النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ ذكر فضل من شهد بدراً من المسلمين ثم روى البخاريّ ومسلمٌ جميعا١ً) ، عن إسحاق بن راهويه ، عن عبد الله بن إدريس ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن سعد بن عبيدة ، عن أبي عبد الرحمن السّلميّ ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ ، قصّة حاطب بن أبي بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح، وأنّ عمر استأذن رسول الله وَّل في ضرب عنقه؛ فإنّه قد خان الله ورسوله والمؤمنين، فقال رسول الله وَّل: ((قد شهد بدراً، وما يدريك لعلّ الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). ولفظ البخاريّ: ((أليس من أهل بدرٍ ؟! ولعلّ الله اطّلع على أهل بدرٍ، فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة)) أو: ((قد غفرت لكم)) . فدمعت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم . وروى مسلم(٢) ، عن قتيبة ، عن الليث، عن أبي الزّبير، عن جابرٍ، أنَّ عبداً لحاطبٍ جاء رسول الله وَلّ يشكو حاطباً، فقال: يارسول الله، ليدخلنّ حاطبٌ النار. فقال رسول الله اليه: (( كذبت ، لا يدخلها ؛ فإنّه شهد بدراً والحديبية)) . وقال الإمام أحمد (٣) : ثنا سليمان بن داود ، ثنا أبو بكر بن عيّاشٍ ، حدّثني الأعمش ، عن أبي سفيان، عن جابرٍ قال: قال رسول الله وَله: ((لن يدخل النَّار رجلٌ شهد بدراً أو الحُديبية)). تفرّد به أحمد ، وهو على شرط مسلمٍ . وقال الإمام أحمد(٤) : ثنا يزيد ، أنبأنا حمّاد بن سلمة ، عن عاصم بن أبي النّجود ، عن أبي صالحٍ ، عن أبي هريرة، عن النبيّ وَّر، قال: ((إنّ الله اطّلع على أهل بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم)). ورواه أبو داو(٥) ، عن أحمد بن سنانٍ ، وموسى بن إسماعيل ، كلاهما عن يزيد بن هارون به . وروى البزّار في (( مسنده (٦) ثنا محمد بن مرزوقٍ ، ثنا أبو حذيفة ، ثنا عكرمة ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: ((إنّي لأرجو أن لا يدخل النار من شهد بدراً إن شاء الله)). ثم قال : لا نعلمه يروى عن أبي هريرة إلّا من هذا الوجه . قلت : وقد تفرّد البزّار بهذا الحديث ، ولم يخرجوه ، وهو على شرط الصحيح ، والله أعلم . وقال البخاري(٧) في باب شهود الملائكة بدراً: حدّثنا إسحاق بن إبراهيم ، ثنا جريرٌ ، عن يحيى بن سعيدٍ ، عن معاذ بن رفاعة بن رافعِ الزّرقيّ ، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدرٍ - قال: جاء جبريل إلى (١) رواه ((البخاري)) (٣٩٨٣) و((مسلم)) (٢٤٩٤). (٢) رواه ((مسلم)) (٢٤٩٥). (٣) رواه أحمد فى ((المسند)) (٣٩٦/٣)، وهو حديث صحيح . (٤) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٩٥/٢ - ٢٩٦)، وهو حديث صحيح . (٥) رواه أبو داود ( ٤٦٥٤ ) ، وهو حديث صحيح . (٦) هو في ((كشف الأستار)) (٢٧٦١) وقال في ((المجمع)) (١٦١/٩): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. (٧) رواه ((البخاري)) (٣٩٩٢). ١٤٢ ذكر قدوم زينب بنت رسول الله ، مهاجرة من مكة إلى المدينة النبيّ وَّ، فقال: ما تعدّون أهل بدرٍ فيكم؟ قال: ((من أفضل المسلمين)) - أو كلمةً نحوها- قال: وكذلك من شهد بدراً من الملائكة . انفرد به البخاريّ . فصل في قدوم زينب بنت الرسول مية ، مهاجرة(١) من مكة إلى المدينة ( بعد وقعة بدرٍ بشهرٍ ، بمقتضى ما كان شرط زوجها أبو العاص للنبيّ بمحطة، كما تقدّم )(٢) قال ابن إسحاق (٣) : ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلّي سبيله - يعني كما تقدّم - بعث رسول الله وَ* زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار مكانه، فقال: (( كونا ببطن يأججُ(٤) حتى تمرّ بكما زينب ، فتصحباها فتأتياني بها)) . فخرجا مكانهما ، وذلك بعد بدرٍ بشهرٍ - أو شيعه - فلمّا قدم أبو العاص مكة أمرها باللّحوق بأبيها ، فخرجت تجهّز . قال ابن إسحاق(٥) : فحدّثني عبد الله بن أبي بكرٍ ، قال : حدّثت عن زينب أنّها قالت : بينا أنا أتجهّز لقيتني هند بنت عتبة ، فقالت : يابنة محمدٍ ، ألم يبلغني أنّك تريدين اللّحوق بأبيك؟ قالت : فقلت : ما أردت ذلك . فقالت : أي ابنة عمّ ، لا تفعلي ، إن كانت لك حاجةٌ بمتاعٍ مما يرفق بك في سفرك أو بمالٍ تتبلّغين به إلى أبيك، فإنّ عندي حاجتك فلا تضطني(٦) منّي ؛ فإنّه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال . قالت : والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل . قالت : ولكنّ خفتها، فأنكرت أن أكون أريد ذلك . قال ابن إسحاق (٧) : فتجهّزت ، فلمّا فرغتْ من جهازها قدّم إليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيراً فركبته ، وأخذ قوسه وكنانته ، ثم خرج بها نهاراً يقود بها ، وهي في هودج لها ، وتحدّث بذلك رجالٌ من (٨) قريشٍ ، فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى ، فكان أول من سبق إليها هبّار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزّى، والفهريّ(٩) ، فروّعها هبّارٌ بالرّمح ، وهي في الهودج ، وكانت حاملاً. (١) لفظ ((مهاجرة)) سقط من: ( ط ). ما بين القوسين لم يرد في ( ط ) . (٢) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٥٣/١). (٣) (٤) يأجج : موضع بمكة . انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام)) (١/ ٦٥٣ - ٦٥٤). (٥) في ( ط): ((تضطبني)) ومعنى: ((لا تضطني)) أي لا تنقبضي مني)). (٦) (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٥٤/١ - ٦٥٥). لفظ (( من )) لم يرد في (آ) وأثبته من ( ط ) . (٨) في (أ) و(ط): ((ابن عبد العُزى الفهري)) والتصحيح من (( السيرة النبوية)) لابن هشام. (٩) ١٤٣ ذكر قدوم زينب بنت رسول الله ا مهاجرة من مكة إلى المدينة فيما يزعمون - فطرحت [ ذا بطنها ]) ، وبرك حموها كنانة ، ونثر كنانته ، ثم قال : والله لا يدنو مني رجلٌ إلّا وضعت فيه سهماً . فتكركر الناس عنه (٢) وأتى أبو سفيان في جلّةٍ من قريشٍ ، فقال : أيّها الرجل ، كفّ عنّا نبلك حتى نكلّمك . فكفّ ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه ، فقال : إنّك لم تصب ؛ خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانيةً ، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمدٍ ، فيظنّ الناس إذ خرجتَ بابنته إليه علانيةً على رؤوس الناس من بين أظهرنا ، أنّ ذلك عن ذلِّ أصابنا ، وأنّ ذلك منّا ضعفٌ ووهزٌ ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجةٍ ، وما لنا من ثؤرةٍ (٣)، ولكن ارجع بالمرأة ، حتى إذا هدأت الأصوات وتحدّث الناس أن قد رددناها ، فسلّها سرّاً وألحقها بأبيها. قال : ففعل. وقد ذكر ابن إسحاق(٤) أنّ أولئك النّفر الذين ردّوا زينب لمّا رجعوا إلى مكة قالت هند تذمّهم على ذلك : [ من الطويل ] أفي السّلم أعيارٌ جفاءً وغلظةً وفي الحرب أشباه النّساء العَوَارِكِ(٥) وقد قيل : إنّها قالت ذلك للذين رجعوا من بدرٍ ، بعد ما قتل منهم الذين قتلوا . قال ابن إسحاق(٦) : فأقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلاً حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه ، فقدما بها ليلاً على رسول الله له . وقد روى البيهقيّ في (( الدلائل ٧٧) من طريق عمر بن عبد الله بن عروة بن الزّبير ، عن عروة ، عن عائشة، فذكر قصّة خروجها وردّهم لها ووضعها ما في بطنها ، وأنّ رسول الله وَ ◌ّ بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه ؛ لتجىء معه ، فتلطّف زيدٌ ، فأعطاه راعياً من مكة ، فأعطى الخاتم لزينب ، فلمّا رأته عرفته ، فقالت : من دفع إليك هذا ؟ قال : رجلٌ في ظاهر مكة . فخرجت زينب ليلاً ، فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة. قال: فكان رسول الله وَيول يقول: ((هي أفضل بناتي أصيبت فيّ)). قال: فبلغ ذلك عليّ بن الحسين بن زين العابدين ، فأتى عروة فقال : ما حديثٌ بلغني أنك تحدِّثهُ(٨) ؟ فقال عروة : والله ما أحبّ أنّ لي ما بين المشرق والمغرب وأنّي أنتقص فاطمة حقّاً هو لها، وأمّا بعد فلك(٩) أن لا أُحَدِّث به أبداً. (١) ما بين الحاصرتين تكملة من ((السيرة النبوية)). (٢) أي: رجعوا. انظر ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) (١٦٦/٤). (٣) أي : طلب ثأر . (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٥٦). (٥) العوارك: الحُيَّض من النساء . (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٥٦). (٧) انظر ((دلائل النبوة)) (١٥٦/٣ - ١٥٧). (٨) في (أ): ((بحدثته)) وفي (ط): ((تحدثته)) والتصحيح من ((دلائل النبوة)). (٩) في (آ) و(ط): ((وأما بعد ذلك)) والتصحيح من ((دلائل النبوة)). ١٤٤ ذكر قدوم زينب بنت رسول الله به مهاجرة من مكة إلى المدينة قال ابن إسحاق (١): فقال في ذلك عبد الله بن رواحة (١) ، أو أبو خيثمة أخو بني سالم بن عوفٍ - قال ابن هشامٍ : هي لأبي خيثمة - : [ من الطويل ] أتاني الذي لا يقدر النَّاس قدره وإخراجها لم يخز فيها محمدٌ وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضمٍ قرنًا ابنه عمراً ومولى يمينه فأقسمت لا تنفكّ منّا كتائبٌ نروع قريش الكفر حتى نعلّها تنزّلهم أكناف نجدٍ ونخلةٍ يد الدهر حتى لا يعوّج سربنا ويندم قومٌ لم يطيعوا محمداً فأبلغ أبا سفيان إمّا لقيتَه فأبشر بخزي في الحياة معجّلٍ لزينب فيهم من عقوقٍ ومأثمٍ على مأْقطٍ وبيننا عطر منشمٍ ومن حربنا في رغم أنفٍ ومندمٍ بذي حلَقٍ جلد الصّلاصل محكمٍ سراةُ خميسٍ من لُهامٍ مسوّمٍ بخاطمةٍ فوق الأنوف بميسم وإن يُتهموا بالخيل والرّجل نتهم ونلحقهم آثار عادٍ وجرهمٍ على أمرهم وأيّ حينٍ تندّمَ لئن أنت لم تخلص سجوداً وتسلم وسربال قار خالداً في جهنّمٍ قال ابن إسحاق (٢) : ومولى يمين أبي سفيان الذي عناه الشاعر ، هو عامر بن الحضرميّ. وقال ابن هشام : إنّما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرميّ ، فأمّا عامر بن الحضرميّ ، فإنّه قتل يوم بدرٍ . قال ابن إسحاق (٣) : وقد حدّثني يزيد بن أبي حبيبٍ، عن بكير بن عبد الله بن الأشجّ ، عن سليمان بن يسارٍ ، عن أبي إسحاق الدّوسيّ، عن أبي هريرة قال: بعث النبيّ وَلَه سريّةً أنا فيها ، فقال: ((إن ظفرتم بهبّار بن الأسود، والرجل الذي سبق معه إلى زينب فحرّقوهما بالنّار)). فلما كان الغد بعث إلينا، فقال: ((إنّي قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموهما٤) ، ثم رأيت أنّه لا ينبغي لأحدٍ أن يحرق بالنار إلّ الله، عزّ وجلّ ، فإن ظفرتم بهما فاقتلوهما)) . تفرّد به ابن إسحاق ، وهو على شرط السّنن(٥) ولم يخرجوه . وقال البخاري(٦): ثنا قتيبة، ثنا اللّيث، عن بكيرٍ ، عن سليمان بن يسارٍ ، عن أبي هريرة ، رضي (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٥٥/١ - ٦٥٦) والأبيات في ((ديوانه)) ص (١٣٠). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٥٦/١). (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٥٧). في (أ) و(ط): ((أخذتموها)) والتصحيح من ((السيرة النبوية)) لابن هشام. (٤) في (أ): ((الشيخين)). وهو خطأ من الناسخ، يقول المؤلف بعده: ((ولم يخرِّجوه)) ويقصدُ أصحاب السنن. (٥) (٦) رواه ((البخاري)) (٣٠١٦). ١٤٥ ذكر قدوم زينب بنت رسول الله مخ مهاجرة من مكة إلى المدينة الله عنه، أنّه قال: بعثنا رسول الله وَّلَ في بعثٍ، فقال: ((إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار)). ثم قال حين أردنا الخروج: (( إنّي أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً ، وإنّ النار لا يعذّب بها إلّ الله ، فإن وجدتموهما فاقتلوهما)). وقد ذكر ابن إسحاق(١) أنّ أبا العاص أقام بمكة على كفره ، واستمرّت زينب عند أبيها بالمدينة ، حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارةٍ لقريشٍ ، فلمّا قفل من الشام لقيته سريّةٌ ، فأخذوا ما معه ، وأعجزهم هرباً، وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته، فلمّا خرج رسول الله وَل لصلاة الصبح ، وكبّر ، وكبّر الناس ؛ صرخت من صُفّة النساء : أيها الناس ، إنّي قد أجرت أبا العاص بن الربيع. فلما سلّم رسول الله بَله، أقبل على الناس، فقال: (( أيّها الناس ، هل سمعتم الذي سمعت؟)). قالوا: نعم. قال: (( أما والذي نفس محمدٍ بيده ما علمت بشيءٍ [ من ذلك]٢) حتى سمعت ما سمعتم، وإنّه يجير على المسلمين أدناهم)). ثم انصرف رسول الله وَليل، فدخل على ابنته زينب فقال: (( أي بنيّة، أكرمي مثواه، ولا يخلصنّ إليك؛ فإنّك لا تحلّين له)). قال: وبعث رسول الله وَّل، فحثّهم على ردّ ما كان معه، فردّوه بأسره لا يفقد منه شيئاً ، فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مَّة ، فأعطى كلّ إنسانٍ ما كان له ، ثم قال : يا معشر قريشٍ ، هل بقي لأحدٍ منكم عندي مالٌ لم يأخذه ؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيراً ، فقد وجدناك وفيّاً كريماً . قال : فإنّي أشهد أن لا إله إلّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله ، والله ما منعني عن الإسلام عنده إلّ تخوّف أن تظنّوا أنّي إنّما أردت أن آكل أموالكم ، فلمّا أدّاها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله وَله . قال ابن إسحاق(٣) : فحدّثني داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ ، قال : ردّ عليه رسول الله وَله، زينب على النكاح الأوّل، ولم يحدث شيئاً. وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد(٤)، وأبو داود ، والترمذيّ ، وابن ماجه من حديث محمد بن إسحاق(٥) ، وقال الترمذيّ : ليس بإسناده بأسٌ ، ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث ، ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين . وقال السّهيليّ(٦): لم يقل به أحدٌ من الفقهاء ، فيما علمت. وفي لفظٍ: ردّها عليه رسول الله وَّ، بعد ستّ سنين. (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٥٧ - ٦٥٨). (٢) تكملة من (( السيرة النبوية)) لابن هشام . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٥٨/١ - ٦٥٩). (٤) رواه أحمد في (( المسند)) (٢١٧/١) وهو حديث حسن بشواهده . (٥) رواه أبو داود (٢٢٤٠) والترمذي (١١٤٣) وابن ماجه (٢٠٠٩) وهو حديث حسن بشواهده. (٦) انظر مسند أحمد (٣٦٩/٣). ١٤٦ ذكر قدوم زينب بنت رسول الله عز مهاجرة من مكة إلى المدينة وفي روايةٍ: بعد سنتين بالنّكاح الأوّل . رواه ابن جريرٍ ١١ ، وفي روايةٍ : لم يحدث نكاحاً(٢) وهذا الحديث قد أشكل على كثيرٍ من العلماء ؛ فإنّ القاعدة عندهم أنّ المرأة إذا أسلمت وزوجها كافرٌ ، فإن كان قبل الدخول تعجّلت الفرقة ، وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدّة ، فإن أسلم فيها استمرّ على نكاحها ، وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها ، وزينب ، رضي الله عنها ، أسلمت حين بعث رسول الله وَلّ، وهاجرت بعد بدرٍ بشهرٍ، وحرّم المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ستٍّ، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمانٍ ، فمن قال : ردّها عليه بعد ستّ سنين . أي من حين هجرتها ، فهو صحيحٌ ، ومن قال : بعد سنتين . أي : من حين حرّمت المسلمات على المشركين ، صحيحٌ أيضاً ، وعلى كلّ تقديرٍ ، فالظاهر انقضاء عدّتها في هذه المدة التي أقلّها سنتان من حين التحريم أو قريبٌ منها ، فكيف ردّها عليه بالنِّكَاح الأوّل ؟ فقال قائلون : يحتمل أنّ عدّتها لم تنقض ، وهذه قصة عين يتطرّق إليها الاحتمال . وعارض آخرون هذا الحديث بالحديث الأوّل الذي رواه أحمد والترمذيّ ، وابن ماجه (٣) من حديث الحجاج بن أرطاة، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول الله وَّر ردّ بنته على أبي العاص بن الربيع بمھرٍ جديدٍ ونکاحٍ جدید . قال الإمام أحمد : هذا حديثٌ ضعيفٌ واهٍ ، ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيبٍ ، إنّما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزميّ ، والعرزميّ لا يساوي حديثه شيئاً ، والحديث الصحيح الذي روي أنّ النّبيّ وَيّة أقرّهما على النكاح الأوّل . وهكذا قال الدار قطنيّ(٤): لا يثبت هذا الحديث، والصواب حديث ابن عباسٍ أنّ رسول الله وَل ردّها بالنكاح الأوّل . وقال الترمذيّ(٥) : هذا حديثٌ في إسناده مقالٌ، والعمل عليه عند أهل العلم أنّ المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنّه أحقّ بها ما كانت في العدّة ، وهو قول مالكٍ ، والأوزاعيّ ، والشافعيّ ، وأحمد ، وإسحاق . وقال آخرون : بل الظاهر انقضاء عدّتها ، ومن روى أنّه جدّد لها نكاحاً فضعيفٌ ، ففي قضية زينب ، والحالة هذه ، دليلٌ على أنَّ المرأة إذا أسلمت وتأخّر إسلام زوجها حتى انقضت عدّتها فنكاحها لا ينفسخ (١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٢/ ٤٧٢). (٢) رواه الترمذي (١١٤٣)، وحَسَّنه . (٣) رواه أحمد فى ((المسند)) (٢٠٧/٢ و٢٠٨) والترمذي (١١٤٢) وابن ماجه (٢٠١٠)، وإسناده ضعيف . (٤) انظر ((سنن الدار قطني)) (٢٥٣/٣ - ٢٥٤). (٥) وذلك عقب حديث عمرو بن شعيب السابق، وانظر أيضاً قول البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١٨٨/٧). ١٤٧ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى بمجرّد ذلك ، بل تبقى بالخيار ؛ إن شاءت تزوّجت غيره ، وإن شاءت تربّصت وانتظرت إسلام زوجها أيّ وقتٍ كان ، وهي امرأته ما لم تتزوّج ، وهذا القول فيه قوةٌ ، وله حظٌّ من جهة الفقه ، والله تعالى أعلم . ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري(١) حيث قال : نكاح من أسلم من المشركات وعدّتهن . حدّثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا هشامٌ ، عن ابن جريجٍ . وقال عطاءٌ ، عن ابن عباسٍ : كان المشركون على منزلتين من رسول الله وَ يّ والمؤمنين؛ كانوا مشركي أهل حربٍ يقاتلونهم ويقاتلونه ، ومشركي أهل عهدٍ لا يقاتلهم ولا يقاتلونه ، وكان إذا هاجرت امرأةٌ من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر ، فإذا طهرت حلّ لها النكاح ، فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردّت إليه ، وإن هاجر عبدٌ منهم أو أمةٌ فهما حران ولهما ما للمهاجرين ، ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهدٍ . هذا لفظه بحروفه ، فقوله : فكان إذا هاجرت امرأةٌ من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر . يقتضي أنّها كانت تستبرىء بحيضةٍ ، لا تعتدّ بثلاثة قروءٍ ، وقد ذهب قومٌ إلى هذا . وقوله : فإن هاجر زوجها قبل أن تنكح ردّت إليه . يقتضي أنّه ، وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدّة، أنّها تردّ إلى زوجها الأوّل ما لم تنكح زوجاً غيره ، كما هو الظَّاهر من قصة زينب بنت النبيّ وَّر، وكما ذهب إليه من ذهب من العلماء، والله أعلم. فصلٌ فيما قيل من الأشعار في غزوة بدرٍ العظمى فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق(٢) ، عن حمزة بن عبد المطلب ، وأنكرها ابن هشام : [من الطويل ] وللحَين أسبابٌ مبيّنة الأمرِ ألم تر أمراً كان من عجب الدّهر فخانوا تواصٍ بالعقوق وبالكفرِ فكانوا رهوناً للرّكيّة من بدر فساروا إلينا فالتقينا على قدر لنا غير طعنٍ بالمثقّفة السّمرِ مشهرة الألوان بيّنة الأثر وشيبة في قتلى تجرجمُ في الجفر فشُقّت جيوب النائحات على عمرو كرام تفرّعن الذّوائب من فهر وخلّوا لواءً غير محتضر النّصر وما ذاك إلّا أنّ قوماً أفادهم عشيّة راحوا نحو بدرٍ بجمعهم وكنّا طلبنا العِير لم نبغ غيرها فلما التقينا لم تكن مثنويّةٌ وضربٍ ببيضٍ يختلي الهام حدّها ونحن تركنا عتبة الغيّ ثاوياً وعمرؤ ثوى فيمن ثوى من حماتهم جيوب نساء من لؤيّ بن غالبٍ أولئك قومٌ قتّلوا في ضلالهم (١) رواه ((البخاري)) ( ٥٢٨٦) . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٨ -٩). ١٤٨ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى فخاس بهم إنّ الخبيث إلى غدرٍ برئت إليكم ما بيّ اليوم من صبر أخاف عقاب الله والله ذو قسر وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر ثلاث مئينٍ كالمسدّمة الزّهر بهم في مقامٍ ثَمّ مستوضح الذّكرِ لدى مأزقٍ فيه مناياهمُ تجري لواءَ ضلالٍ قاد إبليس أهله وقال لهم إذ عاين الأمر واضحاً فإني أرى ما لا ترون وإنّني فقدّمهم للحين حتى تورّطوا فكانوا غداة البئر ألفاً وجمعنا وفينا جنود الله حين يمدّنا فشدّ بهم جبريل تحت لوائنا وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشامٍ ، أخي أبي جهلٍ عمرو بن هشامٍ ، تركناها عمداً . وقال عليّ بن أبي طالبٍ - وأنكرها ابن هشامُ(١) -: [من الطويل ] ألم تر أنّ الله أبلى رسوله بما أنزل الكفّار دار مذلّةٍ فأمسى رسول الله قد عزّ نصره فجاء بفرقانٍ من الله منزلٍ فآمن أقوامٌ بذاك وأيقنوا وأنكر أقوامٌ فزاغت قلوبهم وأمكن منهم يوم بدرٍ رسوله بأيديهمُ بيضٌ خفافٌ عصوا بها فكم تركوا من ناشىءٍ ذي حميّةٍ تبيت عيون النائحات عليهمُ نوائح تنعى عتبة الغيّ وابنه وذا الرّجل تنعى وابن جدعان فيهم ثوى منهمُ في بئر بدرٍ عصابةٌ دعا الغيّ منهم من دعا فأجابه فأضحَوا لَدی دار الجحيم بمعزل بلاءَ عزيزِ ذي اقتدارٍ وذي فضلٍ فلاقوا هواناً من إسارٍ ومن قتل وكان رسول الله أُرسل بالعدل مبيّنةٌ آياته لذوي العقل فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل فزادهمُ ذو العرش خبلاً على خبل وقوماً غضاباً فعلهم أحسن الفعل وقد حادثوها بالجلاء وبالصّقل صريعاً ومن ذي نجدةٍ منهم كهل تجود بإسبال الرّشاش وبالوبل وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل مسلّبةُ حرّى مبيّنة الثُكل ذوو نجداتٍ في الحروب وفي المحل وللغيّ أسبابٌ مرقّقة الوصل عن الشّغب والعدوان في أسفل السُّفْل وقد ذكر ابن إسحاق نقيضتها من الحارث بن هشام أيضاً ، تركناها قصداً . وقال كعب بن مالكٍ(٢): [من الطويل ] (١) الأبيات في ((السيرة النبوية)) (١١/٢ - ١٢). (٢) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٦٦ - ١٦٧) بتحقيق د. سامي مكي العاني ، طبع عالم الكتب ببيروت. ١٤٩ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى عجبت لأمر الله والله قادرٌ قضى يوم بدرٍ أن نلاقيَ معشراً وقد حشدوا واستنفروا من يليهمُ وسارت إلينا لا تحاول غيرنا وفينا رسول الله والأوس حوله وجمع بني النجّار تحت لوائه فلمّا لقيناهم وكلُّ مجاهد شهدنا بأنّ الله لا ربّ غيره وقد عرّيت بيضٌ خفافٌ كأنها بهنّ أبدنا جمعهم فتبدّدوا فكبّ أبو جهلٍ صريعاً لوجهه وشيبة والتّيميّ غادرن في الوغى فأمسوا وَقود النار في مستقرّها تلظّى عليهم وهي قد شبّ حميها وكان رسول الله قد قال أقبلوا لأمرٍ أراد الله أن يَهلكوا به وقال كعب (١) في يومٍ بدرٍ : [ من الطويل ] ألا هل أتى غسّانَ في نأي دارها بأن قد رمتنا عن قسيّ عداوة لأنّا عبدنا الله لم نرج غيره نبيٌّ له في قومه إرث عزّةٍ فساروا وسرنا فالتقينا كأنّنا ضربناهمُ حتى هوى في مكرّنا فولّوا ودسناهم ببيضٍ صوارمٍ وقال كعبُ (٢) أيضاً: [ من الوافر ] على ما أراد ليس لله قاهرُ بغوا وسبيل البغي بالناس جائرٌ من الناس حتى جمعهم متكاثر بأجمعها كعبٌ جميعاً وعامرُ له معقلٌ منهم عزيزٌ وناصرُ يمشّون في الماذيِّ والنّقع ثائرُ لأصحابه مستبسل النّفس صابرُ وأنّ رسول الله بالحقّ ظاهرُ مقابيس يزهيها لعينيك شاهرُ وكان يلاقي الحَين من هو فاجرُ وعتبة قد غادرنَه وهو عائرُ وما منهم إلّا بذي العرش كافرٌ وكلّ كفورٍ في جهنم صائرُ بزبر الحديد والحجارة ساجرُ فولَّوا وقالوا إنّما أنت ساحرُ وليس لأمرٍ حمّه الله زاجرُ وأخبرُ شيءٍ بالأمور عليمها معدّ معاً جهّالها وحليمها رجاء الجنان إذا أتانا زعيمها وأعراق صدقٍ هذّبتها أرومها أسود بقاءٍ لا يرجّى كليمها لمنخر سوء من لؤيٍّ عظيمها سواءٌ علينا حلفها وصميمها لعمر أبيكما يا بْنَي لؤيٍّ على زهوٍ لديكم وانتخاءِ (١) الأبيات في ((ديوانه)) ص (٢٠٨). (٢) الأبيات في ((ديوانه)) ص (١٤٥). ١٥٠ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى لما حامت فوارسكم ببدرٍ وردناه بنور الله يجلو رسول الله يقدمنا بأمرٍ فما ظفرت فوارسكم بيدرٍ فلا تعجل أبا سفيان وارقُب بنصر الله روح القدس فيها وقال حسّان بن ثابتٍ(١) - قال ابن هشام: ويقال : هي لعبد الله بن الحارث السّهميّ -: [ من البسيط ] جلد النّحيزة ماضٍ غير رعديدٍ على البريّة بالتقوى وبالجودِ وماء بدرٍ زعمتم غير مورودٍ حتى شربنا رواءً غير تصريدٍ مستحكم من حبال الله ممدودٍ حتى الممات ونصرٌ غير محدودٍ بدرٌ أنار على كلّ الأماجيدِ مستشعري حلق الماديّ يقدمهم أعني رسول إله الخلق(٢) فضّله وقد زعمتم بأن تحموا ذِماركمُ ثمّ وردنا ولم نسمعُ(٣) لقولكمُ مستعصمين بحبلٍ غير منجذم فينا الرسول وفينا الحقّ نتبعه وافٍ وماضٍ شهابٌ يستضاء به وقال حسان بن ثابتٍ أيضا٤ً) : ألا ليت شعري هل أتى أهل مكةٍ قتلنا سراة القوم عند مجالنا٦) قتلنا أبا جهلٍ وعتبة قبله (٧) قتلنا سُويداً ثم عتبة بعده فكم قد قتلنا من كريمٍ مرزًّا إيارتُنا الكفَّارُ(٥) في ساعة العسرِ فلم يرجعوا إلّ بقاصمة الظّهر وشيبة يكبو لليدين وللنّحر(٨) وطعمة أيضاً عند ثائرة القتر له حسبٌ في قومه نابِهُ الذّكر الأبيات في (( ديوانه)) ( ١٢٨/١ ) مع تقديم وتأخير . (١) في ((ديوانه)): ((أعنى الرسول فإن الله)). (٢) (٣) في (( ديوانه)): ((ولم نهدد )). الأبيات في («ديوانه)) (١٤٢/١) وفيها تداخل ونقص وخلاف عما في كتابنا و((السيرة النبوية)) لابن هشام ٢١/٢ -٢٢. (٤) (٥) في «ديوان حسَّان بن ثابت)»: «قَتَلْنَا مِنَ الكُفَّار ... )). (٦) في ((ديوان حسَّان بن ثابت)): ((عند رحالهم)) . في « ديوان حسَّان بن ثابت)): ((بعده)). (٧) (٨) في ((ديوان حسَّان بن ثابت)): ((وشيبة أيضاً عند نائرة الصَّبر)). ولا صبروا به عند اللقاءِ دجى الظّلماء عنّا والغطاء من امر الله أحكم بالقضاء وما رجعوا إليكم بالسّواء جياد الخيل تطلُع من كداء وميكالٌ فيا طيب الملاء ١٥١ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى تركناهمُ للعاويات (١) ينبنهم لعمرك ما حامت فوارس مالكٍ ويصلون ناراً بعد حامية القعر وأشياعهم يوم التقينا على بدر وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب ، في يوم بدرٍ ، وفي قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعليٍّ مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة ، وأنكرها ابن هشام : [ من الطويل ] يهبّ لها من كان عن ذاك نائيا وما كان فيها بكر عتبة راضيا أرجّي بها عيشاً من الله دانيا من الجنة العليا لمن كان عاليا وعاجلته حتى فقدتُ الأدانيا بثوبٍ من الإسلام غطّ المساويا غداة دعا الأكفاء من كان داعيا ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا نقاتل في الرحمن من كان عاصيا ثلاثتنا حتى أُزيروا المنائيا ستبلغ عنّا أهل مكة وقعةٌ بعتبة إذ ولّى وشيبة بعده فإن تقطعوا رِجلي فإنّيَ مسلمٌ مع الحور أمثال التّماثيل أخلصت وبعت بها عيشاً تعرّقت صفوه فأكرمني الرحمن من فضل منّه وما كان مكروهاً إليّ قتالهم ولم يبغ إذ سالوا النبيّ سواءنا لقيناهمُ كالأسد تخطر بالقنا فما برحت أقدامنا من مقامنا وقال ابن إسحاق(٢): وقال حسّان بن ثابتٍ(٣) أيضاً؛ يذمّ الحارث بن هشام على فراره يوم بدرٍ ، وتركه قومه لا يقاتل دونهم : [ من الكامل ] تبَلت فؤادَك في المنام خريدةٌ كالمسك تخلطه بماء سحابةٍ نفج الحقيبة بوصها متنضّدٌ بنيت على قطنٍ أجمّ كأنّه وتكاد تكسل أن تجيء فراشَها أمّا النهار فلا أفتّر ذكرها أقسمت أنساها وأترك ذكرها يا من العاذلةٍ تلوم سفاهةً بكرت عليّ بسحرةٍ بعد الكرى تشفي الضّجيع بباردٍ بسّامٍ أو عاتقٍ كدم الذّبيح مدام بلهاء غير وشيكة الأقسام فُضُلاً إذا قعدت مداك رخام في جسم خرعبةٍ وحسن قوام والليل توزعني بها أحلامي حتى تغيّب في الضريح عظامي ولقد عصيت على الهوى لوّامي وتقاربٍ من حادث الأيام (١) في ((ديوان حسَّان بن ثابت)): ((للخامعات تنوبهم)). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٦/٢ - ١٨). (٣) الأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) ص (٢٩). ١٥٢ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى زعمت بأنّ المرء يكرب عمره إن كنت كاذبةً الذي حدّثِني ترك الأحبة أن يقاتل دونهم تذر العناجيج الجياد بقفرةٍ ملأت به الفرجين فارمدّت به وبنو أبيه ورهطه في معرٍ طحنتهمُ والله ينفذ أمره لولا الإله وجريها لتركنه من بين مأسورٍ يشدّ وثاقه ومجدّلٍ لا يستجيب لدعوةٍ بالعار والذلّ المبيّن إذ رأى بيدَيْ أغرّ إذا انتمى لم يخزه بيضٌ إذا لاقت حديداً صمّمت قال ابن هشام(١): تركنا في آخرها ثلاثة أبياتٍ أقذع فيها. [ من الكامل ] عدمٌ لمعتكرٍ من الأصرام فنجوت منجى الحارث بن هشام ونجا برأس طمرّةٍ ولجام مرّ الدَّموك بمحصدٍ ورجام وثوى أحبّته بشرّ مقام نصر الإله به ذوي الإسلام حربٌ يشبّ سعيرها بضرام جزر السباع ودسنه بحوام صقرٍ إذا لاقى الأسنّة حام حتى تزول شوامخ الأعلام بيض السيوف تسوق كلّ همام نسب القصار سميدع مقدام كالبرق تحت ظلال كلّ غمام قال ابن هشامٌ(٢): فأجابه الحارث بن هشامٍ ، أخو أبي جهلٍ عمرو بن هشامٍ فقال: [ من الكامل ] حتى حبوا مهري بأشقر مزبد أُقْتَلْ ولا ينكي عدوي مشهدي طمعاً لهم بعقاب يومٍ مفسد القوم أعلم ما تركت قتالهم وعرفت أنّي إن أقاتل واحداً فصددت عنهم والأحبّة فیھمُ وقال حسان(٣) أيضاً: [ من الكامل ] يا حار قد عوّلت غير معوّلٍ إذا تمتطي سرُح اليدين نجيبةً والقوم خلفك قد تركت قتالهم ألّا عطفت على ابن أمّك إذ ثوى عجل المليك له فأهلك جمعه وقال حسّان(٤) أيضاً: [ من الوافر ] عند الهياج وساعة الأحسابِ مرطى الجراء طويلة الأقرابِ ترجو النّجاء وليس حين ذهابٍ قعص الأسنّة ضائع الأسلابِ بشنار مخزيةٍ وسوء عذابٍ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٩/٢). (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٨/٢) برواية: ((الله أعلم ما تركت)). (٣) الأبيات في ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (٢٩٨/١) و((السيرة النبوية)) (١٩/٢ - ٢٠). (٤) انظر ((ديوان حسان)) (١/ ١٨٠) و((السيرة النبوية)) (١٩/٢). ١٥٣ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى غداة الأسر والقتل الشديدِ حماةُ الحرب يوم أبي الوليدٍ إلينا في مضاعفة الحديدِ بنو النّجّار تخطر كالأسودِ وأسلمها الحويرث من بعيدٍ جهيزاً نافذاً تحت الوريدٍ ولم يلووا على الحسب التّليدٍ لقد علمتْ قريشٌ يوم بدرٍ بأنّا حين تشتجر العوالي قتلنا ابني ربيعة يوم سارا وفرّ بها حكيمٌ يوم جالت وولّت عند ذاك جموع فهرِ لقد لاقَيْتُمُ ذلّا وقتلاً وكلّ القوم قد ولّوا جميعاً وقالت هند بنت أثاثة بن عبّاد بن المطّلب ، ترئي عبيدة بن الحارث بن المطلب: [من الطويل ] وحلماً أصيلاً وافر اللّبّ والعقلِ وأرملةٍ تهوي لأشعث كالجذل إذا احمرّ آفاق السماء من المحل وتشبيب قدرٍ طالما أزبدت تغلي فقد كان يذكيهنّ بالحطب الجزل ومستنبحٍ أضحى لديه على رسل لقد ضمّن الصّفراءُ مجداً وسؤدداً عبيدة فابكيه لأضياف غربةٍ وبكّيه للأقوام في كلّ شتوةٍ وبكّيه للأيتام والرّيح زفزفٌ فإن تصبح النّيران قد مات ضَوْؤها لطارق ليلٍ أو لملتمس القرى وقال الأمويّ في (( مغازيه)) : حدّثني سعيد بن قطنٍ ، قال : قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدراً : [ من الطويل ] بتأويلها فلٌّ من القوم هاربُ بعينيه ما تفري السيوف القواضب يكذّبني بالصّدق من هو كاذب حكيمٌ وقد أعيت عليه المذاهب وخطّيّةٌ فيها الشّبا والتّعالب إذا ما تعاطتها اللّيوث المشاغب إذا عضّ من عُون الحروب الغوارب كفاحاً كما تمري السحاب الجنائب وزعزع وردٌ بعد ذلك صالب لدى ابن أخي أسرى له ما تضارب من الله حَينٌ ساق والحَين حالب بنو عمّه والحرب فيها التجارب ـجبان وتبدو بالنهار الكواكب ألمّا تكن رؤياي حقّاً ويأتكم رأى فأتاكم باليقين الذي رأى فقلتم ولم أكذب كذبت وإنّما وما جاء إلّ رهبة الموت هارباً أقامت سیوف الهند دون رؤوسكم كأن حريقُ النار لمعَ ظباتها ألا بأبي يوم اللقاء محمداً مرى بالسيوف المرهفات نفوسكم فكم بردت أسيافه من مليكةٍ فما بال قتلى في القليب ومثلهم فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم فكيف رأى عند اللقاء محمداً ألم يغشكم ضرباً لوقعه الـ ١٥٤ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى بحاراً تردّى تجربتها المقانب حلفت لئن عادوا لنصطلينّهم كأنّ ضياء الشمس لمع ظباتها لها من شعاع النور قرنٌ وحاجب وقالت عاتكة أيضاً فيما نقله الأمويّ : [ من الطويل ] ببدرٍ ومن يغشى الوغى حقّ صابرٍ(١) هلّ صبرتم للنبيّ محمدٍ ولم ترجعوا عن مرهفاتٍٍ كأنّها ولم تصبروا للبيض حتى أُخذتمُ وولّيتم نفراً وما البطل الذي أتاكم بما جاء النبيّون قبله سيكفي الذي ضيّعتمُ من نبيّكم حريقٌ بأيدي المؤمنين بواترُ قليلاً بأيدي المؤمنين المساعر يقاتل من وقع السلاح بنافرٍ وما ابن أخي البرّ الصّدوق بشاعرٍ وينصره الحيّان عمروٌ وعامرُ وقال طالب بن أبي طالبٍ يمدح رسول الله وَّه ويرثي أصحاب القليب من قريشِ الذين قتلوا يومئذٍ من قومه ، وهو بعد على دين قومه إذ ذاك : [ من الطويل ] تبكّي على كعبٍ وما إن ترى كعبا وأرداهمُ ذا الدهر واجترحوا ذنبا فيا ليت شعري هل أرى لهمُ قربا فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا أحاديث فيها كلّكم يشتكي النّكبا وحرب أبي يكسوم إذ ملؤوا الشّعبا لأصبحتم لا تمنعون لكم سربا سوى أنْ حمينا خير من وطىء التّربا كريماً نثاه لا بخيلاً ولا ذربا يؤمّون نهراً لا نزوراً ولا صربا تململ حتى تصدقوا الخزرج الضّربا ألا إنّ عيني أنفدت دمعها سكباً ألا إنّ كعباً في الحروب تخاذلوا وعامر تبكي للملمّات غدوةً فيا أخوينا عبد شمسٍ ونوفلاً ولا تصبحوا من بعد ودِّ وألفةٍ ألم تعلموا ما كان في حرب داحسٍ فلولا دفاع الله لا شيء غيره فما إن جنينا في قريشٍ عظيمةً أخا ثقةٍ في النائبات مُرَزَّأَ يطيف به العافون يغشون بابه فوالله لا تنفكّ نفسي حزينةً فصل وقد ذكر ابن إسحاق (٢) أشعاراً من جهة المشركين قويّة الصّنعة ، يرثون بها قتلاهم يوم بدرٍ ، فمن ذلك قول ضرار بن الخَطَّاب بن مرداسٍ أخي بني محارب بن فهرٍ ، وقد أسلم بعد ذلك ، والسّهيليّ في ((روضه)) يتكلّم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك: [من الطويل ] (١) من بعض هذه الأبيات إقواء . (٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١٣/٢ - ١٤). ١٥٥ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى عجبت لفخر الأوس والحَيْن دائرٌ وفخرٍ بني النّجّار أن كان معشرٌ فإن تك قتلى غودرت من رجالنا وتردي بنا الجرد العناجيج وسَطْكُم ووسط بني النجّار سوف نكرّها فنترك صرعى تعصب الطير حولهم وتبكيهمُ من أهل يثرب نسوةٌ وذلك أنّا لا تزال سيوفنا فإن تظفروا في يوم بدرٍ فإنّما وبالنّفر الأخيار هم أولياؤه يعدّ أبو بكرٍ وحمزة فيهمُ أولئك لا من نتّجت في ديارها ولكن أبوهم من لؤيٍّ بن غالبٍ هم الطّاعنون الخيل في كلّ معركٍ فأجابه كعب بن مالكٍ بقصيدته التي أسلفناه(٤) ، وهي قوله: [ من الطويل ] عليهم غداً والدّهر فيه بصائرٌ أصيبوا ببدر كلّهم ثمّ صائر فإنّا رجالٌ(١) بعدهم سنغادر بني الأوس حتى يشفيَ النّفْسَ ثائر لها٢) بالقنا والدّارعين زوافر وليس لهم إلّ الأمانيَّ ناصر لهنّ بها ليلٌ عن النّوم ساهر بهنّ دمٌّ ممّن يحاربن مائر بأحمدَ أمسى جدّكم وهْو ظاهر يحامون في اللأُواءِ والموت حاضر ويدعى عليٌّ وسط من أنت ذاكر بنو الأوس والنّجّار حين تفاخر إذا عُدّت الأنساب كعبٌ وعامر (٣) غداة الهياج الأطيبون الأكاثر عجبت لأمر الله والله قادرُ على ما أراد ليس لله قاهرُ قال ابن إسحاق(٥) : وقال أبو بكرٍ واسمه شدّاد بن الأسود بن شعوب . قلت : وقد ذكر البخاريّ(٦) أنّه خلف على امرأة أبي بكرٍ الصدّيق ، حين طلّقها الصديق، وذلك لمّ(٧) حرّم الله المشركات على المسلمين ، واسمها أمّ بكرٍ : [ من الوافر] وهل لي بعد قومي من سلام تُحَيِّيٍ بالسّلامة أمّ بكرٍ من القينات والشَّرب الكرام فماذا بالقليب قليبِ بدرٍ من الشّيزى تكلّل بالسَّامُ(٨) وماذا بالقليب قليب بدرٍ (١) في الأصول (رجالًا) وهو خطأ صححه عن ((السيرة النبوية)) لابن هشام. (٢) في (آ): (( بها )) وأثبت لفظ ( ط ) . (٣) في (ط): ((الأكابر)). (٤) انظر ص (١٤٨ - ١٤٩) من هذا الجزء. (٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢٩/٢). (٦) رواه البخاري رقم (٣٩٢١). (٧) لفظ ((لما)) سقط من ( ط ). (٨) والسّنام: لحم ظهر البعير. انظر (( لسان العرب)) ( سنم ). ١٥٦ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى من الحومات(١) والنَّعم المُسام وكم لك بالطّويِّ طويّ بدرٍ وكم لك بالطويّ طويّ بدرٍ وأصحاب الكريم أبي عليٍّ وإنّك لو رأيت أبا عقيلٍ إذاً لظلِلت من وجدٍ عليهم يخبّرنا الرسول لسوف نحيا من الغايات والدّسُع العظامُ(٢) أخي الكأس الكريمة والنّدَام وأصحاب الثّنيّة من نَعام كأمّ السّقب (٣) جائلة المرام وكيف حياة أصداءٍ وهام قلت: وقد أورد البخاريّ بعضها في ((صحيحه)(٤) ليعرف به حال قائلها . قال ابن إسحاق(٥): وقال أُميّة بن أبي الصّلت(٦)، يرثي من قتل من قريشٍ يوم بدرٍ: [من مجزوء الكامل ] ألّا بكيتِ على الكرا كبُّكا الحمام على فرو يبكين حزّى مستكيـ أمثالهنّ الباكيا من يبكهم يبكي على ماذا ببدرِ والعقد فمدافع البرقين فال شُمطٍ وشبّانٍ بهـا ألا ترون لما أرى أن قد تغيّر بَطْنُ مكّة م بني الكرام أولي الممادخ ع الأنك في الغصن الجوانح سناتٍ يرحن مع الرّوائح ت المعولات من النّوائح حزنٍ ويصدق كلّ مادح قل من مرازبةٍ جحاجح -حنّان من طرف الأواشح ليلٍ مغاوير وحاوح ولقد أبان لكلّ لامح فهي موحشة الأباطح ـريق نقيّ الودّ واضح من كلّ بطريقٍ لبط ك وجائب للخرق فاتح دعموص أبواب الملو جمة الملاوثة المناجح ومن السّراطمة الخلا (١) في (أ): ((الحرمات)) وأثبت لفظ (ط) وهو موافق لما في ((السيرة النبوية)). (٢) هذا البيت تقدم في (آ) إلى ما قبل البيت الذي قبله وترتيب الأبيات في (ط) كما أثبته موافق لترتيبها في ((السيرة النبوية )) لابن هشام . (٣) السقب : ولد الناقة . (٤) انظر ((صحيح البخاري)) رقم (٣٩٢١). (٥) انظر (السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٠/٢ -٣٢). (٦) الأبيات في ((ديوان أمية بن أبي الصَّلت)) ص (٣٤٨) صنعة د. عبد الحفيظ السطلي، مع تقديم وتأخير. ١٥٧ ذكر ما قيل من الأشعار في غزوة بدر العظمى القائلين الفاعلي المطعمين الشّحم فو نقل الجفان مع الجفا ليست بأصفارٍ لمن للضّيف ثم الضيف بعـ وهب المئين من المئيـ سوق المؤبّل للمؤبّـ لكرامهم فوق الكرا كتناقل الأرطال بالـ خذلتهمُ فئةٌ وهم الضّاربين التّقدميّـ ولقد عناني صوتهم لله درّ بني عل إن لم يغيروا غارةً بالمقربات المبعدا مُرداً على جردٍ إلى ويلاقِ قرنٌ قرنه بزَهاء ألفٍ ثمّ ألـ ـن الآمرين بكلّ صالح ق الخبز شحماً كالأنافخ ن إلى جفانٍ كالمناضح يعفو ولا رغٌ رحارح ـد الضيف والبسط السّلاطح ن إلى المئين من اللّواقح ـل صادراتٍ عن بلادح م مزيّةٌ وزن الرّواجح ـقسطاس بالأيدي الموائح يحمون عورات الفضائح ـة بالمهنّدة الصّفائح من بين مستسقٍ وصائح ــ أيّمٍ منهم وناكح شعواء تجحر كلّ نابح ت الطّامحات مع الطّوامح أُسدٍ مكالبةٍ كوالح مشي المصافح للمصافح ـفٍ بين ذي بدنٍ ورامح قال ابن هشامُ(١): تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله إليه . قلت : هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس ، الذي حمله كثرة جهله وقلّة عقله ، على أن مدح المشركين وذمّ المؤمنين ، واستوحش بمكة من أبي جهل بن هشام ، وأضرابه من الكفرة اللّام ، والجهلة الطّغام ، ولم يستوحش بها من عبد الله ورسوله ، وحبيبه وخليله ، فَخر البشر ، ومَن وجهه أنور من القمر ، ذي العِلم الأكمل ، والعقل الأشمل ، ومِن صاحبه الصدّيق المبادر إلى التصديق ، والسابق إلى الخيرات ، وفعل المكرمات ، وبذل الألوف والمئات ، في طاعة ربّ الأرض والسماوات ، وكذلك بقيّة أصحابه الغرّ الكرام ، الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والإسلام ، رضي الله عن جميعهم ، ما اختلط الضّياء والظلام ، وما تعاقبت الليالي والأيام ، وقد تركنا أشعاراً كثيرةً أوردها ابن إسحاق ، رحمه الله ، خوف الإطالة وخشية الملالة ، وفيما أوردنا كفايةٌ ، ولله الحمد والمنّة . (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٣٢/٢). ١٥٨ ذكر غزوة بني سليم ، وغزوة السويق وقد قال الأمويّ في ((مغازيه)» (١): سمعت أبي، ثنا٢ً) سليمان بن أرقم ، عن ابن سيرين ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله وَّل عفا عن شعر الجاهليّة . قال سليمان : فذكر ذلك للزّهريّ فقال : عفا عنه إلّا قصيدتين ؛ كلمة أميّة التي ذكر فيها أهل بدرٍ ، وكلمة الأعشى التي يذكر فيها الأحوص . وهذا حديثٌ غريب، وسليمان بن أرقم هذا متروكٌ(٣) ، والله أعلم . فصل في ذكر غزوة بني سُلَيم سنة ثنتين من الهجرة النبويّة قال ابن إسحاق(٤): وكان فراغ رسول الله وَ له من بدرٍ في عَقِيْب(٥) شهر رمضان ، أو في شوالٍ ، ولمّا قدم المدينة لم يقم بها إلّا سبع ليالٍ حتى غزا بنفسه يريد بني سليمٍ . قال ابن هشامٌ(٢) : واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ، أو ابن أمّ مكتومٍ الأعمى . قال ابن إسحاق(١) : فبلغ ماءً من مياههم يقال له: الكُدْر، فأقام عليه ثلاث ليالٍ، ثم رجع إلى المدينة، ولم يلق كَيْداً ، فأقام بها بقيّة شوالٍ وذا القعدة ، وأفدى في إقامته تلك جُلّ تلك(٨) الأسارى من قريشٍ. فصل غزوة السّويق في ذي الحجّة منها ، وهي غزوة قرقرة الكُدْر(٩) قال السّهيليُّ(١٠): والقَرقرة: الأرض الملساء، والكُدْر: طيرٌ في ألوانها كدرةٌ . (١) وذكره ابن عدي في ((الكامل في الضعفاء)) (١١٠٥/٣). (٢) في ( ط): (( حدثنا)). (٣) وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: ((ضعيف)). انظر ((تحرير تقريب التهذيب)) (٦٣/٢). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩٠) و((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٣) طبع دار ابن كثير. (٥) في (ط): ((عقب)). (٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣/٢). (٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٣/٢). (٨) لفظ ((تلك)) الثاني هذا لم يرد في ( ط) و((السيرة النبوية)) لابن هشام. (٩) مكان هذا العنوان في (ط): ((فصل غزوة بني سليم سنة اثنتين من الهجرة)) وهو السابق لهذا في (آ) كما هو مثبت . (١٠) انظر ((الروض الأنف)) (٤٠٤/٥). ١٥٩ ذكر غزوة السويق وهي غزوة قرقرة الكدر قال ابن إسحاق (١): وكان أبو سفيان ــ كما حدّثني محمد بن جعفر بن الزّبير ، ويزيد بن رومان ، ومن لا أتّهم - عن عبد الله بن كعب بن مالكٍ، وكان من أعلم الأنصار ، حين رجع إلى مكة ورجع فَلُّ قريشٍ من بدرٍ ، نذر أن لا يمسّ رأسه ماءٌ من جنابةٍ حتى يغزو محمداً ، فخرج في مئتي راكبٍ من قريشٍ لتبرّ يمينه ، فسلك النّجديّة حتى نزل بصدر قناةٍ إلى جبلٍ يقال له: ثيبٌ(٢) . من المدينة على بريد أو نحوه ، ثم خرج من الليل حتى أتى بني النّضير تحت الليل ، فأتى حُيِّيّ بن أخطب ، فضرب عليه بابه ، فأبى أن يفتح له وخافه ، فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم ، وكان سيّد بني النّضير في زمانه ذلك ، وصاحب كنزهم ، فاستأذن عليه فأذن له ، فقراه وسقاه ، وبَطْن له من خبر الناس ، ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه ، فبعث رجالاً من قريشٍ ، فأتوا ناحيةً منها يقال لها : العريض ، فحرّقوا في أصوارٍ من نخلٍ بها ، ووجدوا رجلاً من الأنصار وحليفاً له في حرثٍ لهما ، فقتلوهما وانصرفوا راجعين ، فنذر بهم الناس ، فخرج رسول الله وَّ في طلبهم. قال ابن هشام (٣) : واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر. قال ابن إسحاق : فبلغ قرقرة الكدر ، ثم انصرف راجعاً ، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه ، ووجد أصحابُ رسول الله وَّرَ أزواداً كثيرةً قد ألقاها المشركون يتخفّفون منها وعامّتها سويقٌ ، فسمّيت غزوة السّويق. قال المسلمون: يا رسول الله، أنطمع أن تكون هذه لنا غزوةً؟ قال: ((نعم)). قال ابن إسحاق(٤) : وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا ، ويمدح سلام بن مشكم اليهوديّ : [ من الطويل ] لحلفٍ فلم أندم ولم أتلوّمٍ وإنّي تخيّرت المدينة واحداً على عجَلٍ منّي سلام بن مشكم سقاني فروّاني كُمَيتاً مُدامةً لأُفرحه : أبشر بغزوٍ ومغنم ولمّا تولّى الجيش قلت ولم أكن صريح لؤيٍّ لا شماطيط جُرهم تأمّل فإنّ القوم سرّ وإنّهم أتى ساعياً من غير خلّة معدم وما كان إلّا بعض ليلة راكبٍ (١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٢/ ٤٤ - ٤٥). (٢) في (ط): ((نيب)) وما جاء في (آ) هو الصواب ، وانظر لتمام الفائدة تعليق شيخنا العلامة حمد الجاسر رحمه الله على (( المغانم المطابة)) للفيروزابادي ص (٨٥ ) . (٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٥/٢). (٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٢٩١). ١٦٠ ذكر دخول علي بن أبي طالب رضي الله عنه على زوجته فاطمة بنت رسول الله بهالجر فصل في دخول علي بن أبي طالبٍ ، رضي الله عنه علی زوجته فاطمة بنت رسول الله ێآله وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدرٍ ، لما رواه البخاريّ ومسلمٌ(١) ، من طريق الزّهريّ ، عن عليٍّ بن الحسين ، عن أبيه الحسين بن عليٍّ ، عن عليٍّ بن أبي طالبٍ قال : كانت لي شارفٌ من نصيبي من المغنم يوم بدرٍ ، وكان النبيّ ◌َّ أعطاني شارفاً ممّا أفاء الله عليه من الخمس يومئذٍ، فلمّا أردت أن أبتنيَ بفاطمة بنت النبيّ ◌َ﴿، واعدت رجلاً صوّاغاً في بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخرٍ ، فأردت أن أبيعه من الصّوّاغين فأستعين به في وليمة عرسي ، فبينا أنا أجمع لشارفيّ من الأقتاب والغرائر والجبال ، وشارفايَ مناختان إلى جنب حجرة رجلٍ من الأنصار ، حتى جمعت ما جمعت ، فإذا أنا بشارفيّ قد أُجبّت أسنمتها ، وبُقرت خواصرهما ، وأخذ من أكبادهما ، فلم أملك عينيّ حين رأيت المنظر ، فقلت : من فعل هذا ؟ قالوا : فعله حمزة بن عبد المطلب ، وهو في هذا البيت ، وهو في شَربٍ من الأنصار، وعنده قَينةٌ وأصحابه ، فقالت في غنائها : [ من الوافر ] ألا يا حمزُ للشّرف النّواء فوثب حمزة إلى السيف ، فأجبّ أسنمتهما٢) ، وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما . قال عليٍّ : فانطلقت حتى أدخل على النبيّ وَّه وعنده زيد بن حارثة، فعرف النبيّ وَّ ر الذي لقيت فقال: ((ما لك؟)). فقلت : يا رسول الله، ما رأيت كاليوم ، عدا حمزة على ناقتيّ فأجبّ أسنمتهما، وبقر خواصرهما ، وها هو ذا في بيتٍ معه شَربٌ، فدعا النبيّ وَّ بردائه فارتداه ، ثم انطلق يمشي، واتّبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الذي فيه حمزة، فاستأذن عليه فأذن له، فطفق النبيّ وَ له يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة ثمِلٌ محمرّةٌ عيناه ، فنظر حمزة إلى النبيّ وَّةِ، ثم صعّد النّظر فنظر إلى ركبتيه، ثم صعّد النظر فنظر إلى وجهه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلّ عبيدٌ لأبي؟ فعرف النبيّ نَّ أنّه ثمِلٌ، فنكص رسول الله ولي على عقبيه القهقرى، فخرج وخرجنا معه ، هذا لفظ البخاريّ في كتاب المغازي. وقد رواه في أماكن أُخر من ((صحيحه )) بألفاظِ كثيرةٍ ، وفي هذا دليلٌ على ما قدّمناه من أنّ غنائم بدٍ قد خمّست ، لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب ((الأموال)(٣) ، من أنّ الخمس إنّما نزل بعد (١) رواه البخاري رقم (٤٠٠٣) ومسلم رقم (١٩٧٩). (٢) في (أ): ((أسنمتها)). (٣) انظر (( كتاب الأموال)) ص (٣٨٤).