النص المفهرس
صفحات 221-240
٢٢١ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أحد جعل يكشف عنه الثوب ويبكي ، فنهاه الناس، فقال رسول الله وَله: ((تبكيه أو لا تبكيه ، لم تزل الملائكة تظلّه بأجنحتها حتى رفعتموه )(١) وفي روايةٍ ، أن عمّته هي الباكية . وقال البيهقيّ(٢): أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، وأبو بكرٍ أحمد بن الحسن القاضي قالا : حدّثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ، حدّثنا محمد بن إسحاق ، حدّثنا فيض بن وثيقِ البصريّ ، حدّثنا أبو عبادة الأنصاريّ، عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله مح له لجابرٍ: ((يا جابر ، ألا أبشّرك؟)) قال: بلى، بشّرك الله بالخير. فقال: (( أشعرتَ أن الله أحيا أباك فقال : تمنّ عليّ عبدي ما شئت أعطكه . قال : ياربّ ، ما عبدتك حقّ عبادتك، أتمنّى عليك أن تردّني إلى الدنيا، فأُقُتل مع نبيّك ، وأقتل فيك مرةً أخرى . قال: إنه قد سلف مني أنّه إليها لا يرجع)). وقال البيهقيّ(٣) : أنا أبو الحسن محمد بن أبي المعروف الإسفرايينيّ ، ثنا أبو سهلٍ بشر بن أحمد ، أنا أحمد بن الحسين بن نصرٍ ، ثنا عليّ بن المدينيّ ، حدّثنا موسى بن إبراهيم [ بن كثيرٍ ] بن بشير بن الفاكه الأنصاريّ ، قال : سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصّمّة الأنصاريّ ثم السّلميّ قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إليّ رسول الله بَ له فقال: ((ما لي أراك مهتمّاً؟)) قال: قلت: يا رسول الله، قتل أبي، وترك ديناً وعيالًا. فقال: (( ألا أخبرك؟ ما كلّم الله أحداً إلا من وراء حجابٍ، وإنه كَلَّم أباك كفاحاً، وقال له يا عبدي ، سلني أعطك . فقال : أسألك أن تردّني إلى الدنيا فأقتل فيك ثانياً . فقال : إنه قد سبق مني [ القول ] إنّهم إليها لا يرجعون. قال: ياربّ، فأبلغ من ورائي)). فأنزل الله: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأُ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية [ آل عمران: ١٦٩]. وقال ابن إسحاق(٤) : وحدّثني بعض أصحابنا ، عن عبد الله بن محمد بن عقيلٍ ، سمعت جابراً يقول: قال لي رسول الله وَ له: ((ألا أبشّرك يا جابر؟)) قال: قلت: بلى. قال: ((إنّ أباك حيث أصيب بأحدٍ ، أحياه الله ، ثم قال له : ما تحبّ يا عبد الله بن عمرو أن أفعل بك ؟ قال : أي ربِّ، أحبّ أن تردّني إلى الدنيا ، فأقاتل فيك، فأقتل مرّةً أخرى)) . وقد رواه أحمد(٥) ، عن عليّ بن المدينيّ، عن سفيان بن عيينة، عن محمد بن عليّ بن ربيعة السّلميّ، عن عبد الله بن محمد بن عقيلٍ، عن جابرٍ، وزاد: فقال الله: ((إني قضيت أنهم إليها لا يرجعون)). (١) هي عند البخاري رقم (١٢٤٤) وعند مسلم رقم (٢٤٧١) (١٢٩). (٢) في ((دلائل النبوة)) (٢٩٨/٣). (٣) في ((دلائل النبوة)) (٢٩٨/٣). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٢٠/٢). (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٦١/٣)، وإسناده حسن . ٢٢٢ ذكر الصلاة على حمزة رضي الله عنه وقتلى أُحد وقال أحمد(١) : ثنا يعقوب، ثنا أبي، عن ابن إسحاق ، حدّثني عاصم بن عمر بن قتادة ، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن جابر بن عبد الله قال: سمعت رسول الله وح لول يقول ، إذا ذكر أصحاب أحدٍ : (( أما والله لوددت أني غودرت مع أصحاب نحصِ الجبل)) . يعني سفح الجبل، تفرّد به أحمد . وقد روى البيهقيّ(٢)، من حديث عبد الأعلى بن عبد الله بن أبي فروة ، عن قطن بن وهبٍ ، عن عبيد بن عميرٍ ، عن أبي هريرة أن رسول الله وَ لّ حين انصرف من أحد مرَّ على مصعب بن عمير وهو مقتولٌ على طريقه ، فوقف عليه، فدعا له ثم قرأ: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيَّةِ﴾ الآية [ الأحزاب: ٢٣]. قال: ((أشهد أنّ هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة ، فأتوهم وزوروهم ، والذي نفسي بيده ، لا يسلّم عليهم أحدٌ إلى يوم القيامة؛ إلا ردّوا عليه ». وهذا حديثٌ غريبٌ، وروي عن عبيد بن عميرٍ مرسلاً . وروى البيهقيّ(٣) من حديث موسى بن يعقوب ، عن عبّاد بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال: كان النبيّ ◌َيهو يأتي قبور الشهداء، فإذا أتى فرضة الشّعب(٤) قال: (( السلام عليكم بما صبرتم، فنعم عقبى الدَّار)). ثم كان أبو بكرٍ بعد النبيّ وَّر يفعله، وكان عمر بعد أبي بكرٍ يفعله ، وكان عثمان بعد عمر يفعله . قال الواقديّ(٥): كان النبيَّّه يزورهم كلّ حولٍ، [فإذا تفوَّه]٦) الشّعبَ يقول: (( السلام عليكم بما صبرتم ، فنعم عقبى الدَّار)) . ثم كان أبو بكرٍ يفعل ذلك كلّ حولٍ ، ثم عمر ، ثم عثمان ، وكانت فاطمة بنت رسول الله ﴾ تأتيهم ، فتبكي عندهم وتدعو لهم ، وكان سعدٌ يسلّم ، ثم يقبل على أصحابه فيقول : ألا تسلّمون على قومٍ يردّون عليكم . ثم حكى زيارتهم ، عن أبي سعيدٍ ، وأبي هريرة ، وعبد الله ابن عمر ، وأمّ سلمة ، رضي الله عنهم . وقال ابن أبي الدّنيا٧): حدّثني إبراهيم، حدثني الحكم بن نافعٍ، ثنا العطّاف بن خالدٍ، حدّثتني خالتي قالت : ركبت يوماً إلى قبور الشهداء - وكانت لا تزال تأتيهم - فنزلت عند حمزة، فصلّيت ما شاء الله أن أصلّي ، وما في الوادي داعٍ ولا مجيبٌ ، إلا غلاماً قائماً آخذاً برأس دابتي ، فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي : السلام عليكم . قالت : فسمعت ردّ السلام عليّ يخرج من تحت الأرض ، (١) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٧٥/٣)، وإسناده حسن. (٢) في ((دلائل النبوة)) (٢٨٤/٣). (٣) في ((دلائل النبوة)) (٣٠٦/٣). (٤) أي : جانبه . انظر ((المغازي)) (٣١٣/١). (٥) (٦) في ( ط ) فإذا بلغ نقرة . (٧) في كتابه (( من عاش بعد الموت )) ص (٤٠). ٢٢٣ ذكر عدد الشهداء في وقعة أُحد أعرفه كما أعرف أن الله عزّ وجلّ خلقني ، وكما أعرف الليل من النهار ، فاقشعرّت كلّ شعرةٍ مني . وقال محمد بن إسحاق(١) ، عن إسماعيل بن أميّة ، عن أبي الزّبير، عن سعيد بن جبيرٍ ، عن ابن عباسٍ قال : قال النبيّ ◌ََّ: ((لما أصيب إخوانكم يوم أحدٍ ، جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خضرٍ ، ترد أنهار الجنة ، وتأكل من ثمارها ، وتأوي إلى قناديل من ذهبٍ معلّقةٍ في ظلّ العرش ، فلمّا وجدوا طيب مشربهم ومأكلهم ، وحسن مقيلهم قالوا : من يبلّغ إخواننا عنا أنّا أحياءٌ في الجنة نرزق ؛ لئلا ينكلوا عن الحرب ، ولا يزهدوا في الجهاد ؟ فقال الله عزّ وجلّ: أنا أبلغهم عنكم)) . فأنزل الله في الكتاب قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّالَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴾. وروى مسلمٌ والبيهقيّ(٢) من حديث أبي معاوية ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن مرّة ، عن مسروقٍ قال: سألنا عبد الله بن مسعودٍ عن هذه الآية: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. قال: أما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله وَله فقال: ((أرواحهم كطيرٍ خضرٍ(٣) ، تسرح في أيّها شاءت، ثم تأوي إلى قناديل معلّقةٍ بالعرش)). قال: ((فبينما هم كذلك ، إذ اطّلع عليهم ربّك اطّلاعةً ، فقال : سلوني ما شئتم . فقالوا : يا ربّنا ، وما نسألك ونحن نسرح في الجنَّة في أيّها شئنا ؟! فلمّا رأوا أن لن يُتركوا من أن يسألوا ، قالوا : نسألك أن تردّ أرواحنا إلى أجسادنا في الدّنيا ، نقتل في سبيلك)). قال: ((فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تُركوا)). فصلٌ في عدد الشّهداء قال موسى بن عقبة(٤) : جميع من استشهد يوم أحدٍ من المهاجرين والأنصار ، تسعةٌ وأربعون رجلاً. وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاريّ(٥) عن البراء، أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلاً، فالله أعلم . وقال قتادة ، عن أنسٍ(٦) : قتل من الأنصار يوم أحدٍ سبعون(٧) ، ويوم بئر معونة سبعون ، ويوم اليمامة سبعون . (١) في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١١٩/٢). (٢) رواه مسلم رقم (١٨٨٧) والبيهقي في ((دلائل النبوة)) (٣٠٣/٣) واللفظ له . (٣) في ( ط): ((أرواحهم في جوف طير خضر)). (٤) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٨٠/٣). في « صحيحه )) رقم (٣٩٨٦) . (٥) (٦) انظر ((صحيح البخاري)) رقم (٤٠٧٨). (٧) انظر ((الفصول في سيرة الرسول)) للمؤلف ص (١٥٠). ٢٢٤ ذكر انصراف رسول الله بحث إلى المدينة عقب وقعة أحد وقال حمّاد بن سلمة ، عن ثابتٍ ، عن أنسٍ أنه كان يقول : قارب السبعين يوم أحدٍ ، ويوم بئر معونة ، ويوم مؤتة ، ويوم اليمامة . وقال مالكٌ(١) ، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ ، عن سعيد بن المسيّب: قتل من الأنصار يوم أحدٍ سبعون ، ويوم اليمامة سبعون ، ويوم جسر أبي عبيدٍ سبعون . وهكذا قال عكرمة ، وعروة ، والزهريّ ، ومحمد بن إسحاق ، في قتلى أحدٍ. ويشهد له قوله تعالى: ﴿ أَوَلَمَّا أَصَبَتَّكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا ﴾ [ آل عمران: ١٦٥ ] يعني أنهم قتلوا يوم بدرٍ سبعين وأسروا سبعين. وعن ابن إسحاقُ(٢) : قتل من الأنصار يوم أحدٍ خمسةٌ وستون ، أربعةٌ من المهاجرين ؛ حمزة ، وعبد الله بن جحشٍ ، ومصعب بن عميرٍ ، وشمّاس بن عثمان ، والباقون من الأنصار ، وسرد أسماءهم على قبائلهم ، وقد استدرك عليه ابن هشام زيادةً على ذلك خمسةً آخرين ، فصاروا سبعين على قول ابن هشامٍ ، وسرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من المشركين ، وهم اثنان وعشرون رجلاً . وعن عروة : كان الشهداء يوم أحدٍ أربعةً - أو قال : سبعةً - وأربعين . وقال موسى بن عقبة : تسعةٌ وأربعون . قال موسى : وقتل من المشركين يومئذٍ ستة عشر رجلاً . وقال عروة : تسعة عشر . وقال ابن إسحاق : اثنان وعشرون . وقال الرّبيعُ(٣) ، عن الشافعيّ: ولم يؤسر من المشركين سوى أبي عزّة الجمحيِّ، وقد كان في الأسارى يوم بدرٍ، فمنّ عليه رسول الله بَ ◌ّه بلا فديةٍ، واشترط عليه ألَّ يقاتله، فلمّا أسر يوم أحدٍ قال : يا محمد، امنن عليّ لبناتي، وأعاهد أن لا أقاتلك. فقال له رسول الله وَ ير: ((لا أدعك تمسح عارضيك بمكّة، وتقول: خدعت محمداً مرتين)). ثم أمر به فضربت عنقه. وذكر بعضهم أنه يومئذٍ قال رسول الله وَلير: ((لا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين)). فصل قال ابن إسحاق(٤) : ثم انصرف رسول الله وَ ل﴿ إلى المدينة فلقيتْه حمنةُ بنت جحشٍ ، كما ذكر لي ، فلما لقيت الناسَ ونعي إليها أخوها عبد الله بن جحشٍ ، فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب ، فاسترجعت واستغفرت له ، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عميرٍ ، فصاحت (١) انظر ((دلائل النبوة)) (٢٨٧/٣). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٢٦/٢). (٢) (٣) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٨٠/٣). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٩٨). ٢٢٥ ذكر انصراف رسول الله ﴾ إلى المدينة عقب وقعة أحد وولولت، فقال رسول الله مع ليل: ((إن زوج المرأة منها لبمكان)). لما رأى من تثبّتها عند أخيها وخالها، وصياحها على زوجها . وقد قال ابن ماجه (١): ثنا محمد بن يحيى، ثنا إسحاق بن محمدِ الفَرْوي ، ثنا عبد الله بن عمر ، عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحشٍ ، عن أبيه ، عن حمنة بنت جحشٍ أنه قيل لها : قُتل أخوك . فقالت : رحمه الله، وإنا لله وإنا إليه راجعون . قالوا : قتل زوجك . قالت : واحزناه . فقال رسول الله بَّهُ: ((إن للزوج من المرأة لشعبةً، ما هي لشيءٍ))! قال ابن إسحاق(٢) : وحدّثني عبد الواحد بن أبي عونٍ ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقّاصٍ قال: مرّ رسول الله وَّة بامرأة من بني دينارٍ، وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله وَل بأحدٍ، فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله وَلَّرَ؟ قالوا: خيراً يا أمّ فلانٍ، هو بحمد الله كما تحبّين. قالت : أرُونيه حتى أنظر إليه . قال : فأشير لها إليه ، حتى إذا رأته قالت : كلّ مصيبةٍ بعدك جللٌ . قال ابن هشامٍ : الجَلل يكون من القليل ومن الكثير ، وهو هاهنا من القليل . : [من المتقارب ] (٣) قال امر ؤ القيس لقتل بني أسدٍ ربّهم ألا كلّ شيءٍ خلاه جلل أي : صغيرٌ وقليلٌ . قال ابن إسحاق(٤): فلما انتهى رسول الله وَ له إلى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: ((اغسلي عن هذا دمه يا بنيّة، فوالله لقد صدقني في هذا اليوم)) . وناولها عليّ بن أبي طالبٍ سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه، فوالله لقد صدقني اليوم. فقال رسول الله بَّلة: ((لئن كنت صدقت القتال ، لقد صدقه معك سهل بن حُنيفٍ وأبو دُجانة )) . وقال موسى بن عقبة في موضع آخر: ولما رأى رسول الله وَ لفر سيف عليٍّ مخضّباً بالدِّماء قال: ((لئن كنتَ أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح ، والحارث بن الصّمّة ، وسهل بن حنيفٍ)). وروى البيهقيُّ(٥) ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينارٍ ، عن عكرمة ، عن ابن عباسٍ قال: جاء عليّ بن أبي طالبٍ بسيفه يوم أحدٍ وقد انحنى فقال لفاطمة : هاكِ السَّيف حميداً؛ فإنها قد شفتْني . (١) رواه ابن ماجه رقم (١٥٩٠) وإسناده ضعيف . (٢) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٩٩/٢). (٣) انظر (( ديوانه)) ص (٢٦١). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٠٠/٢). (٥) في ((دلائل النبوة)) (٢٨٣/٣). ٢٢٦ ذكر انصراف رسول الله عز إلى المدينة عقب وقعة أحد فقال رسول الله وم جلة: ((لئن كنت أجدت الضرب بسيفك، لقد أجاده سهل بن حنيفٍ، وأبو دجانة، وعاصم بن ثابتٍ، والحارث بن الصّمّة)). قال ابن هشامُ(١): وسيف رسول الله وح ﴾ هذا هو ذو الفقار. قال : وحدّثني بعض أهل العلم ، عن ابن أبي نجيحِ قال : نادى منادٍ يوم أحدٍ : لا سيف إلا ذو الفقار ، ولا فتى إلا عليّ(٢) قال: وحدّثني بعض أهل العلم أن رسول الله وَّر قال لعليٍّ: ((لا يصيب المشركون منَّا مثلها حتى يفتح الله علينا )). قال ابن إسحاق(٣): ومرّ رسول الله به لل بدار بني عبد الأشهل، فسمع البكاء والنّوائح على قتلاهم ، فذرفت عينا رسول الله رب ◌ّ، فبكى ثم قال: ((لكنّ حمزة لا بواكي له)). فلما رجع سعد بن معاذٍ، وأُسيد بن الحضير إلى دار بني عبد الأشهل ، أمرا نساءهم أن يتحزّمن ، ثم يذهبن فيبكين على عمّ رسول الله الهام . فحدّثني(٤) حكيم بن حكيم بن عبّاد بن حنيفٍ ، عن بعض رجال بني عبد الأشهل قال : لما سمع رسول الله بِ ◌ّ بكاءهن على حمزة خرج عليهنَّ وهنَّ على باب مسجده يبكين عليه، فقال: ((ارجعن يرحمكن الله، فقد آسيتنّ بأنفسكن)) . قال: ونهى رسول الله يومئذٍ عن النّوح . فيما قال ابن هشامٍ . وهذا الذي ذكره ابن إسحاق منقطعٌ ، ومنه مرسلٌ . وقد أسنده الإمام أحمد فقال : ثنا زيد بن الحباب ، حدّثني أسامة بن زيدٍ ، حدّثني نافعٌ ، عن ابن عمر، أن رسول الله به سي لما رجع من أحدٍ، فجعل نساء الأنصار يبكين على من قُتل من أزواجهنّ، قال : فقال رسول الله بخير: ((ولكنّ حمزة لا بواكي له)). قال: ثم نام فاستنبه، وهنّ يبكين، قال: ((فهنَّ اليوم إذا يبكين يندبن حمزة ؟! )). وهذا على شرط مسلمٍ(٥) . وقد رواه ابن ماجه(٦) ، عن هارون بن سعيدٍ ، عن ابن وهبٍ ، عن أسامة بن زيدِ اللّيثيّ ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر، أن رسول الله بَ لّ مرّ بنساء بني عبد الأشهل يبكين هلكاهنّ يوم أحدٍ، فقال رسول الله وَ لَه : (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٠٠). (٢) قوله العملية: ((ولا فتى إلا عليّ)) سقط من ( ط). انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٩٩/٢). (٣) (٤) القائل ابن إسحاق . (٥) رواه أحمد في ((المسند)) (٢/ ٤٠)، قال ابن القطان الفاسي عن أسامة بن زيد الليثي لم يحتج به مسلم إنما أخرج له استشهاداً ، والحديث حسن . (٦) رواه ابن ماجه رقم (١٥٩١) ، وهو حديث حسن . ٢٢٧ ذكر خروج النبي لعنة بأصحابه في إثر أبي سفيان ((لكنّ حمزة لا بواكي له)) فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة، فاستيقظ رسول الله له فقال: ((ويحهنّ! ما انقلبن بعدُ؟! مروهنّ فلينقلبن ، ولا يبكين على هالكِ بعد اليوم» . وقال موسى بن عقبة: ولما دخل رسول الله مَ ﴿ أزقَّة المدينة، إذا النّوح والبكاء في الدّور ، فقال : (( ما هذا؟)) قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم. فقال: ((لكنّ حمزة لا بواكي له )) . واستغفر له، فسمع ذلك سعد بن معاذٍ ، وسعد بن عبادة ، ومعاذ بن جبلٍ ، وعبد الله بن رواحة ، فمشَوا إلى دورهم ، فجمعوا كلّ نائحةٍ وباكيةٍ كانت بالمدينة فقالوا : والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عمّ النبيّ وَّةٍ، فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة . وزعموا أن الذي جاء بالنّوائح عبد الله بن رواحة ، فلما سمع رسول الله وٍَّ قال: ((ما هذا؟)) فأُخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم، فاستغفر لهم، وقال لهم خيراً، وقال: (( ما هذا أردت ، وما أحبّ البكاء )) ونهى عنه . وهكذا ذكر ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير سواءً . قال موسى بن عقبة١): وأخذ المنافقون ، عند بكاء المسلمين ، في المكر والتّفريق عن رسول الله وَّ وتحزين المسلمين، وظهر غشّ اليهود، وفارت المدينة بالنّفاق فَور المرجل ، وقالت اليهود : لو كان نبياً ما ظهروا عليه ، ولا أصيب منه ما أصيب ، ولكنّه طالب ملكِ ؛ تكون له الدّولة وعليه . وقال المنافقون مثل قولهم ، وقالوا للمسلمين : لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم . فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق ، وتعزية المسلمين ؛ يعني فيمن قتل منهم ، فقال: ﴿ وَ إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّنُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاَللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ ( ن عمر - !١٢] الآيات كلّها، كما تكلّمنا على ذلك في ((التفسير (٢) ولله الحمدُ والمنّة. ذكر خروج النبيّ بُثّ بأصحابه ، على ما بهم من القرح والجراح . في أثر أبي سفيان ؛ إرهاباً له ولأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد(٣) وهي على ثمانية أميالٍ من المدينة قال موسى بن عقبة (٤) بعد اقتصاصه وقعة أحدٍ وذِكره رجوعه ، عليه الصلاة والسلام ، إلى المدينة : (١) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢١٦/٣). انظر ((تفسير القرآن العظيم)) للمؤلف (٢/ ٩٠) وما بعدها، و(٦٩/٤) وما بعدها. (٢) (٣) انظر (( المغانم المطابة في معالم طابة)) للفيروزابادي ص (١١٩ - ١٢٠). (٤) انظر ((دلائل النبوة)) (٢١٧/٣). ٢٢٨ ذكر خروج النبي = بأصحابه في إثر أبي سفيان وقدم رجلٌ من أهل مكة على رسول الله بَّه، فسأله عن أبي سفيان وأصحابه ، فقال : نازلتُهم فسمعتهم يتلاومون ؛ يقول بعضهم لبعضٍ : لم تصنعوا شيئاً ؛ أصبتم شوكة القوم وحدّهم ، ثم تركتموهم ، ولم تبتروهم ، فقد بقي منهم رؤوسٌ يجمعون لكم، فأمر رسول الله وَ لّ أصحابه، وبهم أشدُّ القَرح، بطلب العدوّ ؛ ليسمعوا بذلك، وقال: ((لا ينطلقنّ معي إلّ من شهد القتال)) . فقال عبد الله بن أَبيّ: أنا راكبٌ معك. فقال: ((لا)). فاستجابوا لله ولرسوله على الذي بهم من البلاء ، فانطلقوا ، فقال الله في كتابه العزيز: ﴿ الَّذِينَ اسْتَجَابُوْلِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَنَّقَوْ أَجْرُّ عَظِيمٌ﴾ [ آل عمران: ١٧٢ ] . قال: وأذن رسول الله وَ له لجابر بن عبد الله حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته. قال: وطلب رسول الله مَّة العدو حتى بلغ حمراء الأسد. وهكذا روى ابن لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير سواءً . وقال محمد بن إسحاق في (( مغازيه)) : وكان يوم أحدٍ يوم السبت النّصف من شوّالٍ ، فلما كان الغد من يوم الأحد لستّ عشرة ليلةً مضت من شوّالٍ، أَذّن مُؤَذِّنُ رسول الله وَّل في الناس بطلب العدوّ، وأذّن مؤذّنه ألّا يخرجنّ أحدٌ إلّا من حضر يومنا بالأمس ، فكلّمه جابر بن عبد الله ، فأذن له . قال ابن إسحاق (١): وإنما خرج رسول الله وَلل مرهباً للعدوّ، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم ؛ ليظنّوا به قوةٌ ، وأنّ الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم . قال ابن إسحاق ، رحمه الله(٢): فحدّثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابتٍ ، عن أبي السّائب مولى عائشة بنت عثمان ، أن رجلاً من بني عبد الأشهل قال : شهدت أحداً أنا وأخٌ لي فرجعنا جريحين ، فلما أذّن مؤذّن رسول الله ◌َ ﴿ بالخروج في طلب العدوّ ، قلت لأخي وقال لي : أتفوتنا غزوةٌ مع رسول الله وَّرَ؟ والله ما لنا من دابةٍ نركبها، وما منّا إلا جريحٌ ثقيلٌ، فخرجنا مع رسول الله وَّه، وكنت أيسر جرحاً منه ، فكان إذا غُلب حملته عقبةً ، حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون . قال ابن إسحاق : فخرج رسول الله وَ ل حتى انتهى إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميالٍ ، فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ، ثم رجع إلى المدينة . قال ابن هشام : وقد كان استعمل على المدينة ابن أمّ مكتومٍ . قال ابن إسحاق (٣) : حدّثني عبد الله بن أبي بكرٍ ، أن معبد بن أبي معبدٍ الخزاعيّ ، وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة نصحِ لرسول الله بَّر بتهامة، صفقهم معه، لا يخفون عنه شيئاً كان بها، ومعبدٌ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٠١/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٠١/٢). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٠١/٢ - ١٠٢). ٢٢٩ ذكر خروج النبي بثّ بأصحابه في إثر أبي سفيان يومئذٍ مشركٌ، مرّ برسول الله وَل وهو مقيمٌ بحمراء الأسد، فقال: يا محمد، أما والله لقد عزّ علينا ما أصابك في أصحابك ، ولوددنا أن الله عافاك فيهم. ثم خرج ورسول الله وَ ل بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حربٍ ومن معه بالرّوحاء، وقد أجمعوا الرّجعة إلى رسول الله وَّه وأصحابه، وقالوا : أصبنا حدّ أصحابه وقادتهم وأشرافهم ، ثم نرجع قبل أن نستأصلهم ؟! لنكرّنّ على بقيتهم فلنفرغنّ منهم . فلما رأى أبو سفيان معبداً قال : ما وراءك يا معبد ؟ قال : محمدٌ قد خرج في أصحابه ، يطلبكم في جمعٍ لم أر مثله قطُ ؛ يتحرّقون عليكم تحرّقاً ، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحَق عليكم شيءٌ لم أر مثله قطُ . قال : ويلك ما تقول ؟ قال : واللهِ ما أُراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل ، قال : فوالله لقد أجمعنا الكرّة عليهم ؛ لنستأصل شأفتهم . قال : فإني أنهاك عن ذلك ، والله لقد حملني ما رأيت على أن قلتُ فيه أبياتاً من شعرٍ. قال: وما قلتَ؟ قال: قلتُ(١): [من البسيط ] إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل كادت تهدّ من الأصوات راحلتي تردي بأسدٍ كرام لا تنابلةٍ فظلت عدواً أظنّ الأَرض مائلةً عند اللقاء ولا ميلٍ معازيل لمّا سموا برئيسٍ غير مخذول إذا تغطمطت البطحاء بالجيل فقلت : ويل ابن حربٍ من لقائكمُ إني نذيرٌ لأهل البسل ضاحيةٌ من جيش أحمد لا وخشٍ قنابلُه(٢) لكلّ ذى إربةٍ منهم ومعقول وليس يُوصف ما أنذرت بالقيل قال : فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه . ومرّ به ركبٌ من عبد القيس ، فقال : أين تريدون ؟ قالوا : المدينة . قال : ولم ؟ قالوا : نريد الميرة ؟ قال : فهل أنتم مبلّغون عني محمداً رسالةً أرسلكم بها إليه وأحمّل لكم هذه غداً زبيباً بعكاظٍ إذا وافيتموها ؟ قالوا : نعم . قال : فإذا وافيتموه ، فأخبروه أنّا قد أجمعنا السّير إليه وإلى أصحابه؛ لنستأصل بقيتهم. فمرّ الرّكب برسول الله وَلّر وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: (( حسبنا الله ونعم الوكيل)). وكذا قال الحسن البصريّ. وقد قال البخاري (٣): ثنا أحمد بن يونس - أُراه قال : - ثنا أبو بكرٍ، عن أبي حَصينٍ ، عن أبي الضّحى ، عن ابن عباسٍ: ﴿ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. قالها إبراهيم ، عليه السلام ، حين ألقي في النار ، وقالها محمدٌ رَِّ حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَأَخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًّا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ اُلْوَكِيلُ﴾ [ آل عمران: ١٧٣ ] تفرّد بروايته البخاريّ. وقد قال البخاريٌّ(٤): حدّثنا محمد بن سَلام، حدّثنا أبو معاوية ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة ، (١) الأبيات في ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٠٣/٢). (٢) في ((السيرة النبوية)): لابن هشام ((تنابلة)). (٣) رواه البخاري رقم (٤٥٦٣). (٤) رواه البخاري رقم ( ٤٠٧٧) . ٢٣٠ ذكر خروج النبي ومة بأصحابه في إثر أبي سفيان رضي الله عنها ﴿الَّذِينَ أُسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَخْرُّ عَظِيمٌ ﴾ [ آل عمران: ١٧٢]. قالت لعروة: يابن أُختي، كان أبواك منهم ؛ الزُّبير ، وأبو بكرٍ ، رضي الله عنهما ، لما أصاب رسول الله بَّر ما أصاب يوم أحدٍ وانصرف عنه المشركون، خاف أن يرجعوا، فقال: ((من يذهب في إثرهم ؟)) فانتدب منهم سبعون رجلاً ، فيهم أبو بكرٍ والزُّبير . هكذا رواه البخاريّ . وقد رواه مسلمٌ مختصرا١ً) من أوجهِ ، عن هشامٍ . وهكذا رواه سعيد بن منصورٍ وأبو بكرٍ الحميديّ جميعاً ، عن سفيان بن عيينة(٢) وأخرجه ابن ماجه (٣) من طريقه ، عن هشام بن عروة به . ورواه الحاكم في (( مستدركه )(٤) من طريق أبي سعيدِ المؤدّب ، عن هشام بن عروة به ، ورواه من حديث البهيّ ، عن عروة ، وقال في كلّ منهما : صحيحٌ ، ولم يخرجاه . كذا قال . وهذا السياق غريبٌ جداً؛ فإن المشهور عند أصحاب المغازي، أنّ الذين خرجوا مع رسول الله لِّل إلى حمراء الأسد كلّ من شهد أحداً ، وكانوا سبعمئةٍ ، كما تقدّم ، قتل منهم سبعون ، وبقي الباقون . وقد روى ابن جريرٌٍ) من طريق العوفيّ ، عن ابن عباسٍ قال : إن الله قذف في قلب أبي سفيان الرّعب يوم أحدٍ ، بعد الذي كان منه ، فرجع إلى مكة ، وكانت وقعة أحدٍ في شوّالٍ ، وكان التّجّار يقدمون في ذي القعدة المدينة ، فينزلون ببدرِ الصّغرى في كلّ سنةٍ مرةً ، وإنهم قدموا بعد وقعة أحدٍ ، وكان أصاب المسلمين القَرح، واشتكوا ذلك إلى رسول الله وسلّر، واشتدّ عليهم الذي أصابهم، وإن رسول الله وَيّ ندب الناس لينطلقوا معه ويتّبعوا ما كانوا متّبعين، وقال: ((إنما يرتحلون الآن فيأتون الحجّ ، ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابلٍ)) . فجاء الشيطان يخوّف أولياءه ، فقال: إنّ الناس قد جمعوا لكم . فأبَى عليه الناس أن يتّبعوه ، فَقال: ((إني ذاهبٌ، وإن لم يتّبعني أحدٌ )) . فانتدب معه أبو بكرٍ ، وعمر ، وعثمان ، وعليٍّ ، وطلحةُ، والزُّبير ، وسعدٌ ، وعبد الرحمن بن عوفٍ ، وأبو عبيدة ، وابن مسعود ، وحذيفة ، في سبعين رجلاً ، فساروا في طلب أبي سفيان حتى بلغوا الصّفراء، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِمَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْعُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَأَتَّقَوْأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا غريبٌ أيضاً . وقال ابن هشام(٦) : ثنا أبو عبيدة ، أن أبا سفيان بن حربٍ لمّا انصرف يوم أُحد أراد الرّجوع إلى (١) رقم (٢٤١٨). (٢) رواه سعيد بن منصور في ((سننه)) (١١٢٥/٣) والحميدي في ((مسنده)) ( ٢٦٣). (٣) رواه ابن ماجه رقم (١٢٤) . (٤) (٢٩٨/٢) و(٢٩/٣). (٥) انظر ((تفسير الطبري)) (٤/ ١٧٧ ). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٠٤). ٢٣١ ذكر خروج النبي : بأصحابه في إثر أبي سفيان المدينة، فقال لهم صفوان بن أمّة: لا تفعلوا ؛ فإن القوم قد حربو(١)، وقد خشينا أن يكون لهم قتالٌ غيرُ الذي كان، فارجعوا. فرجعوا، فقال النبيّ مَ له وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم همّوا بالرّجعة: (( والذي نفسي بيده، لقد سُوّمت لهم حجارةٌ ، لو صبّحوا بها لكانوا كأمس الذاهب)). قال: وأخذ رسول الله وَ ◌ّ في وجهه ذلك، قبل رجوعه إلى المدينة ، معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أميّة بن عبد شمسٍ، جدّ عبد الملك بن مروان لأَمِّه عائشة بنت معاوية، وأبا عزّة الجمحيّ، وكان رسول الله بِّ قد أسره ببدرٍ ثم منّ عليه ، فقال: يا رسول الله، أقلني. فقال: (( لا والله ، لا تمسح عارضيك بمكة تقول : خدعت محمداً مرتين ، اضرب عنقه يا زبير)) . فضرب عنقه. قال ابن هشامُ(٢): وبلغني عن ابن المسيّب أنه قال: قال رسول الله مثل: ((إن المؤمن لا يلدغ من جحرٍ مرتين ، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابتٍ )) . فضرب عنقه . وذكر ابن هشامُ(٣) أن معاوية بن المغيرة بن أبي العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاثٍ ، فبعث إليه رسول الله وم # بعدها زيد بن حارثة وعمّار بن ياسرٍ، وقال: (( ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه)) . ففعلا ، رضي الله عنهما . قال ابن إسحاق(٤): ولما رجع رسول الله وّل إلى المدينة كان عبد الله بن أَبيِّ، كما حدّثني الزهريّ ، له مقامٌّ يقومه كلّ جمعةٍ ، لا ينكر له ، شرفاً في نفسه وفي قومه ، وكان فيهم شريفاً ، إذا جلس رسول اللّه ◌ُمَّة يوم الجمعة ، وهو يخطب الناس ، قال فقال : أيها الناس ، هذا رسول الله بين أظهركم ، أكرمكم الله به ، وأعزّكم به فانصروه وعزّروه واسمعوا له وأطيعوا . ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحدٍ ما صنع ، ورجع الناس ، قام يفعل ذلك كما كان يفعله ، فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه ، وقالوا : اجلس أي عدوّ الله، والله لست لذلك بأهلٍ ، وقد صنعت ما صنعت ، فخرج يتخطّ رقاب الناس وهو يقول : والله لكأنما قلت بُجراً أن قمت أشدّد أمره . فلقيه رجالٌ من الأنصار بباب المسجد فقالوا : ويلكَ ، ما لك؟ قال : قمت أشدّد أمره فوثب إليَّ رجالٌ من أصحابه يجذبونني ويعنّفونني، لكأنما قلت بُجراً أن قمت أشدّد أمره. قالوا: ويلك، ارجع يستغفر لك رسول الله وَّيه . قال: والله ما أبتغي أن يستغفر لي. ثم ذكر ابن إسحاق(٥) ما نزل من القرآن في قصة أحدٍ من سورة ((آل عمران))، من عند قوله: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِىُّ الْمُؤْمِنِينَ مَفَعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [ آل عمران: ١٢١]. قال: إلى تمام ستين آيةً. وتكلّم عليها، وقد بسطنا الكلام على ذلك في كتابنا (( التفسير)) بما فيه كفايةٌ. ثم شرع ابن إسحاق في (١) أي: اشتد غضبهم. انظر ((لسان العرب)) ( حرب) . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٠٤). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٠٤). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٠٥/٢). (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٠٦/٢). ٢٣٢ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفَّار في وقعة أُحد من الأشعار ذكر شهداء أحدٍ، وتعدادهم بأسمائهم وأسماء آبائهم على قبائلهم، كما جرت عادته ، فذكر من المهاجرين أربعةً ؛ حمزة ، ومصعب بن عميرٍ ، وعبد الله بن جحشٍ ، وشمّاس بن عثمان ، رضي الله عنهم ، ومن الأنصار إلى تمام خمسةٍ وستين رجلاً ، واستدرك عليه ابن هشام خمسةً آخرين ، فصاروا سبعين على قول ابن هشامٍ ، ثم سمّى ابن إسحاق من قتل من المشركين ، وهم اثنان وعشرون رجلاً ، على قبائلهم أيضاً . قلت : ولم يؤسَر من المشركين سوى أبي عزّة الجمحيّ ، كما ذكره الشافعيّ وغيره ، وقتله رسول الله وَ﴿ صبراً بين يديه؛ أمر الزُّبيرَ - ويقال : عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح - فضرب عنقه. فصل فيما تقاول به المؤمنون والكُفَّارُ في وقعة أحدٍ من الأشعار وإنما نورد شعر الكُفَّار لنذكر جوابها من شعر الإسلام(١) ليكون أبلغ في وقعها من الأسماع والأفهام ، وأقطع لشبهة الكفرة(٢) الطّغَام . قال الإمام محمد بن إسحاق ، رحمه الله : وكان مما قيل من الشعر يوم أحدٍ ، قول هُبيرة بن أبي وهبٍ المخزوميّ - وهو على دين قومه من قريشٍ -: [ من البسيط ] ما بال همّ عَميدٍ بات يطرقني باتت تعاتبني هندٌ وتعذلُني مهلاً فلا تعذُليني إنّ من خُلُقي مساعفٌ لبني كعبٍ بما كلفوا وقد حملت سلاحي فوق مشتَرفٍ كأنه إذْ جرى عَيرٌ بقدفدةٍ من آل أعوج يرتاح النّديُّ له أعددتُه ورقاق الحدّ منتخلاً هذا وبيضاء مثل النّهي محكمةً سقنا كنانة من أطراف ذي يمنٍ قالت كنانة : أنّى تذهبون بنا نحن الفوارس يوم الجرّ(٣) من أُحدٍ هابوا ضراباً وطعناً صادقاً خذِماً بالودّ من هندَ إذ تعدو عواديها والحرب قد شغلت عنّي مواليها ما قد علمتِ وما إن لستُ أخفيها حمّال عبءٍ وَأَتْقَالِ أعانيها ساطٍ سبوحٍ إذا يجري يُبَاريها مكدّمٌ لاحقٌ بالعُون يحميها كجذع شعراء مستعلٍ مراقيها ومارناً لخطوبٍ قد ألاقيها نِيطَتْ عليّ فما تبدو مساويها عرض البلاد على ما كان يزجيها قلنا : النّخيل ، فأمّوها ومن فيها هابت معدٌّ فقلنا نحن نأتيها مما يرون وقد ضمّت قواصيها (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٢٩/٢). (٢) في (أ): ((الكُفّار)) وأثبت لفظ ( ط ). (٣) الجرّ : أصل الجبل . ٢٣٣ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفَّار في وقعة أحد من الأشعار ثمّتَ رحنا كأنّا عارضٌ بردٌ كأنّ هامهم عند الوغى فلقٌ أو حنظلٌ ذعذعتْه الرِّيح في غصنٍ قد نبذل المال سَحّا لا حساب له وليلةٍ يصطلي بالفرث جازرها وليلةٍ من جمادى ذات أنديةٍ لا ينبح الكلب فيها غير واحدةٍ أَوقدتُ فيها لذي الضّرّاء جاحمةً أورثني ذاكمُ عمرٌو ووالده كانوا يبارون أنواء النجوم فما وقام هام بني النجّار يبكيها من قيض رُبدٍ نفته عن أداحيها بالٍ تعاوره منها سوافيها ونطعنُ الخيل شزراً في مآقيها يختصّ بالنّقرى المثرين داعيها جربى جُماديّةٍ قد بثّ أسريها من القريس ولا تسري أفاعيها كالبرق ذاكية الأركان أحميها من قبله كان بالمثني يغاليها دنت عن السّورة العليا مساعيها قال ابن إسحاق(١) : فأجابه حسان بن ثابتٍ ، رضي الله عنه ، فقال - قال ابن هشامٍ : وتروى لكعب بن مالكٍ ولغيره . قلت : وقول ابن إسحاق أشهر وأكثر، والله أعلم - : [ من البسيط ] إلى الرَّسول فجند الله مخزيها سقتم كنانة جهلاً من سفاهتكم فالثَّار موعدها والقتل لاقيها أوردتموها حياض الموت ضاحيةً أئمة الكُفْر غرّتكم طواغيها جمعتموهم أحابيشاً بلا حسبٍ أهل القليب ومن ألقينه فيها ألّا اعتبرتم بخيل الله إذا قَتلت وجزِّ ناصيةٍ كنا مواليها كم من أسيرٍ فككناه بلا ثمنٍ قال ابن إسحاق(٢): وقال كعب بن مالكٍ، يجيب هُبيرة بن أبي وهبِ المخزوميّ أيضاً: [ من الطويل ] من الأرض خرقٌ سيره متنعنعُ ألا هل أتى غسّان عنا ودونهم صحارٍ وأعلامٌ كأنّ قتامها تظلّ به البُزل العراميس رزّحاً من البعد نقعٌ هامدٌ متقطّع ويخلو به غيث السنين فيمرع كما لاح كتّان التّجار الموضّع به جيف الحسرى يلوح صليبها به العين والآرام يمشين خلفةً مُجالدنا عن ديننا كلّ فخمةٍ وكلّ صموتٍ في الصّوان كأنها وبيض نعام قيضه يتفلّع مذرّبةٍ فيها القوانس تلمع إذا لبست نِهِيٌّ من الماء مترع (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٣١/٢) والأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (١٦٦/١) مع بعض الخلاف في ألفاظها . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٣٢/٢) والأبيات في ((ديوان كعب بن مالك الأنصاري)) ص (١٨٠ - ١٨٥ ) . ٢٣٤ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفَّار في وقعة أحد من الأشعار ولكن ببدرٍ سائلوا من لقيتمُ وإنّا بأرض الخوف لو كان أهلها إذا جاء منّا راكبٌ كان قوله فمهما يهمّ الناس مما يكيدنا فلو غیرنا کانت جميعاً تکیده الـ نجالد لا تبقى علينا قبيلةٌ ولمّا ابتنوا بالعرض قالت سراتنا وفينا رسول الله نتبع أمره تدلّى عليه الرّوح من عند ربّه نشاوره فيما نريد وقصرنا وقال رسول الله لمّا بدوا لنا وكونوا كمن يشري الحياة تقرّباً ولكن خذوا أسيافكم وتوكّلوا فسرنا إليهم جهرةً في رحالهم بملمومةٍ فيها السَّنَوَّر والقنا فجئنا إلى موجٍ من البحر وسطه ثلاثة آلافٍ ونحن نصيّةٌ نغاورهم تجري المنيّة بيننا تهادى قسيّ النّبع فينا وفيهم ومنجوفةٌ حِرميّةٌ صاعديّةٌ تصوب بأبدان الرّجال وتارةً وخيلٌ تراها بالفضاء كأنّها فلمّا تلاقينا ودارت بنا الرّحا ضربناهمُ حتى تركنا سَراتهم كدُنْ غُدوةً حتى استفقنا عشيّةً وراحوا سراعاً موجعين كأنهم ورحنا وأخرانا بطاءٌ كأننا فنلنا ونال القوم منا وربما ودارت رحانا واستدارت رحاهمٌ ونحن أناسٌ لا نرى القتل سُبّةً من النَّاس والأنباءُ بالغيب تنفع سوانا لقد أجلوا بليلٍ فأقشعوا أعدّوا لما يزجي ابن حربٍ ويجمع فنحن له من سائر الناس أوسع سبريّة قد أعطوا يداً وتوزّعوا من الناسٍ إلا أن يهابوا ويفظعوا علام إذا لم تمنع العرض نزرع إذا قال فينا القول لا نتطلّع ينزّل من جوّ السماء ويرفع إذا ما اشتهى أنا نطيع ونسمع ذروا عنكم هول المنيّات واطمعوا إلى ملكِ يحيا لديه ويرجع على الله إنّ الأمر لله أجمع ضحيًا علينا البيض لا نتخشّع إذا ضربوا أقدامها لا توزّع أحابيش منهم حاسرٌ ومقنّع ثلاث مِئِينٍ إن كثرنا وأربع نشارعهم حوض المنايا ونشرع وما هو إلّ اليشربيّ المقطّع يذرُّ عليها السّمّ ساعة تصنع تمزّ بأعراض البصار تقعقع جراد صباً في قرّة يتريّع وليس لأمرٍ حمّه الله مدفع كأنّهِمُ بالقاعِ خُشْبٌ مُصَرَّع كأن ذكانا حرّ نارٍ تلفّع جهامٌ هراقت ماءه الريح مقلع أسودٌ على لحمٍ ببيشة ظلّع فعلنا ولكن ما لّدّى الله أوسع وقد جعلوا كُلٌّ من الشرّ يشبع على كلّ من يحمي الذّمار ويمنع ٢٣٥ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفّار في وقعة أحد من الأشعار على هالكِ عيناً لنا الدّهرَ تدمع ولا نحن مما جرّت الحرب نجزع ولا نحن من أظفارها نتوجّع ويفرج عنه من يليه ويسفع لكم طلبٌ من آخر الليل متبع من الناس مَنْ أخزى مقاماً وَأَشْنَعُ ومن خدّه يوم الكريهة أضرع عليكم وأطراف الأسنّة شرّع عزالي مزادٍ ماؤها يتهزّع بذكر اللّواء فهو في الحمد أسرع أبى الله إلّ أمره وهو أصنع جلادٌ على ريب الحوادث لا نرى بنو الحرب لا نعيا بشيء نقوله بنو الحرب إن نظفر فلسنا بفُحْشٍ وكنّا شهاباً يتّقي الناس حرّه فخرت عليّ ابن الزّبعرى وقد سرى فسل عنك في عليا معدٍّ وغيرها ومن هو لم يترك له الحرب مفخراً شددنا بحول الله والنصر شدّةً تكرّ القنا فيكم كأن فروعها عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر فخانوا وقد أعطوا يداً وتخاذلوا [ قال ابن إسحاق(١): وقال عبد الله بن الزّبعري في يوم أحدٍ، وهو يومئذٍ مشرٌ بعد: [ من الرمل ] إنّما تنطقُ شيئاً قد فُعلْ وكلا ذلك وجهٌ وقَبلْ وسواءٌ قبر مثرِ ومقلْ وبنات الدّهر يلعين بكلْ فقريض الشّعرِ يشفي ذا الغُللْ وأكفّ قد أُتَرّت ورجلْ عن كماةٍ أهلكوا في المنتزلْ ماجد الجدّين مِقْدام بطلْ غير ملتاثٍ لدى وقع الأسلْ بين أقحافٍ وهامٍ كالحجلْ جزع الخزرج من وقع الأسلْ واستحرّ القتل في عبد الأشلْ رقص الحفّان يعلو في الجبلْ وعدلنا ميل بدرٍ فاعتدلْ لو كررنا لفعلنا المفتعل يا غُرَابَ البينِ أسمعتَ فَقُلْ إنّ للخير والشرّ مدى والعطيّات خساسٌ بينهم كلّ عيشٍ ونعيمٍ زائلٌ أبلغنْ حسّان عنّي آيةً كم ترى بالجرّ من جمجمةٍ وسرابيلَ حسانٍ سريت كم قتلنا من كريمٍ سيّدٍ صادق النّجدة قرمٍ بارعٍ فسل المهراس ما ساكنه ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا حين حكّت بقباءٍ بركها ثم خفّوا عند ذاكم رُقّصاً فقتلنا الضّعف من أشرافهم لا ألوم النّفس إلّا أنّنا (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٣٦/٢) والأبيات في ((ديوان عبد الله بن الزبعرى)) (٤١) وما بين الحاصرتين سقط من (أ) وأثبته عن (ط) و((السيرة النبوية)) لابن هشام. ٢٣٦ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفَّار في وقعة أُحد من الأشعار بسيوف الهند تعلو هامهم عللاً تعلوهمُ بعد نهل قال ابن إسحاق (١): فأجابه حسَّان بن ثابتٍ، رضي الله عنه: [ من الرمل ] كان منّا الفضل فيها لو عدلْ ذهبت بابن الزّبعرى وقعةٌ وكذاك الحرب أحياناً دولْ ولقد نلتم ونلنا منكمُ حيث نهوي عللاً بعد نهلْ كسُلاحُ(٢) النّيب يأكلن العصلْ هرَّباً في الشّعب أشباه الرّسلْ فأجأناكم إلى سفح الجبلْ من يلاقوه من الناس يهلْ وملأنا الفرط منه والرّجَلٌ (٣) أُيُدوا جبريل نصراً فنزلْ طاعة الله وتصديق الرّسلْ وقتلنا كلّ جحجاحِ رفلْ يوم بدرٍ وأحاديث المثلْ يوم بدرٍ والتّنابيل الهبلْ مثل ما يجمع في الخصب الهملْ نحضر البأس إذا البأس نزل نضعُ الأسياف في أكتافكم نخرج الأصبح من أستاهكم إذ تولّون على أعقابكم إذ شددنا شدّةً صادقةً بخناطيل كأمذاق الملا ضاق عنا الشّعب إذ نجزعه برجالٍ لستمُ أمثالهم وعلونا يوم بدرٍ بالتّقى وقتلنا كلّ رأسٍ منهمُ وتركنا في قريشٍ عورةً ورسول الله حقاً شاهدٌ في قريشٍ من جموعٍ جمّعوا نحن لا أمثالكم ولد استها قال ابن إسحاق(٤) : وقال كعبٌ يبكي حمزة ومن قتل من المسلمين يوم أحدٍ ، رضي الله عنهم: [من المتقارب ] وكنت متى تذّكر تلججٍ نشجتَ وهل لك من منشج أحاديث في الزمن الأعوجِ تذكُّر قومٍ أتاني لهم من الشّوق والحزن المنضجِ فقلبك من ذكرهم خافقٌ كرام المداخل والمخرج وقتلاهمُ في جنان النعيم لواء الرسول بذى الأضوجِ بما صبروا تحت ظلّ اللّواء (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٣٧) والأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (٦٧/١ -٦٨). (٢) السُّلاح بالضم : النّجْوُ. جمع رِجلة ، وهي المطمئن من الأرض . (٣) (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٣٨/٢) والأبيات في ((ديوان كعب بن مالك الأنصاري)) ص (١٥٧ - ١٥٨ ) . ٢٣٧ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفَّار في وقعة أُحد من الأشعار جميعاً بنو الأوس والخزرجِ على الحقّ ذي النور والمنهجِ ويمضون في القسطل المرهجِ إلى جنّةٍ دوحة المولجِ بذي هبّةٍ صارمٍ سلججٍ على مِلَّة الله لمّ يخْرَجِ يبربر كالجمل الأدعجِ تلهّب في الَّلَهب الموهَجِ وحنظلة الخير لم يحنجِ إلى منزلٍ فاخر الزّبرجِ من النار في الدّرك المرتج غداة أجابت بأسيافها وأشياع أحمد إذا شايعوا فما برحوا يضربون الكماة كذلك حتى دعاهم مليكٌ كحمزة لمَّا وفى صادقاً فَكُلهم مات حُرَّ البلاء فلاقاه عبد بني نوفلٍ فأوجره حربةٌ كالشّهاب ونعمان أوفى بميثاقه عن الحقّ حتى غدت روحه أولئك لا من ثوى منكم قال ابن إسحاق(١) : وقال حسّان بن ثابتٍ يبكي حمزة ومن أصيب من المسلمين يوم أحدٍ - وهي على رويّ قصيدة أمية بن أبي الصّلت في قتلى المشركين يوم بدرٍ . قال ابن هشام : ومن [ أهل العلم بالشعر من ] ينكر هذه لحسان، والله أعلم - : [ من مجزوء الرجز ] يا ميّ قومي فاندُبنْ كالحاملات الوقر بالثّقْـ المعولات الخامشا وكأنّ سيل دموعها الـ ينقضن أشعاراً لهنْ وكأنّها أذناب خيـ من بين مشزورٍ ومَجْـ بيكين شجواً مسلبا ولقد أصاب قلوبها إذ أقصد الحدثان مَن أصحاب أُحْد غالهم من كان فارسنا وحا ياحمز لا والله لا - بسُحيرةٍ شجو النوائخ ـل الملحّات الدّوالخ ت وجوه حرّاتٍ صحائخ أنصاب تخضب بالذّبائخ ـن هناك بادية المسائخ ـلٍ بالضّحى شمسٍ روامح ـزورٍ يدعذع بالبوارح تٍ كدّحتهنّ الكوادح مجلٌ له جلبٌ قوارح كنّا نرجّي إذا نشايح دهرٌ ألمّ له جوارح مِيَنا إذا بعث المسالح أنساك ما صرّ اللّقائح (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٥١/٢) والأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (٤٥٠/١ -٤٥٢). ٢٣٨ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفَّار في وقعة أحد من الأشعار المناخ أيتام وأضـ ولما ينوب الدّهرُ في يا فارساً يا مدرهاً عنا شديدات الخطوب ذكّرتني أسد الرسو عنا وكان يعدّ إذ يعلو القماقم جهرةً لا طائشٌ رعشٌ ولا بحرٌ فليس يغبّ جا أودى شباب أولي الحفا المطعمون إذا المشا لحم الجلاد وفوقه ليدافعوا عن جارهم لهفي لشبانٍ رُزِئ شمّ بطارقةٍ غطا المشترون الحمد بالأ والجامزون بلجمهم من كان يُرمى بالنّوا ما إن تزال ركابه راحت تبارى وهو في حتى تَؤُوبَ له المعا يا حمز قد أوحدتني أشكو إليك وفوقك التّـ من جندلٍ يلقيه في واسعٍ يحشونه فعزاؤناً أنّا نقو من كان أمسى وهو عمْـ فليأتنا فلتبك عيـ القائلين الفاعلي من لا يزال ندى يديـ ـيافٍ وأرملةٍ تلامح حربٍ لحربٍ وهي لاقخ يا حمز قد كنت المصامخ إذا ينوب لهن فادخ ل وذاك مدرهنا المنافخ عدّ الشّريفون الجحاجح سبط اليدين أغرّ واضح ذو علّةٍ بالحمل آنخْ راً منه سيبٌ أو منادخ ئظ والثقيلون المراجح تي ما يصفّفهنّ ناضح من شحمه شطبٌ شرائح ما رام ذو الضّغن المكاشح ناهم كأنهم المصابخ رفةٍ خضارمةٍ مسامح موال إنّ الحمد رابحْ يوماً إذا ما صاح صائح قر من زمانٍ غير صالح يرسمن في غُبرٍ صحاصح ركبٍ صدورهمُ رواشح لي ليس من فوز السّفائح كالعود شذّبه الكوافح ــرب المكوّر والصّفائح فوقك إذ أجاد الضّرح ضارح بالتُّرب سوّته المماسح ل وقولنا برخ بوارح ـما أوقع الحدثان جانح ـناه لهلكانا النّوافح من ذوي السّماحة والممادح ـه له طوال الدّهر مائخ ٢٣٩ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكفّار في وقعة أحد من الأشعار قال ابن هشامُ(١) : وأكثر أهل العلم بالشعر ينكرها لحسان . قال ابن إسحاقُ(٢): وقال كعب بن مالكٍ يبكي حمزة وأصحابه: [ من الكامل ] طرقتْ همومك فالرّقاد مسهّدُ ودعت فؤادك للهوى ضمريّةٌ فدع التّماديَ في الغواية سادراً ولقد أنى لك أن تناهى طائعاً ولقد هددت لفقد حمزة هدّةً ولو أنّه فجعت حراء بمثله قرٌ تمكّن في ذؤابة هاشم والعاقر الكوم الجلاد إذا غدتْ والتارك القرن الكميّ مجدّلاً وتراه يرفُل في الحديد كأنه عمّ النبيّ محمدٍ وصفيّه وأتى المنيّة معلماً في أسرةٍ ولقد إخال بذاك هنداً بشّرت مما صبحنا بالعقنقل قومها وببئر بدرٍ إذ يردّ وجوههم حتى رأيت لدى النبيّ سراتهم فأقام بالعطن المعطّن منهمُ وابن المغيرة قد ضربنا ضَرْبَةً وأمّيّة الجمحيّ قوّم ميله فأتاك فَلّ المشركين كأنّهم شتّان من هو في جهنّم ثاوياً وجزعت أن سلخ الشباب الأغيدُ فهواك غوريٌّ وصحوك منجدُ قد كنت في طلب الغواية تفندُ أو تستفيق إذا نهاك المرشد ظلّت بنات الجوف منها ترعد لرأيت راسيَّ صخرها يتبدّد حيث النّبوّة والنّدى والسّؤدُد ريح يكاد الماء منها يجمد يوم الكريهة والقنا يتقصّد ذو لبدةٍ شئن البراثن أربد ورد الحمام فطاب ذاك المورد نصروا النبيّ ومنهمُ المستشهدُ لتميت داخل غصّةٍ لا تبرد يوماً تغيّب فيه عنها الأسعد جبريل تحت لوائنا ومحمد قسمين يقتل من يشاء ويطرد سبعون عتبة منهم والأسودُ فوق الوريد لها رشاشٌ مزيد عضبٌ بأيدي المؤمنين مهنّد والخيل تثفنهم نعامٌ شرّد أبداً ومن هو في الجنان مخلّد قال ابن إسحاق(٣) : وقال عبد الله بن رواحة يبكي حمزة وأصحابه يوم أحدٍ - قال ابن هشامٍ : وأنشدنيها أبو زيدٍ لكعب بن مالكِ، فالله أعلم - : [ من الوافر ] (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٥٥/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٥٦/٢). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) (١٦٢/٢) والأبيات في ((ديوان كعب بن مالك الأنصاري)) ص (٢٠٠ - ٢٠١). ٢٤٠ ذكر ما تقاول به المؤمنون والكُفَّار في وقعة أُحد من الأشعار بكت عيني وحُقّ لها بكاها على أسد الإله غداة قالوا أصيب المسلمون به جميعاً أبا يعلى لك الأركان هدّت [ عليك سلام ربّك في جنانٍ ألا يا هاشم الأخيار صبراً رسول الله مصطبرٌ كريمٌ ألا من مبلغٌ عني لؤيّا وقبل اليوم ما عرفوا وذاقوا نسيتم ضربنا بِقَلِيب بدرٍ غداة ثوى أبو جهلٍ صريعاً وعتبة وابنه خرًا جميعاً ومتركنا أميّة مجلعبَّاً وهام بني ربيعة سائلوها ألا يا هند فابكي لا تملّي ألا يا هند لا تبدي شماتاً و وما يغني البكاء ولا العويل أحمزة ذاكم الرجل القتيل هناك وقد أصيب به الرسولُ وأنت الماجد البرّ الوصول مخالطها نعيمٌ لا يزول ] فكل فعالكم حسنٌ جميل بأمر الله ينطق إذ يقول فبعد اليوم دائلةٌ تدول وقائعنا بها يُشفى الغليل غداة أتاكمُ الموت العجيل عليه الطير حائمةً تجول وشيبة عضّه السيف الصّقيل وفي حيزومه لدْنٌ نبيل ففي أسيافنا منها فلول(١) فأنت الواله العبرى الهبول بحمزة إنّ عزّكمُ ذليلٌ قال ابن إسحاق(٢): وقالت صفيّة بنت عبد المطلب تبكي أخاها حمزة بن عبد المطلب - وهي أمّ الزّبير، عمّة النبيّ ◌َّه، ورضي الله عنهم أجمعين -: [ من الطويل ] بنات أبي من أعجمٍ وخبيرِ وزير رسول الله خير وزيرٍ إلى جنةٍ يحيا بها وسرورِ لحمزة يوم الحشر خير مصيرٍ بكاءً وحزناً محضري ومسيري يذود عن الإسلام كلّ كفور لدى أصبغٍ تعتادني ونسور جزى الله خيراً من أخٍ ونصيرٍ أسائلةٌ أصحاب أُحْدٍ مخافةٌ فقال الخبير إنّ حمزة قد ثوى دعاه إله الحقّ ذو العرش دعوةٌ فذلك ما كنا نرجّي ونرتجي فوالله لا أنساك ما هبّت الصَّبا على أسد الله الذي كان مِدرها فيا ليت شِلوي عند ذاك وأعظمي أقول وقد أعلى النّعيّ عشيرتي (١) تأخر هذا البيت في (آ) إلى ما بعد البيت الذي بعده. (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ١٦٧).