النص المفهرس

صفحات 81-100

٨١
ذكر غزوة بدر العظمى
إسحاق(١): ثُم عاش بعد ذلك حتى كان زمنُ عثمان، ثُم مرّ بأبي جهلٍ ، وهو عقي(٢) ، مُعوّذُ بنُ عفراء
فضربه حتى أثبته ، وتركه وبه رمقٌ ، وقاتل مُعوّذٌّ حتى قُتل ، فمرّ عبدُ الله بنُ مسعودٍ بأبي جهلٍ ، حين أمر
رسولُ اللهِبََّ أن يُلتمس في القتلى، وقد قال لهم رسولُ الله ◌ِّل ـ فيما بلغني -: ((انظُرُوا، إن خفي
عليكم في القتلى ، إلى أثر جُرحٍ في رُكبته ، فإنّي ازدحمتُ أنا وهو يوماً على مأدبةٍ لعبد الله بن جُدعان
ونحنُ غُلامان ، وكنتُ أشفّ منه بَيسيرٍ ، فدفعتُه فوقع على رُكبتيه فجُحش في إحداهما جحشاً لم يزل أثرُه
به . قال ابنُ مسعودٍ : فوجدتُه بآخر رمقٍ فعرفتُه ، فوضعتُ رجلي على عُنُقُه ، قال : وقد كان ضبث (٣) بي
مرّةً بمكّة ، فَآذاني ولكزني ، ثُم قلتُ له : هل أخزاك الله يا عدُوّ الله ؟ قال : وبماذا أخزاني ؟! قال :
أعمَدُ من رجُلٍ قتلتُموه ، أخبرني لمن الدّائرةُ اليوم ؟ قال : قلتُ : لله ولرسوله .
قال ابنُ إسحاق(٤) : وزعم رجالٌ من بني مخزُومٍ ، أنّ ابن مسعودٍ كان يقولُ: قال لي(٥) : لقد
ارتقيتَ مُرتقيّ صعباً يا رُويعي الغنم. قال: ثُم احتززتُ رأسه، ثُم جئتُ به رسول الله وَلَ فقلتُ: يا
رسول الله ، هذا رأسُ عدوّ الله .
فقال: ((الله الذي لا إله غيرُه؟)). وكانت يمينَ رسول الله وَّه، فقلتُ: نعم، والله الذي لا إله
غيرُه. ثُم ألقيتُ رأسه بين يدي رسول الله ◌َ لاَ فحمد الله. هكذا ذكر ابنُ إسحاق ، رحمه الله .
وقد ثبت في (الصحيحين)(٦) ، من طريق يوسف بن يعقوب بن الماجشُون، عن صالح بن إبراهيم بن
عبد الرحمن بن عوفٍ، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوفٍ قال : إنّي لواقفٌ يوم بدرٍ في الصفّ ، فنظرتُ
عن يميني وشمالي ، فإذا أنا بين غُلامين من الأنصار حديثةٍ أسنانُهما ، فتمنّيتُ أن أكُون بين أَظَلَعَ منهما ،
فغمزني أحدُهما فقال: يا عمّ ، أتعرفُ أبا جهلٍ ؟ فقلتُ : نعم ، وما حاجتُك إليه ؟ قال : أخبرتُ أنّه
يسُبُّ رسول الله بِّه، والذي نفسي بيده لئن رأيتُه، لا يُفارقُ سوادي سوادَه حتى يموت الأعجلُ منّا.
فتعجّبتُ لذلك ، فغمزني الآخرُ فقال لي أيضاً مثلها ، فلم أنشب أن نظرتُ إلى أبي جهلٍ وهو يجُولُ
في الناس ، فقلتُ : ألا تريان ؟ هذا صاحبُكم الذي تسألان عنه . فابتدراه بسيفيهما ، فضرباه حتى
قتلاه، ثم انصرفا إلى النبيّ وَّ فأخبراه فقال: ((أيُّكما قتله؟)). قال كُلٌّ منهما: أنا قتلتُه. قال: ((هل
مسحتُما سيفيكُما؟)). قالا: لا. قال: فنظر النبيُّ وَ ل في السيفين فقال: ((كلاكُما قتله)). وقضى
بسلبه لمعاذ بن عمروٍ بن الجمُوح ، والآخرُ مُعاذُ ابنُ عفراء .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٥/١ - ٦٣٦).
(٢) أي : جريح .
(٣) ضبث : قبض .
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٦/١)، و((تاريخ الطبري)) (٤٥٥/٢).
يعني أبو جهل ، لعنه الله .
(٥)
(٦) رواه البخاري (٣١٤١) ومسلم ( ١٧٥٢) .

٨٢
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال البخاري١ٌّ): حدّثنا يعقوبُ بنُ إبراهيم، ثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ ، عن أبيه ، عن جدّه قال : قال
عبدُ الرحمن : إنّي لفي الصّفّ يوم بدرٍ ، إذ التفتُّ فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السّنّ ، فكأنّي
لم آمن بمكانهما، إذ قال لي أحدُهما سراً من صاحبه : يا عمّ ، أرني أبا جهلٍ . فقلتُ : يا بن أخي ، وما
تصنعُ به ؟ قال : عاهدتُ الله إن رأيتُه، أن أقتُله أو أموت دونه . فقال لي الآخرُ سراً من صاحبه مثله .
قال : فما سرّني أنّي بين رجلين مكانهما، فأشرتُ لهما إليه، فشدًا عليه مثل الصّقرين حتى ضرباه ، وهما
ابنا عفراء .
وفي (( الصحيحين)(٢) أيضاً، من حديث سُليمان التّيميّ ، عن أنس بن مالك قال : قال
رسولُ الله ◌َّهُ: ((من ينظُرُ ما صنع أبو جهلٍ؟)). قال ابنُ مسعودٍ: أنا يا رسول الله . فانطلق ، فوجده قد
ضربه ابنا عفراء حتى برد . قال : فأخّذ بلحيته . قال : فقلتُ : أنت أبو جهلٍ ؟ فقال : وهل فوق رجلٍ
قتلتُموه . أو قال : قتله قومُه .
وعند البخاريّ(٣)، عن أبي أسامة، عن إسماعيل، عن قيسٍ(٤) ، عن ابن مسعودٍ ، أنّ أتى أبا جهلٍ
فقال : قد أخزاك الله (٥) فقال : هل أعمَد من رجلٍ قتلتُموه .
وقال الأعمشُ(٦) ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن عبد الله قال : انتهيتُ إلى أبي جهلٍ وهو
صريعٌ وعليه بيضةٌ ومعه سيفٌ جيّدٌ ، ومعي سيفٌ رديءٌ، فجعلتُ أنقُفُ رأسه بسيفي وأذكُرُ نقفاً كان ينقُفُ
رأسي بمكّة ، حتى ضعُفتْ يدُه ، فأخذتُ سيفه ، فرفع رأسه فقال : على من كانت الدّائرةُ ؛ لنا أو علينا ؟
ألستَ رُويعينا بمكّة؟ قال: فقتلتُهُ ثُم أتيتُ النَّبِيَّ نَّهَ فقلتُ: قتلتُ أبا جهلٍ. فقال: ((الله الذي لا إله إلّ
هو ؟)) . فَاسْتَحْلَفني ثلاث مرّاتٍ ، ثُم قام معي إليهم فدعا عليهم .
وقال الإمامُ أحمدُ(٧) : حدّثنا وكيعٌ ، ثنا إسرائيلُ ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عُبيدة قال : قال
عبدُ الله : انتهيتُ إلى أبي جهلٍ يوم بدرٍ وقد ضُربت رجلُه [وهو صريع (٨)، وهو يذُبُّ الناس عنه بسيفٍ
له ، فقلتُ : الحمدُ لله الذي أخزاك الله يا عدُوّ الله . قال: هل هو إلّا رجلٌ قتله قومُه ، قال : فجعلتُ
(١) رواه البخاري ( ٣٩٨٨).
(٢) رواه البخاري (٣٩٦٢) و(٣٩٦٣) و(٤٠٢٠) ومسلم (١٨٠٠).
(٣) رواه البخاري (٣٩٦١).
(٤)
في (أ) و(ط): ((عن إسماعيل بن قيس)) وهو خطأ، والتصحيح من ((صحيح البخاري)).
(٥)
في ( ط): ((هل أخذاك الله؟)).
(٦) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٨٤٧٠)، من طريق الأعمش به، وإسناده ضعيف.
(٧)
رواه أحمد في المسند (١ /٤٤٤)، وإسناده ضعيف .
(٨) زيادة من ((مسند الإمام أحمد)).

٨٣
ذكر غزوة بدر العظمى
أنناولُه بسيفٍ لي غير طائلٍ ، فأصبتُ يده ، فندرُ(١) سيفُه، فأخذتُه فضربتُه حتى قتلتُه . قال : ثُم خرجتُ
حتى أتيتُ النبيّ وَّرَ كأنّما أَقَلُّ من الأرض، فأخبرتُه فقال: (( الله الذي لا إله إلّا هو؟)). فردّدها ثلاثاً.
قال : قلتُ : الله الذي لا إله إلّ هو. قال: فخرج يمشي معي حتى قام عليه فقال: (( الحمدُ لله الذي قد
أخزاك الله يا عدُوّ الله، هذا كان فرعون هذه الأُمّة)).
وفي روايةٍ أُخرى : قال ابنُ مسعودٍ : فنفَلني سيفه .
وقال أبو إسحاق الفزاريُّ(٢) ، عن الثّوريّ، عن أبي إسحاق ، عن أبي عبيدة ، عن ابن مسعودٍ قال :
أتيتُ رسول الله بَّه يوم بدرٍ، فقلتُ: قد قتلتُ أبا جهلٍ. فقال: (( الله الذي لا إله إلّ هو؟)). فقلتُ:
الله الذي لا إله إلّ هو. مرّتين أو ثلاثاً. قال: فقال النبيُّ وَّل: ((الله أكبرُ، الحمدُ لله الذي صدق وعده ،
ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده )). ثُم قال: ((انطلق فأرنيه)). فانطلقتُ فأريتُه فقال: ((هذا فرعونُ
هذه الأمّة)).
ورواه أبو داود ، والنّسائيُّ . من حديث أبي إسحاق السّبيعيّ به (٣).
وقال الواقديُّ: وقف رسولُ الله ◌َلتر على مصرع ابني عفراء فقال: ((رحم الله ابني عفراء، فهما
شُركاءُ في قتل فرعون هذه الأُمّة ورأس أئمّة الكُفر)) . فقيل : يا رسول الله ، ومن قتله معهما ؟ قال :
(( الملائكةُ، وابنُ مسعودٍ قد شرك في قتله» رواه البيهقيُّ(٤).
وقال البيهقيُّ(٥) : أخبرنا الحاكمُ، أخبرنا الأصمُّ، حدثنا أحمدُ بنُ عبد الجبار ، حدثنا يونسُ بنُ
◌ُكيرٍ، عن عنبسة بن الأزهر ، عن أبي إسحاق قال: لمّا جاء رسولَ اللهِوَّ البشيرُ يوم بدرٍ بقتل أبي
جهلٍ، استحلفه ثلاثة أيمانٍ بالله الذي لا إله إلّا هو، لقد رأيتَه قتيلاً؟ فحلف له، فخرّ رسولُ الله وَليل
ساجداً .
ثُم روى البيهقيُّ(٦) ، من طريق أبي نُعيم ، عن سلمة بن رجاءٍ ، عن الشّعثاءِ ؛ امرأةٍ من بني أسدٍ ،
عن عبد الله بن أبي أوفى، أنّ رسول الله وَ لَّهِ صلّى ركعتين؛ حين بُشّر بالفتح، وحين جيء برأس أبي
جهلٍ .
وقال ابنُ ماجه(٧): حدّثنا أبو بشرٍ بكرُ بنُ خلفٍ، حدّثنا سلمةُ بنُ رجاءٍ قال: حدّثتني شعتاءُ ، عن
(١) أي : سقط .
(٢) رواه أحمد في ((المسند)) (٤٤٤/١)، وإسناده ضعيف .
(٣) رواه أبو داود (٢٧٠٩) والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٦٧٠) وهو حديث حسن .
(٤) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٨٨/٣-٨٩).
(٥) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ٨٩/٣).
(٦) في ((دلائل النبوة)) (٨٩/٣).
(٧) رواه ابن ماجه (١٣٩١) ، وإسناده ضعيف.

٨٤
ذكر غزوة بدر العظمى
عبد الله بن أبي أوفى، أنّ رسول الله يَّ صلّى يوم بُشِّر برأس أبي جهلٍ ركعتين.
وقال ابنُ أبي الدُّنيا١): حدّثنا أبي، حدثنا هُشيمٌ(٢)، أخبرنا مُجالدٌ، عن الشّعبِيّ، أنّ رجلاً قال
لرسول الله بَّهُ : إنّي مررتُ ببدرٍ فرأيتُ رجلاً يَخْرُجُ من الأرض ، فيضربُه رجلٌ بمقمعةٍ معه حتى يغيب في
الأرض، ثُم يخرُجُ فيفعلُ به مثل ذلك مراراً. فقال رسولُ اللهِمََّ: ((ذاك أبو جهل بنُ هشامٍ يُعذّبُ إلى
يوم القيامة )) .
وقال الأُمويُّ في (( مغازيه)): سمعتُ أبي، ثنا المُجالدُ بنُ سعيدٍ، عن عامٍ قال : جاء رجلٌ إلى
رسول الله وَ﴿ه فقال: إنّي رأيتُ رجلاً جالساً في بدر ، ورجلٌ يضرب رأسه بعمودٍ من حديد ، حتى يغيب
في الأرض . فقال رسولُ الله ◌ٌِّ: ((ذاك أبو جهلٍ، وُكّل به ملَكٌ يفعلُ به كلّما خرج، فهو يتجلجلٌ(٣)
فيها إلى يوم القيامة)(٤) .
وقال البخاريُّ(٥): حدّثنا عُبيدُ بنُ إسماعيل، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه قال : قال الزُّبِيرُ:
لقيتُ يوم بدرٍ عُبيدة بن سعيدِ بن العاص ، وهو مُدجّجٌ لا يُرى منه إلّ عيناه ، وهو يُكنى أبا ذات الكرش ،
فقال : [ أنا ]٦) أبو ذات الكرش. فحملتُ عليه بعنَزةٍ ، فطعنتُه في عينه فمات. قال هشامٌ : فَأُخبرتُ أنّ
الزُّبير قال : لقد وضعتُ رجلي عليه ، ثُم تمطّيتُ فكان الجهد أن نزعتُها ، وقد انثنى طرفاها . قال
عُروةٌ: فسأله إيّاها رسولُ اللهِ وَّهِ فأعطاه [إيّاها ]٧)، فلمّا قُبض رسولُ الله وَّل أخذها، ثُم طلبها أبو
بكرٍ ، فأعطاه ، فلمّا قُبض أبو بكرٍ سألها إيّاه عمرُ ، فأعطاه إيّاها ، فلمّا قُبض عمرُ أخذها ، ثُم طلبها
عثمانُ منه ، فأعطاه إيّاها ، فلمّا قُتل عثمانُ وقعت عند آل عليٍّ ، فطلبها عبدُ الله بنُ الزُّبير ، فكانت عنده
حتى قُتل .
وقال ابنُ هشامُ(٨): حدّثني أبو عبيدة وغيرُه من أهل العلم بالمغازي ، أنّ عُمر بن الخطاب قال
لسعيد بن العاص ، ومرّ به : إنّي أراك كأنّ في نفسك شيئاً ، أراك تظُنُّ أنّي قتلتُ أباك ، إنّ لو قتلتُه لم
أعتذر إليك من قتله ، ولكنّي قتلتُ خالي العاص بن هشام بن المغيرة ، فأمّا أبوك فإنّي مررتُ به وهو
(١) ورواه أيضاً البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٨٩/٣-٩٠)، وإسناده ضعيف.
(٢) في (أ) و(ط): ((هشام)) وهو خطأ، والصواب ما أثبته وانظر ((تهذيب الكمال)) (٢٧٢/٣٠)
و( ٢٧ /٢١٩).
(٣) أي: يغوص في الأرض حين يخسف به. انظر ((النهاية)) (١/ ٢٨٤).
(٤) وإسناده ضعيف .
(٥) رواه البخاري ( ٣٩٩٨).
(٦) لفظ ((أنا)) سقط من (آ) وأثبته من ( ط).
(٧) لفظ ((إياها)) سقط (آ) وأثبته من ( ط).
(٨) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٦ - ٦٣٧).

٨٥
ذكر غزوة بدر العظمى
يبحثُ بحث الثّور برَوقه(١) ، فحِدتُ عنه ، وقصد له ابنُ عمّه عليٌّ فقتله .
قال ابنُ إسحاق(٢) : وقاتل عُكّاشةُ بنُ محصن بن حُرثان الأسديُّ ، حليفُ بني عبد شمسٍ ، يوم
بدرٍ بسيفه حتى انقطع في يده، فأتى رسولَ الله ◌َ له فأعطاه جذْلًا من حطبٍ فقال: (( قاتل بهذا يا
عُكَّاشةُ)) فلمّا أخذه من رسول الله بَّرَ هزّه، فعاد سيفاً في يده طويل القامة ، شديد المتن ، أبيض
الحديدة ، فقاتل به حتى فتح الله على المسلمين ، وكان ذلك السيفُ يُسمّى العون ، ثُم لم يزل عنده يشهدُ
به المشاهد مع رسول الله وِّ حتى قتله طُليحةُ الأسديُّ أيام الرّة، وأنشد طُليحةُ في ذلك قصيدةً ، منها
قولُه : [ من الطويل ]
عشيّة غادرتُ ابنَ أقرم ثاوياً وعُكّاشةَ الغنميَّ عند مجال
وقد أسلم بعد ذلك طُليحةُ ، كما سيأتي بيانُه .
قال ابنُ إسحاق (٣): وعُكّاشةُ هو الذي قال، حين بشّر رسولُ اللهِوَّهِ أُمّته بسبعين ألفاً يدخُلُون الجنة
بغير حسابٍ (٤) ولا عذابٍ: ادعُ الله أن يجعلني منهم. قال: (( اللهمّ اجعله منهم)) . وهذا الحديثُ
مُخرّجٌ في الصّحاح والحسان وغيرها٥) .
قال ابنُ إسحاق(٦): وقال رسولُ اللهِ وَلـ فيما بلغني -: ((منّا خيرُ فارسٍ في العرب)). قالوا : ومن
هو يا رسول الله؟ قال: (( عُكّاشةُ بنُ مِحصَنٍ)) فقال ضرارُ بنُ الأزور الأسديُّ: ذاك رجلٌ منّا
يا رسول الله. قال: ((ليس منكم ولكنّهُ منّا(٧) )). للحلف .
وقد روى البيهقيُّ(٨) عن الحاكم، من طريق محمد بن عُمر الواقديّ ، حدّثني عمرُ بنُ عثمان
الجَحْشِيُّ(٩) عن أبيه ، عن عمّته قالت : قال عُكّاشةُ بنُ مِحصَنٍ : انقطع سيفي يومَ بدرٍ ، فأعطاني
رسولُ الله ◌ِ ◌ّهِ عُوداً، فإذا هو سيفٌ أبيضُ طويلٌ، فقاتلتُ به حتى هزم الله المُشركين ، ولم يزل عنده حتى
هلك .
(١) الروق: القرن. انظر ((القاموس المحيط)) (روق).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) (١/ ٦٣٧).
(٣) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٨/١).
(٤) انظر ((شذرات الذهب)) (١٣٥/١) طبع دار ابن كثير.
(٥) رواه البخاري (٥٧٠٥) و(٥٧٥٢) و(٦٥٤١) ومسلم (٢٢٠).
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٨/١).
(٧) لفظ ((منَّا)) سقط من (آ) وأثبته من (ط ).
(٨) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ٩٩/٣).
(٩) تحرفت في (ط) إلى: ((الخشني)) والصواب ما جاء في (آ).

٨٦
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال الواقديٌّ(١): وحدّثني أسامةُ بنُ زيدٍ، عن داود بن الحُصين ، عن رجالٍ من بني عبد الأشهل
عدّةٍ قالوا: انكسر سيفُ سلمة بن حريشٍ يوم بدرٍ، فبقي أعزل لا سلاح معه، فأعطاه رسولُ الله ◌َّ﴿ قضيباً
كان في يده من عراجين ابن طابٍ، فقال: ((اضرب به)). فإذا هو ٢) سيفٌ جيّدٌ، فلم يزل عنده حتى قُتل
يوم جسر أبي عُبيدٍ(٣) .
ردُّه ، عليه السلامُ ، عين قتادة
قال البيهقيُّ في (( الدلائل)(٤): أخبرنا أبو سعدِ المالينيُّ، أخبرنا أبو أحمد بنُ عديٍّ ، حدّثنا
أبو يعلى ، حدّثنا يحيى الحِمَّاني، ثنا عبدُ الرحمن بنُ سليمان ، ابنُ الغسيل ، عن عاصم بن عُمر بن
قتادة ، عن أبيه ، عن جدّه قتادة بن النُّعمان ، أنّه أُصيبت عينُه يوم بدرٍ ، فسالت حدقتُه على وجنته ،
فأرادوا أن يقطعُوها، فسألوا رسول الله وَ لَه فقال: ((لا)). فدعاه فغمز حدقته براحته ، فكان لا يدري أيُّ
عينيه أُصيبت.
وفي روايةٍ(٥) : فكانت أحسن عينيه .
وقد روينا عن أمير المؤمنين عُمر بن عبد العزيز، أنّه لمّا أخبره بهذا الحديث عاصمُ بنُ عمر بن
قتادة ، وأنشد مع ذلك : 1 من الطويل ]
أنا ابنُ الذي سالتْ على الخدّ عَيْنُهُ فِرُدّت بكفّ المُصطفى أيَّما رد (٦)
فقال عمرُ بنُ عبد العزيز ، رحمه الله ، عند ذلك مُنشداً قول أُميّة بن أبي الصّلت في سيف بن ذي
يزن ، فأنشده عمرُ في موضعه : حقّاً . [من البسيط ]
شيبا بماءٍ فعادا بعدُ أبوالا
لبن
تلك المكارمُ لا قعبان من
(١) انظر ((المغازي)) للواقدي (٩٣/١ - ٩٤).
(٢) لفظ ( (هو ) ) سقط من ( ط ) .
(٣). وجسر أبي عبيد هذا على مرحلتين من الكوفة وبه جرت معركة شهيرة بين المسلمين والفرس سنة (١٤ هـ ) وقيل سنة
(١٣ هـ). انظر ((معجم البلدان)) (٢/ ١٤٠) و((شذرات الذهب)) (١٦٠/١).
(٤) انظر ((دلائل النبوة)) ( ٩٩/٣ - ١٠٠).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن إسحاق ص (٣٠٧).
(٦) البيت في ((شذرات الذهب)) (١٨٠/١) وفيه: (( ... أحسن الرَّدِّ)).

٨٧
ذكر غزوة بدر العظمى
فصلٌ
قصةٌ أُخری شبيهةٌ بها
قال البيهقيُ(١): أنا أبو عبد الله الحافظُ، أنا محمدُ بنُ صالح، أنا الفضلُ بنُ محمدِ الشّعرانيُّ ، ثنا
إبراهيمُ بنُ المنذر ، أخبرنا عبدُ العزيز بنُ عمران ، حدّثني رفاعةُ بنُ يحيى ، عن معاذ بنِ رفاعة بن رافعٍ ،
عن أبيه رفاعة بن رافع بن مالكٍ، عن أبيه قال: لمّا كان يومُ بدرٍ تجمّع الناسُ على أُمَّةُ(٢) بن خلفٍ ،
فأقبلتُ إليه ، فنظرتُ إلى قطعةٍ من درعه قد انقطعت من تحت إبطه . قال : فطعنتُه بالسيف فيها طعنةً
قَطَعَتْهُ(٣)، ورُميتُ بسهم يوم بدرٍ، ففُقئت عيني فبصق فيها رسولُ الله وَّه ودعا لي، فما آذاني منها
شيءٌ. وهذا غريبٌ من هذا الوجه، وإسنادُه جيّدٌ، ولم يُخرجُوه(٤)
ورواه الطّبرانيُّ من حديث إبراهيم بن المُنذر .
قال ابنُ هشامُ(٥) : ونادى أبو بكرٍ ابنه عبد الرحمن وهو يومئذٍ مع المشركين لم يُسلم بعدُ ، فقال :
أين مالي يا خبيثُ ؟ فقال عبدُ الرحمن : [ من الرجز ]
لم يبق إلا شكّةٌ ويعبُوبْ وصارمٌ يقتُلُ ضُلاّل الشّيبْ
يعني لم يبق إلّ عُدّةُ الحرب ، وحِصانٌ - وهو اليعبُوبُ - يقاتلُ عليه شيوخ الضلالة ، هذا يقولُه في
حال كفره .
وقد روينا في ((مغازي الأمويّ)) أنّ رسول الله وَ له جعل يمشي يوم بدرٍ هو وأبو بكرِ الصّدّيقُ بين
القتلى، ورسولُ اللهِوَ لِّ يقولُ: [ من الطويل ]
نُقلّقُ هاماً
فيقولُ الصديقُ(٦) :
... من رجالٍ أعزّةٍ علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (٣/ ١٠٠).
(٢) في (أ) و(ط): ((أبي)). والتصحيح من ((دلائل النبوة)).
(٣) لفظ ((قطعته)) سقط من (ط ).
(٤) انظر (( المستدرك على الصحيحين)) (٢٣٢/٣)، وقال الحافظ الذهبي في تلخيصه : عبد العزيز بن عمران
ضعّفوه .
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (١/ ٦٣٨).
(٦) يكمل أبو بكر رضي الله عنه ما قاله رسول الله وَّله من شعر حصين بن الحمام. انظر ((الشعر والشعراء))
(٦٤٨/٢ ) .
والحديث ذكره المؤلف في ((تفسيره)» ( ٥٦٥/٣ - ٥٦٦).

٨٨
ذكر غزوة بدر العظمى
ذكر طرح رؤوس الكفر في بئرٍ [ يومَ ]١) بدرٍ
قال ابن إسحاق(٢): وحدثني يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة، قال: لمّا أمر رسول الله الجمل
بالقتلى أن يطرحوا في القليب(٣)، طرحوا فيه إلّ ما كان من أميّة بن خلفٍ ، فإنّه انتفخ في درعه فملأها ،
فذهبوا ليخرجوه فتزايل(٤) [ لحمه }٥)؛ فأقرّوه وألقوا عليه ما غيّه من التراب والحجارة ، فلمّا ألقاهم
في القليب وقف عليهم [ رسول الله اح *}٦) فقال: ((يا أهل القليب ، هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً؟
فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقّاً)). قال : فقال له أصحابه : يا رسول الله ، أتكلّم قوماً موتى ؟!
فقال: ((لقد علموا أنّ ما وعدهم ربّهم حقٌّ)). قالت عائشة: والناس يقولون: ((لقد سمعوا ما قلت
لهم)). وإنما قال رسول اللّه ◌َ لل: ((لقد علموا)).
قال ابن إسحاق(٧): وحدثني حميدٌ الطويل، عن أنس بن مالكٍ، قال: سمع أصحاب النبيّ وَه
رسول الله من جوف الليل وهو يقول: (( يا أهل القليب ، يا عتبة بن ربيعة ، ويا شيبة بن ربيعة ، ويا
أمّة بن خلفٍ ، ويا أبا جهل بن هشام - فعدّد من كان منهم في القليب - هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً ؟
فإنّي قد وجدت ما وعدني ربي حقاً)) . فقال المسلمون : يا رسول الله ، أتنادي قوماً قد جيّقوا ؟! فقال:
(( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني)).
وقد رواه الإمام أحمد(٨)، عن ابن أبي عديٍّ، عن حميدٍ ، عن أنسٍ ، فذكر نحوه ، وهذا على شرط
الشيخين .
قال ابن إسحاق(٩): وحدّثني بعض أهل العلم أنّ رسول الله مَ ل قال: (( يا أهل القليب ، بئس عشيرة
النبيّ كنتم لنبيّكم ؛ كذّبتموني وصدّقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس ، وقاتلتموني ونصرني
الناس ، هل وجدتم ماوعدكم ربّكم حقّاً ؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني ربّي حقّاً)).
قلت : وهذا ممّا كانت عائشة أمّ المؤمنين ، رضي الله عنها ، تتأوّله من الأحاديث - كما قد جمع ما
(١) سقط لفظ ((يوم)) في (آ) وأثبته من ( ط).
(٢) انظر ((السيرة النبوية لابن هشام (٦٣٨/١ - ٦٣٩).
(٣) القليب: البئر. ((القاموس المحيط)) (قلب ).
تزايل: تفرق. عن حاشية (( السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٨).
(٤)
سقط لفظ ((لحمه)) من (أ) وأثبته من (ط) و((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٣٨).
(٥)
ما بين الحاصرتين تكملة لازمة من (( السيرة النبوية)) (٦٣٩/١).
(٦)
(٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٩/١).
رواه أحمد في (( المسند)) ( ٣/ ١٠٤)، وهو حديث صحيح .
(٨)
(٩) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٩/١).

٨٩
ذكر غزوة بدر العظمى
كانت تتأوّله من الأحاديث في جزءٍ وتعتقد أنّه معارضٌ لبعض الآيات ، وهذا المقام مما كانت تعارض فيه
قوله : ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِ الْقُبُورِ ﴾ [فاطر: ٢٢]. وليس هو بمعارضٍ له ، والصواب قول الجمهور من
الصحابة ومن بعدهم ؛ للأحاديث الدّالة نصّاً على خلاف ما ذهبت إليه ، رضي الله عنها وأرضاها .
وقال البخاريّ(١): حدّثنا عبيد بن إسماعيل ، حدّثنا أبو أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال:
ذكر عند عائشة، رضي الله عنها، أنّ ابن عمر رفع إلى النبيّ بِيَّ: ((إنّ الميّت يعذّب في قبره ببكاء
أهله)). فقالت: وَهَل (٢)، رحمه الله، إنّما قال رسول الله وَ له: ((إنّه ليعذّب بخطيئته وذنبه، وإنّ أهله
ليبكون عليه الآن)). قالت (٣): وذاك مثل قوله: إنّ رسول الله مَ ◌ّ قام على القليب وفيه قتلى بدرٍ من
المشركين، فقال لهم ما قال ، قال: ((إنّهم ليسمعون ما أقول)). وإنّما قال: ((إنّهم الآن ليعلمون أنّ ما
كنت أقول لهم حقٌّ)). ثم قرأت: ﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْنَ﴾ [النمل: ٨٠]. ﴿ وَمَآ أَنَتَ بِمُسْمِعِ مَّن ◌ِ اُلْقُبُورِ ﴾
[فاطر: ٢٢] تقول: حين تبوّؤوا مقاعدهم من النار .
وقد رواه مسلم(٤) عن أبي كريبٍ ، عن أبي أسامة به .
وقد جاء التصريح بسماع الميّت بعد دفنه في غير ما حديثٍ(٥) ، كما سنقرّر ذلك في كتاب الجنائز من
((الأحكام الكبير )) إن شاء الله .
ثم قال البخاري (٦): حدّثني عثمان، ثنا عبدة، عن هشام، عن أبيه ، عن ابن عمر قال: وقف النبيّ
مَثّ على قليب بدرٍ، فقال: ((هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً؟)). ثم قال: ((إنّهم الآن يسمعون ما أقول
لهم)). وذكر لعائشة فقالت: إنّما قال النبيّ وَلّ: ((إنّهم الآن ليعلمون أنّ الذي كنت أقول لهم هو
الحقّ )) . ثم قرأت: ﴿ إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ الْمَوْقَ﴾ حتى قرأت الآية .
وقد رواه مسلمٌ عن أبي كريبٍ ، عن أبي أسامة ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيعٍ ، كلاهما عن
هشام بن عروة(٧) .
(١) رواه البخاري ( ٣٩٧٨).
(٢) لفظ ((وَهَلَ)) سقط من ( ط ).
(٣) رواه البخاري (٣٩٧٩).
(٤) رواه مسلم ( ٩٣٢) .
(٥) كقوله ◌َّل: ((إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان)) رواه البخاري رقم
(١٣٣٨) و(١٣٧٤) ومسلم رقم (٢٨٧٠) (٧٠) و(٧١) وأبو داود (٣٢٣١) والنسائي (٧/ ٩٧)، من
حديث أنس رضي الله عنه .
(٦) رواه البخاري (٣٩٨٠) و(٣٩٨١).
(٧) رواه مسلم (٩٣٢ ) .

٩٠
ذكر غزوة بدر العظمى
وقال البخاريّ(١): حدّثنا عبد الله بن محمدٍ ، سمع روح بن عبادة، ثنا سعيد بن أبي عروبة ، عن
قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك، عن أبي طلحة، أنّ رسول الله وَّ أمر يوم بدرٍ بأربعةٍ وعشرين رجلاً
من صناديد قريشٍ ، فقذفوا في طويٍّ من أطواءُ(٢) بدرٍ خبيثٍ مخبِثٍ ، وكان إذا ظهر على قومٍ أقام بالعَرْصة
ثلاث ليالٍ ، فلما كان بيدرٍ اليوم الثالث ، أمر براحلته فشدّ عليها رحلها ، ثم مشى واتّبعه أصحابه وقالوا :
ما نرى ينطلق إلّ لبعض حاجته . حتى قام على شفة الرّكيّ(٣) ، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ؛
يا فلان بن فلانٍ، ويا فلان بن فلانٍ: (( أيسرّكم أنّكم أطعتم الله ورسوله ؟ فإنّا قد وجدنا ما وعدنا ربّنا
حقّاً ، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً ؟ )). فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلّم من أجسادٍ لا أرواح فيها؟
فقال النبيّ ◌َّ: ((والذي نفس محمدٍ بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم)).
قال قتادة٤) : أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ؛ توبيخاً ، وتصغيراً، ونقمةً ، وحسرةً ، وندماً .
وقد أخرجه بقية الجماعة إلّ ابن ماجه ، من طرقٍ ، عن سعيد بن أبي عروبة(٥) .
ورواه الإمام أحمد(٦) ، عن يونس بن محمدٍ المؤدّب ، عن شيبان بن عبد الرحمن ، عن قتادة قال :
حدّث أنس بنُ مالكِ . فذكر مثله ، فلم يذكر أبا طلحة ، وهذا إسنادٌ صحيحٌ ، ولكنّ الأول أصحّ وأظهر ،
والله أعلم .
وقال الإمام أحمد(٧): حدّثنا عفّان، ثنا حمّادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ أنّ رسول الله بِّل ترك قتلى بدرٍ
ثلاثة أيامٍ حتى جيّفوا ، ثم أتاهم فقام عليهم فقال : (( يا أميّة بن خلفٍ ، يا أبا جهل بن هشامٍ ، يا عتبة بن
ربيعة ، يا شيبة بن ربيعة ، هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً؟ فإنّي قد وجدت ما وعدني رَبّي حقّاً)).
قال : فسمع عمر صوته فقال : يا رسول الله ، أتناديهم بعد ثلاثٍ ؟ وهل يسمعون ؟ يقول الله تعالى:
﴿ إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْقَى﴾. فقال: ((والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكن لا يستطعون أن
يجيبوا)) .
(١) رواه البخاري ( ٣٩٧٦).
(٢) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: الأطواء : جمع طويّ وهي البئر التي طويت وبنيت بالحجارة لتثبت ولا تنهار .
(( فتح الباري)) ( ٧/ ٣٠٢) .
(٣) قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: الركي، بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد آخره: البئر قبل أن تطوى. (( فتح
الباري)) (٧/ ٣٠٢) .
(٤) يعني راوي الحديث .
(٥) رواه مسلم (٢٨٧٥) وأبو داود (٢٦٩٥) والترمذي (١٥٥١) والنسائي في ((السنن الكبرى)) ( ٨٦٥٧).
(٦) رواه ((المسند)) (١٤٥/٣).
(٧) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٨٧/٣).

٩١
ذكر غزوة بدر العظمى
ورواه مسلمٌ(١) ، عن هدية بن خالدٍ ، عن حمّاد بن سلمة به .
قال ابن إسحاقُ(٢): وقال حسان بن ثابتٍ(٣) : ( من الوافر ]
عرفتُ ديار زينب بالكثيبِ
تداولَها الرِّياح وكلُّ جَوٍ
فأمسى رسمها خلَقاً وأمست
فدع عنك التذكّر كلّ يومٍ
وخبّر بالذي لا عيب فيه
بما صنع المليك غداة بدرٍ
غداة كأنّ جمعهمُ حراءٌ
فلاقيناهمُ منا بجمعٍ
أمام محمدٍ قد وازروه
بأيديهمْ صوارم مرهفاتٌ
بنو الأوس الغطارفُ وازرتها
فغادرنا أبا جهلٍ صريعاً
وشيبة قد تركنا في رجالٍ
يناديهم رسول الله لمّا
ألم تجدوا كلامي كان حقّاً
فما نطقوا ولو نَطَقُوا لقالوا
كخطّ الوحي في الورق القشيبِ
من الوسميّ منهمرِ سكوبِ
يباباً بعد ساكنها الحبيب
وردّ حرارة القلب(٤) الكئيب
بصدقٍ غيرِ إخبار الكذوب
لنا في المشركين من النصيب
بدت أركانه جُنْح الغروب
كأسد الغاب مُرْدَانٍ وشُيب
على الأعداء في لفْح الحروب
وكلّ مجرّبٍ خاظي الكعوب
بنو النّجّار في الدّين الصّليب
وعتبةً قد تركنا بالجبوب
ذوي حسبٍ إذا نسبوا حسيب
قذفناهم كباكب في القليب
وأمر الله يأخذ بالقلوبِ
صدقتَ وكنت ذا رأي مصيب
قال ابن إسحاق(٥): ولمّا أمر رسول الله وَ ي أن يلقوا في القليب، أَخذ عتبة بن ربيعة فسحب في
القليب ، فنظر رسول الله وَّير، فيما بلغني، في وجه أبي حذيفة بن عتبة ، فإذا هو كئيبٌ قد تغيّر لونه ،
فقال: ((يا أبا حذيفة (٦)، لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيءٌ)). أو كما قال رسول الله وَيل، فقال: لا
والله يا رسول الله ، ما شككت في أبي ولا في مصرعه ، ولكني كنت أعرف من أبي رأياً وحلماً وفضلاً ،
(١) رواه مسلم (٢٨٧٤)، وفيه: ((هَدَّاب بن خالد)) وكان يعرف بالاسمين معاً. انظر (( تحرير تقريب التهذيب))
(٣٥/٤ ) .
(٢) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٣٩/١ - ٦٤٠).
(٣) انظر ((ديوانه)) (١/ ٨٢) بتحقيق الدكتور وليد عرفات.
(٤) في ((ديوان حسَّان)): (( الصدر)).
(٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٤٠/١ - ٦٤١).
(٦) في (ط): (( يا حذيفة)) وهو خطأ، وما جاء في (آ) هو الصواب .

٩٢
ذكر غزوة بدر العظمى
فكنت أرجو أن يهديَه ذلك للإسلام ، فلمّا رأيتُ ما أصابه ، وذكرت ما مات عليه من الكفر بعد الذي كنت
أرجو له، أحزنني ذلك. فدعا له رسول الله وَ ل بخيرٍ ، وقال له خيراً .
وقال البخاري(١): حدّثنا الحميديّ، حدثنا سفيان، ثنا عمروٌ، عن عطاءٍ ، عن ابن عباسٍ :
اُلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ قال: هم والله كُفَّار قريشٍ. قال عمرو: هم قريشٌ، ومحمدٌ مَّ نعمة الله،
وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [ إبراهيم: ٢٨]. قال: النار يوم بدرٍ .
قال ابن إسحاق (٢): وقال حسّان بن ثابتٍ(٣): [ من البسيط ]
وصدّقوه وأهل الأرض كفّار
قومي الذين همُ آووا نبيّهم
للصالحين من الأنصار أنصارُ
لمّا أتاهم كريم الأصل مختار
نعم النبيّ ونعم القَسم والجار
من كان جارهم داراً هي الدار }٤)
مهاجرين وقسم الجاحد النار
لو يعلمون يقين العلم ما ساروا
إنّ الخبيث لمن والاه غرّار
شرّ الموارد فيه الخزي والعار
من منجدين ومنهم فرقةٌ غاروا
إلّ خصائص أقوام همُ سلفٌ
مستبشرين بقسم الله قولهمُ
أهلاً وسهلاً ففي أمنٍ وفي سعةٍ
[ فأنزلوه بدارٍ لا يخاف بها
وقاسموه بها الأموال إذ قدموا
سرنا وساروا إلى بدرٍ لحينھمُ
دلّاهُمُ بغرورٍ ثم أسلمهمْ
وقال إنّي لكم جارٌ فأوردهم
ثم التقينا فولّوا عن سَراتهمُ
وعبد الرزاق قالا : حدثنا إسرائيل ، [ عن
(٦)
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن أبي بكيرٍ
سماك بن حربٍ (٧)، عن عِكْرِمَهُ(٨)، عن ابن عباسٍ قال: لمّا فرغ رسول الله وَ له من القتلى، قيل له :
عليك العِير، ليس دونها شيءٌ. فناداه العباس وهو في الوثاق: إنّه لا يصلح لك. قال: ((لم؟)) قال :
لأنّ الله وعدك إحدى الطائفتين ، وقد أنجز لك ما وعدك .
(١) رواه البخاري ( ٣٩٧٧).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٦٤/١).
(٣)
انظر ((ديوان حسَّان بن ثابت)) (١/ ٤٧٥ - ٤٧٦).
هذا البيت سقط من (آ) واستدرك من (ط) و((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٦٤).
(٤)
رواية يحيى في ((المسند)) (٢٢٨/١ - ٢٢٩)، وعبد الرزاق في ((المصنف)) (٣١٤/١) وروايته سماك عن
(٥)
عكرمة فيها اضطراب .
في (أ) و(ط): ((يحيى بن أبي بكر)) وهو خطأ من النسّاخ، والتصحيح من ((مسند الإمام أحمد)).
(٦)
(٧) سقط من النسخ، والمثبت من ((المسند)).
(٨) هو عكرمة البَرْبَريّ، أبو عبد الله، مولى ابن عباس وراويته. مات سنة (١٠٥) هـ. انظر ((تحرير تقريب
التهذيب)) (٣٢/٣) و((شذرات الذهب)) (٣٢/٢) بتحقيقي.

٩٣
ذكر غزوة بدر العظمى
وقد كان جملة من قتل من سَراة الكُفَّار يوم بدرٍ سبعين ، هذا مع حضور ألفٍ من الملائكة ، وكان قدر
الله السابق فيمن بقي منهم ؛ أن سَيُسْلِمُ منهم بشرٌ كثيرٌ ، ولو شاء الله لسلّط عليهم ملكاً واحداً فأهلكهم عن
آخرهم ، ولكن قتلوا من لا خير فيه بالكلّة ، وقد كان في الملائكة جبريل ، الذي أمره الله تعالى فاقتلع
مدائن قوم لوطٍ وكنّ سبعاً ، فيهن من الأمم والدوابّ والأراضي والمزروعات ، ما لا يعلمه إلا الله ،
فرفعهنّ حتى بلغ بهنّ عَنان السماء على طرف جناحه ، ثم قلبهنّ منَّساتٍ ، وأتبعهنّ بالحجارة التي
سوِّمت لهم ، كما ذكرنا ذلك في قصة قوم لوطٍ فيما تقدمُ(١)
وقد شرع الله جهاد المؤمنين للكافرين، وبيّن تعالى حكمه في ذلك فقال: ﴿فَإِذَا لَقِيْتُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَضَرْبَ
الرِقَابِ حََّ إِذَا أَتْخَتُمُوهُمْ فَشُدُّواْ الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنَّأَ بَعْدُ وَإِمَّا فِدَآءٍ حَتَّى تَضَعَ الْحَرَبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكٌّ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَأَنَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِيَبْلُوَأْ
بَعْضَكُمْ بِبَعْضِلُ﴾ الآية [ محمد: ٤] .
وقال تعالى: ﴿قَتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِ يكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَصُرَّكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُوَرَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينٌَ
وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَن يَشَاءٌ﴾ الآية [ التوبة: ١٤ - ١٥].
فكان قتل أبي جهلٍ على يدي شابٍّ من الأنصار ، ثم بعد ذلك يوقف عليه عبد الله بن مسعودٍ ،
ويمسك بلحيته ، ويصعد على صدره حتى قال له : لقد ارتقيت مرتقيّ صعباً يا رويعي الغنم ، ثم بعد هذا
حزّ رأسه واحتمله حتى وضعه بين يدي رسول الله ، فشفى الله به قلوب المؤمنين ، كان هذا أبلغ من أن
تأتيه صَاعِقةٌ ، أو أن يسقط عليه سقف منزله ، أو يموت حتف أنفه ، واللهُ أعلم .
وقد ذكر ابن إسحاق(٢) فيمن قتل يوم بدرٍ مع المشركين ممن كان مسلماً ، ولكنّه خرج معهم تقيّةً
منهم؛ لأنّه كان فيهم مضطهداً قد فتنوه عن إسلامه ، جماعةً ؛ منهم : الحارث بن زمعة بن الأسود ، وأبو
قيس بن الفاكه، [ وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة (٣) ، وعليّ بن أمّة بن خلفٍ ، والعاص بن منبّه بن
الحجّاج. قال: وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُمْ قَالُواْ كُنَّ مُسْتَضْعَفِينَ
فِ اْأَرْضِّ قَالُواْ أَلَمّ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَسِعَةً فَنُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَنُهُمْ جَهَةٌَّ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]. وكان جملة
الأسارى يومئذٍ سبعين أسيراً، كما سيأتي الكلام عليهم فيما بعد إن شاء الله، منهم من آل رسول الله وَلَّه؛
عمّه العباس بن عبد المطّلب ، وابن عمّه عقيل بن أبي طالبٍ ، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
وقد استدلّ الشافعيّ والبخاريّ(٤) وغيرهما بذلك ، على أنّه ليس كلّ من ملَك ذا رحمٍ محرمٍ يعتق
(١) انظر ما تقدم من كلام المؤلف على قوم لوط في الجزء الأول من الكتاب .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٤١).
(٣) ما بين الحاصرتين سقط من (أ) وأثبته من (ط) و((السيرة النبوية)) لابن هشام (١ / ٦٤١).
(٤) انظر ((فتح الباري)) ( ١٦٧/٥ - ١٦٨).

٩٤
ذكر غزوة بدر العظمى
عليه ، وعارضوا به حديث الحسن ، عن سمرة في ذلك(١) ، فالله أعلم .
وكان فيهم أبو العاص بن الربيع بن عبد شمس بن أميّة، زوج زينب بنت النبيّ وَ﴿ ٢).
فصل
وقد اختلف الصحابة في الأسارى ؛ أيقتلون أو يفادون ؟ على قولين ، كما قال الإمام أحمد (٣) :
حدّثنا عليّ بن عاصم، عن حميدٍ، عن أنسٍ ، وذكر رجلاً، عن الحسن قال: استشار رسول الله آل
الناس في الأسارى يوم بدرٍ ، فقال: ((إنّ الله، عزّ وجلّ، قد أمكنكم منهم)). قال: فقام عمر فقال :
يا رسول الله، اضرب أعناقهم. قال: فأعرض عنه النبيّ وَّر، ثم عاد النَّبيُّ وَّله فقال: ((أيها الناس، إنّ
الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس)) . [ قال }٤) : فقام عمر فقال : يا رسول الله ، اضرب
أعناقهم. فأعرض عنه النبيّ وَّر، ثم عاد النبيّ ◌َّه فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكرِ الصّدّيق، فقال:
يا رسول الله، نرى(٥) أن تعفو عنهم وأن تقبل منهم الفداء . قال : فذهب عن وجه رسول الله ێ ما كان
فيه من الغمّ ، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل الله تعالى: ﴿لَّوْلَا كِثَبُ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ
فِيمَآ أَخَذْتٌُ ﴾ الآية [ الأنفال ٦١] انفرد به أحمد .
وقد روى الإمام أحمد٢) - واللفظ له - ومسلمٌ، وأبو داود، والترمذيّ وصحّحه ، وكذا عليّ بن
المدينيّ ، وصحّحه من حديث عكرمة بن عمّارٍ ، حدّثنا سماكٌ الحنفيّ أبو زُمَيلٍ ، حدّثني ابن عباسٍ ،
حدّثني عمر بن الخطاب، قال: نظر رسول الله وَّةٍ إلى أصحابه يوم بدرٍ، وهم ثلاثمئةٍ ونّفٌ، ونظر إلى
المشركين ، فإذا هم ألفٌ وزيادةٌ ، فذكر الحديث كما تقدّم إلى قوله: فقُتل منهم سبعون رجلاً ، وأسر
منهم سبعون رجلاً . واستشار رسول الله وَّ ه أبا بكرٍ وعليّاً وعمر ، فقال أبو بكرٍ : يا رسول الله ، هؤلاء بنو
العمّ والعشيرة والإخوان ، وإنّي أرى أن تأخذ منهم الفدية، فيكون ما أخذناه قوةً لنا على الكُفَّارِ ، وعسى
أن يهديهم الله، فيكونوا لنا عضداً. فقال رسول الله وَ ◌ّر: ((ما ترى يا بن الخطّاب؟)) قال: قلت: والله
(١) وقد رواه أحمد في ((المسند)) (١٥/٥ و١٨ و٢٠) وأبو داود (٣٩٤٩) والترمذي (١٣٦٥) والنسائي في (( السنن
الكبرى )» ( ٤٨٩٨ ) و(٤٩٠٢)، وهو حديث صحيح .
(٢) قال ابن العماد الحنبلي: ولما أسلم لم يجدِّد له النبي ◌َّ نكاحه على بنته، بل أبقاهما على نكاحهما. انظر
((شذرات الذهب)) (١/ ١٥٢).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٣/٣) وذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٨٧/٦) وفي سنده علي بن عاصم بن
صهيب الواسطي ، صدوق يخطىء ويصرُّ ، ولكن للحديث شاهد من حديث ابن عمر وابن مسعود ، فهو حديث
حسن لغيره .
(٤) زيادة من: ((مسند الإمام أحمد)).
(٥) كذا في (أ) و(ط): ((نرى)) والذي في ((مسند الإمام أحمد)): ((إن ترى)).
(٦) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٠/١) ومسلم (١٧٦٣) وأبو داود (٢٦٩٠) والترمذي (٣٠٨١).

٩٥
ذكر غزوة بدر العظمى
ما أرى ما رأى أبو بكرٍ ، ولكن أرى أن تمكّنني من فلانٍ - قريبٍ لعمر - فأضرب عنقه ، وتمكّن عليّاً من
عقيلٍ فيضرب عنقه ، وتمكّن حمزة من فلانٍ أخيه فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أنّه ليست في قلوبنا هوادةٌ
للمشركين، وهؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم. فهويَ رسول الله وَ لَّ ما قال أبو بكرٍ ، ولم يهوَ ما
قلت ، وأخذ منهم الفداء ، فلمّا كان من الغد قال عمر: فغدوت إلى النبيّ وَلّ وأبي بكرٍ وهما يبكيان ،
فقلت : يا رسول الله، أخبرني ماذا يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدتُ بكاءً بكيت ، وإن لم أجد بكاءً
تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله وَله: (( لِلّذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، قد عُرض عليّ
عذابكم أدنى من هذه الشّجرة)) - لشجرةٍ قريبةٍ - وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَِّ أَنْ تكونُ(١) لَهُ أَسْرَى حَتَّى
يُشْخِنَ فِ الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الذُّنْيَا وَاَللَّهُ يُرِيدُ الَخِرَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمُ (﴿َ لَوْلَا كِتَبٌ مِنَ الَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَاً
أَخَذْتُمْ ﴾ من الفداء ، ثم أحلّ لهم الغنائم ، وذكر تمام الحديث .
وقال الإمام أحمد(٢): حدّثنا أبو معاوية، حدّثنا الأعمش، عن عمرو بن مرّة، عن أبي عبيدة(٣)،
عن عبد الله(٤) قال: لما كان يوم بدرٍ، قال رسول الله وَ الاول: ((ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟)) قال:
فقال أبو بكرٍ : يا رسول الله ، قومك وأهلك ، استبقهم واستأن بهم ؛ لعلّ الله أن يتوب عليهم .
قال : وقال عمر : يا رسول الله ، أخرجوك وكذّبوك ، قرّبهم فاضرب أعناقهم . قال : وقال
عبد الله بن رواحة : يا رسول الله ، انظر وادياً كثير الحطب فأدخلهم فيه ثم أضرمه(٥) عليهم ناراً . فقال
العباس: قطعت رحمك. قال: فدخل رسول الله وَ له ولم يردّ عليهم شيئاً، فقال ناسٌ: يأخذ بقول أبي
بكرٍ . وقال ناسٌ : يأخذ بقول عمر . وقال ناسٌ : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة ، فخرج عليهم فقال :
(إنّ الله ليُلين قلوب رجالٍ فيه حتّى تكون ألين من اللّبن(٦)، وإنّ الله ليشدّ قلوب رجالٍ فيه حتّى تكون أشدّ
من الحجارة ، وإنّ مثلك يا أبا بكرٍ ، كمثل إبراهيم ، عليه السلام، قال: ﴿ فَمَنْ تَبِّعَنِى فَإِنَُّ مِنِِّّ وَمَنْ عَصَانِىِ
فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. ومثلك يا أبا بكرٍ كمثل عيسى، قال: ﴿ إِن تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَّ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ
الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وإنّ مثلك يا عمر كمثل نوح، قال: ﴿رَّبِّ لَا نَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَفِرِينَ دَيَّارًا﴾ وإنّ مثلك
يا عمر كمثل موسى، قال: ﴿ رَبَّنَا أَطْمِسْ عَلَ أَمْوَلِهِمْ وَأَشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَى يَرَوْأ ◌َلْعَذَابَ الْأَلِيمَ ﴾ أنتم
عالةٌ ، فلا يبقينَّ أحدٌ إلّا بفداءٍ أو ضربة عنقٍ . قال عبد الله : فقلت : يا رسول الله، إلا سهيل بن
(١) كذا في (أ) ((تكون)) بالتاء وهي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون ((يكون)) بالياء وهو ما جاء في (ط ) انظر (( حجة
القراءات )) لابن مجاهد ص (٣١٣).
(٢) رواه أحمد فى ((المسند)) (٣٨٣/١ و٣٨٤)، وإسناده ضعيف .
(٣) في ((ط)): ((عبيدة)). وهو خطأ وما جاء في (ا) موافق لما في ((مسند الإمام أحمد)) وهو أبو عبيدة عامر بن عبد
الله بن مسعود الهذلي. انظر ((تهذيب الكمال)) (١٤ / ٦١ ).
(٤) يعني ( ابن مسعود) وإذا أطلق ( عبد الله) عند المُحدِّثين فالمعني بذلك ( عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ).
(٥) في ((مسند الإمام أحمد)): ((أضرم)).
(٦) فى (ط): ((من اللين)).

٩٦
ذكر غزوة بدر العظمى
بيضاء(١) ؛ فإنّي قد سمعته يذكر الإسلام . قال: فسكت . قال : فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ
حجارةٌ من السماء من ذلك اليوم، حتى قال: ((إلّا سهيل بن بيضاء)). قال: فأنزل الله: ﴿ مَا كَانَ لِّي
أَن تكون (٢) لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِى الْأَرْضِّ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ بُرِيدُ الْآَخِرَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لَالَوْلَا كِتَرُ
مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ إلى آخر الآيتين، وهكذا رواه الترمذيّ، والحاكم من حديث أبي معاويةً(٣)، وقال
الحاكم : صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
ورواه ابن مردويه(٤) من طريق عبد الله بن عمر وأبي هريرة بنحو ذلك ، وقد روي عن أبي أيوب
الأنصاريّ بنحو(٥)
وقد روى ابن مردويه، والحاكم في ((المستدرك)(٦) من حديث عبيد الله بن موسى ، حدّثنا
إسرائيل ، عن إبراهيم بن مهاجرٍ ، عن مجاهدٍ ، عن ابن عمر ، قال : لمّا أسر الأسارى يوم بدرٍ أسر
العباس فيمن أسر ، أسره رجلٌ من الأنصار ، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه، فبلغ ذلك النبيّ مثيل
فقال: ((إنّي لم أنم الليلة من أجل عمّي العبّاس، وقد زعمت الأنصار أنّهم قاتلوه)). قال عمر:
أفآتيهم؟ قال: ((نعم)). فأتى عمر الأنصار ، فقال لهم : أرسلوا العباس . فقالوا: لا والله لا نرسله .
فقال لهم عمر : فإن كان لرسول اللّه رِضئّ ؟ قالوا : فإن كان له رضىّ فخذه . فأخذه عمر ، فلمّا صار في
يده ، قال له عمر: يا عباس ، أسلم فوالله لأن تسلم أحبّ إليّ من أن يسلم الخطّاب، وما ذاك إلا لما
رأيت رسول الله يعجبه إسلامك .
(١) قال العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر رحمه الله في تعليقه على ((مسند الإمام أحمد)) بتحقيقه (٢٢٧/٥ - ٢٢٨):
(( الصواب سهل بن بيضاء ، وهو أخو سهيل لأبيه وأمه ، قال ابن سعد : أسلم بمكة وكتم إسلامه ، فأخرجته قريش
معها في نفير بدر ، فشهد بدراً مع المشركين ، فأسر يومئذ ، فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه يصلي بمكة ، فخلى
عنه ، والذي روى هذه القصة في سهيل بن بيضاء قد أخطأ ، سهيل بن بيضاء أسلم قبل عبد الله بن مسعود ، ولم
يستخف بإسلامه، وهاجر إلى المدينة، وشهد بدراً مع رسول الله وَ ﴾ مسلماً، لا شك فيه ، فغلط من روى ذلك
الحديث ما بينه وبين أخيه، لأن سهيلا أشهر من أخيه سهل، والقصة في سهل)). انظر (( طبقات ابن سعد ))
(٢١٣/٤)، و((الإصابة)) (١٩٤/٣).
(٢) تقدم التعليق عليها . انظر ص (٩٥).
(٣) رواه الترمذي رقم (١٧١٤)، والحاكم في ((المستدرك)) (٢١/٣ -٢٢)، وإسناده ضعيف.
ذكره المؤلف في ((التفسير)» (٣٣/٤) من حديث عبد الله بن عمر، والسيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٠٣/٣) من
(٤)
حديث أبي هريرة ، رضي الله عنهما .
(٥) ذكره المؤلف في ((التفسير)) (٣٣/٤).
(٦) ذكره السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٠٢/٣)، وعزاه لابن مردويه. وأخرجه الحاكم فى المستدرك (٣٢٩/٢)
بنحوه ، وقال : صحيح الإسناد ولم يخرجاه . وقال الذهبي : هو على شرط مسلم ، وفي سنده إبراهيم بن
مهاجر بن جابر البجلي الكوفي ، قال الحافظ ابن حجر : صدوق لين الحفظ ، وهو ممن يعتبر به في المتابعات
حسبُ ، ولم يتابع .

٩٧
ذكر غزوة بدر العظمى
قال: واستشار رسول الله بح # أبا بكرٍ ، فقال أبو بكرٍ : عشيرتك؛ فأرسلهم ، واستشار عمر ،
فقال: اقتلهم. ففادَاهم رسول الله بَ ◌ّ فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيِّ أَنْ تكونُ(١) لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُشْخِنَ فِى
اُلْأَرْضِ﴾ الآية. ثم قال الحاكم (٢): هذا حديثٌ صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه .
وروى الترمذيّ ، والنّسائيّ، وابن حبان (٣) في ((صحيحه)(٤) من حديث سفيان الثّوريّ ، عن
هشام بن حسّان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن عليٍّ قال: جاء جبريل إلى النبيّ وَّه، فقال:
خيّر أصحابك في الأسارى ، إن شاؤوا الفِدَاء وإن شاؤوا القتل ، على أن يقتل عاماً قابلاً منهم مثلهم .
قالوا : الفداء ويقتل منا، وهذا حديثٌ غريبٌ جدّاً، ومنهم من رواه مرسلاً ، عن عبيدة ، والله أعلم.
وقد قال ابن إسحاق(٥) ، عن ابن أبي نجيحٍ ، عن عطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ في قوله: ﴿لَّوْلَا كِنَبٌ مِّنَ
اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَآ أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ يقول : لولا أنّي لا أعذّب من عصاني ، حتى أتقدّم إليه ، لمسّكم
فيما أخذتم عذابٌ عظيمٌ .
وهكذا روي عن ابن أبي نجيحٍ ، عن مجاهدٍ أيضا٦ً) ، واختاره ابن إسحاق(٧) وغيره .
وقال الأعمش (٨): سبق منه أن لا يعذّب أحداً شهد بدراً، وهكذا روي عن سعد بن أبي وقّاصٍ ،
وسعيد بن جبيرٍ ، وعطاء بن أبي رباحٍ(٩) .
وقال مجاهدٌ والثّوريّ(١٠): ﴿لَوْلَا كِتَبٌ مِّنَ الَّهِ سَبَقَ﴾ أي: لهم بالمغفرة.
وقال الوالبي(١١) ، عن ابن عباسٍ : سبق في أمّ الكتاب الأول، أنّ المغانم وفداء الأسارى حلالٌ
لكم، ولهذا قال بعده: ﴿ فَكُلُواْ مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلًا طَيِّبَأْ﴾ [ الأنفال: ٦٩].
(١) انظر التعليق على ص (٩٥).
(٢) بعده في ( ط): (( في صحيحه)).
(٣) في (أ) و(ط): ((ابن ماجه)) وهو سبق قلم من النسّاخ والصواب ما أثبته، وعبارة في ((صحيحه)) انفردت بها ( آ).
(٤) رواه الترمذي (١٥٦٧) والنسائي في ((السنن الكبرى)) (٨٦٦٢) وابن حبان في ((الإحسان)) رقم (٤٧٩٥).
(٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٧٥/١ - ٦٧٦).
(٦) رواه الطبري في ((تفسيره)) (١٠/ ٤٧).
(٧) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٧٦/١).
(٨) وقد ذكره المصنف في ((التفسير)) (٣٤/٤).
(٩) رواه ابن عساكر في ((تاريخ دمشق)) (٢٠/ ٣٥٧ - ٣٥٨) عن سعد ، وعن سعيد بن جبير ، الطبري في (( تفسيره ))
(٤٦/١٠)، وذكره عن عطاء بن أبي رباح المؤلف في ((تفسيره)) (٣٤/٤).
(١٠) ذكره عن مجاهد، السيوطي في ((الدر المنثور)) (٢٠٣/٣)، وعزاه لابن أبي حاتم ، وعن الثوري ، المؤلف في
(( تفسيره)) (٤ /٣٤) .
(١١) ذكره المؤلف في ((التفسير)) (٣٤/٤).

٩٨
تسر جزيرة بدر مقيمي
وهكذا روي عن أبي هريرة ، وابن مسعودٍ ، وسعيد بن جبيرٍ ، وعطاءٍ ، والحسن ، وقتادة ،
والأعمش ، واختاره ابن جريرٍ
وقد ترجّح هذا القول بما ثبت في ((الصحيحين))٢) عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله وال﴾ :
(( أعطيت خمساً لم يعطهنّ أحدٌ من الأنبياء قبلي ؛ نصرت بالرّعب مسيرة شهرٍ ، وجعلت لي الأرض
مسجداً وطهوراً، وأحلّت لي الغنائم ولم تحلّ لأحدٍ قبلي ، وأعطيت الشّفاعة ، وكان النّبيّ يبعث إلى
قومه ، وبعثت إلى النّاس عامّةً )) .
وروى الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبيّ مََّ: ((لم تحلّ الغنائم لسود الرّؤوس
غيرنا ))(٣)
ولهذا قال تعالى: ﴿ فَكُلُواْ مِمَا غَنِعْتُمْ حَلًا طَيِّبَأَ﴾، فأذن الله تعالى في أكل الغنائم ، وفداء الأسارى .
وقد قال أبو داود : حدّثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي٤ّ"، ثنا سفيان بن حبيبٍ ، ثنا شعبة ، عن
أبي العنبس، عن أبي الشّعثاء، عن ابن عباسٍ ، أنّ رسول الله وَ﴿ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدرٍ
أربعمئةُ ). وهذا كان أقلّ ما فودي به أحدٌ منهم من المال ، وأكثر ما فودي به الرجل منهم أربعة آلاف
درهم .
وقد وعد الله من آمن منهم بالخلف عما أخذ منه في الدنيا والآخرة، فقال تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَُّ قُل لَّمَنْ
فيِ أَيَدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَىَ إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمْ خَيْرَا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّاً أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْلَكُمْ﴾ الآية [ الأنفال: ٧٠].
وقال الوالبيّ(٦) ، عن ابن عباسٍ : نزلت في العباس، ففادى نفسه بالأربعين أوقيّةً من ذهبٍ .
قال العباس : فآتاني الله أربعين عبداً - يعني كلّهم يتّجر له - قال: وأنا أرجو المغفرة التي وعدنا الله،
جلّ ثناؤه .
وقال ابن إسحاق(٧): حدّثني العباس بن عبد الله بن معبد(٨) ، عن بعض أهله ، عن ابن عباسٍ ،
(١) انظر ((تفسير الطبري)) (١٠ /٤٤ - ٤٦).
(٢) رواه البخاري (٣٣٥) و(٤٣٨) و(٣١٢٢) مختصراً، ومسلم (٥٢١).
(٣) رواه الترمذي (٣٠٨٥) وقال : حسن صحيح ، وهو كما قال .
في (٢) و(ط): ((العبسي)). والتصحيح من ((سنن أبي داود)) وانظر ((تهذيب الكمال)) ( ١٧/ ٣٨٢).
(٤)
رواه أبو داود (٢٦٩١)، وهو حديث صحيح دون جملة ((أربعمئة)).
(٦) ورواه الطبري في ((تفسيره)) (٤٩/١٠).
(٥)
ورواه الفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) (٥٠٦/١) والطبري في ((تاريخه)) (٤٦٣/٢) والبيهقي في ((دلائل
(٧)
النبوة)) ( ١٤١/٣).
(٨) في (أ) و(ط): ((مغفل)) والتصحيح من هامش (ط) و((تاريخ الطبري)) و((دلائل النبوة)). وانظر (( تهذيب
الكمال)) (١٤/ ٢١٩).

٩٩
ذكر غزوة بدر العظمى
قال: لمّا أمسى رسول الله مَ له يوم بدرٍ، والأسارى محبوسون بالوثاق بات النبيّ وَلّ ساهراً أول الليل،
فقال له أصحابه : ما لك لا تنام يا رسول الله؟ فقال: (( سمعت أنين عمّي العباس في وثاقه)) فأطلقوه ،
فسكت ، فنام رسول الله عَليه .
قال ابن إسحاقُ(١): وكان رجلاً موسراً ففادى نفسه بمئة أوقيّةٍ من ذهبٍ .
قلت : وهذه المئة كانت عن نفسه ، وعن ابني أخويه عقيلٍ ونوفلٍ ، وعن حليفه عتبة بن عمروٍ أحد
بني الحارث بن فهرٍ، كما أمره بذلك رسول الله وَ لهحين ادّعى أنّه كان قد أسلم، فقال له رسول الله الصلاة:
(( أمّا ظاهرك فكان علينا، والله أعلم بإسلامك وسيجزيك)) فادّعى أنّه لا مال عنده، قال: (( فأين المال
الّذي دفنتَه أنت وأمّ الفضل ، وقلت لها : إن أصبت في سفري فهذا لبنيّ ، الفضل وعبد الله وقثم؟)).
فقال : والله إنّي لأعلم أنّك رسول الله، إنّ هذا شيءٌ ما علمه إلا أنا وأمّ الفضل . رواه ابن إسحاق ، عن
ابن أبي نجيحٍ ، عن عطاءٍ ، عن ابن عباسٍ(٢) .
وثبت في ((صحيح البخاريّ)(٣) من طريق موسى بن عقبة ، قال الزّهريّ: حدّثني أنس بن مالكٍ
قال: إنّ رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله وسلم قالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا العباس فداءه.
فقال: (( لا والله لا تذرون منه درهماً)) .
قال البخاري٤ّ): وقال إبراهيم بن طهمان، عن عبد العزيز بن صهيبٍ، عن أنسٍ، أنّ النّبيّ ◌َِّ أتي
بمالٍ من البحرين، فقال: ((انثروه في المسجد)) فكان أكثر مالٍ أتي به رسول الله وَل؛ إذ جاءه العباس ،
فقال: يا رسول الله، أعطني؛ إنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلاً، فقال: ((خذ)) . فحثا في ثوبه ثم ذهب
يقلّه، فلم يستطع، فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ. قال: ((لا)). قال: فارفعه أنت عليّ. قال:
((لا)). فنثر منه ثم ذهب يقلّه، فلم يستطع. فقال: مر بعضهم يرفعه إليّ. قال: ((لا)). قال : فارفعه
أنت عليّ: قال: ((لا)). فنثر منه، ثم احتمله على كاهله ثم انطلق، فما زال يتبعه بصره حتى خفي
علينا ؛ عجباً من حرصه، فما قام رسول الله [رَّل] وثمّ منها درهمٌ.
وقال البيهقيُّ(٥): أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصمّ ، عن أحمد بن عبد الجبّار ، عن يونس ، عن
أسباط بن نصرٍ ، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّيّ ، قال : كان فداء العباس وابني أخويه ؛ عقيل بن
أبي طالبٍ ونوفل بن الحارث بن عبد المُطَلِبِ ، كلّ رجلٍ أربعمئة دينارٍ ، ثم توعّد تعالى الآخرين ،
فقال: ﴿ وَإِن يُرِيدُ واْ خِيَانَكَ فَقَدْ خَانُواْ اللَّهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمُ﴾ [الأنفال: ٧١] .
(١) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٤١/٣)، عن ابن إسحاق به.
(٢) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٤٣/٣)، عن ابن إسحاق به.
(٣) رواه البخاري (٢٥٣٧) و(٣٠٤٨) و(٤٠١٨).
(٤) رواه البخاري معلقاً (٤٢١) و(٣٠٤٩) و(٣١٦٥) بصيغة الجزم .
(٥) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٤٠/٣).

١٠٠
ذكر غزوة بدر العظمى
فصلٌ
والمشهور أنّ الأسارى يوم بدرٍ كانوا سبعين ، والقتلى من المشركين سبعين ، كما ورد في غير ما
حديثٍ مما تقدّم ، وسيأتي إن شاء الله، وكما في حديث البراء بن عازبٍ في (( صحيح البخاريّ)(١) أنّهم
قتلوا يوم بدرٍ سبعين ، وأسروا سبعين .
وقال موسى بن عقبة : قتل يوم بدرٍ من المسلمين من قريشٍ ستةٌ ، ومن الأنصار ثمانيةٌ ، وقتل من
المشركين تسعةٌ وأربعون ، وأسر منهم تسعةٌ وثلاثون . هكذا رواه البيهقيّ عنه (٢) . قال : وهكذا ذكر ابن
لهيعة ، عن أبي الأسود ، عن عروة في عدد من استشهد من المسلمين وقتل من المشركين .
ثم قال(٣) : أخبرنا الحاكم ، أخبرنا الأصمّ ، أخبرنا أحمد بن عبد الجبّار، عن يونس بن بكيرٍ ، عن
محمد بن إسحاق ، قال : واستشهد من المسلمين يوم بدرٍ أحد عشر رجلاً ؛ أربعةٌ من قريشٍ ، وسبعةٌ من
الأنصار ، وقتل من المشركين بضعةٌ وثلاثون٤) رجلاً .
وقال في موضع آخر: وكان مع رسول الله وَ ليل أربعةٌ وأربعون (٥) أسيراً ، وكانت القتلى مثل ذلك.
ثم روى البيهقي٦ّ)، من طريق أبي صالحٍ كاتب اللّيث، عن اللّيث، عن عقيلٍ، عن الزّهريّ،
قال : وكان أوّل قتيلٍ من المسلمين ؛ مِهجعٌ مولَّى عمر ، ورجلٌ من الأنصار ، وقتل يومئذٍ من المشركين
زيادةٌ على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك. قال(٧) : ورواه ابن وهبٍ ، عن يونس بن يزيد ، عن
الزّهريّ ، عن عروة بن الزُبير .
قال البيهقيّ : وهو الأصحّ فيما رويناه في عدد من قتل من المشركين وأسر منهم . ثم استدلّ على
ذلك بما ساقه هو(٨) والبخاريّ أيضاً من طريق أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ ، قال : أمّر رسول الله
وَ لخير على الرّماة يوم أحدٍ عبد الله بن جبيرٍ، فأصابوا منا سبعين، وكان النبيّ وَلّر وأصحابه قد أصابوا من
المشركين يوم بدرٍ أربعين ومئةً ؛ سبعين أسيراً ، وسبعين قتيلاً .
(١) رواه البخاري ( ٣٩٨٦).
(٢) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٢٢/٣).
(٣) يعني البيهقي فيما رواه في ((دلائل النبوة)) (١٢٣/٣).
كذا في (أ): ((ثلاثون))، وفي (ط): ((عشرون))، وفي ((دلائل النبوة)): (( وأربعون)).
(٤)
في (أ) و(ط): ((أربعون)) وأثبت لفظ ((دلائل النبوة)".
(٥)
(٦) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٢٣/٣ - ١٢٤).
(٧) يعني البيهقي فيما رواه في ((دلائل النبوة)) (١٢٤/٣).
(٨) يعني في ((دلائل النبوة)) (١٢٤/٣).