النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١
ذكر غزوة بواط من ناحية رضوى
الإسلام ، لكن قال ابن إسحاق : فإن كان حمزة قال ذلك فهو كما قال لم يكن يقول إلا حقّاً ، فالله أعلم
أىّ ذلك كان ، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة أول ، والقصيدة هي قوله : [ من الطويل ]
ألا يا لقومي للتّحلّم والجهلِ
وللراكبينا بالمظالم لم نطأ
كأنا تبلناهم ولا تبل عندنا
وأمر بإسلام فلا يقبلونه
فما برحوا حتى انتدبتُ لغارةٍ
بأمر رسول الله أول خافقٍ
لواء لديه النصر من ذي كرامةٍ
عشيّة ساروا حاشدين وكلّنا
فلمّا تراءينا أناخوا فعقّلوا
وقلنا لهم حبل الإله نصيرنا
فثار أبو جهل هنالك باغياً
وما نحن إلا في ثلاثين راكباً
فيال لؤيّ لا تطيعوا غواتكم
فإني أخاف أن يصبّ عليكمُ
وللنقص من رأي الرجال وللعقلٍ
لهم حرمات من سوامٍ ولا أهلٍ
لهم غير أمر بالعفاف وبالعدلِ
وينزل منهم مثل منزلة الهزلِ
لهم حيث حلّوا أبتغي راحة الفضلِ
عليه لواء لم يكن لاح من قبلي
إلهٍ عزيزٍ فعله أفضل الفعل
مراجله من غيظ أصحابه تغلي
مطايا وعقّلنا مدى غرض النّبل
وما لكمُ إلا الضلالة من حبل
فخاب وردّ الله كيد أبي جَهْلٍ
وهم مئتان بعد واحدة فضل
وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل
عذاب فتدعوا بالندامة والثّكل
قال(١): فأجابه أبو جهل بن هشام - لعنه الله - فقال:
وللشاغبين بالخلاف وبالبطل
عجبت لأسباب الحفيظة والجهل
عليه ذوي الأحساب والسّؤدُد الجَذْلِ
وللتارکین ما وجدنا جدودنا
ثم ذكر تمامها .
قال ابن هشام(٢): وأكثر أهل العلم بالشعر ينكر هاتين القصيدتين لحمزة - رضي الله عنه - ولأبي جهل
- لعنه الله - .
غزوة بواط من ناحية رضوى
قال ابن إسحاق : ثم غزا رسول الله يَّ في شهر ربيع الأول - يعني من السنة الثانية - يريد قريشاً.
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٥٩٧).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١ / ٥٩٦ - ٥٩٨).
٢٢
ذكر غزوة العُشيرة
قال ابن هشامٌ(١) : واستعمل على المدينة السائب بن عثمان بن مظعون.
وقال الواقديّ(٢) : استخلف عليها سعد بن معاذ، وكان رسول الله مّ في مئتي راكب ، وكان لواؤه
مع سعد بن أبي وقّاص ، وكان مقصده أن يعترض لعير قريش ، وكان فيه أمية بن خلف ومئة رجل ،
وألفان وخمسمئة بعير .
قال ابن إسحاق : حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً ، فلبث بها بقية
شهر ربيع الآخر وبعض جمادى الأولى .
[ غزوة العُشيرة ]
ثم غزا قريشاً . يعني بذلك الغزوة التي يقال لها : غزوة العشيرة ، وبالمهملة ، والعشير وبالمهملة ،
والعشيراء وبالمهملة .
قال ابن هشام : واستعمل على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد .
قال الواقديّ(٣): وكان لواؤه مع حمزة بن عبد المطلب . قال : وخرج ، عليه السلام ، يتعرّض
لعيرات قريش ذاهبة إلى الشام .
قال ابن إسحاق(٤) : فسلك على نقب بني دينار ، ثم على فيفاء الخَبَارُ(٥) ، فنزل تحت شجرة ببطحاء
ابن أزهر يقال لها : ذات الساق ، فصلّى عندها ، فثمّ مسجده ، فصنع له عندها طعام ، فأكل منه وأكل
الناس معه ، فرسوم أثافيّ البرمة(٦) معلوم هنالك ، واستقي له من ماء يقال له : المشيرب . ثم ارتحل
فترك الخلائق بيسار ، وسلك شعبةَ عبد الله ، ثم صبّ لليسار حتى هبط يليل ، فنزل بمجتمعه ومجتمع
الضّبوعة ، ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق بِصُخَيْراتِ اليمام ، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة
من بطن ينبع ، فأقام بها جمادى الأولى وليالي من جمادى الآخرة ، ووادع فيها بني مُدلج وحلفاءهم من
بني ضمرة ، ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيداً .
وقد قال البخاريّ(٢) : حدثنا عبد الله ، ثنا وهب ، ثنا شعبة ، عن أبي إسحاق قال : كنت إلى جنب
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٥٩٨).
(٢) انظر ((طبقات ابن سعد)) (٨/٢).
(٣) انظر ((الطبقات)) لابن سعد (٩/٢).
(٤)
انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٩٨/١ - ٥٩٩).
قال الفيروزابادي : الخُبَار: موضع قريب من المدينة، وكان على طريق رسول الله وَل حين خرج يريد قريشاً قبل
(٥)
وقعة بدر. انظر (( المغانم المطابة)) ص ( ١٢٧ ) بتحقيق شيخنا العلامة حمد الجاسر رحمه الله .
(٦) كذا في (أ) و(ط): (( فرسوم أثافي البرمة)) وفي ((السيرة النبوية)): (( فموضع أثافي البرمة)).
(٧) رواه (( البخاري )) رقم (٣٩٤٩).
٢٣
ذكر غزوة العُشيرة
زيد بن أرقم، فقيل له: كم غزا النبيّ بِّر من غزوة؟ قال : تسع عشرة. قال : كم غزوت أنت معه؟
قال : سبع عشرة غزوة . قلت: فأيُّهنَّ كال(١) أول؟ قال : العشير ، أو العسيرة . فذكرت لقتادة ،
فقال : العشيرة . وهذا الحديث ظاهر في أنّ أول الغزوات العشيرة ، ويقال بالسين . وبهما مع حذف
التاء. وبهما مع المد، اللهم إلا أن يكون المراد غزاة شهدها مع النبيّ وَ ل# زيد بن أرقم؛ العشيرة ،
وحينئذ لا ينفي أن يكون قبلها غيرها لم يشهدها زيد بن أرقم ، وبهذا يحصل الجمع بين ما ذكره محمد بن
إسحاق وبين هذا الحديث ، والله أعلم .
قال محمد بن إسحاق(٢): ويومئذ قال رسول الله وَله لعليّ ما قال، فحدّثني (٣) يزيد بن محمد بن
خثيم ، عن محمد بن كعب القرظيّ ، حدّثني أبو يزيد محمد بن خثيم عن عمَّار بن ياسر ، قال : كنت أنا
وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العشيرة ، من بطن ينبع ، فلما نزلها رسول الله وَليل أقام بها شهراً،
فصالح بها بني مدلج وحلفاءهم من بني ضمرة ، فوادعهم ، فقال لي عليّ بن أبي طالب : هل لك يا أبا
اليقظان أن نأتي هؤلاء النفر من بني مدلج ، يعملون في عين لهم ، ننظر كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا
إليهم ساعة فغشينا النوم ، فعمدنا إلى صور من النخل في دقعاء من الأرض فنمنا فيه ، فوالله ما أهبّنا٤) إلّا
رسول الله وَه [ يحرّكنا] بقدمه فجلسنا، وقد تترّبنا من تلك الدّقعاء، [فيومئذ] قال رسول الله وَله
لعليّ: (( يا أبا تراب)). لما عليه من التراب، فأخبرناه بما كان من أمرنا، فقال: ((ألا أخبركم بأشقى
الناس رجلين؟)) قلنا: بلى يا رسول الله. فقال: (( أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والّذي يضربك يا عليّ
على هذه - ووضع رسول الله وَ ل يده على رأسه - حتى يبلّ(٥) منها هذه)). ووضع يده على لحيته . وهذا
حديث غريب من هذا الوجه .
وله شاهد من وجه آخر في تسمية عليّ أبا تراب ، كما في ((صحيح البخاريّ )(٦) أنّ عليّاً خرج مغاضباً
فاطمة ، فجاء المسجد فنام فيه ، فدخل رسول الله وَّ ر فسألها عنه ، فقالت : خرج مغاضباً، فجاء إلى
٩
المسجد فأيقظه وجعل يمسح التراب عنه، ويقول: ((قم أبا تراب، قم أبا تراب))
.
(١) كذا في (آ) و(ط): وفي جميع نسخ ((البخاري)): ( (فأيهم كانت) ). قال ابن مالك والصواب ؛ (( فأيُّها أو
أيُّهن )) .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٩٩/١).
(٣)
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٢/٣ - ١٣).
(٤) أهبَّنا : أيقظنا من النوم .
(٥) في (أ): ((تبل)) وأثبت لفظ ( ط ).
(٦) رواه البخاري (٤٤١) و(٦٢٨٠ ).
٢٤
ذكر غزوة بدر الأولى
غزوة بدر الأولى
قال ابن إسحاق(١): ثم لم يقم رسول الله وم لل بالمدينة حين رجع من العشيرة إلا ليالي قلائل لا تبلغ
العشرة، حتى أغار كرز بن جابر الفهريّ على سرح(٢) المدينة، فخرج رسول اللّه مَّر في طلبه حتى بلغ
وادياً يقال له : سفوان من ناحية بدر ، وهي غزوة بدر الأولى ، وفاته کرز فلم يدركه .
وقال الواقدي(٣) : وكان لواؤه مع عليّ بن أبي طالب .
قال ابن هشام ، والواقديّ : وكان قد استخلف على المدينة زيد بن حارثة .
قال ابن إسحاق(٤): فرجع رسول الله رَليل ، فأقام جمادى ورجباً وشعبان، وقد كان بعث رسول
اللّه ◌َلَو بين يدي ذلك سعداً في ثمانية رهط من المهاجرين ، فخرج حتى بلغ الخرّار من أرض الحجاز .
قال ابن هشام : ذكر بعض أهل العلم أنّ بعث سعد هذا كان بعد حمزة ، ثم رجع ولم يلق كيداً .
هكذا ذكره ابن إسحاق مختصراً ، وقد تقدّم ذكر الواقديّ لهذه البعوث الثلاثة ، أعني بعث حمزة في
رمضان ، وبعث عبيدة في شوال ، وبعث سعد في ذي القعدة ، كلّها في السنة الأولى .
وقد قال الإمام أحمد(٥) : حدّثني عبد المتعال بن عبد الوهّاب ، حدثني يحيى بن سعيد . قال
عبد الله ابن الإمام أحمد : وحدّثني سعيد بن يحيى بن سعيد الأمويّ ، حدّثنا أبي ، ثنا المجالد ، عن
زياد بن علاقة ، عن سعد بن أبي وقّاص قال: لمّا قدم رسول الله ◌َ له المدينة، جاءته جهينة فقالوا: إنك
قد نزلت بين أظهرنا، فأوثق حتى نأتيك وتؤمنًا. فأوثق لهم فأسلموا. قال: فبعثنا رسول الله وَّ في
رجب ولا نكون مئة ، وأمرنا أن نغير على حيّ من بني كنانة إلى جنب جهينة ، فأغرنا عليهم ، وكانوا كثيراً
فلجأنا إلى جهينة ، فمنعونا ، وقالوا : لم تقاتلون في الشهر الحرام؟! فقال بعضنا لبعض : ما ترون؟ فقال
بعضنا : نأتي نبيّ الله ◌ُّل فنخبره . وقال قوم: لا ، بل نقيم ههنا . وقلت أنا في أناس معي : لا ، بل نأتي
عير قريش فنقتطعها . وكان الفيء إذ ذاك : من أخذ شيئاً فهو له . فانطلقنا إلى العير ، وانطلق أصحابنا
إلى النبيّ مَّله، فأخبروه الخبر، فقام غضبان محمرّ الوجه فقال: (( أذهبتم من عندي جميعاً وجئتم
متفرّقين؟ إنّما أهلك من كان قبلكم الفرقة ، لأبعثنّ عليكم رجلاً ليس بخيركم ، أصبركم على الجوع
والعطش)) . فبعث علينا عبد الله بن جحش الأسديَّ ، فكان أول أمير في الإسلام .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٠١).
(٢) السرح: المال يُسام في المرعى من الأنعام. ((لسان العرب)) (سرح).
(٣)
انظر ((الطبقات)) لابن سعد (٩/٢).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٠/١ - ٦٠١).
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (١٧٨/١) وإسناده ضعيف .
٢٥
ذكر سرية عبد الله بن جحش التي كانت سببا لغزوة بدر العظمى
وقد رواه البيهقيّ في (( الدلائل))(١) من حديث يحيى بن أبي زائدة ، عن مجالد به نحوه ، وزاد بعد
قولهم لأصحابه : لم تقاتلون في الشهر الحرام؟ ! : فقالوا : نقاتل في الشهر الحرام من أخرجنا من البلد
(٢)
الحرام
ثم رواه(٣) من حديث أبي أسامة ، عن مجالد ، عن زياد بن علاقة ، عن قطبة بن مالك ، عن سعد بن
أبي وقّاص ، فذكر نحوه ، فأدخل بين سعد وزياد قطبة بن مالك ، وهذا أنسب ، والله أعلم .
وهذا الحديث يقتضي أنّ أول أمراء السّرايا عبد الله بن جحش الأسديّ ، وهو خلاف ما ذكره ابن
إسحاق ، أنّ أول الرايات عقدت لعبيدة بن الحارث بن المطلب(٤) ، وللواقديّ(٥) حديث زعم أنّ أول
الرايات عقدت لحمزة بن عبد المطلب ، والله أعلم .
باب سريّة عبد الله بن جحش التي كانت سبباً لغزوة بدر العظمى ،
وذلك يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ، والله على كلّ شيء قدير
قال ابن إسحاق(٦): وبعث رسول الله وَ ل# عبد الله بن جحش بن رئاب الأسديَّ في رجب مقفله من بدر
الأولى ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ، ليس فيهم من الأنصار أحد ، وهم ؛ أبو حذيفة بن
عتبة ، وعكّاشة بن محصن بن حرثان ، حليف بني أسد بن خزيمة ، وعتبة بن غزوان ، حليف بني نوفل ،
وسعد بن أبي وقّاص الزّهريّ ، وعامر بن ربيعة الوائليّ ، حليف بني عديّ ، وواقد بن عبد الله بن عبد
منافٍ بن عرين بن ثعلبة بن يربوع التّميميّ ، حليف بني عديّ أيضاً ، وخالد بن البكير أحد بني سعد بن
ليث ، حليف بني عديّ أيضاً، وسهيل بن بيضاء الفهريّ ، فهؤلاء سبعة ثامنهم(٧) أميرهم عبد الله بن
جحش ، رضي الله عنه .
(١) انظر ((دلائل النبوة)) (١٤/٣).
(٢) وهي كذلك في ((المسند)) للإمام أحمد (١٧٨/١).
(٣) يعني البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ١٥/٣).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٥٩٥/٢) و((تاريخ الطبري)) (٤٠٥/٢).
(٥) انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد (٦/٢).
(٦) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠١/١ - ٦٠٢).
(٧) كذا في (أ) و(ط) وهو خطأ من المؤلف رحمه الله، وذلك أنه ذكرهم ثمانية وعدَّهم سبعة ؛ فإن ابن إسحاق أدخل
في أسماء الثمانية بعد أبي حذيفة بن عتبة ، عبدَ الله بن جحش ، فمجموع من ذكرهم ابن إسحاق تسعة ، فلما ذكرهم
المصنّف دون أميرهم عبد الله ، حسب أن الباقي سبعة ، ظناً منه أن مجموع من ذكرهم ابن إسحاق ثمانية ، لذلك
أتى المؤلف رحمه الله برواية ابن إسحاق القادمة ليبيِّن الاضطراب الحادث بين الروايتين - في ظنّه - فقال: ((فالله
أعلم )) .
٢٦
ذكر سرية عبد الله بن جحش التي كانت سبباً لغزوة بدر العظمى
وقال يونس(١) ، عن ابن إسحاق : كانوا ثمانية، وأميرهم التاسع ، فالله أعلم، وستأتي تسميتهم
على خلاف ما قال ابن إسحاق .
قال ابن إسحاق(٢): وكتب له كتاباً، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه ، فيمضي لما
أمره به ، ولا يستكره من أصحابه أحداً، فلمّا سار بهم يومين فتح الكتاب ، فإذا فيه: (( إذا نظرت في
كتابي فامض حتى تنزل نخلة ، بين مكة والطّائف، فترصّد بها قريشاً وتعلّم لنا من أخبارهم ». فلمّا نظر
في الكتاب قال : سمعاً وطاعة . وأخبر أصحابه بما في الكتاب ، وقال : قد نهاني أن أستكره أحداً
منكم ، فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ، ومن كره ذلك فليرجع ، فأمّا أنا فماضٍ لأمر
رسول الله اَلله .
فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلّف منهم أحد ، وسلك على الحجاز ، حتى إذا كان بمعدن فوق
الفرع يقال له : بحران . أضلّ سعد بن أبي وقّاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما كانا يعتقبانه ، فتخلّفا في
طلبه ، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه ، حتى نزل نخلةً ، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيباً
وأدما٣ً)، وتجارة من تجارة قريش ، فيها عمرو بن الحضرميّ .
قال ابن هشام : واسم الحضرميّ عبد الله بن عبّاد الصَّدفيّ.
قال السّهيليّ(٤) : وقيل غير ذلك في نسبه - وعثمان بن عبد الله بن المغيرة المخزوميّ ، وأخوه
نوفل ، والحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة ، فلمّا رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريباً منهم ،
فأشرف لهم عكّاشة بن محصن ، وكان قد حلق رأسه ، فلما رأوه أمنوا ، وقالوا : عمّار لا بأس عليكم
منهم . وتشاور الصحابة فيهم ، وذلك في آخر يوم من رجب ، فقالوا : والله لئن تركتموهم هذه الليلة
ليدخلنّ الحرم فليمتنعنّ به منكم ، ولئن قتلتموهم لتقتلنّهم في الشهر الحرام . فتردّد القوم وهابوا الإقدام
عليهم ، ثم شجّعوا أنفسهم عليهم ، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم ، فرمى
واقد بن عبد الله التّميميّ عمرو بن الحضرميّ بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن
كيسان ، وأفلت القوم نوفل بن عبد الله فأعجزهم ، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابُه بالعير والأسيرين ،
حتى قدموا على رسول الله وَله، وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش أنّ عبد الله قال لأصحابه: إنّ لرسول
الله ◌َّ مما غنمنا الخمس. فعزله وقسم الباقي بين أصحابه ، وذلك قبل أن ينزل الخمس.
(١) ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٨/٣ - ٢٠) من طريقه .
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٠١ - ٦٠٤).
(٣) الأدم: الجلود. واحدها أديم. انظر ((شرح غريب السيرة)) للخشني (١٨٩/١).
(٤) انظر ((الروض الأنف)): (٧٩/٥ - ٨٠).
٢٧
ذكر سرية عبد الله بن جحش التي كانت سببا لغزوة بدر العظمى
قال(١): لمّا نزل الخمس نزل كما قسمه عبد الله بن جحش . كما قاله .
قال ابن إسحاق(٢): فلما قدموا على رسول الله وَ له قال: ((ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام)).
فوقف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً، فلمّا قال ذلك رسول الله ومسئيه، أسقط في أيدي
القوم ، وظنّوا أنّهم قد هلكوا وعنَّفَهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا ، وقالت قريش : قد استحلّ
محمد وأصحابه الشهر الحرام ، وسفكوا فيه الدّم ، وأخذوا فيه الأموال ، وأسروا فيه الرجال . فقال من
يردّ عليهم من المسلمين ممّن كان بمكة : إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان . وقالت يهود ، تفائل بذلك
على رسول الله ◌َر: عمرو بن الحضرميّ قتله واقد بن عبد الله ؛ عمرو عمرت الحرب ، والحضرميّ
حضرت الحرب ، وواقد بن عبد الله وقدت الحرب . فجعل الله ذلك عليهم لا لهم ، فلمّا أكثر الناس في
ذلك أنزل الله تعالى على رسوله مَّ﴿٣): ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدُّ عَن سَبِيلِ
اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ، مِنْهُ أَكْبُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلُ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَّى
يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ أَسْتَطَعُواْ﴾ [البقرة: ٢١٧]٤) أي؛ إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدّوكم عن
سبيل الله مع الكفر به ، وعن المسجد الحرام ، وإخراجكم منه وأنتم أهله ، أكبر عند الله من قتل من قتلتم
منهم ﴿ وَاَلْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ أي : قد كانوا يفتنون المسلم عن دينه حتى يردّوه إلى الكفر بعد
إيمانه ، فذلك أكبر عند الله من القتل ، ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه غير تائبين ولا نازعين ،
ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَلَا يَزَالُونَ يُقَدِلُونَّكُمْ حَّى يَرُدُوكُمْ عَن ◌ِدِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَعُواْ ﴾ الآية.
قال ابن إسحاق(٥): فلمّا نزل القرآن بهذا من الأمر وفرّج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشّفق (٦)،
قبض رسول الله وَ ل العير والأسيرين ، وبعثت قريش في فداء عثمان والحكم بن كيسان ، فقال رسول الله
*: (( لا نقديكموهما حتّى يقدم صاحبانا - يعني سعد بن أبي وقّاص، وعتبة بن غزوان - فإنّا نخشاكم
عليهما، فإن تقتلوهما، نقتل صاحبيكم)). فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله وَّر. فأمّا الحكم بن
كيسان فأسلم فحسن إسلامه ، وأقام عند رسول الله بَّ ه حتى قتل يوم بئر معونة شهيداً، وأما عثمان بن عبد
الله فلحق بمكة ، فمات بها كافراً .
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٥/١).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٠٣ - ٦٠٤).
(٣) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٣٦٨/١ -٣٧٢).
(٤) ورواه البيهقي في ((السنن الكبرى)) (١١/٩) وحسَّنه الحافظ ابن حجر في (( العجاب في بيان الأسباب)) وسيأتي
عند المصنف من رواية ابن أبي حاتم .
(٥) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٤/١ - ٦٠٥).
(٦) الشفق : الخوف .
٢٨
ذكر سرية عبد الله بن جحش التي كانت سبباً لغزوة بدر العظمى
قال ابن إسحاق(١): فلمّا تجلّى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ، طمعوا
في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله ، أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟ فأنزل الله فيهم :
إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَهَدُواْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَبِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاَللَّهُ غَفُورُ زَحِيمٌ﴾ [البقرة
٢١٨ | فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء .
قال ابن إسحاق(٢): والحديث في ذلك عن الزّهريّ ويزيد بن رومان، عن عروة بن الزّبير. وهكذا
ذكر موسى بن عقبة في ((مغازيه))، عن الزّهريّ(٣)، وكذا روى شعيب(٤) ، عن الزّهريّ، عن عروة نحواً
من هذا ، وفيه : وكان ابن الحضرميّ أوّل قتيل بين المسلمين والمشركين .
وقال عبد الملك بن هشام(٥) : هو أوّل قتيل قتله المسلمون ، وهذه أوّل غنيمة غنمها المسلمون ،
وعثمان والحكم بن كيسان أوّل من أسره المسلمون .
قلت : وقد تقدّم فيما رواه الإمام أحمد(٦) ، عن سعد بن أبي وقّاص أنّه قال : فكان عبد الله بن
جحش أول أمير في الإسلام .
وقد ذكرنا في ((التفسير(١) لما أورده ابن إسحاق شواهد [ مسندة ].
فمن ذلك ما رواه الحافظ أبو محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدّميّ
حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه حدّثني الحضرميّ ، عن أبي السّوّار ، عن جندب بن عبد الله أنّ
رسول الله # بعث رهطاً، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجرّاح - أو عبيدة بن الحارث - فلمّا ذهب ينطلق
بكى صبابة١ً" إلى رسول اللهِ وَ﴾، فجلس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحشٍ ، وكتب له كتاباً وأمره
أن لا يقرأه حتى يبلغ مكان كذا وكذا ، وقال: «لا تكرهنّ أحداً على السّير معك من أصحابك » . فلمّا قرأ
الكتاب استرجع ، وقال : سمعاً وطاعة لله ولرسوله . فخبّرهم الخبر ، وقرأ عليهم الكتاب فرجع رجلان
وبقي بقيّتهم ، فلقوا ابن الحضرميّ ، فقتلوه ، ولم يدروا أنّ ذلك اليوم من رجب أو من جمادى ، فقال
(١) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٠٥).
(٢) انظر ((سيرة ابن هشام)) (١/ ٦٠٥).
(٣) ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢٠/٣ - ٢١).
ورواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) ( ١٧/٣).
(٤)
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٥/١).
(٦)
تقدم في ص ٢٤ .
ذكره المؤلف في « تفسيره » (٣٦٨/١) بسند ابن أبي حاتم، وعزاه السيوطي في ((الدر المنثور)) (١/ ٢٥٠) إلى
(٧)
ابن أبي حاتم وغيره .
(٨) أي : شوقاً.
٢٩
ذكر سرية عبد الله بن جحش التي كانت سببا لغزوة بدر العظمى
المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام . فأنزل الله ﴿ يَسْتَلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ
كَبِيرٌ ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧].
وقال إسماعيل بن عبد الرحمن السّدّيّ الكبير في (( تفسيره (١): عن أبي مالك وعن أبي صالح ، عن
ابن عباسٍ ، وعن مرّة عن ابن مسعود عن جماعة من الصحابة: ﴿يَسَْلُونَكَ عَنِ الثَّهْرِ الْحَرَامِ فِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ
فِيهِ كَبِيرٌ ﴾ وذلك أنّ رسول الله وَل بعث سريّة، وكانوا سبعة نفر، عليهم عبد الله بن جحشٍ ، وفيهم
عمار بن ياسرٍ ، وأبو حذيفة بن عتبة ، وسعد بن أبي وقاصٍ ، وعتبة بن غزوان ، وسهل بن بيضاء ،
وعامر بن فهيرة ، وواقد بن عبد الله اليربوعيّ ، حليف لعمر بن الخطاب ، وكتب لابن جحشٍ كتاباً وأمره
أن لا يقرأه حتى ينزل بطن ملل (٢) ، فلمّا نزل بطن ملل فتح الكتاب ، فإذا فيه أن سر حتى تنزل بطن نخلة .
فقال لأصحابه : من كان يريد الموت فليمض وليوص؛ فإنّني موص وماض لأمر رسول الله وَ ◌ّهِ ، فسار،
وتخلّف عنه سعد وعتبة ؛ أضلاً راحلة لهما ، فأقاما يطلبانها ، وسار هو وأصحابه حتى نزل بطن نخلة ،
فإذا هو بالحكم بن كيسان ، والمغيرة بن عثمان ، وعبد الله بن المغيرة . فذكر قتل واقد لعمرو بن
الحضرميّ ، ورجعوا بالغنيمة والأسيرين ، فكانت أول غنيمة غنمها المسلمون ، وقال المشركون : إن
محمداً يزعم أنّه يتّبع طاعة الله ، وهو أول من استحلّ الشهر الحرام ، وقتل صاحبنا في رجب . وقال
المسلمون : إنّما قتلناه في جمادى .
قال السّدّيّ : وكان قتلهم له في أول ليلة من رجب ، وآخر ليلة من جمادى الآخرة .
قلت : لعل جمادى كان ناقصاً فاعتقدوا بقاء الشهر ليلة الثلاثين ، وقد كان الهلال رئي تلك الليلة ،
فالله أعلم .
وهكذا روى العوفيّ ، عن ابن عباس أنّ ذلك كان في آخر ليلة من جمادى ، وكانت أول ليلة من
رجب ، ولم يشعرو(٣) .
وكذا تقدّم في حديث جندب الذي رواه ابن أبي حاتم .
وقد تقدّم في سياق ابن إسحاق أن ذلك كان في آخر ليلة من رجب ، وخافوا إن لم يتداركوا هذه
الغنيمة وينتهزوا هذه الفرصة ، دخل أولئك في الحرم ، فيتعذّر عليهم ذلك ، فأقدموا عليهم عالمين
بذلك .
وذكره المصنف في ((تفسيره)) (٣٦٨/١) بسنده عن الشُّدِّي. ورواه الطبري في ((تفسيره)) (٣٤٩/٢) عن
الشُّدي .
(٢) مثل : اسم موضع على بعد ثمانية وعشرين ميلاً من المدينة من ناحية مكة بين الحرمين . انظر ((معجم البلدان))
(٦٣٧/٤) و((المغانم المطابة)، ص (٣٩١).
(٣) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٣٦٩/١) و((تفسير الطبري)) (٣٥٠/٢ - ٣٥١).
٣٠
ذكر تحويل القبلة قبل غزوة بدر العظمى
وكذا قال الزُّهريُّ، عن عروة. رواه البيهقيّ(١) ، فالله أعلم أيُّ ذلك كان .
قال الزُّهريُّ، عن عروة: فبلغنا أنَّ رسول الله ◌ِّهِ، عقل (٢) ابن الحضرميِّ، وحرّم الشهر الحرام كما
كان يحرّمه، حتى أنزل الله ((براءة)) رواه البيهقيّ(٣).
قال ابن إسحاق(٤) : فقال أبو بكر الصدِّيق في غزوة عبد الله بن جحش جواباً للمشركين فيما قالوا من
إحلال الشهر الحرام .
قال ابن هشام(٥) : هي لعبد الله بن جحشٍ : [ من الطويل ]
وأعظم منه لو يرى الرّشد راشدُ
تعدّون قتلاً في الحرام عظيمة
وكفر به والله راءٍ وشاهد
صدودكمُ عمَّا يقول محمد
لئلا يُرى لله في البيت ساجد
وإخراجكم من مسجد الله أهلَه
وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسدُ
فإنّا وإن غيّر تمونا بقتله
بنخلةَ لمّا أوقد الحرب واقد
سقَينا من ابن الحضرميّ رماحنا
ينازعه غُلّ من القدّ عاند(٦)
دماً وابن عبد الله عثمان بيننا
فصل
في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر
قال بعضهم : كان ذلك في رجب من سنة ثنتين . وبه قال قتادة وزيد بن أسلم ، وهو رواية عن
محمد بن إسحاق (١)
وقد روى أحمد١) عن ابن عباس ما يدلّ على ذلك ، وهو ظاهر حديث البراء بن عازب كما سيأتي .
(١) انظر ((دلائل النبوة)) ( ٢١/٣).
(٢) قال ابن الأثير : العقل : الدِّيّة، وأصله : أن القاتل كان إذا قتل قتيلاً جمع الدِّية من الإبل، فعقلها في فناء أولياء
المقتول ؛ أي شدها في عقلها ليسلمها إليهم ويقبضوها منه، فسميت الدِّية عقلا بالمصدر. (( النهاية في غريب
الحديث والأثر)) ( ٢٧٨/٣).
(٣) انظر ((دلائل النبوة)) (١٨/٣).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٥/١ - ٦٠٦).
(٥) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٥/١).
(٦) عاند: سائل بالدم لا ينقطع. انظر ((شرح غريب السيرة)) للخشني (٣٣/٢).
(٧) انظر ((الطبقات الكبرى)) لابن سعد)) (٢٤٢/١)، وتفسير ((الطبري)) (٣/٢ - ٥) و((دلائل النبوة)
( ٥٧٥/٢ ) .
(٨) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٢٥/١)، وهو حديث صحيح.
٣١
ذكر تحويل القِبلة قبل غزوة بدر العظمى
والله أعلم . وقيل : في شعبان منها . قال ابن إسحاق : بعد غزوة عبد الله بن جحش . ويقال : صرفت
القِبلة في شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من مقدم رسول الله { ي المدينة(١)
وحكى هذا القول ابن جرير(٢) ، من طريق السّدّيّ بسنده عن ابن عباس وابن مسعود وناس من
الصحابة .
[ وبه ] قال الجمهور الأعظم ؛ إنّها صرفت في النصف من شعبان على رأس ثمانية عشر شهراً من
الهجرة. ثم حكى(٣) عن محمد بن سعد، عن الواقديّ أنّها حوّلت يوم الثلاثاء النصف من شعبان(٤) ،
وفي هذا التحديد نظرٌ ، والله أعلم .
وقد تكلّمنا على ذلك مستقصى في (( التفسير)(٥) عند قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِى السَّمَاءِ
فَلَتُولِيَنَّكَ قِبْلَةُ تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِّ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَةُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ
لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَفِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (٦)﴾ [ البقرة: ١٤٤]. وما قبلها وما بعدها من اعتراض سفهاء
اليهود والمنافقين والجهلة الطّعامُ(٧) على ذلك ؛ لأنّه أول نسخ وقع في الإسلام . هذا وقد أحال الله قبل
ذلك في سياق القرآن تقرير جواز النّسخ عند قوله(٨): ﴿﴿ مَانَنَحْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ ننساها٩) تَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ
مِثْلِهَاً أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيُ﴾ [ البقرة: ١٠٦] .
وقد قال البخاريّ(١٠): حدّثنا أبو نعيم، سمع زهيراً، عن أبي إسحاق، عن البراء أنّ النبيّ ◌َِليل
صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً [ أو سبعة عشر شهراً]، وكان يعجبه أن تكون قبلته إلى
البيت ، وأنّه صلّى أول صلاة صلاها إلى الكعبة العصر ، وصلّى معه قوم فخرج رجل ممّن كان معه ،
فمرّ على أهل مسجد وهم راكعون ، فقال: أشهد بالله، لقد صلّيت مع النبيّ وَ هُ قِبَل مكة. فداروا كما
هم قِبَل البيت ، وكان الذي مات على القبلة قبل أن تحوّل رجال قتلوا لم ندر ما نقول فيهم ، فأنزل الله :
(١) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٦/١).
(٢) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤١٦/٢).
(٣) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤١٦/٢).
(٤) انظر ((شذرات الذهب)) (١/ ١١٤) بتحقيقي، طبع دار ابن كثير.
(٥) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٢٧٨/١ - ٢٨٠).
٦) هكذا في (أ) و(ط) بالتاء، وهي قراءة ابن عامر وحمزة والكسائي. انظر (( حجَّة القراءات)) لابن مجاهد ص
( ١١٦ - ١١٧ ) .
١، الطغام: أرذال الناس وأوغادهم. انظر ((لسان العرب)) ( طغم).
(١) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٢١٤/١ -٢١٨).
(٩) هكذا في (أ) و(ط) وهي قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وقرأ الباقون: (نَنْسها). انظر ((تفسير)) القرطبي
(٦٧/١ -٦٨) و((حجة القراء السبعة)» لابن مجاهد (١٠٩ - ١١٠).
١٠) رواه ((البخاري)) ( ٤٤٨٦) .
٣٢
ذكر تحويل القِبلة قبل غزوة بدر العظمى
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُ وفٌ رَّحِيمٌ﴾ [ البقرة: ١٤٣].
ورواه مسلم(١) من وجه آخر .
وقال ابن أبي حاتم(٢) : حدّثنا أبو زرعة ، حدّثنا الحسن بن عطيّة ، حدّثنا إسرائيل ، عن أبي
إسحاق، عن البراء قال: كان رسول الله وَّل قد صلّى نحو بيت المقدس ستة عشر أو سبعة عشر شهراً،
وكان يحبّ أن يوجّه نحو الكعبة فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَلَنُوَلِيَنَّكَ قِبْلَةٌ تَرْضَهَا فَوَلِ
﴾ [البقرة: ١٤٤]. قال: فوجّه نحو الكعبة. وقال السّفهاء من الناس ، وهم
وَجْهَكَ شَطْرَ اُلْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ
اليهود: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها . فأنزل الله: ﴿قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرٍَ
مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ البقرة : ١٤٢].
وحاصل الأمر أنّ رسول الله وَليل كان يصلّي بمكة إلى بيت المقدس والكعبة بين يديه ، كما رواه الإمام
أحمد (٣) ، عن ابن عباس ، رضي الله عنه، فلما هاجر إلى المدينة لم يمكنه أن يجمع بينهما ، فصلَّى إلى
بيت المقدس أول مقدمه المدينة ، واستدبر الكعبة ستة عشر شهراً ، أو سبعة عشر شهراً . وهذا يقتضي أن
يكون ذلك إلى رجب من السنة الثانية . والله أعلم .
وكان عليه السلام ، يحبّ أن تصرف قبلته نحو الكعبة قبلة إبراهيم ، وكان يكثر الدعاء والتّضرّع
والابتهال إلى الله، عزّ وجلّ، فكان مما يرفع يديه وطرفه إلى السماء سائلاً ذلك ، فأنزل الله عز وجل (٤):
قَدْ نَىْ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِ السَّمَاءِ فَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَهَا فَوَلِ وَجْهَكَ شَطَرَ اَلْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.
فلمّا نزل الأمر بتحويل القبلة خطب رسول الله وَ لّ المسلمين وأعلمهم بذلك. كما رواه النَّسائيُّ(٥)،
عن أبي سعيد بن المعلَّى ، وأنّ ذلك كان وقت الظُهر .
وقال بعض الناس(٦): نزل تحويلها بين الصلاتين. قاله مجاهد وغيره .
ويؤيّد ذلك ما ثبت في ((الصحيحين)(٧)، عن البراء أنّ أول صلاة صلاَّها، عليه السلام ، إلى الكعبة
بالمدينة ، العصر . والعجب أنّ أهل قباء لم يبلغهم خبر ذلك إلى صلاة الصّبح من اليوم الثاني .
كما ثبت في (( الصحيحين)(٨)، عن ابن عمر قال : بينما النّاس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم
(١) رواه ((مسلم)) ( ٥٢٥).
(٢) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٢٧٤/١).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٣٢٥/١) وهو حديث صحيح.
(٤)
انظر ((تفسير الطبري)) (١٩/٢ - ٢٤) و((تفسير ابن كثير)) (٢٧٨/١).
(٥)
رواه النسائي (٥٥/٢) (٧٣١) وفي السنن الكبرى (١١٠٠٤) وإسناده ضعيف.
(٦) انظر ((تفسير الطبري)) (١٤٩/٢).
(٧) رواه البخاري (٤٠)، ومسلم (٥٢٥) مع إبهام الصلاة .
(٨) رواه البخاري (٤٠٣) ومسلم (٥٢٦).
٣٣
ذكر تحويل القبلة قبل غزوة بدر العظمى
آتٍ، فقال: إنّ رسول الله ◌ُ له قد أنزل عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها. وكانت
وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة .
وفي ((صحيح مسلم)( ١) ، عن أنس بن مالك نحو ذلك .
والمقصود أنّه لمّا نزل تحويل القبلة إلى الكعبة ونسخ به الله تعالى حكم الصلاة إلى بيت المقدس ،
طعن طاعنون من السفهاء والجهلة الأغبياء ، وقالوا : ما ولّهم عن قبلتهم التي كانوا عليها . هذا والكفرة
من أهل الكتاب يعلمون أنّ ذلك من الله؛ لما يجدونه من صفة محمد ◌َّ في كتبهم ؛ من أنّ المدينة
مهاجره، وأنّه سيؤمر بالاستقبال إلى الكعبة كما قال(٢): ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِنَبَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن
رَّبِّهِمْ﴾ الآية [ البقرة: ١٤٤]. وقد أجابهم الله تعالى مع هذا كلّه عن سؤالهم، وتعنّتهم، فقال(٣):
حَ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّئُهُمْ عَنْ قِبْلَنِهِمُ الَِّى كَانُوْ عَلَيْهَأَ قُل لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُّ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ
مُسْتَقِيمٍ﴾ [ البقرة: ١٤٢] أي ؛ هو المالك المتصرّف الحاكم الذي لا معقّب لحكمه ، الذي يفعل ما يشاء
في خلقه ، ويحكم ما يريد في شرعه ، وهو الذي يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ، ويضلّ من يشاء عن
الطريق القويم ، وله في ذلك الحكمة التي يجب لها الرِّضا والتَّسليم .
ثم قال تعالى (٤): ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي؛ خياراً ﴿لِّنَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ
الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: وكما اخترنا لكم أفضل الجهات في صلاتكم، وهديناكم إلى
قبلة أبيكم إبراهيم والد الأنبياء بعد التي كان يصلِّي بها موسى فمن قبله من المرسلين ، كذلك جعلناكم
خيار الأمم ، وخلاصة العالم ، وأشرف الطَّوائف، وأكرم التَّالد والطَّارف(٥) ؛ لتكونوا يوم القيامة شهداء
على الناس ؛ لإجماعهم عليكم وإشارتهم يومئذ بالفضيلة إليكم، كما ثبت في ((صحيح البخاريّ)(٦) ،
عن أبي سعيد مرفوعاً مِن استشهاد نوح بهذه الأمّة يوم القيامة . وإذا استشهد بهم نوح مع تقدّم زمانه ، فمن
بعده بطريق الأولى والأحرى .
ثم قال تعالى مبيّناً حكمته في حلول نقمته بمن شكّ وارتاب بهذه الواقعة ، وحلول نعمته على من
صدّق وتابع هذه الكائنة، فقال(٧): ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِى كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَقَّبِعُ الرَّسُولَ﴾.
(١) رواه مسلم رقم ( ٥٢٧) .
(٢) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٢٨٠/١).
(٣) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٢٧٤/١ _ ٢٧٥).
(٤) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٢٧٥/١ - ٢٧٦).
(٥) التالد والطارف : القديم والحديث من المال.
(٦) رواه ((البخاري)) ( ٣٣٣٩).
(٧) انظر ((تفسير ابن كثير)) (٢٧٧/١ - ٢٧٨).
٣٤
ذكر فرض صوم شهر رمضان قبل غزوة بدر العظمى
قال ابن عباس (١): إلّا لنرى ﴿ مَن يَقَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَن يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْةٍ وَ إِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾ أي: وإن كانت
هذه الكائنة العظيمة الموقع كبيرة المحلّ شديدة الأمر ﴿ إِلَّا عَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي ؛ فهم مؤمنون بها
مصدّقون لها ، لا يشكّون ولا يرتابون بل يرضون ويسلِّمون ، ويؤمنون ، ويعملون ؛ لأنّهم عبيد للحاكم
العظيم القادر المقتدر الحليم الخبير اللطيف العليم .
وقوله(٢): ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَنَّكُمَّ﴾ أي: بشرعته استقبال بيت المقدس والصلاة إليه .
﴿إِنَ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].
والأحاديث والآثار في هذا كثيرة جدّاً يطول استقصاؤها، وذلك مبسوط في ((التفسير (٣) ، وسنزيد
ذلك بياناً في كتابنا (( الأحكام الكبير)(٤)
وقد روى الإمام أحمد(٥) : حدّثنا عليّ بن عاصم ، حدّثنا حصين بن عبد الرحمن، عن عمر(٦) بن
قيس، عن محمد بن الأشعث ، عن عائشة قالت: قال رسول الله بَ ◌ّه - يعني في أهل الكتاب -: ((إنّهم
لم يحسدونا على شيءٍ كما يحسدوننا على يوم الجمعة الّتي هدانا الله لها٧) وضلُّوا عنها٨) ، وعلى القبلة
الّتي هدانا الله لها وضلُوا عنها، وعلى قولنا خلف الإمام : آمين )).
فصل
في فرضية صوم شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر (٩)
قال ابن جرير(١٠) : وفي هذه السنة فرض شهر رمضان . وقد قيل : إنّه فرض في شعبان منها .
ثم حكى (١١) أنّ رسول الله مَ ثّل حين قدم المدينة وجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم عنه،
فقالوا : هذا يومٌ نجّى الله فيه موسى، فقال: ((نحن أحقّ بموسى [ منكم ])) فصامه ، وأمر الناس
(١) انظر ((تفسير الطبري)) (١٣/٢ - ١٤) و((تفسير القرطبي)) (١٥٦/٢).
(٢) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٢٧٨/١).
(٣) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٢٧٣/١ - ٢٨٠).
(٤) قلت: وهو مما لم يتمه رحمه الله. قال ابن العماد الحنبلي في ((شذرات الذهب)) (٣٩٩/٨) بتحقيقي عند تعداد
مؤلفاته : ( ( وشرع في أحكام كثيرة حافلة كتب منها مجلدات إلى الحج ) ) .
(٥) رواه أحمد في ((المسند)) (١٣٤/٦ - ١٣٥) وهو حديث صحيح .
(٦)
فى (أ) و(ط): ((عمرو)). والتصحيح من ((مسند الإمام أحمد)). وانظر ((تهذيب الكمال)) (٤٨٤/٢).
(٧) في (أ): ((إليها)) والمثبت من ( ط ).
(٨) لفظ: ( (عنها ) ) سقط من ( ط).
(٩) انظر ((شذرات الذهب)) (١١٤/١) بتحقيقي ، طبع دار ابن كثير.
(١٠) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤١٧/٢).
(١١) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤١٧/٢).
٣٥
ذكر فرض صوم شهر رمضان قبل غزوة بدر العظمى
بصيامه. وهذا الحديث ثابتٌ في (( الصحيحين)(١) عن ابن عباسٍ .
وقد قال الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ الَ أَيَامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِذْيَةٌ طَعَامُ
مِسْكِينٍّ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّمُّ وَأَنْ تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (٨) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ
هُدِّى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمَّةً وَمَن كَانَ مَرِيضًّا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَهِدَّةٌ
مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ ﴾ الآية [ البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
وقد تكلّمنا على ذلك في (( التفسير)(٢) بما فيه كفايةٌ من إيراد الأحاديث المتعلّقة بذلك، والآثار
المرويّة في ذلك ، والأحكام المستفادة منه ، ولله الحمد .
وقد قال الإمام أحمد (٣): حدّثنا أبو النّضر، حدّثنا المسعوديّ، حدّثنا عمرو بن مرّة ، عن
عبد الرحمن بن أبي ليلى ، عن معاذ بن جبل قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوالٍ ، وأحيل الصيام ثلاثة
أحوالٍ. فذكر أحوال الصلاة، قال: وأمّا أحوال الصيام، فإنّ رسول الله وَ ل قدم المدينة ، فجعل يصوم
من كلّ شهرٍ ثلاثة أيامٍ ، وصام عاشوراء ، ثم إنّ الله ، عزّ وجلّ ، فرض عليه الصيام ، وأنزل :
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبِّ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ
يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكيناً ، فأجزأ ذلك عنه .
ثم إنّ الله، عزّ وجلّ، أنزل الآية الأخرى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىّ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْءَانُ ﴾ فأثبت صيامه
على المقيم الصحيح ، ورخّص فيه للمريض والمسافر ، وأثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصّيام ،
فهذان حولان . قال : وكانوا يأكلون ، ويشربون ، ويأتون النّساء ما لم يناموا ، فإذا ناموا امتنعوا ، ثم إنّ
رجلاً من الأنصار يقال له : صرمة كان يعمل صائماً حتى أمسى ، فجاء إلى أهله فصلّى العشاء ، ثم نام ،
فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح، فأصبح صائماً ، فرآه رسول الله وَ ل قد جهد جهداً شديداً، فقال: (( ما
لي أراك قد جهدت جهداً شديداً؟)) فأخبره. قال: وكان عمر قد أصاب من النساء(٤) بعدما نام ، فأتى
رسول الله وَّلَه، فذكر ذلك له، فأنزل الله، عزّ وجلّ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الْصِيَاءِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآَبِكُمْ﴾ إلى
قوله: ﴿ثُمَّ أَيِّقُواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّيَّلِّ﴾ [ البقرة: ١٨٧].
ورواه أبو داود في ((سننه))، والحاكم في (( مستدركه )) من حديث المسعوديّ نحوه(٥) .
(١) رواه البخاري (٢٠٠٤) ومسلم (١١٣٠).
(٢) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٣٠٥/١ - ٣١٣).
(٣) رواه أحمد في ((المسند)) (٢٤٦/٥) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٤) بعده في ((مسند الإمام أحمد)): ((من جارية أو من حُرَّة)).
(٥) رواه أبو داود (٥٠٧) والحاكم في ((المستدرك)) (٢/ ٢٧٤).
٣٦
ذكر غزوة بدر العظمى
وفي (( الصحيحين)(١) من حديث الزّهريّ ، عن عروة ، عن عائشة أنها قالت : كان عاشوراء يصام ،
فلمّا نزل رمضان كان من شاء صام ومن شاء أفطر .
وللبخاريّ(٢) عن ابن عمر وابن مسعودٍ مثله، ولتحرير هذا موضعٌ آخر من ((التفسير (٣)، ومن
((الأحكام الكبير)) وبالله المستعان .
قال ابن جرير(٤) : وفي هذه السنة أمر الناس بزكاة الفطر، وقد قيل: إنّ رسول الله مَ له خطب الناس
قبل الفطر بيومٍ أو يومين ، وأمرهم بذلك .
قال: وفيها صلّى النبيّ مَ ◌ّل صلاة العيد، وخرج بالناس إلى المصلّى، فكان أوّل صلاة عيدٍ صلاّها ،
وخرجوا بين يديه بالحربة، وكانت للزّبير، وهبها له النّجاشيّ، فكانت تحمل بين يدي رسول الله وَلَه في
الأعياد .
قلت : وفي هذه السّنة ، فيما ذكره غير واحدٍ من المتأخّرين ، فرضت الزّكاة ذات النّصب ، كما
سيأتي تفصيل ذلك كلّه بعد وقعة بدرٍ ، إن شاء الله تعالى ، وبه الثّقة ، وعليه التّكلان ، ولا حول ولا قوة
إلّ بالله العليّ العظيم .
غزوة بدرٍ العظمى
يوم الفرقان يوم التقى الجمعان(٥)
قال الله تعالى(٦): ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَّكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَأَتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٢٣].
وقال الله تعالى (٧): ﴿كَمَآ أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِبِقًاً مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَرِهُونَ (® يُحَدِلُونَكَ فِى الْحَقِّ
بَعْدَمَا نَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَافُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ﴿ وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الَّ ◌ِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتٍ
الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَ بِكَلِمَتِهِ، وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَفِرِينَ ﴿ لِيُحِقَّ الْحَقِّ وَبُطِلَ الْبَطِلَ وَلَوْ كَرِهَ
(١) رواه البخاري رقم (٢٠٠١) ومسلم رقم (١١٢٥) .
(٢) رواه البخاري (١٨٩٢) عن ابن عمر، و(٤٥٠٣) عن ابن مسعود. ورواه أيضاً مسلم في ( ١١٢٦) و( ١١٢٧)
عنهما .
(٣) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٣٠٥/١ _ ٣٢٥).
(٤) انظر ((تاريخ الطبري)) (٤١٨/٢).
(٥) قال ابن أبي شيبة في ((المغازي)) رقم (١٢٠): ( ( كانت بدر لسبع عشرة من رمضان في يوم جمعة ) ) ثم أورد
رواية أخرى عقبها يرقم (١٢١) ولفظها : ( ( وكانت بدر يوم الاثنين لسبع عشرة من رمضان ) ) .
(٦) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٢/ ٩٢ - ٩٣).
(٧) انظر ((التفسير)) للمؤلف (٥٥٣/٣ - ٥٥٨).
٣٧
ذكر غزوة بدر العظمى
اُلْمُجْرِمُونَ﴾ [ الأنفال: ٥ - ٨] وما بعدها إلى تمام القصّة من سورة ((الأنفال))، وقد تكلّمنا عليها
هنالك(١) ، وسنورد هاهنا في كلّ موضعٍ ما يناسبه .
قال ابن إسحاق(٢)، رحمه الله، بعد ذكره سريّة عبد الله بن جحشٍ: ثم إنّ رسول الله وَ لا سمع بأبي
سفيان صخر بن حربٍ مقبلاً من الشّام في عيرٍ لقريشٍ عظيمةٍ ، فيها أموالٌ وتجارةٌ ، وفيها ثلاثون رجلاً أو
أربعون ، منهم مخرمة بن نوفلٍ ، وعمرو بن العاص .
قال موسى بن عقبة (٣) ، عن الزّهريّ : كان ذلك بعد مقتل ابن الحضرميّ بشهرين . قال : وكان في
العير ألف بعيرٍ ، تحمل أموال قريشٍ بأسرها إلّ حويطب بن عبد العزّى، فلهذا تخلّف عن بدرٍ .
قال ابن إسحاق(٤) : فحدّثني محمد بن مسلم بن شهابٍ ، وعاصم بن عمر بن قتادة ، وعبد الله بن
أبي بكرٍ ، ويزيد بن رومان ، عن عروة بن الزّبير ، وغيرهم من علمائنا ، عن ابن عباسٍ ، كلٌّ قد حدّثني
بعض الحديث ، فاجتمع حديثهم فيما سقت من حديث بدرٍ ، قالوا : لمّا سمع رسول الله وَّهِ بأبي سفيان
مقبلاً من الشّام ، ندب المسلمين إليهم وقال: (( هذه عير قريشٍ فيها أموالهم ، فاخرجوا إليها ؛ لعلّ الله
ينفّلكموها)) فانتدب الناس، فخفّ(٥) بعضهم وثقل بعضٌ؛ وذلك أنّهم لم يظنّوا أنّ رسول الله بَّل يلقى
حرباً ، وكان أبو سفيان ، حين دنا من الحجاز ، يتحسّس(٦) الأخبار ، ويسأل من لقي من الرّكبان ؛ تخوّفاً
على أموال الناس ، حتى أصاب خبراً من بعض الرّكبان ؛ أنّ محمداً قد استنفر أصحابه لك ولعيرك ،
فحذر عند ذلك ، فاستأجر ضمضم بن عمروٍ الغفاريّ ، فبعثه إلى مكّة ، وأمره أن يأتي قريشاً فيستنفرهم
إلى أموالهم ، ويخبرهم أنّ محمداً قد عرض لها في أصحابه ، فخرج ضمضم بن عمروٍ سريعاً إلى مكّة .
قال ابن إسحاق(٧) : فحدّثني من لا أتّهم، عن عكرمة، عن ابن عباسٍ ، ويزيد بن رومان ، عن
عروة بن الزّبير ، قالا : وقد رأت عاتكة بنت عبد المطلب ، قبل قدوم ضمضم إلى مگّة بثلاث ليالٍ ، رؤيا
أفزعتها ، فبعثت إلى أخيها العباس بن عبد المطّلب ، فقالت له : يا أخي ، والله لقد رأيت الليلة رؤيا
أفظعتني ، وتخوّفت أن يدخل على قومك منها شرٌّ ومصيبةٌ ، فاكتم عليّ ما أحدّثك . قال لها : وما رأيت؟
. (١) انظر القصة بتمامها وما يتعلَّق بها، في ((التفسير)) للمؤلف (٥٥٣/٣ - ٥٧٣) ولتمام الفائدة راجع ((المغازي))
لابن أبي شيبة رقم ( ١٢٧).
(٢) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٦/١).
(٣) رواه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (١٠٢/٣) وذكره الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) في ((المغازي)) منه ص (١٠٣).
(٤) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦٠٦ - ٦٠٧).
(٥) في (أ): ((فخفف)) والمثبت من ( ط ).
(٦) في (أ): ((يتجسس)). وتحسَّس الخبر: تَطلَّبه وتبحَّته، والتحُّس شبه التسمُّع والتبصُّر. ((لسان العرب))
( حسس ) .
(٧) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٧/١ - ٦٠٩) و((تاريخ الطبري)) (٤٢٨/٢).
٣٨
ذكر غزوة بدر العظمى
قالت : رأيت راكباً أقبل على بعيرٍ له ، حتى وقف بالأبطح ، ثم صرخ بأعلى صوته : ألا انفروا ،
يالغدر(١)، لمصارعكم في ثلاثٍ . [ فأرى الناس اجتمعوا إليه ، ثم دخل المسجد والناس يتبعونه ،
فبينما هم حوله ، مثل(٢) به بعيره على ظهر الكعبة ، ثم صرخ بمثلها: ألا انفروا ، يا لغدر ، لمصارعكم
في ثلاثٍ ] . ثم مثل به بعيره على رأس أبي قبيسٍ(٣) ، فصرخ بمثلها ، ثم أخذ صخرةً فأرسلها ، فأقبلت
تهوي ، حتى إذا كانت بأسفل الجبل ارفضّت ، فما بقي بيتٌ من بيوت مكّة ولا دارٌ إلّا دخلتها منها
فلقة٤ٌ) . قال العباس : والله إنّ هذه لرؤيا، وأنتِ فاكتميها ، لا تذكريها لأحدٍ .
ثم خرج العباس فلقي الوليد بن عتبة ، وكان له صديقاً ، فذكرها له واستكتمه إيّاها ، فذكرها الوليد
لأبيه(٥) عتبة ، ففشا الحديث حتى تحدّثت به قريشٌ. قال العباس: فغدوت لأطوف بالبيت وأبو جهلٍ بن
هشام في رهط من قريش قعود يتحدّثون برؤيا عاتكة ، فلمّا رآني أبو جهلٍ قال : يا أبا الفضل ، إذا فرغت
من طوافك فأقبل إلينا . فلمّا فرغت أقبلت حتى جلست معهم ، فقال أبو جهلٍ : يا بني عبد المطّلب [ متى
حدثت فيكم هذه النّبيّة؟! قال : قلت : وما ذاك؟ قال : تلك الرؤيا التي رأت عاتكة . قال : قلت : وما
رأت؟ قال : يا بني عبد المطّلب ] أما رضيتم أن يتنبأ رجالكم حتى تتنبأ نساؤكم؟! قد زعمت عاتكة في
رؤياها أنّه قال : انفروا في ثلاثٍ . فسنتربّص بكم هذه الثلاث ، فإن يك حقاً ما تقول ، فسيكون ، وإن
تمض الثلاث ولم يكن من ذلك شيءٌ ، نكتب عليكم كتاباً ؛ أنّكم أكذب أهل بيتٍ في العرب . قال
العباس : فوالله ما كان منّي إليه كبير شيءٍ ، إلّا أنّي جحدت ذلك ، وأنكرت أن تكون رأت شيئاً . قال :
ثمّ تفرّقنا، فلمّا أمسيت لم تبق امرأةٌ من بني عبد المطّلب إلّ أتتني ، فقالت : أقررتم لهذا الفاسق الخبيث
أن يقع في رجالكم ، ثم قد تناول النّساء وأنت تسمع ، ثم لم يكن عندك غيرة [ لشيءٍ] ممّا سمعت؟!
قال : قلت : قد والله فعلت ، ما كان منّي إليه من كبيرٍ ، وايم الله لأتعرّضنّ له ، فإذا عاد لأكفيكنّه.
قال : فغدوت في اليوم الثالث من رؤيا عاتكة ، وأنا حديدٌ مغضبٌ ، أرى أنّي قد فاتني منه أمرٌ أحبّ أن
أدركه منه . قال : فدخلت المسجد فرأيته ، فوالله إنّي لأمشي نحوه ، أتعرّضه ليعود لبعض ما قال فأقع
به، وكان رجلاً خفيفاً ، حديد الوجه ، حديد اللّسان، حديد النّظر. قال : إذ خرج نحو باب المسجد
يشتدّ(٦) . قال : قلت في نفسي: ما له ، لعنه الله ، أكلّ هذا فرقٌ منّي أن أشاتمه؟! وإذا هو قد سمع ما لم
(١) قال السهيلي في ((الروض الأنف)) (١١٦/٥): هكذا هو بضم الغين والدال؛ جمع غَدُورٍ ... أي إن تخلَّقْتم
فأنتم غُدُرٌ لقومكم .
(٢) أي: قام منتصباً. انظر ((القاموس المحيط)) ( مثل ).
(٣) أبو قبيس: هو اسم الجبل المشرف على مكة، وجهه إلى قعيقعان ومكة بينهما. انظر (( معجم البلدان)»
(٨٠/١) .
الفِلقة : القطعة .
(٤)
(٥) في (آ) و(ط): ((لابنه)) وأثبت لفظ ((السيرة النبوية))، و((تاريخ الطبري)).
(٦) أي يسرع .
٣٩
ذكر غزوة بدر العظمى
أسمع ؛ صوت ضمضم بن عمروٍ الغفاريّ وهو يصرخ ببطن الوادي ، واقفاً على بعيره ، قد جدع بعيره ،
وحوّل رحله ، وشقّ قميصه ، وهو يقول: يا معشر قريشٍ، اللّطيمة اللّطيمة(١) ، أموالكم مع أبي سفيان
قد عرض لها محمدٌ في أصحابه ، لا أرى أن تدركوها ، الغوث الغوث . قال : فشغلني عنه وشغله عنّي ما
جاء من الأمر ، فتجهّز الناس سراعاً وقالوا : أيظنّ محمدٌ وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرميّ؟! والله
ليعلمنّ غير ذلك .
وذكر موسى بن عقبة (٢) رؤيا عاتكة، كنحوٍ من سياق ابن إسحاق. قال(٣): فلمّا جاء ضمضم بن
عمروٍ على تلك الصّفة ، خافوا من رؤيا عاتكة ، فخرجوا على الصّعب والذّلول.
قال ابن إسحاق(٤): فكانوا بين رجلين ؛ إمّا خارج وإمّا باعثٍ مكانه رجلاً، وأوعبت قريشٌ(٥) ، فلم
يتخلّف من أشرافها أحدٌ ، إلّا أنّ أبا لهب بن عبد المطّلب بعث مكانه العاصي بن هشام بن المغيرة ،
استأجره بأربعة آلاف درهم كانت له عليه ، قد أفلس بها .
قال ابن إسحاق(٦) : وحدّثني ابن أبي نجيحٍ ، أنّ أميّة بن خلفٍ كان قد أجمع القعود ، وكان شيخاً
جليلاً جسيماً ثقيلاً، فأتاه عقبة بن أبي معيطٍ وهو جالسٌ في المسجد بين ظهراني قومه ، بمجمرةٍ
يحملها، فيها نارٌ ومجمً(٧) ، حتى وضعها بين يديه ، ثم قال : يا أبا عليٍّ، استجمر ، فإنّما أنت من
النّساء . قال : قبّحك الله، وقبّح ما جئت به . قال : ثم تجهّز ، وخرج مع الناس . هكذا قال ابن إسحاق
في هذه القصّة .
وقد رواها البخاري(٨) على نحوٍ آخر ، فقال : حدّثني أحمد بن عثمان ، حدّثنا شريح بن مسلمة ، ثنا
إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، حدّثني عمرو بن ميمونٍ ، أنّه سمع عبد الله بن مسعودٍ
حدّث عن سعد بن معاذٍ أنّه كان صديقاً لأميّة بن خلفٍ ، وكان أميّة إذا مرّ بالمدينة ، نزل على سعد بن
معاذٍ ، وكان سعدٌ إذا مرّ بمكّة نزل على أميّة، فلمّا قدم رسول الله وَّر المدينة، انطلق سعد بن معاذٍ
معتمراً ، فنزل على أميّة بمكّة ، فقال لأميّة : انظر لي ساعة خلوةٍ ؛ لعلّ أطوف بالبيت . فخرج به قريباً
(١) اللطيمة: الجِمال التي تحمل العِطر والبزَّ، غير الميرة. والمعنى أدركوها. انظر (( النهاية في غريب الحديث
والأثر)) (٤/ ٢٥١) .
(٢) انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي (١٠٣/٣ - ١٠٤).
(٣) أي موسى بن عقبة. انظر ((دلائل النبوة)) للبيهقي ( ١٠٥/٣).
(٤) انظر (( السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٠٩/١ - ٦١٠).
(٥) أي خرجوا بأجمعهم. انظر (( النهاية في غريب الحديث والأثر)) ( ٢٠٦/٥).
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (١/ ٦١٠). قال الحافظ في ((فتح الباري)) (٧/ ٢٨٤): بَيَّن ابن إسحاق - في
روايتنا هذه - الصفة التي كاد بها أبو جهل أمية حتى خالف رأي نفسه في ترك الخروج من مكة .
(٧) المجمرة : ما يُوضع فيه الجمر مع البَخُور. والمجمَر: العود يُتبخر به. انظر ((لسان العرب)) (جمر).
(٨) انظر ((صحيح البخاري)) (٣٩٥٠).
٤٠
ذكر غزوة بدر العظمى
من نصف النّهار ، فلقيهما أبو جهلٍ ، فقال : يا أبا صفوان ، من هذا معك؟ قال : هذا سعدٌ. قال له أبَوَ
جهلٍ : ألا أراك تطوف بمكّة آمناً، وقد آويتم الصّباة(١)، وزعمتم أنّكم تنصرونهم وتُعينونهم ، أما والله،
لولا أنّك مع أبي صفوان، ما رجعت إلى أهلك سالماً. فقال له سعدٌ ، ورفع صوته عليه : أما والله ، لئن
منعتني هذا ، لأمنعنّك ما هو أشدّ عليك منه ؛ طريقك على المدينة . فقال له أميّة : لا ترفع صوتك يا سعد
على أبي الحكم ، فإنّه سيّد أهل الوادي، قال سعدٌ: دعنا عنك يا أميّة، فوالله لقد سمعت رسول الله مخ﴾
يقول: ((إنّهم قاتلوك)). قال: بمكّة؟ قال: لا أدري. ففزع لذلك أميّة فزعاً شديداً، فلمّا رجع إلى
أهله قال : يا أمّ صفوان ، ألم تري ما قال لي سعدٌ؟ قالت : وما قال لك؟ قال : زعم أنّ محمداً أخبرهم
أنّهم قاتليّ ، فقلت له : بمكّة؟ قال : لا أدري . فقال أمية : والله لا أخرج من مكّة . فلمّا كان يوم بدٍ ،
استنفر أبو جهلٍ الناس فقال : أدركوا عيركم ، فكره أمّة أن يخرج ، فأتاه أبو جهلٍ فقال : يا أبا صفوان ،
إنّك متى يراك الناس قد تخلّفت وأنت سيّد أهل الوادي ، تخلّفوا معك . فلم يزل به أبو جهلٍ حتى قال :
أمّا إذ غلبتني(٢) ، فوالله لأشترينّ أجود بعيرٍ بمكّة . ثم قال أميّة : يا أمّ صفوان ، جهّزيني . فقالت له :
يا أبا صفوان ، وقد نسيت ما قال لك أخوك اليثربيّ؟ قال: لا ، وما أريد أن أجوز معهم إلّ قريباً . فلمّا
خرج أميّة ، أخذ لا ينزل منزلًا إلّ عقل بعيره ، فلم يزل كذلك حتى قتله الله ببدرٍ .
وقد رواه البخاريّ في موضع آخر(٣) ، عن أحمد بن إسحاق ، عن عبيد الله بن موسى ، عن
إسرائيل ، عن أبي إسحاق به نحوه ، تفرّد به البخاريّ(٤)
وقد رواه الإمام أحمد(٥) ، عن خلف بن الوليد وعن أبي سعيدٍ ، كلاهما عن إسرائيل ، وفي رواية
إسرائيل : قالت له امرأته : والله إنّ محمداً لا يكذب .
قال ابن إسحاق(٦): ولمّا فرغوا من جهازهم وأجمعوا المسير، ذكروا ما كان(٧) بينهم وبين بني
بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب ، فقالوا : إنّا نخشى أن يأتونا من خلفنا . وكانت الحرب التي كانت
بين قريشٍ وبين بني بكرٍ ، في ابنٍ لحفص بن الأخيف من بني عامر بن لؤيٍّ ؛ قتله رجلٌ من بني بكرٍ بإشارة
عامر بن يزيد بن عامر بن الملوّح ، ثم أخذ بثأره أخوه مكرز بن حفصٍ ، فقتل عامراً وخاض بسيفه في
(١) يقصد رسول الله وي وأصحابه المهاجرين من مكة إلى المدينة. قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في ((فتح الباري ))
(٢٨٣/٧): ((الصباة ؛ بضم المهملة وتخفيف الموحدة ، جمع صابىء بموحدة مكسورة ثم تحتانية خفيفة بغير
همزة ، وهو الذي ينتقل من دين إلى دين )) .
في (أ) و(ط): ((عبتني)) وأثبت لفظ ((صحيح البخاري)).
(٣)
(٤)
(٢)
رواه البخاري ( ٣٦٣٢).
في (أ) و(ط): ((محمد بن إسحاق)) والتصحيح من ((صحيح البخاري)).
(٥)
في ((المسند)) (١/ ٤٠٠) .
(٦) انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام)) (٦١٠/١ - ٦١١).
(٧) في (ط): ((ما كانوا)).