، فوضعت له وسادة أدم
حشوها ليفٌ ، فقعد عليها ، فخطبني إلى نفسي ، فلمّا فرغ من مقالته قلت : يا رسول الله ، ما بي أن لا
تكون بك الرّغبة ، ولكني امرأةٌ فيّ غيرةٌ شديدةٌ ؛ فأخاف أن ترى مني شيئاً يعذّبني الله به ، وأنا امرأةٌ قد
دخلت فى السنّ ، وأنا ذات عيالٍ. فقال: (( أمّا ما ذكرتِ من الغيرة فسيذهبها الله عنك ، وأما ما ذكرت
من السنّ ؛ فقد أصابني مثل الذي أصابك ، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي)). قالت: فقد
سلَّمت لرسول الله وَ لّه. فقالت أم سلمة: فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيراً منه؛ رسول الله وَل} .
وقد رواه الترمذيّ والنسائيّ(١)، من حديث حمّاد بن سلمة ، عن ثابتٍ ، عن عمر بن أبي سلمة ، عن
أمّه أمّ سلمة ، عن أبي سلمة به ، وقال الترمذي : حسن غريب ، وفي رواية للنسائي(٣) عن ثابت عن ابن
عمر بن أبي سلمة . ورواه ابن ماجه (٣) ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن يزيد بن هارون ، عن عبد
الملك بن قدامة الجمحيّ ، عن أبيه ، عن عمر بن أبي سلمة به .
وقال ابن إسحاق(٤): ثم انصرف رسول الله وَل ـ يعني من بدرٍ الموعد - راجعاً إلى المدينة ، فأقام بها
حتى مضى ذو الحجّة ، وولي تلك الحجّة المشركون ، وهي سنة أربعٍ .
وقال الواقديّ(٥): وفي هذه السنة - يعني سنة أربع - أمر رسول الله وَ ل زيد بن ثابتٍ أن يتعلّم كتاب
یهود .
قلت: فثبت عنه في ((الصحيح)(٦) أنه قال: تعلّمته في خمسة عشر يوماً ، والله أعلم .
(١) رواه الترمذي رقم (٣٥١١) والنسائي في (( السنن الكبرى )) رقم (١٠٩٠٩) و(١٠٩١٠ )، وهو حديث صحيح
بطرقه وانظر مسند أحمد (٤٤ /٢٧١).
(٢) في الكبرى (١٠٩١١).
في (( السنن)) رقم (١٥٩٨)، وهو حديث صحيح بطرقه .
(٣)
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٣/٢).
(٥) انظر ((تاريخ الطبري)) (٢/ ٥٦١).
(٦) روى البخاري أصله برقم (٧١٩٥) تعليقاً ولم يذكر عدد الأيام فيه، وقد وصله في (( تاريخه الكبير))، ورواه أبو
داود رقم ( ٣٦٤٥) والترمذي رقم (٢٧١٥) وقال : حسن صحيح وهو كما قال .

٢٨٠
أحداث سنة ٥ هـ
سنة خمس من الهجرة النبوية
غزوة دومة الجَنْدَل(١)
في ربيع الأول [ منها ]
قال ابن إسحاق(٢): ثم غزا رسول الله ◌َ و دومة الجندل(٣).
قال ابن هشام(٤): في ربيع الأول - [ يعني ] من سنة خمس - واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة
الغفاري .
قال ابن إسحاق(٥) : ثم رجع إلى المدينة قبل أن يصل إليها ، ولم يلق كيداً ، فأقام بالمدينة بقية
سنته . هكذا قال ابن إسحاق .
وقد قال محمد بن عمر الواقدي(٦) بإسناده ، عن شيوخه ، عن جماعة من السَّلَف قالوا : أراد
رسول الله و # أن يدنو إلى أداني الشام، وقيل له: إن ذلك مما يفزع قيصر وذكر له [ أن ] بدومة الجندل
جمعاً كثيراً(٧)، وأنهم يظلمون من مر بهم، وكان بها٨) سوق عظيم ، وهم يريدون أن يدنوا من المدينة ،
فندب رسول الله وَلّ الناس، فخرج في ألف من المسلمين ، فكان يسير الليل، ويكمُن النهار ، ومعه
دليل له من بني عذرة يقال له : مذكور . هادٍ خِرِّيت(٩) ، فلما دنا من دومة الجَنْدَل أخبره دليله بسوائم بني
تميم ، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم ، فأصاب من أصاب ، وهرب من هرب في كل [وجه] ،
وجاء الخبرُ أهلَ دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله وَ لَه بساحتهم، فلم يجد بها"١) أحداً، فأقام بها
(١) انظر ((عيون الأثر)) (٨٣/٢) و((زاد المعاد)) (٢٢٨/٣) و((الفصول في سيرة الرسول)) ص (١٦٣) و((شذرات
الذهب)) (١/ ١٢٢).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٢١٣).
(٣) دومة الجندل: على سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول وَله. انظر ((معجم البلدان)) (٢/ ٤٨٧).
(٤)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٣/٢).
(٥)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢١٣/٢) .
(٦) انظر ((المغازي)) (٤٠٢/١).
(٧)
في (أ): ((كبيراً)) وأثبت لفظ ( ط ) وهو الصواب.
في (ط): ((لها)).
(٨)
(٩) الخِرِّيت: الماهر. انظر ((النهاية)) (١٩/٢).
(١٠) في (ط): ((فيها)).